مقاربات فنية وحضارية

مقاربات فنية وحضارية

يقابلنا اسمُ لوحة" أمي" للفنان الليبي رضوان أبي شويشه Redwan Abu shwesha كما نقابل إنساناً مفقوداً منذ آلاف السنيين. الحُروف مرهقة جراء ترحال لم يتوقف بعد، والشحنة الوجودية تزدادُ ثقلاً دون تراجع، وصوت الكلمة بعيدٌ إلى درجةٍ كبيرة. لدرجة أنَّ الوصول إلي الصدى المهموس للأم أمر بالغ المشقة مع الألوان والنقوش الباهتة.

ثم ها هو الفنان يدعُونا للتعرف على معناها كما يتعرف القارئ العابر على وشمٍ أو نقشٍ أو حزٍ صخري. وهو التعرُف الوجودي في المقام الأول. لم يُصِغْ أبو شويشه كلمة الأم بألف ولام التعرف ولا بصيغة المجهول. ولو أراد ذلك، لكان قد قال الأم قصداً. لكنه أراد إرجاع الأم إلى نفسه في حركة متبادلة بينه وبين كيانها( أمي). ذلك من غير أن يتدخل أحد حتى ولو كان الموت، لأنه سيرجع إليها طوال الوقت في جميع حياته وسيعتبرها أصل وجوده البعيد والقريب.

140 ابو شويشة

وإسم" أمي" حين يُهمس بالنداء، يطرحه الفنان خجلاً وتسللاً إلى حضرتها، لأنه يرى في أمه شيئاً نفيساً يستحيل على غيره أنْ يدرك مغزاه. وفي اللوحة السابقة، يتهيب أبو شويشه من الإطلالة على أمه وهي مجرد مومياء متصلبة وملفوفة في أهاب الموت. وقد ظهرت اللوحة السابقة مكونة من تجاور لوحتين ما بين مومياء أمه واختلاس النظرات إليها، إلاَّ أنها لوحة معبرة تماماً. كأنَّ الفنان ينظر إلى الأفق اللامتناهي من ورائها، ويتوجس من علامات معينة تجاهه، أو ربما يخشى الظهور بجوار أمه.

مومياء الأم

أودع الفنان أبو شويشه أمه طيّ اللوحة كأيقونة حفرية بحنين الفقدان الذي يتجلى داخل حروف" أمي". وأمي هي عنوان اللوحة كما أشرت، وهو عنوان يعبر عن مفارقة فقدانها وتذكرها، غيابها وحضورها. إنه يرسم بصيغة الأرشيف مومياء الأم، حتى أن الرسم عبارة عن علامة زمنية لتخليد الأم. وحرص الفنان خلال اللوحة على وجود الزي التقليدي الذي تتزي به المرأة الليبية، وكأن أبي شويشه يريد القول إن أمه حيّة ومازالت بلباسها المعهُود بين الناس.

141 ابو شويشة

 

لنلاحظ (من مقارنة اللوحة والصورة) أنَّ الفنان قد نحت أيقونة أمه بالمطابقة تخليداً لكيانها، هذا الخلود الذي يسكنه منذ الأزل. فعندما اختار الشكل الأيقوني (والموميائي) لرسم الأم، كان يردد بأنها أسبق من الزمن، أنها هويته التي ينتمي إليها ويستقر. هوية معبرة عن وجوده بالمقام الأول. وليس أدل على ذلك من كونه قد رسمها بكامل هيئتها ومثلما كان يجلس في حضرتها دائماً. إنه نوع من التخليد الفني بإيقاف عجلة الحياة عند وجودها طالما غادرت هي الحياة دون رجعة. والتشبت بصورة الأم ونحت مسماها الكوني عند تلك اللحظة أمران مهمان للاحتفاظ بوجودها الأصلي كما هي.

ولعل رسم الفنان أمه على هيئة مومياء إشارةٌ فرعونية إلى حميمية وجودها. فالفراعنة كانوا يحنطون موتاهم بأبهى صورة وأزهى الألوان من أجل أن يبعثوا بتلك الكيفية ولكي يحيوا حياتهم الأخرى سعداء النفس وصحيحي الجسد. والفنان نحت مومياء أمه بالرسم التشكيلي على جدار اللوحة، وليس بالصخر أو الحجر، وقد ربط نظرنا بكيانها الفني، لأن الصورة توضح المعالم وتعطينا انطباعاً بالشكل، والهيئة بينما المومياء تعطي كيان الأم درجة من الوجود شبه المكتمل.

هكذا يرغب الفنان أبو شويشه أنْ يمارس التشكيل الفني والتشكيل الوجودي معاً، وهذا هو السر الفني القائم على أن الأم هي الهوية، فنحن نقف أمام الأم كهوية عميقة الجذور في أنفسنا. وليس هناك من جذور غيرها. الهوية عادة تريد أن تتشّخص لا أن تغيب وتتوارى. فإذا كانت توجد خاصية أساسية لأية هوية، فهي تتسم بالتوجه الذاتي نحو التشخص في كيانات ملموسة. كل هوية تدعو أن تكون هوية خالقة بالمعنى الوجودي. ولذلك ليس غريباً علينا أن نتمسك ببعض الأشياء والعلامات المادية داخل أوطاننا بحسبانها معبرة عن هويتنا.

من جانب آخر، ترجع الياء في كلمة" أمي" نسباً إلى الفنان في صرخة مكتومة عبر معنى أصيل لم يمسسه بشر ولا يتيح لأحد انتهاك وجوده. إنَّه يُسمعنا المعنى بالفرشاة والألوان، ويضعه تحت أيدينا حين يترك عليه غبار الألوان الترابية. فالأم ليست واحدة، لأن الأرض أم كذلك، والطبيعة بمثابة الأم ولغة التكوين الفني يمكن اعتبارها أماً. إذن هل الموت يجمع داخله عدداً من الأمهات؟!

142 ابو شويشة

لكن الرتم الخفي للوحة الأم يجري كأنَّه أصل لا نظير له إلاَّ بالمصير الوجودي في طيات الماضي العميق، هذا الماضي الساخن بلهب العواطف الأمومية لدى الفنان. بحيث ينطبق لفظ " أمي " على نداء كل من يشاهد اللوحة. من تلقاء نفسه يقف العنوان " أمي " داخل عين الناظر، لا لأنه موضع تلقٍ، لكنما باعتباره تجربة حياة وهوية. ولذلك من الصعب النأي عن الهوية أثناء التقاء أكثر من أم في تابوت واحد هو الوجود الذي يحملنا جميعاً. فالوجود يجمع كل الأمهات داخل هويتنا الأصيلة.

لقد كان الرسم الفني للأم مومياء قديمةً، جفت وبهتت وأضحت ورقة مهترئة كبردية فرعونية أو كرقائق حجريةٍ. هو بذلك يُسمِّي ظل الموت أمه، فيجسد الحاضر فناً منقوشاًحين يتوارى غياباً بلا رجعة، فهو– الابن- بعضٌ منها بينما هيبمثابة كلُّه المتواري. لذلك تعلق بها بقدر مراسم الدفن ضمن عمق اللوحة. الأم هي الغائب الحاضر طالما فقدناها مثلما كانت سراً لنا وفيناً. ليس ممكناً إداء شعائر الأمومة خلال تلك الفجوة السوداء من كيان الإنسان دون نزيف العدم. وليس المرجُو غير البحث الدؤوب عما فقدناه من قبل وبعدما فقدناه بالمثل.

الفكرة المهمة أنَّ حياتنا هي الأم حين ضاعت قبل أنْ تضيع كما قد نظن. فكل أم لنا تعود بكيانها البعيد إلى جنة آدم الضائعة، ويوم أن هبط آدمُ من الجنة ظللنا كبشر من أبنائه نبحث عبثاً عن أمهاتنا التي تتشخص في الجنة المفقودة. ولهذا أخذت تجليات الأم تظهر مع الممارسة الإنسانية، فكانت الأم كنفاً هي حواء أو سعادة هي حياة يرجوها الإنسان أو أملاً يسعى إليه طوال مسيرته على الأرض. في هذا المقام كثيراً ما نسمع عبارة " الجنة تحت أقدام الأمهات"، وهي ليست مبالغة لأنهن كنّ جناناً عندما حملن أبناءهن جنيناً ومستقبلاً. لذلك من غير المستغرب التقارب الدلالي بين كلمتي " الجنة والجنين".

فالجنة معروفة بكونها الفكرة الموجودة في ذاكرة وأحلام البشر، وهي موضع الحنين القديم لكل آدمي. أما الجنين فهو الموجود البكر في الرحم الأمومي كأنه البديل عن الجنة الموعودة.  تلك الجنة التي يفقدها الإنسان بمجرد خروجه إلى الحياة. والفنان أبوشويشه يريد إرجاع الحلم إلى أصله وتثبيت الأم فوق الأصل والحلم معاً بأن جعل أمه أيقونة متطلعاً إليها ومتشوفاً إلى الجنة التي تعد بها.

أرشيف الأم

على افتراض أنَّ الأم لغة تسبق اللغة المعروفة، فعلام تدل؟ وعلى افتراض أنها رسم فني يقطن الأثر، فكيف يتشكل؟ وعلى افتراض أنها حقيقة متولدة عبر المجهول، فماذا ستكون؟... هذه هي الأسئلة التي تحدد خريطة رسم معاني الأم إجمالاً. إذ عندما نشعر برمزية الأمومة لا بالأم البيولوجية فقط، فإن إنساناً بما هو إنسان سيتكلم، سيتكلم عن ماهيته، وعن جوهر حياته، وكيف– مع فقدانها- سيشعر بشيء اسمه ضياع الوجود.

إنَّ تلك الأطر الإنسانية تقف في نواة كل هوية تشد أبناءها بولاء وايمان لا ينتهيان. وتمتزج معاني الهوية لدينا نحن البشر بصدى الأمومة، لكونها منبعاً لما يربطناً بأسرارنا البعيدة. ومن ثمَّ، ستنفتح الهوية دائماً على تداعيات سياسية واجتماعية واخلاقية وتراثية. فهل نتحدث عن الهوية حين نفقدها أم أننا نبقى تحت التهديد بفقدانها الدائم؟ هل لا يحق لنا ارجاع الأم إلى أنفسنا إلاَّ حينما تتلاشى من حياتنا؟

143 ابو شويشة

على أن الفنان أبي شويشه قد عاد ليجعل الرسم الفني شكلاً حياً. فملابس الأم مثلما أشرت بها علامة تمارسها النساء الليبيات بتغطية الوجه بطريقة معينة. وهذا الوضع يُبقي ورقة المومياء القابلة للقراءة بمنطق التقاليد الاجتماعية السارية، والتي تشعرنا بالبقاء على قيد الحياة. بالتالي تعد لوحة أمي للفنان أبي شويشه سؤالاً حول معاني الهوية، فهل تعد فقداً لما هو حاضر أم غياباً لعناصر نشعر تجاهها بالأصالة؟ إن الرسم الفني للوحة( مظهراً ولوناً وحفراً ) تشكيل لهوية لن تأتي كحال أية هويةٍ أخرى. ففي اللحظة التي نتصور خلالها أن هويتنا ذات حضور حاد ندفنها في مواكب الموت. و ربما لا نتمكن من التوحد بها، رغم أنَّها رمز أمومي لنا في الحياة والثقافة، كما نردد عادة باستعمال لفظة الأم حيال الأوطان وبعض الأفراد.

وهنا تكون الأم هي رسالة الموت الحي، كل هوية لنا هي موتنا في وضع أمومي لابد من دفنه بثرى الخيال والحرمان الحاضرين. إن أمي هي علامة على أناي المفقودة، هي إشارة إلى حقيقتي التي دفنت وسأشعر معها باللاوجود. ستأتيني مع الخيال كشبحٍ هو مجمل ما أعرف عن ذاتي. ستنتظرني بالحرمان داخل لوحة هي أنا ولن تعود إلاَّ بعودتي من جديدٍ إن كان هذا الشيء ممكناً. لهذا تحتاج الحياة إلى تجديد العلاقة مع الشيء الأكثر غموضاً المسمى بالهوية. فإذا اطمئن إنسان لمعرفة هويته، فلنعلم عندئذ أنَّها قد أفلتت من قبضته. وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات التي تسعى إلى نحت أصنام الهوية على شكل ثابت داعية إلى طقوس العبادة والتقديس.

السؤال الجدير بالطرح: هل لنا أمُ كونية غير الأم بالمعنى البيولوجي؟ يبدو الاستفهام محيراً وملتوياً، غير أنّه لا يتوقف عن التداعي. كلما فقدنا أماً كان هناك الفطام الوجودي لأصالة لم تعد في هوية مع أنفسنا. مما يشعرنا عادة بالاغتراب الوجودي عن أصالة مفقودة باحثين عن بقاياها طوال الوقت.

ولذلك في أرشيف لوحة أمي لأبي شويشه، توجد دلالة (الهوية- القبر). وعلى تلك الخلفية ترمز الأم إلى: الحجر- التابوت- الطبيعة- الأرض- الحقيقة- الغياب- الأثر - الكتاب- النقش - المومياء داخلنا. وفي وضع الأم كعلامة محنطة، تنزوي كل هوية ضمن أعماق ذاكرتنا البعيدة. إنَّ الهوية أمٌ تتلقى من أبنائها يومياً مزيداً من الرثاء والبكاء الوجوديين.

***

د. سامي عبد العال

 

ينظر الناسُ إلى الأشياء الهشّة كأنّها بلا قيمةٍ، فهي- من وجهة نظر البعض– تعكس معنى الضّعة والفوات والتحلُّل. وليست القضية إلاَّ مسألةَ وقتٍ وتصبح الهشاشة نسياً منسيّاً. لكن الفن له توجهات أخرى تماماً، ولاسيما الفنون التشكيلية التي تجعل من الهشَّ ذات أهمية قصوى إزاء أي شيء قوي. وهنا ليست النظرة العادية هي المعيار دائماً، لأنَّ الاعتيادي يحمل ما هو فائق الإبداع والقدرة على الاختلاف. الفن يكتشف الأشياء من جديدٍ، ويعرفنا على العالم كما لو لم نعرفه من قبل، كما هي جوانب لوحة الحذاء لفان جوخ.

4728 الهشاشة

ليست الهشاشةُ ضرباً من اليأس نتيجة حالةٍ موضوعيةٍ، ولا هي مُعطى مباشر مقذوفاً به أمام النظر من أولِّ وهلةٍ. ولكنها قد تمثل عملاً فنياً مكتفياً بذاته إزاء قبح العالم. فالفن يُعطي ما هو هش دلالة نافذة الوجود إلى إقصى مدى، ويجعل من الضعف قوة فنيةً غير عاديةٍ. ذلك أنَّ الفن به (فائض وفرة) على القول عبر كل متلقيه في وقت واحدٍ، كما أنه يردد أصداء ما يشكله طوال الوقت دونما إبطاءٍ. وحدّهُ الفن التشكيلي يعطي الإنسان فرصة "نفخ الروح" فيما يُبدع مشتركاً في أبرز السمات الجوهرية للفنون عموماً.

من تلك الزاوية، تعدُّ الهشاشة طاقة فنية متمردةً، متفلتةً، لدرجة العصيان أحياناً. إنَّها لا تخضع لمقولات العقل ولا مقولات الأخلاق، وتتمنّع أمام النظر المباشر حتى يأخذه الوضع إلى التنحي جانباً. والأمر أكثر من ذلك، فقد تكون الهشاشة حالةً واقعةً خارج السيطرة، بسبب كونها موقعاً منسيّاً رغم بروزها وانكشافها، وقد تكون نقطة وهن إنساني ألقاها الزمن في مجرى الحياة. ولكنها في كل ذلك تعد ذروة الواقع وقوته القصوى التي لا يملك الإنسان سواها.

الهشاشة في الفن ليست حادثةً ولا واقعةً تسير بإمكانية الدفع الذاتي، لأنها محض هشاشة ببساطة وكفى. ومن غير المنطقي أنْ تصدر عنها قوة غير متوقعةٍ، لكنها أثر يستعيض عن القوة بالمعنى الخاص بها. فقد تتجلى في شكل من الأشكال أو في فعل من الأفعال أو في لقطة حية أو مرسومة بشكل فذ، غير أنها في كل هذه الصور تشب عن الطوق. وتأتي معاني الهشاشة من قدرتنا على الملاحظة والتخيل لا من مصدر آخر، فالطبيعة لا تبالي بما هو هش ولا مكان له في الحياة، لأن الأكثر عنفاً وتعبيرا عن وجوده هو الذي يأخذ كلَّ المساحة الممكنة.

هكذا يسري ذلك المعنى الصامد عبر لوحة الحذاء للمبدع" فان جوخ " التي تكشف حالة خاصة من الهشاشة المعبرة،... وهي لوحة الشهيرة ترسم البؤس والشقاء بأقرب التفاصيل اليومية. الحذاء ممزق ويُفرّغ مضمونه الحسي باقياً عند الدرجة الأبعد لدلالته أمام الرائي. أي ليس يهم أية أرجُل كانت سترتديه ولا أية أرجل قد ارتدته بالفعل، إنما الأهم هو حالته الممزقة التي تجسد وضعاً مزرياً لمن كان يرتديه. وهو بذلك حذاء يُوجد في إطار لوحة لا ينفصل عنها بحال من الأحوال، وبالتالي لا ينبغي النظر إليه إلاَّ عبر هذا الإطار الحي.

تستدعي لوحة الحذاء لفان جوخ كلَّ حالات البؤس مرةً واحدة، فللناظر أنْ يملأ الفراغ بما شاء من أرجل، من أصابع، من تاريخ مرتبط بتشقق الأقدام والجلد والكد والفقر والبؤس، بل من أجساد وأشكال ووجوه وخطوات ومسارات في الحياة. فالبؤس يكمل بعضه بعضاً حتى النهاية التي تستمر عبر أذواقنا إلى الآن. وهذا ما يجعل اللوحة منشوراً ثورياً بالأساس، يجدد نفسه أمام أية عملية تلقٍ. لأول وهلة، فإن الحذاء يضمر تاريخاً من الحياة الدالة على إفرازها الإنساني وعلى ذاكرتها النوعية. ولهذا فالحذاء كعمل فني لفان جوخ مختلف تماماً عن أي حذاء آخر.

4729 الهشاشة

وقد جاءت الهشاشة واضحةً في تجريد الحذاء من أية سلطة، حتى من نفسه. أنه مجرد تماماً مما نتصوره عنه من معطيات وعلاقات بالوسط الموجود فيه. أي تمَّ انتزاعه من كونه حذاءً يعتد به في (سوق الأحذية) عاكساً القيمة والقوة إلى أن غدا كياناً دون قيمة. فلو ارتداه إنسان، فكأنه لا يرتدى شيئاً بسبب التمزق الذي أصابه. ولو اقترب منه أنسان آخر سرعان ما سيغادره دون رجعة، وفي الوقت نفسه لا يصح وضعه خلف فاترينة العرض، فهو حذاء منهك حدَ الإفلاس وبائس حدَ التمزق ومنكفئ على نفسه لدرجة التفرد في حالةٍ من الإزدراء.

الفن التشكيلي حين يصور موضوعاته الهشة، الضعيفة فإنما يلتقط لحظة نادرة الوجود. وكأنه يقلب الطاولة أمام الطرف الأقوى في أرجوحة: الهش – العنيف، القبيح – الجميل، الأعلى - الأدنى، علماً بأن الطرف العنيف لا يدع فرصةً للآخر. والمغزى أن الفن يعطى موضوعاته" قوة اللاشيء" power of nothing. لأنَّ جوهر العمل الفني هو التعبير عن أصالة الوجود البشري بكافة صوره الممكنة. يتساوى الوجود في ذلك مع ما يُسمى على الأقل قوةً في سياقها العام. والمعايير التي تبدو مفروضةً بحكم الواقع ليس لها مبرر مقنن أمام ما يقدمه العمل الفني.

ذات مرة اعترف فان جوخ بأنه لم يلجأ إلى نظام بعينة أثناء انجاز أعماله الفنية، ولم يستعن بخبرة فنانين آخرين لتطبيق فكرة الطلاء على القماش.. في رسالة إلى أحد أصدقائه المقريبن قال فان جوخ معبراً عن تقنية الإبداع التلقائي: " في ضربات الفرشاة  الخاصة بي لا أحاول العثور على نظامٍ معين، فقط أحاول أن أرسل الضربات مباشرة إلى القماش، وهي عادة ضربات غير منتظمة من الفرشاة، وأتركها كما هي تعبر عما أقوله بشكلٍّ حر". ولكن على القماش أن يواصل ما تخطه الألوان ويتحول إلى طاقة فنية هادرة، وعليه أن يؤسس وجوده الآخر والمستقل. فالألوان على القماش ليست مادةً خاماً، لكنها قيم يعبر بها الفنان عن درجات الحياة ومعانيها.

قد يرى البعض ذلك نوعاً من العبثية على نحو عام، إلاَّ أنه لا يمكن وصف أحذية فان جوخ بأنها صور سيريالية للواقع، فهي أحذية مرسومة بطريقة دلالية في المقام الأول، وهي حالات مدروسة فنياً بكل عناية وإهتمام. فكل منعطف وكل ثقب وكل ترقيع وكل إهتراء وكل مزق وكل ترهل .. أشياء متقنة ومعدة إلى درجة الإبهار. يمكننا فقط ملاحظة المفاجآت الإبداعية الكامنة فيما وراء تلك الأحذية، إنها معطيات لعالم من قطع القماش الذي يحكي ويسرد أزمنةً بمجملها.

4730 الهشاشة

إن ما قاله جاك دريدا عن لوحات الأحذية يظل أمراً فلسفياً مُعبراً عن إبداع فان جوخ: "هناك في لوحات الأحذية لفان جوخ نسق آخر من الخصائص المستقلة المميزة لا يكشف عنه جوخ بسهولةٍ. فهي لوحات نموذجية تعكس قدرات الفنان الخاصة وتمتعه بإعادة اكتشاف المألوف وتقديمه للمشاهد. هذا النسق ينفصل في نقطة ما ليجتمع بأطرافه وعناصره مرة ثانيةً في نقطةٍ أخرى. وبإستخدام خيط غير مرئي خفي يثقب قماش (كأنفاس حية) اللوحة ويخترقها كما تثقب المقرنة الورق، ومن ثمَّ تخرج منه لتصير أجزاء القماش كُلاً متكاملاً مجسداً لروعة امتزاج العالمين الداخلي والخارجي للوحة، يجمع جوخ ما بين عوالمه الداخلية والخارجية في لوحة فنية مازال معناها محل نقاش وجدل".

في تلك النقطة يمكن للقارئ أنْ يطرح سؤالاً مهماً: ما الذي كان يقصده جوخ من وراء رسم هذه اللوحات؟ أحياناً الأحذية ما هي إلاَّ أحذية كما تبدو، غير أن المتلقي الذي يتأمل اللوحات قد يدرك أن لهذا الحذاء المهتريء خصوصية متفردة دون سواه. يقول الحذاء: " أنا لست شيئاً ذال بال، فلتنظروا إلى وضعي المزري الذي فاق الحدود، ولا أجد لي مساحة معتبرة سوى الإلقاء على قارعة الحياة. فعلى أفضل الأحوال لا أريد أنْ أظهر إلاّ كما أنا مرمياً ومطروداً من الاستعمال. ولن يكون هناك إنسان مثلما كان إنساني الذي ضممت رجليه يوما ما، وربما تعد ملامحي الجلدية وثيقة على حقبة بأكملها ".

بالفعل كأنَّ الحذاء عند جوخ هو الحذاء – الوثيقة Shoe- document، لأنه علامة فنية تكتب على الجلد المهترئ المصنوع منه تاريخاً آخر ليس أقل من وصفه بحياة عاشها أناس بعينهم. الحذاء نوع من البوح الفني الإجتماعي بأن الأجل لا تقل شقاء عن حال الحذاء. وجميع درجات التمزق والإنزواء التي تميز الحذاء هي ذاتها درجات البوح التي تقول بملء الكلمة ما لم تقله كتب وصفحات بمجمالها. والحذاء دعوة للقراءة الفنية الاجتماعية لما يشكل وجود الإنسان. الحذاء هو وجود الإنسان من الأساس. انتظر الإنسان طويلاً حتى يكون الحذاء علامة على وجوده، على الرغم من كون لوحة الحذاء تعبر عن هذا بكل سهولة وبساطة منقطعة النظير.

4731 الهشاشة

من هذه الزاوية فصاعداً، لئن انتفت الحاجة الى هذا الحذاء وقُضي بأهماله، فلأنه يحمل عدة أشياء:

أولاً: قد جُرد الحذاء من الأقدام العارية التي كانت تنتعله ومن عملية الانتفاع من قبل مالكه ومستخدمه وبالتبعية من نشاط الشخص الذي كان يرتديه. والحالة التي عليها الحذاء تشف بطرف آخر ما معنى الأقدام التي ارتدته يوماً ما. لأنَّ الحذاء مُنهك الخطوات وفاقد الوجاهة ووصل إلى بقية حياته التي تثقل كاهله. وبالتأكيد هي قد أثقلت كاهل الشخص– صاحبه. وفان جوخ في هذا الإنتزاع للحذاء قد أخذ الأخير كرهينةٍ وكدليل مدى الحياة: على ماذا فعل به الزمن؟!

ثمَّ تحول الحذاء إلى أيقونة لا تقل قيمةً عن الإيقونات التي تزين الجدران والبيوت المقدسة والمعابد وغيرها. ولا يفتقد رائي الحذاء لتداعيات المشهد إلى صور بديله أخرى عبر خياله التاريخي. فلكل منا حذاؤه الخاص بالطبع، ومن ثم سيكون الحذاء  كتاب معرفة بحكم أننا نعرف ماذا حدث مع الحذاء طالما كان بهذه الكينونة. ولو كانت ثمة عبارة جامعة معبرة في هذا الشأن، لكانت أنَّ " الحذاء هو الإنسان". إنه يرتبط بكل مساره في الحياة، عثراته ونجاحاته والأحداث التي مر بها والمفاجآت التي توالت عليه وإقتحمت وجوده الهش.

ثانياً: كون الحذاء حذاءً مرسوماً في لوحة فنيةٍ يعني أنه مفيد ضمن حدودها التي ينبغي التفكير بها بصيغ الألوان وخامة القماش والرباط الذي يدخل في ثقوب الحذاء. يمر الرباط مباشرةً عبر الفتحات (ثقوب صغيرة في طرف حذاء يُدخل فيه الشريط) التي تتخذ شكل أزواج متقابلة يخترقها الرباط بصورة متعاقبة، ليظهر للمشاهد في جانبه الخارجي ويختفي في مقابله الداخلي. لكن هل يعني الظهور والاختفاء المتعاقب للرباط عبر ثقوب الحذاء في اللوحة دمجه جلد الحذاء كنقوش الرسم؟ يخترق الرباط الثقب عبر الفتحات المعدنية (الحواف)، وهو بذلك يخترق الجلد الذي صُنع منه الحذاء وقطعة قماش الرسم في آن واحد. وأكثر من هذا إنه يخترق وعي المُشاهد الغفل ليربطه بالجوانب الأخرى للعالم الذي يتأمله ويتلقاه. وكأن رباط الحذاء هو رباط اللوحة والحياة بصورة متداخلة ومتسللة إلى درجة بعيدة.

ثالثاً: يفتح الحذاء طريقاً للوراء لا إلى الآتي، ذلك بقدر ما يبدو مستعملاً وبه كم من فقدان الصلابة المطلوبة. لأنه بحرفية العبارة قد تفتت، أي تمت دغدغته، ومعه تمت دغدغة كل آمال بإمكانها أن ترى عودته للإستخدام كرة أخرى. فكأنه قد وصل إلى محطته الأخيرة مقذوفاً بعد أن قطع المسيرة مع الأقدام البشرية. والافتتاح المقصود أنه يجعل وجوده فضاء للتذكر والعودة إلى الخلف بشكل قوي. وهذا ما يعبر عنه وجه اللوحة وتنويعاتها الفنية مع درجات الألوان المختلفة.

رابعًاً: إذا كان" الحذاء هو الإنسان " معبراً عن حياته، فالمعنى الطريف في لوحات فان جوخ أن الإنسان ذاته– من جانب عام- هو حذاء العصر في أي زمان ومكان. بمعنى أن هناك إسقاطاً من لوحات فان جوخ على تحول الإنسان نفسه إلى حذاء للقهر والفقر والبؤس والمعاناة. وذلك نتيجة القمع الواقع عليه والمستعمل له حتى أمسى حذاء ملبوساً حد التمزق. ومثلما يرتدي الإنسان البائس حذاء مهترئاً، فإن الأنظمة المستبدة وظروف العصر قد لبست (إرتدت) كيان الإنسان كأنه حذاء ليس أكثر. وغالباً ما تتركه الظروف مرمياً وهشاً بلاقيمة على قارعة التاريخ. إحدى اللوح يظهر فيها ثقبان بأعلى رقبة الحذاء، كأنهما عينان لإنسان منهك وفاقد إنسانيته ولا تظهر ثقوب أخرى في هذا المشهد. والعينان يعطيان حرية التخييل لدى المتلقي في اعتبار الإنسان هو (حذاء البؤس) الذي قد تعيشه بعض المجتمعات.

خامساً: يبدو أنَّ الحذاء في لوحات فان جوخ بمثابة" استعارة سيميائية " تستحضر استعارات القهر ومسيرة الإنسان المنهكة في الحياة. فلئن كانت ثمة أحذية تحمل تبعات حياتنا من مرحلة إلى سواها بهذه الشاكلة، فاستعارة الحذاء تستحضر الإستعارات الأخرى التي تضعها وسط الصراع والتفاعل داخل المجتمعات. مثل استعارات المشي والشقاء والكد والعمل المتواصل والفقر التي تتداخل في أجواء اللوحات. وربما تلك الفكرة جعلت فان جوخ تاركاً الحذاء لمن يرى فيه نفسه كما هو بلا رتوش أخرى.

***

د. سامي عبد العال

 

غسان فيضي المولود في معقل البصرة، يعرف من أين جاءت السفن، وأين رست؟ حرارة التوابل تخطف رغباته عندما تقع الشمس على أطراف النخيل تطير كالحمامات، ههنا حاضر له زمان ومكان يتذكر فيه موت أبيه، باحة البيت تتوسطها شجرة سدر، طالما تلعنها الأم بإعتقاد منها أنها تجلب النحس إليهم، ها هي العائلة تعدّ نفسها للرحيل، ينسون أيامهم خلفهم.

يشعر الفنان التشكيلي فيضي المقيم في فرنسا بالحزن لأن مدينته البصرة تنسى أبناءها ، حين لا يجد أثراً لاسمه من بين (تشكيليو البصرة)، الكتاب الذي أصدره الناقد التشكيلي خالد خضير الصالحي عام 2017، وهو يستعيد الأيام والأحلام والذكريات كواحدة من صفحات تاريخ الفن في العراق، وقد أدركها الغياب من طول ما بعدت عنه ونأت، إذ تبدو له من وراء شفيف ضباب السنين، وردية قليلاً، شاحبة في أكثر الأحيان:

كنت قد اخترت يوماً غائماً لأغادر البصرة، ورحت أشرب حفنة ماء من نهر (بويب)، وأقول لأهلها: سلاماً أيها الباقون، سلاماً أيها النخل، لم آخذ أدوات قلبي كلها، تركت بعضاً منها هناك، يقول فيضي المولود عام 1948: استحضرها على الدوام في أعمالي الفنية، بعد أن تركت الوطن عام 1974،نحو باريس بعد عام واحد من تخرجي في أكاديمية الفنون الجميلة، كنت أحمل معي حقيبتي الصغيرة وآلة العود. بكفالة صديقه الفنان فيصل لعيبي، الذي سارع هو الآخر للالتحاق بغسان، ينطبق عليهم المثل المحلي (عصفور كفل زرزور واثنينهم طيارة)!غسان فيض 139

اصنع بنفسك ما تشاء يا غسان، فقد اخترت طريق الرحيل، واسم حضارة الرافدين والموروث العراقي يرنّ على خطاك، ربما امتلأت رئتيك بهواء المعقل وبغداد، فرحت الى مواجهة الزمن المتحرك، بما يحمله من توقعات حادة ومفاجئات قد تعطّل في نفس الفنان تلك الطاقات الحبيسة التي تريد أن تعلن عن ذاتها بسرعة.

ومثل هذه المعادلة الصعبة التي تفضي الى حالة من اللاتوازن مع العالم الذي يحاول الفنان جاهداً أن يبقى على علاقة سليمة به، قد لا تسعفه في المضي بالتجربة حتى نهايتها لانه حينما يقف إزاء كل جبريات الحياة ويواجه امتحاناتها ومعضلاتها، يجد أنه في حاجة الى معين يتجدد من طاقة الحياة لاينضب، حملت عودك الى أنفاق مترو باريس ترسم على جدرانه، وتعزف كي تأكل، مغامراً في آن أو مكتشفاً في آن آخر، كنت تعمل طبقا لمزاج خاص لم تهزّك عواصف التحديث.

أدرك غسان ذلك حين بدأ الدراسة في معهد (البوزار)، وتخرج منه عام 1980. لتغتني تجربته كشاهد للطبيعة وملوّن رصين شغوف بعراقية المنظر، وهو يمنحه قدراً كبيراً من العاطفة المشبوبة، يضيف اليه بصريات ريشة عريضة ذات سحبات جريئة وواثقة، ما يمكن أن يؤلف غنائياً نسيج اللون التعبيري، متأثراً باستاذه الفنان الفرنسي (جان برتول) الذي طالما يحثه وينصحه في العودة الى ثقافته الشرقية ومنابع حضارته وتاريخه، وهو بهذا القدر من الحرية التقنية يتيح لنفسه قدراً من المساحة الكافية بين أسماء فناني جيله (صلاح جياد، نعمان هادي، فيصل لعيبي، منقذ شريدة)، ويبتعد عنهم بمعالجات مغايرة، شكّلت ملامح اسلوبه الخاص.

يطالعنا أبداً وجه العراق السومري في أعمال غسان فيضي التشكيلية، إذ استأثر بالنظرة الصافية للمشهد العراقي، وظل متوازناً مع ذاته من دون مفارقات ولا مواقف دراماتيكية مفتعلة، ولا حتى محاولات فنية تهدم عالماً منظوراً لتشيد نقيضاً له، ربما كان ينظر الى تلك المحاولات نظرات فنان يحلل ويركّب، ويقارن ويجانس ويغاير، لكنه لا يستسيغ الدخول الى التجربة الفنية مغامراً، حين يعمد الفنان الى الكشف عن الجوهر في جماليات الطابع الديني في جداريات نفذها في كنائس فرنسا ضمن اختصاصه الدراسي، سعياً منه الى اقتناص لحظات الإيماض في ولادة الخلود.غسان فيض 140

تأثر فيضي بمعلميه رواد المدرسة البغدادية، يقدم نفسه كامتداد لمدرسة جواد سليم في موضوعات الحب والحنين والفرح، والأجواء العراقية بطقوسها وقصصها، شناشيل بغداد والبصرة، وألوان الزجاج والأقواس في النوافذ والأبواب. وللمرأة حضور غالب في أعماله، في أوضاع منحنية ومكورة، بحالات حنين وإنسانية مشبعة بالعطف، وجوه النساء مليئة بالرموز والألغاز التي تتطلب لمعالجتها قدرة حلمية ولونية لا حدود لها، عناصر اللوحة لديه في تناغم وانسجام جميل ومتناسق، يبرز لنا دلالة رمزية في الأشكال المكونة لها، والنسب الفنية الظاهرة فيها تعطيها قيمة بنائية عالية في تجسيد اللون والحركة بما يحقق القيمة الجمالية. لوحات (بغداد حبيبتي، وبغداد بين نافذتين).

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول ان لغة فيضي التشكيلية تحولت الى مادة فنية مطواعة مؤهلة للتعبير عن ذلك الإيقاع البصري المؤثر بالمضامين غير معقدة التركيب، بعيدة عن سطوح التجريد، والاستخدام الفج والمباشر للفولكلور لعل أغلب موضوعاته تأخذ نمطاً شكلياً واحداً للتعبير عن أفكاره وعواطفه، في الذهاب نحو النستولوجيا كمتنفس من ضغوط الغربة، فيجد نفسه مشدوداً بقوة الى مصادر وعيه وجذوره الاولى، الحضارية والروحية، فضلاً عن حالة القلق وأسئلة المصير التي منحته قدرة التعبير عن افكاره بنمط صريح يعالج عبره الموضوعات الانسانية والاجتماعية، فكان أكثر أمانة من سواه في حدود تجربته الفنية أن يتمثل بعض ما جاءت به التيارات الفنية المعاصرة، فلم يخضع كلياً لتأثيراتها، كما لم تحمله على التقليد فيسقط في هاوية المماثلة الرديئة.

ينسب بعض النقاد التشكيليين اعمال غسان فيضي الى تأثرها باسلوب الفنان العالمي فاسيلي كاندنسكي بألوانه الراقصة، وايقاعات الانسان الداخلية، والبعض يشبّه رقاب نساء فيضي بأعمال الفنان مودلياني المفعمة بجمال الشرق وسحره.

ان لوحة (على طريق البصرة)، التي تصور نساء جاثمات او منحنيات على دبابة محترقة، تجسد عذابات المرأة العراقية في وطن يتحول الى رماد، كما انا تعبير صارخ ضد الحروب، وفي لوحة (أضواء نارية على سماء بغداد)، تبدو التعبيرية قاسية جداً كونها النداء الداخلي والقوة الخفية التي منحت فيضي صرخته في الاحتجاج على صلف الطيار الامريكي في أثناء لقاء تلفزيوني، راح يتغزل بليل بغداد وهي تحترق بفعل القنابل والصواريخ الامريكية التي سقطت على العاصمة. الفنان هنا قدم عملاً ابداعياً مقاوماً له دوره في التغيير. الحفاظ على مضمون العمل، والجانب الوثائقي فيه.غسان فيض 142

الوجوه يحددها بإمارات الحيرة والتأمل، الانسان في دوامة الوجود يبحث عن وسيلة يحرر فيها روحه التي تعاني الحصار، انسان غسان فيضي لا يعيش العزلة، انما هو متصل بالآخر، متلاحم معه، في أغلب الأعمال تجد كتلاً من البشر متراصّة، بوجوه مذعورة غارقة في السؤال لمواجهة مصيرها ومحنتها المشتركة (لوحة جراح البصرة)، غير ميّال للاهتمام بأجزاء الجسد الأخرى. جمالية اللوحة تبدأ بالوجه، بتضاد لونين أحدهما السعادة والآخر الحزن، الضوء والعتمة، العالم يبدو هكذا، أقصى حالات التعبير الانساني تجسدها الوجوه، ليس بالضرورة ان تكون وجوه الرجال حاضرة في اللوحة لانها تتجسد في وجه المرأة كذلك، هكذا يقدم لنا فيضي تبريراته عن خلو اعماله الفنية من وجه الرجل. لوحات (انتظار وعودة السنونو).

تجربة غسان تبدأ عادة من نقطة الإشارة الى المرأة ، تتجمع في مختبره الداخلي كل الطاقة التعبيرية على أداء الفعل، لتفرغ في النهاية بالتشكيل الذي يمثل شخصية الفنان وأسلوبه، المرأة في أعماله مثل رغيف الحياة، وجوه مدوّرة بعيون مفتوحة واسعة، الصغار من حولها يتمسكون بأصابعها، يتشبثون بأذيالها لائذون، اللوحة تسبح بلون الضياء، والخدود كلون الأجاص، نجوم شفيفة تضيء، وهمس النساء الغارقات بحزن الفقدان يتحول الى صراخ من خلف الاسوار (لوحة سبايكر) مثلاً.

اللوحة عند فيضي تحفل بمعاني الخط كوسيلة تعبير عن الحقيقة والحركة على رقعة مسطحة ساكنة، و شدّة اللون في عام الأساطير الشرقية، ألوان الزجاج والسجاد، والأقواس الرقيقة، والمثلثات، أعماله واسلوبه على وجه التحديد. عالم ألف ليلة وليلة الذي ينتظره الأوربي أن يقدمه الفنان المقيم في بلدان الغرب. فكان أميناً لما تمناه معلّمه جواد سليم في أن يجد امتداده بتجارب شابة، أصيلة المنابع، منفعلة بالأحداث، غير غائبة عن التأثيرات الاوربية، بما يمنح فن جواد القدرة على النمو والانتشار.

***

د. جمال العتّابي

في عام 1957 رسم بيكاسو لوحة – الاميرات – لفيلاسكس ونفذها بثمانية وخمسين لوحة - 58 - مكررة بين التخطيط والرسم بالزيت وباسلوب بين التجريد والواقعية التعبيرية، ويذكر انه عمل لها تخطيطات تحضيرية (اسكيجات) وصلت الى اكثر من 150 تخطيطا، وهذه الاعمال نجدها اليوم معروضة في متحف بيكاسو في برشلونة وهي مثيرة ومدهشة، وتبين القدرة الهائلة والطاقة الفنية الكبيرة لعبقرية بيكاسو.

كما كان بيكاسو معجبا باعمال مانيت، فكان يعتبره من رواد التجديد، فكلما يرى لوحته – الغذاء على العشب 1863– يقول (ساصاب بالصداع)، من شدة اعجابه بهذه اللوحة ولهذا رسمها باسلوبه ومعالجاته الحديثة - 27 - مرة بالمواد الزيتية، وقد نفذها بين اعوام 1959 و1962.4656 الغذاء على العشب

وفي عام 1955 رسم بيكاسو 15 لوحة زيتية وهي عبارة عن استنساخ للوحة ديلاكروا – نساء جزائريات 1832 – وقد رسمها باسلوبه التكعيبي والتجريدي الحديث، وتذكر زوجة بيكاسو فرانسواز خيلو بان بيكاسو كثيرا ما كان يتردد على متحف اللوفر لمشاهدة لوحة ديلاكروا ودراستها وكان مغرما بها وبموضوعها الشرقي، وهو ما يؤشر الى الحنين الى الجذور الاندلسية وتاريخه العريق، وكان من أسباب ذلك التعلق ايضا هو شكل زوجته جاكلين ذات الملامح الشرقية وعينيها السوداوين الواسعتين وحواجبها المقوسة كالسيوف، وكذلك حرارتها النفسية والغيرة على بيكاسو حد المغالات. علما ان جاكلين عاشت في الجزائر مع زوجها المهندس السابق فترة طويلة واكتسبت كثيرا من العادات والتقاليد الشرقية التي تشترك بها مع بيكاسو... كما ذكرت رواية اخرى ان بيكاسو التقى مع الفنانة الفطرية الجزائرية باية حداد 1931 في باريس واطلع على اعمالها وطلب منها ان تبقى معه ليعلمها الرسم، ومكثت معه عدة اشهر وقد اوحت اليه برسم موضوع - نساء جزائريات – واقتنت بلدية باريس عدة لوحات من اعمالها كما قامت لها معرضا خاصا في باريس...4659 نساء جزائريات

و من الاعمال التي عملت شهرة لبيكاسو هي صورة فتاة جميلة اسمها Sylrette David، تعرف عليها بيكاسو عام 1954 واستخدمها كموديل للرسم، وقد عمل لها اكثر 40 لوحة بالالوان الزيتية والتخطيط، وظهرت باشكال محورة وواقعية، وانتشرت صورها بشكل سريع في كل انحاء العالم بواسطة تجار اللوحات، وتمتاز الصور بتسريحة شعرها الانيق والجميل، وربطه من الخلف بما يطلق عليه اسم "ذيل الحصان" وكانت موضة جديدة في ذلك الوقت، كما ان اسلوب بيكاسو الجديد في التعامل مع الموديل وسمعته، كل ذلك ساعد على انتشار الصور والانبهار بها.

و عندما مات ماتيس عام 1954حزن عليه بيكاسو حزنا عظيما، فقال لماذا لا نتبع اسلوب اصدقائنا في رسم المواضيع الشرقية ؟، وهو يعني بذلك ماتيس الذي عاش فترة طويلة في بلاد المغرب ورسم كثيرا من اللوحات ذات المواضيع المغربية والتي يطغي عليها الطابع الفني الاسلامي، من الزخرفة والالوان الحارة الساطعة والخط الذي يحدد الاشكال، وقد كانت هذه البيئة ومؤثراتها الفنية العامل الرئيسي في ظهور المدرسة الوحشية التي تزعمها ماتيس، بعض النقاد العرب اطلق عليها اسم "المدرسة العربية" .4657 ماتيس

و يذكر ان بيت بيكاسو كان يعج باعمال الفنانين الكبار المعروفين امثال سيزان وماتيس وكوربيه وكوكان وفان كوخ وغيرهم، وكان بيكاسو يقول (انه يعيش بيئة سيزان) فقد كان معجبا بجمال مناظر والوان سيزان وطريقة تعامله الحديث مع الطبيعة، فاثرت هذه على اعمال بيكاسو في مراحله الفنية الاولى.

وكان بيكاسو في سنواته العشرين الاخيرة قد كرس كل حياته للرسم والاستقرار والهدوء وكانت جاكلين قد اصبحت بمثابة ممرضة له بالاضافة الى ادارة وتنظيم زيارات الاصدقاء والصحفيين ووضع المواعيد. وقد حول بيكاسو كل غرف البيت الى ورشة عمل ومتحف وصالة لاستقبال الزوار، وكانت جاكين تهيئ له كل شئ من مواد الرسم وتحضير اللوحات والاوراق والالوان وغير ذلك، كما عملت له مصعدا كهربائيا للصعود الى الطابق الثاني. وكان بيكاسو ينتج في هذا المكان كل يوم ثلاث لوحات او اربع، وهو ما يشير الى ديمومة طاقته واستمرارها في الخلق والابداع رغم تقدمه في السن.

***

د. كاظم شمهود

كنت أتساءل دوما عن سر ذاك الحضور الخجول للأنثى ضمن الحركة التشكيلية السورية.. وكان الجواب حاضراً يومض ليحفزني ثم يمضي مكسور الجناح وحيداً يواجه قدره والرياح وقد وجدني غير آبه تشغلني أنانيتي والحياة ويبدو ان تأخري هذا كان محكوماً بمحدودية العلاقات فمهما ادعيت لن تجد في مجتمعك العربي السبيل سهلا لسبر الأغوار واستكشاف ذات لم تعد تتحكم بالقرار وستعزي نفسك حين تقول أن أجمل ما في الأنثى هو مالم أعرفه عنها بعد هو ذاك الجانب الغامض المجهول وهو سر قوتها وعلانية عفتها والحقيقة أن كبريائها الجامح هذا يخفي خلفه هشاشة ورغبات مستترة.

