آراء

ناجى احمد الصديق: السياسة والقانون فى نظرة المحكمة الجنائية الدولية

المحكمة الجنائية الدولية هى هيئة دولية مستقلة تقوم بمحاكمة المتهمين الذين يقومون بارتكاب الجرائم الواردة فى نظامها الاساسى وهي على كل الجرائم التى تعتبر اشد خطورة فى العالم وتتمثل تلك الجرائم فى اربع مجموعات هى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية وجريمة العدوان وقد حدد نظامها الاساسى على سبيل الحصر حدد النظام الاساسي للمحكمة فى المادة 13 منه طرق الإحالة اليها وتتمثل فى ثلاث طرق هى

أ \ اذا أحالت دولة طرف إلى المدعى العام وفقا للمادة 14 حالة تبدو فيها ان جريمة او اكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت

ب\ اذا أحال مجلس الامن متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حالة الى المدعى العام يبدة فيها ان جريمة او اكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت

ج\ اذا كان المدعى العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيها بموجب المادة 51

اذا تمت الإحالة بواسطة دولة غير طرف حسب شروط المادة 21\3 التي تنص على (اذا كان قبول دولة غير طرف لازما بموجب الفقرة 2 جاز لتلك الدولة بموجب اعلان يودع لدى مسجل المحكمة ان تقبل ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث)

دارت الحرب الروسية على اوكرانيا على خلفية صراع الكبار للفوز والى الابد بتثبيت حالة المجتمع الدولي اما بنظام قطبى واحد كما تريدة الولايات المتحدة وحلفائها وإما بنظام متعدد الأقطاب كما تسعى له روسيا وحلفاءها أيضا ولهذا فان الحرب اوكرانية وان بدت فى ظاهرها غزو غير مشروع من روسيا للاراضى الأوكرانية إلا أنها فى حقيقتها صراع من اجل البقاء او العدم ومن احل ذلك فإننا نرى سلسال الدعم المنهمر بغير حساب الى اوكرانيا واستعمال حلفاءها كافة الأسلحة وتسخيرها كافة الإمكانيات وممارستها لكافة الضغوط كى تخسر روسيا الحرب ومن بين تلك الأسلحة المؤسسات الدولية والتي من اهمها المحكمة الجنائية الدولية.

اذن فما هو دور المحكمة الجنائية الدولية تجاه الحرب الروسية الاوكرانية ؟ وكيف تستطيع ممارسته من خلال النصوص القانونية المعلومة وفى ظل متطلبات العدالة الدولية وسياقات الظلم الكبير الذى يحدث فى العالم تحت سمعها وبصرها؟

من الواجب على المحكمة الجنائية التصدي الفوري وإجراء التحقيقات اللازمة فى حالة حدوث حرب او نزاع مسلح مما يدخل ضمن اختصاصها وفق ما نص عليه النظام الاساسى ولا يجوز فى حقها العمل وفق ما تتطلبه المصالح السياسية لاية دولة او اية مجموعة من الدول وذلك ان المحكمة وكما جاء فى تعريفها انها هيئة دولية مستقلة ، هذا من الواقع الافترالضى ولكن الواقع العملى له شأن اخر وهو شأن تواضعت عليه المحكمة منذ لحظة نشأتها الاولى ـ لان المحكمة نفسها ما كان لها ان ترى النور الا بالتقاء اراء الدول الموقعة على نظامها الاساسى فى منطقة وسطى بين العدالة المطلقة و الاعدالة وهى عدالة عرجاء لا تسير الا بمباركة الدول الكبرى ونحن نظن ان كل المحاكمات التى تم إجراءها والتحقيقات التى تم فتحها لم تكن الا ترجمة لذلك التواضع .

لم يكن من المستطاع ان تكون المحكمة الجنائية الدولية مكتوفة الايدى فى ظل نشوب حرب كالتى قامت فى اوكرانيا ... فالحروب هى ميدان عمل المحكمة الجنائية الدولية وكل الجرائم المنصوص عليها فى النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية سترتكب لا محالة على ارض المعركة ولهذا فان تفعيل النصوص التى تحرك آليات المحكمة من تحقيق وتوقيف ومحاكمة كان أمرا مقبولا ولكن المعضلة الاساسية – فيما يبدو – هى انعقاد الاختصاص وفق قواعد المقبولية المنصوص عليها فى المادة 13 من النظام الاساسى وذلك ان كل من روسيا واكرانيا غير موقعتين على النظام الاساسى وان مجلس الامن الدولى لا يستطيع احالة الوضع فى اكرانيا الى المحكمة الجنائية الدولية لان روسيا ستستعمل حق النقض لاسقاطه فلم يتبق غير اعلان اوكرانيا قبول ممارسة المحكمة الجنائية لاختصاصاتها فى الاراضى الواقعة فى إقليمها وبذلك يكون للمحكمة سلطات التحقيق والايقاف والمحاكمة عن كل الجرائم المنصوص عليها فى نظامها الاساسى وهو ما تم بالفعل حيث قامت اوكرانيا بالسماح للمحكمة بممارسة اختصاصها على اراضيها وبذلك ينعقد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق فى الجرائم المحتملة فى تلك الحرب

