أقلام حرة

حميد طولست: موروثات انشغالنا عنها بما لا يشبهها من الممارسات

من وحي عيادة صديق مريض.

بقدر ما أحزنني خبر خضوع أحد الزملاء الصحفي المقتدر الفاضل الأستاذ "با محمد حفري" لعملية جراحية تكللت بفضل الله بالنجاح، بقدر ما سرني اهتمام ثلة من الأصدقاء الحريصين على أداء الواجبات وإكمال المهمات والوصول بها إلى مراتب الرقي والتطور، الذين هبوا عن بكرة أبيهم للاطمئنان على  الحالة الصحية لصديقهم الطيب والخفيف الروح وزميلهم وابن حيهم الشعبي فاس الجديد الذي تغني معرفته عن ملئ الأرض أصحابًا.، والتخفيف عنه آلام ملازمة الفراش، في عيادة جماعية يتمناها كل مريض من أهله وأحبابه والجيران، عيادة رجعت بي لما عاشه آباؤنا من عادات جميلة متوارثة عن الأجداد العارفين بقيمة زيارة الأهل، وحق تفقّد أحوال الجيرة في المحيط الضيق والواسع، والحرصين على البر وصلة الأرحام، وصدق الإخلاص للصديق، وإغاثة الملهوف، والشوق إلى أنس اللّمة وتجمع العائلة، وما تتركه من طيب الأثر في النفوس، وإصلاح ذات البين وتعديل المزاج، ورفع المناعة وتقوّية الروابط، وتمتين العلاقات، وتصفيتها من الكراهية والبغضاء، وغيرها من السلوكيات الفطرية العفوية الخالية من التكلف والرياء، التي تصدر عن القلوب المحبة، والتي ينتظرها المرضى من الأهل والأصدقاء والجيران، كدليل على الود وعنوان للمحبة التي غابت -مع الأسف- في زحمة عالمنا المنشغل بقضايا لا يتشبه مشاغل عالم الأجداد المشبع بإنسانية التواصل الحقيقي وتبادل الود، ومشاركة الأهل والأصدقاء الأفراح والأتراح، عالم تباعدت فيه الزيارات العائلية والجيرانية، وغاب عنها التعاطف والتواد،وامحت منها لحظات السعد والهناء التي عرفها الإنسان في الأزمان الجميلة، والتي حلت مكانهما الرسائل النصية والصوتية لنقرات الحواسب ورنات الهواتف الباردة، وعوضتها التوترات والميساجات الجافة، وباقي وسائل الاتصال الرقمية التي لم تكن يوماً بديلاً عن تلك الأحاسيس النبيلة التي كان يحسها  السلف عند لقاء من حولهم وجها لوجه، ولا تعوض ما كان يغمرهم من فيض السعادة ودفء الفرح وسكينة الرضاً، وهم يشدّون على يد بعضهم في الأيام العاديات، فما بالك في اللحظات العصيبة التي ينتظر فيها  كل مهموم زيارة ترسم الابتسامة على وجوهه وتطمئنه أنه ليس وحده في محنته، وأن له أهل وأصدقاء وجيران، جاؤوا من حيه المحافظ للاطمئنان عليه وجها لوجه، ولم يكتفوا بالاتصال الهاتفي أو الرسائل الإلكترونية، كما فعلت  مرغما، وكلي أسف وحزن، على عدم الحضور الذاتي الذي حال بيني وبينه، تواجدي بالديار المصرية، التي اكتفي بالدعاء له منها من كل قلبي،وأسأل الله أن يشفي صديقي ويعافيه، وأترجاه ألا يؤذينا في من نحب، ويحفظهم من كل سوء أو وجع.

***

حميد طولست 

في المثقف اليوم