قراءات نقدية

غيداء قيس إبراهيم: حلم الملك فلوريان.. قصة تبحث في أهمية اللغات

قصة مترجمة من اللغة الأسبانية وتعتبر من قصص ادب الاطفال العالمية تبحث في أهمية اللغات والترجمة

أعداد وترجمة الدكتورة غيداء قيس إبراهيم

***

كان سبب اختياري ترجمة قصة في أدب الأطفال دون غيرها في الوقت الحالي، ذلك الشغف الشخصي والأدبي الذي اتى متفقاً مع مؤلف القصة "خوان مانويل غسبرت"، في أن للأطفال أدباً وثقافة خاصة بهم، وهو أدب غير أدب الكبار والبالغين، في سماته وخصائصه وأهمية دوره ووظائفه بما فيها من جمال ومتعة وثقافة فتبعث في ذواتهم ونفوسهم حب الخير وقيم الحق والجمال والعدل، تخلق عندهم روح المرح والاستمتاع والمشاركة، إضافة إلى اهتمامي المهني كمترجمة ومختصة في مجال اللغة الاسبانية والتي تجعل من قصص الاطفال وحكاياتهم هي بالتأكيد نمط اتصال وتواصل إنساني، لغة موحدة بين الشعوب، وأسلوب تثقيف ووسيلة تعلم وتعليم في المجتمعات الإنسانية المختلفة لنقل الأفكار والثقافة والقيم الأخلاقية والروحية، وأنماط السلوك والأعراف والتقاليد والعادات.

 لذا، قمت بانتقاء قصة "حلم الملك السري" والتي حرصت على ترجمة عنوانها في طبعتها الاولى كما هو موجود على غلاف القصة بنسختها الاسبانية وقمت بعد ذلك بتعديل عنوانها الى " حلم الملك فلوريان" في الطبعة الثانية وهي " للمؤلف الاسباني "خوان مانويل غسبيرت" الذي رحب شخصياً بعد اتصالي به بفكرة ترجمتها للعربية ونشرها إيمانا منه بالوصول الى تلك المساحات والفضاءات الذي يسعى ان يحلق فيها بقصصه على اطفال العالم. تم اختيار هذه القصة تحديداً، لأنها نُشرت من ضمن مجموعة قصصية تعليمية مصادق عليها من قبل وزارة التربية والعلوم الاسبانية في سنة 1987، كون القصة ذات طابع تعليمي، بينت أهمية اللغات والترجمة ومكانة المترجمين في كل مكان وزمان،وكيف إن تعلم اللغات قديما وحديثا ساعد على فهم الغاز وقصص عديدة لشعوب وثقافات في مختلف بقاع الأرض.3712 قصص اطفال

لقد حاولت من خلال ترجمة وأعداد هذه المجموعة من قصص الأطفال عن الأدب العلمي والعالمي، والتي ستكون حلقة أولى في سلسلة متواصلة إنشاء ألله، أن نرفد مكتباتنا بحلقة تواصل مع الطفولة في كل مكان لأجل ضمان حصولهم على مستقبل علمي صحيح بتحبيبهم بكافة أنواع العلوم والمعرفة وإعطائهم فكرة من خلال هذه القصص على احترام ثقافات الشعوب وتعلم لغاتها، فهم زينة الحياة الدنيا وهم اعز ما لدينا. قناعة مني بأهمية الاهتمام بالقصص في الطفولة لخلق قراء المستقبل، لأنهم شريان تواصلنا معه. ولكي ابدأ، من المهم إعطاء نبذة مختصرة عن مؤلف القصة: ولد خوان مانويل غسبرت، في مدينة برشلونة في ال 16 من شهر أكتوبر عام 1949، هو كاتب متخصص في أدب الاطفال والشباب، وقد تُرجمت كتبه إلى عشر لغات. في بداية حياته المهنية، حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة، لكن شغفه كان يجذبه أكثر نحو ألمسرح، لذا قرر استرداد بعض الوقت الضائع منه من خلال سفره المتكرر لبلد الفن " باريس " لغرض دراسة الفنون المسرحية. لدى عودته إلى برشلونة، شارك كمدير مسرحي في العديد من العروض المسرحية لمرحلة كانت تسمى آنذاك بالمسرح التجريبي أو المستقل. استطاع وهو في قمة انشغاله في العمل المسرحي الدخول في عالم النشر. هذا العالم الذي ساعده اكثر في إيجاد طريقه الحقيقي، حيث انه كان يشعر بالحاجة الى عالم يستطيع من خلاله ان يعبر فنياً عما يجول بعالمه الخاص بعيداً عن خشبة المسرح. أصبح معروفا ككاتب للقراء الشباب، نشر اول اعماله "سيناريوهات رائعة" في عام 1979، والتي حازت على جوائز عديدة، فاتحة للكاتب ابواب كثيرة في عالم القصص، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر، "لغز جزيرة توكلاند" و " متحف الاحلام" و " المهندس المعماري والامبراطور العربي" وغيرها الكثير التي اضافت بصمات رائعة في سيرته الادبية. في عام1995 قامت المجلة الاسبانية CLIJ في إجراء استفتاء بين ابرز النقاد والمختصين في عالم القصة لتحديد من هم الاكثر بروز وقيمة في مجال تأليف أدب الشباب والأطفال في اسبانيا، والتي فيها حصد خوان نسبة عالية من الاصوات التي اشادت بموهبته في فن كتابة القصة. يُلاحظ في أعمال غسبرت تأثره الشديد بكتاب الأدب والخيال والمغامرات مثل فيرن Verne و آرثر كلارك Arthur C.Clarke , و برادبري Bradbury وكتّاب كلاسيكيات الأدب في امريكا اللاتينية وخاصة بورخيس Borges وكورتازار Cortázar.. يغلب على أعمال خوان مانويل طابع الخيال الذي يعتبره من وجهة نظره الشخصية امتداد للواقع الذي يبدأ صعوداً إلى مناطق كثيرة لا تزال مجهولة او غامضة، تلك الافكار التي يرسمها بقصصه للأطفال والتي يكمن خلفها فكرة فنية رائعة مستمدة اساسها من حقائق علمية، والتي لا تزال تشكل تحدياً للمعرفة في مجالات غير معروفة كثيرة، لم تستكشف بما فيه الكفاية، الفكرة التي طالما اجتهد في ايصالها للأطفال والشباب تتلخص وعلى حد قوله بالتالي :

