آراء

آراء

لا تُعنى هذه السطور بهجاء سلمان رشدي الشخص، بقدر ما تعنى بهجاء زمنٍ تافهٍ، غيَّبَ كل القيَم والأخلاق.. رغم كل ذلك يظل رشدي ينعقُ معزولاً خارج موجة التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني ونضاله العادل.. التي إنضمت إليها كوكبة من الأدباء وكبار الفنانين، حتى من داخل"عرين" هوليود.. !

..........................

+".. لقد تغيَّرَ زمن الحق والقيم.. وعند غياب القيم والمبايء الإنسانية يطفو الفسادُ المبرمجُ، ذوقاً وأخلاقاً وقيماً.. إنه الزمن الهابط.. "(آلان دُنو)

+".. العالم لن يفنى بالقنبلة النووية، بل بسبب الإبتذال والإفراط في التفاهة، التي ستحوِّلُ الواقعَ الى نكتةٍ سخيفة.. "(كارلوس زافون)

+".. أكبر خطأ في الحياة، أنْ تتنازل عن مبادئك.. " (غاندي)

+".. إنَّ التفاهة وحدها، سادتي، هي التي تجني الأرباح هذه الأيام.. " (نيتشه)

(2)

مفهومٌ أنْ تجري تَغيُّرات على قناعات الناس في العيش الواعي.. لكن من الشائن أنْ يبصقَ المرء في البئر الذي شربَ ويشربُ الآخرون منه.. !

كيف إنقلب هذا اليساري إلى أحد دعاة اليمين؟!

سلمان رشدي ليس أول من إنقلب ولن يكون آخرهم ! فقد إنقلب الزمن، والقيم تدحرجت والأخلاق إنهارت. فرأينا وسنرى أعداداً أُخرى من المثقفين يهجرون نصوصاً كتبوها وأعمالاً أبدعوها، وقناعات كانت لهم،كي يلتحقوا بركب اليمين الصاعد والحكام المستبدين.

عَجَبي كيف يستطيع مثقف أمريكي أو بريطاني أن يُديرَ ظهره، بل ويهاجمَ أخيارَ العالم ومثقفيه وحركة الطلبة التي اندفعت لتأييده حين ألمَّت به مصيبة التحريم و"فتوى إباحة دمه" عام 1989.. فوجد نفسه بعدها وحيداً؟!

كان الخيار بين الشجاعة والأخلاق من جهة، والالتحاق بالسلطة وأدواتها من جهة أخرى..

ما فعله سلمان رشدي في إنقلابه المتدحرج نحو تأييد إسرائيل كان إنحيازاً للسلطة، وتخلّياً عن رفاقه القدماء، لأنهم ما عادوا ينفعونه شخصياً !

هل كان هذا الخيار مختبئاً في شخصية الرجل، أم أنه نبع فجأة؟

لا أؤمن بأفكار تنبع فجأة. فالرجل البرجوازي عاد إلى أصوله وانتفض ضد فلسطين كي يحمي نفسه من الخطر الصهيوني. فسقط في الخطيئة التي لا مخرج منها..

هل يمكن مقارنة «طالبان» بالمقاومين الفلسطينيين في غزة؟

هل يمكن مقارنة من يقاتل منذ ثمانية أشهر وظهرهم إلى الحائط وجثثهم مرمية في الشوارع، بعصابات المجرمين

- القاعدة و داعش- التي اقتاتت على الإسلام، لكنها ليست سوى أداة قتل وتدمير وموت؟

بيدَ أن رشدي وأضرابه من المثقفين لا يأبهون بمثل هذه الأسئلة، فهم مشغولون بلعبة المال والسلطة والنجومية. وكل ما عدا ذلك، لا قيمة له ! (إلياس خوري)

لذلك تراهم انقلبوا بخفة وخلعوا ثيابهم القديمة ليجدوا أنفسهم عراة ومكروهين ولا أحبة لهم سوى الحكومات الدكتاتورية في الغرب وإعلامها المناصر للصهيونية..

إنَّ "الوعود الكبرى" لن تتحقّقْ، وستبقى طوال حياتنا دون تحقُّق.. ستظل مشروعاً لنضال طويل الأمد، قد تحلُّ في مجراه خيبات كبرى. لكن هذا ليس نفياً لتلك الوعود، فــ "الوعد والخلاص" لم يصلا، إنهما في الطريق " فقط"!

"حتى إنْ تداعى الجسد، تبقى الإرادةُ حرّةً "، هكذا قال الشاعر الألماني إيريش مُيزام، الذي إغتاله النازيون في معسكر أورانينبورغ. إنها الحرية التي تتسامى على كل المسوّغات والتبريرات اللاحقة لكل فشل سياسي. دائماً ثمة تبريرات : "الوضع السياسي العالمي، النظام (النظام مسؤول دائماً !)" وبالتالي فأن كل إنسان يريد النجاة بالتأقلم مع ضغوط التكيُّف ! ضغوطٌ، يمكن فهمها ! لكن دون نسيان ميلِ الأفراد نحو الإمتثال والطاعة !

إذا كان الأمر كذلك، فهل أن الإرادة حرةٌ حقا بداخل كل فرد؟!

هي جملة لا تُقال لما هو لاحقٌ، مَضَى، إنما تُعنى أساساً بالحاضر.. بما هو واقع.. ففي عالم يفور بــ"العجائب" ترتبك كل الحقائق التي كانت تبدو ثابتة ! فالتحلّي بالشجاعة بعد فوات الأوان، ما هو إلاّ بداية لـ" تطامنٍ وطاعة" جديدين مع الواقع المُعطى ! فتحت هذا "التبرير"يرتكبونَ الخيانة والنذالة بكامل "قيافتهم"!

(3)

+.. " مصيبة عصرنا في إبتذاله ولا شاعريته"، كما قال هيغل.

+.. مَنْ ينبُشُ فينا ما ترسَّبَ مٍنْ صمتٍ، عَجَزنا عن قوله ؟!

في هذا الموضع أستعيدُ من الذاكرة، ما أحسبه يتناسب مع حضور أو غياب القيم..

رالف غوردانو 1923 - 2014 ، الذي أمضى سنوات الحرب العالمية الثانية مع والديه في قبو

(سرداب) عند عائلة بهامبورغ، أخفتهم عن عيون الغستابو والنازيين. بعد نهاية الحرب، قرَّرَ وهو شاب في أواسط العشرينات، أنْ يثأر من النازية بالإنتقال إلى الشطر الشرقي من ألمانيا- تحت السيطرة السوفيتة بعد التحرير.. إنتمى للحزب الشيوعي، درس في معهد الأداب بمدينة لايبزك، الذي تحوَّل إسمه بعد سنوات إلى – معهد يوهانَّس أر بَشَر- ثم دخل المدرسة الحزبية العليا، لتأهيل الكوادر، قيلَ عنه كان مُغرماً بستالين، وهو أمرٌ مألوفٌ حينها.. !

ستبدأ الحرب الباردة بين المعسكرين، ويتأسس حلف الناتو بحجة حماية الغرب من الخطر الشيوعي، وحلف وارشو بعد ذلك.. تمضي السنون على مهلٍ أو عَجَلٍ، سيصبح رالف غوردانو صحفياً وكاتباً معروفاً.. حتى يحلُّ عام 1964 فيهرب إلى ألمانيا الغربية ويجري الترحيب به كمنشق عن النظام الشيوعي في الشرق.. وسيقام له حفل إستقبال في إحدى القاعات الكبرى بجامعة كولونيا.

كانت القاعة تغص بالحضور الرسمي وممثلي الإعلام.. بدأ غوردانو حديثه بهجاء الشيوعية والنظام في ألمانيا الشرقية.. إلخ حتى نهضت من بين الحضور سيدةٌ مُسنة قالت، مشيرة بأصبعها إلى غوردانو :" هّذا، الذي أمامكم هو إبني، أنا أتبرّأ منه لأنه بَصَقَ في الصحنِ الذي أكلَ منه.. !"

..................

لستُ أدري ولا قدرةَ لي على وصف مشاعره وحالته النفسية، ساعةَ رؤيته أُمّه، التي لم يرها منذ قرابة عشر سنوات، وسط القاعة تُعلنُ براءتها منه.. في تناصٍ مع قصيدة مظفر النواب الشهيرة – براءة - !!

مثالٌ آخر، غير بعيدٍ عن الموضوع. أواسط الستينات من القرن المنصرم،كان الجدلُ بين اليمين واليسار محتدماً في ألمانيا الغربية، كما في غيرها من بلدان الغرب. لم يكن "الزواج الكاثوليكي" بين المؤسسة الحاكمة وسلطة الإعلام، مُمثلةً بإحتكار "شبرنغر" قد تمَّ، في إطار التنافس بين المعسكرين، مما إنعكس، محسوباً بدقة في مجال الإعلام !

في تلك الأجواء كانت صحيفة " بِلْدْ" – الصادرة عن إحتكار "شبرنغر" معروفة، ولمّا تزَلْ بشعبويتها وإبتذالها وكانت آنذاك سُبَّةً عند اليساريين والمثقفين – حتى المحافظين منهم -..

في تلك الأجواء، بثَّت إحدى قنوات التلفزوين حواراً جدلياً بين محافظ ويساري، وجَّه فيه الأخير

لزميله في المحاورة تهمة ترديد ما تنشره الصحافة الصفراء - صحيفة"بِلْدْ"- ! وكانت تلك في حينها بمثابة"تجريحٍ"، رَفَعَ فيها المعني دعوى قضائية ضد اليساري بحجة "القذف والتجريح الشخصي".. فما كان من المحكمة إلاّ أن حكمتْ لصالحه ضد اليساري.. !

هكذا يوم لم يكن الإعلام الإحتكاري قد تغوَّل مثلما هو الآن مع اللبرالية الجديدة، وإنصهاره التام مع رأس المال المالي وصنّاع القرار في مُجمَّع الصناعات الحربية.. مما أفضى إلى تسطيح وتسليع كل شيء.. بما في ذلك الآداب والفنون، حسب أدورنو.. ولم تعد هناك قيمٌ جماعية، إلاّ إعلاء شأن "الفردانية"وملحقاتها القيمية المبتذلة .. !

***

يحيى علوان

..........................

* الموريسكيون باللغة القشتالية هم مسلموالأندلس الذين أجبروا على الرحيل من بلادهم إلى دول المغرب الكبير بعد أن سيطر الإسبان على شبه الجزيرة الأيبيرية، فبدأ طرد العرب من الأندلس اعتبارا من عام 1609م بقرار من الملك الإسباني فيلبي الثالث. سلمان رشدي يقول أنَّ أصل عائلته يعود الى المورسيكيين، قبل أن ترحل الى الهند.

إن نسيت فلا أنسى اعتراض صاحب سيارة الأجرة، المنطلقة مِن عدن إلى صنعاء(1991)، والعادة تُسجل أسماء المسافرين، خشية السُّقوط مِن الجبال في الوديان، على أحد الرُّكاب وقد كتب «الدُّكتور» فلان. اعترض قائلاً: «يا أخي نحن رُكاب لا محامون ولا دكاترة»! خجل صاحبنا، وترك استخدام (الدّكتور) في غير موقعها، وظل شاكراً ذلك الفضل، وذلك التّعليم، فالحياة مدرسة، والبسطاء المعلمون. ظل صاحب (الدَّال) كلما تذكر الموقف قال: «أدبني فأحسن تأديبي».

كان ذلك مستهلاً للحديث عما نسمع عبر الفضائيات، والجرائد والمجلات، والأكثر في مواقع الإنترنيت، بضجة الألقاب العلمية والأدبيَّة، منها ما يرميه مقدم البرنامج مِن لقب «الدّكتور» و«المفكر»، و«الفيلسوف»، على الضّيف المتحدث، وترى الغالب منهم يلبس اللّقب، وإن كان ليس له حقٌّ به، ومنهم وهم النّدرة النَّادرة يحاول التّصحيح، تحلياً بالموضوعيَّة.

تأخذك الدّهشة عندما تجد لقب مركب «المفكر الفيلسوف»، أو «المفكر الكبير»، و«الخبير الاستراتيجيّ»، و«البروفيسور الدُّكتور»، و«الدُّكتور الشّاعر»، أو «العالم الرّبانيّ»، بما يخص رجال الدّين إلى آخر ما يخدش الآذان مِن ألقاب لأناس ليسوا أهلاً لها. كيف مَن ليس لديه شهادة ثانوية يُضفي عليه لقب الدكتور المفكر، وإذا كان دكتوراً في علم ما، فلا بد أنه يُفكر، وإذا كان مفكراً فلماذا الكبير؟ قد يكون ذلك، لكنها ألقاب علميّة، لا شأن لها في الحياة الاجتماعيَّة، إلا لطلب التّعظيم، بينما عظماء البشر لم يُعرفوا إلا بأسمائهم.

بدأ فيض الألقاب، خارج الاستحقاق، مع ظهور الجرائد والمجلات، فالبرامج الإذاعية والتلفزيونيَّة، مِن قِبل عصبة مِن الأدعياء، أشار إليهم الجواهريّ(ت: 1997)، وهو يتذكر أبا العلاء المعريّ(ت: 449ه): «تَصَّيدُ الجاهَ والألقابَ ناسيةً/ بأنَّ في فكرةٍ قُدسيَّةٍ لقبا»(قف بالمعرة: 1944).

كتب أمين باشا معلوف(ت: 1943) ناقداً فوضى الألقاب: «قلما تذكر مجلاتنا وجرائدنا شخصاً إلا (و) نعته بمثل قوله: العالم العلاّمة، والشَّاعر المجيد، والكاتب المتفنن، والقاضي العادل، والباحث المدقق، وفيلسوف الإسلام، والجهبذ، والألمعي... اقترح اجتناب هذه النُّعوت»(مجلة المقتطف 1911).

كذلك كتب محمد كرد علي(ت: 1953): «شاهدنا ما يُضحك من تحكم أرباب الصُّحف السَّيارة، في الألقاب العلمية، حتَّى آل الأمر ببعض الفضلاء أن يستنكفوا من ذكر أسمائهم بين أناس لا يلحقون غبارهم... وهكذا لفظ الأستاذ والمعلم والفاضل، وهذه اللفظة اليوم تُطلق على تسعة أعشار مَنْ يقرؤون ويكتبون»(مجلة المقتبس 1913).

أصبحت ألقاب: العالم الخبير، والمفكر الكبير، والعلامة، وغيرها سائرة سائدة في الثَّقافة، تعبر عن الهوس في طلب الألقاب، كتب علي جواد الطَّاهر(ت: 1996)، ناصحاً: «في تراثنا لا تخدم الشَّاعر صفة العالم، ولا تخدم العالم والعلامة صفة الشَّاعر... والدكتور لا تخدمك شاعراً...»(الباب الضّيق).

