قضايا
عدنان عويّد: السلفيّة الدينيّة من تحطيم العقل إلى تحطيم المجتمع
مدخل: عناصر البحث:
1- ملخص عن البحث:
2- مدخل:
3- في المفهوم، السلفيّة السنيّة أنموذجاً:
4- مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:
5- مصادر تلقي الدين عند السلفيين كما حددها الشافعي:
6- الخاتمة:
1- ملخص البحث:
إذا كان تعريف العقل عند الإنسان هو جملة المعارف التي اكتسبها هذا الإنسان تاريخيّاً من خلال علاقته مع الطبيعة والمجتمع، فإن العقل في علاقته الحميميّة والجدليّة مع الدماغ الإنساني هو من يقوم بتخزين هذه المعارف، ومن ثم تحليلها وتركيبها، وبالتالي توظيفها وفقاً لمصالح وحاجات الإنسان الفرد والمجتمع معاً.
فالعقل وفقاً لهذا المعطى – أي وفق تحالفه مع الدماغ - هو الوسيلة الأكثر فاعليّة ليس في ضبط حركة وتوازن الجسم الإنساني فحسب، بل هو الأكثر فاعليّة أيضاً في ضبط آليّة وحركة المجتمع. فمع غياب هذا العقل يفقد الفرد والمجتمع توازنهما. وعلى هذا الأساس تأتي دعوتنا إلى إيلاء العقل دوره ومكانته في هذه الحياة، والتصدي معرفياً وبحزم لكل من يحاول النيل منه. فمثل هؤلاء الذين يحاربون العقل ويكفرون ويزندقون أصحابه ودعاته باسم النقل، هم في الحقيقة من يسيئ للنقل ذاته أيضاً، أي من يسيئ للتراث بعد أن يقوم بتقديسه وإغلاقه وجعله المرجع الوحيد للحقيقة من جهة، ثم اعتبار من اشتغل على تكوينه في مراحل تاريخيّة محددة هم أناس كل منهم (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)، أو هم (كالنجوم الزاهرة بأي منهم نقتدي نهتدي) من جهة ثانية.
إن هذا الفهم للنقل قامت بتجسيده في حياة الأمتين العربيّة والإسلاميّة فكريّاً وسلوكيّا، قوى اجتماعيّة نعتت نفسها بالسلفيّة، وقالت بأنها هي وحدها من يمتلك حقيقة الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا ما سنجده في هذه الدراسة.
2- مدخل:
يعزف المرء أحيانا عن الخوض في بعض المواضيع ذات الطبيعة الحساسة، وخاصة الدينيّة أو السياسيّة منها خشية المتاعب التي قد يلاقيها، أو لأن المواضيع ذاتها على درجة من الغموض والإشكاليّة وأيضا التقديس، بحيث يغدو التعرض لها نوعاً من المغامرة العلميّة والأخلاقية والمعرفيّة. ولكن المرء يضطر أحياناً برأي إلى الخوض في مثل هذه المواضيع الحساسة والإشكاليّة لما لها من أهميّة في توعية الجماهير المضطهدة والمغيبة عقليّاً، وتبيان أسباب قهرها واضطهادها وتجهيلها من جهة، ثم المساهمة في تحريك الشارع موضوعيّاً وذاتيّاً وضبط آليّة علاقاته من جهة ثانية، أو لتبيان ما تتركه هذه المواضيع من آثار على جملة الحياة الاجتماعيّة والفكريّة، كما نرى من مشاهد اللامعقول التي تمارس باسم الدين ومشروع الإسلام السياسي اليوم على الساحة العربيّة والإسلاميّة من جهة ثالثة.