على غير عادتها قامت المحكمة – سريعا جدا – بانشاء بعثتها فى اوكرانية وبدأ المحققون عملهم فورا وقاموا فى فترة قصيرة جدا بتوثيق كم هائل من انتهاكات للقانون الدولى الانسانى بجرائم تدخل ضمن اختصاصات المحكمة وكان من المؤمل ان تحال تلك الجرائم الى الدوائر التمهيدية بالمحكمة لإصدار مذكرات توقيف ومباشرة إجراءات القبض والترحيل والمحاكمة ولكن شيئا من كل هذا لم يحدث والسبب فى ذلك –كما نرى- ان فرق التحقيق توصلت أيضا الى أن تلك الانتهاكات لم تكن من الجانب الروسى فقط وامنا تورط الجنود الاوكرانيون أيضا فى انتهاكات تشكل جرائم داخلة فى اختصاص المحكمة ولم يكن من الممكن بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الاروبى ان يسمح فى هذه الفترة بتقديم جنود او قادة أوكرانيون الى المحكمة كما انه لم يكن من الممكن – من الناحية الاخلاقية- تقديم الجنود الروس الى المحكمة وترك نظرائهم من الجنود الاوكرنيين .

لم يكن فى الإمكان ترك امر المحكمة الجنائية الدولية الى ما بعد انتهاء الحرب فسارع المحققون الى تلقف ما قامت به روسيا من خطف وترحيل قسرى لآلاف الأطفال الاوكرنيين الى روسيا مما يشكل جريم تندرج ضمن الجرائم المنصوص عليها فى النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية وسارعت المحكمة متمثلة فى الدائرة التمهيدية الثانية باصدار امر توقيف بحق الرئيس الروسى شخصيا باعتبار انه القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية وعلى هذا أصبح الرئيس الروسى متهما مطلوبا امام المحكمة الجنائية الدولية وهو امر سعت اليه الولايات المتخدة سعيا واعدت له اعدادا ليكون واحدة من وسائل الضغط التى ستفاوض بها روسيا فى المستقبل وعليه يثور سؤالا كبير عما اذا السعى لذلك التوقيف كان لاغراض العدالة الدولية لضحايا تلك الحرب ام ان الامر يبدو ذو صبغة سياسية سعى لتحقيقها طرف على حساب القانون؟

تاريخ المحكمة الجنائية فى تعاملها مع ضحايا الحروب والنزاعات المسلحة يخبرنا ان التأنى المفرط فى مباشرة التحقيقات واصدار اوامر التوقيف كان ديدن المحكمة فى كل الحروب والنزاعات المسلحة التى باشرت التحقيق فيها وتاريخ المحكمة حافل بهذا النمط من حرب البلقان فى يوغسلافيا السابقة استمر منذ عام 1995م تقريبا ولم ينته حتى الان الى التحقيق فى النزاع المسلح فى درفور استمر منذ 2005م وما يزال مستمرا حتى الان ولم يحدث فى تاريخ المحكمة الجنائية الدولية ان تم التحقيق واصدار وامر التوقيف بالسرعة التى تم بها توقيف الرئيس بوتن

كيفية تعامل المحكمة الجنائية فى كثير من أنحاء العالم كان مغاير جدا لتعامل المحكمة مع حرب اوكرانيا والمثال الابرز على هذا هو تعامل المحكمة مع الوضع فى الاراضى الفلسطينية المحتلة والتلكوء والمماطلة فى القيام باجراءات التحقيق والتوقيف منذ ان أعلنت فلسطين قبولها لاختصاص المحكمة ورضائها بان يحاكم كل من ارتكب جريمة تدخل فى اختصاص المحكمة سواء فلسطينيا ام اسرائليا فلماذا لم تقم المحكمة باصدار مذكرات توقيف ضد القادة الاسرائيليين والفلسطينيين؟

كيفية التعامل المحكمة الجنائية الدولية مع جرائم الحرب التى تم ارتكابها فى ليبيا بعد رحيل الرئيس السابق معمر القذافى توضح لنا وبجلاء ان اجراءت المحكمة مرهونة بتوافقات سياسية وان الدول الكبرى هى التى تحدد متى واين تقوم المحكمة الجنائية الدولية بدورها فى محكمة منتهكي القانون الدولى الانسانى

كثيرة هى الامثلة التى توضح ان المحكمة الجنائية الدولية قد أضحت أداة سياسية لتصفية حسابات بين الدول ولهذا حذر القادة الروس على ان مستقبل العدالة الدولية فى خطر وذلك ان روسيا نقسها باعتبار انها تمتلك حق الفيتو فى مجلس الامن تستطيع ان تمارس نفس الدور فى مكان اخر وبهذا ستكون المحكمة الجنائية الدولية التى أنشأتها الشعوب لضمان محاكمة المىتهمين فى الجرائم الاشد خطورة اداة فى ايدى الساسين يديرونها لتصفية حساباتهم او لتقوية مواقفهم وبهذا ستزداد كل يوم بعدا من القانون وقربا من السياسة.

***

د. ناجى احمد الصديق الهادى - المحامى / السودان

 

في المثقف اليوم