قضايا
قاسم المحبشي: نظرية المجايلة التاريخية في ندوة حوارية مع صاحبها
اللقاء الافتراضي بالأستاذ سيار الجميل بالنسبة لي هو أكثر من متابعة ندوة فكرية عابرة. بل حوار متأخر بين جيلين؛ جيل تشكل وعيه في زمن الكتاب الورقي والمجلات الفكرية، وجيل يعيش اليوم في زمن الشاشة والاتصال الفوري. وبين الزمنين امتدت أسئلة كثيرة عن التاريخ والنهضة والوعي والمصير. وبحسب عالمة الأعصاب البريطانية سوزان غرينفيلد في كتابها المهم (تغيير العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا) نحن جيل المهاجرين الرقميين إذ صنفت الاحياء اليوم في جيلين (جيل المهاجرين الأجداد والآباء وجيل المواطنيين الابناء والاحفاد أي " الأجيال التي وُلدت ونشأت في عصر التكنولوجيا المتقدمة والإنترنت بعد عام 1990م إذ تُعد الأجهزة الذكية والمنصات الافتراضية جزءاً طبيعياً وبديهياً من مكونات حياتهم اليومية منذ الطفولة بالمقابل، يُمثل المهاجرون الرقميون لأفراد الذين وُلدوا قبل ثورة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، واضطروا للتكيف معها وتعلُّم استخدامها في مرحلة لاحقة من حياتهم والدكتور سيار الجميل ونحن منهما .
نادرة هي تلك اللحظات التي يجد فيها المرء نفسه وجهاً لوجه أمام نظرية تاريخية عربية معاصرة، لا يقرأها من خلال شروح الآخرين أو ملخصاتهم، بل يناقشها مع صاحبها ذاته. ولعل ندرة هذه اللحظات لا تعود فقط إلى ندرة المشاريع الفكرية الكبرى في ثقافتنا العربية الإسلامية، بل إلى ندرة أولئك الذين يهبون أعمارهم الطويلة للبحث والتأمل وإعادة بناء الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والزمن والتاريخ كما المسعودي وابن النديم وابن خلدون.
حينما اقترح الدكتور خضير المرشدي، رئيس المعهد العالمي للتجديد العربي فكرة الحوار مع الاستاذ سيار الجميل حول نظريته قبل أسبوعين رحبت بالفكرة بدوافع مختلفة يطول شرحها منها اطلاعي على تلك النظرية بوصفها مقررا في السنة التحضيرية للدكتوراه بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة بغداد عام 2001م. لهذا رحبتُ منذ اللحظة الأولى باقتراح الحوار مع الدكتور سيّار الجميل حول نظريته في «المجايلة التاريخية»؛ تلك النظرية التي صاغها بعد عقود من الاشتغال بالتاريخ وفلسفته، والتي حاول من خلالها أن يقدّم تفسيراً جديداً لحركة التكوين الحضاري العربي الإسلامي، الحديث والمعاصر.
وصلني كتابه الضخم «نظرية المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي» في طبعته الثانية المنقحة الصادرة سنة 2018. وما إن بدأت تصفحه حتى أدركت أنني لا أقف أمام كتاب تاريخي بالمعنى التقليدي، بل أمام مشروع موسوعي تتضافر فيه الفلسفة مع التاريخ، والسوسيولوجيا مع الأنثروبولوجيا، والجغرافيا مع علم النفس، والإحصاء الكمي مع التأمل النظري والنقد الثقافي مع الحس الحضاري.