أمَّا الشيخ محمد جواد مغنّية(ت: 1979) فاختص بألقاب أقرانه، التي أخذت تُطلق على كل معتمر العِمامة، قال: «كهذا الشَّيخ الذي كتب بالقلم العريض، على ما جمع وطبع، تصنيف فلك الفقاهة، قلم التحقيق والنَّباهة، شيخ الطَّائفة، قدوة مجتهدي الفرقة المحقة، نائب الإمام، باب الأحكام، غياث المسلمين، حجة الإسلام، آية الله...» (تجارب محمَّد جواد مَغنية).

يحتاج اللّقب إلى صيانة، فوضع (الدَّال) قبل الاسم، لا يرفع الشَّأن، أو تقديم اللقب في التّعارف، لا يكبر حامله به، إذا لم يُصن باستدامة المعرفة.

أقول: رفقاً بالألقاب، فلا أجدها ابتذلت مثلما اليوم. هذا، ولمحمود باشا سامي الباروديّ(ت: 1904) قولٌ عندما جُرد مِن ألقابه وحُكم عليه بالإعدام ثم المؤبد(1883): «مَنَحْتُكَ أَلْقَابَ الْعُلا فَادْعُنِي بِاسْمِي/ فَمَا تَخْفِضُ الأَلْقَابُ حُرّاً وَلا تُسْمِي». تواضعوا، فالعلم عطاء لا باللّقب ثناء، لا الفارابي ولا الكندي ولا داروين ولا ديكارت، ولا بُناة المدن والحواضر، اعتزوا بغير أسمائهم وإنجازهم.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

جاء قانون العطلات الرسمية الذي صوت عليه البرلمان العراقي ( الأربعاء 22 ايار 2024) متضمنا المناسبات الدينية، وحذف مناسبات مهمة ومفصلية في تاريخ العراق والعراقيين، اهمها 14 تموز 1958 ..ذكرى سقوط النظام الملكي وتأسيس الجمهورية العراقية.

ومن جديده، أن البرلمان اقر اعتبار (عيد الغدير) عطلة رسمية .ومع ان امام سلطة الحق هو اكبر من ذلك، فانهم كانوا يعلمون ان اقراره يثير فتنة، ولا يكترثون ان في اقراره مفارقة مخجلة هي ان الأمام علي قال يوم تولى الخلافة " أتيتكم بجلبابي هذا وثوبي فان خرجت بغيرهما فأنا خائن"..فيما الذين يدّعون انهم احفاده واخلص شيعته صاروا اصحاب ملايين ومليارات وعقارات وشركات!..وافقروا 13 مليون عراقي، باعتراف وزارة التخطيط، معظمهم شيعة!

وكانت حجة البرلمانيين في الغاء (14 تموز) هو الابتعاد عن خلافات جدلية بين (الملكية والجمهورية).. ومع انهم هم انفسهم غير مقتنعين بهذه الحجة غير المنطقية، ويعرفون انها بالضد من مشاعر ملايين العراقيين، فانهم يعرفون ايضا ان الموضوع يتعلق بعبد الكريم قاسم تحديدا..ولأسباب سيكولوجية واخلاقية واعتبارية.. نكشفها في الآتي:

الضدّ في الحكم يظهر قبحه الضدّ

هذه حقيقة يثبتها تاريخ الثورات والانقلابات في العالم، فما ان يطاح بنظام فان الناس تقارن بين ايجابيات وسلبيات النظامين. وانا هنا لا اتحدث عن النظام الجمهوري الأول والنظام الديمقراطي بعد التغيير(2003) بل بين شخص عبد الكريم قاسم كرئيس وزراء وبين من تولوا الحكم..من حيث القيم والأخلاق وما يفترض أن يقدمه الرجل الأول في الدولة من خدمات للوطن والمواطنين .

لقد تابعت حكومات ما بعد التغيير من (2005) فلم اجد رئيس حكومة او رئيس حزب او كتلة يذكر عبد الكريم قاسم بخير، بل أن حكّام النظام الحالي في العراق لم يحيوا ذكرى استشهاد عبد الكريم قاسم في انقلاب شباط 1963 الدموي وكأن ذلك اليوم كان عاديا لم يقتل فيه آلاف العراقيين، ولم يحشر فيه المناضلون بقطار الموت، ولم يسجن فيه مئات الآلاف. والمفارقة أن الطائفيين يحيون ذكرى مناسبات تستمر (180) يوما ولا يحيون ذكرى يوما واحدا استشهد فيه قائد من اجل شعبه..فلماذا؟!

ان اي عراقي غير طائفي سيجيبك بسطر يغني عن مقال: (لأن سمو اخلاقه ونزاهته وخدمته لشعبه..تفضح فسادهم وانحطاط اخلاقهم وما سببوه للناس من بؤس وفواجع).

نعم. قد نختلف بخصوص عبد الكريم قاسم كونه عقلية عسكرية يعوزه النضج السياسي، ولك ان تدين شنّه الحرب على الكورد عام (61)، واستئثاره بالسلطة، ومعاداته لقوى عروبية وتقدمية وما حدث من مجازر في الموصل، واصطناعه حزبا شيوعيا بديلا للحزب الشيوعي العراقي الذي عاداه رغم انه ناصره حتى في يوم الانقلاب عليه (8 شباط 1963).ولك ان تحمّله ايضا مأساة ما حصل لأفراد العائلة المالكة، وتصف حركته بأنها كانت انقلابا وضعت العراق على سكة الأنقلابات.ولك ايضا أن تتغاضى عن انصافه الفقراء واطلاقه سراح المسجونين السياسيين وعودة المنفيين وفي مقدمتهم الملا مصطفى البرزاني الذي استقبله اهل البصرة بالأهازيج..ولكن، حتى أبغض اعدائه، لا يمكنهم أن يتهموا الرجل بالفساد والمحاصصة والطائفية والمحسوبية والمنسوبية..وتردي الأخلاق، مع أن قادة النظام الحالي رجال دين، وان رسالة النبي محمد كانت اخلاقية بالدرجة الاساسية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وأن عليهم ان يقتدوا بمن خصه الله سبحانه بقوله(وانك لعلى خلق عظيم)..فيما عبد الكريم قاسم ليس له اهتمامات بالدين .فلم يطل لحية وما لبس عمامة.

وبمنطق سيكولوجيا الشخصية فان الأنسان يشعر بالنقص حين يكون الآخر افضل منه في صفة أو اكثر، وتشتد حدّة هذا النقص حين يكون هذا الانسان شخصية عامة او قائدا في السلطة.. ولهذا فأن من تولوا الحكم بعد 2003 يغيضهم جدا، ويشعرهم بالأزدراء حين يقارن العراقيون بينهم وبين عبد الكريم قاسم .فالرجل كان يمثل انموذج الحاكم القدوة من حيث نزاهته.فهو كان يعيش براتبه ولا يملك رصيدا في البنك، ولهذا لم يجرؤ في زمانه وزير او وكيله او مدير عام على اختلاس او قبول رشوة او التحايل على مقاولة.وما كان اهله او اقرباؤه يحظون بامتيازات، فشقيقه الأصغر كان نائب ضابط في الجيش العراقي، وبقي بتلك الرتبة طيلة مدة حكم أخيه عبد الكريم قاسم. وما كان للرجل قصر او بيت لرئيس الجمهورية، بل كان ينام على سرير عادي بغرفة في وزارة الدفاع. ولقد منحه العراقيون لقب(ابو الفقراء)..لأنه بنى مدينة الثورة لساكني الصرائف في منطقة الشاكرية، ومدنا اخرى في البصرة واكثر من 400 مدينة جديدة وعشرات المشاريع الاروائية، فيما حكّام الخضراء حولوا الوطن خرابا، وافقروا 11 مليون و 400 ألف عراقي بحسب وزير التخطيط في (2020)، وسرقوا 840 مليار دولارا بحسب (بومبيو)، وأن ما فيهم نظيف يد بشهادة مشعان الجبوري :(لا ابو عكال ولا ابو عمامه ولا الافندي ولا لجنة النزاهة..كلنا نبوك من القمة للقاعده) ..ووصف مرجعيتهم الدينية لهم بانهم في الفساد..حيتان !

ولهذا فهم يخشون احياء ذكراه لأن الناس ستعقد مقارنة بين ما صنعه من اعمارفي أربع سنوات وبين ما صنعوه من دمار وخراب في عشرين سنة!، وأخرى تخزيهم في اربعة اضعاف مدة حكمه!. فمعظم الذين جاءوا بعد التغيير كانوا لا يملكون ثمن تذكرة الطائرة، وصاروا يسكنون في قصور مرفهة ويتقاضون رواتب خيالية، وعزلوا انفسهم لوجستيا بمنطقة مساحتها (10) كم مربع محاطة بالكونكريت وبنقاط حراسة مشددة سرقت احلام العراقيين وجلبت لهم الفواجــع اليوميــة، وأوصلتهم الى اقسى حالات الجزع والأسى..ولهذا فهم ينؤون عنه..لأن المقارنة ستفضي بالناس الى احتقارهم.والمخجل ان كثيرين منهم صاروا محتقرين شعبيا، وآخرين صاروا سخرية في وسائل التواصل الأجتماعي..ولا يخجلون حتى من هتاف العراقيين (باسم الدين باكونه الحراميه!).

وحكّام الخضراء فعلوا من القبائح ما يجعلهم صغارا امام فضائل عبد الكريم قاسم..اقبحها أن الفساد في زمنه كان عارا فيما صيّره الطائفيون شطارة، واصبح العراق في زمنهم افسد دولة في المنطقة، حتى بلغ المنهوب من قبل وزراء ومسوؤلين كبار ما يعادل ميزانيات ست دول عربية مجتمعة!، وراحوا ينعمون بها في عواصم العالم دون مساءلة.

وصار رئيس الجمهورية ورئيس الوزرارء والوزراء يعينون ابناءهم وبناتهم مستشارين لديهم..لا ليقدموا خبرة هم اصلا لا يمتلكونها، بل ليحصل من هو في العشرين من عمره على راتب يعادل اضعاف راتب استاذ جامعي..دكتور وبروفيسور..بلغ الستين!، فيما كان عبد الكريم قاسم يعتمد معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، ومبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في اغلب اختياراته..مثال ذلك:ابراهيم كبة (اقتصاد)، محمد حديد (مالية) فيصل السامر(ارشاد)هديب الحاج حمود (زراعة) ناجي طالب(شؤون اجتماعية)...نزيهة الدليمي(بلديات)..وهي اول وزيرة في تاريخ العراق.واختياره عقلا اكاديميا عبقريا درس على يد آينشتاين لرئاسة جامعة بغداد التي تأسست في زمنه..الصابئي المندائي الدكتور عبد الجبار عبد الله، برغم معارضة كثيرين، قالوا له كيف تعين هذا الصابئي..فأجابهم :(عينته رئيس جامعة وليس خطيب جامع)..فيما اعتمد الطائفيون مبدأ الانتماء الى الحزب والطائفة في المواقع المهمة بالدولة وان كان لا يمتلك كفاءة ولا خبرة ولا نزاهة.

وكان العراق في زمانه..دولة، فيما صار بزمن سادة الخضراء دويلات، بل ان كل وزارة في الحكومة هي دويلة لهذا المكون السياسي او ذاك، وما كانت فيه دولة عميقة او ميليشيات.وكان عبد الكريم محبّا للعراق ومنتميا له فقط، ولهذا كانت المواطنة، بوصفها قيمة اخلاقية، شائعة في زمنه بين العراقيين، فيما انهارت بزمن الطائفيين، وصار الناس يعلون الانتماء الى الطائفة والقومية والعشيرة على الانتماء للوطن..وتلك اهم وأخطر قيمة اخلاقية خسرها العراقيون..ولهذا فان الطائفيين يكرهون عبد الكريم قاسم، لأن احياء ذكراه توحّد الناس ضدهم..ولأن الضد الجميل في الأخلاق يبرز الضد القبيح في الأخلاق.

وتبقى حقيقة..أن عبد الكريم قاسم برغم مرور ستين سنة ونيف فانه باق في قلوب العراقيين الذين نسجوا عنه الاساطير، فيما حكّام الخضراء سوف لن يبقى لهم ذكر، ومؤكد ان العراقيين سيلعنون معظمهم بعد مماتهم.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

"إن ما ندعوه التاريخ هو شيء مكتوب من قبل المنتصرين في الحرب، سادة الإمبراطوريات والجنرالات المدمرين للأرض، لصوص الثروة العالمية، مستعملين لذلك عباقرة من المخترعين الكبار في العلوم والتقنيات من أجل بسط هيمنتهم الاقتصادية والعسكرية على العالم"  روجي غارودي

العنوان يحيل بداية، على مؤلف شهير للفيلسوف الفرنسي روجي غارودي، هو "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية". وهو مرجع فكري جدير بالتأمل والإحاطة، ومثير للتفكير والتفكر. إذ إنه لاقى طيلة انتشاره الواسع في الفضاء الثقافي الأوربي والعربي، إقبالا منقطع النظير، وتشاكلا مزدوجا، أعاد صياغة "نظرية الإبادة" وجرائم "غرف الغاز" النازية إلى واجهة الأحداث، وما يرتبط بالقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، مع ما يحمل ذلك من دلالات سياسية وحضارية، ترخي بظلالها على السردية الإسرائيلية المتواترة، التي انبنت عليها "عقدة الذنب" و"فرائض التعويض التاريخي" والتباسات كل ذلك، إن على مستوى الكيان الصهيوني أو ما رافق من مشروع استنباته وصيرورته، على حساب الشرعية التاريخية والجغرافية للشعب الفلسطيني المضطهد.

تكاد الرواية التاريخية المستعارة تتكرر. وإن بألوان وألبسة جديدة. تتلحف بأغطية وزركشات إعلامية متحلقة. وتزدهي بفواخير استعلائية، تستوقد حضورها الدلالي من التخوم المستوردة للآليات الإعلامية المتحولة، وبإسقاطاتها الأيديولوجية والجيواسراتيجية المتساوقة والنظام الدولي الجديد . فالأساطير السياسية لإسرائيل الصهيونية، التي تؤسس لمزاعمها التاريخية بتحريف الحقائق التاريخية وتحميلها ما لا يحتمل، هي نفسها الأساطير التي تؤسس وجودها الاحتلالي من "البروبجندا" كدعاية منهوبة، تستعيض بها عن التأريخ الواعي بالأحداث وتوثيقها، باغتصاب العقل المفكر وتأليب الندوب المتوهمة، وتغيير السردية وإعادة تحويرها وإنتاجها بالشكل المتعسف.