" من المهم جدا ان تأخذوا في الاعتبار دائما أن كل واحدا منكم هو مشروع فريد من نوعه في تاريخ العالم. لا تدع شيء يفسد ذلك المشروع. ستكون لديك الفرصة في أي لحظة من حياتك في التحكم وقيادة الاحداث، الاعمال، الناس، اللحظات والإبداعات التي لن تحدث إلا اذا جعلتموها ممكنة، الجميع عليه أن يعطي أحسن ما عنده في أحداث حياته. سيكون ذلك هو نصره الحقيقي. وبذلك نعطي المعنى الحقيقي للحياة. أنا اعتبر نفسي ناقلا للتأريخ، ذلك الشخص الذي يمزج الخيال بالواقع، سأقوم بكتابتها للناس، في يوم يكون فيه غروب الشمس أكثر عتمة وتبدأ الرياح تعزف اصواتها بين أغصان الشجر، في منتصف الليل، سيبدأ شخص ما بسرد حكايتي المليئة بالغموض والتي ستستمر احداثها لغاية الفجر، ستوقظ في داخلك الخوف القديم والجديد، ذلك الخوف الذي إذا تجاوزناها سنصبح اكثر قوة وتحدي لأي لغز جديدة، قلمي هو قوتي الذي استمد منه تحريك الزمن، فتح المساحات والوصول الى فكر القارئ ومساعدته في التحلي على الجرأة في عبور ذلك الجزء الخفي والغامض الذي عادة ما يكون في الصفحات الاولى من القصة ".

سأقوم بأعطاء ملخص للقصة التي قمت بترجمتها " حلم الملك فلوريان"لكي نفهم فكر هذا المؤلف المبدع وكيف قام بدمج الخيال بالواقع :