وصلني الكتاب عبر الأيميل في طبعته الثانية المنقحة عن المركز الأكاديمي للأبحاث؛ العراق - تورنتو كندا عام 2018م. كتاب ضخم في 666 صفحة في خمسة فصول فضلا عن المقدمة والملحقات حاول مؤلفه أن يجيب عن سؤال بدا بسيطاً في ظاهره لكنه شديد التعقيد في جوهره: كيف يتكوّن التاريخ؟ وما الآليات العميقة التي تحكم انتقال المعرفة والقيم والأفكار من جيل إلى جيل؟ فالتاريخ عند الجميل ليس مجرد تعاقب زمني للأحداث، وليس سلسلة من الدول والسلالات والحروب والانهيارات، بل هو شبكة متداخلة من الأجيال المتعاقبة التي تتواصل فيما بينها عبر ما يسميه «التواصل الحلزوني»، حيث تنتقل الخبرات والمعارف والرؤى من جيل إلى آخر عبر جدلية معقدة من التأثير والتأثر، ومن الاستاذية والتلمذة، ومن الاستمرار والتجاوز في آن واحد.
الكتاب ضخم ويصعب قراءته وفهمه في أسبوعين لا سيما بما يحتويه من رسومات بيانية وإحصاءات كمية ومعلومات تفصيلية تدوخ بالرأس بالنسبة لمن أدمن قراءة الأفكار المجردة كمثل حالي! جذبني الكتاب بطبيعته الموسوعية إذ جمع بين التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والجغرافيا والسياسة وعلم النفس والاقتصاد ففيه وجدت اسماء معظم الفلاسفة والمفكرين الذين اعرفهم ومنهم (ابن خلدون وفولتير وهيجل وماركس وشبنجلر وتوينبي وميشال فوكو وكارل مانهايم وبيتريم سوروكين وإدرار هل وليفي شتراوس وجان بول سارتر وجيري بنتلي ومارشال هدجسون وجماعة مدرسة التاريخ الجديد ومنهم: مارك بلوخ ولوسيان فيفر وفرناند بروديل وبول فيبن وجاك لوغوف وعبدالله العروي وغيرهم .فكيف تمكن سيار الجميل من بناء هذه النظرية المهمة في دراسة التاريخ وما هي مصادره وفرضياته وما المفاهيم الأساسية التي صاغها ودلالتها ومنها(التحقيب ، الجيل، المجايلة، العصر، التكوين، الانتاج، التزامن، التزمن ، المستقبل .الخ) هذا اولا وثاني ما المداخل المنهجية التي مكنته من انجاز هذا النسق النظري الفلسفي التاريخ بهذا السعة لاسيما منهج التاريخ الكمي؟ فضلا عن مدى علاقة هذه النظرية بمدرسة التاريخ الجديد ومناهجه تهتم بدراسة كل الفعاليات البشرية وكل ما في الإنسان أو يعتمد على الإنسان أو نتيجة الانسان أو يجريه الإنسان مما له أهمية في وجود الإنسان ونشاطه وأذواقه وأزيائه" إذ أكد فرنان بروديل – وهو من أبرز رواد التاريخ الجديد – أن التاريخ يجب أن يكون شمولياً أو لايكون، "وهو يحتاج إلى العلوم الاجتماعية الأخرى، وقادر على تبني اشكال التفسير الجديدة التي تبتدعها هذه العلوم وتكييفها لأغراضه الخاصة. والتاريخ قادر بدوره على تقديم ما تفتقرإليه العلوم الأخرى، وهو البعد الزمني، الذي يمثل خصوصيته، ولايهم في نظر بروديل ان أتهم البعض التاريخ بأنه (امبريالي) يريد ابتلاع كل شيء"
ولعل أهم ما لفت نظري في هذا المشروع هو محاولته تجاوز الإشكال القديم المتعلق بالتحقيب التاريخي. فمنذ نشأة الكتابة التاريخية ظل المؤرخون يختلفون حول الطريقة المثلى لتقسيم الزمن وتحقيبه . هل نقسمه وفق الدول والسلالات؟ أم وفق الحقب السياسية؟ أم وفق التحولات الفكرية والحضارية؟ أم وفق الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية؟
سيّار الجميل يرى أن معظم أنظمة التحقيب التقليدية تعاني قصوراً منهجياً لأنها تركز على الظاهر السياسي وتغفل البنى العميقة التي تتحرك داخل المجتمع والثقافة. لذلك يقترح أن يكون «الجيل» هو الوحدة الأساسية لفهم الزمن التاريخي، وأن تُدرس الحضارة بوصفها سلسلة من الأجيال المترابطة لا مجرد تعاقب للسلطات السياسية.