تلك المقدمة عبر منظوري ومنظاري الجامع وسنقترب أكثر باتجاه هدف ضائع وحاشى أن أدعي أني أسلط الضوء فالضوء منبعه في ذاته ولكني أحاول بسلاسة تفسير بعض من مفرداته بدأ من الكلية وانتهاءً بالأجزاء كما ضيعة ضائعة تحتضن جميع الأبناء وأولى أبطالها فنانة نبرات صوتها وصمتها تعكس ذاك الضجيج الداخلي وتلك الرغبة العارمة في إثبات الذات عبر مجموعة غنية من الملونات هي شعلة ذكاء متقدة هي تلك الطفلة الشفافة التي كانت تحصد الجوائز وهي صغيرة كبرت سريعاً وصارت وردة تفوح بعطرها وكان مصيرها أن تقطف كما باقي الورود.. لتزرع في مكان آخر تنضج فيه بشكل آخر يضطرها لتؤجل لفترة وجيزة مضحية بطموحاتها والرغبات مقابل أمومتها واستمرار الحياة هي الفنانة سوسن حاج ابراهيم كنت ضيفا في مرسمها بظل فراشة وربما فيل والحكم في هذا لها ولزوجها الراقي الجميل هذا ما شهدته عيناي وأذناي منزل بمنتهى الأناقة والرقي تحولت أركانه لمرسم في خدمة الزوجة وبتشجيع زوجها وحماسه (الد كتور أيمن الصواف والشكر موصول له) لم يأتي هذا من عدم هي ثقة متبادلة وإيمان مطلق بذاك الجمال وما يخفي خلفه من تعابير كانت حبيسة الصدر ثم آن لها أن تقال هي بصيرة واعية من الزوج لمكانة تلك اللوحات وقدرت زوجته على دخول المعترك وعلى إثبات الذات من باب المدخل قادتني قدماي بغير إرادتي للوصول إلى حيث اللوحات التي تزين الجدران وإلى عمل قيد الإنجاز في الوسط وأعمال أخرى تستند على الحيطان.4639 سوسن حاج ابراهيم

إن لم يكن تصرفي هذا لبقاً فأنا أنتهز الفرصة عبر هذا المقال للاعتذار وأقول أنني بحكم طبيعتي أنسى تعب يوما كان مرهقاً جداً أمام أعمال جديرة ولوحات ..ومن خلال مارأيته أخمن وأحلل ثم أسبر الأغوار أقول مخمناً أن لتلك القطيعة التي فرضتها مهام الأمومة أثرها الإيجابي الذي لازال مستمراً منذ عودتها وإلى الآن كونها كانت متابعة لكل التغيرات على الساحة التشكيلية المحلية والعالمية لتتشبع بصرياً وتتكون مواقفها ويتجلى ذاك الأثر من خلال تلك الرغبة الحارقة بالتجريب كمن يسابق الزمن ويسعى لقول كل مايريده وكل ماكان مختزننا من حرقة الشوق وهي تعلم تماما أنها لن تستطيع طرح عوالمها دفعة واحدة وضمن لوحة واحدة كي لا تتعرض للسقوط في نشاذ فهي تحسن التحكم بتلك المشاعر والرغبات لتسقطها على سطح العمل بتلقائيتها وعفويتها المعهودة وعبر حس مراقب يقظ لكل التحولات - سوسن الحاج تعلم جيداً أن اللوحة ليست مكاناً للتفريغ فحسب كونها تقتنص اللحظات الأكثر صدقاً والأكثر تعبيراً و جمالاً ضمن عوالم الذات ليتشكل في بعض أعمالها الموحية ومن خلال ملامح الوجوه مفهوم أخر للجمال ينبض بتعابير لها إسقاطاتها (جمال البشاعة).4638 سوسن حاج ابراهيم

أما أعمالها بالمجمل فهي تحمل ذاك النفس التعبيري التجريدي وبحس انفلاتي يوزع الألوان وفق ايقاع داخلي يرفض أي حصار.. اللوحة عندها مكان للعب يوحي باللامبالاة ويعكس سلاسة تلك الانتقالات وفق تراتبية تناوبية ما بين الدسامة والشفافية ما بين الخط واللون والحف برؤوس حادة وأحيانا ترسم بأصابعها بحثاً عن نسيج خاص لعملها في أعمال سوسن يبقى السؤال مطروحاً.. إلى أين؟ ففي خضم تلك التقاطعات ما بين العاملين ضمن إطار التعبيرية التجريدية تصير الفرادة مطلباً ملحاً وأقصد تلك الفرادة التي تسمح لمتابع مقل من العامة التعرف على لوحات الفنان أما أنا فأستطيع أن أمسك بذاك الخيط الذي يميزها وربما أخمن من خلاله لما ستؤول إليه لوحتها فذاك المجموع الغني والمتنوع في لوحاتها الذي يعكس دلالات رغبتها العارمة في التجريب قد يأخذها لاحقا لتختار مجموعة لونية لكل مرحلة تؤكدها من خلال معرض وربما تسير تلك المراحل جميعها بالتوازي وقد تتأكد بعض الرموز عبر رحلة بحثها هذه حين تتكرر عفويا وتلقائيا محملة بالدلالات التي تشير بشكل غير مباشر لواقع الحياة.. وحين أتحدث عن تقاطعات واردة فأنا أقصد هنا (محليا وعالميا) المجموعة التي تحمل نفساً واحداً فمن خلال دراستي للفن السوري وبغض النظر عن الجيل أو المستوى يمكن أن أدرج الفنانين الى مجموعات ضمن جداول تحمل نفس الروح وبالتالي يمكن لكل مجموعة أن تتفق على معرض يستطيع من خلاله المتلقي أن يواكب تلك الروح الأحادية كما نغمة مترابطة ومتواصلة يرتفع وينخفض إيقاعها تدريجيا عبر هذا المفهوم تبقى التقاطعات واردة طالما اتسعت الحياة ولكن البقاء لمن يواصل ويؤكد تمكنه وتتكشف على المدى الأوسع بصمته وخصوصيته بالعودة أقول في البدايات يبقى الفرق واضحاً في العموم ما بين الذكورة والأنوثة في التشكيل ففي حين تميل الأنثى للتفاصيل والخطوط المنحنية وللزخرفات وتتفوق اكاديمياً يبدو الميل الذكوري لخطوط حادة أكثر تمرداً وسعياً للتجديد ولكن تلك الفوارق تتقلص تلقائيا بحكم الظروف والمشاهدات وطبيعة الحياة ويبدو أن سوسن الحاج قطعت شوطاً ما بين الذكورة والانوثة وما بين هدوءها وشفافيتها الظاهرة ونبرات صوتها التي تخفي جراح أنثى فذاك البركان المتقد بداخلها يعكس رغبتها الدائمة بالتجديد والانفلات عبر تعبيرية تجريدية لا افق لها في تلك.

***

الفنان والباحث حسين صقور (الفينيق) مكتب المعارض والصالات المركزي

 

أحب فن الرسم منذ خطواته الاولى في طريق الحياة الصعب. اكتشفت موهبته معلمته خلال دراسته في الصف الاول. بعدها لفت أنظار المحيطين من أهل واصدقاء، فما كان منهم إلا أن قاموا بتشجيعه على مواصلة طريقه مع الفن. غادر مقاعد الدراسة مبكرًا. لم يتلق تعليمًا منظمًا عاليًا، وخرج إلى ساحة العمل مبكرًا. عمل في توزيع اسطوانات الغاز مدة نافت على نصف القرن من الزمان، غير أن حلمه الفني رافقه خلال هذه الفترة، قبلها وبعدها، ولازمه ملازمة الظل لصاحبه. خلال عمله وجد من يُشجعه للالتحاق بدورة فنية على مستوى رفيع فالتحق بها. دفتر مذكراته عامر ولكل لوحة قام برسمها قصة وحكاية. شارك في العشرات من المعارض الفردية والجماعية داخل البلاد وخارجها. باع عددًا من اللوحات وتوجد لوحات من إبداعه في داخل البلاد وفي العديد من دول العالم. أصدرت جمعية "ابداع للفنانين العرب"، كراسة تعريفية عنه، وعن انتاجه الفني. قطع مسافة زمنية واسعة جدًا مع الفن ومع ذلك يعتبر أنه ما زال في البدايات الاولى المبشرة.

قدمت العشيرة البدوية التي ينتمي إليها الفنان حسن طوافرة إلى البلاد من الريف السوري، منطقة حماة، قبل أكثر من مائة وخمسين عامًا، وأقامت في مواقع وأماكن مختلفة من البلاد. أهله أقاموا في مدينة طبرية وفيها ولد عام 1945. عندما كان في الثالثة من عمره وقعت مواجهات بين الاهالي العرب في المدينة والقوات اليهودية المدجّجة بالعتاد والسلاح، وكانت النتيجة أن أهله اضطروا لمغادرة المدينة والانتقال إلى بلدة المغار للإقامة فيها.. في بيت ابتنوه على قطعة من الارض قاموا بشرائها بشق الانفس.

في قرية المغار تلقى تعليمه الاولي، وهو يتذكر أن معلّمته نهاد خنجر، ابنة بلدة الرامة، حكت له ولأبناء صفه حكاية خيالية وطلبت منهم جميعًا أن يضعوا رؤوسهم على سطوح المقاعد أمامهم وأن يسرحوا في دنيا الخيال. بعدها طلبت منهم أن يقوموا بر سم ما تخيلوه وما خطر في أذهانهم. يقول حسن مرفقًا قوله بلمعة لافتة من عينيه اللماحتين، إن ما رسمه لفت انظار معلمته، فقامت بتشجيعه وأوحت إليه أن الفن سيكون هو المكتوب عليه.4439 حسن طوافيرة

علاقة حسن وأهله بمدينتهم الام طبرية لم تنقطع بمغادرتهم لها مكرهين، يقول حسن طوافرة إن تشجيع معلمته له دفعه بقوة لمواصلة السير في طريق الرسم والابداع، وإنه في كل مكان كان يحل فيه يلقى التشجيع المماثل لتشجيع معلمته تلك. في العاشرة من عمره أو نحوها التقى في مدينة طبرية بالفنان اليهودي المشهور شمعون هارتمن، وأطلعه على موهبته في الرسم فدهش الفنان لقوة موهبته هذه وبشّره بما بشّرته به معلمته في الصف الاول.

يذكر حسن طوافرة أن بدايته الفعلية الحقيقية مع الفن تمّت بعد تعرّفه على الفنان اليهودي ومعلم فن الرسم اوري مزار، "في اوائل الثمانينيات تعرفت على هذا الفنان المبدع، وطلبت منه أن يضمّني إلى دورة إرشادية في مجال الفن التشكيلي"، يقول حسن طوافرة ويضيف:" طلب مني مزور أن اقوم بوضع رسمة كي يقرّر إلى أي من قسمي المشاركين انتسب، المبتدئين أم المتقدمين. عندما شاهد ما رسمته قرّر أن التحق بقسم المتقدمين. من مزور تعلّمت الكثير من أسرار الخط واللون".

بعد انهائه الدراسة في تلك الدورة، شعر حسن أنه بات بإمكانه الانضمام إلى عالم الفن والفنانين، فراح يواصل إبداع اللوحة تلو سابقتها، حتى تراكمت لديه العشرات ويكاد يقول المئات من اللوحات. ابتداءً من التسعينيات انفتحت المجالات أمام فناننا، وكان أن انضم إلى العديد من الجمعيات والمجموعات الفنية، في مقدمتها جمعية ابداع للفنانين العرب. وهو ما ساهم في تمكنه من المشاركات في العديد من المعارض الفردية والجماعية.

بإمكان مَن يشاهد ابداعات حسن طوافرة في الفن التشكيلي، أو حتى عدد منها، ملاحظة أنه فنان مسكون بالمكان، وأن بحيرة طبرية تستولى على مساحة من أفكاره، أما المساحة الاخرى الكبرى في ابداعه اللوني، فقد امتدت إلى المكان والانسان والطبيعة. يؤشر حسن إلى لوحة تظهر فيها صورة امرأة، يقول إن لها اسوة بسواها من اللوحات المنتشرة في طول بيته وعرضه، حكاية طريفة، فبعد أن وضعها، قام زوج صاحبتها بإخباره أنه سيقوم بتعلّم الفن التشكيلي معه وإلى جانبه، وذلك بعد عودته من حرب لبنان، سوى أن هذا لم يعد من تلك الحرب وقضى فيها. "هذه واحدة من عشرات القصص التي تكمن وراء وضعي لكل من لوحاتي"، يقول حسن وينظر إلى البعيد. واضح أن الفنان حسن طوافرة يضع رسوماته ضمن المفهوم الواقعي للفن التشكيلي ويغلب على رسوماته الطابع الرومانسي الحالم. كما يرى العديد من زملائه الفنانين.

عندما ابتدأ حسن طوافرة طريقه مع الفن التشكيلي، لم يكن في بلدته المغار فنانون وكان بالتالي الفنان الاول هناك، أما اليوم فقد ظهرت اسماء كثيرة من الصعب عليه عدها وحصرها أو حتى تذكر اصحابها مجتمعين، لهذا هو لا يريد أن يذكر اسمًا مُعينًا خشية أن ينسى آخر مستحقًا للذكر.

رغم أن فناننا بات منذ سنوات بعيدة جدًا واحدًا من أصحاب الاسماء المعروفة في البلاد إلا أنه لم يحترف الفن، " الفن لا يطعم خبزًا ولا يقوّم اودًا في بلادنا.. لهذا كان علي أن أعمل أكثر من خمسة وخمسين عامًا في شركة توزيع اسطوانات الغاز في مدينة طبرية للمحافظة على مستوى حياتي لائق لي ولأبناء اسرتي. في الكراس التي أصدرته جمعية ابداع للتعريف بالفنان حسن طوافرة.. كتب الاستاذ الاعلامي نايف خوري، ما مفاده ان طوافرة عاش الفن هوايةّ أقرب ما تكون إلى الاحتراف، بمعنى أنه عاش الحالة الفنية لكنه لم يعتش منها.

***

ناجي ظاهر

......................

*اسم الطوافرة جاء من الطفرة وهي الوعاء الذي يوضع فيه مخيض اللبن الرائب، بهدف تقديمه إلى من يود شربه من أهل، اصدقاء وضيوف. يقول حسن إن الاجداد والآباء اخبروه أن عشيرتهم اشتهرت بالطفرةعُرفت بالتالي بالطوافرة.

كانت بيرث موريسوت BERTHE MORISOT احد  رواد  جماعة الانطباعيين و من مؤسسيها  وابرز شخصية فنية في تاريخ الفن الطلائعي الحديث، وقد اطلق عليها اسم –  المدام الكبيرة في الفن  - ولدت في عام 1841 في مدينة BOWGES في فرنسا من عائلة برجوازية تهتم بالفن والموسيقى، وقد اهتمت العائلة بتعليم  اولادها الثلاثة باحسن المستويات الثقافية والفنية وانفقت على ذلك اموال طائلة حيث سجلتهم في مدارس وورشاة خاصة ليتعلموا شتى علوم المعرفة خاصة الفن.. وقد مالت بيرث الى تعلم الفن واخذت تتعلم الرسم على يد احد اصدقاء مدرسة بارببزون وهو كاميل كورو مع اخواتها، وكانت هذه الجماعة قد هجرت باريس عام 1830  ليتجمعوا في قرية صغيرة تدعى باربيزون  على بعد 48 كم عن باريس وقد استوحت من الطبيعة مواضيعها في الرسم.. وظهرت في هذه الفترة الطبقة البرجوازية مع ازدياد الطبقة المتوسطة. وقد ساعدت هذه التغيرات الاجتماعية الى ظهور طبقة من المصورين ابتعدت عن الموضوعات التي ترسم في داخل المراسم وفضلت الخروج الى الطبيعة ودراستها مباشرة.. بعد ذلك اخذت بيرث تتردد على متحف اللوفر لاستنساخ بعض  اعمال كبار عصر النهضة، وهي عادة كانت تمارس سابقا عند كل الذين يرومون  تعلم الرسم، وكان كويا وبيكاسو وغيرهم يذهبون الى متحف دل البرادو في مدريد لاستنساخ  اعمال كبار الفنانين العالميين حيث يتعلمون منهم الاساليب وطريقة استخدام اللون والتخطيط والتشريح وغيره.. وفي متحف اللوفر تعرفت بيرث على الفنان ادوارد مانيت عام 1858 وتكونت بينهما علاقة عاطفية وجلست له كموديل ورسمها  بعددت لوحات لازالت تزين بعض متاحف العالم..4421 berthe morisot

اسلوبها وتقنياتها..

ورغم ان الرجال كانوا هم الطليعة في التجديد والتحديث الا ان بيرث كان لها دورا استثنائيا في المناقشات والطروحات  الفكرية بين جماعة الانطباعية والذين كانوا  يجتمعون في مقهى تسمى CAFÉ GUERBOIS   وكانت تشترك في المناقشات الدائرة بينهم حول الفن الحديث ومواجهة التقاليد القديمة، حتى اطلق عليها  - مدام الفن – وقد كان اسلوبها يمتاز بحبك المواضيع وحرية الفرشة والعفوية حيث تحاول ان تغور الى اعماق الشكل لتعبر عن وضعه النفسي.. وسجلت مرحلة مهمة في تطور جماعة الانطباعيين حتى فاقتهم في بيع اللوحات.. وفي عام 1873 رفضت اعمال الانطباعيين من قبل صالون العرض في باريس وكانت بيرث معهم فقرروا ان يعرضوا اعمالهم المرفوضة في مكان اخر في استوديو المصور المعروف نادار عام 1874.. وقد  امتاز اسلوبها كذلك بالرقة والشاعرية ومغلف بالوان رومانسية حالمة يطغي عليها الالوان  الازرق والرصاصي ومشتقاتها،   وقد فاقت مصوري الباربيزون والانطباعيين شهرة حيث  اضاءة الطريق امام  المدرسة الانطباعة وتمردها على التقاليد الكلاسيكية القديمة  بعدما نالت من الاستخفاف والرفض من قبل المجتمع وصالونات العرض في بداية ظهورها... وكان ينظر الى بيرث  بغرابة  عندما تلتقي مع الفنانين الذين كانوا كلهم ذكور وترسم وتناقش، وهي عادة غير مالوفة في ذلك الوقت..4422 berthe morisot

وفي عام 1874 تزوجت بيرث مع اخو ادوارد مانيت اوخينيو مانيت وهو رجل اديب وسياسي وهاوي للفن، ثم سافرا الاثنان الى لندن وهناك اطلعت بيرث على اعمال الفنانين الانكليز مثل تيرنر  وكونستابل وغيرهم وتاثرت بهم حيث تطور  اسلوبها واصبحت فرشاتها تمتاز بالضربات السريعة والحزوز والخطوط الطلقة ظاهرة على سطح اللوحة ، وبجمالية وحداثة ما لم نجده عند زملائها الانطباعيين ومن هنا تميزت وعرفت اعمالها بين الوسط الفني في ذلك الوقت..

وفي عام 1886 عرضت اعمالها في نيويورك ولندن ونالت شهرة كبيرة. وفي عام 1892 قامت باول معرض شخصي لها في كالري BOSSOD  في باريس، وفي هذه السنة توفى زوجها اوخينيو مانيت. وفي عام 1895 توفت بيرث عن عمر بلغ 54 عاما ودفنت الى جانب زوجها اوخينيو في مقبرة PASSY .. وبعد سنة من وفاتها عمل لها اصدقائها مانيت وبيسارو ورينوار وديغا معرضا شخصيا،  وفاءا  وتكريما لهذه الفنانة  الكبيرة الشجاعة والجريئة والتي انارة الطريق الى  ظهور الفن الحديث، وقد ضم المعرض  380 لوحة مختارة..

***

د. كاظم شمهود

في الندوة العلمية التي نظمها ليلة أمس كل من المجمع الدّولي للآداب والفنون البصرية بباريس ( AULAV  créations) والمنظمة الدولية للثقافة والتّنمية وحوار الحضارات. تناول الدكتور محمد البندوري الفرق بين الخط والحروفية والتشكيل، من خلال بعض الخاصيات التي يتميز بها كل صنف، والخاصيات المشتركة: على مستوى أشكال الحروف، وعلى مستوى التركيب. وهذه الخاصيات تسهم في إنتاج مختلف الجماليات منذ النقوش القديمة. نقش النمارة مثلا، وهو تركيب عربي خاص، تتوافر فيه جماليات نوعية بالرغم من كونه يضرب في أعماق التاريخ ويواجه عاديات الزمن.

من هذا المنطلق، قال البندوري: إن الإلمام بالمادة الخطية أو ببعض أركانها يقود إلى استقاء نظريات أو إعطاء مفهوم قصد الخروج من وضعية خطية إلى أخرى او بعبارة أدق رسم معالم التفوق وضبط مسار التطور والإبداع. والإبداع طبعا هو الإتيان بالجديد، التمرد على الجاهز، الخروج عن المألوف، الانزياح عن المعتاد، تقديم صيغة أو صيغ جديدة. وهنا رصد اجتهاد بعض النقاد القدامي من بينهم: أبو حيان التوحيدي حين حدث عنده إلمام بمقاييس الحروف ووضعياتها، فاستقى منها نظريته الجمالية. حيث تبدت مؤهلاته جلية في خط النسخ فكان يقوّم كل ما يخرج عن الضبط. باعتباره أحد المفكرين الذين صرفوا عنايتهم للبعد الجمالي للخط من خلال عدم تقبله لتردي عملية الكتابة من وجهة نظره وكيفية رؤيته للجمال من جهة، ومن خلال نظرته الفنية للخط العربي من جهة أخرى. فصرف عنايته للبصر والذوق وللبعد الجمالي، فوضع شروطا للخط الجميل المجود، يقول:" والكاتب يحتاج إلى سبعة معان: الخط المجرد بالتحقيق، والمحلى بالتحذيق، والمجمل بالتحويق، والمزين بالتخريق، والمحسن بالتشقيق، والمجاد بالتدقيق، والمميز بالتفريق. والمراد بالتحقيق إبانة الحروفِ كُلِها منثورها ومنظومها مفصولها وموصولها بمداتها وقصراتها وتفريجاتها وتعويجاتها، والمراد بالتحذيق إقامة الحاء والخاء والجيم وما أشبهها على تبييض أوساطها، والمراد بالتحويق إدارة الواوات والفاءات والقافات وما أشبهها مصدرة ومتوسطة ومذنبة بما يكسبها حلاوة ويزيدها طلاوة، والمراد بالتخريق تفتيح وجوه الهاء والعين والغين وما أشبهها، والمراد بالتشقيق، تكنف الصاد والضاد والكاف والطاء وما أشبه ذلك، والمراد بالتدقيق تحديد أذناب الحروف بإرسال اليد واعتماد سن القلم، والمراد بالتفريق حفظ الحروف من مزاحمة بعضها لبعض، وملابسة أول منها لآخر.

يضيف البندوري فهذه المعاني السبعة محددة جدا ودقيقة للغاية، وترسم طريقا صريحا لجمالية الخط حسب أبي حيان، وفي المقابل نجد عددا من النقاد الذين اجتهدوا ولولا اجتهادهم لما بلغ الخط مبلغه من الرقي والتطور.

وشدد البندوري على ألا يجب أن نبقى حبيسي نمط محدد من طرف شخص محدد، جميل أن نقتدي وأن نتعرف على ما بلغه من الاجتهاد، ولكن لا يجب أن نحبس أنفسنا ونبقى مقلدين. وقال إن كلامه واضح في هذا المعنى: فهناك بعض الخطاطين لا يسألون أو يتساءلون: كيف وصل ذلك الخطاط القدوة إلى ذاك المستوى؟ إنه الاجتهاد يا سيدي، وصياغة معاني جديدة يا مولاي. إذن عليك أن تجتهد ( ووضح أنه يتحدث فيما يتعلق بالخط العربي الكلاسيكي) من خلال ما وصل إليه ابن مقلة أو ابن البواب أو المستعصمي أو شوقي أو البغدادي أو غيرهم ممن اجتهدوا فأصابوا.  المهم كل أولئك بلغوا مبلغهم من الدقة والجمال والتقييس الدقيق وتثبيت الشكل المناسب في رسم الحرف باجتهادهم وإبداعهم، ولم يصلوا بالتقليد الأعمى، ولم يبقوا حبيسه ومنغمسين فيه.

ومن جهة أخرى خاض محمد البندوري في  مسألة التحرر من رقبة التقليد والرغبة في إطلاق سراح الحرف من كل القيود باعتبار أن التحرر هو الذي يعطي منجزات حروفية مختلفة، منها ما ارتبط بخلفيات تشكيلية مع الحفاظ على القواعد، وهذا في حد ذاته ظل في حيز من الركود. لأن الاجتهاد ارتبط بالخلفيات وبنوع قليل من التغيير في الشكل العام للوحة. بينما انطلق عدد من الخطاطين المجددين في الحرف والشكل فجددوا في الحروفية على أوسع نطاق ومزجوا بين التشكيل والحروف في حرية مطلقة أعطت للحرف رمزية داخل النسق التشكيلي.

وهنا عرج الدكتور البندوري على نقد المبهمات مشيرا إلى أن اعتقاد البعض بأن الفارقيات بين الخط والحروفية والتشكيل هي حلقات مفرغة وتضر بالخط العربي، بينما واقع الحال غير ذلك، فالحروفية هي كيان عربي يعطي للتشكيل العربي هويته في المنظومة التشكيلية العالمية. والحروفية في التشكيل العالمي هي فن تشكيلي  بهوية عربية إسلامية يختص بها العالم العربي الإسلامي. فالحلقة التي يحسبها البعض مفرغة هي ذات إيجابيات كبيرة في التشكيل العالمي. والحروفية لها مقوماتها الخطية والتشكيلية. فهي تجمع بين الحسنيين، وتقدم منجزا فنيا عربيا متطورا ومتفردا. إنه في الواقع اشتغال رؤيوي يروم الخط العربي من ألفه إلى يائه بكل تفاصيله. ويشكل مساحة مركزية في الإقرار بأحقية التطور التدريجي دون قطيعة ثقافية أو فنية. فقط يجب الإحاطة بأساليب الخط العربي عبر التاريخ منذ نقش النمارة الذي ذكره في بداية المداخلة، لأن هذا النقش يعطي للقارئ صورة واضحة. إذن يجب الإحاطة بأساليب الخط العربي عبر التاريخ للتمكن من إجراء المقارنة والمقاربة بين الشكل الخطي القديم وبين الأشكال الخطية الكلاسيكية وبين الأشكال الخطية المعاصرة عبر مختلف المحطات التطورية. ولأن العلاقة بين النص الخـطي القديم والنص الخطي المعاصر علاقة عضوية؛ فإن الحلقات البؤرة تتجلى في صيغ خطية متعددة، وفي أنواع خطية متنوعة، ما يجعلنا نلمس جماليات هذا الخط من خلال الشكل، سواء على مستوى رسم الحرف أو على مستوى الشكل المدمج في التشكيل، ما يُنتج لنا فهما عميقا بهذا الخصوص.

ولعل الذين يتناولون جماليات الخط العربي والحروفية والتشكيل ويخوضون هذه التجربة نظريا وممارسة يرون بأن الجماليات المبهجة التي تتأرجح بين الخط والحروفية والتشكيل تبني بلاغة خطية عربية صرفة بتنوع في الصيغ والأساليب. وقال البندوري بأنه لا ينكر بأن الفترة المعاصرة قد أنتجت أساليب حروفية عربية جديدة مغايرة للمألوف تتخذ من الحروف العربية بعدا جماليا، ومن الشكل الجديد بعدا بلاغيا. وبين تين الخلتين تتبدى الحلقات الرابطة بين الخط والحروفية والتشكيل حمالة لأوجه من الدلالات والتي ظلت مبهمة في النقد العربي، وهي تبرز أهمية التطور التدريجي الذي انتقل من الخط إلى الحروفية ومن التشكيل إلى الحروفية، وهو ما أعطانا حروفيتان إحداهما تستند على خلفية تشكيلية وتحافظ على قواعد الخط، والثانية متمردة على قواعد الخط وتنصهر في التشكيل كليا. وهي ليست مفارقة بين الاتجاهين، علما أن كل اتجاه له أساليب متنوعة، ولكنها خطوات تطورية تحمل عددا من المعاني والبلاغة الخطية، والبيان، والصيغ الجمالية. وأضاف البندوري: أنه يعتقد أن المبهمات تقلب المفهوم السائد للخط، وتقدم منجزات جديدة في نطاق التطور الذي يعرفه مجال الحرف بصريا، وهو يمثل نسقا مغايرا في الشكل الكلاسيكي للخط العربي ويعيد بناءه. وأوضح أن هذا لا يعني أنه يجهز على الشكل القديم، بل هي سنة الحياة التي تعرف التطور في كل شيء.

فالخط لم يعد بمفهومه النفعي المتعارف عليه، وإن ظل في الشكل الكلاسيكي من خلال اللوحات الخطية التي تعنى بالقواعد محببا لعامة الناس وخاصتهم، فإنه في الآن نفسه أصبح مفهوما يستغل البعد الجمالي والبلاغي ويحمل في جوهره عناصره الإيجابية ومفرداته الفنية ومكوناته الأساسية المتجددة. وهو توجّه مغاير وصـريح. فممارسة الخط لا تعتريه حلقات مفرغة، وإن المبهمات توجه وعي الخطاط نحو البلاغة بمعايير جمالية معاصرة. ولا شك أن تطور الخط ملازم لتطور الجمال والبيان والبلاغة، فلكل صناعته وآلياته. ولذلك لابد للخطاط والحروفي والناقد من الاستجابة البلاغـية والانتهال من الثقافة الخطية المعاصرة. فهناك مشاريع تنظيرية ونقدية جديدة في الساحة الثقافية العربية والعالمية يجب أخذها بعين الاعتبار. فبين الخط والحروفية والتشكيل حلقات انتقالية تطورية أثرت الحضارة العربية الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي المجيد.

***

د. يوسف مدني

........................

* الصورة للدكتور محمد البندوري

 

كان محضر وفاة الفنان التشكيلي الهولندي (رمبرانت) موقعاً عليه بإمضاء الخادمة وطبيبه كشاهدين، يتضمن محتويات بيت الفنان: سرير قديم غير متماسك من خشب، وسادة خالية متّسخة، لحاف متهالك لا يمكن بيعه، طاولة خشبية ذات أربع أرجل مفككة، مقعد برجل مكسورة والقش متآكل، منشفة قديمة معلّقة على الحائط، اطارات فارغة معلقة، لا وجود للستائر على النوافذ.

هذه هي مخلفات رمبرانت العظيم المولود في 15 تموز 1606 في ليدن الهولندية. الذي كان نصيبه الاهمال في آخر أيامه إلى ان توفي عام 1669 في مدينة امستردام.

يوصف رمبرانت انه أستاذ النور والظلال يقف في مقدمة الفنانين في الغرب لما يتمتع به من قوة في التعبير، وما تتضمنه افكاره من قيم انسانية نبيلة، وتأملاته الشخصية حول مصير الانسان. ينتمي الى الاسلوب الباروكي في عصر ه الذهبي الهولندي، وهو ما يعرف بمصطلح الثقافة الذي ساد غربي اوربا وامريكا اللاتينية في الفترة الممتدة من أواخر القرن السادس عشر حتى أوائل القرن الثامن عشر، كأسلوب جديد في فهم الفنون البصرية انطلاقاً من سياقات تاريخية وثقافية متنوعة في حقول ابداعية : النحت، الرسم، الموسيقى، العمارة،

وإحدى خصائص فن رامبرانت تركيزه على الأضاءة والصورة وهي من سمات فن الباروك الأكثر شيوعاً، حيث يلجأ الرسام الى خلق جو مفعم بالتباين والدرامية، وابتكار طرق جديدة في تأكيد عمق المعاني ووضوح الشخصيات.

4354 رمبرانتفي أوائل سبعينات القرن الماضي يكون قد مرّت ثلاثة قرون على وفاة رمبرانت، وفي هذا التاريخ خرجت عربة رمادية مغلقة ذات جدران حديدية مزدوجة لا يخترقها الرصاص من ستوكهولم عاصمة السويد متوجهة إلى أمستردام، وقد رافق العديد من الحراس المسلحين جيداً هذه العربة الغريبة، وكانت الحمولة في صندوق أحكم غلقه باللحام طوله أربعة أمتار.

ترى ما محتويات الصندوق؟ أهي سبائك ذهبية أم أحجار ثمينة؟ كلا بالطبع، فالعربة المصفحة تحمل شيئاً مختلفاً عن الذهب والمجوهرات، لا يقدر ثمنه بشيء، انه كنز يمشي على الأرض تحرسه الآلهة، هكذا وصِف وصول اللوحة المشهورة لرمبرانت (تمرد كلاوديا سيفيليس)، لعرضها في الاحتفالية الخاصة في امستردام بهذه المناسبة، توجب على الشاحنة أن تقطع جزءاً من رحلتها عبر الممر المائي، لذا فقد وضعت اللوحة في صندوق خارصيني محكم، يحميها من أية أخطار محتملة في البر أو البحر، كالعواصف البحرية المفاجئة، أو إذا تعرضت للغرق،  فاللوحة النادرة ستظل محمية في صندوقها  راقدة في قعر بحر الشمال تنتظر انتشال الغواصين لها.

تعد لوحة (تمرد كلاوديا سيفيليس) من أروع ما رسم رمبرانت، من بين مئات الأعمال له، ولكل عمل منها وحده قصة وحكاية محفوظة في الذاكرة. كان كلاوديا الملقب بـ(الأعور) أحد الثوار من أجل الاستقلال والحرية.

تعود قصة لوحة تمرد كلاوديا التي لا تحسد عليها، هي ان رمبرانت استجاب لطلب مجلس بلدية امستردام لتزيين مبنى البلدية، (الآن القصر الملكي)، وتمكن من انجاز اللوحة عام 1662، لكنها لم تعجب أصحاب الطلب، فادّعوا انها ليست على قدر من الجمال والدهشة، وطلبوا من الفنان ان يجري عليها بعض التعديلات حسب مزاجهم، كان رمبرانت منزعجاً جداً من هذا السلوك، فرفض نهائياً ان يلبّي رغبة هؤلاء، وامتنع أن يقوم بأي تعديل على اللوحة.

حين ذاك قرر عرضها للبيع على الأثرياء من محبي اقتناء الاعمال الفنية للرسامين الكبار، لم يتقدم أحد من هؤلاء لشراء اللوحة، وظلت مركونة لفترة طويلة، وكان قياسها الكبير أحد الأسباب في تأخر بيعها، إذ يبلغ حوالي الخمسة والعشرين متراً مربعاً، مما يتعذر كذلك ضمّها  الى المجموعات الخاصة بالأفراد،  وكان رامبرانت يواجه ضائقة مالية قاسية في تلك الفترة، وعرف عنه انه بذل جهداً جباراً ليقتصد في الانفاق، فاضطر الى تصغير قياس اللوحة، وقيل انه طلب مبلغاً اضافياً لقاء التعديل، ويمكننا أن نتصور مقدار الألم الذي عانى منه رمبرانت، وهو يقتطع بسكين حاد أجزاءً من لوحته الرائعة لأجل تسويقها بالقياس المطلوب الاعتيادي، وكان ما أراد بعد أن أصبح قياسها أقرب إلى النصف، فاشتراها أحد أثرياء هولندا من أصل سويدي، وهكذا انتقلت اللوحة الى ستوكهولم، ثم عادت إلى أهلها بعد عدة قرون من (الغربة)، عادت الى امستردام المدينة التي غادرتها كفتاة منبوذة ثم عادت كابنة ملك لغرض عرضها في الاحتفالية لمناسبة مرور 300 سنة على وفاة رمبرانت، ثم أعيدت الى المتحف الوطني السويدي.

اللوحة مثال رائع للرسم الدرامي الباروكي، فيها يؤكد رمبرانت على أهمية الضوء الأبيض المشّع في أشد حالاته، ويذكر ان آخر لتقييم اللوحة كان في عام 2008 بمبلغ قدره 123 مليون دولار، في حالتها المشوهة. فكل ما تبقى منها هو كلاوديا تحيط به جماعته الثائرة على طاولة كبيرة يقسمون بالسيف أمامه.

رسم رمبرانت الحياة بتفاصيلها، وكل ما من حوله، حتى الحماقات الصاخبة والقذارات المخزية، والنساء العاريات، وتابع النهوض بفنه عن طريق تجارب عزيزة لدية، في تصوير شخصه، (62 على الأقل)، لوحته ( صورة الفنان)  الموجودة في اللوفر، نراه مبتهجاً في قبعة مزدانة بالجواهر وسلسلة ذهبية في  صدره، وصوّر نفسه بملابس(الضابط) يبدو فيها جميلاً مهيباً، بقبعته التي غزت العالم، كما رسم أباه الذي أحبّه جداً إحدى عشرة مرة، وأمه في اثنتي عشرة مرة، ورسم احدى روائع الدنيا وهي (درس التشريح)، وتواصل الفنان ينتج التحفة تلوالأخرى.

كانت (ساسكيا) الابنة اليتيمة لمحام وقاض ثري، ويقال عمّها، ذات جمال باذخ، بعينين راقصتين، وشعر حريري ناعم، وقوام أهيف، أغواها المحامي وهو وسيط في تجارة التحف الفنية بالجلوس أمامه ، كانتا جلستان فقط كافيتين للتقدم لطلب يدها للزواج منه.

(سيسكا) شريكة حياة رمبرانت، وموديله الأخّاذ في جسدها المتفتح، كان يدثرها في أزياء غريبة ليرسم لها( فلورا آلهة الشر) المشرقة الباسمة، الموجودة في متحف لندن، و(فلورا الحزينة) الموجودة في متحف بنيويورك، وفي احدى اللوحات صوّرها جالسة على ركبته، يفيض بالابتسامة وهو يرفع كأساً عالية ابتهاجاً بموفور الصحة والمال.

عاش رمبرانت حياة مليئة بالمفارقات، بين الفقر والثراء، والشهرة والانزواء، المغامرة والسكون، ووسط كل هذا الحال كان كثير الانتاج للروائع، في سنوات عمره الاخيرة كان مسكنه ضيقاً، ومرسمه سيء الاضاءة، ولا بد ان يديه فقدتا بعض اتزانهما نتيجة تقدمه في السن والخمرة.

كان طبيبه يقرأ له بصوت خفيض ومتهدج، لانه يعلم ان  حالته سيئة، وبمجهود مفاجئ حاول رمبرانت ان يرفع رأسه من على الوسادة، حدّق في وجه صديقه الطبيب بيأس بحثاً عن اجابة يعلم انها لن تأتي أبداً.

***

جمال العتّابي

 

منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما كنت على مشارف المراهقة المرهقة وعلى أبواب مرحلة جديدة ومدرسة جديدة كان علي أن أعارك في الضباب فسنواتي القادمة مبهمة وخاضعة لجملة من المؤثرات (المفارقات الاجتماعية الغربة النفسية التي فرضتها قسوة الحياة وكثافة الأحلام والتطلعات).

هنا أمام الباب العريض للمدرسة الجديدة كانت تفوح رائحة الألوان وسمعة عطرة لا زال أثرها عالقا في الأذهان هو الفنان الأستاذ أحمد جدوع الذي كان قد سافر لإيطاليا بعد أن ترك بصماته تزين الحوائط والجدران: (حينها كتبت بمداد روح تهيم بين عالمين سأخط في عالم اللون اسمي ولو بعد حين). هذا هو الأثر الباقي والمتبقي لمن يعملون بإخلاص وصمت في هذا الوطن.4548 احمد جدوع

 فسمعته (أحمد جدوع) قد سبقته إلي وصارت الكتابة عنه واجبا علي. بعد خمسة وثلاثين عاما من ذاك التاريخ كان اتصالي الصوتي معه لأول مرة لأستشف تلك الألفة ما بين بحة ونبرات صوته وشفافية اللوحة التي عاينتها للمرة الأولى في إحدى سنوات المحبة إذ كانت مشاركته حينها في البينالي بمجموعة لوحات يوظف من خلالها الخط والحرف في تشكيل نسيجه الخاص لتبدو كما حروف عائمة تنبعث من عمق المحيط والتاريخ بدرجات أحادية اللون وتتشكل التكوينات فوق تلك السطوح بمزيج من العفوية والخبرة الأكاديمية.

 (تشكيلات حروفية عائمة على وجه الماء وهائمة نحو صفحة السماء)  يلاحق أحمد جدوع التشكيلات الحروفية مع عجينة الأساس التي يهيئ من خلالها سطوحه المتميزة بنسيج فسيفسائي خاص ومختلف قادر على تشرب ألوانه ذات الطبيعة المائية وقد تخدمه في هذا بعض الغطاءات المحرمية ذات القدرة العالية على الامتصاص لتتعاشق ألوانه اللاحقة ضمن حدودها القصوى مع الأساس ومع بعضها عند الأطراف ولتتناغم مشكلة مع الأساس الأحادي والحيادي الجامع لتلك الروح المتماسكة المترابطة والمرتبطة مع صور ذهنية كانت ولازلت تتشكل وتشكل تلك الشخصيته الحالمة والشفافة والمعجونة بصبر هو رديف لذاك الحلم والطموح الذي دفع الفنان لترك التدريس ثم السفر لاستكمال دراسته في بلد لازال يرسم ويكافح فيه إلى الآن.

4549 احمد جدوع

حسين صقور الفينيق - فنان وباحث تشكيلي

ذكر صاحب كتاب (الفن والمجتمع عبر العصور) المؤرخ اورلند هانز بان الفنان القديم كان قد اهتم بتزيين المعابد بانواع النصب الدينية من تماثيل ورسوم تمثل الالهه بينما اهتمت المرأة بزخرفة الفخاريات والاواني بالاشكال الهندسية الجميلة المبسطة والتي اخذت لها احيانا طابعا رمزيا، وكانت تمتاز بالدقة والتأني والصبر الطويل. وبذلك فقد كان دور المرأة موازيا لدور الرجل في صناعة الفنون والزينة وحب الجمال. ولا نريد ان نقرأ سيرة تاريخ كل الفنانات في تلك العصور الغابرة اذ كانت حافلة بشخصيات نسوية تركت بصماتها على مجرى التاريخ بالانجازات الفنية والابداعية النادرة ، ولازالت هذه الاعمال لحد اليوم تزين كثير من المتاحف والمراكز الفنية في العالم. ولكن سنأخذ بعض من الفنانات كنماذج شغلت المؤرخين والنقاد وانارة جانبا من التاريخ الفني وبقت خالدة في الذاكرة الانسانية مثل الفنانة ارتيميسيا جنتليشي الايطالية 1593، وماري كاسات الامريكية 1844، ومورينسوت الفرنسية 1841، ودورا مار وسوزان دوجامب وفرانسواز جيلو وريميديو بارو وفريدا كاهلو وغيرهن...4348 دورا مار

دورامار Dora maar المرأة التي ساعدت بيكاسو في رسم جرنيكا..

كانت دورا من اكثر صديقات بيكاسو ثقافة ونشاطاً وكانت يسارية مناضلة ومن جماعة السرياليين وكان لها دورا كبيراً في تفتح عقلية بيكاسو الفكرية حيث كانت كثير ما تصتدم معه في نقاشات فكرية وسياسية حادة.

ولدت دورا في عام 1907 في باريس وهي بنت رجل مهندس ومعماري من اصل كرواتي اسمه جوزيب ماركو فيث Josph Marko Vith ونتيجة لظروف العمل فقد انتقل الاب الى الارجنتين واستقر في العاصمة بوينوس آيرس وكانت دورا مع أبيها حيث تعلمت هنالك اللغة الاسبانية السائدة في اللارجنتين، وحسب مانقلته دورا الى صديقها خاميس لورد James lord بأن طفولتها كانت معذبة ومليئة بالاحزان حيث كانت أمها مطلقة أو منفصلة عن أبيها. وكانت تعاني من فقدان الحنان والعاطفة والحب، ولهذا فأن هذه الالام تركت بصماتها على حياة دور الى آخر عمرها. وقد وجدناها تبكي في مواقف كثيرة مع بيكاسو وانها تتصرف بطريقة عنيفة وعنيدة خاصة عندما تدخل في نقاش فكري مع بيكاسو...

رجعت دورا من الارجنتين وكان عمرها 19 سنة فدخلت مدرسة فنون الديكور ثم درست في قسم التصوير الفوتغرافي وكذلك درست في قسم الرسم في اكاديمية جوليان Julain ودرست ايضا الرسم في استوديو اندري لوتي Andre lhote وبعد هذه الدراسات المتنوعة بدأت دورا تبحث عن عمل فأشتغلت في مجلة للموضة تسمى Lluustration وأخذت تنشر فيها صورها الفوتوغرافية المتنوعة المواضيع وبحرفة عالية، كما نشرت عن جماعة السريالية، وكذلك صورت باريس ايام الثلاثينات، وبعد فترة لاحقة فتحت لها استوديو للتصوير الفوتغرافي بالتعاون مع شخص يدعى بيري كافر Pierre Kafer ومن خلال هذا الاستوديو بدأت بعمل الاعلانات التجارية لجميع المنتجات الصناعية وكذلك تزويد الصحف بالصور الفنية النادرة بالاضافة الى عمل الصور الشخصية الفوتغرافية.

وبالتالي نالت دورا شهرة واسعة في المجتمع الباريسي في مجال التصوير واستخدام احدث التكنلوجيا في ذلك الوقت.

بعد ذلك دخلت مع جماعة السريالية واتجاهها الفني والسياسي اليساري وكانت لها علاقة عاطفية مع لويس دي جابانثي Lous de chavance عام 1932، بعد ذلك مع كيورغي باتايليQeorge Bataille وكان الاثنان من نفس الاتجاه الفكري اليساري، وكان هؤلاء يشكلون جماعة سياسية معتبرة كان لها نشاطات واسعة في المجتمع الباريسي خاصة ضد الاتجاه الفكري الرأسمالي ومن ابرز تلك الشخصيات اندريه بيرتون مؤسس الحركة السريالية Andre Breton وباول اياردBaul Eluard ومارثيل خيان Marcel Jean وبيري كلوسكي Pierre Klosswski وغيرهم من رموز اليسار السريالي.4349 دورا مار

تعرف بيكاسو على دورا مار في نهاية عام 1936 وبداية الحرب الاهلية في اسبانيا في مقهى تسمى دوكس ماغوتس Deux Magots وكان بيكاسو جالسا مع صديقه- باول الوارد - على طاولة قريبة لجلوس دورا مار حيث كانت تلعب بالسكين، وحسب شاهد عيان يدعى خوان باول Jean Paul بأن دورا كانت تفرش يدها وتنقر بالسكين في الفراغات بين الاصابع، واحيانا تخطىء فتجرح احد الاصابع فتظهر بقع دم حمراء على الطاولة، كما كانت دورا تلبس اكثر الاحيان كفوف سوداء، وقد طلب منها بيكاسو الكفوف للذكرى فمنحتها له، ولا زال يحتفظ بها حتى وفاته عام 1973.

فقدم صديق بيكاسو باول الوارد دورامار الى بيكاسو للتعارف، وقد حياها بيكاسو بالفرنسية بينما هي ردت عليه بالاسبانية لانها تعلمت الاسبانية في الارجنتين عندما كان والدها المهندس يعمل هناك، وكان رد دورا مقصودا لتنبيه بيكاسو بآصله ولغته.

ان جاذبية بيكاسو وحواره البشوش جعل دورا تتعلق به واعتبرتها فرصة كبيرة ومميزة خاصة بعدما علمت بأتجاهه االيساري كما ان بيكاسو وجد فيها حالة خاصة من الاغراء والاناقة، يضاف الى ذلك فأن دورا هي من فتيات الموضوه الحديثة في ذلك الوقت والخارجة على التقاليد والعادات والانحراف والشذوذ والحرية المطلقة، وقد أحس بيكاسو ان ماتملكه دورا من الذوق والجمال له ايقاع في قلبه يختلف عن الاخرين لهذا دعاها اليه ليرسمها... رسم بيكاسو دورا مع قبعتها الجميلة في عدة لوحات وفي اثناء ذلك أحس الاثنان ان هناك مشتركات بينهما رغم الفرق الكبير في العمر والتجربة حيث كان عمر بيكاسو يوم تعرف عليها 55 سنة بينما كان عمر دورا 29 سنة، كما انها لازالت تعيش مع والدها ولكنها تملك شخصية وحرية مطلقة.

ان الميل نحو المغامرة والمخاطرة والتحدي نجدها عند الاثنين وكان بيكاسو قد احتفظ بكفوف دورا الملطخة بالدماء، بينما هي كانت قد احتفظت بنقطة دم جافة لبيكاسو كما كانت هي مياله الى الطقوس الدينية الغريبة مثل الصوفية والبوذية بينما لانجدها عند بيكاسو ابدا، ولكن الاثنان يمتلكان روحا وحسا رومانسيا وطموحات كبيرة.

ويذكر ان بيكاسو غادر باريس في صيف عام 1936 الى شواطىء فرنسا الجنوبية وحصرا في مدينة مونخينس Mongins حيث هرب مع عشيقته الجديدة دورا مار على غفلة من صديقته القديمة النرويجية الاصل ماري تيريسا، ثم التقى الاثنان مرة اخرى في الصيف الثاني في نفس المدينة والسير الطويل على شواطئها والتردد على كبريهاتها الحمراء البوهيمية. وفي فترة الاصطياف لعامي 1936 و1937 كانت قد سجلت لنا كامرة دورا مار صورا متعددة ورائعة لبيكاسو واصدقاءه وصديقته الجديدة دورا مار، امثال باول الوارد واندريه بريتون وجاكلين ولي ميللر Lee Miller، Eluard، Breton، Jacqueline ، وقد كتب هؤلاء قصصا وقصائد شعرية غرامية وعاطفية لتلك الرحلات الاصطيافية الممتعة....4350 دورا مار

وكان الصيف الاول لبيكاسو مع دورا مار صيفا غراميا وعاطفيا واعجابا مفرطا بها وكانت صورتها جميلة وممتعة عنده ، ولكن بعد ذلك انخفضت وبردت العلاقة بينهما، وبدأ بيكاسو يسجل وضعها النفسي وحالتها المتردية والمتدهورة نتيجة تعامل بيكاسو السيء معها بعدما شبع منها واحس انه يجب البحث عن غيرها، وتمثل ذلك في لوحته التي رسمها لدورا عام 1937 اسمها – المرأة الباكية – حيث تعكس انزعاج بيكاسو وغضبه عليها وقد نفذت اللوحة بأسلوب تكعيبي لايرى فيها اي ملامح شخصية لدورا ولكن الاشارة كانت من بيكاسو بأن اللوحة هي لدورا.. وحسب صديقة بيكاسو فرانسوا خيلو بأن بيكاسو لم يكن قادرا على رسم دورا مبتسمة، وانما اراد ان يعكس وضعها الداخلي وحالتها الهستيرية، بعدما احست ان بيكاسو قد ضجر منها واهملها وغادرها.

مع ذلك فأن المراحل الاولى كانت طيبة وجميلة ورسم بها بيكاسو دورا بأناقة وجمال ساحر خاصة في فترة رسم لوحة جرنيكا ، وعندما اراد بيكاسو رسم جرنيكا بتكليف من الجمهوريين كانت دورا قد استأجرت لبيكاسو مكانا للعمل وكانت هي اول من وثق وصور اللوحة اثناء عمل بيكاسو، وفي نفس الوقت غادرت دورا حرفة التصوير الفوتغرافي وباعت كل معداتها وادواتها الى بيكاسو وقررت ان تبدأ بتعليم الرسم.

وكان لدورامار دورا عظيما في مساعدة بيكاسو في رسم لوحة جرنيكا حيث كانت تمده بالافكار والاقتراحات وكانت تراقبه اثناء مراحل العمل وتصور كل مرحلة، لكن بيكاسو الرجل المتقلب والغير مستقر في علاقاته لم يهتم بها كثيرا، وكما قالت امه ماريه (ليس هناك أمرأة تستطيع ان تكون سعيدة مع أبني فهو لاينتمي الى اي احد سوى نفسه)، وقد أخذ يستخف ويستهجن من دورا خاصة عندما يدخلان في نقاش حاد في الفكر اليساري والسريالي والدفاع عن المرأة وحقوقها، وكانت دورا مثقفة ومناضلة يسارية ومن جماعة السرياليين التي يرأسها اندريه بريتون، كما كانت دورا تغار من علاقة بيكاسو مع ماري تيريسا وتتكلم عنها بسوء وكان بيكاسو يحب ماري حبا عظيما رغم مغامراته الغرامية وعلم ماري بذلك.. وقد كانت ماري مؤدبة وخلوقه ولاتغار من صديقات بيكاسو، وقد انجبت له اول طفلة وهي مايا Maya ولهذا كانت لوحات ماري التي رسمها بيكاسو تعتبر من اغلى الاعمال في سوق تجار اللوحات.

