قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: وقفات مبحثية مع ديوان (لم يعد يجدي النظر)

 

دراسة في الأعمال الشعرية للشاعر حسين عبد اللطيف.. وقفات مبحثية مع ديوان (لم يعد يجدي النظر) أنموذجا، الفصل الثالث المبحث (2)من إجرائية النواة الدلالية إلى متتالية الأفق التأويلي

توطئة:

تتشكل هواجس مقاربة الواقع النصي في مشروعية الشاعر الكبير (حسين عبد اللطيف) في حدود آليات تجربة نواتية ـ فعلية، شأنها شأن التجارب الرائدة في شجرة الشعرية العربية، وعند المعاينة في مسار هذه الأيقونة الإبداعية الفذة، نلاحظ ذلك التراكم النوعي في ممكنات (إجرائية النواة ـ الفاعل الدوالي) ـ حضورا متصلا ـ ومديات المنظور الآفاقي المرتبط أساسا مع نمو ذلك المركب في وحدات متتالية من التوهج الأفعالي والصفاتي والدلالي في مظاهر (المعنى المتعدد) والذي لا يمكن الإحاطة لنا بحاصلية متوقعاته إلا في كشوفات تأويلية من لدن الناقد أو الباحث الشعري. 

ـ إمكانيات الملفوظ في شواغل الذائقة المؤولة:

تتضافر إمكانيات الملفوظ في قصيدة الشاعر حسين عبد اللطيف تلازما مع طاقة إيحائية متداخلة ومتنافذة على خطاب صياغة الحالات الذواتية في حدود كيانات لغوية تمتلك مساحات شاسعة في (الانزياح ـ اللاممكن التصويري ـ التحليق خارج الحواجز الأحوالية) وهذه الاحتمالات والمعطيات لها جانبية خاصة من تجربة الشاعر في شعره.فالدال الشعري بمستواه النواتي والجمالي يرتاد المجاهيل في دينامية قولية بوصفها تجربة موضوعية ـ ذاتية، لأنه من جهة ما أكثر بلوغا في مكامن أدوات التخييل الحر، ليخلق من ذاته الكيانية انطباعا لدى القراءة بأن الدال ذاته متغيرا ومتحولا بمختلف وسائل حساسية المعنى المضمر.نعاين هنا على سبيل دراسة الأنموذج دلالات قصيدة (هكذا دائما):

في بلدة آمالي

لا توجد

أطلاقاً

شجرة

في الأيام

لم أتمكّن

من إيجاد الباب./ص228

قد تؤسس شفرات المخيلة وتشعباتها الاسلوبية، ذلك الدال الخبروي، الذي يتندر في وسائل اتصاله وحواره مع بنية (الدلالة ـ الرؤية) ففي جملة العنونة (هكذا دائما) تتجسد القابلية الزمنية على كينونة الحالات من تراتيبية وعلاقة ولغة، لتتضح من خلالها منطقة الزمن كديمومة احتواء للأنا المتوقعة داخل سياقها الاحتفاظي بالمسار نفسه من العادات والمقادير والأمزجة الاحوالية، لذا فإن جملة المفتتح (في بلدة آمالي) لا تشكل تحققا يقودنا إلى معطيات مستقرة من الذات وحالها، بل هو الضد من النوع الذي يبلغ تعقيدة حلول جملة اللاحق (لا توجد إطلاقا شجرة) وهذا المراد المتمثل باليباب والجدب، يعاكس ويناقض دلالة المفتتح وما تحمله من خطوط الآمال المحظورة في مستوى الصدور الدلالي (بلدة آمالي ـ اللاتحقق الفعلي بالأداء الممكن) بل أن المعطى الفقداني في تمظهرات الدوال، جعل يؤلف في ذاته ذلك الإيقاع التفعيلي الممتد نحو توافقية الدوال السابقة في النص، لتعكس محاولة غائبة في محاولة النجاة من هذه البلدة، ولكن الصورة بدت أكثر افتقادا للواصلة النقلية من عالم البلدة إلى الخروج منها، وكانت النتيجة المنشودة غياب حتى أبسط ملاءمات التحرر (لم أتمكن.. من إيجاد الباب) وقبلها كان عدم وجود الدال (الشجرة) هو بمثابة الإيعاز الاستنكاري على رفض الذات وجودها في هذه البلدة التي هي بالنتيجة القصوى وطنه المحكم بإغلاق معابر النجاة.