وهنا تتجلى العلاقة الواضحة بين مشروعه وبين أعمال عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم (1893-1947) الذي اصدر كتاب مشاكل الأجيال عام 1928م . قبل كتاب مانهايم كان الجيل يُفهم غالبًا بمعناه البيولوجي، أي مجموعة من الأشخاص الذين ولدوا في فترة زمنية متقاربة. لكن مانهايم رأى أن هذا التعريف غير كافٍ اجتماعيًا. ف الجيل يتكون عندما يتعرض أفراد ينتمون إلى فئة عمرية متقاربة لأحداث تاريخية واجتماعية كبرى تترك أثرًا عميقًا في وعيهم وتصورهم للعالم فالناس الذين يولدون في سنوات متقاربة لا يشكلون جيلًا اجتماعيًا لمجرد تقارب أعمارهم، بل لأنهم يعيشون أحداثًا تاريخية وثقافية مشتركة في مرحلة تكوين وعيهم غير أن الجميل لا يكتفي بالاستفادة من مانهايم، بل حاول أن يؤسس نموذجاً خاصاً بالتاريخ العربي الإسلامي، مستفيداً في الوقت نفسه من منظورات منهجية ونظرية متعددة متعددة منها نظرية صديقه المؤرخ الأمريكي
جيري بنتلي ت 2012م إذ يرى بنتلي أن أفضل أساس لتحقيب التاريخ العالمي ليس ظهور دول معينة أو حضارات بعينها، بل أنماط التفاعل بين المجتمعات والثقافات المختلفة ويعتبر أن ثلاثة عوامل كانت المحركات الكبرى للتاريخ العالمي:
1. الهجرات البشرية واسعة النطاق.
2. التوسع الإمبراطوري.
3. التجارة بعيدة المدى والتبادل الثقافي.
كما استفاد سيّار الجميل من مدخل مارشال هودجسون (1922-1968) صاحب كتاب (مغامرة الإسلام: الضمير والتاريخ في حضارة عالمية) وتتلخص رؤيته في أن النهضة الغربية والتحديث لم ينشأا من "عبقرية أوروبية خاصة" ومنعزلة، بل هما نتاج تراكمي لشبكة تبادل عالمية كانت الحضارة الإسلامية مركزها وثقلها الأساسي لقرون طويلة. واعتبر أن صعود الغرب يعود لطفرة تقنية وتنظيمية حدثت في القرن الثامن عشر، وليس بسبب تفوق ثقافي أو ديني. إذ رفض هودجسون حصر الإسلام في شبه الجزيرة العربية أو اعتباره ديناً "بدويّاً" أو "عربياً" خالصاً. ويرى أن النظرية التاريخية للإسلام تتضح عندما ننظر إليه في المدى الجغرافي الممتد من نهر النيل حتى نهر جيحون (آسيا الوسطى). هذه المنطقة كانت مهد الحضارات الإنسانية القديمة، وجاء الإسلام ليعيد صياغة ودمج هذه الثقافات (السامية والإيرانية والهلنستية) في بوتقة حضارية عالمية واحدة.
