شهادات ومذكرات

محمود محمد علي: وجية أحمد عبد الله.. مفكر قهر اليأس

بالأمس تلقيت خبرا من صديقي عزيز علي، يخبرني بوفاة الدكتور "وجية أحمد عبد الله" – أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف بكلية الآداب - جامعة سوهاج،  إثر عملية جراحية فاشلة، وقد حزنت عليه حزنا شديدا، لاسيما وأنني قد عاصرته منذ أن كنت أقوم بدراستي للماجستير في السهروردي المقتول بنفس الجامعة.

والدكتور وجيه عاصرته منذ  حصوله على درجة الماجستير عام 1983 عندما قام بتعيينه  أستاذي الجليل الدكتور صبري عثمان محمد رحمة الله الدكتور مدرسا مساعدا بقسم الفلسفة بسوهاج، ومنذ تلك اللحظة جمعتني وإياه علاقة حب ومودة، وهذه العلاقة كشفت جدت لي على أن هذا الرجل كان يتميز بوفاء الصديق وقلب الطفل، ومثاقفة الفارس وأريحية المفكر، والنبوغ المبكر، والعبق القديم، وعطر الزمان الجميل.

وليس لدي معلومات كاملة عن ميلاده، ولكن كل ما أعلمه أنه من خرجي كلية الآداب – جامعة الاسكندرية، حيث حصل علة درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية في موضوع بعنوان " الوجود عند إخوان الصفا"، من جامعة أسيوط وكان مشرفا عليه الأستاذ الدكتور " جلال شرف" والدكتور صبري عثمان وقد حصل عليها عام 1983م، وبعدها سجل لدرجة الماجستير في التصوف الإسلامي عن " الحكيم الترمزي واتجاهاته الذوقية، وقد نشرت في كتاب بعد ذلك في عام 1989م وبعدها واصل مسيرته البحثية حتى وصل إلى درجة أستاذ مساعد.

ولقد كان الدكتور وجيه من الذين قهروا اليأس من عاهته الجسمية وهي شلل الأطفال وانطلق يحقق ما لم يحققه زملائه الذين يسيرون على قدمين ثابتتين، وهو يذكرني دائما بالفنان الفرنسي " أوجست رنوار" الذي عاش من أجل نشر الجمال في العالم، أصيب بشلل في يده ولكنه لم يتخل عن فرشاته وظل يرسم ويبهج الحياة بكل جميل وهو يتألم ويتوجع طوال العشرين سنة الأخيرة من عمره .

ودائما أقول : قليلون أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعلمون بما يؤمنون، والدكتور وجيه من هؤلاء الرجال،  لقد تعلمت علي يديه الكثير من قضايا المنهج العلمي، ومنها قوله لي بأن علة ضحالة وهشاشة معظم الكتابات الفلسفية في ثقافتنا العربية المعاصرة ترجع في المقام الأول إلي افتقار أصحابها المنهج –أي – ذلك الطريق الواضح والخطوات المنظمة التي يخطوها الكاتب في التصنيف والتأليف والترجمة والتحقيق.

ولا أنسي قوله لي كثيرا ومرارا بأن الكاتب الذي لا يعي منهجه ولا يستطيع قراؤه التمييز بين أسلوبه وأسلوب غيره من الكتاب يجب أن يتوقف عن الكتابة لأنه من لم ينتقل بعد من طور التتلمذ، فعليه أن ينتظر حتي تكتمل شخصيته وينفرد قلمه وينضج ذهنه.

ولقد شهد له الكثير من الزملاء والمعاصرين بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة .. إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، وتمسك بتعاليم الدين الحنيف . ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

رحم الله الدكتور وجيه عبد الله  الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا ن ما بقيت الحياة علي وجه الأرض . ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون. نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

***

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة– جامعة أسيوط

 

في المثقف اليوم