قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: نشيد العالم للشاعرة الجزائرية نادية نواصر
مقاربة نقدية أسلوبية، سيميائية، هيرمينوطيقية، ذرائعية واحتمالية
ليس النص الشعري الحديث بنيةً لغويةً مغلقة تُستنفد دلالاتها عند حدود المعنى المباشر، بل هو كائنٌ جماليٌّ متحوّل، تتوالد معانيه من تفاعل اللغة بالخيال، والذات بالعالم، والمرئي بالمضمر، حتى يغدو فضاءً تأويلياً مفتوحاً على احتمالات لا نهائية من القراءة. ومن هذا المنطلق تكتسب قصيدة النثر المعاصرة مشروعيتها الجمالية بوصفها خطاباً يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والوجود، وبين اللغة وما يتجاوز اللغة من رؤى وأحلام وأسئلة.
وتأتي قصيدة «نشيد العالم» للشاعرة الجزائرية نادية نواصر ضمن هذا الأفق الإبداعي الرحب، إذ تنهض على خطاب شعري ذي طبيعة تأملية وجودية، يتخذ من العالم مخاطَباً رمزياً تتداخل فيه مستويات الذات والتاريخ واللغة والكون. فالعالم في النص ليس مجرد فضاء خارجي، وإنما كيان رمزي كثيف الدلالة، تتقاطع داخله الحكمة والجنون، والضباب والشفافية، واليقين والارتياب، ليصبح مرآةً كبرى تعكس قلق الذات الباحثة عن المعنى، ورحلتها المستمرة نحو اكتشاف حقيقتها العميقة.
وتتأسس القصيدة على شبكة واسعة من الصور والاستعارات والانزياحات اللغوية التي تتجاوز الوظيفة الإخبارية للكلام، لتؤسس عالماً شعرياً قائماً على المجاز الكلي، حيث تتحول اللغة إلى طاقة كشفٍ واستبصار، ويتحول الخطاب إلى حوار روحي بين الأنا والعالم. كما يتجلى في النص حضورٌ واضح للرمزية المركبة والتناص الثقافي والرؤية الفلسفية التي تجعل من القصيدة نصاً متعدد الطبقات، قابلاً لقراءات مختلفة ومتباينة تبعاً لاختلاف المرجعيات النقدية والتأويلية.
وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص من زوايا متعددة، تجمع بين التحليل الأسلوبي والبلاغي، والقراءة السيميائية، والمقاربة النفسية والاجتماعية، والتأويل الهيرمينوطيقي، والتحليل الذرائعي، فضلاً عن الإفادة من آليات النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على شبكة من المعاني الممكنة لا على معنى أحادي مغلق. كما تحاول الدراسة الكشف عن البنية العميقة للنص، واستجلاء أنساقه الرمزية، ورصد ديناميكية الصورة الشعرية وتحولاتها، وتحليل العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين الرؤية الفنية والمرجعية الفكرية التي تصدر عنها الشاعرة.
ولعل أهمية هذه المقاربة تكمن في أنها لا تتعامل مع القصيدة بوصفها وثيقة لغوية فحسب، بل بوصفها حدثاً جمالياً ومعرفياً وإنسانياً، تتجاور فيه الأسئلة الوجودية مع الرؤى الجمالية، وتتداخل فيه التجربة الذاتية مع التجربة الكونية، بما يجعل «نشيد العالم» نصاً مفتوحاً على التأويل، وقادراً على إنتاج معانٍ جديدة كلما أُعيدت قراءته من منظور نقدي مختلف. ومن هنا تأتي هذه الدراسة محاولةً للإنصات إلى نبض النص الداخلي، والكشف عن جمالياته الظاهرة والمضمرة، واستنطاق ما يسكت عنه بقدر ما تستنطق ما يصرّح به، إيماناً بأن النصوص الكبرى لا تقول كل شيء، بل تترك دائماً مساحاتٍ خصبةً لما يمكن أن يُقال.