إن مسألة أو موضوعة السلفيّة، أو ما يسمي أيضا بأهل الحديث أو أهل السنة والجماعة، وكذلك السلفيّة في الفكر الشيعي عموماً، والخلافات الفكريّة الدائرة بين تياراتها، كالخلاف الدائر منذ زمن طويل ما بين الوهابيّة نفسها عبر مؤسستها وأحزابها الدينيّة، وبين التيارات السلفية الأخرى السابقة لها أو اللاحقة كالأشاعرة والماتريديّة والسروريّة والإخوان من جهة، أو الصراعات والخلافات الدائرة بين المذاهب السلفيّة كالمالكيّة والشافعيّة والحنبليّة والحنفيّة من جهة أخرى، وهذا الخلاف أو الصراع ينطبق أيضاً على التيار السلفي الشيعي ومفرداته المذهبيّة والطائفيّة، كالصراع الخفي عقديّاً الذي دار ولم يزل بين الاثنا عشريّة والاسماعيليّة والعلويّة وغيرهم منذ العصور الوسطى حتى اليوم. وبالتالي ما تركته هذه المذاهب والفرق بكل تجلياتها وخاصة السنيّة منها، مع المعتزلة والجهمية ومن اشتغل في علم الكلام والفلسفة في العصور الوسطى أولاً، أو مع العدو اللدود لهم سياسيّاً ومذهبيّاً وهم الشيعة بكل تياراتها أو فرقها ومذاهبها قديماً وحديثاً ثانياً. هذا إضافة إلى صراعها مع كل ما يتعلق بالفكر الوضعي السياسي منه والاجتماعي في عصرنا الحاضر وبخاصة الفكر القومي والاشتراكي في صيغتيه اليساريّة أو الليبراليّة ثالثاً.
نقول: إن هذه المسألة موضوع بحثنا – أي مسألة الخطاب السلفي السني - شكلت في الحقيقة ولم تزل تشكل أحد المواقف الإشكاليّة السياسيّة والفكريّة (العقديّة) في التاريخ العربي والإسلامي منذ وفاة الرسول حتى هذا التاريخ، وذلك لاعتبارات كثيرة، منها السياسيّة، ومنها العقديّة، ومنها الفكريّة /الفلسفيّة، ومنها الفقهيّة، ومنها الأمر الأهم الذي لم يزل قائماً ويمارس تأثيره في مجرى الحياة العربيّة والإسلاميّة بشكل واسع في حياتنا المعاصرة، وهو اعتبار دعاة وأتباع هذه المذاهب والفرق أنفسهم بأن كل منهم يعتبر "الفرقة الناجية"، وخاصة السنة الذين تبلورت دعوتهم السلفيّة تماًماً مع محنة "ابن حنبل" في الربع الأول من القرن الثالث للهجرة، حيث اعتبر من يختلف معهم في معطيات مذهبهم أو فرقتهم، كفرة وزنادقة ومن حقهم استباحة دمهم وأموالهم، في الوقت الذي يجدون فيه من يشجعهم من الحكومات والسلطات السياسيّة، التي تقدم لهم كل الدعم المادي والمعنوي من أجل نشر أيديولوجيتهم هذه وتسييدها في العالمين العربي والإسلامي، فراحت فتاوى ودراسات ومقالات مشايخهم تضع معايير الجرح والتعديل لتحدد من هو الكافر ومن هو المؤمن، ثم ما هي جزاءات كل فرقة من الفرق الضالة ومن يتبعها. بعد أن قاموا بليّ الكثير من أعناق النصوص الدينيّة المقدسة وبخاصة الآيات القرآنيّة، وما نسبوه للرسول محمد (ص) من أحاديث، بل وحتى بعض مقولات مشايخ الإسلام المعتبرين أمثال "ابن تيميّة وابن قيم الجوزيّة"، معتمدين في ذلك أيضاً على الكثير من كتب مشايخ وأئمة المذهب السلفي الدينيّة في العصور الوسطى أمثال الشيخ القاضي أبي بكر بن العربي (468-543 هـ). في كتابه الفريد (العواصم من القواصم)، وفكر من حققه وهو الشيخ (محب الدين الخطيب). هذا الكتاب الذي تناول فيه الدفاع عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومواجهة كل من يحاول التشكيك في مصداقيّة أي واحد منهم، ونعته بالكفر والزندقة. وهو الكتاب الذي لقي كل الترحيب من هيئة الأمر بالمعرف في الحجاز سابقاً. وكذلك اعتمادهم في عصرنا الحاضر على الكتاب المهم جداً بالنسبة لمسألة جهاد الكفار للدكتور (عبد الله عزام)، "الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان" وهو أحد مؤسسي تنظيم القاعدة، حيث ابتدأ هذا الكتاب بقوله تعالى: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.). (41 التوبة -). واتكأ في مضمون كتابه المتعلق بالجهاد، على معظم مشايخ تيارات السلفيّة وأئمتها ورجالاتها في العصور الوسطى، وعلى الكثير من رجالات ومشايخ وأئمة هذا المذهب وتياراته وبعض مؤسساته الدينيّة المعاصرة وبخاصة الوهابيّة، وبعض زعماء تيار "الإخوان المسلمون"
3- في المفهوم: السلفيّة السنيّة أنموذجاً:
لقد أجمع مشايخ وأئمة السلفيّة وعلى رأسهم علماء الحركة الوهابيّة بأنها: الرجوع إلى الكتاب والسنة لفهم سلف الأمّة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والسلفيّة عندهم ليست مذهباً ولا حزباً ولا جماعةً، بل هي الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته. وهي الدعوة إلى نبذ كل شيء حدث في الدين ولم يكن منه في جميع أبوبه إن كان في العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق. وأخيرا، السلفيّة هي الطائفة الناجية أو الفرقة المنصورة إلى قيام الساعة.(1)
أما مفهوم السلف: فقد بين علماء الدين من التيار السلفي، أن المراد بمصطلح السلف تاريخيّاً، هم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الثلاثة الأولى. وبذلك أصبحت عقيدة السلف دليلاً على ما كان عليه هؤلاء ومن تبعهم من الأئمة الأربعة (المالكيّة والشافعيّة والحنفيّة والحنبليّة) وغيرهم من الفقهاء ومشايخ وأئمة الدين المعروفين ممن يهتمون بالشأن الديني السلفي أمثال: (سفيان الثوري، وحماد بن سلمه، والاوزاعي، وعلي بن ألمديني، وأبو داوود، والنسائي، وابن ماجة، وأبو حسن الشعري، وأبو حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن القيم الجوزيّة، وابن حجر، وابن كثير، وابن عبد البر، والشاطبي، والإمام محمد بن عبد الوهاب، وفي هذا العصر ابن باز، والألباني، والشيخ البوطي، والعثيمين، والشيخ الفوزان والقرضاوي...) وغيرهم الكثير. بل وسائر أصحاب السلف الذين اتبعوا طريق الأوائل جيلاً بعد جيل. ولتأكيد رؤيتهم أو موقفهم هذه رجع بعض فقهاء السلفيّة إلى القرآن والحديث وأقوال الصحابة ليقدموا الأدلة النصيّة التي تدعم حجتهم، وتشير إلى تكريم الله لهؤلاء السلف وفضلهم على غيرهم من المسلمين. كتفسيرهم لقول الله عز وجل عن المهاجرين: (للفقراء المهاجرين الذين أ ُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). الحشر الآية (9). وكذلك تبيان أهمية دور من بايع الرسول (ص) في بيعة الرضوان، في تفسيرهم لقوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم...) . سورة الفتح من الآية (18) . وأيضاً في تأكيدهم على أهميّة من آمن قبل الفتح وبعده في تفسيرهم لقوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى.). سورة الحديد. الآية (10). كما يؤكدون مسألة أهمية السلف ومكانتهم بناءً على أحاديث للرسول الكريم، منها ما رواه مسلم والبخاري يقول فيه: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). وكذلك قول الرسول: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي - وفي رواية لمسلم -، أحدا من أصحابي - فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) . متفق عليه. أما الأكثر وضوحاً في هذا الاتجاه فهو حديث للإمام الشافعي يسند إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص): (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيئ في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.). (2).
إذن انطلاقاً من هذا الموقف الفكري الديني الوثوقي القائم على تفسير النص الديني المقدس بشأن السلف ودورهم ومكانتهم (الثابتة عبر الزمان والمكان). انبثق مصطلح السلفيّة وتبلور فيما بعد، وأخذ أيضاً سعته وحيويته كي يشمل مختلف العلماء والدعاة والمصلحين من أهل السنة والجماعة الذين يدعون بأنهم يقتدون بالسلف الصالح على مختلف مراحل وفترات التاريخ الإسلامي، بما فيها المرحلة الحاضرة ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفاً عن سلف دون من رمِيَ ببدعة أو شُهِرَ بلقب غير مرض بالنسبة لهم، مثل الخوارج والروافض والقدريّة والمرجئة والجهميّة، ومن يعتبرونهم على شاكلتهم من أهل زمننا كالقوميين والليبراليين واليساريين والعلمانيين ودعاة الديمقراطيّة.
هذا وقد قرر دعاة هذا التيار السلفي، بأن السلفيّة في صيغتها التي جئنا عليها أعلاه، هي منهج الإسلام، وعلي كل مسلم أن يلتزم نهجها، ومن يخرج عنه فهو مبتدع وضال، لذلك سموه بالمنهج السلفي.