هذا فضلا عن استفادة المولف من ابن خلدون والفارابي وتوينبي ولا اعرف لماذا تجاهل الفيلسوف الأمريكي المعاصر اولفين توفلر صاحب كتاب الموجة الحضارية الثالثة؟
ولعل أكثر ما شدّني في هذا المشروع هو محاولته الربط بين المستوى الجزئي والمستوى الكلي؛ بين الفرد والبنية، وبين السيرة الذاتية والتحول الحضاري. فهو يعتقد أن فهم التاريخ لا يتم من خلال دراسة الملوك والقادة وحدهم، بل من خلال دراسة الشبكات الاجتماعية والثقافية التي تنتج المعرفة وتعيد إنتاجها عبر الزمن.
ومن هنا جاءت أهمية ما يسميه «مكروسوسيولوجيا البايوغرافيات»، أي دراسة السير الفردية بوصفها وحدات تكشف عن حركة النظام الحضاري بأكمله. كتب " يعد التاريخ الكمي أحد أهم الوسائل النمطية المتطوّرة في دراسة التاريخ الاجتـ الجديد الذي اختلف في تطوّره الحديث عن التاريخ الاجتماعي التقليدي، وقد بدأ الـ بتحديث التاريخ الاجتماعي على أيدي بعض من المؤرّخين الاجتماعيين الجدد إبان السـ من القرن العشرين، مذ قاموا باستخدام بيانات التعداد السكاني والإحصاءات الديمعـ وإحصاءات متنوعة تخص الزيجات والوفيات، والطلاقات والولادات، وسحـ المستشفيات، وسجلات الضرائب، وسجلات الرواتب، وسجلات الأطفال، وسجـ المعونات الاجتماعية، وسجلات الأملاك والملكيّات، وسجلات المنتجعات والقـ والوقفيات والحدائق .. وإحصاء العربات والسيارات والنقل والسكك الحديدية و المسافرين وأعداد الحيوانات .. وغيرها من البيانات التي تحدّد جملة من المعاني الجديد دراسة شعوب بأكملها. وتشمل تلك الموضوعات التي تشمل القضايا السكانية معدلات النمو السكاني، ومعدّلات الولادة والوفاة والزواج والمرض، والتوزيعات المـ والتعليم والهجرة والتغيرات السكانية"
وعندما انتقل المؤلف إلى التطبيقات العملية للنظرية، حاول أن يعيد قراءة التاريخ العربي الإسلامي كله من خلال خمسين جيلاً متعاقباً تمتد بدايتها من أواخر القرن السادس الميلادي وصولاً إلى نهاية القرن الحادي والعشرين. وهنا يطرح سؤالاً مدهشاً: في أي جيل نحن؟ وفي أي عصر تاريخي نعيش؟
" نحن الآن قد انتهينا من الجيل السابع والأربعين ۱۹۷۹ - ٢٠٠٩ م، وستتلونا ثلاثة أجيال حتى عام ۲۰۹۹ م، حتّى يكتمل العصر الخامس الذي بدأ عام ١٧٩٩ م بالجيل الحادي والأربعين وهو جيل التأسيس النهضوي .. ثم تبعته حتى جيلنا الحالي الذي بدأ عام ١٩٧٩ أي على مدى ۲۲۰ سنة عاشت ستّة أجيال هي : جيل التنظيمات الإصلاحية، وجيل الحركة ٤٧٥" ينظر، سيّار الجميل، نظرية المجايلة التاريخية"
إنه سؤال يبدو بسيطاً لكنه يعكس رؤية مختلفة تماماً للزمن. فالزمن هنا ليس مجرد سنوات تتوالى على التقويم، بل بناء حضاري متحرك يتشكل من تفاعل الأجيال المتعاقبة.
ومن بين الصفحات التي توقفت عندها طويلاً تلك المخصصة للنساء المثقفات في التاريخ العربي الإسلامي. ففي وقت اعتادت فيه معظم السرديات التاريخية التقليدية أن تضع المرأة في الهامش، يحاول سيّار الجميل أن يدمجها في قلب عملية التكوين الحضاري. فهو يقدّم نماذج لعشرات العالمات والمحدثات والأديبات والمثقفات اللواتي شاركن في صناعة الثقافة العربية الإسلامية، مؤكداً أن تأثيرهن لم يكن هامشياً كما توحي بعض القراءات التقليدية، بل كان جزءاً من حركة المجايلة التاريخية نفسها.