ينتمي نص «نشيد العالم» للشاعرة الجزائرية نادية نواصر إلى قصيدة النثر ذات المنزع التأملي الوجودي، حيث تتخذ الذات الشاعرة من "العالم" مخاطَباً مركزياً تدخل معه في حوار معرفي وروحي مفتوح. ولا يقدم النص العالم بوصفه معطىً خارجياً، بل بوصفه كياناً رمزياً يتقاطع فيه التاريخ واللغة والوجود والذاكرة والذات.
وتنبني القصيدة على حركة دائرية تبدأ بالنداء:
«أيها العالم»
وتنتهي بالعودة إلى الطفولة الأولى:
«لقد ظل يلهو مع أطفال الحارة»
لتؤسس بذلك بنية رحلية تنتقل من سؤال الوجود إلى براءة الكينونة.
أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية
سلامة اللغة وبنية الأسلوب
يعتمد النص على لغة شعرية ذات كثافة دلالية عالية تقوم على الجملة القصيرة المتتابعة.
نلاحظ ذلك في:
«هبني طريقي وخطاي» «كن مجازي وبلاغتي» «دعني ألجأ إلى الضوء»
فالجملة هنا تتخفف من الروابط النحوية التقليدية لصالح الإيقاع الداخلي.
وتقوم اللغة على ما يسميه جان كوهن بالانزياح الشعري، أي العدول عن التعبير المألوف.
فالشاعرة لا تقول:
"أبحث عن المعنى"
بل تقول:
«روح المعنى وهو يتدلى من أعالي مدن الملح»
وهو تركيب يستبدل العبارة المباشرة بصورة رمزية مركبة.
فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
الألفاظ تنتمي إلى حقل ثقافي وفلسفي:
١- الحكمة،٢- الجنون، ٣- الإدراك،- ٤- المجاز، ٥- التناص،٦- الروح،- ٧- التاريخ، ٨- الوجود.
وهي ألفاظ تمنح النص طابعاً معرفياً واضحاً.
غير أن بعض المواضع تحتاج مراجعة لغوية مثل:
«ابحديات الغوص»
والأقرب:
«أبجديات الغوص».
وكذلك:
«هيء لي»
والأفصح:
«هيِّئ لي».
البلاغة والانزياح
القصيدة قائمة على سلسلة من الاستعارات الكبرى:
العالم إنسان
«أيها العالم الواقف على بلاغة الصمت»
العالم كتاب
«المتأرجح بين الحروف»
العالم جسد
«خذني بهشاشتي وصلابتي»
العالم ذاكرة
«رسومات العصور»
وهذه الاستعارات لا تعمل منفصلة بل تتداخل لتصنع ما يسمى "الرمزية المركبة".
ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي
النص لا يعتمد الوزن الخليلي.
لكنه ينتج موسيقاه الخاصة عبر:
التكرار
«أيها العالم»
تكررت لتؤدي وظيفة إنشادية.
وكذلك:
«كن»، «خذني»، «دعني».
وهو تكرار يولد إيقاع الابتهال.
التوازي التركيبي:
«بغموضي وشفافيتي بهدوئي الوديع ونعومة ثورتي»
يقيم النص توازناً صوتياً ودلالياً.
الجرس الداخلي
التجاور بين:
١- «الحكمة والجنون»
٢- «الضباب والشفافية»
٣- «هشاشتي وصلابتي»
يصنع موسيقى التضاد.
ثالثاً: الصورة الشعرية
الصورة الحركية
الصور ليست ثابتة.
بل تتحرك باستمرار:
١- «روح المعنى وهو يتدلى»
٢- «أغرس في الجذب وردة»
٣- «مسحت الشمس بكفها على شعري»
٤- «تحمله إلى الضفة الأخرى»
وهذا ما يجعل النص قائماً على ديناميكية مستمرة.
الصور التحولية
تتحول الأشياء من طبيعتها الواقعية إلى طبيعة رمزية.