إن إتباع منهج السلف في الإيمان والعمل والتزكية، هو أمر الله وأمر رسوله ولا يجوز الانحراف عن تلك الجادة قيد أنملة، وإن دعاة هذا المنهج أو المؤمنين به هم الفرقة الناجية بعد أن انقسم المسلمون علي ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. وهي التي حددها الرسول (ص) كما يقولون في قوله عندما سئل من قبل الصحابة عن الفرقة الناجية فقال:(هي ما أنا عليه وأصحابي- وفي رواية أخرى قال " الجماعة"). صحيح أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما.
وأهل السنة أيضا، هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي زمان أو مكان وُجد... قال النووي:" ولا يلزم أن يكونوا – أي الطائفة المنصورة – مجتمعين – يعني في مكان واحد – بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض.).(3).
يُذكر أن "ابن تيمية" وشيوخ السلف الذين أخذوا بالقرآن والحديث والإجماع والقياس، كانوا يشيرون لأنفسهم بأهل السنة والجماعة لاعتقادهم أنهم الفرقة الناجية المتبعة للنهج الصحيح لأهل السنة والجماعة. ومآل أهل السنة، أي السلفيّة، أو (الفرقة الناجية) الجنة ابتداءً كما يقررون، إلا إذا زادت سيئات أحدهم علي حسناته فحينها يستحق دخول النار علي قدر زيادة السيئات، وإذا ما تساوت حسناته وسيئاته فهو في المشيئة، (أي الله وحده هو من ينظر في أمره)، ولو دخل النار فمآله في النهاية إلي الجنة ولابد.) (4)
4- مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:
إن مآل من حاد عن منهج أهل السنة والجماعة واتبع فرقة من تلك الفرق الضالة الناريّة الـ (73) التي أخبر عنها الرسول في حديثه، فهو الكفر وبالتالي النار. هذا وقبل أن ندخل إلى تحديد تلك الفرق الضالة التي أشار إليها السلفيون وقالوا عنها بأنها "فرق ناريّة" دعونا نقف قليلاً عند مسألة تحديد معنى الكفر عندهم واتجاهاته:
أولاً تكفير النوع: ويعني أن العمل الفلاني فِعـْلـُهُ كفر أكبر، مثل من سجد لغير الله فقد كفر، ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد كفر، ومن دعا إلى غير الله فقد كفر. (5)
ثانياً تكفير العين: ويعني أن فلاناً بعينه كافر لارتكابه العمل ألكفري.
وما يهمنا في جانب التكفير بعمومه هنا، هو تحديد الفرق الدينيّة غير الناجية التي كفرتها الفرقة الناجية، أي فرقة (أهل السنة والجماعة).(6)
جاء في الحديث الرسول: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتي وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا من هم يا رسول الله؟، قال: هم الجماعة.) (وقال: هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.).
لقد حُددت الفرقة الناجية، والفرق التي لا تُعد من فرق الأمّة الإسلاميّة الـ/73/ أصالة، وهي فرق كافرة نوعاً وعيناً مثل (الدروز والعلويّة والإسماعيليّة.. الخ. وهذه فرق بنظرهم "تؤله غير الله عز وجل". وهناك أيضاً فلاسفة الصوفيّة "القائلون بالوجود المُطلق أو وحدة الوجود"، وغلاة الصوفيّة "الحلوليّة والاتحاديّة"، وهناك غلاة الرافضة الذين يقولون بتحريف القرآن ونقصانه ويؤلهون الأئمة وآل البيت.) وغيرهم. وهناك من الفرق الناريّة التي أقوالها أقوالا كفريّة وأعمالها أعمالا كفريّة، فالتكفير هنا تكفير نوع لا تكفير عين ٍ، وفي تكفير تلك الفرق بعين أفرادها خلاف سائغ بين العلماء، (مثل الرافضة غير الغلاة (الذين يسبون الصحابة ويكفرون بعضهم والذين يقولون بالرجعة والإمامة والتقية وغيرها).(7). وهناك المعتزلة (القائلون بنفي الصفات مع إثبات الذات والأسماء ويقولون سميع بلا سمع وبصير بلا بصر)، وبعض فرق الصوفيّة وهي الطرقيّة (الذين يتبركون بالقبور ويتمسحون يطوفون بها وينذرون لها وغير ذلك)، فمن كان من عوام تلك الفرق متأولاً أو جاهلاً أو مُلـَبَّساً عليه فهو في مشيئة الله تعالي، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وهو مستحق للعذاب ابتداءً، وحتي لو دخل النار علي قدر مخالفته فمآله في النهاية إلي الجنة والله أعلم.
