قراءات نقدية

مريم لطفي: إشراقة القصيد.. أضواء على قصيدة (الى الحلة) للشاعر مصطفى علي

الى الحلّه خاصرة الفُراتِ وخصرُه، والى بابل التاريخ للشاعر د. مصطفى علي

إستهلال: الحلّة درة الشرق وقبلة الغرب، شمس الحضارة وبوابة العلم والثقافة والفنون، تلك المدينة الوديعة كيمامة بيضاء ارتشفت الزلال من فراتها العذب، واستظلت بنخيل ضفافها شغفا وامتنان.

أمواج شواطئها تتغزل بفيافي الشناشيل التي تتأبط أحضانها الدافئة فرحا وانتماء.

هذه المدينة الساحرة المعروفة بحسبها ونسبها وكرم أهلها وطيبتهم وثقافتهم وقدرتهم الهائلة على احتواء الآخر قد تغنّى بها العديد من الشعراء، من أبناء المدينة ومن شقيقاتها، ونحن اليوم أمام قصيدة تكاد أن تكون صرحًا ولوحًا ومعلقة تنال وبجدارة تعليقها على أسوار بابل، قصيدة كتبها الشاعر القدير د.مصطفى علي فأبدع..

بدءًا من العنوان البليغ الذي يستحق الوقوف عنده طويلا وتأمل دلالاته البليغة، التي تعكس ثقافة الشاعر الواسعة، والمقدرة الفريدة المتفردة على الابحار والغوص بأعماق المدينة الموغلة بالقدم.

وحقيقة من يقرأ القصيدة يشعر بنبض يسري في عروقه، ويتخيل التاريخ كشريط سينمائي لاينقطع، بل يكمّل بعضه بعضا كراكبٍ بقطار يرى كل التفاصيل ويقف عند كل المحطات.

لقد اختار الشاعر عنوانه بدقة (خاصرة) لعلمه بأهمية هذه المنطقة وتأثرها بالوجع واحتمالها لأي خلل أو ألم قد يصيب العمود الفقري، وهذا الاختيار يأتي من كونه طبيبًا وله باع كبير في مجاله الذي انعكس بطريقة أو بأخرى على نظمه للشعر فأبدع الربط، وأما من الناحية الشعرية فقد أجاد الوصف ونقل صورة شعرية في غاية الروعة فالخاصرة هنا تمثل ضفة الفرات كونه يمر بين ضفتين متمثلتين بشط الحلة الذي يقسم المدينة الى صوبين، صوب كبير وصوب صغير، وياله من وصف دقيق وصورة شعرية بمنتهى الجمال، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد أنسن الشاعر مدينة الحلة بوصف الخصر، بهذا السيل البلاغي العارم والقدرة الهائلة على ربط الماضي بالحاضر بهذه الروعة والجمال والابداع والمعرفة الواسعة بكل تفاصيل المدينة وتأريخها العتيق والحديث والمعاصر، بشخوصها وشخصياتها الفذة التي تركت بصمتها واضحة المعالم كنقش مسماري أصيل.

يبدأ الشاعر قصيدته بالبيت (وقوفا عند خاصرة الفرات) باشارة الى شط الحلة، وهي صورة شعرية شاعرية حيّة بل إنها تنبض بالحياة، كونها تصف الفرات بكل مايحمل من معانٍ.

وقد عمد الشاعر الى أن تكون قصيدته تأريخا كاملا وإرشيفا حضاريا زاخرا بكل كنوز المدينة بوصفها (أم المدائن).