وكانت بداية دورا مع بيكاسو عامرة بالطموحات والافكار والنضال، حيث عملا على تنشيط الحركة الفنية في ذلك الوقت وغذيا اعمال الفنانين الاخرين بالثورة على التقاليد الفنية القديمة، وكانت دورا قد ضحت بكل ماتملك من فكر وذكاء من اجل حب بيكاسو وقد ذكرت ذلك بعد سنين من الانفصال، وكانت بحق اسطورة المرأة المناضلة والمتحدية والمجددة، رغم المؤآخذات الشاذة والمنحرفة عليها، وهي اكثر صديقات بيكاسو فنا وفكرا ونضالا، وقد شهدت لها مجالس النقاش والجدل الفكري مع الجماعات اليسارية والسريالية، حتى ان بيكاسو لم يستطع ان يقف امام شخصيتها الثقافية وجدلها الحاد. لكن بيكاسو كعادته مع الاسف ليس له صديقا دائما مهما كانت مكانته، فسرعان ما يغادره ويمسحه من ذاكرته؟.. ماتت دورا مار عام 1997 عن عمر بلغ 90 سنة.

***

د. كاظم شمهود

 

خطوط ا لتلاقي والاختلاف

كانت الفرصة سانحة لأتشرف بتلبية دعوة كنت أسعى لها لمرسم الفنان بسام الحجلي والسيدة ربا قرقوط والحقيقة أني كنت ولازلت حريصا خلال فترات و جودي المتباعدة والقصيرة في العاصمة دمشق على حضور غالبية النشاطات المترامية في مدينة متناثرة الأرجاءطالما توفر الوقت الكافي لهذا.. امتدت اجتماعاتنا في الاتحاد لتقترب منضوئها والمغيب ولأختم يومي الحافل هذاباستراحة قصيرة في إحدى حدائق الجمالالمتعددة والمتباعدة.. كان المعرض في ثقافي المزة لفنانين شباب.. ضم المعرض تجارب متفاوتة من حيث النضج والمستوى.. إذ كان التوجه لدى بعض المنظمين لمعارض مزدحمة بالمشاركات تفرضها الرغبة في توسيع دائرة المهتمين.

كان علي المرور سريعا لأقف عند بعض الأعمال التي لفتتني ومن بينهاعمل كانت تشع فيه ملامح الخبرة التقنية التي تفوح بحس انطباعي حداثي وبنفس يتوسط عوالم الذات المفعمة بالغموض ويستند لرؤى أكثر وضوحا وإخلاصا للواقعية شكلا وللتعبيرية الانطباعية لوناً ومضموناوهو عمل الفنانة ربا قرقوط.4538 بسام وربا

كانت تلك البداية لأتعرف عليها ومن خلالها عن قرب على الفنان الجميل والكريم بعطاءه بسام الحجليولألبي دعوتهم لصالتيهم المتجاورتين في إحدى حواري جرمانا المدينة القريبة عبر فنانيها وحضورهم والبعيدة نسبيا عن قلب العاصمة.

مع تلك السهرة الجميلة أبدأ مع الحجلي الذي استرسل وباح بمكنوناته وبتفاصيل كثيرة توجت خبرته وحياته لأقول.. ما بينه وبين لوحته فرشاة تستقصي عوالم الذات لتتحرك بعبثية معجونة بألوان االفرح والحزن والكآبة والحياة وهي طريقه وطريقته لمحاكاة مشاعره اللحظية وترجمتها بمنتهى المصداقية والحرية فهو لا يؤطر لوحته بشكل يمكن ان يكرره أو يعيده إذ أن أشكاله تولد تلقائيا لا قرار مسبق و لا منطق يحكمها ويحكمه اللوحة متنفس ومكان لقول مالا يمكن أن تترجمه الكلمات هي صرخته وشفرتها أسرار مكبوتة في تجربته الحياتية والغنية وهذا مفهوم متطور حول ماهية العمل التشكيلي والغاية منه فمن بواعث محاكاة الذات بحس جمالي يعطي القيمة للمشاعر اللحظية تولد المصداقية وتتأكد تلك السمة الخاصة للفنان التي تكشف عن جوانب فرادته بقدر ما تصقله الثقافة والخبرة والتجارب الحياتية في شخصه وشخصيته ليتجدد معها موقفه ورأيه في الحياة فتلك التجارب المريرة هي ليست سوى غذاء للروح تصقلها لتبحث تلك الأخيرة عن ملاذها في عمل كامل متكامل هو أشبه بالعبادة وتلك هي الحال في أعمال الحجلي فهي نتاج طقوس خاصة تؤكد أن الطريق والطريقة أهم من الوصول وهذا ما يجعل من العمل متكاملا في كل لحظة من لحظات الانجاز وهو يكمن سحر الفن والإعجاز

قد يكون لبعض من التأثر والتأثير دلالته التي تشيرلفنان خبير كونه يربط الفن بسلسلة متصلة ومتواصلة بحس تصاعدي. فبقدر خطوط التلاقي بين الحجلي وشريكته في الفن والحياة ربى قرقوط هناك خصوصية وفرادة لكل منهما تنحى عند الحجلي باتجاه التعبيرية والتجريد.4537 بسام وربا

بينما تغرد في الوسط ما بين وبين في أعمال ربا قرقوط إذ تسعى لضبط انفعالاتها مرتكزة لرؤى واقعية دون أن أن يكون لها أي تأثير على خياراتها اللونية فتقودها سمفونية اللون لتزاوج بسلاسة مابين خبرة الطبيعة والبحر وعوالم الذات وتضبط تغريدتها هذه بمساحات ترسم حدود الشكل وعبر ظلال توشح مبرزة الملامح بعيدا عن المبالغات والتحويراتوتتجلى قدرتها في سلاسة الربط هذه بين عالمين غير منفصلين تشبع من خلالهما تطلعاتها من جهة وتجد عبرهما طريقها لقلب المتلقي وفكره من الجهة الأخرى في أعمال قرقوط يبدو البورتريه ركيزتها الأساسية كموضوع وهو يعكس لاحة السحنة الإفريقية المشتقة من الأسود المخمر بحمرة خجولة تلخص خياراتها اللونية بلونين يتكاملان ضمن إطار عملها حين تتعامل مع لون أساسي وآخر مكمل فتنجز عملها من الأول ومشتقاته وتضيء عبر الآخر في الخلفية وهذا ما يجعل من رؤاها أكثر وضوحا وصفاءً.

 في أعمال قرقوط تجد من كل بستان زهرة وتلك الزهور المجموعة معالجة بيد فنانة خبيرة إذ لا يمكن لها أن تعيش سويا سوى في بستانها الخاص وهو السر وجودها ووجوهها التي تميل لصخب البحر حينا ولسكون البادية أحيان ومابين البادية البحر تلوح منحنيات وخطوط زخرفية بحس أكثر رومانسية لتجمع لوحتها ما بين مدارس الفن ولتضيف لمفهوم الفن وماهيته ما يضمن استمراره وصلاحيته

***

الفنان والباحث التشكيلي حسين صقور (الفينيق)

 

1- الهروب من الواقع:

كثير من النقاد والمحللين يذكرون بان الفن هو هروب من قسوة الحياة وتعقيداتها ومشاكلها التي ما تنفك.. وان المدارس الكلاسيكية والواقعية والرومانسية تعتبر هروبا من المجتمع المدني المعقد والخروج الى عالم يبعث في النفس البهجة والسرور والطمانينة وليس هناك خير من الطبيعة والعيش فيها.. كما ان الكثير من الفنانيين يعيشون في اجواء رومانسية ورؤى حالمة هؤلاء من الصعب ان يسرحوا في واقع مرير ومزري مليئ بالتناقضات والفساد ومجتمع عطلت فيه النفوس من الخيال والابداع والتنوير وحل فيه الدمار والخرافات..4327 سيران

وقد ظهرت خلال التاريخ مدارس تدعو الفنان للخروج الى الطبيعة والتمتع بمناظرها الساحرة ووالعيش فيها ورسمها... مثل المدرسة الرومانسية والمدرسة الطبيعية الانكليزية وكونستابل الذي يعتبر من عظماء الفن الاوربي. ومدرسة الباربيزون الفرنسية التي ظهرت عام 1846 في قرية باربيزون الباريسية والتي دعت الخروج الى الطبيعة ورسم مناظرها وحقولها ومياهها ومزارعها الخلابة، وكان من اعمدتها تيودور روسو وميليه وجان فرانسوا. كما ان زعيم الانطباعية مونيه اشترى له زورقا صغيرا وحوله الى ورشة عمل عائمة في احد البرك الريفية والتي تتمتع بمناظر جميلة في ضواحي باريس. اما سيزان فقد انهى حياته كلها في رسم الطبيعة والعيش فيها.. وكذلك عندما نطلع على رسائل وحياة كوكان نجده قد ذم المجتمع الباريسي المدني وفضل العيش بعيدا في جزر تاهيتي حتى وفاته فيها... وكان جان جاك روسو 1712 م دعى الى حياة الريف حيث اعتبر باريس سجن بضجيجها وتزاحمها المجنون، وانها غير قابلة للعيش فالريف قد يجلب للانسان الصحة العقلية والاكثر سلامة وطمانينة. وقال بان الجنس البشري سينحط مع مرور الزمن اذا لم يرجع الناس الى الطبيعة... نعم، لقد مرت على هذه المفاهيم اكثر من 300 سنة فاصبح الانسان اكثر انحطاطا وبؤسا لا يستحي ويخجل من فعل الفساد والاجرام وسرقة حقوق الناس..4329 كونسايل

2- المواجهة والصمود:

ولكن هل يعتبر الفن الحديث هروبا ايضا من الواقع المرئي ؟ نعم، قد يكون ذلك، في رائ البعض، ولكن هروبا من نوع اخر، هروبا من المظاهر السطحية للاشكال وما ينطوي عليه من تلون في الوجوه وتقلب في الافكار هروبا الى عمق الشكل وما ورائه من خفايا والى الحقائق المطلقة.. وقد اشار افلاطون الى ان كل ما نراه في الواقع هو استنساخ للحقائق المطلقة الموجودة في عالم المثل.. ولكن الفن الحديث بما ينطوي عليه من الارتفاع بمستوى الموضوعات الفنية وما تتضمنه من الحقائق والقيم الانسانية العظيمة، فيعتبر ذلك هروبا عند البعض على مستوى رفيع لانه في هذه الحالة يتطلب فيه تحويل دفة الاتجاهات الفنية الى موضوعات ذات ابعاد فكرية عميقة حيث يكون العمل الفني معبرا عن حقائق الكون والوجود والحياة الانسانية في صورها واشكالها التي لا تقع تحت حصر.

و الفنان لا يكتفي في تحوير وتغيير الاشكال والابتعاد عن المطابقة الواقعية وانما يتناول موضوعا يعبر في صميمه عن تلك الجواهر المخفية وراء الاشياء وبذلك سيكون الفن قد خطى خطوة عظيمة بل وثبة متقدمة في تاريخه الطويل.. ويكون حقا ذلك الفن التاملي الذي يستطيع عن طريق الحدس الابتكار والابداع المتمثل في عمق الطبيعة الانسانية. وفي هذا الصدد نعود الى بعض الافكار الصوفية التي طرحها الفنان شاكر حسن ال سعيد في نظرية البعد الواحد حيث وصف الانسان بانه سلبي وايجابي في هذا الكون فسلبيته انه يفني نفسه في هذه الحركة الكونية العامة ويصبح جزءا منها (وهو نقطة )، وايجابي، لانه يظيف قوته الى قوة الاشياء الكونية الاخرى، وبالتالي فان الفن هو تأمل وعمق التفكير الذي يمكن ان يوصلنا للحقائق المطلقة (حسب رأي ال سعيد)....4330 كويا

3- الهروب من التقاليد البالية:

يقول المفكر والفيلسوف جان جاك روسو (يولد الانسان حرا ولكننا محاطون بالقيود في كل مكان..) وقد يكون من التقاليد ما يعطل الانسان من التفكير السليم بل يضر في صحته ومزاجه وعلاقاته مع الاخرين.. وهذا لا يعني ان كل التقاليد سيئة بل هناك ما يدعى بالعرف وهو من الصفات الحميدة مثل الشجاعة والكرم والنخوة وغيرها وكانت سائدة عند العرب وقد اقرها الاسلام... ويذكر انه لما حضر عدي واخته ابني حاتم الطائي امام الرسول. ص. قال لهما كان ابوكم كريما ولو كان موحدا لترحمت عليه.. ومن التقاليد من يتعصب لها الانسان بجهل وتخلف كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءا... يقول ابو العلاء المعري (ولما رايت الجهل في الناس فاشيا.. تجاهلت حتى قيل اني جاهل...فوا عجبا كم يدعي الفضل ناقص.. ووا اسفا كم يظهر النقص فاضل).. ربما احد كم يعرف رواية الكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير - مدام بوفاري 1856 - والتي تمثل حنق الكاتب على الطبقة البرجوازية والطبقة الوسطى والتي هو كان جزءا منها وقد هرب من تلك القيود والتقاليد البالية حيث تمثل في نظره اثارة للسخرية والاستهزاء، وشخصية الكاتب تتمرد على التقاليد وتتحرر كليا بشكل متطرف... وقد تعرض فلوبير بسبب هذه القصة للاضطهاد والملاحقة واعتبر كاتبا سيئا في نظر الكنيسة والطبقة الحاكمة يومذاك..

4331 مونيه

د. كاظم شمهود

في الكشف عن رؤية الفنان للعالم، لا بد لنا أن نلبّي تلك الدعوة الخفية في البحث عن المنحنى الشخصي لحياة الفنان، وان تيسر لنا ذلك فانما هو بالعلاقة مع تاريخ الحركة الفنية العراقية ذاتها ورموزها، إذ برزت أعمال الفنانين العراقيين خارج حدود مشاغلهم الخاصة، كانت المدينة بحاجة إلى يقظة من لون ما تستطيع أن تحقق من خلالها تدفقها الجديد بعض التوازن بين الملامح الأولى (جذور الحضارة الرافدينية) والضرورات الحياتية، وهكذا بدأت الأعمال النحتية تظهر أمام الأنظار، وحين لامست الهواء الطلق كان لابد لقدرة التجسيد أن تنمو بتلك الطاقة الخبيئة في مادة النحت نفسها، وكان لابد للنحات أن يصارع امتداد الفراغ اللانهائي، فيقع في التجربة الفريدة ليحقق طموحه في مادة النحت.

ورد في سيرته الذاتية، ان البناء ولد بلا صراخ لحظة الولادة عام 1925، في بغداد - محلة باب الشيخ القريبة من مرقد الشيخ عبد القادر الگيلاني، فظنّ أهله انه ميت، وجدت لها تلك المناخات البيئية، والمكان منافذ متباينة في أعماله الفنية في وقت لاحق، وطبعت حياته الشخصية ببعض ملامحها، لذلك استطاع البناء أن يكشف في مادة الخشب تلك الروحانية ضمن رعيل من الفنانين وضعوا في هذه المادة قبساً من الانسانية عند استخدامها كخامة للتعبير الجمالي، واستطاع أن ينتزع اعترافاً بقدرته على اضفاء المرونة والحيوية على مادة الخشب، مع زملاء أخرين تأثروا بأسلوب هنري مور في خلق الفراغات والتجاويف في التكوينات المكوّرة والأشكال المنتصبة، ومن هؤلاء النحاتين :صادق ربيع، عبد الرحيم الوكيل. ميران السعدي.4496 نحت

كما لم تكن تماثيل الخشب هي المجال الوحيد لابداع البنّاء النحتي، فحياة الفنان هي مثال الاستغراق والتفاني في العمل، والتفوق في مجالات الفن التشكيلي التي خاضها، إذ يذكر انه طرق النحاس، وتعامل مع الحجر والمرمر والطين الذي يمنح النحات طراوة واسعة في التمدد، لكنه لا يغادر عشقه لمادة الخشب، كخامة لينة، سهلة التشكيل وخفيفة الوزن، وهو مدرك لأسرار جمالها عبر لغتها البصرية، وما تضيفه تكويناتها  من عُقد عشوائية وجذور ملتوية، طابعاً فريداً في التعبير.

لقد تعددت مهاراته التي يمارسها تحت الحاح فكرة محددة هي انتاج أعمال فنية تنتمي الى عصره، تلعب دورها في حياة الناس في قمة وجده بالإنسان، الوجد بالحياة يقود النحات عبر مصغراته النحتية الى العالم الأرحب، لتصبح صوتاً انسانياً واحداً، تصويراً لايقاعاته ورصداً لحركته.

ليست المصادفة هي التي جعلت من عبد الجبار البناء فناناً مبدعاً وانساناً وموقفاً، واختار ان يكون مرموقأ وفي المقدمة، فمنذ صباه كان يعبث بمواد البناء والصلصال، ويخلق منها مكعبات وأشكالاً وتكوينات لكائنات مختلفة، اذ كان والده (الأمي) الذي لا يقرأ ولا يكتب، يعدّ من أفضل مصممي خرائط البناء، ومن مهنة الوالد أكتسب الفنان لقبه الذي اشتهر به، وعندما يعود عبد الجبار بذاكراته الى سنوات الدراسة في معهد الفنون الجميلة، فانما يرجع الى ثقته بمستواه الفني، واقتناعه ان الفن يتيح له مجالاً أوسع للابتكار والتعبير الجمالي المتصل بحياة الناس، المرتبط بآمالهم، وهكذا أعدّ نفسه منذ البداية لانتاج الفن الذي يجد طريقه الى الناس كنحات ، مفضلاً اياه على الفنون الاخرى.

تتلمذ على يد استاذه جواد سليم منذ دخوله معهد الفنون الجميلة عام 1954، وتخرجه فيه عام 1960، والتلمذة صارت زمالة وصداقة متينة مع الفنان الخالد جواد، الذي طالما يعدد مواهبه فناناً وانسانا، الا انه حينما يتحدث عن تأثير الفنانين العراقيين فيه، فهو يشير الى تأثره بأعمال خالد الرحال، يقول عن جواد انه وضع الأسس الأولى في حياته، طوّر امكاناته وأضاف له من خبراته في رفع قدراته على الأداء.

في لقاء مع البناء يصف أعماله انها ضد الخنوع والاستسلام، حتى تلك اللوحات التي تشترك بأرضيتها القاتمة يودع فيها حمامات الأمل التي يخبؤها بين حنايا الضلوع، ليطلعها متى اتشحت لوحته بالظلمة، منحوتاته من الخشب وثائق ويوميات وخواطر طرية، تذوب على سطوحها لمسات العاطفة وعذريتها. لم يكن الفن بمعناه العام في تقديره منفصلاً عن الواقع الاجتماعي- السياسي-الاقتصادي، وبناءً على ذلك شكّل هذا الفهم قاعدة أساسية في جميع منطلقات البنّاء الفنية والاجتماعية.

على الأغلب تبدو اعمال البناء قائمة، منتصبة، من ثنائيات تتجاذب وتتآلف وتتعانق، عاشقة تدفعها العاطفة الى الاتحاد بعضها ببعض، ولا شك ان هناك تباينات في شدة التعانق، واختلاف الحركة، ذلك ان الفنان لا يكتفي بالاحساس بالجمال، بل في التعبير عما يخالجه من مشاعر، وما يعتمل في ذهنه من تصورات ورؤى. ان لديه ما يمكن أن نطلق عليه اسم (الاختزان الفني)، هو كالداينمو الذي يحتفظ بالكهرباء، أو قل كنحلة عسل تمتص رحيق الأزهار، ثم تخرجه بتركيب جديد مستحدث.

موضوعة الانسان في الفن منذ حفر رسومه العجيبة على جدران الكهوف قبل عشرة الآف سنة، حتى عصر اللاشكل والتجريد، ان هذا الدور لم يكن بسيطاً، ذلك لأنه كما يقول فنان الرمزية الفرنسي (موروا)، انه يضيف الى العالم الواقعي مالا يستطيع ان يقدمه هذا العالم.

وهكذا بدأت رحلة عبد الجبار الفنية ولم تتوقف الا  بوفاته في اكتوبر من عام 2016، وهو يبحث في جوهر الانسان،  يستنطق أعماقه الراقدة في جوهر الوجود، غير مهتم بالفكر التجريبي الذي هو صميم التجربة الفنية التي تجسّد الأفكار وتبلور الاحساسات حتى الخيالي منها. وفي ضوء هذه الحقيقة، انصرف البناء الى الالتزام بقضايا شعبه الوطنية، وكي يكون الفنان صاحب قضية وطنية يقتضي أن يعكف على استلهام المفردات والرموز في موروثه وحضارته في أعماله الفنية، وهو ما دأب عليه عبد الجبار واذا أمعنا النظر في أسلوبه، برغم انفتاحه على تيارات الفن الحديث في العالم. نجده قد اعتمد بديله الخاص في خبراته الفردية المتنوعة، وما تزخر به من ثقافات ورؤى فنية متجددة، تؤهلنا للقول : انه امتلك هويته الخاصة.

اتخذ عبد الجبار البناء من اليسار منهجاً في موقفه  السياسي والفكري، فانتمى الى حزب الشعب الذي كان يرأسه عزيز شريف مبكراً، وتعرض بسبب ذلك الى الاعتقال وأحكام ثقيلة قادته الى السجن منذ عام 1953، والفصل من الوظيفة بعد انقلاب 8 شباط 1963، مما اضطره السفر الى السعودية للتدريس في معاهدها لمدة أربع سنوات،

ومن المفارقات المثيرة التي يتناقلها رفاقه السجناء، وحراس السجن الذين أبدوا دهشتهم من طلبات السجين البناء، إذ ينفرد لوحده بطلب كمية من الطين اثناء زيارة أمّه يوم مواجهة السجناء شهرياً، وفي السجن نحت عدة تماثيل لسجناء معه، وتمثال لطبيب السجن الخاص مهّد لعلاقة صداقة معه، امتدت الى خارج أسوار السجن، بحجّة مراجعة الطبيب في عيادته الخاصة.

يبقى عبد الجبار البنّاء متألقاً في أعماله مثيراً في ذاته، مغروساً في حدائق الحياة حتى يومنا هذا، كان يفعم نفوسنا بنوادره وصوته ومقاماته، كما كان يرجم الشر بومضاته الساخرة، ويقاتل الأذى بالحب والوداد الصافي، كان يطل علينا بوجهه الطفولي الجميل، فيؤنس وحشتنا، ويزيل عنا كروب الأيام كلما داهمتنا بدواهٍ جديدة.

***

جمال العتّابي

تشكل أعمال الفنانة التشكيلية هند نصير مسارا فنيا قويما، وذلك قياسا بما تقدمه في معارضها من إنجازات فنية قوية، وما تشكله معارضها الفردية من قوة تجديدية معاصرة. ولا شك أن تأطيرها وإشرافها على مركز رؤى الفن بشمال جدة يخول لها نشر تجربتها وتشكيل مساحة إبداعية يستفيد منها عدد كبير من عشاق الفن وطالبيه.4271 هند نصير

فكفاءتها التشكيلية، ومراسها الفني الغني بالمستجدات الفنية؛ يخول لها أن توصل منجزها التشكيلي المتفرد إلى فئات عريضة ليستفيد من خبرتها. فالمركز الفني رؤى الفن له دور في مد جسر هذا التواصل، لأنه يرقى بالفن العربي إلى العالمية، خاصة وأن الفنانة التشكيلية هند نصير تشغل حيزا كبيرا من الاهتمامات الفنية والتشكيلية والحضارية والمعرفية.4272 هند نصير

وباعتبار كذلك قيمتها الفنية على الصعيد العالمي. فهي فنانة عالمية راكمت خبرات عالمة وتجارب كبيرة، ولامست أساليب متعددة من المدارس العالمية، وأقامت العديد من المعارض على الصعيدين العربي والدولي. وقد تناولت تجربتها العديد من المنابر الإعلامية في عدد من الدول. فخبرتها في المجال التشكيلي تؤثر لا محالة في مركز رؤى الفن. الذي ما يفتأ يقدم خدمات فنية تتمثل في الرسم بالألوان الأكريليك، والرسم بالألوان الزيتية، والرسم بالفحم وأقلام الرصاص، والديكوباج. كما يقيم دورات في فن الخزف والموزاييك، ومادة الرزن، ودورات تغليف الهدايا وتنسيق الزهور.4273 هند نصير

كما يقيم هذا المركز دورات للأطفال وفق برنامج شامل يروم الأعمال اليدوية من صلصال حراري وأعمال بالورق، وعجائن السيراميك والرسم على الزجاج، وفن التغليف والتزيين. فضلا عن تنظيم المركز لملتقيات فنية، وإقامة معارض لتتويج الأعمال الفنية آخر كل سنة تكوينية. وبذلك تكون الفنانة هند نصير قد نحتت مسارا جديدا ورسمت تجربة جديدة ليس لنفسها فحسب؛ وإنما لأجيال من عشاق الفن الجميل، لتحظى باهتمام عالمي يرسخ هذه التجربة العربية الرائدة.

***

د. محمد البندوري

الألوان التعبيرية وبلاغة اللغة التصويرية وأسلوب التكنيك واكتمال الدلالات الرمزية المثيرة. هي السائدة بشكل منتظم في لوحات الفنان التشكيلي العراقي المقيم في برلين علي محمود، التي تيسر لنا مشاهدتها في معرضه الاول في الثامن من تشرين الاول في مركز (آب تسيل) ببرلين. شاركه بالعزف المنفرد على العود من التراث العراقي خلال أمسية الافتتاح الفنان العراقي الشاب المقيم منذ تسعة أشهر في بوتسدام "قاسم كزار"، الذي ابدع في جعل الانغام الموسيقية الشرقية كحروف الهجاء تتناثر في فضاءات الفن التشكيلي، تارق وجوه نساء علي المتنوعة المعانى والوجدانية في نفسها لا تقترن بزمان ومكان.. وعلى ما يبدو ان مساحة الخيال السمعي للموسيقى في فضاء المعرض، لم تناجي المرئيات او الكشف عن مسيرة قاسم الفنية التي لازمها بإصرار فحسب، انما عبرت عن قيّم تعبيرية تحاكي مصير وطن أسمه "العراق". فقد ترك وظيفته للالتحاق بشباب الانتفاضة. وبسبب رفضه الوشاية والتجسس عليهم، صدر بحقه أمر القاء القبض (لتنفيذ قرار الحكم بالسجن) مما اضطره لمغادرة بلاده.. آنذاك كتب يقول: 132 Ali Mahmood

(أبيض ـ أسود؟ يجب تحديد موقفك أما أبيض أو أسود لا توجد منطقة رمادية، لأن ما يجري حدث عظيم يجب أن يكون لك موقف فيه على الأقل أمام نفسك أولا" ، أذ لا يمكنك أن تصدع رأسي ولسنين في الأماكن العامة والخاصة بالشكوى عن سوء الأوضاع وبأننا شعب جبان وعندما تحدث ثورة لا يكون لك موقف حتى في مواقع التواصل الأجتماعي! لأنك ان لم يكن لك موقف فأنت تندرج تحت واحد من تصنيفات ثلاث:الأول:ـ موظف مستفيد من الحكومة الحالية ويخشى على وظيفته (جماعة قلوبنا معكم وسيوفنا عليكم). الثاني:ـ غير مستفيد من الحكومة الحالية لكنه جبان رعديد (لهسة بيه خوفة صدام) الثالث:ـ المنافق الذي يقف في المنطقة الرمادية والذي ينتظر أي الكفتين تفوز ليقفز لها (وهذا هو الأنتهازي الذي يتسلق على رقاب الاخرين).. ملاحظة: كل الأنواع السابقة لا أتشرف بصداقتها.. الخلاصة: هذا هو المنشور الذي اعلنت من خلاله موقفي الصريح ومعارضتي للوزارة التي اعمل بها ووقوفي مع ثورة تشرين …(133 Ali Mahmood Ausstellung Foto 1

أيضا علي محمود الفنان العراقي بالفطرة وهو في الخامسة من العمر مواليد بغداد عام 1993 وذو المواهب المتعددة، بإصراره على إختيار الفن التشكيلي تحدى المنطقة الرمادية وانتصر. تضمنت رحلته الفنية محطات عديدة، فهو يجيد فن الخط والتصميم والديكور كان لها الأثر البالغ في سعة آفاقه الفكرية والثقافية. تواصل مع طلبة اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد بهدف الالتحاق لاكمال دراسة الفن التشكلي الا انه اضطر لمغادرة بلده العراق بسبب تفاقم الاوضاع السياسية والامنية، لكنه لم يغادر محاكاة وطناً أسمه العراق، ضحى لاجله في ثورة تشرين شباب أبرياء يريدون صناعة مستقبل افضل. شاركهم الهم عن بعد فعبر في العديد من اعماله الفنية عن مشاعره وتضامنه معهم. شارك في العديد من الأنشطة الفنية، في العراق وأوروبا. يعيش حاليا في العاصمة الالمانية برلين. يتمتع برؤية فنية ثاقبة في كيفية صناعة اللون في لوحاته دون تكلف او تصنع. تتجلى فيها معان تعبيرية كثيرة ترصد الظواهر المجتمعية والسياسة بطريقة تكشف عن عوارض القلق وسرديات المحيط. احيانا التعبير عن الذات، وحينا اخر تضع المتلقي امام مظهر من مظاهر المشاعر الشخصية او الانفعالات الوجدانية غير النمطية. يرسم بمهنية عالية ومواد والوان مختلفة كالمائي والزيت وقلم الرصاص والفحم. تتميّز رسومه بالتنوع والاساليب المختلفة التي تتجلى فيها عوالم مليئة بالأمل والجمال وبث روح الإيجابي. 135 Ali Mahmood Ausstellung Foto 3

في معرضه الاول الذي اقامه في برلين، عرض الفنان علي محمود خمسة عشر عملا فني باحجام مختلفة. استحضر في أغلب اعماله "المرأة" باشكال والوان مبتكرة، ذات طابع متنوع غير محدد، منها السريالية أو تمثلها بشكل مختلف. لكن الطابع الاغلب يتنوع بين الواقعية والانطباعية والتعبيرية التي تخلق مزاجا معين لانماء ذائقة المتلقي. فالسردية في اعمال علي تُظهر صورا للواقع، وليس اشكالا غريبة غير معتادة كما يراها البعض. الجدير بالذكر ان الفنان علي لم يتعامل مع نظرية "الجمالية للالوان"، انما على علمية جمالية النظريات حول وظيفة وتأثير الألوان وفق رؤية فنية مؤثرة. تعريف واضح، لا يقتصر على الأساسيات لـ "ترتيب الألوان"، انما على ما يتم عادة، عمل شيء أو شكل ما بطريقة مفصلة للغاية، هو كل شيء ونهاية كل شيء. ولعل أكثر إثارة تلك الرسوم التضامنية الثلاث التي تتحدث عن انتفاضة تشرين بطريقة فنية تتميز بنقاء الألوان التعبيرية وبلاغة اللغة التصويرية، أصنفها مرسالا يجسد مشاعره تجاه وطنه ووفاءً لشهداء الانتفاضة.136 Ali Mahmood Ausstellung Foto 4

تثير أعمال الفنان علي محمود التشكيلية، جدلا فنيا يتمحور حول مفرداته المتميزة، التي تحمل ظواهر اجتماعية، استطاع أن يقومها بطريقة "سيميائية" لا تخلو من احساس داخلي غير مرئي لكنه ملموس، تتموضع فيها الأشكال البنيوية والألغاز على نحو مثير. واستطاع في لوحاته أن يظهر الرمزية للعيان أو يوظف اوصافها؟. ونحن نتحدث هنا عن أثر "البعد الثالث" وكأننا نبحث عن القيّم الفنية التي تشكل عادة أعمدة العمل التشكيلي، كالطاقة والحركة والظل واللون والأسلوب الجمالي بالاضافة الى الظواهر "السـوسيولوجية".. ومن المنظور النظري الجمالي في أعمال الفنان علي محمود المصنفة في علم فنون الرسم بالواقعية، تتميز بثنائية التصنيف، متمردة على الأزمنة على الأقل روحيا وبصرياً، وتجسد مظاهر الحدث أو شكله من ناحية التراتبية والملاءمة وكأنها مثالات خياليّة. تمتاز ايضا بالألوان المائية "أكرليك" المتقاربة من بعضها والمنسجمة في أسلوبها الفني، كما لو كانت تشكل كلها جدارية، تتسم برؤية تعبيرية تعد من ابرز فنون الرسم الواقعي المعاصر.

137 Ali Mahmood Ausstellung Foto 5

عصام الياسري

هي الطاقة تسري في العروق وتبحث عن منافذ لها عبر الهوى والهوى يأخذنا اليوم في جولة نستعرض من خلالها تجربة الفنان كائد حيدر   

  يمضي عبر تجربته منذ بدايتها وإلى الآن  وفق نهج تراتبي يخالف القاعدة الدارجة فرغم أن بداياته كانت تنحى لاتجاهات تجريدية إلا أن سعيه لعمل متكامل في بنيته  ومتوج بعمق  معرفي كان محرضا ليزاوج ما بين واقعية الشكل  والتجريد اللوني الذي تلخصه لمسات فرشاة فنان واع لقيم اللون ودرجاته وقادر على توظيفها في لوحاته.

فلوحته التي كانت تنحى باتجاه تجريدي محض أوائل تخرجه من كلية الفنون سخرها لا حقا عبر مواضيع  تستحضر من أساطير ومن تراث المنطقة والحضارات الغابرة عبر بقايا  من تركات أثرية  وملامح آشورية  اتخذها كموضوع للوحاته وقدمها عبر عجينة اكتسبت دسامتها ألقها وتلقائيتها من خبرته التشكيلية السابقة  ثم من معارفه اللاحقة للحضارات التي مرت فوق تلك الأرض والتي ستشكل العناوين العريضة لمجموعاته ولوحاته4224 كائد حيدر

 اهم ما يميز تجربة كائد أنه يعمل دائما على موضوع معين وهو يحيط معرفيا بكل تفاصيل موضوعه.  فتحركه الصور القصصية في مجموعته حكايا شهرزاد وألف ليلة وليلة  ويشغلها بتلك الروح الشاعرية الحالمة ووفق تحويرات تجعلها قابلة لتتصدر أغلفة تلك الحكايا وتصير لمضمونها كما المرايا وتنقله تلك المرايا لرصد واقع الحرب على سورية لتكون اضافة واستمرارا لتلك الحكاية  أقام معرضه الرقص على الجمر وهو يؤكد من خلال معرضه هذا الذي أقامه في صالة الحكمية ارتباط منجزه السابق باللاحق إذ لا يعير للتعبيرية أية قيمة استثنائية على حساب القيم الجمالية المحبوكة بحس شاعري يجعل  لتلك العذابات الانسانية طقوسها الصوفية ... صلاة  عبر رقصات لعاشق صار معه جحيم الحياة بردا وسلاما

4225 كائد حيدر في حين تأتي تجربته الجديدة والغنية بألوان قزحية قادمة من ضباب الذاكرة لتصور الحياة دون اية تحويرات في سياق الشكل أما في سياق اللون فتتحقق تلك التناغمات وفق إيقاع  سلس وبعناية فائقة تربط ما بين خبرته الأكادمية ومفهومه الخاص لعمل يجاري التطور المتأني والمدروس للحركة التشكيلية ولقناعته المسبقة بأن القفزات الطويلة لا يمكن لها أن تتحقق  إن لم تستند إلى تراكم معرفي وخبرة عملية وميدانية وهذا ما يؤكده ذاك الخيط الرابط بين تلك النقلات

ختاما كل التوفيق للفنان كائد في رحلته  مع التشكيل في أصعب زمن يمر على الوطن ونحن أحوج فيه للمزيد من المحبة و التعاون الذي تحركه الغيرة على الفن السوري ومصلحة الوطن.

***

الفينيق حسين صقور

مقدمة (لا بد منها)

كانت الحياة لازالت تقسو وكادت أحلامنا في قاع المحيط ترسو بعد أن مزقها الغلاء وحاصرها حراس السخافة والدخلاء.. هم السبب الحقيقي في كل شقاء وعناء وفي كل بؤس استحوذ على ذوي الأفكارالخلاقة من الفقراء (الفقر المادي).. ذاكرتي سجل مدعوم بصور المحادثات والوعود الكاذبة والمراوغات.. ذاكرتي سجل لليال قضيتها مشلولاً في حضن الكآبة.. بعد أن..مات الضمير واستفاقت الأنانية والجشع..وبعد أن.. أعمى تلك الهياكل الصم الفارغة الطمع

بعد طول ابتعاد.. وبعد حصار خنق المبدعين الحقيقيين في تلك البلاد..

آثرت مغادرة المكان والتجول في أم الدنيا حلمي السابق واللاحق في كل الأزمان

الموضوع

ما بين الغفوة والصحوة وخيوط الفجر التي ترسم أحلامي الحلوة سافرت إلى أم الدنيا

أرض الخصب والنيل وطن المعجزات والمستحيل كان نجيب محفوظ يسرد العشق المتيم والمعقود إلى سراب وكان إحسان عبد القدوس يسبر أغوار النفس الهائمة وسط الضباب.. كانت مراكب الصيد تختتم رحلتها الطويلة وأم كلثوم تتأهب لوصلتها الجميلة.. كنت أواصل التنقل مابين الساحات وأبحث عن فنان تشكيلي قادر على رصد الطقوس الدينية والعادات.. هنا حلقات المولد والرقص وهنا العمامة والجلابية والخمار المزركش يشكل الهوية ويرسم الطقس وهنا عبد الفتاح البدري تشغله الحكاية ويقدمها عبر مئات من اللوحات والتكوينات لتصير لتلك الطقوس مرايا ولننظر إليها عبر التحليل من عدة زوايا أعطت الهوية للوحة والفنان ونبتدئ أولاً ب.. (البيئة.. موالد النوبة في أرض النيل ووطن المستحيل)

البيئة (وهي المكان الذي ينتمي إليه الفنان بأبعاده الثقافية والتاريخية والجغرافية) وهي هنا تمتد على طول شريان الحياة (النيل) من هضاب السودان إلى الدلتا مرورا بمصر أم الحضارات

الإشارة هنا (في أعماله) تأتي عبر السمرة وملامح الشكل الإنساني عند الفنان وكأن وجوهه هجينة بين مصر والسودان كما تأتي الأزياء المزخرفة بخط أكثر حرية وتلقائية لتؤكد ذاك الانتماء

ثم عبر مواضيعه المحلية المطروحة التي يعالج من خلالها مجالس الذكر والمولد والاحتفالات والرقصات المرافقة كما يعالج بعض مظاهر الحياة الشعبية لأهل النوبة والصعيد كالتحطيب وغيرها..4103 عبد الفتاح البدري

ثانياً: (زاوية الرؤيا والفرادة)

زاوية الرؤيا والفرادة هي الداعم الآخر للوحته والتي من خلالها حلق في فضاءات الحداثة وبجناحي الهوية والخصوصية.. أما وقد تساءلت كيف تحقق هذا.. فأقول عبر التكوينات الغنية والمساقط الأفقية التي تميزه في بعض أعماله حيث يبدو المشهد كما لو أنك تراقب محلقا ومعلقا في الفضاء.. وأيضا (وهنا في بعض أعماله فقط) عبر التلاشي الذي يغيب من خلاله أجزاء من الشكل (الجلاليب) مع الخليفة ليشدنا إلى تلك الوجوه السمراء الغامقة وأحياناً إلى بعض من العصي والعكازات وليشدنا عبر رؤى أكثر تجريداً إلى لوحته الواقعية وكأنه يعلمنا كيفية النظر أو كيف يجب أن نرى العالم من حولنا ونصطاد الجمال.

ثالثاً: (سمات الشكل والمفردات)

التبسيط وهو الميزة الأخرى التي تساعده على الرؤيا الكلية للموضوع وعلى إعطاء القيمة لمجموع مفرداته ككل موحد.. كما تساعد الفنان على شد الانتباه إلى التكوينات مستفيدا من ألوان الجلاليب وطريقته في توزيع الأشكال الإنسانية والتجمعات.

أما التكرار هنا فيفرضه الموضوع وتفرضه التشابهات في الملابس والحركات ولكنه يغتني عند الفنان حين يبتعد عن النمطية والرتابة فنستشف ذلك الإيقاع الغني والمتنوع للحركات التي تشي بالمناسبة.

وتبقى الزخرفة وهي المدخل الوحيد المسموح به لبناء عمل تشكيلي في التاريخ الإسلامي وذلك حين حرم بعض الفقهاء والمجتهدون التشخيص واعتبروه شكلاً من أشكال الشرك والإلحاد أما هنا فقد وظفت بطريقة الرسم الحر على بعض الجلاليب وبعض الأزياء النسائية لتذكر بالهواية والهوية.4104 عبد الفتاح البدري

رابعاً: (موالد احتفالية ورقصات بنكهة اللحظة والحياة)

أما المحطة هنا فهي لكشف ما يشدنا للوقوف مطولاً أمام عمله فهو أولاً قناص للظلال يستطيع توظيفها عبر أشكالها ودرجاتها لتغني تكويناته وترصد الوقت وثانياً قدرته على تقديم زخم لوني متجانس رغم التنوع والتغاير مابين الحار والبارد والأبيض والأسود والألوان الصريحة المأخوذة من مواسير شكلت منها الزخرفة العربية والإسلامية فهو يصبغها بروح الوقت والطقس لحظة الغياب (غروب ,شروق , يوم مشمس , يوم ماطر) وهو يبرر وجودها كألوان لأزياء شخوصه المجتمعة ويوزعها بالطريقة المثلى التي يحقق من خلاله التوازن لعمله ولذاته ومفرداته.

خامساً: (سمات أسلوبية)

يبقى أن نكشف أخيراً عن شيئا ما يتعلق بالأسلوبية والمدخل إلى بعض أعمال البدري فهو هنا لا يتوانى عن شد الأقمشة الجاهزة مستفيداً منها كألوان للأزياء النسائية التي يريد رسمها والرسم عليها ومستفيداً من التأثيرات الذي تحدثها ألوانه كوشاح فوق تلك السطوح والأقمشة الملونة.

في النهاية أقول إن عبد الفتاح البدري استطاع أن يكون الراصد والمخلص لحياة كاملة قدمها بكل مافيها من طقوس دينية أعراس واحتفالات وتجمعات لأهالي أرض كانت ولازالت المنبع والملتقى لكل الحضارات وأن كل ما ذكرته سابقا رسم هوية الفنان بحيث أنه استطاع أن يقدم لوحة تنتمي للأصالة والحداثة في آن.

***

الفينيق حسين صقور

4014 faik al aboudiإن ﺃﻫﻡ ﻣﺎ ﻳﻣﻳﺯ ﺗﺟﺭﺑﺔ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﺍﻟﺗﺷﻛﻳﻠﻲ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻲ ﺍﻟﻣﻐﺗﺭﺏ ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻐﻭﺭ ﻓﻲ ﺍﻷﺳﻠﻭﺏ ﺍﻟﺗﺟﺭﻳﺩﻱ ﺍﻟﻣﺷﺑﻊ ﺑﺭﻣﺯﻳﺔ ﻋﺎﻟﻳﺔ ﻟﻠﻣﻭﺿﻭﻋﺎﺕ ﺍﻟﻣﺗﻧﺎﻭﻟﺔ، ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺭﻏﻡ ﻣﻥ ﺳﻧﻭﺍﺕ ﺍﻏﺗﺭﺍﺑﻪ ﻓﻲ ﺑﻠﺩﺍﻥ ﺍﻭﺭﻭﺑﺎ، ﺍﻻّ ﺍﻧﻪ ﻻ ﻳﻧﻔﺻﻝ ﻋﻥ ﻛﻳﻧﻭﻧﺗﻪ ﺍﻟﺷﺭﻗﻳﺔ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻳﺔ ﺍﻟﻣﺗﺟﺫﺭﺓ ﻓﻲ ﺃﻋﻣﺎﻟﻪ، ﻓﻣﻬﻣﺎ ﺗﻌﺩﺩﺕ ﺭﺅﺁﻩ ﻭﺛﻘﺎﻓﺗﻪ ﻭﻟﻐﺗﻪ، ﺍﻻّ ﺍﻧﻪ ﻳﻁﺭﺡ ﻣﺷﺭﻭﻋﻪ ﺍﻟﻔﻧﻲ ﻭﺍﻟﺟﻣﺎﻟﻲ ﺑﺫﺍﺋﻘﺔ ﺗﺷﻛﻳﻠﻳﺔ ﻟﻬﺎ ﻓﻠﺳﻔﺗﻬﺎ ﺍﻟﺧﺎﺻﺔ، ﻭﻟﻌﻝ ﻫﺫﺍ ﺍﻷﺳﻠﻭﺏ ﻳﻌﺑﺭ ﻋﻥ ﻣﻘﻭﻟﺔ

ﻛﺑﺎﺭ ﺍﻟﻧﻘﺎﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻥ (ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻥ ﺍﻟﺗﺷﻛﻳﻠﻲ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻲ ﺣﺎﺿﺭ ﻓﻲ ﻛﻝ ﺑﻠﺩﺍﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﺑﻣﻧﺟﺯﻩ ﻭﺣﺿﻭﺭ ﻭﻣﺷﺎﺭﻛﺎﺗﻪ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﺔ)، ﻭﻻ ﺿﻳﺭ ﻓﻲ ﺫﻟﻙ ﺣﻳﻥ ﻓﻬﻡ (ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ) ﻓﻛﺭﺓ ﺍﻟﺣﺿﻭﺭ ﻫﺫﻩ ﺑﻭﻋﻲ ﻣﺿﺎﻑ ﺍﻟﻰ ﻣﺎ ﺗﻣﺗﻌﺕ ﻋﻳﻧﺎﻩ ﻓﻲ ﺯﻭﺍﻳﺎ ﺟﻣﺎﻟﻳﺔ ﺍﺧﺭﻯ..

ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ ﻓﻲ ﻛﻝ ﺗﺟﺎﺭﺑﻪ ﻧﺟﺩﻩ ﻳﻌﺎﺻﺭ ﺗﺣﻭﻻﺕ ﺍﻟﻣﺭﺣﻠﺔ ﺍﻟﺗﻲ ﻧﺷﺎﻫﺩ ﻣﻥ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻋﺎﻟﻡ ﺍﻟﻠﻭﺣﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﺍﻟﻣﻌﺎﺵ ﺑﺩﻗﺎﺋﻖ ﺍﻷﺧﺗﻳﺎﺭﺍﺕ (ﺍﻟﺛﻳﻣﻳﺔ) ﺍﻟﻣﻌﺑﺭﺓ ﻋﻥ ﻭﺍﻗﻊ ﻭﺣﺿﺎﺭﺓ ﻭﺭﻣﻭﺯ، ﻭﻣﺎ ﺍﻟﻰ ﺫﻟﻙ ﻣﻥ ﺗﻔﺎﺻﻳﻝ ﺗﺗﻣﺣﻭﺭ ﺣﻭﻝ ﻗﺑﻭﻝ ﺍﻵﺧﺭ ﻓﻲ ﺗﻠﻘﻳﻬﺎ، ﻭﻣﻥ ﺧﻼﻝ ﺗﻔﺣﺻﻲ ﺍﻟﺩﻗﻳﻖ ﻷﻋﻣﺎﻟﻪ، ﻧﻠﻣﺱ ﻭﺑﺩﻗﺔ ﻛﻳﻔﻳﺔ ﺍﺷﺗﻐﺎﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﺛﻳﻣﺎﺕ ﺍﻟﻭﺟﻪ ﻭﺍﻟﺷﺑﺎﺑﻳﻙ ﻭﺍﻷﻗﺑﻳﺔ ﻭﺍﻷﺑﻭﺍﺏ ﻭﺍﻟﻣﺭﺑﻌﺎﺕ ﺍﻟﺗﻲ ﺗﺭﻣﺯ ﺍﻟﻰ ﺑﻌﺩ ﻋﺭﻓﺎﻧﻲ، ﺑﺎﻷﺿﺎﻓﺔ ﺍﻟﻰ ﺍﺳﺗﺧﺩﺍﻣﻪ ﺍﻟﻰ ﺍﻷﺣﺭﻑ ﺍﻟﺗﻲ ﻣﻥ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻳﻣﺳﻙ ﺑﺎﺣﺳﺎﺳﻪ ﻏﻳﺭ ﺍﻟﻣﺑﺎﺷﺭ ﺑﻌﺭﻭﺑﺗﻪ، ﻛﻠّﻬﺎ ﻛﺎﻧﺕ ﻣﺷﺎﺭﻳﻊ ﺟﻣﺎﻟﻳﺔ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻷﻧﺿﺑﺎﻁ ﻛﻔﻧﺎﻥ ﻣﺣﺗﺭﻑ..