وبمنظور آخر، فالدعاية هنا، تعني التأسيس المتعمد لما يمكن تسميته ب "السرد المعرفي على حساب أجندات سياسية"، والتي تنال من "الحقيقة التاريخية الموثوقة"، وتهدم مرتكز الموضوعية والدقة بمطية تقديم "التبريرات ومنح الشرعية لأية أفعال عدوانية ضد المخالفين في الرأي والعقيدة والجنس والقومية"، تحت غطاء التقية (الإرادة الإلهية) و(شعب الله المختار).

استأثرت الدعاية الإسرائيلية بمفهومها التاريخي السياسي والأيديولوجي، بالدوافع المستقاة من السرديات المحرفة ومنافذها الدينية والاعتقادية الهجينة. وظلت تحجب الفواعل الرئيسية المنظمة لحضورها الملغوم، طيلة عقود خلت، تحت الحماية الغربية، وما تشكله من حوافز مالية وعسكرية وتكنولوجية عالية. لكنها، لم تكن لتتعزز بالمقدار نفسه، بالرؤى الثقافية والفكرية والقيمية الأخلاقية، حتى من أقرب منظري الفلسفة الأنوارية، وما استتبعها من  قيم الديمقراطية المزعومة. ولا أدل على ذلك، أن كبار عباقرة النهضة في الفكر الغربي الحديث والمعاصر، ظلوا مشدودين لسردية "التاريخ الموثوق" و"الحق الفلسطيني المستلب". يكفي أن نذكر، فقط ببعض الأصوات الفكرية الحرة في هذا الصدد: المفكرون الفرنسيون إدغار موران و فرانسوا بورغا وأوليفييه روا وآلان غريش. والكتاب الإيطاليون الإيطاليان فرانتشيسكو بورغونوفو ودافيدي بيكاردو ورومانا روبيو  والمستعربة البلغارية مايا تسينوفا، والفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي ومواطنه من أصل إيراني حميد دباشي، وجوزيف مسعد، والمؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم ومواطنه شلوموساند والسويدي يوران بورين، وكيت وايتلام، وإيلان بابيه، والأكاديمي الأمريكي جيفري ساكس، وأوفير جافرا ... وغيرهم كثير.

وبهكذا قدر من التأويلية المستبطنة، تسترفد البروبجندا الصهيونية محترفاتها المدورة، من الراهنية الحربية، التي تجعل من الحرب على غزة والضفة الغربية، واجبا توراثيا مقدسا، يعيد تصحيح مسار الزعم المصطنع للسلام ومتقابلاته "أوسلو" "وادي عربة" واتفاقية ابراهام"، ويؤبد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، على أساس الحق الموهوم القائم على بناء الهيكل الثاني، أو (بيت همقداش) بالمصطلح العبري، واستعادة كل الأرض الموعودة، وفقا للرواية الإسرائيلية التي تقول، "أن خيمة الاجتماع "قبة الزمان" كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الذي هو متقدم على مجيئهم بيت المقدس، وأنها مسكن الرب، وقد كانت مع بني إسرائيل في التيه، يصلون إليها، وهي قبلتهم، وأن يوشع بن نون لما دخل بيت المقدس نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس، فكانوا يصلون إليها، فلما بادت صلوا إلى ملحقها، وهي الصخرة. ويرون أن أرض المسجد الأقصى هي أرض الهيكل وأن مسجد الصخرة هو: مكان قدس الأقداس، داخل الهيكل (هيكل سليمان في عقيدة اليهود، ص334).

على أن استيقاظ "البروبجندا" ضمن أنساقها الثاوية، عند الصهاينة الجدد، أشاحت بوجهها الحقيقي، تجاه المنظومة الدولية المغلولة بفيتوهات الغرب المنافق، الذي يرفض مقايضة الحسم في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، على أساس الأخلاق والشرائع والقوانين الدولية المتفق عليها. وهو ما أكدته الوقائع الحالية، التي تكرس الكيل بمكاييل ورفض الإدانة وتوقيف المجازر الإسرائيلية تجاه سكان غزة واستعمال التعطيش والتجويع كأدوات للضغط والتهجير القسري والقتل الممنهج والاختطاف والتعذيب ..إلخ.

***

د. مصطَفَى غَلْمَان

جامعة كولومبيا: الإرث المعرفي والنضالي لإدوارد سعيد (1935 – 2003) الغائب / الحاضر وأثره في ذلك.

تشهد العديد من الجامعات الأمريكية حراكا طلابيا كثيفا إلتحقت به العديد من الجامعات في فرنسا وإنجلترا وألمانيا مساندا للقضية الفلسطينية ومطالبا بإنهاء الحرب / الإبادة الجماعية التي ترتكب في قطاع غزة، منذ ما يزيد عن السبعة أشهر. هذا الحراك الطلابي في الجامعات الأمريكية يذكرنا بآنتفاضة الطلبة ضد حرب الفيتنام أواسط الخمسينات وأواسط السبعينات. صحيح أن الظرفية التاريخية للحدثين: الحدث الفيتنامي والحدث الغزاوي مختلفتين وإن كان هناك جامعا بينهما فهو النزعة الإحتلالية الإستعمارية بوجهيها الغربي والصهيوني. قد يتساءل البعض عن سبب إنطلاق الحراك الطلابي في الجامعات الأمريكية من جامعة كولومبيا بالتحديد؟

1 – الإرث النضالي والمعرفي لإدوارد سعيد:

كان إ. سعيد ذو الأصل الفلسطيني أستاذا جامعيا للنقد الأدبي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، إلا أنه أدرك أهمية المباحث الفكرية والمعرفية التي كان يرى لها تأثيرا كبيرا في بنية الوعي الغربي،فعمل على بذر بذرة المعرفة والنضال الملتزم بقضايا الحق والعدل في تلك المؤسسة الجامعية. فكان من الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الإستعمارية ( ما بعد الكولونيالية) ومدافعا عن حقوق الإنسان الفلسطيني وقد وصفه " روبرت فيسك " بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية. (1) لقد لمع نجم إدوارد سعيد بعد نشره كتابه المهم " الإستشراق " عام 1978 الذي شن فيه حملة شديدة على الإستشراق بآعتباره مؤسسة إستعمارية وأسلوبا غربيا للسيطرة على الشرق ورأى أن أغلب الدراسات الغربية عن الحضارة العربية الإسلامية إرتبطت بالفكر السياسي المحكوم بخلفية التفوق العرقي الأوروبي ولم تكن دراسات موضوعية. لقد كان لإدوارد سعيد نشاط سياسي، فقد كان عضوا بالمجلس الوطني الفلسطيني وإستقال منه إحتجاجا على إتفاقية أوسلو التي كان رافضا لها. لقد ثمنت مجلة فورين بوليسي الأمريكية ما يقوم به سعيد حين ذكرت قولته الشهيرة: " لم يعد اليوم إنتصار الصهيونية شبه التام من الأمور المسلم بها. " (2) إن ما تشهده جامعة كولومبيا قاطرة الحراك الطلابي المساند للحق الفلسطيني وما يشهده الوعي الطلابي والسياسي عامة من تحولات دراماتيكية، يعود الفضل فيه بدرجة كبيرة إلى الإرث الذي تركه إدوارد سعيد. في كتابه " الإستشراق " حفر إ.سعيد عميقا في بنية الخطاب الغربي حول الشرق ليكشف التمثلات التي غرقت فيها تلك الكتابات. إنها خلق جديد للآخر وإعادة إنتاج له وتسليط أحكام قبلية عليه بعيدا عن كل مقاييس علمية في التعاطي معه .يقول سعيد: " إن بنية الإستشراق ليست سوى بنية من الأكاذيب أو الأساطير التي ستذهب أدراج الرياح إذا ما إنقشعت الحقيقة المتعلقة بها " (3). هذه البنية تخفي قوة أو إرادة قوة بالمعنى النيتشوي ومن بين مراميها طمس موضوع الواقع وإعادة إنتاجه إنتاجا تثوي فيه السلطة وتتخفى المؤسسة. (4) بعد أن كشف إدوارد سعيد الخلفية الإستعمارية للإستشراق ونزعته للهيمنة وسرقة التاريخ والثروات من أصحابها، إستشعر اللوبي الصهيوني خطورة ما يطرحه هذا المفكر الفلسطيني فعمل على تدمير الأساس الثقافي والحضاري للوجود العربي في فلسطين بالتشكيك في الطاقات الإبداعية للشعب الفلسطيني فوجدت في إدوارد سعيد الشخص المناسب لمحاصرته عبر التشكيك في هويته الفلسطينية، فقد نشر مراسل صحيفة " الديلي تلغراف " البريطانية جستس رايد فاينر مقالا إعتبر فيه أن إدوارد سعيد مصري وأن عائلته كانت تقيم في القاهرة وأنه مصري وليس فلسطينيا، ثم أعادت صحيفة " كومنتري " التي يصدرها اليهود اليمنيون نشر المقال إمعانا في التضليل وضربا لرمزية الرجل وقيمته الإعتبارية(5). إن خطاب إدوارد سعيد كما يصفه نصر حامد أبو زيد يمثل، في بنية الخطاب الغربي وخصوصا الأمريكي منه، خطاب الوعي الضدي لنسق الخطاب المهيمن، فقد كشف عوراته وأبان له عن مساوئه وجرائمه(6). كان إدوارد سعيد قد إتخذ مواقف عميقة من العالم ومن نظم تفكيره بدءا من الهيمنة الثقافية التاريخية ووصولا إلى الإستبداد في العالم العربي ولم يتسامح معهما وإنتقدهما بكل وسيلة وقد جسد ذلك من خلال زيارته لجنوب لبنان بعد تحريره سنة 2000، يتحدث عنها محمود درويش، يقول: " زار إدوارد سعيد جنوب لبنان ورمى حجرا عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية بآتجاه إسرائيل فثارت ثائرة الدوائر الإسرائيلية في العالم وتم نعته بأنه متعاطف مع الإرهاب. "(7) يقول إدوارد سعيد عن تلك الحادثة أنه لما عاد من لبنان إلى أمريكا- جامعة كولومبيا حيث يدرس، كانت هناك في العدد الأول من جريدة الجامعة المسماة " سبكتيتر " ثلاث مقالات على صفحة المحرر منها مقالة كتبها زميلان لي يطالبان فيها بفصلي من الجامعة، والفكرة الرئيسة من الحملة ومن رسائل الكراهية التي تلقيتها على الأنترنت والإتصالات التليفونية كانت إبعاد الإنتباه عما حدث في لبنان، كان التحدث عن الصورة أسهل من التحدث عن ثمانية آلاف إنسان عذبوا في سجن الخيام. (8)

2 – في علاقة الإستشراق بالصهيونية:

بعد أن فكك إدوارد سعيد بنية الإستشراق من خلال تحليل الخطاب والخلفية النظرية التي يعتمدها في دراسة المجتمعات العربية والإسلامية تاريخا وثقافة، عمد إلى البحث عن التماثلات بينه وبين الصهيونية، وقد بين أن الثانية أي الصهيونية تتغذى من الأول لتبني سلسلة من الأكاذيب والأساطير تؤثث بها سرديتها المزعومة حول فلسطين وتوظف " محنة اليهود " لتصوغ مظلومية كاذبة خاطئة تفرضها على الوعي الغربي وتعمل على أن تكون لها مقبولية ثم تعمد إلى تسييج ذلك الوعي برسم خطوط حمراء: الهولوكوست - المحرقة ومعاداة السامية، تجسدها نصوص قانونية تعج بها المدونة التشريعية في البلدان الغربية. يعتبر تيسير أبو عودة أن الإستشراق الصهيوني إمتداد للإستشراق الأوروبي وشكل جوهراني لخطاب التفوق الأوروبي والعولمة الرأسمالية والحداثة العلمية. ويعرف تيسير أبو عودة الإستشراق الصهيوني بأنه الخطاب السياسي والمعرفي والإيديولوجي الممنهج والمؤسساتي لدولة إسرائيل الإستعمارية والإستيطانية الذي يختزل الفلسطيني والعرب بآعتبارهم بشرا متوحشين بربريين جهلة، قتلة وإرهابيين وذلك من خلال تأصيل سرديتين مركزيتين: الأولى فلسطين أرض بلا شعب، صحراوية جرداء قاحلة، الثانية فلسطين قبل 1948 أرض بلا تاريخ ثقافي أو تعليمي، علمي (9) لم تكن الصهيونية غائبة يوما عن الإستشراق قديمه وحديثه فقد إستطاع المستشرقون الصهاينة أن يكيفوا أنفسهم ليصبحوا عنصرا أساسيا في إطار الحركة الإستشراقية الأوروبية، فقد دخلوا الميدان بوصفهم الأوروبي لا بوصفهم الديني أو السياسي .(10) ويضيف أوليفييه مووس خاصية أخرى للإستشراق الصهيوني يقول: " الإستشراق الجديد ليس في الغالب عمل مختصين أكاديميين وإنما يشارك في صياغة خطابه الصحفيون والكتاب والباحثون والخبراء والمدونون والناشطون في الحقول الفكرية والإعلامية وحقول الدراسات الأمنية. " (11) إرتبط المستشرقون اليهود بالحركة الصهيونية بعد إنطلاقها عام 1881، وقد تزامن ذلك مع بروز المسيحيين الصهيونيين إلى المشهد وإنتعاش أفكارهم التوراتية المخلوطة بمصالح سياسية في الشرق الأوسط. فوظفوا " معارفهم " لخدمة الحركة الصهيونية وتأصيل الوجود اليهودي في فلسطين، ثم عمل بعد 1948 على دراسة قضايا الصراع العربي الصهيوني بهدف تقديم العون للقيادة الصهيونية في إدارتها للصراع. إستمر الإلتقاء بين الإستشراق الأوروبي والصهيوني بعد نهاية " الإستعمار "،في شيطنة الإسلام وآعتباره عدوا مشتركا، فليس من الغريب أن رموزا إستشراقية وناشطين في حركة الإستشراق قديما وحديثا كانوا صهاينة، يقول إدوارد سعيد: " إستمدت الصهيونية نظرتها للعرب من المفاهيم الإستشراقية ومن ثم طورتها إستنادا إلى نظرتها العنصرية ." (12) هناك قاسم فكري مشترك بين الإستشراق والصهيونية قائم على النظرة الإستعلائية العنصرية مع إدعاء النقاء والتفوق العرقي والحضاري، وبالتالي فإن الإيديولوجيا الإستعمارية الغربية المبنية على مفاهيم الإستشراق تعد أحد أهم المصادر للإيديولوجيا الصهيونية. (13)