فقد ذكر الشاعر في بيته الاتي (غدوت شقائق النعمان عطرا..وهند قصائدي بين البناتِ) باشارة الى هند بنت النعمان التي اشتهرت بجمالها وحسبها ونسبها، وهي شاعرة عربية، وابنة النعمان بن المنذر آخر ملوك المناذرة، وهي إشارة واضحة الى منزلة المدينة من المدائن، ثم يردف البيت ببيت أشد قوة وجمالا فيقول:

لماءِ سمائِنا الزرقاء ظبيٌ

فهل باتَ السديرُ بلاكماة

وهنا نرى صلة القرابة بين هند وماء السماء، وهذا الترابط الرائع بين الاحداث والصور المبهرة الدالة على ذائقة شعرية فريدة، فماء السماء هي أميرة جاهلية وكانت ملكة العراق، لقبت بماء السماء لانها كانت غاية في الجمال والجلال وكان المناذرة يفخرون بها ويقسمون بحياتها، ومن سلالتها ملوك المناذرة في مدينة الحيرة، وقد اتخذها العرب رمزا للفخر فهي زوجة امرؤ القيس وانجبت احد ملوكهم وهوالمنذر بن امرؤ القيس، والذي بنى قصر السدير في الحيرة قرب قصر الخورنق، فما أجمل هذا التقارب الوطيد بين الاحداث.

ويتدرج الشاعر برحلته التاريخية الادبية التي تتوقد شاعريتها صورا باذخة المعنى بليغة، نفيسة، عارمة تتوارى منها الكلمات خجلا أمام هذه العبقرية الشعرية التي انتهلت من زلال الرافدين دررابليغة تجود بشاعريتها كشلالات باذخة لاتنضب.

ليصل برحلته حيث يحط رحاله بدعاء صادق وابتهال فيقول:

أواسطة القلادة من بلادي

حماك الله من زيف الدعاة

لقد عبر الشاعر عن الحلة بصورة شعرية رائعة وهي (واسطة القلادة) باشارة الى جمال المدينة من ناحية وكونها تتوسط العراق من ناحية اخرى، وحقيقة فهي صورة باذخة الشاعرية أتت أآكلها مرتين.

ثم يصل الى ايقونة الحضارة الملكة سميراميس (سيمورامات) كما ذكرتها الاسطورة، وان شاب نشأتها الغموض لكنها كانت ملكة مقدسة،

امتازت بذكائها الحاد وجمالها الاخّاذ وقدرتها الهائلة على القيادة والحكم وادارة بلاد مابين النهرين.

ثم يقف الشاعر عند الجنائن المعلقة فيقول:

سلوا أُمَّ الجنائِنِ كيف أمست

بأهدابِ السماءِ معلقاتِ

هذه الصورة الشعرية الباذخة التي تشير الى روعة الجنائن المعلقة وطريقة بنائها وزراعتها وكل ماتحمل من جمال وابداع بطرق ريّها، ببديع أشجارها التي تعلقت وتسلقت، لتكون منارة العالم القديم وأَهَلَتها لان تكون تحفة العالم وإحدى عجائب الدنيا السبع، وكلمة (معلّقات) هنا احتملت التأويل فمرة جاءت بمعنى (المعلّقة) من التعليق ومرة جاءت بمعنى (المعلقة) من قصائد المعلقات.

وقد أشار الشاعر الى مسلة حمورابي بصورة بليغة فقال:

ومُذ أغوت حَمورابي الوصايا

فَلقنت الشرائع للقضاةِ

وهي إشارة واضحة الى اولى القوانين في العالم التي شرعها حمورابي لتكون دستورا للحياة ومازال الكثير منها نافذا الى الان..

وبالاضافة الى كل ماذُكر فقد ذكر الشاعر الكثير من التفاصيل المرئية والمخفية عن هذه المدينة بل تكاد القصيدة لاتخلو من معلومة عن المدينة، فقد ذكر مثلا:برج بابل وكيف تبلبلت اللغات عنده، وذكر هاروت وماروت، واشار الى العنقاء ذلك الطائر الذي يمتاز بالجمال والقوة وكيف ينهض من رماده ليحيا دلالةعلى القوة والاصرار والنهوض وحب الحياة فيقول:

إذا ماضجَّ في روحي العراقُ

أرى العنقاء فزّت من سباتِ

*

فحوّلت الرماد بريق ضوءٍ

لمنتجع الشقائق في رفاتي

وحقيقة فهذه الصورة الباذخة الجمال النفيسة المعنى التي تحاكي كل مغترب اضطرته ظروف الحياة للرحيل والهجرة، وتبقى فكرة العودة تراوده كل حين، ليبدأ من جديد.