فالجرح:
«كلما نزف أزهر»
ينتقل من مجال الألم إلى مجال الخصب.
والموت:
«سرقه الموت ومضى إلى فنائه»
يتحول إلى كائن فاعل.
الاندماج الحسي والتبادل الوجودي
من أجمل مظاهر النص:
«مسحت الشمس بكفها على شعري الأشقر»
الشمس تكتسب صفات إنسانية.
والإنسان يندمج بالطبيعة.
وهذا ما يسمى بالتبادل الوجودي.
استعارة الامتزاج
يتكرر الامتزاج بين الذاتي والكوني:
الروح - العالم
الضوء - النشيد
الزمن - الرصيف
الوجود - الصلصال
وهي شبكة استعارية متماسكة.
رابعاً: الرؤية الفنية
العالم في القصيدة ليس موضوعاً خارجياً.
بل هو مرآة الذات.
فكل نداء للعالم هو في الوقت نفسه نداء للذات.
ولهذا فإن النص يتحرك بين قطبين:
الذات الفردية والكون الكلي.
خامساً: التحليل الذرائعي
وفق المنهج الذرائعي فإن النص يؤدي وظائف متعددة:
١- الوظيفة الجمالية
عبر الصور المركبة والانزياحات.
٢- الوظيفة المعرفية
من خلال حضور مفردات:
الإدراك المجاز التناص التاريخ
٣- الوظيفة النفسية
عبر تفريغ القلق الوجودي.
٤- الوظيفة الإنسانية
عبر الاحتفاء بالطفولة والبراءة.
سادساً: الهيرمينوطيقا والبنية العميقة
على المستوى الظاهر يبدو النص خطاباً موجهاً إلى العالم.
لكن في العمق يمكن قراءته باعتباره:
بحثاً عن الذات.
فالعالم هنا قد يكون:
الوجود، اللغة، الزمن، الله، المطلق، الإنسان الكلي.
وهذا الانفتاح التأويلي أحد عناصر قوة النص.
سابعاً: القراءة السيميائية:
ثنائية الضوء والظلام
الضوء يساوي المعرفة
«دعني ألجأ إلى الضوء»
الضباب يساوي الالتباس
«المليء بالحكمة والجنون بالضباب والشفافية»
ثنائية الحياة والموت
الحياة:
الفجر الوردة الأطفال
الموت:
«سرقه الموت»
لكن الموت لا ينتصر نهائياً.
بل يتحول إلى جزء من دورة الوجود.
دلالة الألوان
١- الأشقر: رمز الضوء والحيوية.
٢- العسلي: رمز الدفء الإنساني.
ثامناً: البعد النفسي
النص يكشف ذاتاً قلقة لكنها متصالحة.
فالأسئلة الوجودية حاضرة:
«شغف الأسئلة»
لكنها لا تنتهي إلى العدم. بل إلى الرجاء.
تاسعاً: البعد الإيروتيكي
لا يظهر الإيروتيك بمعناه الجسدي.
بل بمعناه الوجودي والجمالي.
فالذات ترغب في الاتحاد بالعالم.
«خذني بهشاشتي وصلابتي»
«كن مجازي وبلاغتي»
وهو ما يسميه باشلار "إيروتيكية الاندماج الكوني".
عاشراً: النقد الاحتمالي
وفق النقد الاحتمالي لا يوجد معنى واحد للنص.
يمكن أن يكون العالم:
الوطن، اللغة، التاريخ، الذات العليا، الوجود المطلق.
ويمكن أن تكون الضفة الأخرى:
١- الموت، ٢- الخلاص، ٣-المعرفة، ٤- النضج الروحي.
كما يمكن أن يكون الطفل الأخير في النص:
القلب، الذاكرة، البراءة الأولى.
وبذلك يصبح النص فضاءً مفتوحاً لإنتاج المعاني لا لاستهلاكها.