ﻭﻟﻡ ﺗﻛﻥ ﺍﺳﺗﺧﺩﺍﻣﺎﺗﻪ ﺍﻟﻠّﻭﻧﻳﺔ ﺳﻭﻯ ﻟﻌﺑﺔ ﻣﺎﺯﺟﺕ ﺑﻳﻥ ﻭﺣﺩﺓ ﺍﻟﻣﺿﻣﻭﻥ (ﺍﻟﻔﻛﺭﺓ) ﻭﺍﻟﻣﺗﺧﻳﻝ ﺍﻟﺷﻛﻠﻲ، ﻓﻣﺎ ﻛﺎﻧﺕ ﻁﺭﻳﻘﺔ (ﺍﻟﻛﻭﻧﺗﺭﺍﺳﺕ)، ﻭﻭﺟﻭﺩ ﺃﻟﻭﺍﻥ ﺣﺎﺭﺓ ﻭﻣﺿﻳﺋﺔ ﻭﻏﺎﻣﻘﺔ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻝ ﺍﻟﻠّﻭﺣﺔ ﺍﻟﻭﺍﺣﺩﺓ ﺳﻭﻯ ﺗﻧﺎﻏﻡ ﺷﻛﻠﻲ ﺍﻋﻁﻰ ﺑﻌﺩﺍً ﺟﻣﺎﻟﻳﺎً ﻫﺎﺋﻣﺎً، ﻭﻟﻡ ﻳﻛﻥ ﺍﻟﻣﻧﻅﻭﺭ ﻟﻠﺷﻛﻝ (ﺍﻟﻣﺗﺿﺎﺩ) ﺳﻭﻯ ﻣﻌﺎﺩﻟﺔ ﺷﻛﻠﻳﺔ ﻣﺗﻭﺍﺯﻧﺔ، ﻭﻟﻌﻝ ﺃﻫﻡ ﻣﺎ ﺍﻧﺗﺑﻪ ﺇﻟﻳﻪ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ، ﺍﻥ ﺍﻟﺑﻳﺋﺔ ﻭﺗﻔﺎﺻﻳﻝ ﻭﺍﻗﻌﻪ ﺍﻷﻭﻝ ﻭﻣﺎ ﻳﺣﻣﻠﻪ ﺑﻠﺩﻩ ﻣﻥ ﺃﻋﺭﺍﻑ ﻭﺗﻘﺎﻟﻳﺩ ﻭﺣﺿﺎﺭﺓ ﺃﻡ، ﻫﻲ ﺍﻟﻔﻳﺻﻝ ﺍﻟﺫﻱ ﺟﻌﻝ ﻣﻧﻪ ﻳﻛﻣﻝ ﻣﺷﻭﺍﺭﻩ ﺍﻟﺟﻣﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﺑﻳﺋﺔ ﺃﺧﺭﻯ، ﻭﻫﻲ ﺳﻣﺔ ﺗﺣﺳﺏ ﻟﻪ، ﻣﺛﻝ ﺍﻟﻛﺛﻳﺭ ﻣﻥ ﺍﻟﻔﻧﺎﻧﻳﻥ ﺍﻟﺫﻳﻥ ﻏﺎﺩﺭﻭﺍ ﺍﻟﺑﻠﺩ ﻭﺍﻗﺎﻣﻭﺍ ﻣﺷﺎﺭﻳﻌﻬﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺙ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻬﻡ، ﻭﻫﻭ ﺃﺭﺙ ﻛﺑﻳﺭ ﻭﺣﺎﺿﺭ ﻓﻲ ﻛﻝ ﺍﻷﺟﻳﺎﻝ ﻭﻓﻲ ﻛﻝ ﺍﻷﺯﻣﺎﻥ..4016 faikalaboudi4

ﺍﺳﺗﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﺭﻣﺯ ﺍﻟﺷﺭﻗﻲ / ﺍﻟﺭﺍﻓﺩﻳﻧﻲ، ﻭﺍﻷﺷﺗﻐﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺩﺍﺕ ﻭﺣﻔﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺣﺱ ﺍﻟﺻﻭﻓﻲ ﻓﻲ ﺑﻌﺽ ﺍﻷﻋﻣﺎﻝ، ﻳﻭﻟﺩ ﺍﻧﻌﻁﺎﻓﺔ ﻛﺑﻳﺭﺓ ﻭﺑﺩﺭﺍﻳﺔ ﻣﻭﺿﻭﻋﻳﺔ ﺗﺣﻳﻝ ﺍﻟﻰ ﻣﺳﺎﺣﺎﺕ ﺍﻟﻔﻛﺭ ﺍﻟﺗﺄﻣﻠﻲ، ﺑﻣﻌﻧﻰ ﺛ ّﻣﺔ ﺗﺷﻛﻼﺕ ﻭﺗﻛﻭﻳﻧﺎﺕ ﻟﻬﺎ ﺩﻻﻻﺕ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﻭﺑﻌﻳﺩﺓ ﺇﻧﻁﻭﻯ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﻓﻲ ﺟﻌﻝ ﻟﻭﺣﺗﻪ ﺫﺍﺕ ﺃﺛﺭ ﻭﺍﺿﺢ ﻳﺗﻧﺎﻏﻡ ﻣﻊ ﺍﻷﺣﺳﺎﺱ ﻭﺍﻟﺷﻌﻭﺭ ﺑﺎﻷﺯﻣﻧﺔ ﻭﺑﺎﻟﻁﻘﻭﺱ ﻭﻫﺫﺍ ﺭﺃﻱ الناقد الراحل ﻋﺎﺩﻝ ﻛﺎﻣﻝ رحمه الله ﺃﻳﺿﺎ، ﻟﺫﺍ، ﺟﺎءﺕ ﺟﻣﻳﻊ ﺍﻟﺗﺟﺎﺭﺏ ﻣﻌﺑﺋﺔ ﻭﻣﻌﻣﻘﺔ ﺑﺎﻟﺧﻳﻭﻁ ﺍﻟﻣﻣﺗﺩﺓ ﺑﺎﻷﺛﺭ ﺍﻟﻣﺳﺗﻌﺎﺩ، ﻭﺍﻷﺳﺗﻌﺎﺩﺓ ﻫﻧﺎ ﻟﻳﺳﺕ ﺑﻣﻔﻬﻭﻣﻬﺎ ﺍﻟﺣﺭﻓﻲ، ﺇﻧﻣﺎ ﺑﺎﻟﻁﺭﻳﻘﺔ ﺍﻟﺗﻲ ﻭﻅﻔﻬﺎ ﻟﻧﻔﺳﻪ، ﻭﺑﺎﻷﺳﻠﻭﺏ ﺍﻟﺫﻱ ﺍﺷﺗﻐﻝ ﻋﻠﻳﻪ، ﻭﻫﺫﺍ ﻣﺎ ﺟﻌﻝ ﺗﻔﺭﺩﻩ ﻭﺍﺿﺣﺎ، ﻭﻓﻲ ﺣﻘﻳﻘﺔ ﺍﻷﻣﺭ ﻫﻧﺎﻙ ﺍﻟﻌﺩﻳﺩ ﻣﻥ ﻓﻧﺎﻧﻲ ﺍﻟﻌﺭﺍﻕ ﺩﺧﻠﻭﺍ ﻫﺫﺍ ﺍﻷﺷﺗﻐﺎﻝ، ﻛﻝ ﻟﻪ ﻁﺭﻳﻘﺗﻪ ﺍﻟﺧﺎﺻﺔ، ﻟﻛﱠﻥ ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ، ﺁﺛﺭ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺳﻪ ﺃ ْﻥ ﻳﺻﻭﻍ ﻋﺎﻟﻣﻪ ﺍﻟﺗﺷﻛﻳﻠﻲ ﺑﻧﻔﺳﻪ..

ﺍﻟﻣﻠﻔﺕ ﻟﻠﻧﻅﺭ ﺍﻳﺿﺎ، ﺍﻟﺗﻧﻭﻉ ﺍﻟﺫﻱ ﺷﺎﻫﺩﻧﺎﻩ ﻓﻲ ﺃﻋﻣﺎﻟﻪ، ﻓﻣﻊ ﺭﺳﻭﻣﺎﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﻗﻁﻊ ﺍﻟﻘﻣﺎﺵ، ﻳﻧﺎﻅﺭ ﺫﻟﻙ ﺍﺷتغﺎﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻗﻁﻊ ﺍﻟﺧﺷﺏ، ﻭﻫﺫﻩ ﺍﻟﻁﺭﻳﻘﺔ ﺗﺣﺗﺎﺝ ﺍﻟﻰ ﺗﻘﻧﻳﺔ ﺧﺎﺻﺔ، ﻟﻛﻥ ﻁﺭﻳﻘﺔ ﺍﻷﺩﺍء ﻭﺍﺳﺗﺧﺩﺍﻡ ﺍﻟﻠّﻭﻥ، ﺫﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﺗﻲ ﻋﺭﻑ ﻓﻳﻬﺎ ﻓﻲ ﺭﺳﻣﻪ ﻟﻠﻭﺣﺔ ﺍﻟﻘﻣﺎﺵ، ﺃﻋﻧﻲ ﻣﺎ ﺟﺎءﺕ ﺑﻪ ﺛﻳﻣﺔ ﺍﻟﻣﻭﺿﻭﻉ، ﻭﻓﻲ ﻛﻼ ﺍﻟﺣﺎﻟﺗﻳﻥ ﺑﺎﻧﺕ ﻫﻭﻳﺔ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﻭﺍﺧﺫﺕ ﻣﻛﺎﻧﻬﺎ ﺍﻟﻣﻌﻬﻭﺩ، ﻓﺎﻷﺳﻠﻭﺏ ﻫﻭ ﺫﺍﺗﻪ ﺍﻷﺳﻠﻭﺏ، ﺃﻭ ﻛﻣﺎ ﻳﻘﻭﻝ ﺍﻟﻔﻳﻠﺳﻭﻑ (ﺑﻭﻓﻭﻥ) (ﺍﻷﺳﻠﻭﺏ ﻫﻭ ﺍﻟﺭﺟﻝ)، ﻓﻛﺎﻧﺕ ﻫﻭﻳﺗﻪ ﻭﺍﺿﺣﺔ ﻭﺑﺎﺭﺯﺓ..

ﻭﻓﻲ ﺣﺩﻳﺙ ﻣﻊ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﻓﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﺑﻭﺩﻱ ﺍﻟﺫﻱ ﻳﺳﻛﻥ ﻓﻲ (ﺳﻭﻳﺳﺭﺍ)، ﺍﻭﺿﺢ ﺍﻥ ﺍﻟﺑﻠﺩ ﺍﻟﺫﻱ ﻳﺳﻛﻧﻪ ﻓﻳﻪ ﻫﺩﻭء ﻭﺳﻛﻳﻧﺔ ﻣﺎ ﻓﺗﺢ ﻣﺧﻳﻠﺗﻲ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺳﺎﻙ ﺑﺎﻟﻌﺩﻳﺩ ﻣﻥ ﺍﻷﻓﻛﺎﺭ ﺍﻟﺗﻲ ﻧﻔﺫﺗﻬﺎ ﻭﺍﺷﺗﻐﻠﺕ ﻋﻠﻳﻬﺎ، ﻟﻛﻧﻲ ﺑﻘﻳﺕ ﺍﻟﻔﻧﺎﻥ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻲ ﺍﻟﺫﻱ ﺗﺄﺳﺱ ﻋﻠﻰ ﺃﻳﺩﻱ ﻛﺑﺎﺭ ﺍﻟﻔﻧﺎﻧﻳﻥ ﺍﻟﻌﺭﺍﻗﻳﻳﻥ.. ﻭﻫﻲ ﻣﻳﺯﺓ ﺗﺣﺳﺏ ﻟﻪ ﻛﻭﻧﻪ ﺑﻘﻲ ﺇﺑﻥ ﺍﻟﺑﻳﺋﺔ ﺍﻟﺭﺍﻓﺩﻳﻧﻳﺔ، ﻣﻬﻣﺎ ﺗﻘﺎﺩﻣﺕ ﺳﻧﻲ ﺍﻟﻐﺭﺑﺔ، ﻭﻣﻊ ﻛﻝ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺗﺟﺎﺭﺏ ﺍﻟﺗﻲ ﺗﻛﻠﻠﺕ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﺭﺽ ﺷﺧﺻﻳﺔ، ﻭﺍﺧﺭﻯ ﻋﺎﻣﺔ، ﻓﻬﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺗﻌﺩﺍﺩ ﻷﻗﺎﻣﺔ ﻣﻌﺭﺽ ﺷﺧﺻﻲ ﻓﻲ ﺑﻠﺩ ﺃﻭﺭﻭﺑﻲ، ﻭﻳﺳﻌﻰ ﻷﻥ ﻳﺟﺩﺩ ﻣﺎ ﺟﺎء ﺑﻪ ﻣﻥ ﺃﻋﻣﺎﻝ ﺳﺎﺑﻘﺔ، ﻟﺫﺍ ﻓﻬﻭ ﻓﻲ ﺗﻭﺍﻅﺏ ﻣﺳﺗﻣﺭ ﻭﺍﺑﺩﺍﻉ ﺩﺍﺋﻡ..

***

زهير الجبوري

 

تملّكت حواسي نشوة ساحرة وأنا أهم الدخول منزل الفنان التشكيلي النحات صادق ربيع، مع سحر المكان والفضاءات المحيطة بالمنزل، ستظل البداية معلقة بدهشة التصميم، حين بدأت أنصت لأم ميادة (مي)، كريمة الشخصية الوطنية الشاعر محمد مهدي البصير،  تروي حكاية  طالب الهندسة المعمارية، الذي إختار بحثه للتخرج في تصميم بيت لفنان تشكيلي، تحديداً  لنحات، من المصادفة أن قطعة الأرض كانت جاهزة، فوضع الطالب خرائطه وتخطيطاته موضع التنفيذ، بتصميم باذخ الأناقة والجمال، في أواسط سبعينات القرن الماضي، ونجح بتفوق.

الفنان صادق ربيع سلك الطريق الصعب في الفن التشكيلي، لم يجد إلا النحت وسيلة تعبيرية لنوازعه الإنسانية، فإمتلك القدرة على إحياء مواد (الطين، الحجر، الحديد، الخشب) لتصبح رموزاً حية نابضة، إستطاع أن يكتشف في هذه الخامات تعبيريتها الجمالية، كما تمكن من إنتزاع إعتراف بقدرته على إضفاء المرونة والحيوية فيها.3843 صادق ربيع

عن البدايات يتحدث: كنا أطفالاً في إحدى مدارس الإبتدائية في الكاظمية، كانت أيادينا الصغيرة تحفر في الطين، تصنع أشكالاً لا معنى لها، كان لتشجيع معلم الرسم أثر في توجيهنا، فبدأنا نرسم بطريقة المربعات بعض الوجوه والمناظر الطبيعية، بما يجسد إنشغالاتنا الطفولية، التي تثير فرحنا من الأعماق، ونشارك في معارض المدارس، ثم بدأت الخطوط تزداد عمقاً كلما مرّت الأعوام، كما لو كانت من صنع فنان محترف، تشبّعت عينا الطفل بجمال الطبيعة، وغرست هذه الفترة في نفسه حب الجمال.

غير أن أفق البيت والمدرسة سيتسع كثيراً كلما تقدم الزمن، حتى الدراسة في معهد الفنون الجميلة عام 56-57، بعد إجتيازه إمتحان القبول بتفوق، فتعلم على يد أستاذه جواد سليم، نهل من إبداعه، مع عدد من زملائه (محمد مهر الدين، رافع الناصري، طارق إبراهيم، عبد الرحمن الربيعي)، ثم وجّهه بذات الوقت للدراسة في القسم المسائي من المعهد لتخصصه بفن النحت، بعد أن وجد له ميله الخاص، تلقى الفكرة بحماس، فأتاح له أستاذه كل إمكانات العمل والتجريب، كما وجدها فرصة جيدة ليلتقي بزملاء أخرين منهم كان طالب مكي، عبد الرحيم الوكيل، نداء كاظم، عيدان الشيخلي، عبد الجبار البناء، فخري رشيد، عبد الرحمن الگيلاني.3844 صادق ربيع

تلك كانت النفحة الأولى المفعمة بالتداعيات والذكريات التي نسجت تجربة صادق ربيع، حددت إتجاهاته، وأسلوبه، بعد أن نضج وعيه، وتمكنه من أدواته، بدخوله الفن من أوسع أبوابه، ليلتحق بزمالة دراسية في أكاديمية الفنون في روما، فإنتسب إلى النحت، دون أن يحصر همّه في الخضوع لظواهر الأشياء، ولا لكلياتها، فأبدع ورفض الدخول في أسر النماذج، ظل كذلك يطاول بجهد الباحثين عن الحلول لمعضلات المادة، ومعالجاته الإنسانية، شاعراً بأنه سيظل على الطريق، الطريق ذاته، المنقذ، المهلك في آن واحد.

يستيقظ (العراق)، ليتأمله من جديد في زحمة الحياة في روما، من بعيد إلى ذاك الإنشداد للطين الرافديني في أعماق لا وعيه، يأخذه للعمل  الذي بدأ جواد سليم بتنفيذه في فلورنسا، كان جواد بحاجة إلى من يعاونه في العمل من الطلبة العراقيين في المعاهد الفنية الإيطالية، لإكمال نصب الحرية، فعرض الفكرة على تلميذه، كانت فرصة مذهلة أن يكون مشاركاً لأستاذه في ملحمته الخالدة، فأستأذن أستاذه في روما بالسماح له بالذهاب إلى فلورنسا إلى جانب جواد، مع محمد غني حكمت، أحد معاونيه، فضلاً ان الفرصة تشكل مورداً مالياً تعين الطلبة  في مواجهة أعباء العيش.

في أعمال صادق ربيع جرأة بالأداء، بأسلوبه المتميز مما أضاف تنوعاً أدائياً في المنحوتات، عن ظاهرة الإستلقاء، (الوضع الأفقي) في أغلب أعماله إذ تبدو الأشكال مطروحة مسترخية، مبتعداً عن الأشكال  الرشيقة، يقول  انها حالة تعبيرية عفوية تلتف برداء مشروعيتها الذاتية، تأتي من إجتهاداته ورؤاه، وفرادتها من حرية الفنان ذاته، لكن غالباً ما تكون أعماله موحية بجسد المرأة، وظاهرة الإستلقاء هي العلامة التي تميز إسلوب النحات هنري مور، فهناك تأثيرات واضحة له على أعمال صادق ربيع في التعامل مع الكتلة بعناصر النحت الصلب، واستخدام التكور والأشكال المقعرة والمحدبة، التي تتخللها التجاويف والفراغات، ان الإعتقاد بهذا التأثر لا يعني إملاءً على تجربة الفنان، ولا يعد قسراً على حريته في إتخاذ أسلوبه الخاص  والبحث عن لغته في التعبير، هو وحده الذي يدفع المتلقي إلى رؤيتها مكتملة الصفاء كوحدة مضيئة، يسميها النحات بالسر المغلق.3845 صادق ربيع

بورتريت لصادق ربيع / تخطيط جواد سليم 1960

لقد قطع ربيع شوطاً طويلاً بالنحت في حوار متصل مع الخامات وما لها من دلالات خاصة، ووظيفة تشكيلية، ليخضعها لتصوره الذهني للشكل، وما يمنحه الملمس من قيمة فنية، لاسيما في منحوتاته الخشبية والمرمرية، على العموم فأن الشكل يشغل الجانب الأكبر من فكر ربيع، ذلك في تقديري بسبب إنهماكه في التجريب، ساعياً إلى التجديد.

إن تنوع الحساسية في الفن، يمنحنا حق التأمل والإستذكار، كيف نضع إشتراطاتنا لفهم أعمال الفنان،  كان منجزه الفني قد بني على النحت في المرمر والبرونز،  فذلك يعني التعبير عن عالم مختزل حد التجريد الصافي، لاتوجد لدى النحات إجابات عن معنى أعماله، حين تسأله عن ذلك يجيبك بوضوح ان بيكاسو قال لأحد الصحفيين هل يجوز لنا أن نسأل البلبل ما معنى تغريداتك، رداً على سؤالي عن معنى إحدى لوحاته.

ليس هناك من فنان يؤلف مشهداً ينهمك في تقريبه من إفهامنا كإجابة على الأسئلة، إلا إذا كان عارفاً بأنه سيجابه بها، كان (لامبيدوزا) قد رأى الحياة ليست إلا كومة من رماد عظمى، يستلّ منها المرء بلا إحساس بالتعب، بعض الجمرات الذهبية من لحظات سعيدة.

ان الجوهر الخفي في أعمال صادق ربيع، هو مذاقها الإنساني الخصب، بإرتكاز جميع الكتل والحجوم والجماليات في بؤرة منيرة واحدة، هي فكرة الحياة المطلقة، الوجد بالحياة يقود النحات عبر مصغراته النحتية إلى العالم الأرحب، ثم يعود ثانية إلى نحتيات تتآلف فيها كل الأنغام المتعارضة لتصبح صوتاً واحداً يهتف بإسم الحياة، دفاعاً عنها، و تجسيداً لإيقاعاتها، أو رصداً لحركتها. في أعماله نوع من وحدة الوجود تتبعها فكرة العناق والتعالق، إمتداداً لها وتواصلاً،  بدفقها المستمر.

الكشف عن رؤية النحات للعالم، لا بد أن تلبي الدعوة الخفية في البحث عن المنحى الشخصي لحياته الفنية، لن يتيسر لنا ذلك إلا من خلال قراءة تاريخ الحركة الفنية ذاتها، حين برزت أعمال الفنانين العراقيين في مرحلة الرواد وما بعدها، أن دارس هذه المرحلة يمكنه تلمس المتغيرات الروحية والنفسية التي طرأت على الذات الفنية، فأحدثت في دواخلها ما يمكن أن يؤلف بوادر حركة فنية صاعدة، وتحولاً عميقاً في الرؤى والأساليب، ولعل أياً ما يقال عن إغترافات هؤلاء الفنانين من محيط الفن العالمي الحديث تكتسب مشروعيتها الذاتية في إقتحام عالم الخامات بالرمز والإثارة في مرحلة عاصفة من تاريخ الفن التشكيلي العراقي.

النحات كان واعياً لهذا الفيض الذي يستغرقه الشرقي في حالة الرجوع إلى التراث بإستلهاماته، ومنحه نفحة جديدة من نفحات العصر.

وهو ما حدا به إلى مغادرة سطوح التجريد، ودفعه إلى أحضان النستولوجيا، كمتنفس من ضغوط عديدة، بدأت من توجّه الفنان كلما أمسك بأزميله ليجرح قلب الحجر  تسيل منه الحقيقة التي تختفي في الأعماق.3846 صادق ربيع

المتأمل لأعمال صادق ربيع سوف يجد نفسه مشدوداً بقوة فعل دينامية إلى هذه التكوينات التي تحمل هذا الدفين المكنوز الممتد إلى مرحلة الملحمية في أعمال جواد، والرحال، فإستطاع أن يبدع من خلال إسلوبه الشخصي المميز، فشكل إضافة نوعية للنحت العراقي. بطاقة حيوية متناسقةضمن وظيفة الأصل .

صادق ربيع لا ينكر تأثره في فترة من حياته بنحاتين عالميين، أو عراقيين، إلا أنه مطمئن بعد تجربته الطويلة أنه وجد طريقه الخاص بأسلوبه المتفرد، حواره المتأمل مع الخامات المختلفة، جعله متأنياً في الإنتاج، لا يسعى إلى الأضواء، مكتفياً بما ينتج، وتلك حالة نادرة بين الفنانين، لكنها ظاهرة تستحق التوقف عنده، تأخذنا إلى الجانب الأخلاقي في هذه الشخصية المتواضعة، الممتلئة، في صوته الخافت، وما يعلنه وما يخفيه يسر الخاطر، رقّته وحدبه على أزهار حديقته، مشغله الذي يمور بالوجوه والحركة، مكتبته التي تزدحم بإسطوانات أشهر كلاسيكيات الموسيقى العالمية.

أعرف ان صادق ربيع بهدوئه العميق المتأمل، يصبح تجربة لابد من الوقوف عندها، والتعلم من حرفية النحت التي يتقنها، غير مهتم بما تمنحه له أعماله، يكفيه انه راضٍ عنها، مستمتع بها، يتسلل إليك بلغة شفافة صافية، لا يضيع المستمع معها لحظة واحدة، انه فنان متعدد المواهب، يقرأ ويغني، وعاشق للموسيقى العالمية، أجمل وأعذب ما يتحدث فيه، رؤيته الإنسانية، التي تنعكس في بناء أعماله، فهو يرى الناس والأشياء بطريقته الخاصة، فالحب والوطن والحرية، كلها معان تمتزج إمتزاجاً كاملاً ذات ملامح متشابهة، هذا الإمتزاج بين الكتل والمعاني يحدث بترتيب ونظام دقيق، فكل شيء في عقل صادق منظم ومحسوب، في عالم مشرق رغم إختلاط عناصره ورؤاه.

ولد النحات صادق ربيع عام 1935، عمل مدرساً لمادة النحت، في معهد الفنون وأكاديمية الفنون الجميلة، شارك في معارض فنية عديدة، كما نفذ العديد من النصب والجداريات.

***

جمال العتّابي  

خلال تاريخنا المعاصر رست صورة في اذهاننا على عائلتين عراقيتين، كان يتمتع افرادها بالاحساس الجمالي والانتماء الفني وهما عائلة الحاج سليم علي عبد القادر واولاده جواد ونزار ونزيهه وسعاد ورشاد.. والعائلة الثانية هي عائلة الالوسي والذي خرج كل افرادها من محبي ومتذوقي ومحترفي للفن والادب والشعر. شوكت الالوسي، ناطق الالوسي، نشأت الالوسي وطارق الآلوسي وغيرهم.. وكان هؤلاء قد اثروا واغنوا الساحة العراقية والعربية فنا وثقافة وعلما وادبا.. وليس غريبا ان تمتهن هذه العائلة حقل الفن التشكيلي لان اصولها متأتية من جذور كان اجدادهم قد برزوا في العلوم الدينية والمعرفية واللغة العربية واسسوا مدارس لذلك. ولازال قبر احد اجداهم مزارا في مدينة حديثة شيد عام 1589 وهو الشيخ عبد القادر الطيار. وهم من اسر الاشراف وحسنيين يعودون في اصولهم الى الرسول محمد –ص- وذكر الاستاذ محمد بهجة الاثري في كتابه اعلام العراق: (والالوسيون سادة اشراف محبكوا الاطراف وضعوا الى زينة النسب حلية الادب فتفيؤا في الشرف مكانا عليا..).

(ان فاتكم اصل امرئ ففعاله... تنبئكم عن اصله المتناهي)3719 شاكر الالوسي

شاكر الالوسي

هو شاكر توفيق شاكر الآلوسي بكلوريوس وماجستير من كلية الفنون الجميلة في بغداد واستاذا فيها ومحاضرا في عدة جامعات عراقية واجنبية، من مواليد 1962 (مدينة آلوس التابعة الى محافظة الانبار) - كانت اطروحته توضيف الفلكلور الشعبي في اللوحة التشكيلية المعاصرة في الوطن العربي – وقد اشتغل على هذا الموضوع عدة سنوات في مطلع التسعينات، واقام معرضا شخصيا له عام 2009 في كالري الاورفلي في عمان عنوانه- شرقيات -و اصدر كتابا عنوانه – امراءة من وادي الرافدين – اما اول معرض له فكان عام 1994 ثم توالت بعد ذلك المعارض الفنية الشخصية والمشتركة في داخل وخارج العراق.

الفلكلور الشعبي

يقول شاكر (هناك رغبة في استقصاء خلفيات التراث المؤثرة فينا من خلال الالوان والرموز والواقع المعاش في مراحل معينة).. ويقول المؤرخ والناقد جبرا ابراهيم جبرا (ان شاكر الفنان الذي جعل من خفايا التراث ظاهرا وما اغلق عليه في بيوت بغداد القديمة معروضا ومتاحا..).

رسم الكثير من الفنانيين العراقيين موضوع البغداديات سواء كان ذلك في النساء او الشناشيل او التقاليد البغدادية، منهم عدد من الرواد في مطلع الخمسينات، ولكن الريادة لا تعني بالظرورة الافضلية فهناك من الفنانين المعاصرين قد فاقوا الرواد في حسهم وخيالهم وابداعهم الفني، مثل شاكر الالوسي. حيث نرى مشاهد للنساء البغداديات وهن في دردشات وحوارات ونسمع انغام موسيقية وضرب الدفوف تنسجم مع انغام الالوان وايقاعات الخطوط العفوية. ونتخيل حركة المشهد ودوي الصحون والاكواب ودخان الناركينة.. وهي مشاهد توثيقية لحياة الطبقة المترفة البغدادية واللقاءات العائلية الخاصة وما يقدم فيها من تناول مختلف الاطعمة وكذلك بعض الاغاني الشعبية مثل (خدري الجاي خدريه اعيوني المن اخدره..).3720 شاكر الالوسي

و يذكر المحامي طارق حرب من ان الاميرات من نساء بغداد في العهد الملكي عادة ما يجتمعن ويقيمن الحفلات الخاصة واحيانا يغنن اناشيد الاطفال (شعر البنات وين اولي وين ابات، ابات بالدربونة، والهيشة ازغيرونة، عتوي لحك بزونة..). وهكذا كانت جلسات العوائل البغدادية الخاصة يسودها المرح والمسرة.. ونرى مع هذه الزينة للمراءة البغدادية جدائل رقيقة تنزل من رؤسهن وتسقط في احضان صدورهن وطوق يحبس الشعر كانه تاج على الراس، ورغم هذا المظهر الجمالي الجذاب الا اننا نرى صمت مطبق يخيم على وجوههن، وربما متأتي ذلك من التربية الدينية والحشمة التي كانت سائدة في البيوت البغدادية. بينما تصف احد الاجنبيات السائحات التي زارت بغداد والتقت مع حريم الباشوات من انهن ثرثارات ضاحكات مليئات بالمرح والمزاج الغريب ويخلون من الجمال ما عدا الافراط في الزينة من ملابس وحلي...

و قد رسم شاكر المرأة البغدادية بوقار وبصيص من مفاتن الجسد فلم يهتك ستر المرأة البغدادية بل اعطاها حرمتها وحشمتها وادرك ان الجمال ليس بالتعري وانما بالستر والوقار، حيث يجعل جمالها ملائكي روحي يتناسب مع التقاليد العراقية، فرسم العيون كبيرة الحجم تأخذ احيانا ثلاثة ارباع الوجه والفم صغيرا والحواجب مقوسة شديدة السواد والوجة مدور، وكلها عناصر متأتية من تأثيرات مدرسة بغداد والمنحوتات السومرية.

و تظهر في رسوم شاكر الكفوف والمعاصم مزينة باسوار من الذهب المطعم وعلى رقابهن قلائد تشبه قلائد وزينة ملكة شبعاد السومرية وفي ارجلهن الخلاخل(الحجول)التي تحدث خرخشة ورنة موسيقية عند حركة الارجل. وكأنه يجسد لنا قصيدة امرأ القيس،(تنعموا بالديباج والحلي والحلل... لها مقلة لو انها نظرت بها الى راهب قد صام وابتهل لاصبح مفتونا معني بحبها.... عراقية الاطراف رومية الكفل..) والاطراف العين الجميلة الساحرة التي ترمق بها الاخر من طرف (ان العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحينا قتلانا.../ جرير)، كما نرى وجوه نساء شاكر ساطعة كانها لؤلؤة افرطت من عقدها وتناثر فاضائت ما حولها.. 

و يذكر ان زبيدة زوجة هارون ارشيد هي اول من لبس الخلخال حيث كانت وفرة الذهب عندها بكميات كبيرة وهائلة جعلها تفكر بزينة الارجل وصناعة الخلخال، وهو عبارة عن طوق مفتوح له قفل احيانا مزين بحبات متنوعة ومختلفة من الاحجار الكريمة الثمينة وقطع الذهب على شكل عناقيد او شراشيب، وله رنه رومانسية عند حركة الارجل تسري الى القلوب. ونرى هذا الخلخال يطوق معظم ارجل نساء شاكر حيث يعبر عن رقة المراة وجمالها وسحرها..3723 شاكر الالوسي

التقنية في اعمال شاكر

لم تختلف تقنيات العمل الفني عند شاكر عن غيره من الرساميين الا في مسألة الخصوصية، فهو يستخدم الوان الكريلك والزيت والكولاج والقماش والورق وغيرها، وهذه المواد الخام نجدها مستخدمة وموجودة عند غالبية الفنانين منذ العصور القديمة.. واليوم اختلطت وانتشرت الاساليب والتقنيات في كل مكان واصبح للفن صفة عالمية. ولكن بقى عنصر الخصوصية قائما يميز كل فنان عن الاخر. مثلا كلنا يعرف ان بيكاسو وبراك وخوان غريس هم رواد المدرسة التكعيبية وفيها نرى تشابها في اعمالهم بحيث لو حذفت الاسم من اللوحة لصعب عليك نسبة اللوحة الى احدهم. وكذلك يسري ذلك على فن المنمنمات الاسلامية حيث تحتاج الى تعمق في الدراسة لنسبتها الى هذه المدرسة او تلك.

تمتاز اعمال شاكر باللون والخط، فاللون ياخذ نغم واحد يطغي على اللوحة، بمعنى انه يغطي سطح اللوحة على الاغلب بلون واحد ودرجاته، او بلونين ثم يبدأ يخطط اشكاله عليها بخطوط انطباعية لينة طروبة، ونشاهد الاشكال محددة بخط معين له ايقاع خاص اكثر امتاعا للبصر وجاذبية للروح وهو ايضا يذكرنا بالمدرسة الوحشية لماتيس 1905. ولم نجد او نشاهد في اعمال شاكر فراغا الا اللهم خلق انطباع بالفراغ من خلال حصر بعض الاشكال في ركن من مساحة اللوحة وترك الاخر بخطوط مبسطة عفوية خالية من الالوان.. كان الفراغ في الاسلام مكروها فجاءت واجهات المساجد مليئة بالخطوط والاشكال الزخرفية، وكان قصر الحمراء مليئا بالزخارف والخطوط العربية. ويذكر الدكتور زكي محمد حسن بان كراهية الفراغ في الفن الاسلامي متأتي من العقيدة الاسلامية. واليوم نجد عنصر الفراغ سمة من سمات الفن الحديث كما هو ظاهر في اعمال خوان ميرو وانتونيو تابيس وغيرهم من اصحاب المدرسة المفاهيمية. والخط كان من صفات الفنان الشرقي فهو يمكن ان يعبر عن الحركة والكتلة ويعبر عن الشكل باكثر جمالية روحية، ويمكن لنا ان تخيل الخط يرقص على سطح اللوحة ولكنه احساس وشعور يطلق عليه هربرت ريد بتسرب الانفعال، وفي الواقع ان الخط لا يرقص وانما نحن الذين نتخيل ذلك نتيجة الى قوة الاحساس والمشاعر التي تندمج مع روح الفنان في لقاء جمالي على سطح اللوحة.. (الارواح جنود مجندة منها ما ائتلف ومنها ما اختلف).

والملاحظ في اعمال شاكر ان الضوء يشكل عنصرا اساسيا في تجسيم الاشكال وانه يأتي من جميع الجهات او ينبعث من داخل الشكل وهو ظاهرة متغيرة وليس كما كان عند رسامي عصر النهضة وما بعدهم كما هو عند رمبرانت او كرافيجيو حيث يوجه الضوء على الشكل من جهة واحدة.. ويمكن الايحاء بالضوء من خلال استخدام الالوان الحارة والباردة النقية وتحديدها بالخط كما هو في اعمال تابيس.3722 شاكر الالوسي

الرومانسية

اما الرومانسية في اعمال شاكر فهي الجمال كله فالاجسام سائبة جميلة والخطوط طرية والرؤس منحنية ورقة الاجسام التي توحي بالحب والهدوء والسلام، وهو يذكرنا بلوحة ديلاكروا 1698 نساء جزائريات حيث رسمهن باسلوب رومانسي بملابسهن الزاهية البديعة وبالوان جذابة وجو يعكس كونهن اميرات عربيات. وهو ما نجده في اعمال شاكر ونسائه البغداديات.

والملاحظ ان شاكر الالوسي من اكثر الفنانين العراقيين خصوبة وغزارة في الانتاج وهو يتمتع بقدرة فنية هائلة ولم يتوقف عن ذلك ابدا الا في فتراة استراحة يفر بها الى رؤية اصدقاءة لاحتساء الشاي او القهوة او زيارة معرضا فنيا.. زرته في الفترة الاخيرة في عمان 2022 ووجدت بيته قد حوله الى متحف يضم اعمال كثير من الفنانيين العراقيين والعرب، كما وجدته مشغولا بمشروع معرضا فنيا جديدا، لا اريد التكلم عنه حتى ان يقيمه.

***

د. كاظم شمهود

الفن.. تلك الرحلة المحفوفة بالذات في تجلياتها وما يعتمل في شواسعها من هواجس وممكنات تذهب بالكينونة الى أقاصي الرحلة..ثمة سفر وذهاب مفتوحعلى العناصر والأشياء والتفاصيل في حيز من الرغبات وهي تستبطن نظرها العميق في حالة من الوجد وشاعرية التلقي والتأويل..

هكذا هي الفكرة الملونة تستدعي ما به ترمم الذات ما تداعى من تفاصيلها وتتيح للآخرين ما به تسعد اللغة والأحوال والصور بكثير من شجن وحنين وتأمل حيث النظر بعين القلب لا بعين الوجه ..

الفن هنا تلوين أحوال وباطن يتحرك مع كل ذهاب وكلما تعددت وتنوعت الأمكنة والأزمنة صار للروح ما به تحلق في سمو ونزوع للأعالي..الأعالي هنا كون من تجريدية الحال وفسحة تتلاطم فيها أمواج النظر والقراءة والتأويل وفق نشيد انساني قديم متجدد.

هكذا نلج عوالم فنان هام باللون خبأ سحر قوله في دواخله مكتفيا بالاحساس والنظر في حله وترحاله مشيرا للآفاق حيث الكائن الحالم المتألم المتحول المعبر الساكن المتحرك القلق الشغوف...التلوين عنده بهجة لا تضاهى وسعادة متخيرة حيث الأسى يبرز في الأحوال والجغرافيا..

تعددت حالاته التلوينية وهو يزين القماشة بكثير من تجريدية الألوان قولا بالغرام الدفين الذي سكنه وهو ينشغل عنه بالعمل وما تقتضيه مسؤولياته الديبلوماسية حيث كان في ذلك متعدد المدن والعواصم وهنا عبرت لوحاته الفنية عن هذا التعدد المكاني فلكل مدينة نورها ودرجة ألوانها وأحوالها التشكيلية ..

لوحاته كون من عبارات جامحة وقلقة قلق الانسان والمكان في عالم متحول أرهقه السؤال الدفين...سؤال الحلم هذا الذي حمل الفنانين منذ أزمنة بعيدة الى جزر اتلوين الخالص والبهاء التشكيلي النادر ..

نعني هنا الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي الذي تخير ألوانه ورسوماته وتيماتها وهو يتنقل بين عواصم هذا العالم لشؤن ومقتضيات الدراسة ثم عمله الديبلوماسي فكانت لوحاته بمثابة صفحات من كتاب الرحلة الملونة التي اطلعنا على حيز هام منها لتبوح لنا بما يعتمل في عالم صاحبها من أمنيات وأحلام وأحاسيس وتفاعلات ..هي بالنهاية تفاعلات فنان تجاه أمكنة..و عوالم وبلدان تختلف أجواؤها لتلتقي في دروب الفن..تلك الدروب التي أدت الى أعمال هذا الفنان .

الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي يستعد لمعرضه الشخصي بفضاء صوفونيبه بقرطاج حيث الافتتاح يوم الجمعة 27 ماي عند الساعة السادسة مساء  ليتواصل هذا النشاط الى غاية يوم 7جوان 2022 وذلك ضمن عنوان لافت هو " رؤى متعددة ".

الفنان لسعد محيرصي وكما يقدم نفسه هو رسام تونسي و دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون نوفيل باريس 3 و دبلوماسي محترف وسفير تونس السابق باليونان والمدير الحالي لأوروبا بوزارة الخارجية.سمحت له مسيرته الدبلوماسية بالعيش في عدة دول من بينها فرنسا والأرجنتين وإسبانيا والسنغال ولبنان واليونان.و منذ عام 1998 بدأ الرحلة مع عالم الرسم.أقيم معرضه الفردي الأول في اليونان في عام 2019 في معرض بلدية ليا في أثينا.و شارك في المعرض الجماعي الأول في تونس في مايو 2022 بدعوة من جمعية الفنانين المغاربيين.و هو في هذا المعرض بصوفونيبه يعرض بصورة فردية 40 عملاً تجريديًا تغطي العديد من الأساليب والجوانب المتعددة بالنظر لرؤيته الخاصة للفن والتي من خلالها ينتصر الخيال.له كتاب بعنوان "تونس - إسبانيا من قرطاج إلى يومنا هذا" صدر عن دار الصدر في بيروت عام 2012.و هو حاصل على وسام الصليب الأكبر من وسام العنقاء للجمهورية اليونانية في عام 2021.

هكذا هي رحلته الفنية التي انتقل فيها بعد تجارب متعددة في الأساليب والنظر الفني الى عالم التجريد الذي رآه ساحرا وقابلا لقراءات متعددة و"...لطالما كان الرسم بالنسبة له مرادفًا لمتعة العيش في عمل يكاد يكون مفعما بالمتعة. إنه هذا العرض حيث تكون اللحظات الممتعة باهتة...تحوي لوحاته ألوانا شفافة وخطوطا تتقاطع حيث القماشة كون احساس وحركة وعبارات ضاجة بالمعاني المختلفة .. هذه الرغبة في بحث مفتوح عن الجمال، حيث فضاء اللوحة بستان من التشكيل فيه موسيقى وأشكال ناعمة وحادة في ذات الآن وفق ايقاع تلويني ينزع نحو عوالم من الجماليات التي يرنو اليه لسعد المحيرصي وهو يصغي للطفل الكامن فيه والذي يلون بدلا منه الأمكنة ليسعد بالنهاية في تحويل العالم الى علبة تلوين...اللوحة عنده عالمه المدهش المفعم بالغموض الذي يشمل الفضاء الحقيقي والفضاء "الافتراضي" إلى حد ما وكما رسمته الأنسجة المعروضة على خلفية بيضاء، مرايا متناقضة مع الأعماق الحقيقية والخادعة.و بحثًا عن نهجه الفني الخاص، يبني لسعد محيرصي الواقع  الذي يدركه بطريقته الخاصة بعد أن تشرب من أكثر الحركات الفنية تنوعًا من الانطباعية، والسريالية، ...هو يسعى من خلال عالمه هذا الى التعبير ضمن الرسم التجريدي بما هو كون دقيق وفيه تدفق للعواطف، واندفاع من العفوية الخالصة، وهروب إلى عالم رمزي مفعم بالحيوية.و هو  يلعب ويتلاعب بالألوان والنغمات والاهتزازات ..".

هي رؤى الفنان المتعددة داخل فكرة الرسم والتلوين لدى الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي التي يقترحها على جمهور الفن ورواد فضاء صوفونيبة وأحباء الفن التشكيلي في هذا المعرض الشخصي الذي ينطلق مساء يوم الجمعة 27 ماي الجاري ليتواصل الى غاية.

***

شمس الدين العوني

 

عندما اتخذ الملك سرجون الثاني 722 . 705 ق م دور شروكيم عاصمة له والتي تقع على بعد حوالي 12 كم عن نينوى كان لا يثق كثيرا قي حراس المدينة من الرجال ولهذا ظهرة قكرة الثيران المجنحة لتكون المدينة محروسة من قبل الالهه المتمثلة بالثيران الاسطورية المجنحة ولطرد الشر والحسد يضاف الى ذلك فانها تمثل زينة للمدينة وابهه وشموخا ملوكيا عاليا، وقد نصبها الملك على ابواب المدينة .

من المؤكد ان الفنان النحات الاشوري قد عانى الويلات والصعوبات من نقل الحجر من الجبال الى ورشة العمل وان ذلك استغرق وقتا طويلا حيث تزن كل واحدة منها عشرات الاطنان وربما استخدم طريقة التدحرج في نقلها او طريقة السحب او الجر بواسطة البغال والثيران ..

وهو يذكرنا بالنحات مايكل انجلو حيث يذهب مع عماله الى الجبال ويختار الحجر المناسب ويقطعه ثم ينقله الى ورشة عمله . وهنا تتم دراسة العمل والموضوع وتصوره له . ويذكر ان مايكل كان ينظر الى كتلة الحجر ويتخيل او يتصور الشكل الذي يريده في داخلها كاملا وجاهزة فما عليه الا ان يزيل القشرة التي تحيط به، وهكذا كانت قوة وعظمة مخيلة مايكل انجلو .3699 الثور المجنح

الفنان الاشوري كانت عنده الفكرة جاهزة ومطبوخة حيث استعار مفردات عمله من الطبيعة ومزجها بمعتقداته الدينية فصور شكل مركب من جسم ثور وراس انسان وجناح نسر طائر، فالثور يرمز الى الخصب والنسر الى السماء ورأس الانسان الى الالهه، وبالتالي العمل يرمز الى ان الانسان سيد المخلوقات .

نرى طريقة العمل لا تختلف عن طريقة النحات المعاصر من ناحية استخدام الازميل والمطارق ومعالجات الكتلة بالحفر والنقش وازالة الحجر لاخراج صورة التمثال التي في ذهن الفنان . لكن الاختلاف يكمن في الصبر والوقت الطويل الذي يستغرقه العمل عند الفنان القديم، بينما نجد فنان اليوم قد استخدم الماكنة بالاضافة الى الادوات التقليدية والتي قصرت من نسب الوقت واسرعت في انجاز العمل .3700 الثور المجنح

قدم الفنان في عمل الثور الاسطوري المجنح معالجات متباينة من تعقيدات وتبسيطات فالاجنحة منفذة بزخرفة عالية الدقة والتناسق والوجه معبر بعيون واسعة وانف مقوس ولحية كثيفة مزخرفة وعلى رأسه تاج محاط بثلاثة قرون او قرنين ترمز للالهه، وهي تشبه القرون التي تحيط بتاج اله الشمس قي مسلة حمورابي . اما حركة الرجلين الخمسة فهي تذكرنا بالمدرسة المستقبلية التي ظهرت في بداية القرن العشرين 1909 على يد الاديب والفنان الايطالي فيليبو مارينيني، حيث من فلسفتها ان كل شيئ في الكون فيه طاقة حركية مستمرة . وحركة ارجل الثور تشعرنا باستمرار ايقاع الحركة .3701 الثور المجنح

وقد عاصر الفنان الاشوري الفن الاغريقي وبنفس المعتقدات الوثنية والاسطورية الا ان الفلاسفة الاغريقيين وضعوا مقاييس محددة للجمال والشكل وانهم فاقوا غيرهم في تمثيل الطبيعة والانسان، ويذكر ان احد الرسامين رسم حصان الاسكندر المقدوني، فلما اقترب الاسكندر بحصانه الى اللوحة، صهل الحصان، وكأنه عرف صورته من شدة الشبه والتمثيل .3702 الثور المجنح

و كان الفنان الاشوري كأنه اراد في عمله هذا ان يسجل تحديا كبيرا في اسطورية الشكل تضاف الى اسطورة الفكرة، واراد ان يخلد عمله كما هو عند بنائي الاهرامات والزقورات، كما ان الملوك كانوا يبحثون عن الخلود من خلال بناء الصروح العملاقة التي تشير الى حكمهم وحياتهم . وقد استطاع الفنان الاشوري من تجسيد القيم الجمالية في منحوتاته البارزة والمزخرفة والدقة والخيال الاسطوري الواسع . وكانت منحوتات الثيران المجنحة نفذت بطريقة النحت البارز، وهي طريقة كانت معمول بها في الفترة الحوثية في القرن الرابع عشر ق، م . وهي مسنودة على جدار مما يوفر لها الحماية وعدم السقوط ... وكانت غالبية القصور الاشورية مزينة بالمنحوتات البارزة على شكل افاريز تحيط بها الكتابات المسمارية، وقد اخذت اشكالا طبيعية في نسبها وتفاصيل الاجسام،،ويظهر الجسم بكل روعته والملك بجسمه الطبيعي وليس ضخما كما يفعل في السابق، وغالبا ما يظهر الفنان الاشوري تنوعا في اشكاله وموضوعاته، وقد حلت مواضيع الاحتفال بالانتصارات محل الماضيع التاريخية ... وكانت الدولة الاشورية دولة عسكرية انشغلت طيلة حياتها بالحروب والفتوحات، وكانت اكثر علمانية من سابقيها واكثر بعدا عن التقاليد الدينية القديمة .3703 الثور المجنح

في احد المنشورات الاخيرة قرأت بان البعثات الاجنبية التي كانت تنقب في العراق في منتصف القرن التاسع عشر عثرت على منحوتات ضخمة الحجم والوزن وكان من الصعب عليهم نقلها الى بلدانهم بسهولة في ذلك الوقت؟ فدفنوها تحت التراب، والان وبعد مرور اكثر من 150 سنة عادوا بخرائطهم وحفروا ما اخفوه ونقلوه الى بلدانهم ؟ . الله لك يا عراق .

