عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بدر الفيومي: تحوّلات مفهوم "التدين" في الفكر العربي والإسلامي المعاصر (3)

(1850- 2026)

رأينا في المقال السابق كيف أسهم النسق الإصلاحي العقلاني الذي ساد مرحلة النهضة في منح التدين قدرةً ملحوظة على التعايش مع التحولات الحديثة، كما أتاح قدرًا من التقارب بين المتفقهين والمثقفين داخل فضاء فكري واجتماعي مشترك، حيث لم تكن الحدود بين الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والسياسي قد اكتسبت بعدُ طابعها الصارم الذي عرفته المراحل اللاحقة.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا، إذ بدأت التحولات السياسية والاستعمارية تعيد تشكيل مفهوم التدين ووظيفته داخل الوعي الجمعي العربي، ليدخل في مسارات جديدة أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وفي هذا المقال ننتقل إلى دراسة المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى منتصف القرن العشرين، للوقوف على أبرز التحولات التي طرأت على مفهوم التدين في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية التي شهدها العالم العربي والإسلامي آنذاك، حيث نجد أن مفهوم التدين بدأ يتحرك داخل نسق مغاير تمامًا لما كان عليه في لحظة النهضة؛ إذ لم تعد الأسئلة المركزية تدور حول الإصلاح والعمران والتحديث بقدر ما أصبحت تدور حول الهوية والبقاء والمقاومة.

فمع توغل الاستعمار في المجال العربي والإسلامي، وتهاوي ما تبقى من البنى الجامعة التقليدية، بدأ الوعي الجمعي يعيش حالة قلق حضاري حاد، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الشبيبة إلى البحث عن ملاذ رمزي يعيد إليها الشعور بالتماسك والانتماء. وهنا بالتحديد بدأ التدين يتحول من كونه مشروعًا إصلاحيًا مفتوحًا إلى كونه هوية مقاومة ومشحونة بالتوتر الحضاري.

ولعل الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه هنا أن هذا التحول لم يكن وليد التنظير الفكري وحده، بل كان ثمرة نسقية معقدة تشابكت فيها الهزائم السياسية مع التفكك الاجتماعي ومع تغوّل النموذج الغربي في التعليم والإدارة والثقافة. فقد شعر كثير من الناس آنذاك أن المجال العام يُعاد تشكيله بعيدًا عن المرجعية الإسلامية، وأن الدولة الوطنية الناشئة تتجه تدريجيًا نحو أنماط من العلمنة والإدارة الحديثة لا تمنح الدين موقعه المركزي الذي كان يحتله سابقًا. ومن ثَمّ، بدأ التدين يكتسب وظيفة دفاعية جديدة، لا بوصفه علاقة روحية وأخلاقية فحسب، بل بوصفه وسيلة لحماية الذات الحضارية من الذوبان داخل الأغيار.

وفي هذا السياق تحديدًا ظهرت الحركات التنظيمية الحديثة التي أعادت بناء مفهوم التدين على أسس أكثر حركية وانضباطًا. ولم يعد التدين مجرد تجربة فردية مرتبطة بالتزكية والعبادة، بل صار يدخل شيئًا فشيئًا في بنية التنظيم والتعبئة وإعادة تشكيل المجتمع. وهنا يبدوا التحول بالغ الأهمية؛ لأن التدين بدأ ينتقل من فضاء المسجد والكتاب والمدرسة إلى فضاء الجماعة والتنظيم والنسق الحركي المغلق أحيانًا. والأمر الذي يقودنا إلى ملاحظة فارقة أن صورة «المتدين» نفسها بدأت تتغير داخل الوعي الجمعي، فلم يعد المتدين هو ذلك الإنسان المنصرف إلى إصلاح نفسه ومجتمعه بهدوء، بل أصبح في بعض السياقات هو الإنسان المنخرط في مشروع تعبوي واسع يسعى إلى إعادة صياغة المجال العام بأكمله.