3 – طوفان الأقصى ونسف السرديات الزائفة: الحراك الطلابي نموذجا:

مازالت إرتدادات طوفان الأقصى تتالى وقد لامست العديد من المجالات والجوانب. يمتلك طوفان الأقصى قدرة عجيبة على نزع الأقنعة وكشف الحقائق التي عملت لوبيات المال والإعلام والسياسة على إخفائها والتستر عليها خدمة للمشروع الصهيوني في المنطقة العربية. كما كان حافزا محركا لمراجعة مفاهيم إستقرت حتى غدت " بديهيات " سكنت الوعي الغربي. إنه حدث فارق في تاريخ الإنسانية دفع بالمؤرخين والمفكرين وعلماء الإجتماع والفلسفة إلى التسلح بالعدة المعرفية اللازمة لتفكيك الحدث في مختلف أبعاده وإلى الحفر أركيولوجيا في التاريخ والتصورات بغرض الكشف عن مسار التشكل والحيثيات المرافقة لآستقرار تلك السردية وحمولتها المفاهيمية الملازمة لها. طوفان الأقصى يختزل إرتدادا لكل أطوار التاريخ التي علقت بفلسطين ليفتح أحاسيسنا على بهاء البدايات ونقائها، لكأن الحدث في جوهره صراع مع ذاكرة قد ملئت أكاذيب وإفتراءات بغرض الرجوع بها إلى الزمن السحيق حتى يتم للمستضعفين الذين آغتصبت أرضهم، لذة التفرد بحقهم المسلوب ومتعة التملك لتاريخهم نقيا بكرا لم يدنسه أحد. حدث طوفان الأقصى في تفاعله مع محيطه أعاد للقضية الفلسطينية مركزيتها بآعتبارها قضية تحرر وطني من إستعمار إستيطاني، ومع المؤثرات الخارجية التي تجلت في حركة الشعوب في مختلف أرجاء العالم المؤيدة للحق الفلسطيني ولحق الفلسطينيين المشروع فى المقاومة لإسترداد حقوقهم وكان الحراك الطلابي في الجامعات الأمريكية والفرنسية والبريطانية في أنصع صوره حيث الضمير الإنساني النقي تنتفض فطرته السليمة دفاعا عن حرية الشعوب في تقرير مصيرها وضد كل أشكال الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. لقد إكتشف الطلبة في كبرى الجامعات الأمريكية الأخطبوط الذي نسجته الصهيونية عبر شبكة علاقاتها ونفوذها مع الجامعات الغربية وعملت على توظيف المعارف الأكاديمية في شتى الإختصاصات لصالح مشروعها ولاسيما في الجوانب التقنية والعسكرية، إنها الإفاقة على أوجاع التاريخ العاصف حيث يجد الطلبة والإطار التدريسي في تلك الجامعات ذات الصيت الكبير، أنهم متلاعب بهم وأن قدسية المعرفة قد تم تدنيسها لخدمة مشاريع سياسية ملطخة بدماء الأبرياء، تهدف إلى تهجير قسري لشعب من أرضه، و إلى إذلاله وسرقة تاريخه وثرواته. لقد إكتشفت الشعوب الغربية ولاسيما طلبتها ونخبها أنهم كانوا ضحية تضليل إعلامي وتزييف للوعي قائم على نشر الأكاذيب والأساطير الواهية، بغرض تغييبهم عن مأساة الشعب الفلسطيني الذي ظل يرزح تحت نير إحتلال إستيطاني منذ ما يزيد عن سبعة عقود بتواطئ دولي غير مسبوق وخذلان عربي وإسلامي مقيت. سيظل طوفان الأقصى حدثا فارقا يضع الضمير الإنساني أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، يتحول الحدث شاهدا على عصره، يحتكم إليه في أمهات القضايا ويستنطق ليكشف الرهانات المنذور إليها وليرسم الإستراتيجيات التي يرام تحقيقها.لم تعد شعارات " حق إسرائيل في الوجود " و" ضرب الإرهاب الفلسطيني " و" معاداة السامية " ... تستهوي الرأي العام في الغرب وخاصة الشباب منه. لقد حلت محلها شعارات " الفصل العنصري " و" التطهير العرقي " و" الإبادة الجماعية " و" الحرية لفلسطين " تكتسح أوساط الشباب الطلابي في الجامعات الأمريكية، وهو ما حدا بالصحفي توماس فريدمان الكاتب اليهودي في صحيفة نيويورك تايمز ليطلق قبل شهور تحذيرا للقيادة الإسرائيلية من تبعات الإستمرار في تبني سياسات يمينية ترفض بمقتضاها حل الدولتين وشدد فريدمان على أن إسرائيل بدأت تخسر الرأي العام ولاسيما في أوساط طلاب الجامعات الأمريكية مستشهدا بمقاومة الإتحادات في أغلب تلك الجامعات ورفضها إستضافة مسؤولين إسرائيليين رسميين للحديث داخل أدوارها.(14).

الخاتمة:

إن طوفان الأقصى كشف للعالم أن قطعة الأرض الوحيدة المحررة وتمتلك قرارها السيادي هي غزة وأن بقية العالم يعاني بشكل ما نقصا – يكبر ويصغر- في سيادته. لقد أتاح طوفان الأقصى للنظريات ما بعد الكولونيالية – والتي كان لإدوارد سعيد دور في تأسيسها داخل جامعة كولومبيا- أبعادا جديدة ووسع من أفقها، حيث أبان على أن أكثر من ثلثي العالم مازال يرزح تحت إحتلال من نوع جديد قائم على التحكم في مفاصل العمل السياسي والإعلامي والإقتصادي والأكاديمي والثقافي ( السينما – هوليود)، عبر فكر صهيوني يبث سمومه في كل مكان عبر ذراع " الهسبراه " (الشرح والتفسير) (15)، لتخضع سيادة الدول لرغباته ونزواته خدمة لدولة الإحتلال.ذاك ما يعطي للحراك الطلابي في مختلف أرجاء العالم ألقه وعنفوانه ويبشر بتحولات كبيرة تصيب بنية الوعي الغربي وتزلزل مفاهيمه وتصوراته. يقول تعالى: " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " (سورة الفرقان / الآية23).

***

بقلم : رمضان بن رمضان

......................

الهوامش والتعليقات:

1 – موقع ويكيبيديا

2 – موقع: almayadeen.net بتاريخ 16 كانون الثاني 2023 .

3 – إدوارد سعيد، الإستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، ط 2، بيروت 1984، ص 41 .

4 – آنظر سالم يفوت، حفريات الإستشراق، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، المغرب 1989، ص 8 .

5 – إدوارد سعيد، " الإفتراء على الطريقة الصهيونية " جريدة أخبار الأدب عدد 320، 29 أوت 1999 .

6 – رمضان بن رمضان، " المثقف العربي والمركزية الأوروبية: محمد أركون وإدوارد سعيد نموذجين " صحيفة المثقف بتاريخ 06 كانون الأول/ ديسمبر 2023.

7– محمود درويش، " إدوارد سعيد في صورة المثقف من نقد الإستشراق إلى إزدراء الإستبداد " مقال أعيد نشره في موقع العرب، بتاريخ 09 فيفري 2014 .

8 – حوار قديم تناول النكبة والإحتلال والإعلام الغربي وتحرير الجنوب: إدوارد سعيد...عن ذلك الحجر الشهير عند بوابة فاطمة، محمد ناصر الدين، جريدة الأخبار اللبنانية، أعيد نشره السبت 4 تشرين الثاني 2023

9 – تيسير أبو عودة، " الإستشراق صهيونيا "، موقع فسحة عرب 48، بتاريخ 15 – 10 – 2021.

10 – عمود حمدي زقزوق، الإستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، دار المعارف، مصر،د.ت ص 52.

11 – أوليفييه مووس، تيار الإستشراق الجديد ...من الشرق الشيوعي إلى الشرق الإسلامي،صدر عن وحدة الدراسات المستقبلية، مكتبة الإسكندرية مصر، سنة 2010، ضمن سلسلة " مراصد "، ص 5 .

12 – إدوارد سعيد، الإستشراق، ص 56

13 – مي عباس، " الإستشراق الصهيوني الجديد ومدد الإسلاموفوبيا، " مجلة البيان الرقمية، عدد 368، بتاريخ 20 ديسمبر 2017.

14- آنظر، محمد المنشاوي، هل تخسر إسرائيل تأييد الشباب الأمريكي؟، موقع الجزيرة نت بتاريخ 13 أكتوبر 2023 .

15 – الهسبرة أو هاسبارا (Hasbara): كلمة عبرية تعني " الشرح والتفسير " وهي مؤسسة في العلاقات العامة تعمل على نشر المعلومات الإيجابية في الخارج والدعاية لدولة الكيان المحتل هي نوع من البروباقاندا تأسست منذ ما يزيد عن أربعين عاما، لقد طور الكيان الغاصب أساليبه في تحسين صورته ببذل المزيد من الأموال والتدريبات التي تستهدف الدبلوماسيين للعمل على تسويق نفسه للخارج وإعادة إنتاج الروايات التي تدعم موقفه وإستغلال اللاسامية وتعزيز الإسلاموفوبيا.

حفل القرن العشرين بالكثير من الأحداث الجسيمة والحروب والصراعات على امتداد المعمورة، إنه عصر التطرُّفات، كما يصفه المؤرخ البريطاني المعاصر ذو التوجه الماركسي إريك هوبزباوم الذي غادر الحياة عام 2010، فيما كان قد أطلق أوصافاً عديدة على القرن التاسع عشر الذي خصص له ثلاثية سماه فيها بعصر الثورة، وعصر رأس المال، وعصر الإمبراطورية، على التوالي، وبحسب الأحداث الكبرى التي شهدها ذلك القرن بمختلف عقوده.

في كتابه “عصر التطرُّفات” يُقَسِم هوبزباوم التاريخ الوجيز للقرن العشرين من العام 1914 ولغاية العام 1991 إلى: عصر الكارثة، والعصر الذهبي، وعصر الإنهيار. ثم يتحدث في تصديره للطبعة العربية عن عصر التطرُّفات في العالمين العربي والإسلامي، مؤكداً بأن القرن العشرين هو العصر الأكثر خروجاً عن المألوف في تاريخ البشرية، وبأن الشرق الأوسط أصبح، وسيظل منطقة عدم استقرار على الصعيد العالمي، لا يمكن السيطرة عليه من جانب أي من القوى المحلية، أو الخارجية. وحتى قبل غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، فإن المنطقة عاشت ستة حروب، فضلاً عن اندلاع الثورات والصراعات والحروب الأهلية. وعندما وضع كتابه هذا فقد استنتج في تحليله لتاريخ العالم الثالث بأن نهاية الحرب الباردة قد تركت منطقة الشرق الأوسط أكثر قابلية للانفجار من أي وقت مضى. وقد تحققت بالفعل هذه الرؤية التي كانت مستقبلية في وقتها، مع غزو العراق بدايات الألفية الثالثة، وحرب اليمن، وثورات ما سمي بالربيع العربي في تونس وليبيا ومصر، والحرب في سوريا، وظهور الحركات الإسلامية المتطرفة، والحرب على القاعدة وداعش من بعدها، ثم أخيراً وليس آخراً حرب الإبادة الجماعية الاجرامية الصهيونية على غزة التي ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات بسبب النزعة العدوانية للكيان الصهيوني وقادته الرافضين لأي تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.

لقد أنجز هوبزباوم الذي يُعد من أبرز المؤرخين الأكاديميين حيث كان يلقي محاضراته على طلبة جامعات عالمية كبرى في فيينا وبرلين وكامبردج، فضلاً عن عضويته في الأكاديمية البريطانية والأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، موسوعة متكاملة لتاريخ العالم المعاصر، من عصر الثورة، وعصر رأس المال، وعصر الإمبراطورية، ثم اكملها بعصر التطرُّفات “ القرن العشرين “ الذي بدأ فعلياً كما يرى بنشوب “ الحرب العالمية الأولى عام 1914، ثم ثورة أكتوبر الروسية البلشفية عام 1917، وانتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي والأنظمة الشيوعية في أوروبا الوسطى عام 1991، وتخللته الحربان العالميتان، وانهيار الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، وحروب الاستقلال والتحرر الوطني، ثم الحرب الباردة التي أعقبتها مرحلة الهيمنة الأميركية والصراعات الإقليمية والثورة المعلوماتية”. ولعل أبرز ما يخصنا نحن العرب في رؤية هوبزباوم للتاريخ تلك المقدمة التي تناول فيها تداعيات القرن العشرين وتأثيراتها في العالمين العربي والإسلامي والتي اختتمها بالتأكيد على حقيقة مهمة للغاية يبرهن فيها على” أن مشكلات الشرق الأوسط لا يمكن حلها أو السيطرة عليها حتى من جانب أغنى القوى العسكرية وأكثرها سطوة في أيامنا هذه “ ليتوصل إلى أن مشكلات المنطقة إذا قُدر لها أن تُحَل: فإن ذلك لن يتم على أيدي قوى خارجية، بل عن طريق قوى داخلية في المنطقة، ويقصد بذلك الغزو الأميركي للعراق الذي ينبغي على مؤرخي المستقبل أن يعدوه مؤشراً على بداية النهاية لاستئثار الولايات المتحدة وحدها بالهيمنة على العالم بحسب رأيه.

يستعير هوبزباوم من الشاعر البريطاني الشهير إليوت مقولته: “سينتهي العالَم لا بضجة مدويّة، بل بنشيج “ ويضيف لها : غير أن القرن العشرين الوجيز انتهى بكليهما!.

ان كان القرن الماضي انتهى بضجة ونشيج على طريقة الشاعر إليوت صاحب قصيدة “ الأرض اليباب “ أو “ الأرض الخراب “، فبماذا سينتهي قرننا الحالي الذي بدأ بضجة وحروب ونزوح وتشريد ودماء، وأي بيت من قصيدة يصلح لعصر المفخخات ؟! .

***

د. طه جزّاع – كاتب أكاديمي

 

أهمية العيد الوطني، ونحن نتحدث هنا عن تحرير العراق من نير الاستعمار بثورة 14 تموز 1958، الخالدة ومطالبة الدولة الاعتراف به كرمز للهوية ومشاعر الانتماء لأرض العراق.