وبعد أن ذكر الشاعر معالم المدينة القديمة بكل ذرها وكل تأريخها وحضارتها وتراثها وصل به الرحال الى حداثة المدينة، فتناول الشخصيات البارزة فيها وخصوصا الادبية التي تركت بصمة واضحة على ألواح المدينة التي اتسمت بكثرة مثقفوها وعلماؤها وادباؤها أمثال الشاعر الاسطورة بلبل الحلة الفيحاء مهد الوعي الشعري (صفي الدين الحلّي) وهو شاعر عربي من فحول الشعراء، ولد في مدينة الحلة وعاش في الفترة التي تلت سقوط بغداد-هذه الفترة التي سميت ظلما بعصر المغول - فلم يمت الادب وفيه فطاحل وفوارس أمثال صفي الدين، فقد برع بقصائده البديعة، ونظم بيتا لكل بحر سميت مفاتيح البحور ليسهل حفظها ومن اشعاره الشهيرة:

سلي الرياح العوالي عن معالينا

واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا

وكان أول من نظم البديعيات وله ديوان النحور.

ثم ذكر الشاعر الحلي المعاصر موفق محمد فقال:

(موفقُ) في حواريها يُغني

على عزف العواذل والوشاةِ

توضأ في قصائده فؤادي

ومرت كالسلافة في اللّهاةِ

الى تمثاله طفق الندامى

صعاليك المدينة كالغواةِ

والشاعر موفق محمد أبو خمرة من مواليد الحلة الفيحاء 1948 درس اللغة العربية والشريعة وعمل مدرسا للغة العربية، وقد امتازت قصائده بالتغني بشط الحلة، كيف لا وهو من ارتشف الدرمن عذوبة فراتها وانتهل الجمال والحنين من ظلال نخيلها فيقول في أحد قصائده:

عشرة أيتام

كنا حين ينام النهر ننام

في منتصف الليل

وفي محلة الطاق

حيث ينحت النهر خصره

تأخذ أمي مكانها في الشريعة

فيأتي النهر الى حضنها

هذا الشاعر الكبير الذي أحبه الناس كما تلامذته وخلده الانسان الحلي المثقف وقلدته الحلة السيفية بتمثال يخلده وهو على قيد الحياة تتويجا لمنجزه الادبي الثر.

ومن الجدير بالذكر أن اذكر إن الشاعر موفق محمد قد درسني اللغة العربية في المرحلة الثانوية، وقد عرف بالفصاحة والذكاء الشعري الغزير فقد كان يكتب الشعر الفصيح والشعبي على حد سواء، وقد رثى إبنه الشاب باغلب قصائده التي امتازت بوجع الفقد.

وإذا ما عدنا الى العنوان سنجد إن الشاعر مصطفى علي لم يكتفِ ب (خاصرة الفرات) بل ذكر (خصره) بإشارة واضحة الى الشاعر موفق محمد كرمز حي لمدينة الحلة.

وقد خاض الشاعر د. مصطفى علي في أعماق المدينة القديمة وأزقتها فهاهو يذكر (الطاق) أو كما يسمى بالعامية (الطاك) ويذكر(الجامعين) ووهما من أوائل الازقة في الحلة القديمة، ويسمى الزقاق في مدينة الحلة ب (العكد) ويقع (الطاك) الى اليسار من (الجامعين) بينهما زقاق رفيع، وسبب ذكر الشاعر مصطفى علي لهذين العكدين إن الشاعر موفق محمد قد ولد في عكد الطاك حيث تقطن عائلة أبو خمرة مع العديد من بيوتات الحلة القديمة.

إن الوفاء لمدن العراق الحبيبة يأتي من قوة انتماء ابنائها وتمسكهم بذرهم أنما يفرضه الإخاء الذي رواهم من زلال الرافدين، فكل عراقي شريف اغترف غرفة من دجلة والفرات تركت بشرايينه عرفانا لحب الارض والتغني بها، ومهما عصفت به رياح السموم سينهض كالفينيق من وجع الرماد.

***

مريم لطفي

........................

مصطفى علي: الى الحِلّه خاصِرةُ الفُراتِ

 

في المثقف اليوم