بعنوان (دور المرأة ومجايلة النسوة المثقفات) دون عدد من اسماء النساء الشهيرات " بلغ عددهن (۱۸۹) امرأة، منهن (١٥) امرأة عشن في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، و (٨٥) امرأة عشن في القرن السادس للهجرة / الثاني عشر الميلادي، و (۸۰) امرأة امتدت حياتهن إلى أوائل القرن السابع للهجرة / الثالث عشر للميلاد، و (۹) منهن كن من المخضرمات بين القرنين.. مسندة خراسان زينب الشعرية، ومسندة مرو كريمة المروزية، ومسندتا بغداد تجنّي الوهبانية، وضوء الصباح عجيبة الباقدارية، ومسندة العراق الكاتبة شهدة الابري وغيرهن الكثيرات من النسوة المثقفات" (ينظر ، نظرية المجايلة التاريخية، ص 205)
غير أن الكتاب لا يتوقف عند الماضي، بل يمتد إلى المستقبل. ففي فصله الأخير الذي جاء بعنوان (عصر النهضة والمستقبليات العربية الاسلامية؛ اعادة لفهم التكوينات التاريخية في ضوء فلسفة المجايلة التاريخية) يدخل المؤلف إلى حقل المستقبليات، محاولاً استشراف مصير الأجيال القادمة في العالم العربي والإسلامي. وهو هنا لا يتحدث بلغة التنبؤ الغيبي، بل بلغة الاتجاهات الكبرى التي يمكن استنتاجها من قراءة المسارات التاريخية الطويلة.
ويذهب إلى أن الأجيال القادمة ستجد نفسها مضطرة للاعتماد على المعرفة والإنتاج والعمل، وأنها ستواجه تركة ثقيلة من الأزمات والصراعات والاختلالات التي خلفتها الأجيال السابقة. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر راهنية مما كانت عليه عندما كتبها قبل أكثر من عقدين. كتب " إن الجيل القادم والمرقم (٤٨) الذي سيعايش ثلاثة عقود زمنيّة من القرن القادم أي بین ۲۰۰۹-۲۰۳۹ والذي سينتجه الجيل الحالي (٤٧) الذي يتخضرم بين القرنين. سيتحمّل جملة مشكلات ساخنة تورثه إياها الأجيال التي عاشت في القرن العشرين، ولما سيجد الجيل القادم نفسه في قلب تطوّرات وأزمة لا يمكننا تخيلها نظراً لتعقيداتها (ينظر، نظرية المجايلة التاريخية، ص 469- 470)
لكن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في تفاصيله أو في نتائجه، بل في موقعه داخل تاريخ الفكر التاريخي نفسه. فمن يقرأ الكتاب يكتشف أنه يقف عند نقطة تقاطع بين تيارات معرفية عديدة. فهو يستلهم من ابن خلدون فكرة العمران، ومن التاريخ الجديد اهتمامه بالبنى العميقة، ومن السوسيولوجيا اهتمامها بالأجيال، ومن الأنثروبولوجيا حساسيتها تجاه الثقافة، ومن الإحصاء أدواته الكمية، ومن فلسفة التاريخ أسئلتها الكبرى.
أن ما استوقفني في نظرية المجايلة التاريخية هو ذلك الإيمان العميق بقدرة الإنسان على استئناف الفعل التاريخي مهما بلغت درجات التراجع والانكسار. فالرجل الذي قضى عمره يقرأ القرون الطويلة لا ينظر إلى التاريخ بوصفه قدراً مغلقاً، بل بوصفه مجالاً مفتوحاً للفعل الإنساني فغاية النظرية ليست مجرد تقسيم الأزمنة أو تصنيف الأجيال، بل إيقاظ الوعي التاريخي العقلاني الواقعي. إنها دعوة إلى أن يدرك كل جيل مسؤوليته الخاصة عن زمنه، وألا يعيش أسير أمجاد الماضي أو كوارثه.