أما الْعَالِمْ من أهل تلك الفرق، الذي علم الحق ولم يظهره ، ودعا لذلك الكفر أو الشرك لأي مرض قلبي، أو لأي شهوة، فهو كافر هالك في النار. وهناك من الفرق الناريّة التي لا خلاف في عدم تكفير أهلها، ولكنهم مبتدعة ضالون، (مثل عامة الزيديّة الذين يقولون بأن أفضل الخلق بعد النبي هو علي بن أبي طالب ولكنهم يثبتون إمامة أبي بكر وعمر دون لعنهم أو سبهم. والمرجئة الذين يخرجون عمل القلب والجوارح من الإيمان) وغيرهم. (8).
إن تقويم السلفيين للكثير من الطوائف والفرق الدينيّة التي جئنا عليها أعلاه، والتي لم يزل قسم كبير منها قائماً حتى هذا التاريخ، هو التقويم ذاته بنظرهم الذي حدده "الشهرستاني" في كتابه (الملل والنحل)، أو "البغدادي" في كتابه (الفرق بين الفرق). علماً أن الزمن تغير وتطورت تلك الأقليات الدينيّة في فهمها للدين بسبب تطور العلم والمعرفة، وتلقيهم الكثير منهم الفكر الديني في زمننا المعاصر من المصادر ذاتها التي يتلقاها بقية المسلمين في المدارس والجامعات، ولكن ظلت صفة الطائفة لهذا الشخص أو ذاك لعنة عليه حتى ولو كان جاهلا أو حتى طفلا.
5- مصادر تلقي الدين عند السلفيين كما حددها الشافعي:
جاء في كتاب الرسالة للشافعي، أن السلفيين يعتمدون في تلقي الدين على المصادر التالية:
1- القرآن الكريم: وهو المصدر الرئيس عند السلفيّة ويستعينون على فهمه وتفسيره بالعلوم المساعدة على ذلك، كعلوم اللغة العربية والعلم بالناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول وبيان مكيّة ومدنية نزول الآيات، وغير ذلك من علوم تتعلق بدراسة وفهم القرآن الكريم.
2- السنّة الصحيحة: والسنّة عندهم هي كل ما نقل من أقوال وأفعال وصفات خلقيّة للرسول (ص) بعد تصحيحه والتأكد من سنده ومتنه من قبل علماء الحديث ، وفقاً لعلوم أصول الحديث.
ونتيجة لهذا العلوم يمكن الجزم بصحة نسبة الحديث المروي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو بكذبه، أو الحكم له بالحسن أو الضعف.
وفي هذا العلم يقسم الحديث إلى قسمين مقبول ومردود، فأقسام الحديث المقبول أربعة: الصحيح، والحسن، والصحيح لغيره، والحسن لغيره، ولكل واحد منها تعريف وأبحاث عديدة، ومن أهمها على سبيل المثال لا الحصر تعريف الحديث الصحيح بأنه: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً. ومصادره عديدة منها (الموطأ) للإمام "مالك" و(صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري وصحيح مسلم بن الحجاج القشيري، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمختارة لضياء الدين المقدسي، والمستدركات على الصحيحين كمستدرك الحاكم، والمستخرجات عليهما، وكتاب الخراج لأبي يوسف، وسنن الدار للقطني، ومسند ابن حنبل، وسنن الدرامي وغيرها.). (9).
وأما الحديث المردود فهو أنوع، منها الضعيف والمضعَّف والمتروك والمطروح والموضوع، وكذلك لكل منها تعريفه ومسائله. فمن ذلك أن الحديث الضعيف هو ما فقد شرطاً من شروط الحديث المقبول باختلال عدالة الراوي، أو ضبطه، أو انقطاع السند، أو شذوذ المتن، أو وجود العلة القادحة، أو عدم وجود العاضد عند الحاجة إليه.
ولا يشترطون أن يكون الحديث متواتراً، بل هم يعملون بالمتواتر والآحاد على السواء. (10) .
3 - الإجماع: هو اتفاق جميع رجال الدين المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور على حكم شرعي. وإن اتفقوا سواء في عصر الصحابة أو بعده على حكم من الأحكام الشرعيّة، كان اتفاقهم هذا إجماعا. بيد أن السلفيين لا يقرون قولاً ولا يقبلون اجتهاداً إلا بعد عرضه على تلك الأصول. أي هم يجتهدون بآرائهم على ضوء تلك المصادر أو الأصول من دون أن يخالفوها. ومرد إيمانهم بأهميّة العودة إلى الإجماع هو حديث للرسول رواه ابن عباس يقول فيه: (مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.). (11).
