قراءات نقدية

منذر بشير الشفرة: ذاكرة الوجع في رواية "المخطوط" للكاتب منجي الحدادي

صدرت عن دار نقوش التونسية الطبعة الاولى لرواية الكاتب منجي الحدادي والمتأمل في المسار السردي للكتاب يلحظ منذ العتبة الأولى رمزية العنوان حيث حلق الكاتب في عوالم الوافع وتاق  لاختراق عوالم الشخصيات حتى يبلغ الفكر مداه وتنبجس الفكرة من رحم الواقع المعيش داخل كون مرصف من الكتب. انها كتابة الذات والعودة للأصول حسب مفاربات فيليب لوجون في كتابه عن السيرة الذاتية وانعتاق الأنا بحثا عن كينونة جديدة في مخطوط هو البيان الخطي لمسار فاصل بين فاطمة الكاتبة والعاشقة للكتب وأحمد الملهم والذي يسعى للقاء المتجدد.

لا يمكن الغوص في مسارات الرواية دون التعريح على سيكولوجيا الحنين لدى الشخصيات في بحثها داخل  طيات الكتب عن مسار وجودي يراوح ما بين رؤى الماضي وطغيان الحاضر وهيمنة الشكل وضمور المحتوى ...كل ذالك يدعونا للبحث عن فكر لاعبي محض للانسان مثلما بينه هوزنغا في كتابه الانسان اللاعب. ان المقاربة الجندرية لشخصية فاطمة تنزاح عن المعتاد كي تبعد عن المراة الوعاء الانثوي الخاضع للشهوات كي ترقى الى انسانية ثقافية بامتياز داخل بنية روائيى دائرية منطلقها رفوف الكتب ومنتهاها تجلي المخطوط وهي كتابة الذات بعيدا عن الأوهام والسلبية فالمرأة انعتاق وشحذ للأنا.

نقرأ في فاتحة الرواية.." هذا يومها الأول من حياتها الجديدة. ولليوم الأول دائما مزاج خاص."[1] وبعد مسار طويل من الحكايا عن الأب التهامي والعم ناصر والأم وغيرهم ينتهي المساربمسيرة أطول.." أدركت حينها أن طريقي الطويل لم ينته بعد"[2] فالبداية هي نهاية بحد ذاتها والطريق هو ذاكرة للوجع مع مسرحة للواقع وظلال للثورة بكل رمزياتها.

عندما تأخذنا الرواية الى أحداث عاشها الكاتب مابين واقع حقيقي في فلكه تكون للأسرة صورة مقدسة وللأب مكانة خاصة وفيها ذكر لحرب العراق ورسم لمأساة أمة لم تكرم مخطوطها الرمزي وبقيت حبيسة الترهات وتفتت الذات دونما التوصل الى عقلنة الحاضر وتبيان الغكر الانساني بتمعن. أن الحدادي وهو يستعرض غزوات الخطوط الذي كانت فاطمة بصدد خطه يراوح ما بين السيكولوجي والأيديولوجي في بنية سردية متماسكة هي أقرب اي الكلاسيكية الأدبية دون انزياح الى التيارات الحداثوية في تضارب الشخصية مع ساردها أو تفتت الفضاء أو الايهام بالوقت ولاعبية الأنا.

ان الباحث في تراث الكتابة الرومنسية التي تعلن انتصار الأنا وقدسية الماضي والنبش في الذاكرة يشد الي تفاصيل رواية المخطوط رغم ظاهرها الواقعي والذي يحتفي بالتفاصيل وياثث أكوانا من الرمزية والغوص في الذات. ما من شك في اتسام خطوط الرواية بخصائص مسؤحية تساوي ما بين الشخوص الرئسشية والثانوية رغم ندرة الحوار وعدم الغوص في عامية تونسية مخصوصة. البناء السردي لدى الحدادي محكوم بالزمن وان كان قد خير التصوير المجهري لحيثيات الذات لدى الشخصية الأنثوية فاطمة التي لا تعلن الحب بل ترتحل داخل الكتب.