 الهوية الوطنية من ناحية المبدأ، هي الركيزة الأساسية التي تجمع أبناء الوطن تحت راية واحدة وتوحد جهودهم لبناء مستقبل مشرق. من هذا المنطلق فإن "اليوم الوطني" محور مهم للتعبير عن هذه الهوية في بلادنا. إذ يمثل تجسيد للسلام والتآخي بين مختلف الفئات من أبناء مجتمعاتنا وتاريخنا الوطني العراقي وانتمائنا العميق لهذه الأرض، عراق الرافدين. إن الاعتراف بالعيد الوطني ليس مجرد احتفال سنوي، بل هو اعتراف بقيمة هذه الهوية وأهمية الحفاظ عليها.

 تاريخ العراق مليء بالتضحيات والإنجازات التي تستحق أن تخلد في ذاكرة الأجيال القادمة. إن إحياء ذكرى هذه الأحداث من خلال "اليوم الوطني" يعزز الشعور بالانتماء والفخر الوطني، ويغرس في نفوس الأجيال الشابة قيم الولاء والتضحية من أجل الوطن. كما يعد فرصة سانحة لتعزيز الوحدة الوطنية وتقوية أواصر التلاحم بين أبناء الشعب بمختلف أطيافهم وقومياتهم المتآخية.

 لقد شكل يوم 14 تموز محطة فارقة في تاريخ وطننا، حيث شهد أحداثا جسيمة ونضالات بطولية سطرها أبناء الوطن على مدى أجيال بدمائهم وتضحياتهم. إنه ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو رمز للصمود والكفاح من أجل الحرية والكرامة الوطنية. إن تجاهل هذا اليوم وعدم الاعتراف به كعيد وطني يعتبر طمسا لهذه الذكريات المجيدة وتهميشا لتضحيات أبناء الوطن من مختلف القوميات والأديان...

إن إصرار مؤسسات الدولة "التشريعية والتنفيذية والقضائية" منذ سقوط النظام السابق على تجاهل وعدم الاعتراف بيوم 14 تموز عيدا وطنيا رغم ما يحمله من رمزية تاريخية ووطنية عميقة، أثار استياء جميع أبناء الوطن الغيورين على تاريخهم وهويتهم الوطنية، كما يعكس تقصيرا واضحا في مسؤوليتها تجاه الشعب والتاريخ.

 من هذا المنطلق، على الدولة الاعتراف الرسمي "باليوم الوطني" وتكريسه كحدث وطني رئيس يحتفل به على مستوى البلاد. وأن تتبنى برامج وأنشطة ومبادرات تشارك فيها مختلف فئات المجتمع تتضمن الفعاليات الثقافية والتربوية التي تعزز الشعور بالانتماء وتشجع على التفكير النقدي حول القضايا الوطنية الراهنة والمستقبلية وتسلط الضوء على تاريخنا المشرف ورموزنا الوطنية لتعريف المواطنين، خاصة الشباب، بتاريخ وطنهم وأهمية هذا العيد في ترسيخ الهوية الوطنية... إن الاعتراف بالعيد الوطني ليس مجرد مطلب شعبي، بل هو ضرورة ملحة لتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم الانتماء والولاء للوطن. كما أن الاحتفال به كل عام في يوم 14 تموز بشكل رسمي يبعث برسالة قوية إلى العالم عن وحدتنا وصلابة كياننا الوطني.

 السؤال الذي لا زال عالقا ويقتضي الإجابة عليه: لماذا لا تطرح العديد من القضايا الوطنية على الشعب وإجراء استفتاء عام عليها... ان كان ذلك غير ممكن بسبب طبيعة النظام وتسلط أسرة الحكم على مقاليد الدولة، فلا سبيل الا ان ننتظر متى تستيقظ "الأغلبية الصامتة" لتتحمل مسؤولية تحقيق، وطنا، فخورا بتاريخه وهويته.. إلا أن الإنتظار لم تعد له أية قيمة وإعتبار مرجو لهذه الطبقة النائمة على رمال.

 في الختام، إننا نأمل أن تستجيب الدولة على على تعزيز حضور هذا العيد في الوجدان الوطني، ليظل رمزا خالدا لهويتنا وانتمائنا، أسوة بما تفعله كل دول العالم في تكريم تاريخها وتضحيات شعوبها؟.

***

عصام الياسري

الصراع العالمي القديم يدخل في شوطه الأخير قبل تهيئة الملعب لمباريات ما قبل النهائي!

الأحداث كما يمكن أن يلاحظها أي مراقب مهتم تتسارع بشكل لا يُصدق! وتكاد كل المؤشرات تجتمع على أن قادم الأيام يحمل معه مفاجآت ومخاوف أكثر من قدرتنا على الاستيعاب والمتابعة، وهلم بنا نتتبع شيئاً من مفارقات هذا الشوط الأخير المثير للقلق والخوف.

تهديدات ترامب

مع اقتراب الانتخابات الأمريكية في نوفمبر القادم يتهيأ الحزبان الديمقراطي والجمهوري شاحذين كل أسلحتهما للفوز بالرئاسة، وتزداد محاولات استبعاد ترامب من خلال القضايا المثارة ضده في المحاكم، واستطاع الديمقراطيون استمالة محامي ترامب في صفهم إذ خرج معترفاً ضده في إحدى القضايا الأخلاقية. غير أن ترامب لم يستسلم، بل ظهر مراراً في مؤتمرات جماهيرية يهدد بالأسوأ إذا تم استبعاده من الانتخابات المقبلة، ثم إن مستشاري ترامب السابقين سارعوا إلى نتنياهو دعماً له في أزمته الحالية؛ رغبة في كسب تأييد اللوبي الصهيوني في أمريكا وهو أحد اللوبيات الأشد تأثيراً في الانتخابات.

 مثل هذه التهديدات تنذر بمعركة انتخابية لم يسبق لها مثيل بسبب الانقسامات الشديدة حتى داخل الحزب الواحد؛ وقد شهد البيت الأبيض عدة استقالات بسبب موقفه من الحرب في غزة، بخلاف شعبية بايدن التي تدنت لأقل مستوي لها بعد فض اعتصامات الطلاب في الجامعات الأمريكية.

أزمة كريم خان

ما حدث من ضغوط وتهديدات ضد المحكمة الجنائية الدولية قبيل إصدارها مذكرة الاعتقال الخطيرة ضد نتنياهو وجالانت أمر غريب واستثنائي وله ما بعده..

 المحامي البريطاني ذو الأصول الباكستانية كريم خان أظهر ما كان خفياً من تلاعب وضغوط تعرض لها قضاة المحكمة الجنائية منعاً لها من إصدار أية أحكام ضد إسرائيل. التهديدات التي واجهها كريم خان دفعته للاحتماء بقوة الإعلام، فخرج في العلن وعلى الشاشات ليصرح بما تعرض له من تهديدات وضغوط بلا مواربة ولا خوف.

 تصريحات كريم خان لم تمنع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من استمرارهما في تهديده وقضاة المحكمة الآخرين. وبدأ حلفاء واشنطن الأوربيون يخرجون عن صمتهم داعين أمريكا لعدم تهديد مؤسسات القضاء الدولية، وإلا فقدت هذه المؤسسات مصداقيتها، وبالتالي ستفقد تأثيرها عالمياً.

الولايات المتحدة لم تعد تعتد بأي طرف، ولم تعبأ بأحد عندما استخدمت حق الفيتو مراراً ضد قرار بوقف إطلاق النار في غزة. وسوف تعيد إشهار هذا الحق عندما يأتيها قرار محكمة العدل الدولية.

 كل هذا ينذر بأن تلك المنظمات الدولية لن يكون لها أي دور مستقبلاً إذا احتدم الصراع وازداد بين القوي الكبرى، وهذا اليوم يبدو الآن أقرب كثيراً مما نتصور.

مؤامرات واغتيالات

كما جاءت بدايات الحرب العالمية الثانية بسلسلة من الاغتيالات فقد رأينا مثل هذا في الأسابيع الأخيرة. فقد تم اغتيال الرئيس السلوفاكي في عملية غامضة، ثم ظهر الرئيس التركي ليعلن عن محاولة صامتة جديدة للانقلاب عليه تم إجهاضها بشكل سريع. ولم تمر سوي أيام قليلة حتى جاء الخبر الغريب بسقوط طائرة الرئيس الإيراني، واتجهت أصابع الاتهام فوراً نحو إسرائيل التي نفت صلتها بالحادث وإن لم تخفي شماتتها فيه!

مثل تلك الأجواء الغامضة والحوادث المريبة تشي بأن أجهزة المخابرات الآن تعمل بأقصى طاقتها في كل مكان، وبخاصة في مناطق احتدام الصراعات والمعارك. تأتي تلك الأحداث الخطيرة في إيران بينما يتعرض رجل إيران الأول "خامنئي" لوعكة صحية وسط تساؤلات عمن يخلفه في قيادة البلد ذي التأثير المحوري في صراعات منطقة الشرق الأوسط.

مناورات مخيفة

لا شك أن أحداث غزة خطفت الأنظار وأشاحتها عما يحدث في الحرب الأوكرانية الروسية. وكثير منا لم يتابع تهديدات فرنسا بدخول الحرب، تلك التهديدات التي سرعان ما خمدت عندما لوحت روسيا باستخدام ترسانتها النووية، بل وسارعت الأخيرة بتحريك قوات إضافية نحو العمق الأوكراني. وهناك خوف شديد من بولندا وألمانيا وفرنسا بتفاقم الوضع هناك، لدرجة أن بعض السياسيين خرجوا ليعلنوا أن الحرب العالمية بدأت، وأننا نشهد الآن مقدماتها، ولدرجة أن تدعو بريطانيا مواطنيها من تخزين الطعام، وليخرج قانون تركي جديد من أكثر من خمسين صفحة يحدد مهام المؤسسات المختلفة في حالة حدوث حرب!

 أكثر من هذا أن الصين بدأت تتحرك في محور بحر الصين الجنوبي، وسارعت بإجراء مناورات هي الأخطر أحاطت من خلالها بجزيرة تايوان من جميع الجهات. الصين أعلنت أنها سوف تستعيد تايوان رغم أنف أمريكا، وهي تعد العدة لهذا منذ سنوات، المسألة مسألة وقت فقط. وموعد الحرب لم تحدده الصين بعد، وإن بدا وشيكاً. ربما تنتظر الصين أن تنشغل أمريكا عنها بأمور أشد خطورة، كالانتخابات أو بصراعها مع روسيا، ويبقي أمر التوقيت في علم الغيب!

تسارع الأحداث

بمجرد توقف المفاوضات بشأن الحرب في غزة وإعلان اقتحام رفح انفتحت أبواب الجحيم مجدداً في وجه إسرائيل. فسرعان ما انهالت الصواريخ على رأسها، وعادت سلسلة الكمائن ضد القوات الإسرائيلية المتوغلة في رفح وفي الشمال الغزاوي وبخاصة في جباليا..

 ورغم أن الأطراف اجتمعتمؤخرا في باريس لمناقشة إعادة الحديث عن هدنة محتملة، إلا أن مسار الأحداث يتجه نحو التصعيد أكثر فأكثر. لاسيما وقد انفتحت جبهة صراع جديدة في رفح، وثقلت أيدي حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن ضد إسرائيل ربما بسبب الاتهام غير المؤكد بضلوعها في سقوط طائرة الرئيس الإيراني..

 عندما رأينا سابقاً ما حدث من انسحاب النفوذ الفرنسي في الغرب الإفريقي، ثم تغلغل للنفوذ الروسي الصيني في إفريقيا، وما سبقهما من صراع على القارة القطبية الشمالية وما تحويه من كنوز مطمورة، والذي قيل إنه أحد أهم أسباب حرب أوكرانيا. عندما حدث كل هذا وقع في يقيننا أننا مقبلون على مرحلة من صراع طويل، وصدقت تلك الظنون.

 وتيرة التصاعد والتسارع في الصراعات هنا وهناك تنبئ بانتهاء شوط ربما يكون هو الشوط الأخير في صراع سابق، تمهيداً للدخول في مرحلة جديدة من صراع وجودي تتغير على إثره خارطة العالم الاقتصادية والسياسية.

بؤر الصراع القادم

الحروب القديمة علمتنا أن الصراعات في جوهرها هي صراعات اقتصادية، حتى صراعات النفوذ والاستقواء وفرض السيطرة مغزاها ومنتهاها الهيمنة على الموارد وطرق التجارة..

وإذا اتخذنا معارك السودان مثلاً ونموذجاً سنفهم أن هناك أطرافاً خارجية تعبث بأطراف الصراع الداخلي. آخر هذه الأطراف إيران وروسيا؛ إذ يقال إن هناك اتفاق جري بين الجيش السوداني وبين قيادات من الجيش الروسي لتزويدهم بأسلحة مقابل ميناء سوف يتم منحه لروسيا على البحر الأحمر. وهو ما سيمنح محور الشرق أفضلية على محور الغرب، وسوف يزيد الأمور اشتعالاً، لاسيما وقد ازداد نفوذ الحوثيين، ذراع إيران في اليمن، على منفذ باب المندب.

 الآن وقد تعددت بؤر الصراع وازدادت رقعة اللهيب حول العالم: في السودان وغزة وأوكرانيا وبحر الصين الجنوبي. وبدأت دول كبرى تتهيأ لتغيرات في قياداتها: إيران وأمريكا وبعض دول الشرق والغرب. وصارت مصداقية المنظمات الدولية على المحك. يمكن القول إن اتجاه السهم الصاعد باستمرار في مجريات الصراع سوف يتعلم القفز قفزات لا يمكن التنبؤ بمنتهاها..

بؤر الصراع الحالية في الشرق الأوسط وفى أوروبا الشرقية وجنوب آسيا لن تظل على جمودها وثباتها في المرحلة القادمة. والولايات المتحدة الأمريكية التي تظن أنها آمنة من أي صراع قد تفاجأ يوماً ما أنها في قلب المعمعة! ومن هناك سوف يعاد رسم خريطة العالم الجديد!.

***

د. عبد السلام فاروق

في حادثة أليمة تعاطف معها المجتمع الدّوليّ ككل، وهي حادثة تحطم مروحية كانت تقل الرّئيس الإيرانيّ إبراهيم رئيسي، ومعه وزير الخارجيّة حسين أمير عبد اللّهيان، وإمام جمعة تبريز آية الله آل هاشم، ومحافظ أذربيجان الشّرقيّة مالك رحمتي، وعناصر أخرى من الحرس الثّوري، حيث كانت تقلّ الرّئيس من حدود أذربيجان وحتّى تبريز، وسقط في أذربيجان الشّرقيّة.

وعموما لستُ بصدد الحديث عن الحادث، ولكن كثرت التّأويلات حول سبب وقوعه، فمنهم من يرجع ذلك خارجيّا، ومنهم من يرجعه داخليّا، وعلى رأس أسبابه داخليّا هو الصّراع على السّلطة، وجميع ما قيل حول ذلك على سبيل التّخمين.