إن مفردة (أصحابي) التي جاءت في هذا الحديث قام الكثير من فقهاء وأئمة السلفيّة بفتح دلالاتها، حيث أقر بعضهم بأن أصحاب الرسول والمقتدون بسيرته هم كل من عاصره، وهم التابعون أيضاً وتابعوهم. يضاف لهم رأي أهل المدينة.
4- القياس: وهو حجة عندهم سواء كان جليّاً أو خفيّاً. ويعتقد السلفية بل يقرون بأن (لا خلاف بين نقل صحيح وعقل صريح.). وأن النقل مقدّم على العقل، فلا يجوز معارضة الأدلة الصحيحة من كتاب وسنة وإجماع بحجج عقليّة أو كلاميّة. وإن الأخذ بالقياس يجوز عندما لا يوجد نص في مسألة. (12) .
6- الخاتمة أو ملاك القول:
إن أهميّة خطورة التيار السلفي على حياة الفرد والمجتمع في تاريخنا المعاصر، لا تكمن في الجانب الوعظي فيه، وهو الجانب الذي يدعو الناس إلى التمسك بقيم الدين الحنيف ممثلة بالمحبة والتسامح وعدم إيذاء الآخرين واحترام الوادين والقيام بالعمل الصالح.. إلخ. وإنما تكمن الخطورة في تفسير وتأويل النص القرآني وإخراجه عن سياقه التاريخي أو ما يسمى بـ (خصوص السبب)، والتعامل مع ظاهر النص واعتباره صالحاً لكل زمان ومكان، والأكثر خطورة أنهم وضعوا أحاديث باسم الرسول والبحث عن نصوص في القرآن والعمل على ليّ عنقها عند تفسيرها أو تأويلها كي تؤيد ما يرمون إليه كما جاء في حديث للإمام الشافعي يُسند إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص) يقول: (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيئ في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.). فراحوا يبحثون عن أدلة في النص القرآني يؤيد هذا الحديث، مثل قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).
نلاحظ هنا كيف تجاهلوا خصوص سبب النزول من جهة، وكيفية التركيز على أشخاصهم كأفراد، على اعتبارهم قدوة لكل زمان ومكان من جهة ثانية. وهم بذلك يوقفون حركة التاريخ في إنتاج رجالات قدوة من بعدهم، وكل من يريد أن يحوز على درجة القدوة لا بد أن يقتدي بهم. هكذا نرى كيف تقوم السلفية بعلمها أو بدون علمها بتحطيم العقل من خلال اعتمادهم كثيراً على النقل وإقصاء العقل أولاً، ثم تحطيم المجتمع باسم الفرقة الناجية ثانياً، وأخيراً من خلال تمسكها بقيم الماضي ورجالته الذين تحولوا إلى نجوم زاهرة بأي منهم نقتدي نهتدي ثالثاً.
***
د. عدنان عويّد
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
.....................
الهوامش:
1- ما هي السلفية الصحيحة- موقع أنا مسلم.
2- - من تصدير كتاب "العواصم من القواصم "تقديم "محب الدين الخطيب". أيضاً يراجع في هذا الاتجاه: (أبو مريم محمد الحريتلي- من هم أهل السنة والجماعة؟ موقع الألوكة الشرعية - 18/5/2010 ميلادي.
3- محمد نبيل الشيمي. موقع الحوار المتمدن. العدد: 3723- 10/5/2012
4- محمد نبيل الشيمي – المرجع السابق.
5- منتدى الإسلام- لمحة عن الفرق الضالة - فضيلة العلامة د. صالح ن فوزان الفوزان.
6- المرجع نفسه.
7- المرجع نفسه.
8- للاستزادة في موضوع الكفر يراجع – الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم - للشيخ علي الشبل- عن موقع العقيدة والحياة. ويراجع أيضاً- الفرق الضالة وموقف أهل السنة منهم – موقع ألدي في دبي العربي).
9- راجع في هذه المسألة: مقال علم الحديث الشريف – عن موقع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – الكويت.
10 – المرجع نفسه.
11- من تصدير كتاب العواصم من القواصم. بقلم محب الدين الخطيب.
12- وفي الحقيقة إن القياس هنا أقرب إلى التشبيه منه إلى كونه آليّة عمل لها أصولها العلميّة بعينها، أو عند وجود نص غير واضح الدلالة، أو غير صحيح.







