آراء

سليم مطر: خرافات العلم والتطور

نعم، العلم نـور، ولكن ابدا ليس للاخلاق والسعادة، بل للقوة والسيطرة، ليس اكثر!

الحياة مسرحية مأساوية ومضحكة، هي نفسها مستمرة ومكررة منذ الازل: موتى ومواليد، اشرار واخيار، جبابرة ومساكين، شياطين واطهار.. الخ.. اما نحن افراد البشر، رغم اننا مجبرين على العيش في مسرحية الحياة هذه، لكن ربما لنا بعض الحرية في اختيار الدور المناسب، او تعديله..

هنالك خرافتان تسيطران على البشرية منذ القدم، ولكن خصوصا في العصر الحديث:

1ـ خرافة ان التقدم المعرفي العلمي التقني، يؤدي الى تقدم الانسان والشعوب في السلوك والاخلاق والضمير.

ولكن يكفينا نظرة سريعة في أي مجتمع نعيشه وفي العالم وطيلة تاريخ البشرية، لتبين بصورة لا تقبل الجدل والتفكير الحقائق التالية:

ـ ان سلوك الانسان واخلاقه وضميره ليست لها اية علاقة بمستواه المعرفي. فتجد عوائل وجماعات امية تعيش في البادية او الغابة او الجبل، يتمع افرادها بنوع من التوازن والتعاون والاخلاق اكثر بكثير من عوائل وجماعات متعلمة ومتحضرة ونخبوية. بالله عليكم، فكّروا قليلا: هل نحن في هذا الجيل المتحضر بـ(هواتفنا النقالة) العجيبة العالمة بكل شيء عليم، اكثر توازانا واخلاقا من اسلافنا قبل 50 عام؟؟!!

ـ لننظر الى كل تاريخ البشرية، والى البلدان الحالية المتطورة في جميع المجالات الاقتصادية والتقنية والثقافية: الم تكن ولا زالت الجرائم الكبرى والحروب والعبوديات والابادات والفساد والسرقات.. الخ.. كلها من عمل مجتمعات ونخب وقيادات عارفة وماهرة وقادرة على الاقناع وقيادة البشر وخداعهم؟؟!! هل يمكن لانسان ومجتمع مسكين وجاهل ان يقوم بكل هذه الجرائم الوحشية وعمليات الابادة(الحضارية جدا)؟!

ـ ثم يكفينا اية مراجعة بسيطة لمنتجات العلم والمعرفة: الادوية والاسلحة.. البيوت والسجون.. وسائل التعليم وغسل الدماغ.. لنتذكر هذا البرهان الرائع الذي يلخص كل تاريخ التعلم والتطور: ان اكبر اختراعين للثورة الفرنسية: لائحة حقوق الانسان... والمقصلة؟؟!!

2ـ خرافة ان البشر يتعلمون من تجاربهم ويطورون انفسهم مع مرور الاجيال.

وهذه ايضا خرافة كبرى، يكفينا دقائق من التفكّر كي ندرك سطحيتها وسذاجتها: لننظر الى التاريخ وحتى الآن:

ـ هل تعلمت البشرية التعايش بسلام رغم كل هذا الكم الهائل من الحروب الداخلية والدولية؟!

ـ هل تعلمت البشرية ان لا تخضع سوى لحكومات وقيادات حكيمة نزيهة رحيمة، رغم كل هذا التاريخ من الخنوع للمخادعين والمهووسين بالسلطان والمال.

ـ هل تعلمنا نحن كأفراد في المجتمع الواحد والحارة الواحدة والعائلة الواحدة، ان نتعايش بيننا بصدق وطيبة وسلام؟!

ـ هل تعلمنا التخلص من الامراض؟؟ هل تعلمنا التخلص من الغيرة والاحقاد؟؟ هل تعلمنا التخلص من الكذب والخداع؟؟ هل تعلمنا التخلص من الطمع والجشع ومص دم الضعفاء؟؟ إذن هي هي اكذوبة: التعلم من التجارب؟؟!!

***

كلا ثم كلا كلا، لم يتغير شيء.. ابدا ليس بسبب تقصيرنا ولا حتى مسؤوليتنا نحن البشر، بل هنالك حقيقة مطلقة يساء فهمها، وهي رغم بساطتها الا انها خلاصة الخلاصة:

1ـ نحن البشر خاضعون لقانون، لنسميه ما نشاء: الهي، سماوي، طبيعي، مجهول الخ، المهم هذا هو فحواه:

حتمية ان (الجماعات البشرية) طيلة التاريخ وفي كل مكان، تتوزع عليهم بنسب مختلفة بين الافراد، نفس كمية الصفات الايجابية والسلبية: الصدق والكذب، الرحمة والقسوة، الانانية والجماعية، الانكفائية والاريحية، التشاؤمية والتفاؤلية، التوازن والقلق، الثبات والحركة، القناعة والجشع.. الخ الخ.. وهذا الصفات تتكرر هي ذاتها في جميع الاجيال والجماعات والشعوب، بغض النظر عن مستواها المعرفي والتحضري والتربوي.. الخ..

2ـ نعم هنالك فائدة واهمية للتعلم والتحضر واكتساب التقنيات، ولكن ابدا ابدا ليس من اجل تطوير حياتنا واخلاقنا وحسن تعايشنا، لا ابدا، بل من اجل الفائدة الكبرى التالية:

ـ ان نمتلك القوى (المعرفية والتقنية والعسكرية) من اجل حماية انفسنا من الاقوياء، جماعات ودول التي تمتلك المعارف والتقنيات لخداعنا وارهابنا والسيطرة علينا..

نعم، العلـم نـور، ليس للاخلاق والسعادة، بل للقوة والسيطرة، ليس اكثر!

لهذا علينا التخلص من اعتبار العلم والتحضر وسيلة وسببا للتعالي واحتقار الاخرين، وايضا سببا للشعور بالنقص والخنوع للمجتمعات الغربية التي تمتلكه.. بل ليكن العلم وسيلة لتضامننا وتطوير قوانا للدفاع عن اوطاننا وكرامتنا، ليس اكثر..

***

سليم مطر ـ جنيف

...................

موضوعنا هذا، هو القسم المكمل للقسمين السابقين الذين نشرناهما عن هذه الاشكالية الكبرى: (خرافة الحداثة ووعودها المقدسة)

نقترح عليكم مطالعة هذه الاقسام كاملة في موقعنا، مع الصور والكتابة الواضحة:

https://www.salim.mesopot.com/hide-feker/155-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%91%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%8A%D8%B1%D9%81%D8%B6%D9%87%D8%A7-%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D8%8C-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%84-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%B2%D9%85%D8%A7%D9%86%D8%9F.html

في المثقف اليوم