إذ ادرك بحسه التاريخي المتمرس إن الأمم لا تنهض بالبكاء على الماضي، كما لا تتقدم بترديد أناشيد الأمجاد القديمة بل عندما تستأنف المبادرة والفعل و تنتج معرفة جديدة، ورؤية جديدة، ووعياً جديداً بالعالم وبذاتها والأمم التي تتوقف عن إنتاج المعرفة تتوقف تدريجياً عن إنتاج التاريخ.
وبذلك تبدو فكرة المجايلة التاريخية أقرب إلى فلسفة النهوض الحضاري منها إلى مجرد نظرية في التحقيب التاريخي . فهي تذكّرنا بأن كل جيل يرث العالم ناقصاً، ثم يغادره ناقصاً أيضاً، وأن القيمة الحقيقية لأي جيل لا تكمن في مقدار ما ورثه، بل في مقدار ما أضافه إلى الإرث الإنساني العام. وبهذا المعنى نفهم فكرة اللا اكتمال عند الدكتور خضير المرشدي رئيس المعهد العربي للتجديد العالمي إذ أكد" إن اللااكتمال ليس مجرد فلسفة، إنَّما عاصفة في قلب الغموض. إنه موقف وجودي يقول: الجهل ليس عار، بل بوابة الاكتشاف. والسؤال ليس ضعفاً، بل قوة تحطم جدران الروتين، في بيئة عربية لا تزال تتردد أمام التغيير وتتهم وتشتم مع يسعى لذلك ، وتميل إلى اليقين كملاذ آمن، يأتي اللا اكتمال كثورة فكرية، يحثنا على القفز إلى المجهول بشجاعة، وعلى بناء الأفكار من الأسئلة، كما يبني الفنان تحفته من الفراغ"
خاتما يمكننا القول: أن قيمة نظرية المجايلة التاريخية تكمن تحديداً في أنها تقف عند هذا الحد الفاصل بين الماضي والمستقبل. فهي تنتمي إلى تقاليد التاريخ الجديد من جهة، لكنها تنفتح من جهة أخرى على إمكانات التاريخ الكمي وتحليل البيانات. إنها محاولة عربية جادة لإعادة التفكير في الزمن الحضاري بوصفه بنية معقدة من العلاقات والأجيال والتكوينات المتداخلة.
ولهذا فإن الحوار مع سيّار الجميل ليس حواراً حول نظريته في سلسة الأجيال فحسب، بل حول معنى التاريخ في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وكيف نعيد بناء وعينا بالزمن في عصر تتسارع فيه التحولات إلى حد يجعل الماضي نفسه مادة لإعادة الاكتشاف في كل لحظة؟ فنحن نقف على أعتاب براديغم تاريخي جديد تُشكّله الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد التاريخ مجرد سرد أو تحليل للوثيقة، بل صار شبكة من البيانات الضخمة، تُقرأ بالخوارزميات والتعلّم العميق، ويعاد إنتاجها على ضوء تفاعل الإنسان مع الآلة. لقد أصبح المؤرخ يجاور عالم البيانات، وأضحت الذاكرة الإنسانية رقميّة، قابلة للدمج والحذف والتحليل اللحظي. وهنا يطرح السؤال الفلسفي الحادّ:هل نحن أمام ميلاد مدرسة تاريخية جديدة؟ مدرسة التاريخ الخوارزمي، حيث يُصبح ماضي الإنسان قابلًا للحوسبة؟أم أن الذكاء الاصطناعي سيُحوّل التاريخ إلى محاكاة تحجب معنى التجربة الإنسانية نفسها؟
***
ا. د. قاسم المحبشي