***

د. كاظم شمهود

 

ما الفن.. ما اللغة.. وما الكلمات.. من أين تأتي الألوان حاملة شجنها ومواويلها.. ومن أي الدروب تجيئ الحروف وهي ترقص ترقص ترقص.. مثل زنجي قديم.. هكذا تقف الذات الحائرة مثقلة بالأسئلة لا تلوي على غير القول بالجمال تبثه في الجهات..

ثمة نشيد قديم وبهاء وأصوات كلما سافر القلب في الحرف يستكشف خباياه يعلي من شأن الروح في لهوها الجميل.. لهو الطفولة اليانعة تجاه الحرف.. الحرف المليء بالأسرار..

نعم هكذا نمضي في عوالم تجربة فيها الكثير من الحب والسفر والفن.. والأسئلة أيضا حيث الفنان المقيم في الحلم.. في مساحات من سحر الأمكنة.. وهل ثمة أمكنة غير تلك التي تحضن الأسرار والعلامات.

ولع بالفن وله حب جنوني للحرف تشكيلا وروحا وحياة.. وللشعر كوعاء للحروف تبدي ما علق بدواخلها من معان.. وحكايات.. وأسرار.

الفنان الحروفي التشكيلي عبد الرزاق حمودة المقيم بين تونس وسويسرا ظل على عناقه القديم للحرف يستمتع بممكناته الجمالية ويحصي موسيقاه ويتأمل ما ينسكب منه من معارف وآداب وفنون وثقافات.. وحضارة بالنهاية..

مسيرة مميزة في عشق الحرف وتثبيت ما بدا من فنة الحروف على البياض.. بألوانه المميزة والخلابة وبأقلامه من قصب الروح وغيرها.. بأدواته التي تعز عليه في هذه الدنيا.. يسكب أشياءه الجميلة لتتحول اللوحات والاعمال الى ما يشبه السير والملاحم..

فنان حالم ومتحرك وله حضوره الأنيق.. معارضه ومشاركاته تعددت في عديد المدن والعواصم من العالم.. احدث حراكا فنيا جماليا من خلال نشاط جمعيته وملتقاها النيابوليسي الدولي.. فضلا عن مبادراته الثقافية ومنها ما تم خلال شهر رمضان من لقاءات بين الفنانين حيث الفن والمحبة والسلام عناوين لافتة.

تجربة مميزة وحالة ابداعية في مسارات الخط والحروفية.. وحنين للقصائد والشعراء.. ومن ذلك ما حبره فنا على سبيل العرفان تجاه الشاعر الراحل نزار.. طبعا نزار العرب.. نزار قباني.. ".. تحية الى روحك صديقي نزار.كان لنا زمن جميل وسهرات لن أنساها في جنيف.أشعارك رافقتني منذ مراهقتي، واشعارك السياسية دعمت فني وخيالك مطبوع في لوحاتي ومرسمي ورفوف مكتبتي.لقد اخافتهم أشعارك.. لقد قتلوا القصيدة.. لقد دخلت التاريخ من بابه الكبير.. ما من يوم يمر ولا نسمع أغنية من كلماتك على اثير العرب.. فقط أذكرهم بما قلت في المرأة: " انت خلاصة كل الشعر" ، يا ليتهم يعون ويفهمون.. "فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً.. فالصمتُ في حَرَم الجمال جمالُ.. كَلِماتُنا في الحُبِّ.. تقتلُ حُبَّنَا.. إن الحروف تموت حين تقال..".

جمع عددا من الفنانين في لقاءات وهو الذي أحبهم وشحعهم وعمل على التغريف بابداعه في حالة كبرى من كرم قابسي نادر.. قابس ملهمته وارضه الأولى تجاه الرحلة الفنية والعالم.. من فكرة لمعت حكايات شتى حيث النظر بعين القلب تجاه الأحوال كشفا واكتشافا وقولا بالتفاصيل تبتكر حميمياتها في عوالم من تلوينات شتى.. ثمة ما يدفع باتجاه الأغاني فالحلم هو العنوان اللافت اذ يلتقي فتية الفنون والابداع والفكر تقودهم رغبة هائلة للاحتفاء.. الاحتفاء المتجدد بالتجارب وأهلها من العاملين في حقول الابتكار والفن والجماليات.. هي الأبواب تفتح حيث الورشات وعوالم الأتيلييه في هيجان الحركة والتلقي.. حركة الفن ودهشة من يزور وهو يتجول بين التفاصيل حيث يشرح الفنان شيئا كثيرا من تجربته وخصوصياتها وما الى ذلك من مناخات شغله الفني وصبره وعناده وكل طقوسه وهو يعارك المادة محتفيا بها يمضي بها الى أعماق نشيده والأحلام لتبدو بالنهاية على هيئات شتى.. لوحات ومنحوتات وخزفيات و.. وحروفيات.. نعم هي فكرة الطفل الحالم الفنان الحروفي المقيم بين سويسرا وتونس عبد الرزاق حمودة.. انطلق في هذا المشروع منذ أيام قليلة ليتخير في دورة أولى أربعة فنانين كان هو من بينهم لنذكر علي الزنايدي وزهير الزدام وهدى الهنتاتي.. فضاءات مختلفة وزوار من أهل الفن والأدب والثقافة في تنقل وفق برنامج مدروس نحتا لتبادل الخبرات والاطلاع والتواصل والاكتشاف.. هي بادرة وسابقة ثقافية تونسية وفعالية نوعية فيها حضور متنوع لأهل الفن والمعرفة والثقافة والابداع ومن الشخصيات الوطنية حيث حميمية اللقاء والتواصل وفق لقاءات تلقائية في جوهر المبادرة " première Porte Ouverte des ateliers d'artistes à Tunis ".. أبواب الورشات والمراسم المفتوحة لفنانين تونسيين في دورتها الأولى.. فعلا وبعد سنوات الجائحة كوفيد-19 التي ما تزال تداعياتها بين الناس وما تطلبه كل ذلك من حذر وحيطة وما شهده المجال الانساني عموما ومنه الثقافي من انقطاع جعل حكاية التواصل والالتقاء صعبة بالنظر للوضع الصحي الاستثنائي.. تجربة وفق مشروع وبادرة يقول عنها الفنان الخطاط عبد الرزاق حمودة باعثها ومنظمها ".. هي ضرب من التواصل الآخر بين الفنان والجمهور بعيدا عن التواصل المألوف عبر القاليريه والمعارض والفكرة من سويسرا " الباب المفتوح " فيها حضور مهم وتشفع بكتاب وهي تظاهرة لها شروطها التنظيمية وأردتها مبادرة تونسية أولى ومن خصائصها أن يطلع الناس على اللوحة والعمل الفني عموما قبل عرضه ويكتشفوا جانبا من حياة وحميمية الفنان.. لقد رغبت في أن أقضي شهر رمضان الكريم هذه السنة في بلدي تونس ورأيت انجاز هذه التجربة وقلت انها مناسبة لرؤية أصدقائي.. ".

نجحت الفكرة في طورها الأول ويعد لأنشطة جديدة ومنها ملتقى نيابوليس الدولي خلال الصيف المقبل وهو بذلك ظل الفنان الجوال المتحرك والأنيق.. مثل حرف الألف في وقوفه الدال..

***

شمس الدين العوني

 

تجربة الفنان التشكيلي التونسي ضو الشهيدي*

“إنّ الفنّ العظيم يدعو الإنسان دائما إلى ممارسة الحرية عن طريق المحاكاة”(ألكسندر إليوت).

مما لا شك فيه، أنّ النحّات يتفنّن في الإلتزام بواقعية الأشياء على نحو ما تبدو في الواقع وتختزلها صورة الذاكرة..

ولكن هذه الروابط التي تجتمع بها هذه الأشياء تبدو روابط لا معقولة وغرائبية، فقد يغرق النحّات في أدق تفاصيل الموضوع ولكنه يجري تعديلات على الوضع العادي للشيء.إذ يسري شيء من الرهبة والغموض في نسيج أكثر الأشياء إعتيادية.كأنّنا بالفنان يربك بهتة العالم ويبعث السؤال في هشيم المعنى المنسيّ. وفي مثل هذه النماذج لا يبدو الفن رسما لأشكال الحياة، بل يكون الفن بعثا للحياة في الأشكال بعد أن جمّدتها الحضارة وسطّحها الإستهلاك وحنّطتها الذاكرة..3515 ضو الشهيد

ولكن السؤال الذي ينبت على حواشي الواقع أثناء ولوجي العالم الإبداعي للفنان التشكيلي ضو الشهيدي: هل العمل الفني رهين لهاجس الإتقان، من حيث يصبح مجرّد إنعكاس لمراس عقلي وحسابي أساسه الفكر الهندسي المجرّد؟ أم أنّ العمل الفني لدى ضو الشهيدي** ثري بمعالم الحياة، وخصوصا إذا إنطلقنا من ظاهرة الحركية التي تميّز عمقه الإنساني المتوتر وهو ينكشف تدريجيا من خلا ل منحوتاته الخلاّبة..

قد لا أجامل إذا قلت أن هاجس الإتقان والصنعة لدى-ضـو-ليس أمرا عارضا، بل هو ظاهرة من الأهميّة بمكان وجديرة بالملاحظة، خصوصا في مثل هذه المرحلة الراهنة من تاريخ الفن، حيث تغلب على العملية الإبداعية ظواهر الإرتجال والتلقائية لدى العديد من الفنانين في العالم بإسم الفن واللاّعقلانية.. في منحوتات المبدع ضو الشهيدي، وهو أحد المعاصرين البارزين في فن النحت، تتباين الأشكال والأجسام والأحجام، كما يتعدّد أفق التعبير والأخيلة والمنطلقات الفكرية والفلسفية، ولكن تبقى نظرية واحدة تربط بين إبداعاته وقطعه النحتية مجتمعة، وهي لغة الفراغ والدوائر التي يقوم عليها اتجاهه وينسج منها عالمه الخاص جدا ويستلهم بفضلها أفكاره، المادي منها والإنساني والسيكولوجي، فهو يرى أن كل الأشياء مردها الأساسي المادة بتصنيفاتها المختلفة وما نتج عنها، سواء بالفن أو غيره، هو ظلال لتلك المادة القابلة للتطويع والتشكيل فلا يوجد شيء في الطبيعة غير قابل للتشكيل، هكذا يمكن قراءة واستنطاق القطع النحتية للفنان التشكيلي ضو الشهيدي في ضوء فلسفته لمعارضه المتنوعة، التي حوّل فيها الفراغ والدوائر إلى حوار وسجال مفتوح يسمح بتبادل وجهات النظر بين القطع النحتية والمتلقي، بإعتبار أن اللغة العقلية حاضرة والحوار ممتد لوجود منطق كوني يحكم عملية التواصل ويوفّر المفردات المطلوبة للتفاهم وترجمة كل ما هو صلب وجامد وإحالته إلى صور وتابلوهات غنية بالرموز وقادرة على فك طلاسم الكائنات الصخرية، التي هي أكثر بلاغة مما هو ناطق، حيث كل الشروط المطلوبة للتفاهم بين الطبيعة والإنسان متوافرة طالما وجدت السبل لإستنطاق المواد الصلبة المادة الخام للإبداع المنحوت.3516 ضو الشهيد

وتغلب خصوصية الدائرة والفراغ على معظم القطع المبتكرة لدى الفنان العصامي-ضو الشهيدي-النازع في كثير مما أبدعه إلى فكرة الطيران والنزول بها مجرد خيال إلى واقع حي قابل للتطبيق، فالطيران إن يحدث معنويا في أوقات النشوة والفرح الشديد فهو إذن متحقق على مستوى الخيال، ولا مانع من تصويره ليكون محاكاة خيالية لخيال أخر.

ويلعب - ضو الشهيدي- في محاكاته هذه على الطاقة الافتراضية في الإنسان التي تؤهله للتحليق بعيدا خارج مداره الطبيعي فتصله بالعالم الميتافيزيقي "عالم ما وراء الطبيعة” فيعيش بروحه حيث يشاء بينما يبقى جسده مسجونا في عالمه الأصلي، وهي سباحة في الخيال أشبه بالسباحة في أحلام اليقظة غير الخاضعة لأي منتهيات.وتأخذ معظم الأشكال الدالة على الحركة منحنيات و تلافيف يفهم منها أنها سرعة دوران الإنسان حول نفسه، فهو أينما ذهب يصل إلى نقطة البداية، أي أنّ العالم على اتساعه ضيق للغاية، وللتخلّص من هذا الشعور يلجأ الإنسان إلى الخيال وأحلام اليقظة لتعويض المساحة المفتقدة لطموحه بمساحات إضافية يصنعها هو بشكل هلامي، إذ لا حاجة له بالعالم الواقعي طالما هو قادر على الهروب إلى البراح في دنياه الافتراضية.إرهاصات نفسية ودوائر متداخلة من الوعي واللاوعي تتبدى في منحوتات ضو الشهيدي، يمكن قراءتها بأكثر من وجه ومستويات مختلفة من التلقي والاستيعاب، لأنها في النهاية حالة فنية افتراضية منطلقها الخيال المحض وقوامها الموهبة والمرجعية الفكرية والثقافية للمبدع الذي يقف في المنطقة الوسطى بين المعقول واللامعقول على امتداد الخطوط البيانية لموهبته.

على سبيل الخاتمة:

إنّ فن- ضــو الشهيدي- هو توق متواصل من أجل تحرير الشكل من وضعه الجاهز ومرجعيته المعطاة.فهو مسار مستمر لتفعيل الأشياء وإثراء آلياتها الإدراكية وذلك من داخل حوار حيّ بين الإنسان والمادة، بين الإنسان والمكان الممتد.لذا، لا عجب أن نرى-هذا الفنان-يعمل في منحته بتعبّد وإخلاص بعيدا عن ضجيج المعارض والأسواق، معتبرا في ذات الآن فعل النحت مشفى للذات، الذهن والجسد، وغاية منشودة لكلّ فنّان رفيع الوجدان، مشرئب العنق إلى الإنعتاق، البهاء، العطاء، والجمال..

ومن هنا نفهم-أوّلا وأخيرا-لماذا يجنح- ضــو-للصّمت ويعتبره في بعض الأحيان أفصح من الكلام..

نظرات ثاقبة تعرف طريقها نحو الوجدان لتسقط إنفعالاته على قطع الخشب الصغيرة الخاضعة لجبروت أصابعه القوية..مشاعر الفخر تنبض من كلّ شبر في المكان، فهذا الفنان على وعي تام بأنّه يعتبر من النحّاتين القلائل الذين تمكنوا من تطوير مهاراتهم وقدراتهم في هذه المهنة.نجاح شخصي نابع من تميّز الرجل في توجّهاته الفنية، والتي تلامس الثقافة التونسية في كامل تجلّياتها وفي مختلف الحقب التاريخية، لترسمها وتجسّدها في تلك المنحوتات الصغيرة، ولتنقلها، في النهاية، للأجيال القادمة.وليس مغالاة، ولا مبالغات إذا أعتبرنا أنّ النحات ضو الشهيدي، حقّق حضوره وبتميز وبراعة ضمن مسيرة النحت التونسي المعاصر، واضعاً لنفسه صفحة مستقلة في سفر الفن.وتلك هي خلاصة ما يطمح له كل فنان.أخيراُ، لقد استطاع –ضو-سبر أغوار فنية بعيدة تدلّ على عشق وحب ورؤيا وايمان وإبداع فني مليء بالحس الإنساني والذوق الرفيع فوصل الماضي بالحاضر، وأضاء على المستقبل من خلال شعلة الأمل التي تتجلى في معظم أعماله .

*ملحوظة: في نحت ضو الشهيدي تشكيل فنّي تتخلّله روح فنيّة تبحث عن مستقرّ لها في شكل ما..هو فنّ تصويري أكثر منه تجريدي، هكذا يراه النحات ضو الشهيدي، مشيرا إلى أنّه يسعى إلى الإنفتاح على العالم، وذلك من خلال الفنّ الحديث، حتى أنّ أعماله الفنية تلقى الكثير من التقدير والقبول لدى جزء كبير من الناس على إختلاف إنتماءاتهم الإجتماعية.

***

محمد المحسن - ناقد تونسي

.......................

* ضو الشهيدي: فنان تشكيلي من الجنوب التونسي وتحديدا من جهة تطاوين، أقام العديد من المعارض بمختلف ولايات الجمهورية التونسية، ومازال ينحت دربه الإبداعي على الصخر بالأظافر..يحدوه أمل في أن -تتكلّم-منحوتاته، بدلا عنه.. 

 

خلال القرون الماضية رسم الفنانون المسلمون رباعيات الخيام باسلوب عاطفي وبشاعرية عذبة طروبة. وقد تجلى اسلوب الرباعيات بتلك المواضيع الرومانسية حيث تشاهد النساء تسقي الشراب وتضرب العود وسط مناظر خلابة جميلة.. كما نجد ان اشكال الوجوه قد خرجت من تأثيرات الطراز المغولي. حيث العيون الكبيرة الكحلاء والقامات الطويلة الرشيقة.. وهي رسوم تذكرنا بلوحة مونية – نساء في الحديقة 1867 – من حيث الرومانسية وحب الطبيعة. وهذه الرسوم هي بمثابة دعوة الى التمتع بالطبيعة وجمال الحياة والابتعاد عن الهموم. ونجد هناك انسيابية في الخط ومتعة في الحركة وحسن وجمال في الوجوه. ونشاهد ايضا المشهد يسطع علينا مزخرفا بالنباتات والزهور والاشجار والغيوم. وبأداء وبذوق عالي وبالوان زاهية وبراقة مبهجة، يطغي عليها الاجواء الشاعرية والعاطفية النقية وحب الطبيعة.

ظهرت الحركة الرومانسية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في اوربا وكان هدفها هو اطلاق حرية النفس والعواطف بعيدا عن مراقبة العقل وقد حمل لوائها في الادب فكتور هيجو وفي الفن ديلاكروا. ويذكر بعض النقاد بان الحركة الرومانسية في الفن والادب نهجت منهجا هروبيا من قسوة الحياة ووطئتها الثقيلة ومتاعبها التي لا تركد ولا تنقضي، ولهذا فان اصحاب هذا المذهب خرجوامن استوديوهاتهم الى الطبيعة وارادوا في مسلكهم هذا اخراج النفس الى الصفاء والنقاء والتغني بالحب وجمال الطبيعة.

يقول الفيلسوف ارين ادمان (ان الحركة الرومانسية انطلقت كثورة عاطفية لسكينة النفس وسلامتها وتحقيق رؤى حالمة وحساسة حيث لا تستطيع ان تعيش في الواقع بتناقضاته الاخلاقية وخصوماته المستمرة مما يدفعها للهروب منه. ولهذا فان هروب الحركة الرومانسية من الواقع الى الطبيعة كان قد تكرر في الفنون الحديثة حيث هربت من الواقع الظاهري الى عالم الميتافيزيق الى الروح الخالدة والغير فانية، الى المستتر ما وراء الاشكال..3494 الخيام

اصل الرباعيات

وقد اختلف المؤرخون والمحللون في نسبة الرباعيات الماجنة والفاحشة الى الخيام حيث ذكر الشاعر المصري احمد رامي في تعليقه على عمر الخيام..(انه مؤد فريضة الحج ومصل مما دعا الصوفية الى ادخال اشعاره في اورادهم.) كما ذكر الشاعر البحراني ابراهيم العريض : (ان كثير مما هو ساقط من الرباعيات ومبتذل ليس له علاقة به) اي بشعر الخيام. اما الدكتور المستشرق الروسي زوكوفسكي فيذكر : (ان الرباعيات نسبت خطأ للخيام). وكانت اشعار الخيام يسودها العرفان والصوفية ولكن البعض فسرها خطأ بالالحاد والزندقة. مما ادى الى حرق كتبه التي الفها في الرياضيات والفلك والفلسفة واللغة وغيرها. واليوم عند استطلاع الساحة الايرانية المثقفة نجد ان الجميع يعتقد ان عمر الخيام في شعره ينحو نحو العرفان والزهد وليس له علاقة بالاشعار الساقطة او الماجنة. وان ظاهرة العشق والشراب في اشعاره يراد منها العشق الالهي (وانهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين).

و الملاحظ ان ظاهرة التشويه طالت حتى الحكايات الشعبية والنكات التي تنسب الى جحا والتي تعد بالآلاف، وجحا من اكثرها بريء. ولهذا فان التشويه والتحريف كان ولازال واردا في التاريخ وحتى في - الحديث الشريف - بدوافع واسباب كثيرة يعرفها الجميع. واتذكر انني قرأت في احد الصحف العربية ولعلها - الشرق الاوسط – عن احد المشايخ وهو يتحدث عن زهد وتدين الحجاج بن يوسف الثقفي وصلاته ونسكه وانه كان يقرأ ويختم القرآن ؟ والتاريخ يذكر ما فعله في العراق من مذابح وانه ضرب الكعبة بالمنجنيق وهدمها. وفي حكاية اخرى يذكر ان رجلا كان يصلي في احد مساجد الشام فسمع خطيب المسجد ينال من علي ويسبه، فحزن وتألم كثيرا فالتفت الى احد المصلين الذي يجلس الى جانبه فسأله ما رأيك بذلك ؟، فبكى هذا الرجل وقال له : هناك ابشع واحزن من ذلك، انهم يسبون ابا محمد، فقال له من هذا ابامحمد، قال له : انه الحجاج بن يوسف الثقفي ؟؟. وهكذا تسرق وتشوه الحقائق وتزيف من اجل السلطة والمال. وبالتالي ليس بعيدا او غريبا ان يجعلوا من بعض حكام العرب اليوم الدكتاتوريين ان تشد الرحال لزيارة قبورهم وتقديسهم وربما تشيد عليها المساجد.3495 الخيام

مع كل ذلك كانت اشعار الخيام ميدانا خصبا للنقاشين والخطاطين والمذهبين بما تفيض عليهم من الهام وخيال وابداع راقي في التصوير. وليس من المعقول ان تمر هذه الاشعار على الرسام المعروف كمال الدين بهزاد 1455 مر الكرام دون ان يأخد له دورا براقا وفعالا في تزويقها. وهو المعروف عنه كان بارعا في تزويق اشعار المنظومات الخمسة لنظامي والشاعر سعدي وغيرهم. ولكن ان الكثير من المخطوطات الفارسية قد احرقت او سرقت او ضاعت ولم يصلنا الا القليل التي هي الآن موزعة بين مكتبات ومتاحف العالم.

 وقد انتقلت رباعيات الخيام الى اوربا في القرن التاسع عشر وترجمت الى جميع اللغات. وظهرت الرومانسية كمذهب في الغرب بعد عدة قرون من وفاة عمر الخيام وكان غياث الدين ابو الفتوح الملقب عمر الخيام (1040-1131م) شاعرا وفيلسوفا وفقيها وعالما في الرياضيات والفلك واللغة وله اختراعات كثيرة. ويقال انه لقب بالخيام لكون والده كان يشتغل في صناعة الخيام.

***

د. كاظم شمهود

 

حين يلتقط الفنان المبدع حادثة عادية، فانه يعالجها معالجة غير عادية.. في التضمين والأسلوب، وهذا ما حصل لجواد سليم في (الشجرة القتيلة). فالحادثة عادية جدا يمكن ان تقع في كل يوم، ولكن زمن وقوع الحادثة ولّد سخرية لفتت انتباه جواد.. فزمن وقوع الحادثة هو(عيد الشجرة- 31 آذار) ويوم العيد هو يوم الفرح، اليوم الذي تزرع فيه نباتات جديدة لتصبح أشجارا، وتكرّم فيه أشجار مزروعة لتنعم على الناس بفضائلها الكثيرة.. غير أن ما حصل هو ان الشجرة أهينت وذبحت حين رأى فلاحا يقطّع اغصانها ويرميها أرضا في يوم عيدها وتكريمها، وهذه هي السخرية التي لفتت انتباه جواد، ومنها التقط الفكرة.

والفنان المبدع لا يبدأ بتنفيذ الفكرة بعد التقاطها مباشرة، بل يتركها تتخمر في ذهنه، وتبدأ حالة الفنان ووعيه لواقعه ومجتمعه الأنساني تصب (أنزيماتها) على الفكرة لتلد موضوعا وأفكارا.3477 الشجرة القتيلة

والموضوع الذي تضمنته الشجرة القتيلة هو هذا الموضوع الازلي (استلاب الانسان) او (الانسان المستلب)، وكان جواد واضحا كل الموضوح في تجسيده لهذا الموضوع الذي نكشف عنه الان.

يمثل جذع الشجرة (انظر التفصيل) تجسيدا واضحا لجسم انسان محزوز الرأس، فيما الغصن الذي يخرج من صدر الجذع (الجسم) فهو يحمل رأس انسان.. قطع الآن!-الزمن المطلق- فهناك شريط دموي ينزف من الرقبة المحزوزة باتجاه الرأس، وقطرات دم لم تتخثر بعد.

هذا هو الموضوع اذن (استلاب الأنسان). فما هي الأفكار التي يطرحها هذا الموضوع؟

يمكننا أن نطرح افكارا كثيرة، ما دام الموضوع أزليا وغزير الأفكار، الا أن الفكرة الأصل فيه تتمثل بالآتي:

يمثل جذع الشجرة تجسيدا لجسم المرأة.. المرأة الأصل، ويمثل الغصن – الرأس، رأس رجل- الرجل الفرع. والمرأة شجرة طيبة تنبت ثمرا طيبا، ولا أطيب من الأنسان حين يكون طيبا. ولكن الطيبة والطيب مستلبان دائما من بني جنسهما.. البشر الوحوش. فالرجلان يحملان أدوات القطع والذبح هما شخصان يمثلان القوة الجسدية والخواء الفكري.. وقد أجاد جواد اجادة تامة بتجسيد هذين التعبيرين في الرجلين.

أليس هذا هو الموضوع الأزلي؟.فحين يمسك الأغبياء والمتوحشون بالسلطة.. بدءا من سلطة البيت الى سلطة الدولة.. فماذا يكون مصير الطيبين والمثقفين غير الخوف والقلق والأضطهاد والقتل والأغتراب؟

ان (الشجرة القتيلة)، في تقديري، هي أبلغ لوحة انتجها جواد سليم في التعبير عن قضية الأنسان. وتتجلى روعته في كونه التقط فكرة ذكية من حادثة عادية وحولها الى موضوع أزلي بمعالجة فنية تنطق بلغات كل الحضارات!.

***

د. قاسم حسين صالح

الفن عمل وجهد ومزهبة ونظر عميق كالنفس تجاه ما هو جدير بال قول وفق الترجمان حيث الابداع مجال شاسع للابتكار والامتاع والمؤانسة في ليل الأحوال والتداعيات المربكة.. هكذا فهم الفتى الجربي الفنان الطيب زيود فكرته الفنية ومضى مسافرا معها بما تتيحه له جزيئات الحجارة بتلويناتها المتعددة من رؤى وتهويمات وتفاعلات تقصدا للفن في ضفافه المعنونة بالموسيقى والشعر والسينما.. و غيرها.. كل ذلك في هذا السفر مع ما يحدثه من ولع وهيام .. مع الفسيفساء الفن واللون والاختيار والفكرة والتحدي و.. و الذهاب بالمهج على عبارة ابن الفارض في الحب.. فلا خير في الحب ان أبقى على المهج.. الفسيفساء ومهجة الفنان ابن الجزيرة الطيب زيود.. بأحلامه وضحكاته العارمة يعانق فن الفسيفساء وفق منزع الابتكار والتجديد .. المصمم المبدع والفنان الكبيرعلي الشيني هذا الذي يعمل جاهدا بطريقة فنية وعصرية ليكرم كل يوم المشاهير والمبدعين والتعريف بالموروث الثقافي والفكري للبلاد التونسية قدم الفنان اطيب زيزد في بورتريه عاكس لحاله وحلمه كفنان وذلك في ضرب من القول الفني من فنان تجاه فنان آخر لتكون اللمسات جميلة ومعبرة.. و قد كان للفنان الزيود مؤخرا نشاط حيث تم عرض أعماله بدار الثقافة أحمد خير الدين بباب العسل بتونس العاصمة بمناسبة تظاهرة ليلتقي عددا من الكتاب والشعراء والفنانين وصولا الى الحديث في شهادات عن تجربته الفنية وأعماله الأخيرة عن الشاعر الراحل محمود درويش وغيرها من المشهديات الجميلة عن أحوال جربة وغيرها من الأمكنة.. و ذلك ضمن فعاليات " باب الفنون: ملتقى أدباء على الطريق " ومن هذه الشهادات ما قدمته الروائية حبيبة المحرزي والفنان علي الزنايدي .. قالت عنه الكاتبة والروائية حبيبة المحرزي ".. الطيب زيود يرج الصخر وينطق الحجر ويقتنص العاصفة الهوجاء لتكون لحظة فنية فارقة .. لوحة العاصفة هي عاصفة بكل مؤثثاتها بعصفها واضطرابها وتشظي أجزائها بفوضى لم تخل من ترتيب بحكم عاصفي مرتج يتصاعد يعجن زرقة مياه البحر التي تتعامد مع جدران الصمود وبين كل الفجوات والشروخ. زرقة حاضرة بقوة تحتوي هيكلا مركبا مرتبكا مرتجا تعابثه العاصفة المطلقة المستبدة. الاضطراب يوحي بالدمار والاندثار لكن الخطوط العمودية الدقيقة والمربعات والمثلثات القائمة في انتظام وصمود نوعي، تعاند الضجة في تحد وثبات، لإقناع المتلقي بانفراج قريب. سيهرول ذهن المتلقي ليبني اللواحق. سيؤثث مشهدا تنسحب فيه المياه إلى مستواها السفلي وترمم الاشرعة المتخرقة وتتعافى القوائم المتصدعة والتي حافظت على البياض الناصع الموزع على المساحة كلها. لون الصفاء والنقاء.

الفنان وان غلب ألازرق والابيض فإنه جعل لبعض الالوان كالاحمر والأصفر والبني حضورا ،الوان تتوزيع بفوضى واضطراب قد يعني به الحياة والتنوع والاختلاف .. لكن العاصفة قد تكون بسبب حادثة حاصلة أو مفترضة وهو ابن الجزيرة السابحة في زرقة المتوسط من كل الجهات.والمتلقي سيفتقد الخضرة كمؤشر على غضب الطبيعة لأن اللحظة هي لحظة فارقة بين الحياة والموت بين التجدد والفوات ، بين البداية والنهاية. بين الانتصار والهزيمة.تلك هي فلسفة Taieb Zayoud حين يناور الطبيعة ويستفز قواها في لحظة فارقة تشبه عدسة مصور فوتوغرافي يتصيد لقطة مشهدية تنعتق من الغياب والنسيان لتخلد كقبضة زمكانية مقتنصة بحرفية عالية.هذا التحدي هو الذي به ينتصر الإنسان على العدم ويبني نظرة التحدي والانتصار حتى وإن كان في قلب العاصفة الهوجاء. تلك نظرته التي بها ينتصر على المعوقات بتفاؤل ورقي فني نوعي بمكعبات حجرية توثق فسيفساء الحياة بحلوها ومرها بهدوئها واضطرابها.. ".من أعماله المميزة مايقدمه عن تراث الجزيرة ذاكرة أم نسيان منذ يوم السبت 18 مارس الجاري بالمعرض الوطني للصناعات التقليدية بقصر المعارض بالكرم ليتواصل الى غاية يوم الأحد 27 مارس 2022.و مما قيل فيه كفنان مجتهد ".. فسيفساء الطيب زيود المكون في مجال الفضيات .. هو عشق الصخر والحجر وبعث مشروعه في سنة 2000 بمليتة بجربة حومة السوق ليفتح فيما بعد محلا لترويج منتوجاته بسوق الصناعات التقليدية بحومة السوق ،انطلق في مشروعه بعد مدة عاشها بمدينة الجم وآمن ان الحرفة ليس لها حدود بل هي "غرام" ورغم الصعوبات والعراقيل وقف بثبات بل واسس لتظاهرة كبرى "حرفي فنان" وفي السنوات الاخيرة خرج من التقليد ولامس الابداع والفن بلوحاته الفسيفسائية التشكيلية بشهادة خبراء وفنانين واظب على الحضور بصالون الابتكار بالكرم وساهم في تصدير منتوجاته، امنيته اليوم المشاركة بالمعارض بالخارج وفي الاروقة الفنية العالمية.. ".. في هذا الملتقى الثقافي الأدبي والتكريمي بدار الثقافة خير الدين بباب العسل تونس قدم الفنان الطيب زيزد لمحة عن تجربته وذلك خلال الندوة الفكرية العلمية للفنون التشكيلية تحت عنوان " جسور التواشج بين الفنون " كما تناول بالتحليل لوحة العاصفة الكاتب الصادق القايدي متحدثا عن مميزاتها وخصائصها كعمل فني .. كما تحدث الفنان التشكيلي علي الزنايدي عن لوحة العاصفة مشيرا الى جوانبها الجمالية كعمل فني ضمن التجارب الفسيفسائية .. و تم تكريم الزيود من قبل الأستاذة عايدة المهذبي i مديرة دار الثقاففة باب العسل والإعلامي والكاتب الهادي جاب الله منسق الملتقى .. هكذ .. نعم الفسيفساء فن عريق فيه ممكنات ابداعية شتى حيث الفنان يقترح وفق خياله الشاسع ما به تزدهر الحكاية لتنبت لها من التاريخ والقدم أجنحة لتحلق بالنهاية في عوالم الجمال والابداع.الفنان الطيب زيود يستعير من الموزاييك عناوين أخرى تنبت في الراهن بمياه الذاكرة وهواء النظر لتبرز في حالات من الجمال بها الزخرفة والتجريد وما يشي بالحلم.. هذا العنوان الكبير الكامن في شغل وحرفية فنان هام بالحجارة وجزيئاتها ينحت منها وبها هيئات مختلفة لأعمال فنية رائقة نظرا وتأملا وتقبلا جماليا.و من جربة الأعماق.. قادته شؤون الحرفة وشجونها الى عوالم الفن الفسيفسائي يزخرف ويزين مساحات عمله الفني وفق تصاميم متعددة ومواضيع بين المشاهد والتقاليد وغيرها من الأجواء الجربية.عمل لسنوات جاهدا وباحثا عن آفاق جديدة لعمله الفني فبدت في أطوار منه رغبات البحث عن التجديد والقطع مع الصورة النمطية لفن الفسيفساء .. هذا حيز من الشغف الجمالي للفنان الطيب زيود تجاه لون فني أحبه وسار في دربه

***

شمس الدين العوني 

الفن هذه الرحلة المحفوفة بالولع والمحبة والنشيد حيث لا مجال لغير القول بالذهاب بعيدا في أحوال يعنونها الحلم وما به تسعد الذات وهي في بهائها تعلن شيئا من رغباتها تجاه الأمكنة والأزمنة..انها لعبة السفر الملونة بالكثير من الطفولة المقيمة في الذات ..الفن كان دائما تلك العلاقة المخصوصة بين شواسع الذات وطفولاتها بما يحيل الى حالات من الجمال والابداع والعطاء وفق نظر بعين الروح واحساس دفين ...

و الرسم هنا هو هذه النظرة للاشياء وممكنات جمالها وسحرها حيث العبارة التشكيلية مجال تذكر وحنين ووعي بما ينطبع في الكينونة من شغف العناصر وجمال المشاهد وبهائها النادر لينعم عند ذلك صاحب التلوين بالسحر الكامن في المادة وهي تنسكب بفعل الأنامل على أرض القماشة لمحاورتها ومحاولتها نظرا وتشكيلا واستنطاقا ضمن لعبة الرسم والتلوين المدهشة..

من هنا نمضي مع عوالم الذات الفنية والجمالية للفنانة التشكيلية التي تخيرت علاقتها المميزة مع الرسم وعناصر عوالمه قولا بالجمال ينحت هبوبه ليقول ما يعتمل فيه من مكونات الامتاع والمؤانسة والابداع في فسحة الحياة وما تمنحه من تنوع وتعدد في النظر تجاه التفاصيل والآخرين والعالم..

نمضي هكذا مع تجربة الفنانة التشكيلية كوثر بوزيان التي هامت بالتلوين فصار حيزا من التشويق والامتاع والاكتشاف لديها وهي تروم التجدد مع كل عمل فني مشيرة الى لوحاتها الفنية وهي تحضر في المعارض الفرية والجماعية في تونس وخارجها ...لوحات بايقاع وموسيقى ونظرات صاحبتها الرسامة كوثر التي مضت خلالها بين المشاهد والمراة والطبيعة الميتة وغيرها من مشهديات أخرى سعت بها ومن خلالها الى ابراز مفردتها التشكيلية التي تدل عليها وتشير الى ذاتها وشجنها وحنينها ..

تنوعت مشاركاتها الفنية في تونس وخارجها حيث كانت الرسامة التونسية التي شاركت مؤخرا في مدينة سيول الكورية الجنوبية  مع عدد كبير من فناني العالم في سمبوزيوم دولي للفنون التشكيلية لتقول عن ذلك "...تمت دعوتي للمشاركة في معرض جماعي عالمي في كوريا الجنوبية وتحديدا في سيول في شهر ديسمبر2021 وكنت التونسية الوحيدة من بين 59 بلدا في العالم والحمد لله وقع اختيار لوحاتي لتكون في الكاتالوغ وصورتي في l’affiche ...الى جانب مشاركة أخرى هامة حيث تمت دعوتي  في شهر جويلية 2021  لاقوم بمعرض خاص بي في فرنسا وتحديدا في Chateauneuf en Auxois وقد تم ذلك فعلا وكرمني العديد من المسؤولين بالجهة وتحدثت عني التلفزة الخاصة بالجهة ..."هذا الى جانب العديد من المشاركات الأخرى وتضيف الفنانة التشكيلية كوثر بوزيان قائلة بخصوص تجربتها الفنية "...في ايطاليا بلاد الفن والجمال وتحديدا سنة 1985 تملكتني الرغبة الشديدة في التعلق بالرسم والفن التشكيلي وكان ذلك أيضا بمدرسة الفنون الجميلة بباريس عبر الرسم للطبيعة حيث اكتشفت ما لدي من طاقة في الرسم تجاه المشاهد بتنوعها وثقافاتها المتداخلة وصولا الى تنويع مواضيع وثيمات لوحاتي وبالتوازي مع ذلك كنت أعمل في ورشتي لأذكر تاطير أساتذة مميزين في الفن منهم الفنان التشكيلي الكبير محمد مطيمط حيث تمكنت من تقنيي الفنية التي أعمل بها ...الى حدود سنة 2018 حيث كانت ورشتي مفتوحة للتلاميذ من مختلف الأعمار ليتم عرض أعمالهم الفنية في معرض جماعي خاص بهم وبطريقة محترفة كالمعارض الكبرى ...في مسيرتي الفنية المتواصلة عديد المعارض الفردية وغيرها بأروقة معروفة منها رواق محمد علي السعدي بقرطاج ورواق سامية عاشور ومتحف قصر خير الدين ورواق صوفونيبه والمشتل ومع الرابطة التونسية للفنون التشكيلية ومعارضها السنوية الجماعية...كما نالني الشرف في مسيرتي المتواصلة ولمرات عديدة  لأكون كوميسارا فنيا لعدد من المعارض الفنية التشكيلية على هامش مؤتمرات طبية بين سنتي 2012 و2014 بما يمكن من ايجاد تنشيط ثقافي يتمن هذه الفعاليات وأعمال زملائي ...لدي أعمال ومعجبون بها وطلبيات عديدة لأحباء لوحاتي لتسوق اليهم هنا وفي فرنسا وأمكنة أخرى...هكذا هو الرسم والفن عموما بالنسبة لتجربتي ومسيرتي التي أواصلها بالعمل والانجاز للوحاتي التي هي جزء هام من كياني ووقتي واهتماماتي الحياتية...".

في تجربة الرسامة كوثر بوزيان تتواصل العلاقة مع الرسم والتلوين بشغف وحب ورغبات تبرز في تنوع لوحاتها وخصوصية التلوين فيها بين المشاهد والمرأة بتعدد حالاتها وهي تعد للجديد الذي يضمه معرضها الخاص في سياق نشاطها الفني التشكيلي في تونس وخارجها.

***

شمس الدين العوني

الفن هذه الرحلة المحفوفة بالولع والمحبة والنشيد حيث لا مجال لغير القول بالذهاب بعيدا في أحوال يعنونها الحلم وما به تسعد الذات وهي في بهائها تعلن شيئا من رغباتها تجاه الأمكنة والأزمنة..انها لعبة السفر الملونة بالكثير من الطفولة المقيمة في الذات ..الفن كان دائما تلك العلاقة المخصوصة بين شواسع الذات وطفولاتها بما يحيل الى حالات من الجمال والابداع والعطاء وفق نظر بعين الروح واحساس دفين ...

3426 العونيوالرسم هنا هو هذه النظرة للاشياء وممكنات جمالها وسحرها حيث العبارة التشكيلية مجال تذكر وحنين ووعي بما ينطبع في الكينونة من شغف العناصر وجمال المشاهد وبهائها النادر لينعم عند ذلك صاحب التلوين بالسحر الكامن في المادة وهي تنسكب بفعل الأنامل على أرض القماشة لمحاورتها ومحاولتها نظرا وتشكيلا واستنطاقا ضمن لعبة الرسم والتلوين المدهشة..

من هنا نمضي مع عوالم الذات الفنية والجمالية للفنانة التشكيلية التي تخيرت علاقتها المميزة مع الرسم وعناصر عوالمه قولا بالجمال ينحت هبوبه ليقول ما يعتمل فيه من مكونات الامتاع والمؤانسة والابداع في فسحة الحياة وما تمنحه من تنوع وتعدد في النظر تجاه التفاصيل والآخرين والعالم..

نمضي هكذا مع تجربة الفنانة التشكيلية كوثر بوزيان التي هامت بالتلوين فصار حيزا من التشويق والامتاع والاكتشاف لديها وهي تروم التجدد مع كل عمل فني مشيرة الى لوحاتها الفنية وهي تحضر في المعارض الفرية والجماعية في تونس وخارجها ...لوحات بايقاع وموسيقى ونظرات صاحبتها الرسامة كوثر التي مضت خلالها بين المشاهد والمراة والطبيعة الميتة وغيرها من مشهديات أخرى سعت بها ومن خلالها الى ابراز مفردتها التشكيلية التي تدل عليها وتشير الى ذاتها وشجنها وحنينها ..

تنوعت مشاركاتها الفنية في تونس وخارجها حيث كانت الرسامة التونسية التي شاركت مؤخرا في مدينة سيول الكورية الجنوبية  مع عدد كبير من فناني العالم في سمبوزيوم دولي للفنون التشكيلية لتقول عن ذلك "...تمت دعوتي للمشاركة في معرض جماعي عالمي في كوريا الجنوبية وتحديدا في سيول في شهر ديسمبر2021 وكنت التونسية الوحيدة من بين 59 بلدا في العالم والحمد لله وقع اختيار لوحاتي لتكون في الكاتالوغ وصورتي في l’affiche ...الى جانب مشاركة أخرى هامة حيث تمت دعوتي  في شهر جويلية 2021  لاقوم بمعرض خاص بي في فرنسا وتحديدا في Chateauneuf en Auxois وقد تم ذلك فعلا وكرمني العديد من المسؤولين بالجهة وتحدثت عني التلفزة الخاصة بالجهة ..."هذا الى جانب العديد من المشاركات الأخرى وتضيف الفنانة التشكيلية كوثر بوزيان قائلة بخصوص تجربتها الفنية "...في ايطاليا بلاد الفن والجمال وتحديدا سنة 1985 تملكتني الرغبة الشديدة في التعلق بالرسم والفن التشكيلي وكان ذلك أيضا بمدرسة الفنون الجميلة بباريس عبر الرسم للطبيعة حيث اكتشفت ما لدي من طاقة في الرسم تجاه المشاهد بتنوعها وثقافاتها المتداخلة وصولا الى تنويع مواضيع وثيمات لوحاتي وبالتوازي مع ذلك كنت أعمل في ورشتي لأذكر تاطير أساتذة مميزين في الفن منهم الفنان التشكيلي الكبير محمد مطيمط حيث تمكنت من تقنيي الفنية التي أعمل بها ...الى حدود سنة 2018 حيث كانت ورشتي مفتوحة للتلاميذ من مختلف الأعمار ليتم عرض أعمالهم الفنية في معرض جماعي خاص بهم وبطريقة محترفة كالمعارض الكبرى ...في مسيرتي الفنية المتواصلة عديد المعارض الفردية وغيرها بأروقة معروفة منها رواق محمد علي السعدي بقرطاج ورواق سامية عاشور ومتحف قصر خير الدين ورواق صوفونيبه والمشتل ومع الرابطة التونسية للفنون التشكيلية ومعارضها السنوية الجماعية...كما نالني الشرف في مسيرتي المتواصلة ولمرات عديدة  لأكون كوميسارا فنيا لعدد من المعارض الفنية التشكيلية على هامش مؤتمرات طبية بين سنتي 2012 و2014 بما يمكن من ايجاد تنشيط ثقافي يتمن هذه الفعاليات وأعمال زملائي ...لدي أعمال ومعجبون بها وطلبيات عديدة لأحباء لوحاتي لتسوق اليهم هنا وفي فرنسا وأمكنة أخرى...هكذا هو الرسم والفن عموما بالنسبة لتجربتي ومسيرتي التي أواصلها بالعمل والانجاز للوحاتي التي هي جزء هام من كياني ووقتي واهتماماتي الحياتية...".

في تجربة الرسامة كوثر بوزيان تتواصل العلاقة مع الرسم والتلوين بشغف وحب ورغبات تبرز في تنوع لوحاتها وخصوصية التلوين فيها بين المشاهد والمرأة بتعدد حالاتها وهي تعد للجديد الذي يضمه معرضها الخاص في سياق نشاطها الفني التشكيلي في تونس وخارجها.

 ***

شمس الدين العوني

3430 شغفتُؤثٌثه من 13 إلى 27 مارس2022  التشكيلية، الشاعرة  هاجر ريدان برواق الفنون "ريدار" بمدينة منزل تميم/ تونس 

هلع وخوف وانقلاب للعين  في عالم عجائبي مسكون

بكائنات مضغوطة في حراك مهموم يدفع بها التشظي في اتجاهات مختلفة . نازلة صاعدة في محاولة للانعتاق. بخثها عن الحرية افقدها السيطرة على الجسد الذي تحمٌل بشاعة محيطه فتشوٌه. بلا اذرع. مشلول القوى فلا يعمل: ضربت فيه قيمة العمل

بلا رأس، لا يُفكر، ضُرب فيه الإدراك والتفكير ووضوح الرؤى يُصارع من اجل ان يبقى. كيف وطريقه مقطوع وآفاقه بال رؤى ؟

اجساد تئن وإنسانية مسلوبة، منبتة، في إغترابها تبحث عن كونية متوازنة   تعيد انسنة الوجود في عالم مُعولم يزداد بشاعة. يطوٌقه المجهول والامرئي في عبثية تجعل الانا والآخر جحيما في عصر الحروب البيولوجية الامتكافئة ونظام دولي جائر اوحادي القطب شوٌه إنسانية الإنسان وضرب الهويات باتٌجاه إلغاء الخصوصية وضرب الذات في أعماقها وقولبتها وتشييئها  وطمس ملامحها،  صراع من أجل البقاء حضر في لوحات  رسمت بشاعة الإنسانية في واقعها المأزوم. انسان في شكل Silouhette .  ملامح مغيٌبة ، دون أعضاء دون جسد  نضِرٕ، متناسق، جميل:  دون هوية إمرأة كان او رجل في لازمان ولا مكان   يندفع في ارتطامه يبحث عن حرية مسلوبة عن هوية طُمست... لم تتوان الرسامة في التعبير عن هذا  الاستلاب الانساني النفسي والجسدي ولسان حالها يُبْطن: إنٌ الغريب هو المغترب في إنٌيَته  وفي غيريته... في ذاته وفي محيطه. عن كلٌ أبعاده، غريب.  فاعتمدت تقنيات عديدة : القواش،الاكواريل، الزيتي، احرف الابجدية العربية...3431 شغف

في لوحات مقاساتها متنوعة تترواوح بين الصغيرة والمتوسطة على محامل من ورق وقماش. اضفت عليها الوانا بين الاصفر والبرتقالي والازرق والابيض والاخضر والمُعتٌمِ والمضيء، لتوحي لنا ان زُخرفة لوحاتها في تناسقها التشكيلي الذي جمع بين التشخيصي والسريالي ينفتح على سماء تبتسم بزرقتها، تُناشد الامل بحياة افضل لعالم يطيب فيه العيش.  وانعكس بياض رواقها على الوانها في لوحاته الثمانية عشرة التي تعدنا ب :

"تمرٌد ليلي"، ب" امل "ب "صعود ما "ب"بوح"ب " سقوط الاقنعة" عن"الوان الحياة بعد " الفوضى"و" ركام"و"أبواب مغلقة "مكرٌرة و"شجون" و"الآلام"و"غموض"و " غروب"  فيراودنا  شغف بحلم تكون فيه " الوان الحياة " مُشرقة، حميمةٌ في انزياحات الالوان والإضاءة والاشكال الهندسية والحروف... التي رغم إنحرافاتها المقصودة، كانت رسالة تبعث بها إلينا الرسامة، تُبطن رفضا وتمرٌدا، في طوقها إلى التغيير نحو عالم يسوده السلام والامن. "شغف " حُلْمً يُراودنا3432 شغف

شكرا هاجر على متعة النظر وعلى تشريكنا فرحتك ب"شغفك" الذي حرمنا حضوره هذا الكفيد-19 اللعين. اللامرئي التي قيٌض راحتنا. فجعلتِ من الفن الشكيلي آلية مقاومة وانتصارٕ للانسانية في صراعها من اجل الإنعتاق.