ومع تزايد الاستقطاب السياسي والفكري، بدأت بعض النهوج التنظيمية تميل إلى رسم حدود حادة بين «المتدين» و«غير المتدين»، وهي الحدود التي ستتضخم لاحقًا بصورة أكثر حدة. فقد تحوّل التدين تدريجيًا إلى غرابيل اجتماعية وثقافية يتم من خلالها تصنيف الناس والحكم على وعيهم ودرجة التزامهم. وشيئًا فشيئًا، أخذت بعض المظاهر الشكلية تحتل موقعًا متقدمًا في تعريف التدين داخل المخيال الشعبي، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المرتبطة بالأخلاق والعمران والحرية والعدالة. ومن هنا بدأت تظهر البذور الأولى لذلك الانزياح الذي سيقود لاحقًا إلى اختزال الدين في مظاهر جزئية أو شعارات مغلقة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام بعض المجترئين كي يحتكروا الحديث باسم الدين ذاته.

ناهیک عن أن التحولات الدولية آنذاك أسهمت بدورها في إعادة تشكيل التدين داخل المجال العربي والإسلامي؛ فصعود القوميات الحديثة، وانهيار الخلافة العثمانية، وتزايد الخطاب الاستعماري، كلها عوامل دفعت قطاعات من الشبيبة إلى النظر إلى التدين بوصفه آخر الحصون المتبقية في مواجهة التفكك الحضاري.

غير أن المشكلة لم تكن في هذا الشعور في ذاته، بل في الكيفية التي أُعيد بها تشكيله داخل بعض الأنساق الحركية المغلقة، بحيث تحوّل أحيانًا من قوة أخلاقية منفتحة إلى أداة للمفاصلة والاستقطاب. وهنا بالتحديد بدأ التدين يفقد شيئًا من طابعه الإصلاحي الرحب الذي ميّز لحظة النهضة، ليدخل تدريجيًا في مسارات أكثر توترًا واحتقانًا، الأمر الذي سيبلغ ذروته لاحقًا مع مرحلة الصدام الأيديولوجي والدولة الوطنية بعد منتصف القرن العشرين.

وإذا ما حاولنا الاقتراب من المرحلة الممتدة منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى ما قبل الثورات العربية، نجد أن مفهوم التدين بدأ يدخل طورًا جديدًا مختلفًا في بنيته ووظيفته معًا؛ إذ لم يعد التدين في هاتيك اللحظة خاضعًا بالكامل لسلطة المؤسسة الدينية التقليدية، ولا لسلطة التنظيمات الحركية المغلقة كما كان في العقود السابقة، بل بدأ يتحرك داخل فضاء سيّال ومفتوح أعادت تشكيله العولمة والفضائيات والثورة الاتصالية المتسارعة.

ومن هنا تحديدًا بدأت تتفكك النسقية الصلبة التي حكمت التدين طوال عقود، لتحل محلها حالة من التعدد والتشظي والانتقائية، الأمر الذي يقودنا إلى ما يمكن تسميته فعلًا بـ«المنطق المائي» للتدين المعاصر؛ حيث لا يقين مستقر، ولا مركزية معرفية واحدة، ولا سلطة قادرة على احتكار تشكيل الوعي الجمعي كما كان الأمر سابقًا. فقد شهد حاضرنا المعيش آنذاك انفجارًا هائلًا في وسائل الإعلام الديني، بدءًا من أشرطة الكاسيت التي هيمنت في الثمانينيات، وصولًا إلى القنوات الفضائية العابرة للحدود في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.

وهنا ظهر ما يمكن وصفه بـ«التدين الإعلامي»؛ إذ لم يعد المتدين يتلقى معارفه عبر حلقات العلم التقليدية أو المؤسسات التعليمية وحدها، بل صار يتشكل عبر الشاشات والبرامج الجماهيرية والخطابات السريعة التي تخاطب العاطفة أكثر مما تبني المعرفة العميقة. والأمر الذي يبدوا بالغ الدلالة أن صورة الشيخ نفسها تغيرت؛ فلم يعد الشيخ مجرد متفقه أو عالم تقليدي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى شخصية جماهيرية قادرة على التأثير في الشبيبة عبر الأداء الإعلامي والكاريزما واللغة المبسطة.