والمتأمل في العديد من دول العالم في الجملة يجد الحكم فيه إمّا حكم شموليّ أبويّ مطلق، تتوارثه أسرة معينة، له كافة الصّلاحيّات، أو ملكيّ تعاقدي دستوريّ، يجمع بين الوراثة من حيث الحاكم، والانتخاب من حيث رئيس مجلس الوزراء، أو رئاسيّ ديمقراطيّ منتخب، وأمّا إيران فقد كانت ملكيّة شموليّة في عصورها القديمة، وآخرها العصر القاجاريّ، وبداية عصر الشّاه، حيث تعيش الملكيّة المطلقة، ثمّ بعد ثورة المشروطة تحوّلت إلى ملكيّة دستوريّة تعاقديّة، فلمّا ساءت الأحوال في عهد محمّد رضا بهلوي (ت 1400هـ/ 1980م)، واجتمعت الأحزاب اليمينيّة واليساريّة على الثّورة، استطاع الشّعب أن يثور عليه بجميع توجهاتهم وأحزابهم، وكانت غايتهم إصلاح عهد الشّاه سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا وفق البقاء على الملكيّة التّعاقديّة الدّستوريّة، ولمّا لم يتعامل الشّاه معها بحكمة أصبحت الغاية الانتقال إلى الدّيمقراطيّة التّداوليّة بين الجميع، وفق دستور يحمي الجميع.

بيد أنّ الانتقال من مرحلة إلى أخرى يحتاج إلى شيء من التّوازن الدّاخليّ، وحتّى لا تدخل البلاد في فوضى داخليّة قد تقودها إلى حرب أهليّة، خاصّة وأنّ المخابرات السّابقة – أي في عهد الشّاه – لا زالت تلاحقهم باغتيالاتها، ومحاولة خلق فوضى داخلية، لهذا وجدوا من الإمام الخمينيّ (ت 1409هـ/ 1989م) رمزيّة وحدويّة داخليّة، اجتمع عليها الجميع، للتّمهيد لحكم ديمقراطيّ يشمل الجميع، تحت مظلّة ولاية الفقيه كصورة رمزيّة دينيّة لها صلاحيّتها المحدودة ابتداء وفق دستور الثّورة، أي الدّستور الأول، بينما السّلطة يتمّ تداولها ديمقراطيّا، ومفتوحة لجميع الأحزاب، وليست حكرا على فئة ثيوقراطيّة معينة.

إنّ جدليّة ولاية الفقيه هي مخرج فقهيّ وفق نظريّة الإمامة عند الشّيعة الاثني عشريّة، إذ ربطت الحكامة ابتداء بالأئمّة المنصوص عليهم نصّا جليّا – حسب رؤيتهم – من الإمام عليّ بن أبي طالب (ت 40هـ) وحتّى محمّد بن الحسن العسكريّ، المهديّ المنتظر، بيد أنّ المهديّ غاب عن الأنظار وهو صغير السّنّ، فدخل المجتمع الشّيعيّ في غيبة صغرى، وقد امتدت من 260هـ وحتّى 329هـ، وقد كان ينوب عن الإمام المهدي سفراء أربعة، ويقومون مقام الإمام في النّيابة الخاصّة، وبوفاة السّفير الرّابع أي عليّ بن محمّد السَّمريّ عام 329هـ دخل الإماميّة في غيبة كبرى حتّى اليوم، وحدث جدل فقهي قديم حول النّيابة العامّة، وكانوا أقرب إلى السّلب حتّى أتى الكركيّ (ت 937هـ)، وجعل للفقيه ما للإمام من نيابة خاصّة في الأمور السّياسيّة، بينما جمهور الفقهاء الإماميّة لم يتقبلوا هذه الرّؤية، ورأوها من اختصاصات الإمام المعصوم أو من يعيّنه من سفراء، وليس من اختصاصات الفقيه.

وفي نهاية القرن التّاسع عشر الميلادي كانت في إيران دعوات إصلاحيّة دستوريّة، توافق عليها كافّة الاتّجاهات الوطنيّة، ومنها بعض الرّموز الدّينيّة، وعلى رأسها الشّيخ النّائينيّ (ت 1355هـ/ 1936م) المشهور بكتابه: "تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملّة"، والّذي قاد هذا إلى الثّورة الدّستوريّة، وهو تطوّر لأهميّة الفقيه وحضوره في المجال السّياسيّ، وكانت رؤية  حسين البروجرديّ (ت 1380هـ/ 1961م)،  وهو من أكبر المرجعيّات المؤثرة في عهد الشّاه، وكان منفتحا في رؤية النّائينيّ وبعض أجزاء ولاية الفقيه، وكما يذكر حسين منتظري (ت 1431هـ/ 2009م) أنّ البروجرديّ كان يطرح نظريّة ولاية الفقيه في دروسه حول صلاة الجمعة، بيد أنّ الدّروس الّتي ألقاها الإمام الخمينيّ عام 1969م أثناء نفيه في النّجف بالعراق، والّتي ظهرت لاحقا في كتاب "الحكومة الإسلاميّة" انتشرت انتشارا كبيرا في إيران وخارج إيران، ولقيت معارضة في الوقت ذاته من الرّموز التّقليديّة ومن العديد من المرجعيّات الدّينيّة، بيد أنّ الرّغبة الشّبابيّة الثّوريّة حينها بسبب الاتّجاهات الثّوريّة اليساريّة من جهة، وبداية ظهور الاتّجاهات الحركيّة الإسلاميّة من جهة ثانيّة، أظهرت العديد من النّظريّات في الوسط الشّيعيّ بسبب الحالة الفقهيّة الانغلاقيّة الّتي أشرتُ إليها، فظهرت نظريّة شورى الفقهاء، وولاية الأمّة على نفسها، ودولة الإنسان، كما تطوّرت نظريّة ولاية الفقيه، وكتب لها الحضور السّياسيّ في إيران بعد الثّورة.

ثمّ كثرت الجدليّات بعد الثّورة عن آلية اختيار الوليّ الفقيه وصلاحياته ومحاسبته وفق نظريّة ولاية الفقيه، فهل يكون بالتّعيين أم بالاختيار عن طريق مجلس الخبراء الّذي هو أقرب إلى أهل الحلّ والعقد، ويكون بالانتخاب، كذلك ظهر الجدل هل يكون شخصيّة واحدة أم هيئة استشاريّة، وهل يشترط أن يكون فقيها معمّما أم يعمّ ذلك من لديه قدرات إداريّة وسياسيّة ولو لم يكن فقيها، بيد أنّ القضيّة ضاقت من جهة، واتّسعت من جهة أخرى، لمّا صدر الدّستور الجديد بعد دستور الثّورة، فضاق في اختيار الوليّ الفقيه، واتّسع في صلاحيّاته، ممّا ضاقت صلاحيّات الرّئيس المختار من المجتمع.

وفي إيران، ولأسباب غلبة الاتّجاه الدّينيّ في إيران؛ ضعفت الاتّجاهات الأخرى حتّى يكاد ينعدم حضورها، بعدما كانت حاضرة أيام الشّاه، ومتدافعة مع الإسلاميين، وبعد فوز  محمّد خاتمي بانتخابات رئاسة الجمهوريّة عام 1997م بدأ الاتّجاه الإصلاحيّ في خطّه الإسلاميّ يتمدّد؛ إلّا أنّه ضعف لاحقا حتّى خفت حضوره حاليا، وأصبحت الغلبة للمحافظين، فهم من يمثلون مجلس خبراء القيادة، وهم الغالب حاليا في البرلمان والحزب الحاكم، وأصبحت الآراء تذهب اليوم إلى أنّ الوليّ الفقيه مرتبط اختياره من ذات دائرة المحافظين، لهذا ربط به إبراهيم رئيسيّ.

وطبيعيّ في أيّ دولة ملكيّة شموليّة، إذا لم يكن فيها ولي عهد؛ تكثر التّخمينات، خصوصا إذا كانت صلاحيات الحاكم مطلقة، وفوق جميع السّلطات كما هو الحال مع الوليّ الفقيه في إيران، وكذلك إذا كان عمر الولي الفقيه الحالي كبيرا في السّن، وطبيعيّ كلّما كبر عمر الإنسان ضعف في إدارة الدّولة، فظهرت التّخمينات سابقا أنّ الوليّ الفقيه المقبل هو محمود الهاشميّ الشّاهروديّ، بيد هناك من كان يضعف الأمر لكونه عراقيّا، وبسبب وفاته عام 1440هـ/ 2018م ظهرت الجدليّة أنّ الوليّ الفقيه هو إبراهيم رئيسي لقربه من الإمام عليّ الخامنئيّ، وبوفاته الحالية نجد التّخمينات تشير إلى ابنه مجتبى الخامنئيّ، وهذه لا تتجاوز التّخمينات، ففي أيام الخمينيّ كان الإيرانيون يتوقعون أنّ الوليّ الفقيه لن يتجاوز حسين منتظريّ، بيد قبل وفاته تفاجئوا بعزله، ثمّ بعد وفاة الخمينيّ عيّن الوليّ الحاليّ.

وكما أسلفت طبيعيّ مثل هذه الحالة تقلق الشّعب الإيرانيّ؛ لأن الوليّ الفقيه الحاليّ بصلاحيّاته المطلقة تعادل أي حاكم ملكيّ له مطلق الصّلاحيّات، كما يقلق العالم الخارجيّ أيضا، خصوصا أنّ الولي الفقيه يدور في دائرة المحافظين من جهة، ولارتباطه الكبير في قرارات العلاقات الخارجيّة من جهة ثانية، ومع أنّ الوضع الرّئاسيّ في إيران بالنّسبة للرّئيس محكم دستوريّا ومؤسّسيّا، وكما يبدو ظاهريّا في وضع اختيار الوليّ الفقيه من خلال مجلس خبراء القيادة، بيد أنّ القلق لا زال عالقا داخليّا وخارجيّا، وهذا ما نراه اليوم من قراءات متجاذبة في تفسير حادث المروحيّة ومقتل إبراهيم رئيسي، لا يخرج عن دائرة القلق لما يحدث في العالم حاليا، وأصبحت إيران طرفا فاعلا فيه، وللحالة السّياسيّة وللاقتصاديّة الّتي تعيشها إيران داخليّا، وللزّمن كلمته واقتضاءاته.

***

بدر العبري – كاتب وباحث عُماني

ثلاث زوايا في استهداف المراجع الدينية بالنجف

السيد الصدر وقائمة الاغتيالات

قبل أسابيع (وبالتحديد في 19 شباط /فبراير 1999)، وفي ظروف غامضة، جرى اغتيال السيد محمّد صادق الصّدر ونجليه مؤمّل ومصطفى، حين كان عائداً إلى منزله في منطقة "الحنانة" في النّجف، حيث تعرّضت سيارته للملاحقة، فاصطدمت بشجرة قريبة فترجّل المهاجمون من السيارة المطاردة، وأطلقوا النّار على السيد الصدر ونجليه، وبذلك فقدت الحوزة العلمية في النّجف وجامعتها الشهيرة أحد أبرز روّادها الحاليين.

وقبل هذا الحادث بعدة أشهر اغتيل الشيخ علي بن أسد الغروي التبريزي (في ظروف وصفت بأنها غامضة) في 19 حزيران (يونيو) العام 1998، عندما كان في طريقه بين مدينتي النّجف وكربلاء، ودُفن بمقبرة وادي السلام في النّجف. وسبقه اغتيال الشيخ مرتضى البروجردي حين دُبِّرت له مؤامرة لتصفيته، إذ قام أحد العملاء بإطلاق النار عليه بعد عودته من صلاة الجماعة، التي كان يقيمها داخل الحرم المطهَّر، فسقط على أثرها مضرَّجاً بدمه في 22 نيسان (أبريل) 1998، ودفن بمقبرة وادي السلام في النّجف الأشرف حسب وصيته.

 كما جرت محاولة اغتيال الشيخ حسين الباكستاني. وحامت الشبهات حول اصطدام سيارة السيد أبو القاسم الخوئي ووفاته في 8 آب (أغسطس) 1992. (مع أنه كان قد بلغ من العمر عتياً، كما يُقال، لكنه تعرّض إلى وضع نفسي، خصوصاً بعد إجباره على الظهور في لقطة تلفزيونية).

كلّ ذلك يلقي بظلال قاتمة من الشكّ حول المستفيد من تصفية المرجعيات الإسلامية في النجف، وحول الأهداف التي يتوخّاها فريق التصفية ومن وراءهم، وكذلك حول الأساليب والخطط التي استخدمها هذا (الفريق)، الذي كان في كل مرّة يلوذ بالفرار، حيث كانت قوات الأمن والشرطة تصل إلى مكان الحادث، بعد أن يكون المرتكب والجاني قد غاب تماماً، فتلقي القبض على الضحية وتندّد بالجريمة، وتعدُ الحكومة بإنزال أقصى العقوبات بالفاعلين بعد إلقاء القبض عليهم، وسرعان ما كانت النار تبرد والكلمات الحماسية تختفي ويعود كل شيء إلى سابقه.

إن هذا الوضع المثير للارتياب وظروف ارتكاب الجريمة أو الجرائم المتواصلة، كان يثير الكثير من الهواجس والأسئلة المشروعة، ويضع العديد من الجهات القضائية والحقوقية الدولية أمام تساؤلات مشروعة، وكذلك منظمات حقوق الإنسان، التي أخذت تدعو لإرسال بعثة لتقصّي الحقائق ذات صفة دولية، وهو ما كان قد دعا إليه أيضاً السيد فان دير شتويل، المقرر الخاص للجنة حقوق الإنسان في العراق التابعة للأمم المتحدة، ووزير خارجية هولندا الأسبق.

ووصف فان دير شتويل حال حقوق الإنسان في العراق منذ العام 1992 بأنه "استثنائي"، ويتطلّب "معالجات استثنائية"، ولم يسمح له منذ ذلك التاريخ بزيارة العراق أسوة بلجان التفتيش عن الأسلحة، كما لم تصرّ الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومن ورائه الولايات المتحدة بضرورة مراقبة حالة حقوق الإنسان في العراق، طبقاً للقرار 688 الخاص بكفالة احترام حقوق الإنسان في العراق، والحقوق السياسية لجميع المواطنين (1991) مثل القرارات الأخرى "المجحفة"، التي فرضت تطبيقها استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

بعد اغتيال السيّد الصّدر مؤخّراً وصدور ردود أفعال حادّة عراقية وعربية وإسلامية ودولية ضد تلك الجريمة، أقدمت الحكومة العراقية على إلقاء القبض على أربعة متّهمين، وقالت: إن خامساً لاذ بالفرار، وعرضت هؤلاء المتهمين على شاشة التلفزيون مُدلين (باعترافات) ملمّحين بـ(تورّط) جهات خارجية ولحسابات (ذاتية وخاصة)، قاموا (بارتكاب) الجريمة.