***

بقلم الباحثة، الشاعرة نعيمة الحمٌامي التوايتي/ تونس.

3316 بيكاسورغم أن بيكاسو استقر في باريس وأمتصته الحياة الجديدة بلهوها وكابيريهاتها والحرية المفرطة في حي مونتمارت من مجون وانحراف ومخدرات وأنتشار العاهرات والذي لم يجده بيكاسو في بلده الام . فرغم كل ذلك بقي بيكاسو محافظاً على اصالته وقوميته ولم يتغير أبداً .

ويذكر الكاتب مستر اوهدى في كتابه – بيكاسو والتقليد الفرنسي – (ان هذا النوع من القومية هي ذات طابع الماني اكثر منه فرنسي ويذكر ايضا ان هناك تشابها خفيا بين العبقريات الاغريقية والاسبانية والالمانية حيث انها ترسم لها اتجاها مشتركا نحو التعبير عن اشتياق كبير الى اللانهائي والى العلو السماوي).

علما ان اسبانيا تعرضت الى هجرات اقوام حضارية قديمة قادمة من الشرق مثل الفينيقيين والايبيريين ثم الاغريق والرومان والغوط الجرمان ثم فتحها العرب عام 711 م وبنوا فيها حضارة كانت تسطع على الغرب المظلم .

ولهذا فأن جينات الماضي لازالت تسري في حياة بيكاسو وانه ابن الاندلس والبحر المتوسط المتلاطم بحضاراته المتنوعة والغنية بعطائها الفكري والفني .3317 بيكاسو

المورو

كثير من النقاد يصفون بيكاسو بالمورو el moro اي العربي او المسلم وكلمة مورو فضفاضة، بعض الكتاب الاوربيين يعنون بها - العربي - ولكن في القاموس الاسباني جاءت كلمة مورو بمعني (المسلم) او يقصد بها مسلمي موريتانيا .. كما أن بيكاسو نفسه يقول: أن التغيير ليس تطوراً فاذا ماغير الفنان وسائل تعبيره فأن هذا لايعني انه قد غير تفكيره) . ويعني ذلك انه باقي على اصالته واعتزازه بقوميته وتقاليده الاندلسية، وقد برزت هذه الخصائص في كثير من اعماله الفنية مثل مصارعة الثيران والاشكال الايبرية وغيرها . كما يذكر بيكاسو (بان الفن المصري والاغريقي لا يمتان الى الماضي بصلة، انهما اكثر حياة اليوم مما كان بالامس)، وهو ما يوكد لنا انتماءه الى حضارة وثقافة البحر المتوسط .. مما دفع اهل ملقا مسقط رأسه أن ينقلوا لعبة مصارعة الثيران الى باريس بجمهورها وثيرانها وخيلها وعرباتها، وعملوا له احتفالية خاصة لمصارعة الثيران تكريماً وتشريفاً لبيكاسو ابن ملقا .

ويذكر الدكتور المؤرخ والناقد السوري عفيف البهنسي في كتابه – اثر الجمالية الاسلامية في الفن الحديث –بان كلمة بيكاسو غير موجودة في اللغة والقاموس الاسباني وبالتالي هو يرجح الى ان اصلها عربي – بو كاسم – ابو قاسم – ثم عجمت .3319 بيكاسو

ويعتبر بيكاسو اكثر الفنانين تقلبا وتغيراً في اساليبه وعلاقاته خاصة مع النساء . وهو يملك طاقة هائلة فكرية وابداعية تكشف عن عبقريته وامكانياته الفنية التي ليس لها حدود ويقول الفنان الانكليزي بليك (ان الرجل العاقل وحده هو الذي يستطيع ان يصر على بلاهته) .

فكان ينتقل من اسلوب لاخر ومن النقيض الى النقيض . ورغم كل ذلك كانت الصحافة تهرول وراءه، والكتاب والنقاد منصبه انظارهم واهتماماتهم اليه، فهم يكتبون ويحللون وينشرون، طلبا للمال والشهرة . كما ان الفنانين اصبحوا يقلدون كل ما ابتدعه وركبه بيكاسو من نمط جديد من انماط الفن الحديث .

وبين اعوام 1953 و1954 استقر بيكاسو في مدينة Vallauris وهناك وجد ورشة للسيراميك فاخذ يتردد عليها لتعلم صناعة السيراميك، وفي هذه الورشة تعرف بيكاسو على فتاة جميلة ذات محاسن شرقية هي جاكلين روكي آخر- زوجات بيكاسو - وهي فتاة مطلقة كانت عائشة مع زوجها الذي كان يشتغل في الجزائر كمهندس، ثم طلبت منه الطلاق بعدما رأت انه خانها، وعادت الى فرنسا . وفي عام 1961 اشترى بيكاسو بيتا ريفيا جميلا في قرية تبعد عن المدينة الكبيرة – كانس او كان - الفرنسية Cannes حوالي 8 كم وتسمى Mougins وكان يحيط بالبيت الحدائق الغناءة والغابات ذات المناظر الخلابة، واستقر فيها مع آخر زوجاته جاكلين .

في عام 1955 رسم بيكاسو 15 لوحة زيتية وهي عبارة عن استنساخ للوحة ديلاكروا – نساء جزائريات 1832 – وقد رسمها باسلوبه التكعيبي والتجريدي الحديث، وتذكر زوجة بيكاسو فرانسواز خيلو بان بيكاسو كثير ما يتردد على متحف اللوفر لمشاهدة لوحة ديلاكروا ودراستها وكان مغرما بها وبموضوعها الشرقي، وهو ما يؤشر الى الحنين والى الجذور الاندلسية وتاريخه العريق، وقد زاده ذلك التعلق هو شكل زوجته جاكلين ذات الملامح الشرقية وعيونها السوداء الواسعة وحواجبها الشديدة السواد والمقوسة كالسيوف، وكذلك حرارتها النفسية والغيرة على بيكاسو حد المغالات . علما ان جاكلين عاشت في الجزائر فترة طويلة مع زوجها المهندس كما ذكرنا ذلك سابقا . واكتسبت كثير من العادات والتقاليد الشرقية والتي تشترك بها مع بيكاسو . وقد رسمها بيكاسو عدة مرات بملابس شرقية وتركية .3318 بيكاسو

باية محي الدين مع بيكاسو

 وتعتبر باية حداد فاطمة محي الدين 1931 من رواد الحركة التشكيلية في الجزائر بل من رواد الفن العربي الفطري، وهي من اصول قبلية . وقد عرضت اعمالها على الجمهور الفرنسي سنة 1947، والتقت مع بيكاسو عام 1952 وطلب منها ان تبقى معه ليعلمها الرسم وفعلا بقت معه عدة اشهر، وهذه لاول مرة يكون هناك تلميذا لبيكاسو شرقي الاصل، وما ذلك الا حبا وحنانا لجذوره الاندلسية .. وكلفتها بلدية باريس ببعض الاعمال الفخارية . اسلوبها فطري طفولي تنحو نحو المدرسة الوحشية في الالوان .. بعض المتابعين يذكر بان باية تناولت مع بيكاسو الاكلة الشعبية الجزائرية المغربية (ال – ك- ...)و انه قال في فنها انها كانت مصدر الهام لسلسلة رسومه التي حملت اسم – نساء جزائريات عام 1954 –، ولو انه قد استوحاها من لوحة ديلاكروا – نساء جزائريات 1832 – ولكن باية زادت من تعميق الفكرة والمشاعر نحو رسم تلك السلسلة .

وعندما مات ماتيس عام 1954حزن عليه بيكاسو حزنا عظيما فقال (لماذا لا نتبع اسلوب اصدقائنا في رسم المواضيع الشرقية ؟)، وهو يعني بذلك ماتيس الذي عاش فترة طويلة في بلاد المغرب ورسم كثير من اللوحات ذات المواضيع المغربية والتي يطغي عليها الطابع الفني الاسلامي، من الزخرفة والالوان الحارة الساطعة والخط الذي يحدد الاشكال . وقد كانت هذه البيئة ومؤثراتها الفنية العامل الرئيسي في ظهور المدرسة الوحشية التي تزعمها ماتيس، بعض النقاد العرب اطلق عليها اسم - المدرسة العربية – وكان ماتيس كثير ما يرتدي الملابس المغربية التقليدية وهو في باريس .

و في عام 1957 رسم بيكاسو لوحة – الاميرات – لفيلاسكس (الاندلسي) ونفذها بخمسين لوحة بين تخطيط ورسم بالزيت وباسلوب بين التجريد والواقعية التعبيرية والتكعيبية، ويذكر انه عمل لها تخطيطات تحضيرية (اسكيجات) وصلت الى اكثر من 150 تخطيطا، وهذه الاعمال نجدها اليوم معروضة في متحف بيكاسو في برشلونة وهي مثيرة ومدهشة، وتبين القدرة الهائلة والطاقة الفنية الكبيرة لعبقرية بيكاسو . يضاف الى ذلك ان انجذاب بيكاسو الى تكرار واستنساخ لوحة الاميرات، هو انجذاب روحي تاريخي وشعور بالحنين الى ارض وثقافة الاجداد ومثل ذلك الشعور تكرر مع لوحة – نساء جزائريات – ولهذا اطلق بعض النقاد عليه اسم المورو .

في احد زياراتي الى بغداد التقيت باحد الرسامين فشكى لي من مشكلة حلت به، انه رزق ولدا وسماه بيكاسو ولكن العائلة اعترضت ورفضت بشدة ذلك الاسم، فلما حكيت له قصة اصل بيكاسو واسمه طار فرحا وقال (بشرك الله بالخير) .

 

د. كاظم شمهود

 

3035 الدادائي كلينيبيز كلين / Yves Klein

ولد كلين في مدينة نيثا الفرنسية NIZA عام 1928 وكان احد اعمدة الحركة الدادئية الجديدة ومن مؤسسي الواقعية الحديثة. وكان ابويه رسامان ولهذا نشأ في ارضية فنية خصبة، كما هو الحال مع بيكاسو الذي كان ابوه رساما ومدرسا في مدرسة الفنون في ملقا الاندلسية. فاندفع كلين بكل موهبته وطاقته وميوله متعطشا لدراسة الفن عام 1942 في المدرسة الوطنية مارينا ميركانتي marina mercante، كما درس فيها مادة اللغات الشرقية، ثم التحق باحد الاندية الرياضية لتعلم لعبة الجودو وثقافتها الروحية الشرقية (البوذية). وعندما كان عمره 19 سنة كون صداقة مع رسامين هما ارمان فرناندث وكلاوديو باسكال واخذوا يرسمون ويعرضون سوى. وفي احد الايام اجتمع هؤلاء الشبان الثلاثة في جنوب فرنسا وقرروا ان يقسموا العالم بينهم، ارمان اخذ الارض وباسكال اخذ اللغة ومفرداتها، وكلين اختار الفضاء الغير محدود. ومن ذلك الحين بدأ كلين يدرس عالم الكون وما فيه من ابعاد تأملية وروحانية وخاصة انه كان معجبا ودارسا للثقافات الشرقية منها البوذية.

بين اعوام 1948 و1952 سافر كلين الى ايطاليا وبريطانيا واسبانيا واليابان. وخلال مكوثه في اليابان حصل على الجائزة الرابعة في الجودو بعد مشاركته في احد المسابقات. وكانت قوانين هذه اللعبة ورموزها الروحية لها اهمية كبيرة في ادخالها في اعماله الفنية، كما الف كتابا عن رياضة الجودو اسمه (الاسس في لعبة الجودو).3036 الدادائي كلين

اعماله وتقنياته

سمي كلين بالازرق لكثرة استخدامه اللون الازرق وقد انفرد وتميز به عن غيره، وهو لون شديد الزرقة غامق احيانا فسفوري، وسيطر هذا اللون معبرا على بقية الالوان الاخرى واخذ مساحة كبيرة من الشكل، وكان يستخدم في طلاء اللون – روله - وهي الة يستعملها الحفارون في طباعة فن الكرافيك، كما استخدم الاسفنج والفرشاة باحجامها المختلفة. ويطلق بعض النقاد على هذا الاسلوب من الاستخدام اللوني بالاسلوب – النقي - حيث يستخدم اللون من اجل اللون نفسه وليس من اجل الشكل. ويتجسد هذا الاسلوب بشكل ملحوظ في فن المنمنمات واسلوب ماتيس.

3037 الدادائي كلينوكان كلين يغطي موديله العاري باللون الازرق ثم يتمدد الموديل على لوحة القماش او الورق ويضغط جسمه عليها فيطبع نفسه فيخرج شكله، وفي احد المشاهد الاخرى بعد ما يطلي كلين الموديل بالالوان يطرحه ارضا ويسحبه على سطح الورق تاركا اثره عليه بعفوية ولطخات وشخبطة طفولية..

احيانا ينفذ هذه الاعمال مصحوبا بفرقة موسيقية عازفة. فيمزج مشهد الرسم مع الموسيقى ليختلط الفن البصري مع النغم الموسيقي الروحي. وهنا اتذكر مقولة للفيلسوف شوبنهاور: كل الفنون تعبر عن الارادة بطريقة غير مباشرة عن طريق الصور اما الفن الذي يعبر عن الارادة المباشرة هو فن الموسيقى. وكتب والتر باتر 1877 يقول ان كل الفنون تطمح لان تكون حالة من حالات الموسيقى يعني الوصول الى المتلقي تجريديا روحيا بشكل مباشر..

هذه المشاهد التي يقدمها كلين يذكرنا ذلك بقصة طريفة لبيكاسو رويت على لسان احد اصدقاءه المخلصين وهو الشاعر اليساري رافائيل البرتي، حيث كان هناك معرضا لبيكاسو في مطلع الثمانينات في احد كالريات مدريد وقد افتتحه البرتي، فصعد على المنصة ليلقي قصيدة اسمها على ما اعتقد - عيون بيكاسو- لكنه لم يحيي الجمهور كالعادة بل اخرج مشطا واخذ يمشط شعره الابيض الطويل امام الجمهور، وهذه المقدمة لها دلالات ومفهوم دادائي وهو يعني رفض للتقاليد الجارية. ثم اخذ يتحدث عن حياة بيكاسو فقال في يوم من الايام كان بيكاسو قد وضع امامه مشهدا جنسيا حيا واخذ يرسمه؟... هذه الطفرات المزاجية تتكرر احيانا عند بعض الرسامين مثل كلين وذلك لخلق تجارب جديدة وفكر جديد قد يكون له الاثر الافضل في تقدم الفن. او حسب المثل القائل –خالف تعرف -.

كما اخذ كلين يصبغ منحوتاته باللون الازرق الغامق الفسفوري، ونفذ رسومه ايضا باللون الازرق الذي اخذ يتناغم مع نفسه منفردا على سطح اللوحة، بدون عنصري الضوء والظل. وكان كلين دائم التجريب والتقلب حيث يستخدم جميع الطرق المتاحة ولم يتوقف عند حد. وفي يوم من الايام وضع لوحة على سطح السيارة مشربة بالالوان فاخذ يسير بسرعة 110 كم في الساعة تحت هطول الامطار، وكان يهدف من ذلك كيفية تأثير المطر في عملية تشكيل الالوان وعفويتها..3038 الدادائي كلين

في عام 1957 عرض كلين في ميلان (ايطاليا) 11 لوحة زرقاء وقد استخدم فيها مادة صمغية مع اللون الازرق حتى يحافظ على بريقه وثباته، وفي هذه المرحلة حصلت معارضه على نجاح كبير في باريس ولندن والمانيا وغيرها.. وفي معرضه الذي اقيم في باريس في كالري ايريس كليرت عام 1957 اطلق يوم الافتتاح 1001 بالون ازرق كما ارسل عددا كبيرا من بطاقات الدعوة ذات الون الازرق مع ختم ازرق.

في عام 1958 عاد وعرض مرة اخرى في كالري ايريس ولكن هذه المرة ترك الصالة فارغة بدون اي عمل فني ما عدا كتابة تقول (ان الاحساس بالمادة الفنية هو شعور ذهني يتمثل في الفراغ) وعمد الى اخلاء الكالري من كل شئ وصبغ الجدران باللون الابيض ووضع في مدخل الكالري فرقة من الحرس الجمهوري مع كوكتيل باللون الازرق. وقد عمل حملة ضخمة من الاعلانات والدعوات لزيارة المعرض، وكان يوم الافتتاح هناك 3 الاف شخص ينتظرون الدخول الى المعرض. ومن المؤكد ان هؤلاء الزوار ليس لديهم اي فكرة مسبقة عن مادة العرض وانما الذي قادهم للمعرض هو شهرة وسمعة كلين وفنتاسياته..؟

يقول الناقد اوليفر بيرغروين Berggruen ان كلين يعمل على التحرر المطلق من كل شئ محاولا عمل رابط بين الطقوس (الرذيلة) وبين القناعة بالشموخ والاستخفاف من الاخرين). كما يذكر ان كلين استخدم طقوس الجودو كمبرر لعدم اعتقاده باي شيئ واتخذه كوسيلة للوصول الى عالم التجريد والكون وعالم الارواح ثم العودة الى الارض وهو كاءن جديد ممسوخ في مادة معينة، وهذه هي من المعتقدات البوذية ونظرية المسخ.3039 الدادائي كلين

في عام 1960 عرض في كالري الفن المعاصر في باريس وفرض على الزائرين ارتداء ملابس الزينة غالا gala المعتاد لبسها في مراسيم زيارة الملوك او الحفلات الخاصة. وعند الافتتاح دخلت الكالري ثلاثة نساء عاريات مصبوغات باللون الازرق القاتم وكان جدار الكالري معلق عليه ورق ابيض كبير الحجم، فقاد كلين الموديلات الى الجدار امام الجمهور وضغط اجسامهن عليه فظهرت آثار الاجسام باشكال عفوية ولطخات لونية مختلفة.

هذه الاعمال المباشرة هي تشبه الفن الحركي paintings Acción الذي ظهر في العشرينات من القرن الماضي وهو مفهوم اطلقه الناقد الفني هورلو روسنبرك Rosenberg. وايضا هو ينحو نحو فن الجسم body art الذي ظهر في الستينات والسبعينات في اوربا ونمى بشك خاص في امريكا والذي اتخذ الجسم الانساني ميدانا للرسم.

من ناحية فلسفية فان كلين متأثر بفلسفة Suzuki Zen الياباني 1870 ومذهبه البوذي حول حرية الفكر والتحرر من كل شئ والتامل في الكون والحياة والفراغ، والتي تعتبر في راي كلين من اهم عناصر الراحة الابدية والعيش في عالم اصم فارغ. ويقدم كلين اعماله الفنية على شكل رسم ونحت وكتاب وموسيقى. ويمكن تقديم لوحاته بدون رسم، وموسيقى بدون موسيقيين، فقط اشارات النوط ماثلة. بمعنى انه يقدم اجواء فنية ذهنية مفتوحة غير مقيدة.

ومع ذلك فانه يبدو ان التضاد فيما بين البحث عن الحرية المطلقة والشكل الجوهري وبين اختيار العناصر كثير ما شوشت افكار المتلقين ووقفت سدا منيعا امام تقديرهم الصحيح للاعمال الفنية المعاصرة...

 

د. كاظم شمهود

 

 

في القرن الواحد والعشرين راينا انتشار ظاهرة عرض اللوحات الفارغة وهي التي تعرض القماش الابيض canvas بدون رسم او تخطيط او رمز له دلالة معينة. ففي عام 2018 اقيم في مدريد المهرجان العالمي للفنون التشكيلية ( ARCO 2018 ) وكانت غالبية الكالريات عرضت اعمالا فارغة لا تقول شيئا.. ومن ناحية تاريخية كان الفنان الفرنسي كلين الازرق 1928 KLEIN قد بدأ بهذا اللون من الفن حيث عرض اعمالا ذات لون واحد هو اللون الازرق الفسفوري وتبعه في ذلك الفنان الايطالي مانثوني MANZONI 1933 وغيرهم. وبهذا اصبحت اللوحة لا تعبر عن حقائق فكرية او تعبيرية ولا تظهر انفعالات ومشاعر الفنان. ولكن يوعز البعض على ان هذه الموجة من الفن هي عبارة عن اشارة الى عودة الحركة الدادائية من جديد الى الساحة الفنية بعد اكثر من قرن على ظهورها في باريس، وان فكرة الرفض لكل القيم الجمالية والشكلية والتاريخية اصبحت اليوم واقعا ملموسا في انشطة معظم الكالريات والمتاحف والمهرجانات الفنية العالمية.

و يذكر ان التقدم العلمي والتكنولوجية اليوم قد افقد الفن صلته بمهارة الفنان اليدوية وجمالية الصنعة فلم يعد الفن نتاج يد الانسان بل لادوات الانسان العلمية. وكانت مهارات الفنان في اطوارها السابقة يدوية بحته، حيث منحت الفن لون من الرقي التعبيري الانساني واصبحت اللوحة هي الفنان نفسه والناطق عن روحه ومشاعره.

الاسباب لهذه الظاهرة

من الاسباب التي يذكرها بعض النقاد لهذه الظاهرة هو الهروب من قسوة الحياة والبحث عن الحقائق المطلقة، وهو في الواقع هروبا من نوع اخر، قد يكون تخلصا من تلك الموضوعات السطحية التافهه التي اصبحت مالوفة ومتكررة الى حد اصبحت الحالة تستدعي الدعوة الى توجيه دفة الاتجاهات الفنية الى الموضوعات ذات القيم والابعاد الفكرية الانسانية، حيث يكون الفن معبرا عن الكون والحياة في صورها المتعددة... ثانيا، قد يكون من وراء هذه الظاهره هو الفراغ الفكري والتشكيلي حيث وصلت الامور الى حد لم يعد الفنان قادرا على الخلق والابداع، وهو يذكرنا بعصر النهضة والتي وصل فيها الفكر والفن الاوربي الى مرحلة الافلاس، فرجعوا الى الفكر اليوناني ليستنجدوا به للخلاص من الركود والتحجر الكنسي. ثالثا، ربما قد تعكس هذه اللوحات الفارغة الخروج من عالم الابصار الى عالم الميتافيزيق، وسبق ان طرد افلاطون الفنانين من جمهوريته واراد منهم ان يلتحقوا في عالم المثل وان الفن في رأيه هو سطحي ولا يمثل الحقائق الخالدة التي لا يصيبها الفناء.

وفي هذا الاتجاه، هناك مسألة مهمة في معنى تشكيل، والتي هي كلمة مترجمة حرفيا من مفردة لاتينية اغريقية الاصل وهي plasto او plástico، وفي القاموس الاسباني ظهر لها عدة مرادفات متقاربة المعاني ( plasto = formado، modelado، finjo، forjo ) وتعني تشكيل او (كون، صنع، شكل، عجن او كور). وبالتالي فهي تعني المادة المخلوطة والممزوجة والمعجونة من عدة مواد، مثل مادة الزيت والكريلك والمساحيق الاخرى. وتعني الفنون البصرية من تصوير ونحت وسيراميك وحفر والهندسة المعمارية وغيرها، وقد شاع استعمالها في بداية القرن التاسع عشر. ومن هذا المعنى والسياق لكلمة تشكيل المعبرة عن الفكر والغنائية في التصوير نجد ان اللوحة الفارغة تقع خارج دائرة الفنون التشكيلية.

ربما اصحاب اللوحات الفارغة يردون على معارضيهم من ناحية كيميائية اي دراسة المادة وتركيبها من ناحية خصائصها وتتضمن دراسة تحليلية لذراتها وتركيباتها وتفاعلاتها. وبالتالي فان كل مادة في الوجود هي مادة تتكون من ذرات متحركة. واللوحة الفارغة هي في حقيقتها العلمية ليس جامدة وانما متحركة سواء كانت بيضاء او بلون اخر. وقد طرح الفنان العراقي محمود صبري نظرية – الكم – وتطرق الى خصائص المادة اللونية في مطلع السبعينات من القرن العشرين، ولكن طروحاته لم تجد لها ارضية خصبة في العراق فقفل راجعا الى براغ.

كما لاحظنا ظاهرة اخرى في الفن الحديث وهي ان بعض الفنانين يكرر مفرداته او عناصره الفنية في كل لوحاته بحيث رؤية للوحة واحدة في المعرض تكفي لتمثيل كل لوحات المعرض. بمعنى ان الفنان في حقيقته يعرض لوحة واحدة؟ وربما يعود ذلك الى هناك حدث فراغ في الموضوعات والتأمل او ان الفنان يبحث عن هوية شخصية،. واتذكر احد الفنانين العراقيين كانت كل معارضه تمثل مفردات متكررة مثل فوهاة الانابيب (البوريات)..

كان ماتيس 1869 مستقرا ومتنوعا في مواضيعه وعلى خطى سيزان والحرية في الالوان والتخطيط والتي اكتسبها من الفنون الاسلامية عندما كان عائشا في بلاد المغرب فترة طويلة. اما بيكاسو 1881 فكان اكثر الفنانين تقلبا وتغيرا في الاساليب فكان يبحث عن كل جديد، فعندما يعرض اعماله في احد الكالريات نجد هناك مواضيع متنوعة من طبيعة صامته والموديل والواقعية الانطباعية والتكعيبية وغيرها. ورغم كل ذلك يبقى اسلوبه مميزا وواقعيا تعبيريا ومثيرا للدهشة. كما ان المتتبع لمعارض بعض الفنانين العراقيين مثل فائق حسن وجواد سليم يجد هناك اداءا مميزا وابداعا متنوع المواضيع بين الخيل العربية ومناظر الريف والازقة البغدادية وغيرها مما يجعل العرض غنيا وثريا في مواضيعه وتقنياته.

 ***

د. كاظم شمهود

 

3011 لورنيس وينيرفن الحداثة يعني عند البعض هو قطع العلاقة بالماضي وتراثه وخلق فن جديد مستوحى من نبات وخيالات الانسان وما توحيه اليه الطبيعة، وهي اعمال تتخذ احيانا اتجاها غير مقبولا واسطوريا غامضا وذلك على اعتبار ان ما يقوم به من انتاج يتشكل في صور غير عادية ومالوفة للعين، الا ان بعض المحللين النفسانيين يقول ان هذا الاتجاه هو هدفه تصوير العالم اللاشعوري الغامض دون استناد الرؤية الواقعية. حيث تمتزج هذه الصور في اللاشعور مع صور ذهنية اخرى مستمده من الثقافة التي حصل عليها الفنان وما لها من التاثير العميق الذي يصطبغ به المذاق الفني، واتخاذ الرمز كلغة فلسفية حداثوية.. وعندما وقف هؤلاء الشباب في بداية القرن العشرين في الحانات يصرخون ويلعنون الطبقة البرجواية لما لها من تاريخ استغلالي اسود، كان ذلك نتيجة للسأم والملل والركود العقلي الذي يسود المجتمع، ولهذا طالبوا بالتجديد والتغيير، وبعضهم اتخذ اتجاها تطرفيا فلعن كل التراث الانساني. من هذه الجماعات هي التيار الدادائي في بداية القرن العشرين ثم ولد من رحمها ر تيارا اخرا يسمى الدادائية الجديدة neodadaismo ظهرت في عقد الستينات حيث اخذ هؤلاء الفنانون الجدد يمزجون في اعمالهم عناصر ومواد مختلفة، ومنهم من تطرف واخذ يبني اعماله من مواد جاهزة. حيث ان اهم شئ عنده في العمل الفني هو الفكرة.. ومن اهم اعمدتها هم: robert Rauschenberg / / Jasper Johns happenings fluxus

ولكن من الذين برزوا بعد ذلك واخذوا شهرة عالمية هو الفنان الامريكي المفاهيمي:3012 لورنيس وينير

 Lawrence Weiner

ولد وينير عام 1942 في نيويورك واخذ له اسلوبا كرافيتيا مميزا حيث استخدم الحروف والكلمات والجمل باحجام كبيرة وعرضها، بطريقة اما كتبها مباشرة على الجدار او على الارض او من خلال لوحات بيضاء مدون عليها بعض الجمل الملونة واحيانا مضيءة. ولها معاني ورموز مفاهيمية فلسفية. ويذكر وينير ان افضل الاعمال هي التي تكتب بالاحرف الكبيرة لانها تغطي على الاحرف الصغيرة مهما كانت انيقة ومرتبة، وكل كلمة او جملة تقدم معنا معينا وفي تجمعها تصبح فكرة معرفية او حكمة. ومن ذلك الوقت اصبح النص الكتابي مادة فنية بارزة في اعماله سواء كان ذلك على الجدار او القماش.3013 لورنيس وينير

يقول وينير ان الحديث او النقاش الذي يدور بين الاشخاص يمر بمنعطفات كثيرة مثله كمثل الكلمات الحروفية المدونة التي تصعد وتنزل، لها معاني تجريدية قصيرة تحمل المتلقي الى عالم التأمل. ومن النصوص التي عرضها (العمل الفني يمكن ان يخلق) (الفنان قادر على انشاء عمل فني) (العمل الفني ليس يحتاج الى بناء) ويقصد ان الفكرة افضل من المادة.. ويعتقد وينير ان كل هذه الاشياء هي اصيلة واساسية في عرف ومفهوم الفنان. وان الفنان الاصيل هو الذي يتجاوب مع مع كل هذه الاعتبارات المتعلقة باحاسيسنا الفيزيقية والاخلاقية، وذلك بتغذيتها بمختلف نواحي الانتاج الفني من ابداع الصور ومبتكرات الموسيقى او انشاء الابنية والحداءق الممتعة والدرامات والمقالات وغيرها وهي تلك التي تخاطب العقول والاحاسيس السامية.3017 لورنيس وينير

وفي عام 1960 اصبح وينير من المعروفين عالميا واخذت الكالريات تتهافت على عرض اعماله، كما اشترك في عروض عالمية بينالية، وفي عام 1972 اصبح يستخدم مواد خاصة به وطريقة طرحه التصويري بشكل مميز، فاستخدم في احد عروضه مفرقعات لخلق نوع من النحت المجسم ولفت النظر، وهو ما ينحو نحو المشهد المسرحي اكثر منه تشكيلي. وقد عمل وينير الى جانب جوزيف كوزوت وروبن باري وغيرهم من اعمدة الفن الذهني الجديد.

ومن ناحية اخرى اصدر تاجر اللوحات Seth Siegelaub كتابا عن اعمال وينير ظهرت فيه كلمات منفصلة على سطوح بيضاء بدون رسم او تصوير، واصبح هذا الكتاب بمثابة خط بياني لاعماله.3018 لورنيس وينير

وكان وينير يعتقد ان اعماله الحروفية هي منحوتات مجسمة او بارزة على الجدار تعبر عن عالم روحاني يغص بالمفاهيم والحكم الجمالية حيث يمكن منها الذهاب الى آفاق رحبة بدون حدود... ويقول ان الفكرة هي عبارة عن الهروب من الواقع المادي الى الحرية الحقيقية، وانها تحمل المتلقي الى الاستيقاض والاكثر انتباها وتعلقا. وان الفن يكون له فعالية ومعنى عندما يستجيب له الجمهور ويتفاعل وان الفكرة السامية تنتقل الى الجمهور بدون رخصة او اذن.. كما ذكر ان اعماله هي عبارة عن اشياء فكرية يستطيع بها ان يغزوا العالم ويحركه.

وبالتالي فان وجهة نظر هذا الفنان هي حصيلة الافكار والتصورات التي لعبة دورا هاما في بداية القرن العشرين وكانت عبارة عن رفض للموروث الثقافي الكلاسيكي الاوربي وبناء مستقبل في صورة جديدة وشاملة.

 

د. كاظم شمهود

 

 

جمال العتابيأسرار إكتشاف الرموز في تصاميمه

في 23 كانون الثاني من كل عام، وهو اليوم الذي بارح فيه الفنان جواد سليم ساحة الوجود، نستعيد هذه الذكرى، الإستعادة أصبحت تقليداً توارثناه من عادات وطقوس قديمة، أبلغ ما فيها أنها تعيد للحي هيبته الزمنية، ولكنها حين تصطدم بشاهد المرمر البارد ولا تعود برجعٍ مؤثر، تكون قد فقدت نضارتها الإنسانية، وأصبحت غاية في ذاتها، ونحن كلما تذكّرنا جواد سليم، والسياب، ومحمود عبد الوهاب، ومبدعينا جميعاً، أشفقنا على الأحياء، في أن تظل هذه العادة جارية بشكل لايردّ للمبدعين منهم إعتبارهم الفقيد، أو يمنحهم التقدير والإكرام إلا بعد مماتهم.

وبرغم إعترافنا بوجود هذه الظاهرة الأخلاقية، فإن مما لا شك فيه، ان تأنيب الضمير، سوف لن يكون وحده الذي يشفي وجداننا من برحاء بالشعور بالذنب تجاه المبدعين.

تحدث عن جغرافيته الفنية مئات النقاد والدارسين والباحثين، فشرنقوا تجاربه، وأوثقوها بحبال الكلمات، غير اننا نودّ أن يظل أبداً كنجمة الفجر، نراها ونفتقدها في آن واحد، لقد رحل الإنسان من بيننا، وبقي عمله الواهب المبدع، كل ما صبّه من جبس، وجسّده من خشب، وما نحته من حجر، وما خطّط، وما رسم، وما لوّن، أو صمّم.

كل ما جنحه من أخيلة، وما أحياه من أفكار ورموز تمثل حقيقتنا الزمني التي نحيى داخل أسوارها العجيبة مأسورين، غير ان الأسوار لا تفتأ حتى تمحى في فن جواد.

وكنا في مناسبة سابقة قد تناولنا إحدى تصاميم جواد لترويسة جريدة الاهالي العراقية، ضمن متابعتنا لأعماله  التي لم تنل عناية الباحثين، إذ أنجز سليم أعمالاً كثيرة لم يتعرف عليها الوسط الفني، أو الجمور، ومنها تمثالان، كان الأول لمحطة قطار بعقوبة، والآخر حصاناً لمضمار سباق الخيل في حي المنصور ببغداد، لم يحققا الإنتشار لقصور في وعي القائمين على تلك الجهات، غير ان الأهم والأكثر إنتشاراً وحضوراً، كان شعار مصلحة نقل الركاب في بغداد، الذي أنجزه جواد في منتصف خمسينات القرن الماضي، وفي نفس الفترة تقريباً، أنجز سليم منحوته برونزية للمصرف الزراعي في شارع الرشيد، عنوانها (الإنسان والأرض)، نفذها بإسلوب النحت البارز، وتميزت بغناها الرؤيوي، وتكاملها السردي. وجدارية أخرى عن الثروة النفطية لصالح شركة نفط العراق، يتضح فيها الأثر الآشوري أكثر من سواها بتكرار الثيران أسفل العمل، والمؤسف والمحزن في آن واحد ان مشروع متحف لأعمال جواد، ظل مجرد أفكار على الورق، وأماني لم تتحقق طيلة العقود الماضيةَ، وحتى الجهات التي نفّذ لها الأعمال لم تحترم هذا التراث، لا بل عبثت به وشوّهته، كما حصل مع شعار مصلحة نقل الركاب.

يذكر قحطان المدفعي في مذكراته، أنه أثناء عودته من كلية الطب ذات يوم، للتبرع بالدم، عندما كان طالباً في الإعدادية المركزية، إستوقفه مشهد شخص إعتلى سقالة، كان منظره مدهشاً وهو ينحت شعاراً لمصلحة نقل الركاب في الواجهة الأمامية للبناية، في وسط الجدار الذي صمّمه المعماري جعفر علاوي، حسب رواية الدكتور خالد السلطاني، يقول المدفعي: أدهشتني عملية تزيين العمارة بالزخارف والأشكال، وحين سألت عن هذا الشخص، قيل لي أنه الفنان جواد سليم، ومن ذلك التاريخ أحببت العمارة،  وقادني المشهد إلى التخصص فيها.3265 جواد سليم

المتأمل في الشعار، يستطيع أن يميز عدة عناصر مكوّنة لإنشاء الشكل، منها المثلث، و الجناحان، وتكنيك الشعار، فضلاً عن الألوان، ولكل من هذه العناصر الرمزية دلالات، بعضها ينتمي للمخيلة، والألغاز، كما أسبغ عليها جواد شيئاً من ذاته، ومن رؤاه، وتأثره بالفن الآشوري، فإستطاع بلغته الخاصة أن يجعل من هذه المفردات البسيطة في الشعار، سبيلاً للوصول إلى ذائقة الجمهور الذي تقبّل الشكل ووجد فيه متعة بصرية، ما تزال عالقة في الذاكرة. أو ليصبح في عداد الأعمال الفنية التي تميز عصراً بذاته.

لجأ جواد سليم إلى لونين أساسيين، هم الأحمر والأصفر، وهما أكثر الألوان حرارة، يأتي الأحمر في المقدمة، وسليم يدرك تماماً ان العين ستتجه الى هذه الألوان أولاً، وهو لون الباص ثانياً، بمعنى انه يستحث الرغبة لإنحياز المتلقي لمشاهد حرارة الحياة، في هذا التجانس اللوني بين الأحمر والأصفر المؤطر بالأسود، أما الإنطلاقة والحركة فتتمثل بالجناحين، نحو إتجاهي اليسار واليمين، أما المصابيح، وشكل جهاز تبريد محرك الباص، كأشكال مكًملة للتصميم، وهي في حدود التعبير الفني مشحونة بالمحسّنات البديعية، مضافاً اليها وتيرة التقنية الصناعية ليبدو الشكل في المحصلة على هيأة طائر في وضع تحليق .

ولعل أهم العناصر رمزية في التصميم يتمثل بالمثلث، ولابد للمتلقي أن يسأل عن معنى هذه المفردة على المستوى الروحي والرؤيوي، أو الجمالي، إذ غالباً ما يلجأ المصممون، ولا سيما في العمارة الى إستخدام المثلث، لما يحمله من رموز ودلالات مختلفة عبر التاريخ، تعود إلى بدايات الحضارة الإنسانية، وغالباً ما يمثل المثلث القوة التي يمكن تحقيقها في التوازن، وقاعدته تعد أساساً يسمح بالإنطلاق نحو فضاءات واسعة، لكن كيف نفسّر إستخدام جواد للمثلث المقلوب في التصميم؟ في هذه الحال علينا ان نذهب إلى ما يعنيه هذا الرمز من دلالة، لا تتوقف عند حدود السحر، والتأمل، والمرأة، والرحِم، وظواهر الطبيعة، والعقل والجسد، والروح، الماضي والحاضر والمستقبل، وغيرهها الكثير، إلا اننا وجدنا ان أقرب الدلالات في علاقة المثلث بوظيفة الشعار، تلك التي تتمثل بإحدى أساطير الأغريق التي وجدت في المثلث* عناصر الحياة الرئيسة (الهواء، الماء، النار، الأرض)،فالهواء، يمثله مثلث قائم مع خط أفقي من الأعلى، والنار، مثلث قائم، ويرمز المثلث المقلوب للماء، والمثلث المقلوب بخط أفقي من الأسفل، فيرمز للأرض، انه ليس إفتراضاً من لون ما، بل هي المخيلة التي أكدت وجودها الحي في تواصلها الزمني مع الحاضر.

ضمن التأليف التشكيلي للشعار وإستعارة العناصر، ( ضوء المصابيح، تقنيات الحركة والتشغيل، إيحاءات اللون) ، أقام جواد تصميمه وفق علاقات تأليفية وروحية تنتمي للماضي والحاضر ، المادة هنا تتحول إلى أثر فني جميل، بما يحمل من تراكم للخبرة، بهوية محلية، وتحقيق شخصيته المنسجمة وروح العصر، وهذا يحمل في حد ذاته قدرة جواد سليم على إحلال التواتر والتماثل في أعماله الفنية، وسر إكتشافه للرموز والأسرار الغامضة التي ينسج عليها تصميماته المبتكرة. كما يدعونا أن نتلقى أعماله بهدوء، نتأملها، ونتمهل في النظر إليها، والحقيقة في فن جواد هي ان الموت لم يستطع إغتياله، بل منحه القدرة على النمو والإنتشار.

 

جمال العتّابي

..........................

* حرف الدال الإغريقي على شكل مثلث متساوي الأضلاع، قمته إلى الأعلى، وفي الجغرافية نطلق إسم الدلتا على مصبات الأنهار عندما تكون قريبة الشكل من المثلث كما في دلتا نهر النيل. صورة داخلية

 

ظهرت المدرسة المفاهيمية بعد الحربين العالميتين وبعد التطور العلمي والتكنولوجي وظهور المدارس الفنية الحديثة. وكان الفنان الفرنسي دوجامب 1887 هو اول المبادرين لهذا اللون من الفن في مطلع القرن العشرين: وكان واحدا من ابرز رموز الحركة الدادائية.

معنى الفن المفاهيمي:

الفن المفاهيمي يعني ان الفكرة تعلو على العمل الفني بكل اشكاله والوانه وتقنياته: ومحاولة التخلص من اشكال الفنون التقليدية واستبدالها بالافكار والمفاهيم والمعلومات التي تمس الفن: واستخدام اي وسيلة مناسبة للتعبير عن الفكرة والتي تعتبر اهم من الجمال الشكلي.

يضاف الى ذلك فان الاختزال سيكون من اهم صفاتها: والفراغ وعلاقاته بالمساحة وسيلة اساسية في طرح الافكار. احيانا يطلق على الفن المفاهيمي بالفن التصوري: حيث تعد الفكرة او التصور اهم جانب من جوانب العمل الفني. فعندما تكون الفكرة ناضجة في الذهن وتصور كامل للعمل الفني: حينئذ ستكون عملية التنفيذ سهلة وبسيطة وبأي وسيلة شكلية فنية متاحة .

وقد نشطت الحركة المفاهيمية عالميا بعد ما اقيم لها اول معرض عام 1969 اطلق عليه اسم – مفهوم – كان ذلك في المتحف الالماني – ليفر كوسن – ثم تبعه معرض آخر في كولونيا عام 1974 ثم في بلجيكا عام 1980: وهكذا بدأت هذه الحركة تنتشر وتؤثر عالميا على معظم الاجيال الحديثة والمعاصرة من الفنانين .

من رواد الفن المفاهيمي:

 2977 جوزيفومن ابرز واهم فناني هذه المدرسة الفنان الاسباني انتونيو تابيس 1923 والفنان الامريكي جوزيف كوزوت 1945 وغيرهم.

ويعتبر كوزوت من اهم محركي ومنظري هذا النوع من الفن: حيث اعلن ان جميع الاعمال الفنية بعد الفنان الفرنسي دوجامب هي اعمال مفاهيمية. وقد قدم عملا مميزا بعنوان – غرفة معلومات – وهي عبارة عن طاولة محاطة بعدد من الكراسي وعليها مجموعة من الكتب بمختلف المعلومات.

و فكرة العمل هي- القراءة -، ويعني تحويل الفن البصري الى فن ثقافي وفلسفي وعلمي. وبالتالي فان العمل تكون له فائدة اجتماعية وتعليمية: وهو يختلف عن طبيعة الفن التمثيلي. وهناك له عمل آخر طرحه كوزوت يمثل كرسي مجسم معلق على جدار والى جانبه صورة له مستنسخة على الورق: وشرح عن ماهية الكرسي بمعنى آخر: بيان الكرسي: حضور الكرسي: لغة الكرسي.: ويعني بذلك المقارنة بين الاصل والاستنساخ: وهي فكرة تذكرنا بنظرية المثل الافلاطونية .

ويقول كوزوت (ان الفن غير موجود في الاشياء: الاشياء ثانوية: اما الفن فهو موجود في مفهوم الفنان عن العمل الفني): ويجب ان تطرح القضية الفنية مثلما تطرح القضايا الفكرية والاجتماعية والعلمية وغيرها..2978 جوزيف

 وهناك فنان مفاهيمي آخر يدعى- برنارد روث - ذكر ان المعارض هي عبارة عن تقديم معلومات ولهذا فانه قدم من خلال معارضه كتبا وبحوثا علمية وفلسفية: كما دعى علماء الفيزياء واللغة وغيرهم الى عمل ندوات ومحاضرات عن آخر ما توصلوا اليه من تجارب وخبرات علمية. وهذه الندوات تقدم كعمل فني مفاهيمي. وبالتالي فان هذه الدعوات لبرنارد تمثل خطابات سماعية تعليمية وبصرية في نفس الوقت من خلال عرض التجارب والافكار: وعد ذلك نوع من الفن: وبالتالي اصبح الفن المفاهيمي فن خطابة وبلاغة ولغة ...

واتذكر قصة طريفة للمصلح جمال الدين الافغاني حيث كان في احد الايام يخطب في احد المساجد في تركيا: فقال ان النبوة نوع من الفن: لكن الجمهور فهم ذلك خطئا فانهالت عليه الشتائم والسباب وقذفه بالاحذية ثم طرد من المسجد. وكان جمال الدين يقصد من ذلك هو ان خطاب الانبياء هو خطاب بلاغي فني فيه من الجمال ما يسحر المستمع ويجذبه اليه: فتطرح الافكار باجمل القول واحسنة. ولهذا فان من خصائص الفن المفاهيمي حسب رأي كوزوت وبرنارد هو الخطابة وعمل المحاضرات ونشر الثقافة..

ولنعود الى مارسيل دوجامب وعمله – المبولة – 1917: وقد قدم عمله على شكل مزحة او (نزوة): فعندمت سألوه عن مقاصد هذا العمل وعن كونها مادة جاهزة وانه لم يبذل اي جهد فني في عملها سواء التوقيع عليها: قال انه عرض لاثارة التسائل ورفض لكل التقاليد الفنية القديمة ؟. وهذا ما ذهبت اليه الحركة الدادائية اليسارية.. ولكن هذه المزحة تحولت اليوم الى حقيقة وشكلت تيارا فنيا اطلق عليه بالفن – اللاشكلي او الفن المفاهيمي- واذا بالمتاحف تتسارع لاقتناء هذه المبولة مما اضطر دوجامب الى شراء عددا اخرا من المبولات والتوقيع عليها وتوزيعها على المتاحف والكلريات؟. لاحظوا الى اي مستوى وصل التسخيف والسخرية من الفن؟.

ماهو الفن:

ومع الاسف احيانا تخرج المعايير الفنية من قيمها النبيلة الحقة والاصيلة ويسخر ويستخف بها من قبل حركات ودعوات معتوهه وشاذة واحيانا تدعم من قبل مؤسسات حكومية ومتاحف فنية عالمية: وكل ذلك يهدف الاطاحة بكل القيم الجمالية والانسانية للفن: بحجة التجديد والتغيير: فاصبح النقاد اليوم في حيرة من امرهم ويتسائلون: هل ان حوض الغسيل الجاهز المعروض او فاكهة الموزة المعروضة او القدح المملوء بنصفه ماء: او الارض الفارغة التي خط عليها مربع: او الدولاب المملوء بالملابس او الطاولة التي عليها مجموعة من الكتب وما شاكلها: هل ان هذه كلها تعتبر فنا ؟.... ام ان الفن التشكيلي له عالمه وادواته الخاصة التي تعبر عن اعماق مشاعر الفنان واحاسية وفكره الانساني وعن الجمال والعواطف والتأمل في الافاق وفي الحياة؟.2976 تابييس

يرتبط الفن بالاشياء التي تتصف بانها تشكيلية او مرئية ويمكن ان يدخل تحت كلمة فن فنون الادب والموسيقى. وان يعبر الفنان عن نفسه باعادة تمثيل العالم المرئي. فالفن له خاصيتين حسب رأي بعض النقاد: الاولى هي التعبير عن المشاعر والاحاسيس وهي الدليل على ردود الافعال الوجدانية وتظهر من خلال الاشكال القائمة على سطح اللوحة. والميزة الثانية هي محاولة خلق اشكال ممتعة تشبع احساسنا بالجمال: ولكن احساسنا بالجمال انما يشبع عندما نكون على قدرة جيدة من التذوق. والحساسية الجمالية فطرية ثابتة لا تتغير يمكن ان نراها عند الانسان البدائي ويمكن ان نراها عند الفنان الحديث ولكن الشيئ المتغير هو الفهم والانطباعات والتذوق.

 ومن اصعب الامور هو التفرقة بين مفهوم الجمال ومفهوم الفن. ولكن هناك احيانا بعض الخطوط البارزة للتميز يبنهما فالفن يقتصر على نقل المشاعر بينما الجمال يمكن ان نجده في كل شئ: في الاشياء المادية والاشياء المعنوبة والفكرية.

ومن الرسامين المفاهيميين انتونيو تابيس 1923: وكان تابيس مثقفا وكثير القراءة: وقد رأى ان المذهب البوذي الصوفي اقرب الى قناعاته وافكاره الفلسفية والفنية فاعتنقه ونظر له. رغم ان تابيس كان يساريا في بداية حياته. وكانت الحركة البوذية في الاصل روحانية تدعو الى الزهد والنسك والتأمل العقلي في الكون والحياة ولها صلوات وادعية ومفاهيم روحانية خاصة..

و كانت اعمال تابيس يطغي عليها التجريد والاختزال في الشكل واللون كما هو عند حياة الصوفية: والتركيز على الفكر المفاهيمي قبل كل شئ اي ان الفكرة متقدمة على العمل الفني: ويكون سطح اللوحة وما تحمله من عناصر ورموز شكلية ما هي الا تعبير عن المضامين والافكار التي يطرحها الفنان.