ملاحظات نحوية وصرفية مختارة
أيها العالم
أيُّ: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم.
الهاء: للتنبيه.
العالم: بدل مرفوع.
هبني طريقي
هب: فعل أمر.
النون للوقاية.
الياء: مفعول به أول.
طريقي: مفعول به ثان.
كن مجازي وبلاغتي
كن: فعل أمر ناقص.
اسمها ضمير مستتر.
مجازي: خبر أول.
بلاغتي: معطوف عليه.
دعني ألجأ إلى الضوء
دع: فعل أمر.
الياء: مفعول به.
ألجأ: فعل مضارع منصوب.
خاتمة:
تقدم الشاعرة الجزائرية نادية نواصر في «نشيد العالم» نصاً ينتمي إلى قصيدة النثر التأملية ذات النزعة الوجودية والرمزية. وتنبع قوة النص من قدرته على تحويل التجربة الذاتية إلى تجربة كونية، ومن بناء شبكة رمزية تتداخل فيها اللغة والتاريخ والذاكرة والروح. كما يحقق النص درجة عالية من الانفتاح التأويلي تجعله قابلاً لقراءات متعددة، وهو ما يمنحه حيوية جمالية ومعرفية تتجاوز حدود القراءة الواحدة وتجعله نصاً منتجاً للمعنى باستمرار.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
.......................
نشيد العالم
أيها العالم
المليء بالحكمة والجنون
بالضباب والشفافية
ايها الواقف على بلاغة الصمت
وفوضى الكلام
هبني طريقي وخطاي
هبني ما تبقى من بصيرة القول
الهارب مني إليك
صوتي المبحوح
فلسفة الإدراك
روح المعنى وهو يتدلى
من أعالي مدن الملح
ايها العالم المتارجح بين الحروف
علمني ابحديات الغوص
في ما استعصى على المجاز
كن مجازي وبلاغتي
كن ذلك التناص
في هندسة الروح
كن نرجسا
او شوكا
او حجرا ينحت على وجهك التاريخ
رسومات العصور
العابر منها والراسخ
ايها العالم
هيء لي متكئي كي أستريح
من شغف الأسئلة
دعني ألجأ إلى الضوء
ذلك النشيد المشتهى
دعني أغرس في الجذب وردة
وأسكب على روح العطش ماء
فأنا سيدة الفجر
والتاريخ المؤجل
صوت الأولين
والقادمين إلى سر المعنى
فأنا الجرح الذي كلما نزف
أزهر وتخطى أنينه
ديهيا والأخريات
خذني بهشاشتي وصلابتي
بغموضي وشفافيتي
بهدوئي الوديع
ونعومة ثورتي
خذني بالذي يسكن روحي
وبالذي يرتسم على وجهي البهي
جئتك بعينين عسليتين مزركشتين
كالحياة تماما
أكلت من كل ثمار الأرض
وشربت كل كؤوسك
الحلو منها والمر
الحار والمالح
حفظت الكثير من الدروس
إحتفظت في حقيبتي ببعض الصور
مزقت الكثير من الأوراق
واحتفظت ببعضها
غيرت ألوان ملابسي
ضيعت كحلي حين بكيت
على وجعي السري
ثم رتبته مرة ثانية
حين مسحت الشمس بكفها
على شعري الأشقر
سقطت من حقيبتي بعض اشيائي الخاصة
بعضها استرجعته مع طول السفر
وبعضها سرقه الموت ومضى إلى فنائه
لونت الكثير من الرسومات
على رصيف الزمن
وبعضها مزقته
تجردت من عباءة الوقت
إلا من قلبي الطيب
لقد ظل يلهو مع أطفال الحارة
ويحلم بأصابع من حلوى
وطائرة من ورق
تحمله إلى ال...هناك
إلى الضفة الأخرى
ليزرع وردة في صلصال الوجود
ويتكىء على ساعد الليل
وينام كالحمل الوديع
***
نادية نواصر