إن ذلك السيناريو ألقى المزيد من التشوّش والارتباك حول الجريمة وأبعادها، خصوصاً مسلسل تصفية المرجعيات الإسلامية في النجف، التي ظلّت مصدر شكٍّ في ولائها (للدولة) وسياساتها، ويتطلّب الأمر فيما يتطلّب كشف نتائج التحقيق والسماح بإرسال بعثة لتقصي الحقائق حول "الاغتيالات السياسية" ومنها حادث اغتيال الصدر محمد صادق، وإجراء محاكمات عادلة وعلنية للمتهمين، تضمن لهم حق الدفاع عن النفس وتوكيل محامين للدفاع عنهم ، وذلك لكشف أبعاد وتبعات هذه الجريمة، والذين يقفون وراءها، إذْ لا يكفي تنفيذ عمل إجرامي بحق مرجع ديني مرموق، ومن ثم إصدار حكم سريع، ولا تتوفّر فيه الشروط القانونية في التحقيق والمحاكمة وظروف وملابسات الحادث، لكي يتم إسدال الستار على هذه الفعلة النكراء.

البحث الذي نضعه بيد القارئ يعالج موضوع الاغتيال السياسي (العربي) مع تركيز خاص على العراق وهو يتناول المسألة من ثلاث زوايا:

- علم النفس الاجتماعي

- القانون الدولي

- مواثيق حقوق الإنسان

نأمل أن يساهم في تسليط الضوء على هذه الظاهرة الخطيرة، التي أصبحت جزءًا من مسلسل متواصل في العراق.

II - الاغتيال وعلم النفس الاجتماعي:

تمثّل قضية الاغتيال السياسي ومصادرة حق الحياة ظاهرة خطيرة في الوطن العربي، وللأسف الشديد فإنها أخذت بالتوسّع والانتشار، في الوقت الذي يتطوّر فيه الوعي العالمي باحترام حقوق الإنسان الأساسية.

ولم تعد هذه الظّاهرة تقتصر على الحكومات التي عمّقت وطوّرت من إرهابها ووسائلها العنفيّة، بل امتدّت لتشمل قوى خارج السّلطات، فقد اعتمدت قوى التطرّف على وسائل مماثلة لحل النّزاع بينها وبين السّلطات ولرد إجراءاتها وممارساتها الإرهابية بأعمال إرهابية، فقد جرى اغتيال بعض الشخصيات الثقافية والفكرية السياسية اللاّمعة بفعل سيادة ظاهرة تغييب الرأي الآخر وإن اقتضى الأمر إلغاء حق الحياة الذي هو حق أساسي للإنسان، لا يمكن الحديث عن أية حقوق أخرى في ظلّ إهماله.

وقد نصّت المادّة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1948 على ما يلي: "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه". وقد وردت  بعض الحقوق التكميلية لحق الحياة والسلامة الشخصية  كعدم جواز الرق (المادة 4)  وتحريم التعذيب والمعاملات القاسية (م-5) وحق الاعتراف بالشخصية القانونية (م-6) والمساواة أمام القانون (م-7) وحق اللجوء إلى المحاكمة للإنصاف من الاعتداء على الحقوق الأساسية (م-8) وعدم جواز القبض على الإنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً (م-9).

ونصّت المادّة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام  1966 ، والذي دخل حيّز التنفيذ عام 1976، على أن "حق الحياة حق ملازم لكلّ إنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً". إذْ لا يمكن الحديث عن تلك الحقوق بدون حماية الحق في  الحياة، الذي هو حق أساس تصب بقية الحقوق وتتمحور فيه.

لا أريد هنا الحديث عن ظاهرة الاغتيال السياسي في التاريخ، علماً بأنها تطوّرت كثيراً بتطوّر وسائل العلم والتكنولوجيا، لكن الهدف ظلَّ واحداً وإنْ اختلفت الوسائل، ألا وهو إلغاء حق الخصم في التعبير، والإجهاز على الرأي الآخر حتى وإنْ تطلّب الأمر التصفية الجسدية.

وأياً كانت الذرائع المستخدمة، سواء سياسية أم فكرية، وأياً كانت المبرّرات سواء كانت "طبقية" أم " قومية" أم " دينية" أم "مذهبية"، وأياً كانت الوسائل المتبعة رصاصة أو سكيناً أو كاتم صوت أو كأس ثاليوم أو حادث سيارة أو تفجير، فإنها من زاوية علم النفس الاجتماعي تلتقي عند عدد من النقاط، هي باختصار:

الأولى - أنها تستهدف تغييب الخصم وإلغاء دوره ومصادرة حقه.

الثانية - أنها تعتمد على الغدر وإخفاء معالم الجريمة في الغالب.

الثالثة - أنها تتّسم بسرّية كاملة وقد يقوم بها بعض المحترفين .

الرابعة - أنها تستخدم جميع الأساليب لتحقيق أهدافها من أكثرها فظاظة وبربرية إلى أكثرها مكراً ونعومة، بحيث يمكن إخفاء أي أثر يُستدلُّ فيه على الضحية.

الخامسة - الحرص على إخفاء هوّية المرتكبين حين يسير المجرم في جنازة الضحية، وقد ينصرف الذهن إلى أن ثمة أطراف أخرى بهدف التمويه ودق الأسافين وتوريط جهات لا علاقة لها بالجريمة.

السادسة - أنها تتجاوز على حكم  القانون، سواء كانت الحكومات هي المسؤولة عن تطبيق القانون وحماية الحق في الحياة، أم كانت قوى التطرف، هي التي قامت بالارتكاب خارج  دائرة القانون، فأعطت لنفسها الحق في إصدار أحكامها، بل قامت بتنفيذها بعيداً عن القضاء والمشروعية القانونية.

ومهما كانت المبرّرات والأسباب التي استخدمت لتبرير الاغتيال وظواهر العنف والعنف المضاد، فإن هذه الظّاهرة تنتشر في ظلّ غياب الديمقراطية وشحّ الشرعية السياسية، وانعدام حالة الحوار بين السّلطة والمعارضة وبين الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية، وهي تمثّل حالة الضعف والخوف من جانب الجهات، التي تلجأ إلى استخدام الاغتيال ووسائل العنف لحلّ خلافاتها السياسية والفكرية، فالحكومات أو القوى التي تشعر أنها تحظى بتأييد الرأي العام ومؤسّساته واختيار الشعب، لا تفكّر في اللّجوء إلى وسائل العنف أو الاغتيال لإلغاء حق الخصم في التعبير، وبالتالي إلغاء حياته.

III - الاغتيال والقانون الدولي:

لا بدّ من الإشارة إلى أن الاغتيال السياسي ومصادرة حق الحياة، هما أسوأ درجات انتهاك حقوق الإنسان، وهما دليلا ضعف وليس دليل قوّة، ولذلك فإن الجهات التي تلجأ إليهما أحياناً تحاول التنصّل منهما رسمياً أو تنفي مسؤوليتها عن أعمال تُرتكب باسمها.

كما لا بدّ من الإشارة إلى أن القوى التي تلجأ إلى الاغتيال ومصادرة حق الحياة في الغالب تعتمد على "الإيمانية" المطلقة أو "اليقينية" الثابتة، وهي جزء من الفكر الشمولي، الإطلاقي الوحيد الجانب، وهي لا تؤمن بالتعدّدية وبحق الآخرين، بل تعطي نفسها الحق أحياناً في تحريم أو تجريم الآخرين، ومصادرة حقوقهم تارة باسم " الشعب" كل الشعب، وأخرى باسم الأمة أو القومية أو الطبقية، وثالثة باسم الدّين.

ولا يربط القوى والجماعات التي تعتمد على الاغتيال والعنف وسيلة لحل الخلافات رابط مع العقلانية ولا الموضوعية، فالانحياز المسبق والتفكير المعلّب المصنوع خصيصاً من نسيج التصوّرات الناجزة، هو الذي يفعل فعله ويحكم علاقة هذه القوى والجماعات بالآخرين وبالموقف منهم.

ولم تكتفِ بعض الحكومات باعتماد محترفين للقيام بمهمّات الاغتيال، بل لجأت إلى استئجار مرتزقة، مُرغمة، في بعض، الأحيان الفاعلين عن طريق احتجاز عائلاتهم أو إكراههم على القيام بارتكاب جرائم "للنجاة بأنفسهم"، مقابل اغتيال خصوم تختارهم هذه السّلطات بالاعتماد على بعثاتها الدبلوماسية، التي تتمتّع بالحصانة الدبلوماسية بموجب اتفاقية فيينا لعام 1961 حول "العلاقات الدبلوماسية"، مهرّبةً الأسلحة والمعدّات ووسائل القتل بالحقائب الدبلوماسية، مستفيدةً من المزايا التي تمنحها اتفاقية فيينا.

هكذا تتحوّل الدبلوماسية، التي هي جناح من أجنحة الدولة لإظهار وجهها الحسن ولحماية مصالح البلاد الوطنية ورعاياها في الخارج، وتعزيز وتطوير علاقاتها الدولية إلى جهاز من أجهزة القمع، يجمع بعض المحترفين من القتلة، فدبلوماسية من هذا النوع، حسب  حسن العلوي في كتابه "دولة المنظمة السرية"، لا تعني سوى عين استخبارية مصحوبة بالعنف والإرهاب، أي "عين المقر" كما يطلق عليها.

وحين نكون أمام حالة انعدام المعايير واختلاط الرغبة في تطويع الآخر بتبرير حق تصفيته، وادعاء امتلاك الحقيقة، والرغبة في الحفاظ على المواقع بمصادرة حق الآخرين أو لقاء الله قرباناً لزرع العدل على الأرض، كما سمعنا الكثير من المسوّغات الإرهابية.

أغلب الظنّ أنّ الذين يمارسون الإرهاب والعنف ويصدرون أوامر الاغتيال، يريدون أن يصوروا الأمر لنا على هذه الشاكلة... هكذا يموت الإنسان بدون مُرتكب، بالمصادفة بشرب كأس الثاليوم، أو عن طريق رصاصة طائشة تستقرّ في رأسه يفارق الحياة، وبقدر غاشم تصطدم سيارته أو تسقط طائرته أو يلقى على قارعة الطريق ثم تقوم السلطات بإلقاء القبض على الضحية ويهرب الجناة، كما هو في الكثير من الأفلام السينمائية. هكذا يريدون أن نصدّق بأن الأشياء تحدث بدون مرتكب، سوى الصدفة المجنونة، وفي الواقع ليس ذلك سوى إهانة للعقول وتمادياً في الزيف واستخفافاً بالمنطق.

IV - الاغتيال ومواثيق حقوق الإنسان:

لم يعد الاغتيال فردياً، فقد وسعّت الحملات الجماعية من مفهومه، وتحوّل إلى نوع من العقوبة الجماعية: حروب إبادة لجماعات عرقية أو دينية أو مذهبية، وأحياناً لشعوب بكاملها . فلم تكتفِ "إسرائيل" والصهيونية العالمية بإلغاء وجود شعب فلسطين وحقه في الحياة وتقرير المصير، بل اقتطعت أجزاءً عربية عزيزة من جنوب لبنان، إضافة إلى  الجولان السورية وغيرها، وامتدت يد الإرهاب الصهيوني لتحاول اقتلاع بعض رموز ثقافة المقاومة، ولتُجهز على مثقفين بارزين أمثال غسان كنفاني، الذي طارت أشلاؤه في بيروت بانفجار سيارته، وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار، الذين اغتيلوا في وضح النهار بقرصنة "إسرائيلية" في بيروت، وماجد أبو شرار في روما وخليل الوزير (أبو جهاد)، الذي اغتيل في تونس، وباسل الكبيسي في باريس، وناجي العلي في لندن. ولم تكن بعض الحكومات العربية أكثر رحمة مع الفلسطينيين من غيرهم، كما أن بعضهم لم يكن أقل عنفاً من الغرباء.

ظهر ذلك في الصراعات العربية - الفلسطينية والفلسطينية - الفلسطينية، وكان الرصاص المشبوه الهويّة، قد تكفّلته الصّراعات الداخلية وحلّ محل الحوار والعقلانية وحق الاختلاف وحرية التعبير... رصاص ملتبس ومتسلّل، وإنْ تعدّدت المصادر والجهات.

ومؤخّراً، شملت أعمال الاغتيال في الجزائر أعداداً كبيرة من المواطنين، وخصوصاً من المثقفين، حيث اغتيل إضافة إلى الكاتب الجزائري المعروف الطاهر جعوّط ونحو 33 صحافياً وفناناً، إضافة إلى عدد غير قليل من النساء اللّواتي جرى اغتصاب العديد منهن ثم اغتيالهن، ووصلت موجة الصدام بين الحكومة وقوى التطرّف إلى اغتيال سجناء أبرياء عزل، وتُرتكب مجازر يُلقي كل طرف مسؤوليتها على الطرف الآخر، في حين لا يمكن قبول تبرير مسوّغات قوى التطرّف وانفلات الإرهاب والتجاوز على القانون، كما لا يمكن قبول تبريرات الحكومة وممارساتها الإرهابية، التي تنتهك حقوق الإنسان بزعم مواجهة الإرهاب. 

وفي مصر امتدّت قوى التطرف لتنال من الكاتب والمبدع الكبير نجيب محفوظ، الذي حاولت سكّين حاقدة أن تقضي على حياته وتصادر حقّه في التعبير، خصوصاً بعد محاولات ظلامية لتكفيره عن رواية "أولاد حارتنا"، التي مضى على إصدارها أكثر من ثلاثة عقود، كما حدث مع الكاتب فرج فودة، الذي اغتيل غدراً في القاهرة قبل سنوات، وبتصاعد موجات التطرّف تضاعف الحكومة من أعمالها العنفية والإرهابية لتضيف ذرائع جديدة على كبت الحرّيات، وتقليص دائرة المشاركة.

وفي لبنان يوم سقط الشيخ الجليل حسين مروة مضرجاً بدمائه، وقف مهدي عامل مودّعاً زميله أمام ضريح السيدة زينب في دمشق، مخاطباً المثقفين بالقول: إذا لم توحّدنا الثقافة بوجه الظلام والتخلّف فماذا سيوحّدنا بعد... أهو كاتم الصوت؟ ولم يدر بخلده أنه سيكون الضحية القادمة بعد مروة بثلاثة أشهر، سبقه الصحافيان خليل نعوس وسهيل طويلة والقائمة تطول، وتشمل عشرات الأسماء اللاّمعة، والتي تشكّل منارة مشرقة في الثقافة اللبنانية والعربية.