" فتحت محلها واقبلت تغير اماكن الكتب تحب ان تستدعي شيءا من التجديد داخل مكتبتها. تنفر الروتين الذي عاشت عليه. لذالك رشت عطرا في ارجاء المحل حتى تطرد رائحى الرطوبة ثم اخرجت احواض النعناع ووضعتها امام باب المكتبة وعلى جنباتها." ص. 163352 المخطوط منجي الحدادي

وحري بنا ونحن في هذا الموضع أن نسلم يأن ذاكرة الوجع الانساني تندرج ضمن طيات المخطوط فالصراع بين الشخصيات مبطن وغير معلن ولا تجد أثرا للصدام العلني وكاني بالسارد قد انتهج السيرة الصوفية في تبيان مكامن الشخوص وقد خلق تعادلية ما بين المضمر في المخطوط والجانب الظاهر في الحكاية. يتسم حينئذ اللقاء

" تملكها شعور بالغضب  ممزوج بالغييظ وهي ترى نفسها مهزوزة المشاعر أمام موقف عابرمن فرط غضبها انطلقت نحوه وهي تحاول أن تضع على وجهها غضب الدنيا ..بدت ملامحها الصارمة مضحكة على الأقل بالنسبة اليه حين سألته عن حاجته. ظل ينظر الى عينيها دون أن ينقل بصره الى جسدها الفاتن مثلما يفعل الأخرون..." ص. 17

من خلال وصف الانجذاب تكون المشاعر الفياضة قد اتسمت بعفوية ورومنسية باطنية بعيدا عن كل انعالات جسدية بينة وهذا هو مسار الكتابة لدى الحدادي فحينا يعرج على النكبات الأيديولوجية في العالم العربي ووهم النضال وحينا يروي لقاء الأحبة بكل تفاصيل اللقاء والتيمة الرئيسية في كل ذالك هو المخطوط الذي يكتب على مهل وكأنه القدر الذي يستوي طعامه.

ان مغامرة الكتابة داخل فلك السرد تتجلى من خلال معاينة فاطمة وأحمد لهذا الفضاء الضيق لشيخ يغوص في الكتابة ويبحق عن ذاته وكأننا بصدد الحديث عن تلوينات وجودية في سرد محمود المسعدي من خلال أسئلة الكينونة..

" تخمر أحمد لجلالة الموقف المهيب وراح يطرح أسئلته على الرجل الطاعن في السن...سأله عن سبب توقفه عن الكتابة منذ زمن طويل. عاد الرجل وجلس على مكتبه بعدما أعياه الوقوف. بسنما فاطمة تمسكه من يده وكأنها تعينه على عذاب وقوفه وهو يرتعش..." ص. 49

من خلال هذا اللقاء الحمسمس نلاحظ هذا التوق لاختزال الزمن والبحث عن الحكمة لأن الأدب ولوج لأكوان المجهول.

ان العلاقة بين الأدب والميتا أدبي أي التفكير فس مألات الأدب  وأسئلته العميقة  تتجلى كما يقول جيرار جينيت من خلال التوازنات أو الانزياحات داخل الفضاء السردي المفترض. وهو الذي يعلن جمالية اليومي المخصوصة لأنها في رواية المخطوط مثلا تضفي على الشيخ المنعزل أو الأب التهامي سمة الحكمة الفلسفية.[3] وانطلاقا من كل هذه الاعتبارات يمكن الحديث عن مفهوم المأساة والوجع في الكتابة أو الشجن في الموسيقى كتعاقب لأزمنة شتى وتوق للتحرر.

