اخترنا لكم
أنور مغيث: الهوية الدينية والمجال العام
الفلسفة السياسية هى أكثر فروع الفلسفة تعبيرا عن الأزمات والمشكلات التى تواجه البشر فى عصر من العصور. وحينما نحاول أن نستطلع ما يشغل بال فلاسفة السياسة الآن نجد اهتماما بالحقوق الثقافية وبعودة الدين وبالحق فى الاعتراف ومقاومة الإرهاب. هذه القضايا لا تخص دولة بعينها أو إقليما محددا ولكنها مطروحة على جدول أعمال المجتمعات بأسرها.
المجتمعات ليست مدعوة للاعتراف بالتنوع الثقافى فقط بل عليها أيضا دعمه وتعزيزه.
السؤال الآن: كيف نسمح للأفراد بالتعبير فى المجتمع عن هوياتهم الروحية والثقافية، وفى الوقت نفسه نحافظ على التماسك الاجتماعى واستمرار الحياة المشتركة؟
تتعدد جوانب هوية الفرد بين اللغة والعرق والطبقة والمهنة، ولكن الهوية الدينية لها مكانة خاصة.الهوية الدينية تتصل اتصالا وثيقا بهوية جماعة ما ويرى دوركايم أن الدين هو أمراجتماعى تماما، لأنه يتمركز حول الوعى الجمعى وحول حياة الجماعة. الشعائر والطقوس التى يشارك فيها الناس بشكل جماعى تمنح شعورا بالوحدة. ونظراَ لأن الهوية الدينية قائمة على الجماعة فإنها لا تكون مقيدة بالجغرافيا، فمع انتقال القبيلة من أرض لأخرى تستمر الهوية مرافقة لها. فالهوية الدينية، على عكس الهوية القومية، يمكنها أن تنفصل عن بلد النشأة، وهذا يجعل تأثيرها كبيرا وما علينا إلا ملاحظة النمو التاريخى للأديان العالمية الكبرى مثل المسيحية والإسلام وانتشارها الجغرافى.
الهوية الدينية لا تولد بصورة بيولوجية مع ميلاد الفرد لكنها تُكتسب بواسطة التنشئة الاجتماعية والتربية الأسرية والمدرسية، ولكن ما أن يتم اكتسابها فإنها تصبح أساسية ودائمة.
تحولت الهوية الدينية فى ظل الحداثة إلى مسألة اختيار فردى ولا يحددها انتماء لعشيرة أو جماعة أو أمة ولدنا فيها، وتم النظر إليها على أنها عملية يتم بناؤها بمشاركة الفرد وليس انتماء أصليا وقبليا يتحكم فى الفرد. الهوية المبنية تنطلق من مبدأ أن الأشخاص يتغيرون وبالتالى الأهمية الممنوحة لهوية ما يمكنها أيضا أن تتغير. مثال ذلك هو الهوية القومية، فقد أنشأتها الدولة القومية عمدا مع بداية الحداثة، قبلها كان هناك ارتباط نفسى بموطن الميلاد ولكن لم يكن هناك شعور بالانتماء لقومية معينة. هذا الشعور تم بناؤه من خلال رموز مثل حدود الدولة والعلم والنشيد القومى والتربية الوطنية وتعميم تاريخ معين وثقافة خاصة من خلال مناهج التعليم على كل أفراد الأمة. وتستغل الدولة هذا الشعور فى تجنيد شباب الأمة لحروب الفتح أو الدفاع.
وهكذا فالهوية القومية حديثة نسبيا ومقترنة أساسا بغايات سياسية وغير راسخة، حيث يمكنها أن تخفت وتتوارى بسبب الهجرة أو تكوين اتحادات إقليمية أو ثقافة إنسانية عالمية. الهوية الدينية أكثر تعقيدا لأنها أكثر رسوخا وتشمل أبعادا اعتقادية واجتماعية وسلوكية وعاطفية.
مع الحداثة انتقلنا من الدعوة إلى التسامح التى نجدها عند سبينوزا وجون لوك وفولتير والتى كانت موجهة إلى المنتمين لدين الغالبية بغرض تهيئة الأفراد الأفراد لقبول الاختلاف والتعايش السلمى مع ابناء دين آخر، إلى المواطنة الكاملة أى المساواة فى الحقوق والواجبات وإزاحة الانتماء الدينى إلى المجال الخاص وكبت أى ذريعة للتعبير العلنى عنه فى المجال العام.
بدأنا إذن بالتسامح وانتقلنا إلى المواطنة والآن ننتقل إلى الحق فى الاعتراف، إذ لا تكفى، فى نظر بعض الفلاسفة، المساواة فى الحقوق ولكن يجب أن يشعر الفرد بأن هويته الروحية والثقافية معترف بها. ولهذا يطالب الفيلسوف الكندى شارلز تايلور بتحرير الانتماء الدينى من أسر المجال الخاص.
ويدعونا تايلور إلى التفرقة بين نمطين من العلمانية: الأول جمهورى والثانى ليبرالى تعددى. الأول يجعل الغاية من العلمانية هى المساواة الأخلاقية بين المواطنين وحرية الضمير وازدهار هوية مدنية مشتركة بينهم. ووسيلتها كانت هى حياد الدولة فى الشأن الدينى. ولهذا اقتضت منع الهوية الدينية من التعبير عن نفسها فى المجال العام، فتحولت إلى دولة غير متسامحة مع الهوية الدينية، لأنها أعطت الأولوية لتحقيق الوسائل وأهملت تحقيق الغايات وهى حرية الضمير والمساواة الأخلاقية بين المواطنين.
العلمانية الليبرالية التعددية تقر بحياد الدولة تجاه التعدد الدينى مثلها مثل العلمانية الجمهورية ولكن تكمن نقاط الاختلاف فى تقديرها للحاجة إلى الاعتراف وفى أهمية البعد الروحى للوجود بالنسبة لكثيرين. تسمح العلمانية المفتوحة بإدارة أمثل للتنوع فتجمع بين الاختيارات الذاتية وحرية التعبير للهويات الدينية. ولكن ألن يؤدى التعبير فى المجال العام عن الهويات الخاصة إلى إثارة الفتن وتفكك النسيج الاجتماعى وتلاشى الهوية المدنية المشتركة؟ يرى تايلور أن العلمانية ليست مذهبا عقائديا ولكنها أداة مرنة لإدارة التنوع وبدونها تكون كل هذه المخاوف محتملة.
***
د. أنور مغيث
عن جريدة الأهرام القاهرية، يوم: الثلاثاء 23 من ذي الحجة 1447 هــ 9 يونيو 2026 السنة 150 العدد 50954