 تدور أحداثها بشكل مختصر حول ملك كان يُدعى " فلوريان" الذي استدعى منجميه في البلاط بعد رؤيته لحلم محيرّ وغريب يصعب شرحه و لا يستطيع إبعاده عن مخيلته لإيجاد من يستطيع أن يفسر ما شاهده في حلمه من إسرار وكلمات غير مفهومة. راقب المنجمون النجوم في السماء وقبلَ طلوعِ الفجر، اكتشفوا وجودَ أربع نجوم جديدة ظهرت في الاتجاهات الأربعة : الشمال، الجنوب، الشرق،والغرب، فعلموا أن من هذه الاتجاهات سيأتي أربعة قصاصين في هذا الزمان لحل اللغز. أمر الملك بإرسال أربعةُ سُفراء مجهزين جيداً، كلُّ واحدٍ منهم لديه مهمة العودة مع أشهر قصاص راويات على الأرض،وبعد مجهود استطاع السفراء أن يعثروا على أربعة قصاصين ومن بلدان مختلفة. اكتشف الملك فلوريان أن أللغاتُ التي يتكلمها القصاصون كانت مجهولةً في قصره، ورغبةً منه في عدم تفويت أي كلمة مما يقولون، أصدر فلوريان مرسوماً تضمَّنَ احتياج المملكة لمترجمين ورصد مكافأة لمن يجيدَ تكلم أللغات، ويستطيعُ أن يترجمَ كل ما يقالُ من ضيوف الشرف الأربعة الواصلين من بلادٍ بعيدة. وبعد بحث طويل وجد الملك معلم لغات كبير في السن يستطيع أن يترجم هذه اللغات الأربعة. لكن القصاصون – ولسبب خفي- رفضوا تفسير حلم الملك، لذا هربوا ليلا من البلاط خوفا منه. الملك فلوريان، لم يستسلم في إيجاد الحقيقة ولم يخف من المجهول، سافر وحيداً في الغابات لكي يبحث عنهم دون الحرسِ أو الحاشية، في مكانٍ معزولٍ في الغابات. بعيدا ً عن القصر بدأت تتطور الأحداث والمغامرات. أستطاع الملك في نهاية القصة من تفُسير كل شيء بفضل ترجمة وفهم الأصوات والكلمات الغريبة التي سمعها في حلمه الغريب، فكتب كل ما دار من أحداث في كتاب لكي يجعل اسمه معروفا ًولكي لا ينسى الناس القوةَ الفعّالةَ لسحرِ الكلمات واللغة في المستقبل. بعدَ مرورِ أكثر من ثمانمائة عام، في أيامنا هذه، عُثِر َعلى كتاب الملك فلوريان في ألمانيا، في أثارِ قلعةٍ قديمة، داخل علبة صلبة من الحديد والتي كشف فيها على هذه الحكاية التي تتكلم عن أهمية تعلم اللغات والترجمة وكيف إن الكلمات والأصوات هي مفتاح لأي لغز في هذه الحياة.

القصة أتت مرتبطة حاملة طابع من حكايات الخيال الكلاسيكية والقصص العربية او ما يطلق عليها من قبل الاسبان بمصطلح "القصص الشرقية"، مع مزيج من رواية المغامرة والخيال العلمي والغموض. اعتبر غسبرت ان الغموض الذي يلف القصة يشكل دائما تحديا وتحفيزاً للعقل، للاستكشاف والتحقيق لإيجاد الحل، هو مقتنع ان عملية توضيح لغزا معقدا هو واحد من أعظم المتع حتى لو ان حل اللغز كان بعيداً عن متناول أيدينا، الغاية منها امتاع القارئ. اما من ناحية هيكلية القصة، الاحداث بدأت بالتصاعد نحو المجهول، يفعل ذلك دون أن يفقد اهتمام القارئ، من خلال إضافة عناصر غموض وأسئلة دون اجابة، يتم حلها في الصفحات الأخيرة من القصة.

أكثر ما يميز القصة هو البعد الانساني الذي ظهر فيها من خلال البحث عن المغامرة والمعرفة والتعلم دون البحث عن مكافأة مادية في المقابل، شجعت على الغوص في القابليات الفردية ومعرفة حدودها وإمكانية الوصول الى الاهداف وتحقيق الاحلام التي تسعى لحل النزاعات الموجودة فيها من خلال فك الغازها. حتى الاشارة الى التنجيم في القصة لم يجعله يتعدى حدود العلم والحقيقة، عندما قدم لنا في القصة عالم الفلك " آستور"الذي يعمل بالقصر منجم للملك، والذي قدم المشورة للملك المبنية على اسسس علمية دقيقة في تحديد مواقع النجوم الاربعة.

فلسفة المؤلف تكمن في التغلب على الخوف، والذي سينقل الطفل من مرحلة المراهقة إلى مرحلة البلوغ. البطل في القصة يحاول من خلال حل اللغز ان يخرج من المتاهات، وأن يجتاز الاختبارات العديدة التي تظهر في احداث القصة. قصة غسبرت تحمل في طابعها بعض الرمزية. اما ابطال القصة الاخرين هم "المستكشفين أو المغامرين " على استعداد لفعل أي شيء للحصول على ما وراء المعرفة. الابطال يبحثون في ذاتهم ليصلوا إلى حدود لم تكن متوقعة، الى معرفة القدرة الحقيقية للذات البشرية والتي تتسلح بالعلم والمعرفة لكي تجابه المجهول الخارجي، وأسرار غير مكتشفة بعد.

***

في المثقف اليوم