ـ إرساليات التتابع القسري المعاش:

يستغرق (المونولوج التبئيري) في دلالات المقاطع الأخيرة من النص.كحوارية تقابلية تستند في نموذجها على ملامح ضدية من الصفات والأسماء والمواضع الأكثر سوداوية في شواغلها الزمنية والأحوالية:

طوع العين: الليل

طوع الليل: الرمل

طوع الرمل: النسيان

ما أرحب هذه الصحراء

ما أكثر ما تبصره هذه العين!./ص228

وتتلخص آليات رحلة الذات المصفدة في شروعها الواصف، لأجل تبيين مدى ما عليه الجهات التي تحيا فيها الذات الشعرية، فهي تضعنا إزاء شرنقة ملغمة بوسائل حجبية مكينة (طوع العين = الليل / طوع الليل = الرمل /طوع الرمل = النسيان) فبهذا التمكين الوصفي الآسر كم يحتاج المرء من أشواط وأشواطا إلى تجاوز مصيرية الأقفال، بل أنه محتاج إلى جوامع قوى ملكوتية حتى تسير عليه ما اعتادة العين على أن تراه هكذا دائما.والراوي الشعري أمام كل هذا وذاك نراه ماضيا وحاضرا وغائبا في إعلانية أحواله المرهونة في جملة العنونة المركزية (هكذا دائما) .

ـ معادلات دال الشجرة وتقاويم الملابسات الشبكية:

إن حياة الشاعر ظاهر مزامنة بين محاور (بيولوجية ـ حسية ذاكرة وصفية ــ عنفوان التخييل) وطالما هي بالمعنى المشار إليه (حركة تأثير / تأثير انجذاب) تبقى معانقة لدليلها الشعوري في فهم الأشياء بالتأويل وخليط الكلام وصيرورة الممارسة. وعندما يتعامل هذا (الكائن الشعري) مع الظواهر الخارجية والداخلية في كينونته الأبجدية، يسعى إلى مجال التفاعل بشيئية ومادية الأحوال من حوله، فلا ينفك من الانتقال من الشعوري إلى الصور المتخيلة، لذا فهو يسعى إلى ربط العالم البراني للأشياء إلى حدود حيوية داخلية متحولة من الوصف الداخلي الذي يصل غالبا إلى دلالات ترميزية أو توليدية من فعاليات ماثلة بوجودها الحلولي كمصادر مادية لا غير.وبما أن اللغة تتأول عند الشاعر بالصورة الشعرية، فهذا دليل على أن الخطاب الشعري تأويليا يتمحور عبر ممارسة (الوجود الآخر في المعنى الآخر؟) من هنا تواجهنا قصيدة (أعطية الشجرة) حيث الوسائل الأداتية فيها تتراءى من بؤرة العين المؤولة:

آه ، يا لهباً أقتمَ من قصدير أتلفه المطر

يا حبّاً أحمرَ كالثمرة

يا لُبّ الماء حيث العتمةُ

تعمل سيفها الطويل في الأحشاء./ص229

تقودنا الجمل الاستهلالية في النص، إلى علاقات محكومة بـ (التشبيه ـ المشبه به) غير أن الاحساس الأدراكي في القراءة للنص، يمنحنا كل المسارية الكامنة بالوظائف الإجرائية، على النحو الذي يجعل من الصورة الشعرية بكواملها واجزاءها، تبدو معاينة في المتخيل المجسد بالإمكان التصويري.فالجملة العنوانية (اعطية الشجرة) ذات محددات سيميائية (واصلة ـ فاصلة) بل ربما هي الفضاء الذي تتوزع منه اشتغالات الفروع الكلية والجزئية.فالمراد هو بالمعنى المباشر هو عطاء الأغصان في الفسيل الشجري، ونفهم منه تصورا، إنها السلالة الأمومية والحضن الذي يمنح الأبناء (الثمار) جدوى أهمية التواصل في العطاء لها حتى تكن فيها أسباب الحياة.ولكننا نقديا لا نتعامل مع النص الشعري بهذه المفردات الأخبارية الباردة، بل نقول أن خطاب الدوال الأولى تتركز في علاقة مبعثها (الرؤية ـ الوصف ـ المجاز) وهذا الأمر ما تلخصت به الطائفة من هذه الجمل (آه، يا لهبا أقتم من قصدير أتلفه المطر .. يا حبا أحمر كالثمرة .. يا لب الماء حيث العتمة) وهذا الإخضاب في محامل الأوصاف، يطال بالبؤرة الصورية وبالإمكان الاستعاري، فمن خلال الجملة الأولى تتضح لنا مدى مستويات الموصوف، وهو يتعامل مع وظائف العاطفة كحالة (يا لهبا) وهذه العاطفة بدورها تحددها كينونة (الأنا = الكائن الشجري) فهي على لسان حال الراوي، تصف مدى عمق ذلك التعلق الوجداني داخل كينونة الفسيل الذي يتلقى الماء بحدود دفعات شافية، لأجل وصولها إلى بقية الأجزاء في الشجرة، فهذا الماء المتخلخل في المتن النباتي هو من أكثر الصفات بلوغا إلى الأغصان، وإلى درجة (أقتم من قصدير أتلفه المطر) أي بمعنى أن أهمية العنصر المائي داخل شرايين الشجرة، أسمى من ذلك الإشعاع القصديري الذي أتلفته سقوطات غيث الماء: (يا لب الماء حيث العتمة .. تعمل سيفها الطويل في الأحشاء) وهذا أيضا ما يكشف لنا عن العلاقة الكامنة في الوظائف داخل أشكال وتفرعات البنية المائية داخل الشجرة، ومدلولها الواضح بتركيز وتعادل في هذه الجمل الكاشفة للمعنى:

لأبنائنا وبناتنا

منهكة وقصيّة هي الطريق

كيف يصل المسافر حدود الضوء؟

الأكاذيب تربط الأيدي

الطائر يحط ويحلّق

ومن ثم لا يحلّق أبداً ./ص229

تتأكد لنا صورة الأحوال ضمن قابلية تأويلية مؤثرة، راح يسخرها الشاعر من أجل الإشارة إلى حيوات وحساسية الذوات التي تتصف بها جملة (لأبنائنا وبناتنا) ولو راجعنا بذلك المعطى التقويمي في بدايات القصيدة، للاحظنا كم من التشكيل والاندماج والتشابهية قد صرفها الشاعر، لأجل تقديم شجرته العائلية، فهو أعتى من ذلك القصدير الذي (أتلفه المطر) بل وأكثر وجدانا من ذلك الحب (أحمر كالثمرة) فهو بمثابة الطاقة التي تتجلى فيضا في الحيوات الغصنية (يا لب الماء حيث العتمة) فالشاعر تتابعا عبر جمله الشعرية، راح يجسد معادلة توصيفية استثنائية، قد تكون مكامنها متعلقة من خلاله الذاتي كدلالته الأبوية (أبنائنا؟) أو ربما من جهة أخرى فهو يلوح نحو مزالق دروب الأوطان وتيه الفرد والأفراد فيها (كيف يصل المسافر حدود الضوء؟) فيما تبقى مهمة المعادلة الموضوعية متعالقة في مواطن لاحقة من الترميز أو التشبيه (الأكاذيب تربط الأيدي) أو ما يصادفنا في جملة (الطائر يحط ويحلق) ثم في سياق الانفلات من الأوطان قد لا يبدو أن دال الفرد راغبا في العودة والإقامة على عشه المشيد على أغصان هذه الشجرة، كونها ملاذا غير موصوفا بأدنى درجة من الوثوقية ومحط الآمان (حراسنا في السهر .. باتوا كالخبز البائت في السهر) وفي جملة إطار هذه الدلالات التصويبية الهائلة تقدم لنا قصيدة (أعطية الشجرة) مدلولا ناجعا في مرايا التأويل الكاشف عن ذلك المعنى الآخر في السياق الآخر، وللقصيدة متواليات شيقة ورؤية لا تغادرها ضمائرية المخطاب والإظهاريات الدلالية المركزة.

ـ تعليق القراءة:

أقول لا يخفى على ذي بصيرة شعرية ما الحجم والمستوى في بنيات الشاعر حسين عبد اللطيف في مجموعته الشعرية (لم يعد يجدى النظر) موضع بحثنا.فالقصيدة في مشروع هذه المجموعة تتعدى أنماط المشهد الشعري عبر زمن الشاعر المرحلي والتحقيبي.لذا فإننا حاولنا بنصف أدوات الدارس أو المتذوق الشعري، مقاربة بعض من النماذج الشعرية في تجربة هذه المجموعة والأعمال الأخرى للشاعر الفذ، ولا أظن بدورنا بأن تجربة الشاعر حسين عبد اللطيف تتطلب دلالات ووظيفة ولغة أسمى مما عثرنا عليه من تجارب أعماله الشعرية الكاملة، دون مستوى مجموعته في الهايكو، فسوف لا نتعامل وإياها إطلاقا، وذلك لكونها لا تمثل هوية وأصالة وأنتماء الشاعر إلى مسكونية الشعرية التي تتحلى بها كل عوالمه ذات القيمة الابداعية الرائدة في الشعر والشعرية التي تجاوزت الممارسة الإجرائية المقولبة للقصيدة بلوغا نحو متتاليات قصيدة الأفق التأويلي والمعنى المجرد تجريدا محسوسا وعذبا.

***

حيدر عبد الرضا

 

في المثقف اليوم