و اهتمت هذه الحركة بالمعلومات والموضوعات والصور الفوتغرافية والكتب والوثائق والفيديوهات والخرائط واللغة والمحاضرات وغيرها من الاشياء المادية. كما اهتمت بالفراغ والمساحة واعتبرتها المادة الاساسية في الموضوع حيث تحول الى مجرد معلومات واستعلامات تقد م الى المشاهد.. ومن الغريب هو ان جوزيف كوزوت 1945 حصل على اعلى الاوسمة الذهبية والجوائز وشهادت الشرف من مؤسسات حكومية عليا فرنسية ونمساوية وايطالية وامريكية وغيرها..

 

د. كاظم شمهود

 

 

3242 غادة بن عامرفي حديث الجسد.. مسرحة تشكيلية تشكلها عوالم جسدية

الحديث واحد، لكنه يغيّر أرديته في كل مرة. ومهما تغيرت الأحاديث، يبقى الجسد هو الجسد.

حديث.. يتناقل على أعتاب أجساد

صوت وحركات وكثير من المرح

هو جسدي هو مركبتي الورقية  التي تحملني وتحمل أحلامي عاليا حيث الشمس

الجسد  هو السناء والجمال.. هو الفضاء الفسيح الذي تتلألا فيه الزهور والأماني الجميلة

تزهر الحياة كأنشودة حب ويبقى.. حديث الجسد.. نقوش على جدران الروح.

حديث الجسد هو معرض شخصي يعالج موضوع الجسد بشكل مباشر يتضمن سبع وعشرون لوحة عشرين لوحة بتقنية الاكريليك و سبع لوحات تتمثل في صور فوتوغرافية مأخوذة من إحدى عروضي الأدائية، لوحات فنية بمقاسات وأحجام كبيرة وبتقنيات متعددة.

 كل الصور والشخصيات الحاضرة في اللوحات لها مرجعية تراكمت في ذاتي فبدت في لوحاتي زائرة من الذاكرة او من مستقبل لم يحل بعد.131 غادة بن عامر

الجسد بالنسبة لي هو الاداة والموضوع وهو مادة ثرية جدا احاول من خلاله رسم الجسد الانثوي بعيدا عن ثقافة العري ولكن اريد رسم جسد بمفهوم تشكيلي مسرحي. هدفي أن أرسم هذا الكائن المتبدل، المتغيّر، المتجانس والمفكّك والمتشظي في بعض الاحيان. أعمالي تتمحور حول الجسد حيث قمت في السابق بالعديد من التجارب الممارسات التي اتخذت من الجسد مبحثا أساسيا في محاولة مني لمحاورة  المواد و الخامات واختلفت هذه المواد من تجربة الى اخرى فتعاملت خصوصا مع تقنية التغليف بخامة البلاستيك والخيوط  في عروضي الادائية ولكن هنا قمت بعملية تنقية حيث لا مكان ولا مجال في العمل الا للجسد الجسد في صوره المختلفة قد تكون واقعية او متخيلة حلمية او طيفية لذلك الجسد يتخذ في عملي أشكالا متعددة قد تكون واضحة المعالم أو غامضة .. متشظيا كاملا أو لا مكتمل .. عملي على الجسد ينبع من تمردي على نظرة المجتمع و موقفه و ربما ذاكرتي الجسدية ...انها لذة انشائية تتصاعد خطيا وتشكيليا على اللوحة. مشاهد يمكن بأن أوصفها بأنها مشاهد سينوغرافية لتصنع من الأجساد شخصيات ممسرحة حيث أني هنا شبهت نفسي بامراة مسرح في تعاطيا مع الجسد حيث لدي هنا شخوصي الخاصة التي أسيرها وأتصرف بشكلها وموقعها داخل فضاء اللوحة في محاولة مني لتحويل هذه الكائنات المصورة الى حقيقة نابضة بالحياة. وكأني في هذا المعرض وبهذه الاعمال بصدد الكشف عن لقطات من شريط مسرحي وعلى المتلقي أن يحدد ويتخيل مصير هذه الشخوص وهذه الحالات المصورة.

هنا لا مكان سوى للجسد وحالاته المختلفة، هذه الحالات المختلفة من التواصل بين شخوص لوحاتي تشير بدورها إلى حالات حسيّة للبعض منها مرجعية ذاتية وصور ذهنية في ذاكرتي وحالات عايشتها وتأثرت بها وأثرت فيا ـ ولاستعراض هذه الحالات وتبايناتها يتم استعراض الجسد نفسه، من خلال تفاصيل الأجساد، التي قد تظهر كاملة أو البعض منها، تفاصيل تبدو وكأنها توثق لحظة تجلي الجسد، هذه اللحظات هي التي تغيّب بدورها أي وجود للمكان، وبالتالي الزمن.

تتضمن لوحاتي العديد من الألغاز تنتظر من المتلقي فكها والبحث فيها والاقتراب منها خصوصا اني اشتغلت كثيرا على جدلية الحضور والغياب والمرئي ولا مرئي والظهور والتخفي كلها مصطلحات تتطلب من المتفرج التفاعل معها ومحاولة استنطاقها.131 غادة بن عامر 2

كل لوحة لها حديثها وكل لوحة لها أجواءها الخاصة منتقاة من جملة من الافكار التي تطرحها مخيلتي. لوحات تحمل الناظر الى فسحة من الجمال والابداع .

لا نرى في اعمالي مشاهد لامرأة وحيدة أو حزينة، بل مجموعات من النساء تتباين أجسادهن، ويشكلن في النهاية كتلة متداخلة، وكأنهن كائنات خرافية آتية من عالم الأساطير. وحتى عند لوحة تتمثل امرأة بمفردها، تبدو السيطرة من خلال الجسد الذي يشغل مساحة اللوحة بالكامل، وهنا تختفي تفاصيل المكان لصالح الجسد وعالمه، فلا مقاعد أو مناضد، وصولاً إلى المرأة المنشغلة بذاتها عن العالم ــ فلا يوجد عالم خارجها ــ فلا تواجه الآخر، بل فقط تعطي الجميع ظهرها، وهو وضع دلالي في التكوين الفني تشكيلياً أو سينمائياً، فصاحبه لا يهتم، ولا يريد التواصل، لا عن عزلة، بل عن عالم لا يرغبه، ولا يريد التورط فيه، فقط عالمه الذي يحياه "تنقية الجسد"

الحضور المُمسرح للجسد عبر تموضعات مختلفة وهيئات بشرية متنوعة تتداخل الطرق وتتمازج من خلالها الصور ليجد المتلقي نفسه أمام لوحة تشكيلية و كأنها مسرح من الشخوص حاولت من خلالها آن أقدم رؤية واقعية للأشياء ضمن تصورات عفوية حالمة فالتعبير الفني يبقى عملية امتزاج كامل بين الذات والموضوع.

مثلت لوحاتي بعُرس لاجتماع الهيئات الجسدية، إنها مساحة للتأمل والاندماج والانصهار،أشخاص في حركة وهيئات أخرى مستلقية وأخرى تتراقص وتتهافت في مشهد مُمسرح يحول مساحة اللوحة لمسرح نابض،  بأبعاد تشكيلية عن طريق البحث في تجليات هذه الأجساد وأبعادها التعبيرية.131 غادة بن عامر 3

مشاهد يمكن بأن أوصفها بأنها مشاهد سينوغرافية لتصنع من الأجساد شخصيات مُمسرحة حيث أني هنا شبهت نفسي بامرأة مسرح في تعاطيا مع الجسد حيث لدي هنا شخوصي الخاصة التي أسيرها وأتصرف بشكلها وموقعها داخل فضاء اللوحة في محاولة مني لتحويل هذه الكائنات المصورة إلى حقيقة نابضة بالحياة. وكأني في هذا المعرض وبهذه الأعمال بصدد الكشف عن لقطات من شريط مسرحي وعلى المتلقي أن يحدد ويتخيل مصير هذه الشخوص وهذه الحالات المصورة.

إن “ميسزانسان” الجسـد في لوحاتي يعمل كمنارة حدودية فيرصد حدود حضور الشخص تجاه الآخرين حاولت ترجمة الفكرة من خلال الرسم وتحويل رؤيتي إلى حركة، رقصة أو خطوط تنسدل في انسيابية ومرونة وهي خطوط مرسومة بعفوية وشجاعة على قماش اللوحة، خطوط تحضر تناجي هالة الجسد وهالة الألوان الحارة.

مثل حضور الجسد في لوحاتي مسألة أساسية حيث أنه العنصر الحاضر بقوة ليس كمجرد تفصيلة داخل عمل لا بل هو الركيزة في اللوحة والبطل مع كل حكاية كتبتها بفرشاتي، معرضي الشخصي " حديث الجسد" هو حديث وثرثرات باح بها الجسد ورهان تشكيلي إلى أي مدى أصبحت حركة الجسد لغة تعبيرية بدلا من اللغة الشفاهية؟ إلى أي مدى استطاعت هذه الأجساد البوح عبر تعبيريتها ومن خلال هيئاتها التي صورتها.  إنها دعوة للتفكير في الهوية الأنطولوجية التي تقود إلى هويات المسرح الصامت المعاصر وإلى التساؤل عن أنماط الحضور الصامت داخل اللوحة المسندية. إنها الرغبة في العودة إلى المصادر الأصلية للجسد المثير الفعال في صياغة المشهد. في الواقع يتعلق الأمر بالإخراج الفعلي للفضاء وأصل الكلام الجسدي، لإظهار الجسد المتحول/ المتراقص/ المهيكل/ المتشعب على سطح اللوحة.

إننا أمام حديثا و بوحا لونيا، في شتى الحركات و الحالات والهيئات لإبراز مضامين متعددة وتعابير ورؤى مختلفة. هو حديث متنوع متعدد ومتكرر باختلاف، متشابه، متقارب متباعدا يتيح للزائر حرية القراءة والتأويل".

 

د. محمد البندوري

 

كاظم شمهودمن هو القلم؟:

في تراثنا الديني بان الله هو اول من خلق القلم وقال له اكتب فقال له ما اكتب قال له اكتب القدر، اكتب ماهو كائن الى يوم القيامة .. وبالتالي فالقلم كائن حي حسب راي بعض المفسرين منهم الطبري وتفسيره للآية الكريمة (ن والقلم ومايسطرون) . كما ورد في تفسير الميزان للطباطبائي انه يروى عن الامام جعفر الصادق –ع- بان القلم هو ملك من الملائكة .

ومهما كانت التفسيرات والتأويلات فان اهمية القلم تكمن في كونه يقوم في ضبط الحوادث الغائبة عن الانظار والمعاني المستكنة في الضمائر وبه يتيسر للانسان حل المشاكل الاجتماعية وان يستحضر كل ضروب الزمان او بعد المكان، وقيل (قيدوا العلم بالقلم) .

القلم وفرشاة الرسام:

من المعروف جيدا ان الصيني يكتب عادة بفرشاة، فالفرشاة عادية بالنسبة له، كما هي الريشة او القلم بالنسبة لنا، ولهذا فان الرسم الصيني هو امتداد للخط او الكتابة، فمن الممكن لحرف مكتوب جميل ان يتمتع بخصائص الجمال كلها بالنسبة للصيني، وبالتالي فاذا كان شخص يكتب جيدا فسينتج انه يستطيع ان يرسم جيدا ..و من هذا المفهوم قامت مدرسة الكرافيتي في عام 1968 مع حركة الهيب هوب الموسيقية حيث خلطوا في اعمالهم الاشكال مع الحروف باسلوب طفولي بدائي مبسط وحرية مطلقة في الانشاء . وانتشر تأثير هذه الجماعات الى العالم وقد اخذ البعض منهم يرسم على جدران الشوارع وعربات القطارات واشتهر منهم الفنان الفرنسي جون دو بوفيه -1901- . ..3254 خطوط

وهناك عملية يطلق عليها اسم - تسرب الانفعال- وهي تنشطر الى جزئين الاول هو تسرب الاحاسيس والمشاعر من الرسام الى اللوحة عن طريق الفرشة، وتسرب الافكارو المعارف والمشاعر من الكاتب او المثقف الى الورق عن طريق القلم، وبالتالي فان الفنان والمثقف يشتركان في عملية النقل من الداخل الى الخارج او من الذات الى العالم الموضوعي .

وهناك فرق ضئيل بين تسرب الانفعال والتعاطف وكلاهما يعني الاحساس، فاذا نظرنا الى لوحة فنية لرجال في زورق في خطر فاننا بالتأكيد سنتعاطف معهم وحينما نتأمل عملا فنيا نتذوقه سنزج بانفسنا داخل اطار هذا العمل وستتحد مشاعرنا مع مشاعر الفنان، واحيانا لا يحدث ذلك .3253 خطوط

انواع الاقلام:

يذكر ان الاقلام الشريفة في اوربا فجرت الثورات وحجمت الاستبداد وطوعت الحكومات لارادة الشعب فكانت كتابات برناردشو على سبيل المثال قد شقت لافكارها وآرائها الاجتماعية طريقا او اتجاها مضادا للفساد والظلم وكانت تتطابق هذه الآراء مع الثورة الفكرية للفيلسوف النرويجي هنريك ابسن والفيلسوف الامريكي جون ديوي حيث تتجه افكارهم جميعا الى مزيد من الحياة التي يجب ان يحياها الانسان بكرامة وسلام ...

بينما نجد الاقلام العربية على الاغلب لم تكن حرة انما هي اقلام مدفوعة الثمن حيث تزين الانظمة ورجال الساسة واصحاب الفن والادب وتجعل من الفاشل ناجح، والناجح فاشل ويصفها البعض بانها اقلام - مدجنة ومروضة – ويصفها ايضا بانها اعلام واقلام كاذبة ومضللة ومزورة ورخيصة . وهي اقلام منحازة ولا يمكن الثقة بها الا ما رحم ربي .. وبالتالي اصبح الانسان العربي فاقد الثقة بها وتعود على سماع الكذب .

اما الاقلام الكريمة فما اجمل كلماتها عندما تخرج من الاعماق لتعبر عن الوجد وذلك الانسان المحايد الصادق، وما اجملها عندما تخرج من القلب لتفيض حبا وجمالا وريحانا على الجميع، وما اجملها عندما تكون انسانية.3255 خطوط

قالوا في القلم:

قال الشعر المعروف احمد مطر (جس الطبيب خافقي، وقال لي، هل هنا الالم؟ قلت له نعم، فشق بالمشرط جيب معطفي واخرج القلم، هز الطبيب رأسه، ومال وابتسم، وقال لي: ليس سوى قلم، فقلت: لا ياسيدي هذا يد .. وفم، رصاصة.. ودم، وتهم سافرة تمشي على قدم ...)

قال المقفع: القلم بريد القلب يخبر بالخبر وينظر بلا نظر .

قال الجاحظ: الدواة منهل والقلم ماتح والكتاب عطن . (ماتح: يجذب . عطن: يروي) .

قال جالينوس: القلم طبيب المنطق ..

 

د. كاظم شمهود 

 

128 هند بشيرتختبيء هند بشير خلف اقلام ملونة وتشاهد العالم في صمت. تتحرى الامكنة وتجس نبض الوقت بيديها ثم لا تلبث ان تكشف خباياها على الورق. ان الفن عمل يشبه السحر؛ ينظر الى الخارج لكنه يمس الداخل في العمق الخفي من النفس. يستطيع الرائي ان يقرأ بعينيه ما تقوله صورها عن ذلك الوجع المكتوم الذي يشبه عشيّات الوداع حتى وهي ترسم رسوماً تنقلها عن صور صنعتها كاميرا. تنظر مليّاً في تلك الوجوه ثم يتذكر قلمها او ريشتها تلك الغصص البعيدة فتبدأ حكاية سردية بين كل خفقة واخرى. كنت انظر بإمعان الى دواخل شخوصها فتنهال حكايات كثيرة. لقد اعتدتُ، كمشاهد، ان آخذ المسار المعاكس لطريقها، كرسامة، انزل الى الاعماق ثم اصعد واتفحص الرؤى ويتجلى شئ وراء هذا الوجه او هذا الوجد.

127 هند بشير

ذلك الورد المتدلي من نوافذ الذاكرة او تلك الاشجار المتباهية بجمالها تحت شمس الربيع او عقائص الزهر محبوسةً في اواني الزجاج كلها تنطق بالبهجة ذات الحزن الوديع مثل حبات المطر الخريفي لقلب مستوحد. انها رسوم هند بشير يونس العراقية الموصلية الشمالية التي نمت شجرتها في الجنوب حيث كان والدها المحامي يعمل في الناصرية فكان العراق بكل بدنه في ثنايا روحها.128 هند بشير

الفن يشي بالاسرار. وسواء كان نغماً أو شعراً أو رسماً فالروح الكلي يتراءى في ضمير المتلقي. هكذا تبدو رسوم هند بشير بعبق هو خليط من روائح الثقافة الطيبة. قراءاتها ومعارفها. هند اصلاً متخصصة في علوم الاحياء المجهرية بشهادة ماستر أهّلتها للعمل في الجامعة وفي المختبر. هل الرسم غوص في اللامرئي من تفاصيل الاحياء الدقيقة؟129 هند بشير

لقد بدأت موهبة هند مبكرةً حيث كانت ترسم منذ طفولتها ولكن ذاك كانت هبة الله الفطرية. لقد تعلمت الرسم كصياغة فنية منهجية وتقول انها تتعلم بلا انقطاع. لكنها لم تصنع لنفسها ضجيجاً. اصدقاء محدودون يعرفون عن فنها دون معارض ودون لافتات. وحين شاهدت رسومها الاولى حاولت التقصي في فضاء المعلومات لكنني لم اجد شيئاً. يبدو عالمها صموتاً باختيارها.130 هند بشير

عادةً أَستغرقُ في فن الرسم كما أَستغرقُ في الشعر. في زيارتي الاولى لباريس قضيتُ ست عشرة ساعة من يومين في متحف اللوڤر منتشياً بفرح غريب تخالطه سحب كآبة غامضة وانا اجول بين اطياف لا تنتهي من الحلم. كثير من اعمال اللوڤر رسمت لوجوه بشرية بعضها لملوك وأباطرة وأرباب ديانات متقلدين نياشين الابهة واخرى لشحاذين مشحونين بفقر فاضح لا تخفيه عتمة الحجرات الرطبة الباردة. وفي البندقية عند الساحة المواجهة لقبة الكاتدرائية حيث ترتفع جدران البازليكا العالية ينتشر الرسامون المتكسبون من رسم وجوه السواح. كنت اشاهد حركة ايديهم الرشيقة تنقل تفاصيل وجوه تحت الشمس او تحت اضواء المساء. لكنْ ثمةَ فارقٌ بيِّنٌ يميّز رسوم النظر السطحي عن رسوم الغور في الذات. هذا بالضبط ما رغبت في كشفه وانا اتحدث عن رسوم هند بشير.

لهند موقع على الفيس بوك يمكن لمن يستقصي ابعاد فنها ان يزوره ويستمتع بما تعرضه:

https://www.facebook.com/groups/182592435629693

 

رضا الصُخني

 

كاظم شمهودالرسوم المتحركة ورسوم الفكاهه كانت ولازالت من اهم الفنون البصرية التي تتمتع بشعبية واسعة اكثر من غيرها من الفنون التشكيلية اولا لسرعة فهمها من قبل عامة الناس، ثانيا للمتعة التي تغرق بها المشاهد والتي يحتاجها الانسان دائما للفرار من مشاكله اليومية التي تعصف به، يضاف الى ذلك دورها التربوي في عالم الاطفال والشبان.

و كانت قصور الخلفاء العرب والفرس لا تخلو من رواة الفكاهه والسخرية، ويذكر بان احد الاشخاص دخل على العالم الصوفي الحسن البصري (القرن السابع م ) فساله الاخير عن مهنته فاجاب بانه يشتغل في البلاط لاضحاك الخليفة . كما ذكر بان الجاحظ يعتبر من الاوائل في عالم السخرية والهزل وكان جريئا لا يخاف، وفي يوم من الايام قال : انه اذا وردته النكته فسيقولها ولو ادت به في النار ...

تاريخ افلام كارتون

سبق الاوربيون العالم في صناعة الرسوم المتحركة وكانت بداياتها التجريبية عام 1640 على يد الرسام الالماني Athanasius kircher ثم استمرت التجارب بدون انقطاع حتى نجحت اخيرا في صنع الافلام الكارتونية التي نراها اليوم .. وقد بدات بتجارب عملية بسيطة مثل اخذ قرص ورسم على وجهيه صورتين احدهما صورة طائر والثانية صورة قفص وعند تدويره بطريقة وسرعة معينة امام العين فسيشعر المشاهد بان الطائر داخل القفص .

 وكان اول من اخترع هذه التجارب الرسام –جوزيف بلاتي – عام 1832 حيث اخترع جهاز على شكل كارتون دائري عليه مجموعة من الرسوم لحصان مختلفة الحركات، ثم اخذ قرص اخر فيه فتحات، فحرك القرص الاول ونظر من فتحات القرص الثاني، فظهرت الرسوم كانها تتحرك امام العين .2879 كارتون

وفي عام 1834 اخترع الرسام الانكليزي- وليم جورج – شكل اسطواني مفرغ من الداخل (علبة) ورسم في محيطه الداخلي عدد من الرسوم لشكل واحد بحركات مختلفة مثل السير ثم فتح في الشكل الاسطواني عدة فتحات، فحرك الشكل الاسطواني بسرعة دائرية معينة ونظر الى الرسوم من الفتحات فشعر باحساس اتها تتحرك . وهكذا كانت التجارب الاولى لمحاولة صنع الرسوم المتحركة . وقد تعلمنا هذه التجارب العملية عندما كنا صغارا في المدارس الابتدائية ايام زمان .

في عام 1888 كان الرسام الفرنسي Emile Reynaud يعتبره البعض ابو الرسوم المتحركة ومؤسسها الحقيقي وقد شاهدت له فلما وثائقيا قديما حيث استخدم في اول الامر سبورة سوداء، رسم عليها شكلا معينا بالطباشر وحرك احد اجزاءه، وكان في كل حركة جزئية يصورها ثم يمسحها من على السبورة ثم يعيد رسمها بحركة تسلسلية اخرى ويصورها، وهكذا ظهر الشكل امام العين يتحرك .

في عام 1906 ظهر رسام اخر يدعى J.Suart Blacton قام بعدة تجارب استمرارا للرسام الفرنسي Emile وايضا اخذ يرسم ويحرك على السبورة .. وفي عام 1914 ظهر رسام اخر يدعى Winsor Mccay قام برسم صور متحركة ومزجها مع صور حقيقية وبيئة وخلفيات واقعية، وتعتبر تجاربه امتدادا للرسام بلاكتون Blacton .

ثم ظهر من بعدهم الرسام Earl Hurd الذي قام بنقلة نوعية على صعيد صناعة افلام كارتون حيث استخدم لاول مرة طريقة البلاستك الشفاف بحيث يمكن استنسام الاشكال المرسومة على الورق عليها ومن ثم يمكن مشاهدة الخلفية وحركتها، وتعتبر هذه طفرة نوعية في عالم تجارة الافلام المتحركة ..

وفي عام 1917 اجريت تجارب جديدة من قبل الرسام Max Fleischer حيث اخذ افلام واقعية وعرضها على طاولة ثم اخذ يستنسخ الحركات الواقعية ويحولها الى رسوم متحركة ومن هنا بدأت معرفة الحركات ومقدارها الزمني وعدد لقطاتها .. وكانت كل هذه التجارب خالية من الصوت اي صامتة .. وفي عام 1924 بدا الاخوان Fleischer M. صناعة افلام مع صوت .2880 كارتون

والدزني –1901 -1966

ولكن الذي خلق السينما المتحركة التي نعرفها اليوم والتي وصلت الى قمتها الابداعية والخيالية هو والدزني المشهور، فقد بدا يعمل في كراج مع كامرة مؤجرة ثم انشاء استوديو لانتاج الافلام وجلب عدد من الرسامين المهنيين والمتخصصين، وكانت اول انتاجاتهم عبارة قصص قصيرة معروفة لدى ثقافة الاطفال وعلى شكل افلام قصيرة . ولكن والدزني عاد وكرر تجربة fleischer حيث اخذ افلام واقعية وعرضها على طاولة ثم اخذ يستنسخ الحركات الواقعية ويحولها الى رسوم كارتونية. وكان اول انتاج له هو – اليسا في بلد العجائب – وبعدها تطور في الانتاج وبدا يصمم ويخلق شخصيات جديدة مثل الارنب المحضوض وميكي ماوس والبط دونالد وغيرها، وقد سجل والدزني الصوت على حاشية الفلم عام 1928 ونجحت هذه الطريقة نجاحا كبيرا بعدما كانت الاصوات تسجل على اقراص منفصلة . وتوسعت شركة والدزني حتى وصل عدد العاملين فيها الى 800 شخصا وبلغت ارباح هذه الشركة عام 2004 الى 24 مليار دولار . ثم ظهر في الولايات المتحد شخصية اخرى لانتاج افلام كارتون هي هاني باربرا Hanna Barbera واصبح منافسا حقيقيا في الاسواق العالمية لوالدزني وقد سيطر هاني في انتاجه للافلام القصيرة على التلفزيونات بينما والدزني اخذت افلامه تسيطر على قاعات السينمات كونها افلام روائية طويلة .

اما الاتحاد السوفيتي فقد تحولت الى اكبر منتج للافلام في العالم ولكنها كانت افلام عقائدية متطرفة حيث تعمل على نشر فكرها الاشتراكي .و اما اليابان فقد فاقت الجميع في الانتاج والدقة وقد جلبت اليها ملايين البشر وكذلك اشتهرت بالمسلسلات الطويلة التي لا تنتهي، وتحول المخرج الياباني Makoto Shinkai الى اسطورة في العالم . وفي بريطانيا اشتهرة شركة Ardaman Annimations في انتاج الافلام القصيرة مثل فلم Wallace y Gromit .2881 كارتون

افلام كارتون في عالمنا العربي

مصر

يذكر ان الافلام الكارتونية بدأت في مصر عام 1936 على يد الاخوان فرانكل وهما من اصل روسي استقرا في مصر وبدءا بتجاربهما في تحريك الرسوم وكان اول انتاج لهما هو فلم – مشمش افندي – واستمرا في العمل حتى عام 1950 . وعندما ظهر التلفزيون المصري عام 1960 انشأ قسم للرسوم المتحركة ولكن لم ينتج اشياء ذات اهمية ولو انه انتج بعض الافلام مثل مسلسل جحا والف ليلة وليلة، ثم توقف نتيجة للتكاليف الباهضة .. كما قام الاخوان مهيب بتأسيس استوديو للرسوم المتحركة واستوردوا كامرات من الخارج وانتجوا مجموعة من الافلام وحصلوا عليها جوائز ثم انتهت تجاربهم وتوقفت .

وعندما ظهر جهاز الكومبيوتر واستخدام برامج التحريك الحديثة بدات الافلام تظهر في مصر بتحسن وتطور وانتجوا كثير من الافلام المتواضعة .

اما في الخليج فقد قامت مؤسسة الانتاج الخليجي التعاوني بانتاج افلام قصيرة تعليمية مثل - افتح ياسمسم – وغيرها وكان بين هؤلاء المخرجين العراقي ثامر الزبيدي .. ولكنها لم تستمر هذه التجارب وتوقفت . كما ان هناك تجارب ناجحة في الكويت وبلاد المغرب وغيرها .2881 ميكي ماوس

التجارب في العراق

في عام 1971 ظهر اول فلم كارتوني في العراق يدعى لعبة- الركبي الامريكي- للمخرج صاحب حداد وعمل لصالح التلفزيون العراقي وقد اشترك في عمله : بسام فرج، مؤيد نعمة، اديب مكي، عبد الرحيم ياسر، وكاظم شمهود .. وفي عام 1976 قام عامر مزهر بصناعة فلم للدمى المتحركة اسمه – الطياريون الصغار - كما قام كاظم شمهود بعمل فلم للرسوم المتحركة اسمه –البيت الجديد – طوله 3 دقائق . هذه التجارب تعتبر من الخطوات الاولى في صناعة الافلام في العراق وعرضا اكثر من مرة في التلفزيون، ولكن بعد الاحداث المؤلمة التي مر بها العراق ضاعت الافلام واختفت . وفي سنة 1977 قام منصور البكري وعدد اخر من الرسامين بتجارب كارتونية . وفي عام 1980 اشترك عبد الرحيم ياسر ورائد نوري في انتاج فلم كارتوني عن القضية الفلسطينية . وكذلك قام الرسام صادق طعمة بتجارب للدمى والرسوم المتحركة لصالح التلفزيون العراقي .. ولازالت صناعة افلام الرسوم المتحركة في العراق متخلفة ومتوقفة بينما تتمتع شعوب العالم بازدهار وتقدم في حقل هذا الفن الساخر والضاحك .

ان انتاج الرسوم المتحركة مكلفة جدا ويحتاج وقتا طويلا كسنة او سنتين وبكلفة تصل الى ملايين الدولار ومئات الرسامين واحيانا يصل عددهم الى الالاف في المؤسسات العالمية الكبيرة والتي لها فروع في كافة انحاء العالم، ولا تستطيع الاستوديات الصغيرة ان تقف امامها في كثرة الانتاج والابداع .

 اليوم وبعد اختراع جهاز الكمبيوتر ظهرت البرامج المتخصصة في الرسوم المتحركة ولكن هذه البرامج تباع باسعار باهضة جدا، يصل احيانا سعرها الى 9000 و14000 دولار واكثر من ذلك، ومع هذه الاسعار الباهضة الا انه نجد هناك قلة من المتخصصين والمهنيين الذين يتقنون ويعرفون استخدام هذه الاجهزة الحديثة .2878 كاظم شمهود وعامر محسن

 

د. كاظم شمهود

 

 

مشاركات شتى حيث الجسد والوجه في أغلب اللوحات ضمن تعبيرية باذخة عن الأفكار والمشاعر..

لغة تشكيلية تمضي جاهدة تتقصد الإيماءات، للتعبير عن الفرح، الخوف، الغضب، المفاجأة والألم..

من فكرة متحركة تمضي العوالم الى دواخل الدات وشواسعها الجمة حيث لا مجال لغير النظر بعين القلب.. هي الفكرة تجترح تلوينها منذ طفولات عابرة حيق القص والكولاج والتركيب وما الى ذلك من فنون التلويف وفق عنوان لافت وهو اللعب باللون والابتكار ذات طفولة.. تأتي بعد ذلك رغبات الذات في النظر وفق زوايا مختلفة لهذه الذات في تعاطيها المختلف مع الآخرين.. مع العالم..

الوجه بتعبيراته الشتى نشدانا لحالات قوله بين البهجة والسرور والغضب والاحباط وما الى ذلك من شؤون وشجون العواطف والأحاسيس.. والجسد هذا المتحرك في فضاءات تعبيريته تقصدا للعبارة ومشتقاتها في كثير من التبدلات السانحة والمتغيرات الممكنة.

من هنا يبدو الفن عنوان تواصل لقول الذات واقتراح ممكناتها الجمالية تجاه الفضاء والآخر حيث العناوين الجمالية تمنح المتلقي الحيز الكبير من القراءات والفهم والتأويل.. هذه وجهو نظر حيث الفنان ذلك الطفل الذي يحرس لعبه ويحلم بمنح الآخرين عوالم ساحرة يسميها أحيانا الابداع والحنين.. وأحيانا أخرى يراها علبة تلوين.

هكذا نمضي في فسحة الفن بما هو تعبيرية باذخة وعنوان تواصل.. نمضي مع تجربة الفنانة التشكيلية والباحثة سوسن النيغاوي التي ترى الفن وسيلة للتعبير والتواصل من العواطف والأفكار.. حيث الجسد والوجه يمثلان العنصر الأساسي لأغلب اللوحات وهذا الاختيار تحول الى اختيارً شخصيً..3240 سوسن النيغاوي

هي فنانة تلبس بها الفن منذ البدايات حيث الطفولة في عنفوان رغباتها وأحلامها تقول "..أول لوحة لى كانت رسم وجوه مختلفة التعبيرات مباشرة داخل فضاء اللوحة عبر لطخات ولمسات أضعها بطريقة عفوية أو مدروسة لأستخرج ضمنها تركيبة الوجه وتمثلاته للتعبير عن الفرح والخوف والغضب والألم.. وكانت بخامة الأكريليك وشاركت بها فى معرض جماعي في المركز الثقافي والرياضي المنزه 6 في تونس.. بدأت الدخول في عالم الفن التشكيلي منذ الصغر حيث كنت شغوفة كثيرا بالألوان، كنت استمتعُ كثيرا بدفاتر التلوين، كنت أرسم، أقص، ألصق، ألون، وأبتكر عوالم خاصة بي.. بهدف واحد وهو إظهار إبداعاتي الى كل من حولي، هو عمل بسيط ولكنه بالنسبة لي كان عملا عظيما خاصة حين ألصق أعمالي على جدران غرفتي.وكان بداخلي شعورا قويا بأن هناك ارتباطا وثيقا يجمعني باللوحة والألوان، في حين كنتُ من الطالبات المتميزات في مادة التربية الفنية وأنا في المرحلة الابتدائية، وهذا ما دفعني بقوة نحو هذا العالم الذي بات جزءا لا يتجزأ من حياتي اليومية، فالفن هو وسيلة للتعبير والتواصل من العواطف والأفكار. وسعيت لكي اكمل حلمي بالدراسة في مجال الفنون التشكيلية الذي أهواه منذ صغري، وتحصلت على الأستاذية في الفنون التشكيلية اختصاص حفر.من بعدها عملت جاهدة لتنمية موهبتي فأخذت دورة في الرسم والتذهيب على الخشب في المركز الثقافي الإيطالي دانتي أليغييري "Dante Alighieri " تونس، ودورة تدريبية في ورشة عمل الفسيفساء في منوبة، تونس.أول لوحة لى كانت رسم وجوه مختلفة التعبيرات مباشرة داخل فضاء اللوحة عبر لطخات ولمسات أضعها بطريقة عفوية أو مدروسة لأستخرج ضمنها تركيبة الوجه وتمثلاته للتعبير عن الفرح والخوف والغضب والألم.. وكانت بخامة الأكريليك وشاركت بها فى معرض جماعي في المركز الثقافي والرياضي المنزه 6 في تونس. وتتالت بعدها المشاركات حيث شاركت في عديد من المعارض في تونس وخارجها، وكذلك في العديد من الملتقيات الثقافية.بدأ الجسد والوجه يمثلان العنصر الأساسي لأغلب لوحاتي وقد كان هذا الاختيار اختيارًا شخصيًا منذ أن تأثرت ببعض الرسومات التي كنت أطلع عليها في بعض كتب الرسم والذي بحث عن مختلف التقنيات التي أنشئ ضمنها مواضيع مختلفة كصورة الجسد الواقعية والخيالية، أبعاده التشكيلية، تعبيرية الجسد، حركة الجسد، فعل الحركة وحركة الفعل.وفد تأثرت خلال تجربتي الفنية ومنذ أيام الدراسة بالرسام " Francis Bacon" لأن لوحاته تلامس الجسد كعنصر أساسي مستقرًا داخل اللوحة من خلال اتساق المادة اللزجة التي يضعها التشويه العنيف على المحك من خلال هز الجسد وأحيانًا شده إلى أقصى حد، يتضح هذا من خلال مجموعة وفيرة من الانطباعات التي بلغت ذروتها من الشعور بالقبح أو الرهبة إلى الشعور بالاشمئزاز. إن إثارة الإحساس، بالمعنى المزدوج لإثارته واستدعائه، هو في الواقع هدف "فرونسيس بيكون"، لأن الإحساس يقع في صميم عمله بينما يشكل الجسد مركزه.من واقع خبرتي، فإن أفضل طريقة هي التواصل مع الناس. من خلال إظهار عملك، ومن خلال شرحه.. سوف تقنع أكثر، ذلك الي جانب الاجتماعات والمشاركة مع فنانين آخرين والتي ستتيح لك الاقتراب من عوالم أخرى، وبالنسبة لي فان الرسم والتلوين مجال للراحة والبهجة وبمثابة الحالة الفنية للعلاج المرجو من كائنات عوالمنا في شؤون ومشاغل ومتغيرات الحياة اليومية الضاجة بالحركة والسرعة، فإن ممارسة الفن تحول الطاقة السلبية إلى إيجابية ؛وما أحوجنا إلى طاقه إيجابية فى ظل هذا الزمن الصعب المحبط. وتعتبر الذات الإبداعية عند الفنان هى ذاته وخبراته وليس المدرسة التى ينتمى إليها، الفنان يبدع وحسب؛ ثم يقوم الناقد بتسمية الحالة الإبداعية ثم يصنفها لأي مدرسه تكون. أتمنى إقامة معرض شخصى يضم أعمالى وما أنجزته خلال السنوات الماضية، وأتمنى أن تجوب لوحاتى أنحاء العالم..".. هي هكذا ترسم وتحلم وتمضي في تجربتها حيث الجسد والوجه يمثلان العنصر الأساسي لأغلب لوحاتها..

مشاركاتها الفنية والدراسية والثقافية متعددة.. فهي، فنانة وباحثة تشكيلية تونسية، تحصلت على الأستاذية في الفنون التشكيلية اختصاص حفر من المعهد العالي للفنون الجميلة تونس 2006.وتحصلت على ماجستير بحث في التراث والمتحفية من كلية الآداب والفنون والعلوم الإنسانية بمنوبة 2018، حول أيقونات الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في مدينة تونس، جرد، تحليل وتثمين.تواصل حاليا دراستها لإكمال أطروحة الدكتوراه في التاريخ والتراث والآثار.كما شاركت في دورة في الرسم والتذهيب على الخشب في المركز الثقافي الإيطالي دانتي أليغييري "Dante Alighieri " تونس، ودورة تدريبية في ورشة عمل الفسيفساء في منوبة، تونس.شاركت عام 2018 في ورشة العمل التي نظمتها شبكة البحث "Re-Configurations" في برلين، ألمانيا لاكتشاف عن قرب البرامج التعليمية المطبقة في المتاحف وأماكن الذاكرة في برلين. كانت منذ صغرها شغوفة بالرسم، وقد اختارت التعبير الجسدي لإظهار أفكارها ومشاعرها من خلال لغة الجسد والوجه والإيماءات، للتعبير عن الفرح والخوف والغضب، المفاجأة، الألم..بدأت حياتها المهنية عام 2010 بالمشاركة في صالون الصناعات التقليدية في تونس، والمشاركة في معرض جماعي في المركز الثقافي والرياضي المنزه 6 في تونس.شاركت في عديد من المعارض في تونس وخارجها، وكذلك في العديد من الملتقيات الثقافية، ومن أهمه:من 12 إلى 22 نوفمبر 2014 المشاركة في التظاهرة الفنية شجرة الزيتون والتراث غير المادي"هذه ليست بطاقة بريدية 3" بمتحف : سوسة، قرطاج وباردو.مارس 2017 - المشاركة في معرض أمي عطر الربيع - لبنان طرابلس.جويلية 2018 - المشاركة في معرض بصمات ابداعية - مجمع الضنية للرعاية والتنمية - سير الضنية - لبنان.أفريل 2019 - المشاركة في المعرض السنوي لنقابة مهن الفنون التشكيلية - مدينة الثقافة - تونس.بين 12 و26 ديسمبر 2020 المشاركة في الصالون الوطني للفنون التشكيلية في دورته الرابعة بدار الثقافة الشيخ ادريس “المنّوبي بوصندل”.25 ديسمبر 2020 المشاركة في الدورة الرابعة للصالون الدولي للفن المعاصر في طنجة المغرب تحت عنوان "أمل".لديها تجارب كمدرسة في الفنون اتشكيلية والرسم والتعبير الجرافيكي والنقش والرسم على الخشب.. مع مدارس الفنون الخاصة، وفي المنزل.هي ناشطة في مختبر "الأقاليم والموارد التراثية في تونس".وهي عضو فريق البحث الذي يعمل على مشروع: مساحة التعايش الحضري "سلالم كرم الزيتون، بيروت وسلالم كرسي الصلاح، سيدي بوسعيد"، بالتعاون بين الوكالة الجامعية للفرنكوفونية، مختبر "الأقاليم والموارد التراثية في تونس وجامعة القديس يوسف (بيروت لبنان)، 2018-2021. وهي المنسقة، من بين ثلاثة فنانين، للنسخة السنوية الثانية لعام 2020 لمعرض المواهب الشابة داخل نقابة مهن الفنون التشكيلية.هي المنسَقة المساعدة لإقامة معرض وثائقي حول احياء مئوية بعث أول نواة شيوعية بالبلاد التونسية (مارس 1921 -مارس 2021) بالتعاون بين مخبر الجهات والموارد التراثية بالبلاد التونسية ومكتب التعاون الأكاديمي لمؤسسة روزا لوكسمبورغ، أيام 26 و27 و28 مارس 2021. وتعد الآن لمعرضها الشخصي برواق للفنون بالعاصمة..

هكذا هي لعبة التلوين والنظر والقول الفني لسوسن النيغاوي التي تتقصد الذهاب عميقا في دروب الفن حيث التلوين مجال سفر لأجل الذات وما تنعم به من شؤون الحلم وشجونه نحتا لعناوين شتى وأمنيات هي بحجم طفولتها المقيمة فيها الى الآن..

 

شمس الدين العوني

 

 

 

فسحة جمالية من عالم الموزاييك الفاتن والشاق والممتع والصعب والبديع وفق عناوين شتى ذات دلالات فائقة منها " تواصل " و" تشابك " و" السالب /الموجب " و" تمركز لولبي " و" تعاكس " و" تمركز" ...

المعرض للخروج عن المعتاد / المألوف في فن الفسيفساء من خلال تنويعات على مستوى المواد وطرق الانجاز والاخراج..

حوار بصري حياكي فضائي لا مسبوق سواء بالإبصار أو حتى اللمس ،يهدف لشد المتقبل في تفاعل مباشر..

في هذا السفر المفتوح على العوالم تخير الكائن ذهابه نحو الأقاصي ينحت دربه مثل مياه النهر تنحت مجاريها في الصخر..هكذا هي الرحلة بعطور الفن النادرة ..الفن كمجال للنظر واللمس والحلم بفكرة الجمال في هذه الأكوان..

من فكرة الحجر القديمة كانت الرحلة حيث الكائن يمضي مع سؤاله وهو يبحث في الآفاق عن صوته اذ لا مجال لغير النشيد والقول بالعذوبة ازمنة اليباب..ثمة بهاء كامن في الروح وبوح ونظر وأنامل تكتب سيرتها...سيرة الأجداد ..

2866 نسرين غربي

الفن في ضفافه المتعددة ياخذ الكائن طوعا وكرها الى ينابيعه يمنحه رفعة الاكتشاف والكشف والاطلاع ليغدو كائنا بجمال العناصر وألق الأشياء وسحر التفاصيل..هي فسحة باذخة تؤول الى شعرية لا تضاهى..هي ما خلفته الانامل وما يتركه الطفل في غفوته من الأحلام..

من دروب الفن جهات تعلي من شأن الحجر ونشيده ..تصغي الى نبضه في هذا الضجيج الكوني العالي..تمنحه العبارة في القها وتشكو اليه شجونها وشؤونها..قال الشاعرالعراقي  عبد الوهاب البياتي في عنونة ديوانه ذات شعر..كنت أشكو الى الحجر..نعم هي لعبة البوح حيث الحجر يصغي بلطف للكائن ولأسراب الطيور ولمياه النهر...و للفنان وهو يبثه شيئا من تداعياته وأمله وألمه..

هكذا نمضي مع عوالم تجربة فنية تشكيلية تسافر في هذه الدروب مفعمة بالغناء وقد تخيرت الانصات الى الحجر بل الى نبضه في كثير من الدأب الجمالي..الفنانة نسرين الغربي تقتحم هذه المجالات بحواس فنان ماهر وبفطنة بستاني وبجمال المعاني عند شاعر باذخ..فسحة جمالية من عالم الموزاييك الفاتن والشاق والممتع والصعب والبديع وفق عناوين شتى ذات دلالات فائقة منها " تواصل " و" تشابك " و" السالب /الموجب " و" تمركز لولبي " و" تعاكس " و" تمركز" ...نسرين الغربي في معرضها الخاص " نبض الحجر " تلعب لعبتها المثلى مع العناصر في صبر وعناد جميلين يحيلان الى مشهدية راىقة النظر حيث المساحة للعمل الفني ورشة تعتمل فيها رشاقة ذائقتها الفنية والجمالية ..لعبة البهاء والجمال بإستعمال خامات صلبة  صمّاء تنوعت بين الحجر والرخام والبلور والقرانيت ....لعبة هي بمثابة لعبة الأطفال في براءاتهم الأولى..

معرض مميز من حيث الفكرة والتقنية ومجالات الابتكار فاللعب على الأبعاد والخروج عن المعتاد في التعاطي مع هذا الفن الفسيفساء الذي تعوده الناس بشكله المعروف..

نسرين عمقت فكرة اللعب الفسيفسائي حيث التلقي والقراءة والتقبل بشكل مختلف كما أن المتقبل هذه المرة للأعمال يسافر مع مناخاتها وكأنه يحلق مع الكواكب في الفضاء أو أنه يتوغل في أمكنة أخرى من الأرض .. هي المغامرة حيث الفنانة نسرين الغربي  الباحثة المتأملة تحاول وتحاور ذاتها في نظر يشبه النظر لأمواج  البحر والكواكب في مسحة فنية فيها  الحركة بألوان وأحوال التجريدية .. والايحاء بالتشخيص أيضا..

معرض فني رائق احتضنه رواق المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس في الفترة من 16 الى 23 من سبتمبر المنقضي ..نسرين الغربي باحثة وفنانة تشكيلية متحصلة على دكتوراه في علوم وتقنيات الفنون متخصّصة في فن الفسيفساء وقد شاركت في عديد التظاهرات والمعارض الفنية الجماعية نذكر منها المشاركة في جائزة الشارقة للصورة العربية في نسختها الخامسة ،و صالون الجنوب الثالث بالأقصر،و ملتقى الفسيفساء ببرج القلال ... والمهرجـانات الـدولية للفـنون التشكيلية بالمنستير والجم وغيرها ،نشرت لها عديد المقالات العـلمية في مجلات محـكمة ومتحصله على عدة جوائز ،عـضوه وناشطة فـي العـديد مـن الجمعيـات الفـنية والـثقافية، الـوطنية والعالمية.يضّمُ هذا المعرض زهاء العشرين من الألواح الفسيفسائية متعددة القياسات انجزت بتقنيات مختلفة .. فيها استثمار المحيط  الطبيعي الذي يزخر بخامات مطردة التنوع.كانت بمثابة المكونات الأساسية لهذه المنجزات الفسيفسائية التي تواشجت فيما بينها محدثة انساقا وايقاعات  تتداخل وتتشابك فيها مختلف الوحدات الفسيفسائية تجسمت منها تراكيب اسـتدعـت مفاهـيم التكرار والـتقابل والتفتت والاختراق  كلها تتقابل في ديناميكية من حيث الشكل اوالمضمون في تواصل بصري حياكي صلب اللوح ذاته أو حتى حوار ثنائي تفصله الفضاءات والمسافات وتربطه الحياكات ، في استنطاق للحجر الاصمّ وتطويعه لينبض بخفايا التشكيل الفسيفسائي عبر تناولات تركيبية تتباين بين التجريد والايحاء بالتشخيص بإستعمال خامات صلبة  صمّاء تنوعت بين الحجر والرخام والبلور والقرانيت ...حوامل احتضنت مقاربات فسيفسائية تمردت أحيانا على سطحياتها لتعانق الفضاء المشترك بينها وبين المتلقي فتدعوه إلى حوار بصري حياكي فضائي لا مسبوق سواء بالإبصار أو حتى اللمس ،الهدف منها شد المتقبل في تفاعل مباشر فاتحة له المجال كي يغوص في غمارها ويتحاور معها في جدال بصري لغـته الـحـيـاكـات ومعانـيـه الألـوان قد تستحوذ على ابعاده عدة تأويلات ودلالات discours polysémique.

حياكات تخفي حكايات ،ترويها مشاهد مستنبطة من واقع مرئي يراوح بين البحث عن المعنى إلى حد التشخيص وبين اختفائه في غياهب الحجارة لحد التجريد الذي يحاول إستنطاق نبض الحجر ،حجر وإن بدا أصما ،فمن الحجارة ما يتفجر منه الأنهار ،أنهار المعاني والدلالات والإيحاءات التي طوعتها الأنامل فتداخلت الألوان والفوريقات الضوئية بين ثنايا الجزئيات الفسيفسائية في تراصيف تنوعت بين التثبيت المباشر والغير مباشر محدثة تفاوتا في درجات البروز حسب وِضْعات تراوحت بين الأفقي والمائل والعمودي ...هذه التراصيف والوضعات وان اختلفت مصادر استلهامها الا انها تحاول في كثير منها ان تخرج من بعدها المسطح من خلال التلاعب  بمستويات ارتفاعاتها ما من شانه ان يخلق بؤرا يسكنها الظل في تضاد وتباين مع بقية المساحات المضاءة والتي بدورها تتفاعل مع التدرجات اللونية والخطية  الموظفة القائمة على مفهوم الجزئية اي انها تتكاثف احيانا وتتفرق احيانا اخرى في نهاية الامر ستستقر في تالف وتجتمع مع غيرها من الجزئيات لتمثل الكل ...هذا الكل  وان  اختلفت جزيئياته في تجميع هجين بين مادتي الحجر والبلور الا انها تتصف بنفس الصلابة  جعلت من هذه الفسيفسائيات أرضية تستدعي النظر إليها والتفكير فيها للبحث عن منطق في التزاوج والاجتماع والتي بدورها حققت بعدا حركيا كان حاضرا في مستوى الشكل والمضمون  والتاثير على اسقرارها البصري وكسر الجمود من خلال بعض الاسطح المنظمة بمفردات التجريد الهندسي او بتحريك الاطار الى ثلاثي الابعاد وهذا من شانه يعمل على تقاسم جل الاعمال لمفهوم الحركة باسلوب تجريدي غير صريح في نفس الوقت تحافظ على روح الفسيفساء وابعاده الجمالية ...اجمالا يعمل هذا المعرض على الخروج عن المعتاد / المألوف في فن الفسيفساء من خلال تنويعات على مستوى المواد وطرق الانجاز والاخراج لكسر الحدود النمطية الفسيفسائية الكلاسيكية وتقديمها في أشكال تنشد الجِدّة والطرافة  ...