ان الكتابة السردية جمالية مطلقة تجعل من الفنون جميعها قد حلت داخل المنظومة السردية ويكون بالتالي من الشرعي جدا أن نكتشف المساحات التسكيلية داخل الرواية بصفتها مضمونا وفي ذات الوقت شكلا كما تحدث عن ذالك الناقد الفرنسي جيرار جسنيت

يمكن الحديث أيضا عن مغامر الكتابة وهذا هو سرالمراوحة ما بين صوت المضمر والزمن والتلفظ البياني داخل منظومة السرد وهو نفس التوجه الذي ذهبت فيه رواية المخطوط أشواطا عديدة وأوغلت في كشف الواقع المعيش. [4]

لا يمكننا ادراج هذه الرواية في خانة الكلاسيكية أو الحداثية لأنها تخرج عن كل تصنيف سوى من المنحى الثقافي الذي يدحض مسارات الرواية المعاصرة في تونس حيث فانتازيا الأنا أو طابو الجنس من المنظور النسوي كإعلان التحرر من كل القيود والانزياح عن الناموس الاجتماعي بالعودة الى الانسان البدائي الخير من منظور جان جاك روسو في كتابه أصل اللامساوات بين البشر.

جملة فارقة في الفصل الرابع عشرة يحكي ميل فاطمة للقلم وللفيم النبيلة والبحث عن كيان انساني قد أراد الحدادي من خلاله أن يلامس جرح اليقين في النفس العربية:

" بدا أن ايامها لا يملؤها الا صخب ذالك الزائر الغريب. مر اسبوع ولم يحضر أحمد الى المكتبة. لم تجد فاطمة الا فراغها الضاج بالقلق وأنه بمجرد حضوره يصبح المكان عامرا به عدى ذالك فهي أيام رتيبة لا ترتقي الى صخب حضوره." ص.97 انها الأشكال السردية التى تتفرق في الفضاءات لتزداد ألقا وتوهجا.

تذكرنا هذه الكلمات بوضع البطل مرسو من كتاب الغريب لألبير كامي الفرنسي  حيق الوجع والتألم والكأبة المهيمنة على الذات وما ينقذ المرء من كل هذا التشظي سوى المخطوط كبديل مجرد عن كون المحسوسات وقد يتبين للعديد من الكتاب ان تجربة الجسد هي المحرار لكل يقين وفي الحقيقة تكون الكتابة ولادة جديدة في منظور الحدادي وحتى النهاية الحزينة بسقوط  أحمد تحت قصف النار

الرواية المخطوطة لم تنتهي بعد وليس لها عنوان واللقاء قد انفرجت أساريره أوان الموت فهل هي رواية الحفر في الذاكر ووشم للوجع وانطلاق أمل جديد بخضاب الأرض بالدماء؟

" هذه النهاية يا فاطمة وأيضا بداية طريقك..." ص.186

جملة تختزل الوجع ولكن تأخذنا الى مشارف الأمل المتجدد.

***

منذر بشير الشفرة - جامعة القيروان

دكتور في الأدب المعاصر

......................

[1] المطوط.منجي الحدادي. ص.9

[2] نفس المصدر.ص.191

[3] Plus généralement, il a exploré l’espace du langage, celui de la littérature, celui de l’écriture. En fait, on peut arguer que ses travaux de critique, de poéticien et d’esthéticien constituent une cartographie des espaces qui façonnent la littérature ou l’œuvre d’art : entre signifiant et signifié ou entre signifié apparent et signifié réel, entre des narrations différentes d’une même série d’événements, entre texte et paratexte, entre genre et texte, les mots et les choses, le factuel et le fictionnel, le langage et le style, la nature et la fonction d’une œuvre ou encore son statut objectif et sa réception subjective. Certes, je le cite, « tout notre langage est tissé d’espace [10][10]Figures, Paris, Seuil, 1966, p. 107. »

[4] « Temps, mode, voix, c’est très bien, mais enfin, dans tout ça, que faites-vous de l’espace ? » et que je ne trouvais pas grand-chose à rétorquer pour ma défense, sinon que mon exploration portait sur les formes narratives et que l’espace est, dans le récit, une catégorie non pas de forme, mais de contenu […]. Classique ou moderne, le récit peut jouer avec l’ordre, la vitesse et la fréquence, et il ne s’en prive pas, mais il ne peut jouer avec l’espace ][17]Épilogue, op. cit., p. 46-47..

في المثقف اليوم