وفي هذا السياق برز نمط جديد من التدين يمكن وصفه بالتدين الانتقائي أو الفرداني؛ إذ أخذ الأفراد يُعيدون تركيب تدينهم بأنفسهم خارج الأنساق التقليدية الصارمة. فلم يعد الإنسان ملتزمًا بنهج فقهي أو حركي واحد، بل صار ينتقي من الخطابات والفتاوى والممارسات ما يتوافق مع تجربته الشخصية وواقعه الاجتماعي.

 ومن ثَمّ، أصبح التدين أكثر مرونة وسيولة، لكنه في الوقت ذاته فقد كثيرًا من تماسكه المعرفي القديم. وهنا بدأت تظهر ظواهر شديدة التعقيد؛ كتدين الاستهلاك، والتدين المناسباتي، والتدين العاطفي السريع، وهي ظواهر لم تكن مألوفة بالصورة ذاتها في المراحل السابقة. ناهیک عن أن العولمة الثقافية أعادت هي الأخرى تشكيل علاقة الشبيبة بالدين والهوية. فقد وجد كثير من الشباب أنفسهم يتحركون بين عوالم متناقضة؛ عالم محلي محافظ، وعالم رقمي عالمي مفتوح على كل الأفكار والصور وأنماط الحياة. وهذا التداخل بين الأنساق المختلفة خلق حالة من القلق الهوياتي المستمر، الأمر الذي دفع بعضهم إلى مزيد من التشدد والانغلاق، بينما دفع آخرين إلى أنماط من التدين الخفيف أو الرمزي أو حتى الانفصال التدريجي عن المجال الديني كله.

وهنا يبدوا أن الأزمة لم تعد أزمة التزام ديني فحسب، بل أزمة معنى وهوية وموقع داخل عالم متغير بصورة متسارعة. ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن التدين أصبح أكثر قابلية للتسليع والاستهلاك الإعلامي. فقد دخل السوق بقوة إلى المجال الديني، وتحول بعض الخطاب الدعوي إلى منتج جماهيري يخضع لقوانين المشاهدة والتأثير والانتشار. ومن هنا ظهرت شخصيات دعوية جديدة تخاطب الطبقات الوسطى بلغة التنمية البشرية والنجاح الفردي أكثر من مخاطبتها للأسئلة المعرفية والروحية العميقة. وبينما رأى بعض المشككين في هذه الظاهرة نوعًا من التخفف الإيجابي من الراديكالية القديمة، رأى آخرون أنها قادت إلى تفريغ التدين من مضمونه المعرفي والتحويلي، وتحويله إلى ممارسة استهلاكية ناعمة لا تمس البنى العميقة للوعي أو السلوك.

 نخلص إذن إلى أن هاتيك المرحلة لم تشهد تراجع التدين بقدر ما شهدت إعادة تشكيله داخل نسق عالمي جديد تحكمه السرعة والسيولة وتفكك المرجعيات الكبرى. حيث خرج التدين من الأطر المغلقة القديمة، لكنه لم يدخل في المقابل إلى حالة استقرار معرفي أو أخلاقي واضحة، بل أصبح يتحرك داخل فضاء متشظٍّ تتنازعه المؤسسات الرسمية، والحركات الحركية، وقادة الرأي، والإعلام، والسوق، والمنصات العابرة للحدود.

وهكذا صار التدين أكثر حضورًا في المجال العام من جهة، وأكثر هشاشة واضطرابًا من جهة أخرى، الأمر الذي سيمهد لاحقًا للانفجار الأكبر مع الثورات العربية وصعود الإعلام الرقمي والخوارزميات في العقد التالي.

وللحديث بقية؛ إذ ننتقل في المقال القادم إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة ما بعد الثورات العربية منذ عام 2011م وحتى وقتنا الراهن، حيث يبدو أن مفهوم التدين قد دخل أكثر مراحله سيولةً واضطرابًا منذ بدايات العصر الحديث. فلم تعد التحولات تقتصر على مضامين الخطاب الديني أو أنماط الممارسة التعبدية فحسب، بل امتدت لتطال مصادر الشرعية الدينية وآليات إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي الديني ذاته، في ظل فضاء رقمي مفتوح وتحولات اجتماعية وثقافية متسارعة أعادت رسم العلاقة بين الفرد والدين والمجتمع على نحو غير مسبوق.

***

بقلم د. بدر الفيومي