معرض وتجربة وذهاب فسيح ممتع رائق في متاهات من البحث والتجريب والابتكار ضمن عالم الفن..الفن التشكيلي الذي يبرز هنا ضربا من تخير الفنانة الغربي..تخير الجديد والمبتكر والاصعب...أليس الابداع الفني ذهاب في الطق غير المطمئنة..

 

شمس الدين العوني

 

علاء اللاميكتبت إيناس خنسة: "عام 879 قبل الميلاد، في الاحتفال بتأسيس مدينة نمرود (سأوضح موضوع كلمة "نمرود" ومن أين جاءت في نهاية المنشور.ع.ل)، كعاصمة للإمبراطور الآشوري آشور ناصر بال الثاني، أقيمت وليمة ذاع لها صيت أقرب للعجب. حيث عثر على نقش ملكي يسجّل لهذا الحدث في القصر الشمالي الغربي هناك، ويتضح منه أن هذا الحفل الضخم دعي إليه 69.547 ضيفاً؛ أكلوا وشربوا ما مجموعه: 2000 من الثيران والعجول، و16 ألف من الأغنام والماعز، و10 آلاف حمامة، و10 آلاف قارورة جلدية من الخمر، تناولوها على مدار 10 أيام.  ومن مدينة نينوى بالعراق، توضح النقوش الأثرية موكباً من الخدم يجلب الطعام لمأدبة الملك الآشوري سنحاريب (705/704 - 681 قبل الميلاد)، يحملون عناقيد "عُذوقا" من التمر الطازج، وأكواماً من الرّمان والتفّاح وعناقيد العنب/ من مقالة بعنوان "ولائم أسطورية على أرض الرافدين"*. ومن كتاب "من سومر إلى التوراة" للباحث الراحل د. فاضل عبد الواحد، أقتبس لكم الفقرات المختصرة التالية من مسلة الملك الآشوري المذكور، حول الحدث نفسه: "عندما رعاني السيد العظيم آشور بأنظاره وبانت للعيان قوتي بأمره المقدس.. أخذت على عاتقي تجديد مدينة كلخو، فبعد أن أزلت الأنقاض من ذلك التل القديم، ابتدأت بالحفر وصولا إلى مستوى الماء. ومن مستوى الماء حتى القمة كانت المسافة 120 صفا من الآجر. أقمتُ قصرا من خشب البقس والتوت والأرز والفستق والطرفاء والحور... حفرتُ قناة من نهر الزاب الأعلى قاطعة الجبل عند قمته وسميتها "فاتحة الخير" (Patti hegalli)  - لاحظ القرب الصوتي لملفوظ العبارة "باتي حيقالي" مع العربية الحية، فالكلمة الأولى تلفظ "بالباء البابلية المثلثة "P" ، والتي تلفظ فاء، ليكون فاتي هي فاتح أو فاتحة، وحيقالي حق أو خير كصفة ع.ل- ، وسقيتُ المروج على ضفاف نهر دجلة وزرعتها بجنائن من كل صنوف أشجار الفاكهة... أما المدن التي أصابها الخراب في أيام آبائي فقد جعلتها مأهولة بالسكان ثانية إذ أنزلتُ فيها أعدادا من الناس لا تحصى...ولقد جمعت قطعانا من الثيران والأسود والنعام والحُمر (ذكورا وإناثا) وجعلتها تتكاثر وأضفت إلى بلاد آشور مزيدا من الأرض". ويضيف الباحث د.عبد الواحد "وقد يُظَن أن في بعض الأرقام التي ذكرها الملك الآشوري شيء من المبالغة، ولكن هذا الشك سرعان ما يتبدد عندما نعرف أن عدد الذين شملتهم الدعوة في تلك المناسبة بلغ 69547 شخصا، منهم 16000 شخصا من أهالي العاصمة كالح نفسها، و1500 من موظفي القصر الملكي، أما البقية وعددهم 52074 شخصا فكانوا ضيوفا من كافة المقاطعات والأقاليم الصديقة والتابعة للإمبراطورية الآشورية. ص 78 / من سومر إلى التوراة".

3238 ashornasir bal* بخصوص تسمية النمرود التي أطلقت على مدينة كالخو / كلح، وعلى الملك الذي بناها، ذكرته التوراة فقط، ولا وجود لاسم نمرود في التراث الرافداني القديم وهو بعشرات الآلاف من الألواح الطينية المسمارية والتماثيل والجداريات، بل أطلقته التوراة على ملك يحمل هذا الاسم، وقالت إنه ملك شنعار الذي تحدى الله وقتلته ذبابة دخلت في أنفه. وكلمة "شنعار" يفسرها بعض الباحثين على أنها تعني بلاد سومر، ثم أطلقت على مدينة كالح أو كالخ، واسم نمرود التوراتي لا أصل له في كل المدونات الرافدانية - كما قلنا - لا كملك ولا كمدينة ولا كجبل، وتُنَسِّبه التوراة فتقول إن "نمرود هو ابن كوش، حفيد حام، وابن حفيد نوح. وهذا كلام لا يعول عليه تأريخيا، فهو يجعل الملك الآشوري وربما الآشوريين كلهم من نسل حام وليسوا ساميين بمصطلحات التوراة، وهناك خرافات توراتية كثيرة مماثلة في الأنساب من قبيل اعتبارها العيلاميين من الساميين وهم لا علاقة لهم بهم ولا بلغتهم، أما الكنعانيون - سكان فلسطين القديمة الأصليون - فتعتبرهم من الحاميين بقصد جعلهم غرباء عن وطنهم، وفي علم الأعراق والأجناس البشرية "الإثنولوجيا" الحديث يعتبر هذا الكلام التوراتي خاطئا تماما وتخليطا لا معنى له.

ومن الجدير بالذكر أن اسم النمرود أطلق على أكثر من مكان في العصور اللاحقة فهناك "جبل نمرود في جنوب شرق تركيا ، على بعد 40 كيلومتراً إلى الشمال من كاهتا بالقرب من أديامان ، ويبلغ ارتفاعه 2206 متراً. وهذا الموقع الأثري ينسب لأفروديسيس. يرجع تاريخ معبد أفروديت هناك إلى القرن الثالث قبل الميلاد ، وتم بناء المدينة في القرن الثاني قبل الميلاد".

وفي السياق، فلم يرد ذكر "النمرود" في القرآن، ولكن وردت قصة ملك جبار عنيد لم يُذكر اسمه، ولكن بعض المفسرين المسلمين القدماء، المطلعين على السردية التوراتية والذين أخذوا عنها ضمن ماعرف بـ "الإسرائيليات" هذه المعلومة، أعتبروا أنه هو النمرود، ومن ذلك قول الطبري "إن بناء برج بابل بواسطة النمرود هي سبب لعنة الله التي انشأت اللغات المختلفة". وهذا التفسير التوراتي كشفت العلوم الحديثة " الآثارية واللغوية والإناسية" خطأهُ لأنه يفسر كلمة بابل بلعنة بَلْبَلَةِ الألسن واللغات بعد أن تكاثر البشر، أما التفسير الصحيح لاسم بابل فهو باب أيل أي باب الإله أيل، كبير الآله القديمة وورد الاسم في أحد النقوش الرافدانية كالآتي («إيل كوني أرش» الذي يعني «إيل مكوِّن/ خالق الأرض»، وكوني أي كوَّنَ، أو مُكَوِّن، وأرش أو أرص، هي أرض باللغة العربية الحية، هنا نلاحظ شدة قرب اللغة الأكدية القديمة من شقيقتها العربية الحية.

 

علاء اللامي

......................................

الصورة: لوح آشور ناصربال الثاني، وهو عبارة عن مَسَلة ضَخمة من الحجر الجيري تُصَور المَلك واقفا وبيده صولجان الإمبراطورية وباقة من الزهور أو الثمار وقد دونت عليه إنجازاته.

 

 

كاظم شمهودقد يقول قائل او يتسائل فرد هل ان نشاطات الفنانين وعرض اعمالهم تقتصر على الكاليريات والمتاحف وقاعات العرض الثقافية ام ان هناك مكانات اخرى منسية تقف فيها اعمالهم شامخة تسجل حضورا ابديا خالدا. نعم هي تلك المقابر الاوربية التي تحولت الى متاحف ومكانات عرض لاعمال الفنانين في الهواء الطلق ومباشرة مع الجمهور.. وهذه الاعمال الجنائزية تمثل الفكر الديني الذي يعتقد به اصحاب القبور من الموتى والذين بعضهم اكثر قربا الى الله والبعض الاخر اكثر بعدا عنه.. وتنتصب على هذه القبور قطع من الحجر تمثل الملائكة والصلبان والاشكال الاسطورية حيث لازالت هذه الصخور مغروزة في مكانها منذ عدة عقود ولها قدرة كبيرة لتحريك عواطف الزوار... في بعض البلدان الاوربية نجد ان مقابر الموتى قد تحولت الى مناطق سياحية حيث يأمها كثير من الناس والسواح، لا لاجل قراءة الفاتحة والترحم على الموتى وانما للتمتع بمناظرها وما تحويه من عمارة ومنحوتات واشكال اسطورية ورموزية تشير الى عالم الموتى او عالم الآخرة... كما هو الحال في مقابر الفراعنة حيث يزورها سنويا ملايين الناس لقراءة تاريخ تلك الامم السابقة والعودة بالذاكرة الى الماضي السحيق من خلال التامل في رسوم الجدران والمنحوتات البارزة والمجسمة التي يمثل بعضها الفراعنة وعوائلهم..و في الحقيقة ان الفن المصري هو فن مقابر، فالاهرامات في حد ذاتها معبرة عن المقابر بشكل كامل، وتكسب جلالها العظيم من حجمها الهائل، وهي لا تشبع الحساسية الفنية بشكل كامل، فهي ليس الا شكلا هندسيا عظيم الحجم..2852 عشاق طرويل

في بلاد الرافدين كانت ارض سومر تعتبر ارض مقدسة، حيث يذكر علماء الاثار والمؤرخين بان مدينة اريدو السومرية كانت اول مدينة نزلت فيها الالوهية وان أدم (ابوليم) نزل فيها، كما تعتبر اول مدينة حضارية في العالم. ويذكر العلماء بانهم لم يعثروا على قبور الملوك الاشوريين في بلاد اشور ومن المرجح انها كانت تدفن في ارض سومر.

ومن الشواهد الحية التي تشير الى عالم دفن الموتى في ارض سومر هي مقبرة وادي السلام في مدينة النجف الاشرف التي تعتبر اكبر مقبرة في العالم وقد ادرجت اليوم ضمن لائحة الاثار العالمية التي تقع تحت رعاية منظمة اليونسكو. ويرقد في هذه المقبرة ملايين البشر منهم عدد كبير من الانبياء والمصلحين والائمة والعلماء والملوك وعامة الناس.. ومنذ استشهاد الامام علي ـ ع ـ سنة 40 هجرية(القرن السابع ميلادي) بدأ الناس يدفنون موتاهم في هذه الارض المباركة.. وقد ورد في احد زيارات الامام علي ـ ع ـ (سلام على ضجيعيك ادم ونوح).2854 مقبرة ـ جيرونا

و في مقاطعة كاتالونية الاسبانية يوجد ـ 9 ـ مقابر جماعية واحدة منها في خيرونا ـ Girona ـ والتي تعتبر من اجمل المقابر في ارض كاتالونية. ويعود تاريخ تشييدها الى نهاية القرن التاسع عشر من قبل عدد من النبلاء والتجار والشخصيات المرموقة في المدينة، وقد سجلت هذه المقابر ضمن الاماكن السياحية في اوربا. فيها كنيسة تعود الى القرن السادس عشر لها طراز روماني مسيحي. وقد كلف هؤلاء النبلاء عدد من ابرز النحاتين في المدينة لعمل منحوتات وزخارف واشكال متنوعة لتزيين القبور وممراتها... وعندما يتجول الزائر بين القبور يشعر كانه في زيارة لمتحف فني يحوي على مختلف الانصاب من اعمدة واقواس مزخرفة واشكال ملائكة واشكال اسطورية وقد نفذت باساليب مختلفة ويطغي عليها الطابع الواقعي.. فالواقعية التي نشاهدها في التماثيل هي في نهاية الامر تمثل العنصر الوحيد الذي يخلو من الاستعلاء وان حقيقة نهاية الانسان هي في هذه الحفر. وفي تراثنا الديني حث على زيارة القبور وذلك للتذكير بمصير الانسان النهائي وكسر كبرياءه وتعاليه وبرجوازيته... وتشاهد هذه التماثيل منتصبة كانها تقف حارسة على صاحب القبر وبحركة عاطفية وصلوات ربانية روحانية.. احيانا تشعر بالبهجة وانت تتطلع على اعمال فنية رائعة في معالجاتها التقنوية وخلفياتها الفكرية والروحانية كما تشعر بالسرور عندما تجد ان القبور محاطة بالزهور والحدائق واحيانا تسمع موسيقى وتراتيل دينية... عكس المقابر في بلداننا عندما تدخلها تسمع النحيب والبكاء في كل مكان وربما تنسحب اليهم وتتعاطف وتنزل دموعك. ويضاف الى ذلك انه من الصعب احيانا ان تصل الى قبر احد الاقارب لازدحامها وركوب بعضها فوق بعض.. ؟2855 طرويل

اشهر المقابر في اوربا:

تعتبر مقبرة بيرلاشيز في باريس اكثر المقابر زيارة في العالم وتعود الى القرون الماضية ويرقد فيها عدد كبير من عظماء فرنسا من ملوك ونبلاء ورجال ادب وفن ومسرح مثل الكاتب الكبير والعظيم ـ اوسكار وايلد ـ ومنهم ملك فرنسا السابق فيليكس فور والكاتب البلجيكي جورج رودنباخ. وكاتب المسرحيات جان بابتيست بوكلن وسيد البيانو المنفرد شوبان والمغني الاسطوري جيم موريسون وغيرهم.. وفي بلجيكا توجد هناك مقبرة لاكن في بروكسل وهي المقبرة الرئيسية في بلجيكا وتضم شخصيات بارزة مشهورة في العلوم والادب والفن وكذلك تحتوي على المقبرة الملكية.

 الكاتدرائيات

اصبحت الكنائس والكاتدرائيات المسيحية اليوم قبلة للزوار والسواح حيث تعتبر كنز للفنون التشكيلية، وفيها قطع فنية روحانية كانها نازلة من السماء، فالكنيسة ليست مجرد بناء من الحجر وانما هي بتعبير الاستاذ وورينجر المدهش (وحي هابط من السماء في شكل حجر) وبالاضافة الى وظيفتها العبادية فهي تحتوي على قبور عدد من الشخصيات الدينية ورجال الاشراف والنبلاء وغيرهم، وتشكل هذه القبور اجنحة تحيط بالمعبد من الداخل، ويرى فيها كثرة المنحوتات والصور الدينية التي تعبر عن الفكر المسيحي الديني، كما يلاحظ ان فوق القبر غطاء على شكل منحوت مضطجع يمثل الشخص الميت، وهي تشبه بالضبط طريقة قبور الفراعنة وتغطيتها باغطية مزخرفة ومنحوتات تمثل صاحب القبر.

DCIM\100GOPRO\GOPR2593.JPG

في مدينة طرويل الاسبانية truel ـ توجد كنيسة اسمها سان بدرو فيها قبر يدعى ـ عشاق طرويل ـ los amantes de Teruel له حكاية طريفة عاطفية تعود الى القرن الثالث عشر. تقول الحكاية : ان شاب يدعى خوان مارتينيث عشق فتاة تدعى ايزابيل دي ساغورا، وكانت الفتاة من عائلة غنية بينما الشاب كان من عائلة فقيرة وتواعدا بالزواج وقرر الشاب ان يبحث عن عمل ويجمع مقدارا من الاموال للزواج مهما كانت الظروف. فغاب عنها خمسة سنوات ثم رجع اليها. ولكن وجدها متزوجة من رجل غني بامر من والدها. ولما علم بذلك تسلل الى غرفتها ليلا على غفلة من اهلها، وطلب منها ان تقبله لانه يكاد ان يموت فرفضت، احتراما لقانون الزواج وخوفا من زوجها ثم كرر قوله لها بانه لا يتحمل وانه سيموت، فرفضت فسقط ميتا تحت رجليها... بعد ذلك حملوا الشاب الى اهله وفي اثناء الدفن خرجت الفتاة اليه مذعورة وكشفت التابوت وقبلته قبلة طويلة... وعندما ارادوا ازاحتها منه وجدوها ميتة.. زرت الكنيسة وشاهدت قبرين متلاصقين وعليهما تمثالين متعانقي اليدين.. واليوم يحتفل شباب اهل المدينة بعقد قرانهم في نهاية الشهر الثاني من كل سنة تذكيرا بعشاق طرويل... (طرويل اسم لقبيلة بربرية مسلمة حكمت المدينة ايام دولة الاندلس، وتبعد عن مدريد حوالي 300 كم) 2853 منحوت منصوب على قبر

 

د. كاظم شمهود

 

 3230 فن المجانينفي عام 1922 صدر كتاب في المانيا يعتبر واحدا من اكثر الكتب النارية جدلا وغرابة ودهشة في الفن الحديث عنوانه: فن المجانيين، سريالية وجنون. المؤلف شاب الماني يدعى هانس برينثون Hans Prinzhon درس تاريخ الفن والفلسفة في فينا ثم درس علم النفس وجراحة الطب. يضاف الى ذلك كان شاعرا وموسيقيا. ولد في مدينة وستفاليا Westfalia عام 1886 وتوفى مبكرا عام 1933.

 el arte de los enfermos mentales surrealismo y locura- -

يقول الشاعر الفرنسي باول ايوارد 1895 عن هذا الكتاب (انه الكتاب المصور الاكثر جمالا في العالم). ويعتبر الكتاب احد المصادر السرية والخفية للفنانين الطلائعيين الاوربيين وكان سببا في ظهور ونمو كثير من الحركات الفنية التقدمية مثل – الفن الوحشي – والفن الذهني – والمدرسة السريالية – والدادائية – وغيرها، وقد تأثر به كثير من الفنانيين الحديثين مثل بول كلي ودالي وبيكاسو ودوبوفيه وتابيس وماركس ارنس وشاجال وكاندنسكي، وفرانس بيكون وغيرهم.

الكتاب يحتوي على 5000 عملا فنيا تعود الى 500 شخص مختل العقل (مجنون) ويعتبر بالنسبة للسرياليين بمثابة الكتاب المقدس. ويذكر ان السبب الذي دفع هانس الى تأليف هذا المنجز الفني القدير هو اولا، ضرورة معرفة خاصية التعبير لدى هؤلاء مختلي العقول، ثانيا، الغريزة الفطرية كيف تلعب، ثالثا، نسبية عقل المريض، رابعا، معرفة الرموز التي يمستخدمها هؤلاء المجانيين في عملية الرسم. وقد نجح هانس في احداث رجة في صفوف الفنانيين الطلائعيين بقوة غير مألوفة، وكذلك في المشهد الفني الاوربي في الثلث الاول من القرن العشرين.3231 فن المجانين

و يذكر ان هذه الاعمال التي ظهرت في الكتاب هي عينة مختارة وان اصحابها رسموها اعتمادا على العقل الباطني وما اختزنه من معارف سابقة وما ورثه من ماضي الاجداد. وبالتالي فانها اعمال ثقافية، لها قوة تعبيرية ومضمون لا تختلف احيانا عن بعض الاعمال الفنية لكبار الفنانين المعاصرين المعروفين.

والرمزية احد العناصر التي يستخدمها المجانيين والتي نراها كثيرا في الاحلام او في خدع الخيال، وتنطلق السريالية من ذلك الفرع من علم النفس الحديث، وهي تجهد بصورة واعية لكي تخلق رموزا حية. مثل اعمال ماكس ارنست.

 ويذكر بعض علماء النفس ان الاتجاه الى الرمزية هو نوع من تفكك الذهن او العقل وتحلله هذا التحلل يعتبر مظهرا من مظاهر الرمزية، وان الفنان سواء كان شاعرا او صوفيا او مصورا لا يبحث عن رمز لما هو واضح وقادر على ان يفسر تفسيرا منطقيا. وانه يتبين ان الحياة والحياة العقلية بشكل خاص توجد في شكلين، اولهما محدد ذو تفاصيل وشكل خارجي واضح، والثاني هو ربما الجانب الاكبر من الحياة، خفي وغامض لا وضوح فيه. كما يذكر البعض بان الكائن البشري كجبل الثلج لا يطفوا منه الا جزءا صغيرا فوق الماء، والانسان يحاول ان يكتشف بعضا من ابعاد وجوده الخفي وخصائصه لهذا فهو يلتجئ الى مختلف انواع الرموز.3232 فن المجانين

و كانت اعمال الفنان الانكليزي وليم بليك 1757- 1827 يعتبرها البعض اعمال مجانين او ان البعض اعتبرها اكثر من نصف جنون، وبعد اكثر من قرن من الزمن وصلنا الى نقطة التي نعترف فيها بعبقرية بليك، حيث كان يستخدم حساسية شعرية كي يكشف عن رؤياه الرمزية. ويعترف بليك نفسه عن صلته بالفنانين المجهولين، وهو ما دعى بعض المؤرخين الى وضع اعماله في خانة المختلين عقليا.

 وفي عام 1937 اقام النازيون معرضا بمجموعة من اعمال هذا الكتاب وقد رحب السرياليون بهذه الفكرة ودعموها. وقد وجد الفنان الفرنسي دوبوفيه ضالته في هذا الفن البعيد عن المقاييس الاكاديمية، والحر في التعبير عن خلجان دواخل الانسان.3233 فن المجانين

 الكاتب يعترف بانه يقدم اول نص بصري وكتابي يتعامل مع تحليل دقيق عن اعمال فنية عملت من قبل بعض المجانيين. وتظهر في صفحات الكتاب حكايات طريفة لاشخاص رسموها على ورق المرافق الصحية ومنحوتات صنعوها من الخبز (عجينة الطعام) وتكثر فيها الرمزية وربما هم انفسهم ليسوا قادرين على تفسيرها لانها متأتيه من الاعماق الغامضة والخفية وخلفيات لم يتذكرونها.

 في هذا الكتاب نشاهد عالم آخر ينكشف امامنا مزدحم الافكار ومكثف الرموز والمعاني، كما نلاحظ وراء هذه الاعمال ضغوط نفسية ورزايا ربما هي التي ادت بهم الى ان يصلوا الى هذه الحالة من الحياة الحزينة.. فعندما نتمعن النظر فيها ندخل في مقاييس فنية اخرى ليس لها علاقة بالنظام الفني المتعارف عليه والذي نسير عليه في حياتنا الطبيعية. ويمكن ان تضع قدمنا في جهنم المجانيين. 3234 فن المجانين

كان هانس قد اختار عشرة اعمال لهؤلاء المجانيين وعمل عليها دراسة تحليلية واسعة، عن حياة الفنان واعماله وشروحا عن تاثيراته ووضعه النفسي والعقلي وانحداره العائلي او الجذور الاصلية له. وقد اختيرت هذه الاعمال من مئات الاعمال التي يتألف منها الكتاب. وكان هناك تنوع في الاعمال من تصوير ورسم ونحت وانشاآت رمزية وغيرها. وغالبا ما كان يكتب عليها بعض الاشعار والنصوص الادبية والدينية والجمل المبعثرة.

وبعد قرن من صدور الكتاب نعود اليوم لنتصفحه والتنقيب في معانيه ومضامينه وسنكتشف انه ينتمي الينا وانه يشكل جزءا من احلامنا. ثم تتكرر اسألتنا عن، ماهو الفن؟ ومن هو الفنان؟ هل هو العاقل او المجنون؟ او كلاهما؟.. ويبدو ان الفن تتوسع مفاهيمه ومعانيه ومعارفه في كل عصر ومع كل جيل وهذه هي سنن الحياة، ونعم الله على الانسانية وتطورها..

 

د. كاظم شمهود

 

لعبة فنية تتقصد تجميل ما تداعى من دواخل الذات وهي تعلن سفرها تجاه الجمال والعلو..

رسائل الفن في تلوينات مبتكرة بعناوين المرأة والانسان والبحر والبيئة ..

مشاركات عربية ودولية وجوائز بالكويت والقاهرة وفرنسا ونيويورك وكوريا الجنوبية واليابان..


 كيف للكائن أن يبتكر لونه وصوته وشجنه الدفين وهو يمضي بين الآخرين حالما بخطاه وهي تنحت دربه..كيف له ذلك في هذا الكون المحفوف بالجمال والبهاء المبثوث في الجهات..في العناصر والأشياء..

ليس للكائن هنا غير القول بنشيده وهو يشير للآفاق بحثا عن القيمة وقولا بالجوهر..جوهر التفاصيل التي تفضي الى ايقاع الذات في حلها وترحالها ترتجي فكرة الأعماق ونظر الدواخل وكل ما به يتزين العالم حيث اللون والكلمات والمعاني وهي تنحت مجاريها في الصخر كحال الأنهار العظيمة..

ثمة ألق وقلق وذهاب ملون بالبهجة العارمة وفق نظر للفن على أنه ضفة أخرى للسفر تجاه أرض عليها أطفال يلونون أناشيدهم بالحلم النادر والغناء الخافت ...يرقصون ويرقصون مثل زنوج قدامى..انه الرقص على أرض ناعمة ..نعومة الموسيقى الطالعة من التواريخ والأزمنة..

و الفن هنا في هذا السفر عنوان لافت حيث الرسم مجال شغف ودأب وما به تنبت الأحلام في البساتين التي رآها البستاني في خياله وهي تأخذه الى طفولة عابرة فيها العالم علبة تلوين ورسم وتلبس بالكنه..كنه الابداع والامتاع والمؤانسة ..هي هكذا لعبة اللون والحلم منذ براءة اولى ...و الى الىن في هذه الحدائق اللونية ذات الأسوار العالية..

وحده الفنان يقول بالحلم الموقع بفكرة الابتكار .. والفن كعنوان دال يأخذ الكائنات الى حقوله طوعا وكرها حيث الظلال والمياه والاشجار والطيور وغيرها عناصر بهجة لا تضاهى على اللون أن يبتكر لها ثناياها في قلب الفنان...في الكينونة..

في هذا السفر الفني نمضي مع تجربة عملت صاحبتها على تواصل وجدها وشغفها تجاه اللون والرسم ..منذ ولع قديم حيث طفولة تشهد أثر الألوان في المرايا..على المرايا يبزغ يشير للحلم في تجليه الجميل..رحلة مع القماشة واللون لم تزد الطفة العاشقة للألوان غير الذهاب أكثر والى الآن في هذه الدروب المحفوفة بالحب والحلم والرغبة في الابداع..و بما به يصبح التلوين عنوان حياتها وعنفوان نشيدها في هذا العالم ..

ألوان شتى وتجريدية هي من قبيل الحال والأحوال وأنشطة شتى محورها الفن والرسم والتلوين والتواصل مع الأطفال وشؤون المجتمع وشجونه في ضروب من الحب الدفين..هو حبها للعب مع القماشة والرشاة ..تحاولها وتحاورها لتغنم شيئا من فرحة الفنان العارمة تجاه ما يحب..و ما يريد ان يقول بالنظر والعبارة الفنية و...بالألوان.

هكذا نلج عالم الفنانة التشكيلية عايدة الكشو خروف التي تنوعت لوحاتها الفنية وأعمالها وفق مسيرة سنوات عديدة ومشاركات ضمن معارض جمعية واقامة معارض شخصية في تونس وخارجها..

في لوحاتها موسيقى ملونة تمتح من مفردات تشكيلية فيها الحركة وتسعى للتفاعل مع المتلقي ليقرأها وفق تأويل متعدد الالوان ..ثمة عبارة تشكيلية في لوحاتها بينة في جمال تلوينها وسحر قولها الجمالي وعذوبة فكرة النظر تجاهها ..لوحات وأعمال فنية متعددة الأحجام والمواضيع فقط يجمع بينها شغف الفنانة عايدة وحلمها الذي أخذها الى التلوين حيث أطلقت هي العنان لنشيد ملون يسكنها منذ طفولة عابرة.

عايدة الكشو خروف فنانة تشكيلية تلقت تكوينا لتخرج سنة 1991 من معهد الموضة والديزاين وشهادة حصلت عليها بعد تكوين في اختصاص فن تشكيلي في ثلاث سنوات مع جمعية قنطرة الفنون وذلك بمعهد الفنون والحرف بصفاقس مسؤولة العلاقات الدولية باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين ومنسقة نشاطه بصفاقس وعضو الصالون السنوي بصفاقس منذ خمس سنوات ورئيسة لجنة الثقافة بجمعية حماية الشفار وعضو جمعية صيانة مدينة صفاقس الى جانب ترأسها لعدد من الفعاليات الثقافية والجمعيات ومنها ملكة جمال صفاقس وكوميسار معرض المجلس الوطني للفنون والثقافة بالكويت وكوميسار المعرض لجمعية " بصمات عربية " بالقاهرة ومعرض كاروسيل اللوفر ومشاركة في معرض الدورة 35 لصالون الفن المعاصر بنيويورك وفي المهرجان الدولي بسيول في كوريا الجنوبية ومعرض أوزاكا باليابان فضلا عن مشاركات في ندوات ومهرجانات وفعاليات ثقافية وفنية عن البيئة والمرأة وغيرها م العناوين..هذا الى جانب جوائز وتكريمات بالكويت والقاهرة وباريس والشارقة .. كما عرضت أعمالها في منلسبات عديدة وبمدن تونسية مختلفة فضلا عن مشاركاتها في معارض وصالونات اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين الدورية .

ومن نشاطها الفني التشكيلي نذكر معرضها بعنوان "طاقة البحر" الذي يمنح المتلقي علاقة مخصوصة من خلال ثنائية البحر والانسان وعوالم جمالية من وحي اللون الأزرق ..

2847 عايدة

وفي المعرض الجماعي الدولي للفنانين التشكيليين “اوزاكا ارت ايكسبو” برواق الفنون “سيستاما غاليري” بأوزاكا اليابانية مع 70 فنانا من ايطاليا واليابان وفرنسا برزت مشاركة الفنان عايدة من خلال لوحتين وفق تعبيراتها الجمالية التي عرفت بها بين الشأن الوطني والشأن الابداعي الجمالي كما تميزت مشاركتها بمعرض بمتحف اللوفر في باريس من خلال حصولها على الجائزة الثانية ..ان هذه المشاركات والمعارض التي انطلقت سنة 1995 بمعرض خاص مع الفنان علي بن سالم برواق فني بمدينة صفاقس تعتبرها الفنانة التشكيلية عايدة مجالا لمزيد التعريف بتجربتها الى جانب كونها تلمس من خلالعا تقبل وذائقة جمهور الفنون والمعارض تجاه أعمالها الفنية وهو ما يسعدها ويجعلها تواصل هذه التجربة . وخلال الظروف الصعبة للحياة الفنية التشكيلية والثقافية عموما كانت للفنانة التشكيلية أصيلة مدينة صفاقس عايدة الكشو خروف مشاركات عبر الوسائط السمعية البصرية والرقمية من ذلك مشاركتها الممتازة في معرض دولي افتراضي بعنوان " أقنعة الأمل " للفنانة الايطالية ميتشيلا مارغريتا سارتي مع مشاركات لفنانين من تونس والجزائر وليبيا وفرنسا وإيطاليا .. وقناع الأمل ابتكرته وجملته الفنانة عايدة وهو من البلاستيك يحملرسمة فيها زهرات رائقة وتلوين مميز بغاية القول بالأمل والتفاؤل ..

انها بقعة النور في حياة الفنانة عايدة تتفاعل مع ما يحدث تجمل الاشياء وتغني مشيرة للقماشة تحمل تلويناتها المفعمة بدهشتها وحلمها العالي..هكذا هي لعبة الفنانة التشكيلية عايدة الكشو خروف الفنية ترتجي من ورائها تجميل ما تداعى من دواخل الذات وهي تعلن سفرها تجاه الجمال والعلو..

 

شمس الدين العوني

 

3209 تجربة الفنانةأعمال وبحوث جمالية ومعرض برواق خوجة عن الآخر وأطروحة عن صورة المرأة في العمل الفني..

للألوان سيرة القلب والنظر يتخيرها الكائن بكثير من الشغف والألفة والحلم.. هي لعبة الفن تجاه الذات والعالم في ضروب من السفر والترحال حيث لا مجال لغير القول بالحكاية تبرز تلويناتها وتعدد أشكالها وفق ايقاع الدواخل.. ها هي الفكرة الملونة تشرق منذ بدايات قديمة حيث الطفولة تشهد نعومة كشفها واكتشافاتها في أرض المشي مع الناس..  نعم نحن نمشي وهذه الأكوان من حولنا تمشي على عبارة الشابي هذا الفنان الذي لون بالشعر والكلماتي والمعاني جمال الأمكنة والأرجاء..

اللون والتشكيل فكرة النظر بعين القلب في كون مسرع متسارع الأحداث والمشهديات ووحده الفنان يلقي بالظلال على الأشياء والعناصر والتفاصيل قولا بالبهاء النادر يضفي زينته على الأكوان والعوالم حيث لا نشيد غير البوح..

الرسم والتشكيل والتلوين هنا بوح يذهب تجاه الكائنات يحاولها ويحاورها نحتا للقيمة والكيان.. تجاه الطفولة تقص حكاياتها اليانعة مثل براءة أولى.. هو بوح يسائل الأشياء الكامنة في الطفل.. في الذات وهي تحلم ولا مجال سوى للعب بالمادة وتشكيلها قولا وأسلوبا ونهجا لأجل الجمال..

هكذا نمضي مع عوالم فنانة تشكيلية وباحثة في عملها وفنها عن أصل الأشياء وهي تتجدد تبتكر كلماتها وأسماءها الأخرى.. فنانة تأخذ التلوين والتشكيل مأخذ جد وبحث وفق عناوين شتى منها الابداع والابتكار في غير تكلف وافتعال فالفن هنا حلم لا يقنع بغير الجد والعمل والدأب.

تقوى مناد الفنانة التشكيلية التي نعني ومن دروب الساحل التونسي تتخير النظر للعالم وفق تلوين خاص طافح بالرغبة.. .و الرغبة رغبات ومنها الابداع أيضا في تنوع وتعدد ضمن تكامل بين الجمالي والأسلوبي.. .3206 تجربة الفنانة

تعددت معارض تقوى مناد ومشاركاتها ومن آخرها المعرض المميز الذي شهده رواق الفنون علي خوجة بالمهدية وفق عنوان " الآخر " حيث اللوحات تضاهي بستانا من التشكيل والرؤى والتلوينات وكل ذلك للافصاح عن حلم دفين هو العين وما تراه جميلا في خطاب فني استطيقي يشبه فقط كيان وذات تقوى الفنانة التي وثقت صلتها بالرسم والفن بعد بدايات تلقائية وحالمة زمن طفولة عابرة.و الفنانة التشكيلية تقوى مناد استاذة اولى ودكتورة في "جماليات ونظريات الفن"..  تقول عن هذا المعرض ".. .عنوان المعرض "الآخر" ويتمثل في اعمال متعلقة بالطفولة والأطفال وطريقة رسم الطفل للأشخاص في بداياته واستلهمت هذه الاعمال من هذه الشخصيات ومن شخصيتي التلقائية والعفوية والمزاجية.. .".. و عن أطروحتها تواصل القول ".. .تمثّل صورة المرأة في العمل الفني أنموذجا، فهو موضوع يبحث عن الفكرة والشّكل والتّصميم، فمعنى الصورة الواحدة تحمل استنتاجات عديدة نحو المرأة في مجتمعاتها، تلك المرأة الغامضة في مجتمع ثقافي يحتوي على علاقات مختلفة، فالمرأة الفنانة المعاصرة سعت إلى إثبات أنّ الجسد عنصر لا يعاني النقص والتّحقير، بل هو جسد حافل بالمعاني الرّمزيّة والأيقونيّة، وأنّ المرأة تثبت ذاتها وهويتها في مجتمعها محقّقة تغيّرات في عديد الأنظمة السّياسيّة، الاجتماعيّة والثّقافيّة.. . لتطرح هذه الفناّنة أفكارا وتأكّد هويّة تراثيّة أنثويّة مستقلّة مستلهمة أعمالها من الواقع المعيشي والموروث الثّقافي.. .".جانب ابداعي للفنانة تقوى مناد وآخر علمي بحثي فهي الى جانب احرازها على شهادة الباكالوريا اختصاص اقتصاد وتصرف فانها حازت على شهادة الأستاذيّة في الفنون التّشكيلية اختصاص خزف وشهادة الماجستير المهني اختصاص فن وتكنولوجيا الخزف وشهادة الماجستير في جماليات وممارسات الفنون المرئيّة اختصاص فنون تشكيلية بملاحظة حسن وشهادة الدكتوراه في جماليات وممارسات الفنون اختصاص فنون تشكيلية بملاحظة مشرف جدا.. و بخصوص مسيرتها المهنية فهي عضو بوحدة البحث في جماليات وممارسات الفنون بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة وقامت بتعويض بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة و تأطير ببرنامج وطني "مبدعون يسكنهم الوطن" بدار الشباب الرياض وهي كذلك عضو بجمعية "طب، ثقافة، فن" MCA وعضو باتحاد الفنانين التشكيلين بتونس أستاذة بمدرسة إعداديّة خاصة بسوسة ولها تربص مهني 4 أشهر بفرنسا (Manufacture de Sèvres، Paris، France) ومشرفة على نادي الرسم بالمبيت الجامعي "الغزالي" وعلى نادي الرسم بالمبيت الجامعي "حي الرياض" الى جانب  تكوين بورشة التصوير الرقمي في نطاق عشرينية أيام السينما الأوروبيّة بالمركب الثقافي بسوسة (JCE) وتكوين في ورشة تعليمية technique rédactionnelles de la communication et de l’article scientifique  في إطار JEPTAV بسوسة وتكوين في الدكتوراه Outils bibliographique et bibliométrique pour les publications scientifiques assuré par l’UDARI وبشأن مشاركاتها الفنية الوطنية والعالمية نذكر المشاركة في تظاهرة فنيّة للفنون التشكيلية بدار الشباب بقصر هلال والمعرض الجماعي بالصالون الدولي للتصوير الفوتوغرافي الدورة الأولى بعنوان "ألوان بدون حدود" بقصر خير الدين، تونس والمعرض الجماعي بالصالون الدولي للصورة الفوتوغرافية الدورة السابعة بالمركب الثقافي بالمنستير وحضور الملتقى الدولي JEPTAV في دورته السابع عشر بعنوان "سؤال الجندر في الفنون" والمعرض الجماعي في ملتقى المبدعين الدولي التاسع بالقاهرة، مصر والمشاركة في مهرجان كام السنمائي الدولي للأفلام القصيرة بالقاهرة، مصر ومعرض الفوتوغرافيين الشبان في دورته الثامنة بقاعة يحي البالماريوم والمعرض الجماعي للصور الفوتوغرافية أيام قرطاج الجهوية للفن المعاصر بقرقنةJRACC من تنظيم اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين والمعرض الجماعي في الفن التشكيلي "تنوع" في دورته الثالثة بفضاء جمعية صيانة المدينة بالمهدية DIVERSITY 3 والمعرض الجماعي لاتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين "الواصلة" بالمركب الثقافي بسوسة والعمل الجماعي l’émouvance des émouvants  بإفريقيا عرض بSégou’Art بمالي في دورته الثانية وحضور الملتقى الدولي JEPTAV في دورته الثامنة عشر بعنوان "الحدس والذكاء في الفنون  مع مداخلة في إطار مهرجان علي بن سالم للفن التشكيلي بالقلعة الكبرى في دورته السابعة بعنوان "تداخل الفنون"  والمعرض الجماعي للفن التشكيلي "فن وفنون" بالقلعة الكبرى والمعرض الجماعي السنوي لاتحاد التشكيليين التونسيين برواق الفنون ببن عروس والمعرض الجماعي بصالون تونس للفن المعاصر "ميموريا" في دورته الرابعة بقصر خير الدين، بتونس والمعرض السنوي لاتحاد الفنانين التشكيلين التونسيين "الشهر الوطني للفنون التشكيلية في دورته الثامنة، قاعة يحيي البالماريوم، تونس والمعرض الجماعي في الفن التشكيلي "تنوع" في دورته الرابعة بفضاء جمعية صيانة المدينة بالمهدية DIVERSITY 4.. .

هكذا هي فكرة التلوين والبحث وفق حيز من النشاط بين السيرة والمسيرة عند الفنانة والباحثة تقوى مناد.. بين الابداع الفني التشكيلي والبحث العلمي الاستطيقي في نظرة مخصوصة تخيرتها صاحبتها حيث الفن والتشكيل عندها مجال مفتوح على البهي في الذات والعالم ولأجل الاضافة في هذا التلوين للأشياء  والعناصر.. تقوى مناد فنانة حالمة وطفلة ترنو الى تحويل الأرجاء الى علبة تلوين.. .

 

شمس الدين العوني

 

122 فـيودورفـيودور باڤــلوڤــچ ريشتنكوف (1906-1988) من رسامي الواقعية الاشتراكية الذي خدم الحركة التشكيلية السوفيتية لمدة اربعين عاما، والذي زينت اعماله الخالدة افخم متاحف وگاليريهات الاتحاد السوفيتي السابق كالمتحف الروسي في سانت بيترسبرگ والمتحف التاريخي في موسكو وگاليري تريتياكوف  Tretyakov 117 فـيودور

ولد فيودور في قرية صغيرة في أوكرانيا لعائلة فنية، لكنه فقد والديه بعمر مبكر فتولى رعايته أخوه الاكبر الذي كان رساما مختصا برسوم الكنائس، والذي شغل اخاه الاصغر مساعدا له. 118 فـيودور

ومن هنا تعلم فيودور الرسم واتقن اسرار الصنعة بعمر مبكر فكان  لديه قدر من المهارة قبل ان يدرس في الاكاديمية الفنية. 119 فـيودور

عمل رساما لدى بعثتين استكشافيتين في القطب الشمالي، وقد تحطمت سفينة احداهما في جبال الثلوج البحرية وتم انقاذه من بين عدد قليل من الذين نجوا الحادث المروع. 120 فـيودور

برع في تصوير حياة الاطفال واظهار علاقاتهم ومشاعرهم وعواطفهم حتى ان  اشهر لوحاته كانت تلك السلسلة التي تصور مشاعر الطفل الذي يحصل على درجات واطئة في المدرسة وانعكاس ذلك على مشاعر الذنب والحزن والعزلة التي تعتريه نتيجة لردة فعل العائلة وبقية الاطفال. 121 فـيودور

وقد تمكن فيودور من تصوير ذلك بشكل مذهل. 123 فـيودور

زاول التدريس في كليات موسكو في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. 124 فـيودور

 وفي عام 1963 نشر كتابا بعنوان "أسرار التجريد التشكيلي" هاجم فيه ما اسماه الاتجاه البرجوازي الحديث في الفن. 125 فـيودور

تمتع بشهرة وسمعة طيبة في الاوساط السياسية السوفيتية فاصبح نائبا لرئيس الاكاديمية السوفيتية للفنون عام 1974. توفي عام 1988. 126 فـيودور

122 فـيودور

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

2793 راسكينيقول الكاتب والمفكر الانكليزي جون راسكين (كان الاغريق قديما يجسدون الطبيعة في اشكال بشرية وكان ايمانهم فحسب بصور انسانيتهم، وقداحسنوا بروح الالفة والعطف على روح الجدول وليس على الجدول ذاته، ونحوا الارواح الساكنة في الغابة وليس الغابة نفسها) وكان راسكين يؤكد على ان نظرية الطبيعة جامدة هو خطأ جسيم، وان الطبيعة لها روح حية، تمنحنا العطف والحياة، وان الجدول والينابيع تغني، وان الازهار تمنحنا الحياة والبهجة، ولهذا فالايمان بالحياة الروحية للاشجار والانهار والجبال شئ لا بد منه وواقعي.

وكان الفنان الانكليزي جون كونستابل 1776. 1837 من الاوائل الذين خرجوا الى الطبيعة لرسمها مباشرة بدلا من رسمها في الاستوديو ويقول في هذا الصدد (يجب على مصور المناظر الطبيغية ان يسير عبر الحقول بذهنية متواضعة،،، انني لم ار في حياتي قط شيئا قبيحا، فمهما كان شكل الشئ فان الضؤ والظل والمنظور يضفي عليه حلة قشيبة (جديدة) من الجمال..).

2795 كونستابل

هذه النظريات التي يطلقها المفكرون والفنانون الغربيون عن حياة الطبيعة كان قد سبقهم بها الفنان الشرقي خاصة الصيني والذي كان يعتقد بان الطبيعة لها روح ولهذا 2792 جان جاك روسورسمها بقدسية ودقة متناهية وربطها بعالم الكون والحياة. وقد اشار القرآن الكريم الى ذلك في عدد من الآيات القرآنية وما من شئ الا وله روح حتى الحجر.

وكان الناس في القرون الماضية معتادين ان يروا الفنانيين يرسمون المواضيع الدينية والتاريخية، ولكن ابتداءا من القرن التاسع عشر اهتم الفنانون برسم الطبيعة واعلنوا ان الطبيعة قاموس الفنان بمعنى هي التي يختار منها مفرداته الفنية المناسبة. خاصة في زمن المدرسة الانطباعية 1874، وكان معظم الفنانين الحديثين قد اهتموا برسم الطبيعة الجامدة، واتخذوها كذريعة يتوسلون بها الى تحقيق خطوط واشكال والوان للبحث عن اسلوب وفن جديد، حيث تجرد للاحساس بماهيتها والكشف عن نشاط انفعال فائق السمو للفنان المبدع.

وقد ظهر في زمن المفكر جان جاك روسو 1712. 1778، تيار فني يدعو الى رسم الطبيعة، وكان روسو يعلن حماسته عن ايمانه بالطبيعة ويحبذ الخلود اليها كسبيل للخلاص من مفاسد الحضارة الحديثة وسطحيتها في ذلك الوقت. ويبدو ان كل جيل قديم يلعن جيله الجديد ويصفه بالسطحية والفساد والانحراف. وهي ظاهرة نجدها تتكرر في كل زمان ومكان. وهناك قول للامام علي،ع، ينصح فيه الاباء (لا تضربوا اولادكم فانهم ولدوا في زمان غير زمانكم).

2796 كنوستايل

وكانت المعابد في ذلك الوقت ملاذا وملجئا للناس كلما ذاقت بهم الحياة، ولكن روسو وجد في الطبيعة المعبد الاسمى للنفس والكروب، وبالتالي فان فن التصوير يجب ان ينظر الى الطبيعة ككائن حي وان نقترب منها بمشاعر يحدوها الخضوع والاحترام.. وعادة ما يكون الفلاسفة اكثر من المصورين استعدادا للايمان بالحياة الروحية للطبيعة وانهم يبدون حبا وابتهاجا في حماسة بالمواقع التي تغمرها الشمس.

2797 كنوستايلوبالتالي فان القيم الجمالية يمكن ان نجدها في الطبيعة والانسان معا وان القبح صفة نسبية، ويذكر احد فلاسفة الاغريق بان اجمل قرد يكون اقبح شكل عند الانسان وان اقبح انسان يكون اجمل شكل عند القرود، وهذا ايضا يسري في تقاليد وعادات الشعوب حيث لكل شعب وجغرافية مقاييس معينة في القبح والجمال الشكلي، اما القيم والاخلاق الانسانية فهي جميلة جمال معنوي مطلق، كالصدق والحب والعدل وغيرها، وتعتبر هذه من اسس التعايش والسلم العالمي. وحسب رأي كونستابل انه ليس هناك شيئا قبيحا في الطبيعة اذا ما خضع للظل والضوء والمنظور وان القبح والجمال الشكلي مسألة نسبية اما الجمال المعنوي فهو ثابت في الفطرة وحسب قول الفيلسوف ديكارت ان الحق هو الجمال. ولكن عندما نجد امامنا عملا فنيا منجزا علينا الالتزام بوجهة نظرنا امام عمل اصبح حقيقة واقعية موضوعية ويجب احترامه، لانه يعبر عن مشاعر ذاتية وافكار خاصة بفنان وانسان مبدع. وكان كاندنسكي من الاوائل الذين اهتموا بماهيات الاشكال فقد حولها الى سطوح والوان وايقاعات وانغام موسيقىية، واصدر كتابا سماه ـ الروحانيات ـ عام 1910. 2794 سيران

د. كاظم شمهود

 

 

الصفحة 1 من 2

العدد: 5992 المصادف: الثلاثاء 31 - 01 - 2023م