وفي ليبيا كشفت نتائج غير قليلة من الأعمال التي ارتكبتها "الدبلوماسية الليبية"، في الخارج في لندن وألمانيا وأثينا وفيينا وغيرها، عن وجود "جهاز إرهابي" متخصّص مهمّته اغتيال المعارضين، وهو نهج يبدو أنه متبع، فعقب اختفاء المعارض الليبي المعروف وداعية حقوق الإنسان منصور الكيخيا، صدر أكثر من تصريح رسمي من مراجع حكومية متنفّذة استخفافاً منها بهدر دم المعارضة في الداخل والخارج، وهذا لعمري اعتراف صريح من جانب الحكومة بممارسة "الإرهاب" ضدّ مواطنيها على نحو علني ومباشر، بالضدّ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة.

ونهجت حكومة السودان مؤخّراً نهج تصفية الخصوم وتصعيد العنف، الذي لم يكن بمعزل عن مساهمة قوى التطرّف، التي مارست أعمالاً عدوانية هي الأخرى، حيث اغتيل مؤخّراً الفنان الخوجلي عثمان بحجج واهية ولأغراض خاصّة بعد المفكّر الإسلامي محمد محمود طه، الذي أعدم بسبب أفكاره في 18 كانون الثاني (يناير) 1985.

والقائمة تطول عربياً، ولا يتّسع المجال لذكر كل التفاصيل، لكنّني سأتناول بشيء من التركيز على الاغتيال كوسيلة من وسائل تعميم الإرهاب في العراق، حيث يكاد يكون النموذج الأصرح ليس على صعيد العالم العربي وحسب، وإنما على الصعيد العالمي.

فقد اتّهم النظام بارتكاب "جرائم إبادة جماعية" في جنوب العراق، وبخاصة مناطق الأهوار وفي شمال الوطن "كردستان"، خصوصاً خلال الانتفاضة في 1991، وقبلها في "حلبجة" عام 1988، وعمليات "الأنفال" السيئة الصيت، ومارس الاغتيال ضدّ جميع القوى والتيارات والاتّجاهات السياسية والفكرية على الصعيد الداخلي والخارجي، أذكر بعض الحالات على سبيل المثال لا الحصر.

فبينما كانت الحكومة العراقية تتفاوض مع الحزب الشيوعي لتوقيع ميثاق الجبهة الوطنية، قامت باغتيال ثلاثة من قادته وهم: ستار خضير ومحمد الخضري وشاكر محمود. وحين تمّ الاتفاق مع قيادة الثورة الكردية في 11 آذار (مارس) 1970 استغفلت الأجهزة الأمنية عدداً من رجال الدّين فألغمتهم القنابل لتفجيرها في مقر الملاّ مصطفى البارزاني، وبينما كان صالح اليوسفي، الزعيم الكردي المعروف، مقيماً في داره في بغداد (أشبه بالإقامة الجبرية أو ما يسمّى تحت المراقبة)، أرسل إليه طردًا لينفجر ويقضي عليه، بينما اغتيل الزعيم القومي العربي فؤاد الركابي في حين كان يقضي سنواته في السجن بتهمة ملفّقة، وقبله اغتيل العسكري البعثي اللّواء مصطفى عبد الكريم نصرت بحادث مفتعل ومدبّر.

بينما اغتيل حردان التكريتي (في الكويت) وعبد الرزاق النايف (في لندن)، وهما من أركان انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968، وحامت الشبهات أيضاً حول اغتيال عدنان شريف وعدنان خيرالله طلفاح اللّذين لقيا مصرعيهما بحادثي طائرة، بينما سمّم بالثاليوم، كما أفادت التقارير الطبية، عضو قيادة قطر العراق مجدي جهاد، الذي توفّي في لندن في ما بعد.. ولقي مصيراً مشابهاً فؤاد الشيخ راضي. وتعرّض العديد من عناصر النظام إلى حوادث غامضة، أودت بحياتهم في ظروف ملتبسة.

وجرت محاولات تسميم بالثاليوم خلال فترات مختلفة لعدد من الشخصيات بينهم الدكتور محمود عثمان وعدنان المفتي وسامي شورش والدكتور حسين الجبوري والعقيد عادل الجبوري، ومؤخّراً صفاء البطاط والشيخ فيصل الشعلان، الذين نجوا من تلك المحاولات بأعجوبة.

كما جرت محاولة اغتيال كبرى لزعامات وشخصيات قومية عربية في القاهرة في 25 - 26 شباط (فبراير) 1972 شملت الدكتور مبدر الويس والفريق عارف عبد الرزاق وعرفان عبد القادر ورشيد محسن وصبحي عبد الحميد وهادي الراوي وسيد حميد سيد حسين الحصونة، لكن السّلطات المصرية أحبطتها بعد أول عملية تنفيذ.

وأقدمت الحكومة العراقية، بواسطة عدد من دبلوماسييها في الخرطوم، على اغتيال الزعيم الإسلامي المعروف السيد مهدي الحكيم نجل السيد محسن الحكيم وذلك عام 1988، وبعد تنفيذ هذه الفعلة النكراء هرب القتلة، ولم تكن التحقيقات بمستوى الحادث الأثيم، كما أثيرت الشكوك حول مصير السيد محمّد تقي الخوئي، الذي صدمت سيارته في الطريق العام بين مدينتي النجف وكربلاء، حيث نصب له كميناً على الطريق، وسحقت سيارته شاحنة كانت تنتظره على جانب الطريق العام ليلاً، ثم أشعلوا النار في السيارة التي كانت تقله، فأصيب بنزف في رأسه، وتم تطويق المنطقة في مكان الحادث، و محاصرة النّجف، ومنع الناس من نقل المصابين إلى المستشفى بحجة الانتظار لوصول سيارة الإسعاف، وبقي الشهيد ينزف في الشارع من المساء حتى الفجر، فتوفي في 22 تموز (يوليو) 1994.

وقد أعرب المقرر الخاص للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن بالغ قلقه للظروف الغامضة والملابسات التي أحاطت بوفاته، إضافة إلى ما تعرّض له والده السيد أبو القاسم الخوئي، واعتقال العشرات من أفراد عائلته مما يثير الارتياب حول التقارير التي أشارت إلى أن السيارة تعرّضت للاحتراق ولم يتسن العثور على سائق الشاحنة.

ومن الحوادث المثيرة والصارخة اغتيال الشيخ طالب السهيل (رئيس عشيرة بني تميم العربية المعروفة) التي اتّهم بها موظفّان من السفارة العراقية في لبنان، حيث ألقي القبض عليهما بعد أن التجآ إلى السفارة العراقية واعترفا بأنهما قدما إلى لبنان خصيصاً بهدف قتل الشيخ طالب السهيل. ونشأت أزمة دبلوماسية بين لبنان والعراق نجم عنها قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق السفارة العراقية في بيروت.

هذه الحادثة تجعلنا نفكّر بأي زمن نعيش فيه حيث يتم اختلاط الأشياء وتداخلها وتنوّع وتبادل الأدوار والمواقف بقصد خلط الأوراق وإخفاء الحقيقة. فالشرطي يصبح دبلوماسياً، والدبلوماسي الذي يفترض أن يحترم قواعد القانون الدولي والبروتوكول الدبلوماسي يتحوّل إلى قاتل محترف، والدولة التي يفترض فيها أن ترعى حقوق مواطنيها تتحوّل إلى صيّاد للخصم لانتهاك الشرائع والأعراف، والحجة هي تصفية الرأي الآخر.

ونريد هنا أن نذكّر أن الحكومة العراقية والحكومات التي مارست وتمارس الإرهاب، تترتب عليها مسؤولية دولية جديدة، إضافة إلى مسؤوليتها في خرق قواعد القانون الدولي والقانون الدبلوماسي، كما أن من واجب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تأمين احترام القواعد العامة للقانونين الدولي والدبلوماسي، وإرغام المرتكبين والمخالفين على الامتثال لهذه القواعد باعتبارها قواعد آمرة ملزمة، إضافة إلى تأمين احترام الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، التي أصبحت قواعد ملزمة على الدول والحكومات احترامها وإلّا ستعرّض نفسها للمسؤولية، أي أنها واجبة الأداء وكما يُقال في اللاتينية Jus Cogens. يضاف إلى ذلك ثمة مسؤولية تقع على عاتق الحكومة العراقية  والمجتمع الدولي وبخاصة الأمم المتحدة على حدّ سواء؛ الأولى في ضرورة الامتثال للقرار 688 القاضي بكفالة احترام حقوق الإنسان في العراق؛ والثانية لتأمين تطبيقه. وفي الوقت الذي تصرّ فيه على تنفيذ جميع القرارات المجحفة وغير المتكافئة، نراها تغضّ الطرف وتتهاون إزاء تنفيذ القرار المذكور.

***

ونتساءل هل نحن حقاً أمام "حكومات" تمتثل للمشروعية القانونية وللشرعية السياسية، التي تتمثّل باحترام  الإرادة العامة للنّاس وعليها أن تسوسهم باختيارهم وتمثيلهم ومشاركتهم؟ أما ما يخصّ الشق الثاني من أعمال الاغتيال والإرهاب من جانب قوى التعصّب والتطرّف، نتساءل أيضاً: هل يمكن كسب الجمهور وتحقيق البرنامج السياسي بقوّة السلاح؟ وقد جربت قوى وأنظمة ذلك تحت واجهات مختلفة، لكنها لم تصل إلى ما تصبو إليه.

إننا أمام أسئلة محرجة وقاسية، "فهذا زمن تتقدّم فيه الأسئلة وينهزم الجواب" مثلما يقول الشاعر العربي الكبير أدونيس.

***

د. عبد الحسين شعبان

.......................

- نُشرت المقالة بعد أسابيع من اغتيال السيد محمّد صادق الصّدر، في جريدة المنبر (اللندنية) التي كان يصدرها السيد حسين الصدر، في حزيران (يونيو) 1999، بعنوان: "ملف الاغتيال السياسي.. إلى أين - بعد رحيل السيد الصدر محمّد صادق". وكان النص الأولي قد تُلي كمحاضرة ألقاها الباحث في لندن في غاليري الكوفة (ديوان الكوفة)، عن "الاغتيال السياسي"، لمناسبة اغتيال الشيخ طالب السهيل التميمي بمنزله في لبنان في عام 1994. وهو إذْ يعيد نشرها بعد مرور ربع قرن على اغتيال السيد محمد صادق الصدر، تعميمًا للفائدة.

أتحدث شاهد عيان، لا مما كُتب وقيل، مِن هجاء ومديح، فما قرأته وسمعته، كان فرصة ومناسبة لمَن تراجع رصيده الفكري والسياسيّ والاجتماعي، في مصر أولاً، فمن السّهل أن تُكفر وتُزندق، وتُخون، وتسخر، وهذا الرباعي لا يحتاج إلى فكر ولا روية، يحتاج فقط إلى خفةٍ في الضَّمائر، ومفردات نابية. لذا، التسقيط سهل، وإنّ كان هدفه طه حسين (تـ: 1973)، ونجيب محفوظ (تـ: 2009)، وحامد نصر أبو زيد (تـ: 2010)، وفرج فودة (اغتيل: 1992)، وحسين مروة (اغتيل: 1987)، وسواهم العشرات بل المئات.

حضرت ندوة "التّكوين" في القاهرة، والتي عُقدت يومي الرابع مِن أيار (مايو) 2024 والخامس منه، وشاركتُ في ندوتها "النقد الفكري قبول أم مواجهة". شارك في هذه النَّدوة، وسواها مِن ندوات المؤتمر، آخرون مِن أصحاب الفكر، شباباً وشيبةً، لكن جميعهم يعدون مَن ذكرنا مكافحين في النّور لا في الظلمة، مِن الذين نالوا قسطهم مِن محاكم التفتيش، والإقصاء والاغتيال، والتفريق عن الزوجات، بدعوى الكفر، وهم لو كانوا أحياء، لتقدّموا الصف الأول في هذه النّدوة وغيرها، حيث قاعة المتحف المصريّ الحديث.

كان ضيف الشّرف طه حسين، مناسبة مرور 50 عاماً على رحيله (1973- 2024)، فما الذي يؤذي أو يُنفر مِن طه حسين؟! الذي كان عنواناً لمؤتمر "التكوين". يبدو كان هذا الإشكال الأول، بعدها يأتي الاسم "التّكوين"، فقالوا: إنّه سِفر مِن أسفار الكتاب المقدّس - العهد القديم التّوراة، فمعنى هذا أنَّ المؤتمر ذو نكهة يهوديّة، وبالغ البعض وقال "صهيونيّة". يا سبحان الله، وهل احتُكرت الألفاظ والمعاني، وما عاد لأحد استخدامها، وهي مثلما قيل على قوارع الطّرق والسكك؟ وهناك مكتبات ومؤسسات بهذا العنوان، ولم تثر انتباهاً، ولا فضولاً مَن تناولوا عنوان هذه المؤسسة؟

أتذكّر عندما جرى التّفكير بتغيير العَلَم العراقي، بعد 2003، ليعبّر عن حِقبة عراقية جديدة، تغادر العصبيات، على أشكالها، تقدّم المعمار رفعة الجادرجيّ (1926-2020) بتصميم للعلم الجديد، فرمز بشريط أزرق إلى الرَّافدين، دجلة والفرات، فقامت الضجة والشَّيطنة للجادرجي، على أنَّ هذا العلم يحاكي العَلَم الإسرائيليّ، وبالتالي لم يؤخذ به، وظل العلم العراقي بما اقترحه الإسلامي سوار الذهب (تـ: 2018)، على صدام حسين، نقش عبارة "الله أكبر"، كرمز للجهاد، بعد احتلال الكويت (الدليمي، "آخر المطاف")، وما تغيّر هو كتابة العبارة بخط غير النّقش الأول.

آخر، وهو ابن رئيس سابق، لم يجد طريقة يغازل بها الإسلاميين، غير استغلال صورة مفبركة، أُخذت في الفندق وليس في قاعة المؤتمر، لجماعة مِن المشاركين، وعلى إحدى الطاولات وضعت علبة "ستيلا" المصرية، فربط ندوات "التكوين" بها، فصار اجتماعاً إباحياً، لكن ابن الرئيس هذا، يعلم أن "ستيلا" وغيرها مِن عهد والده، فعلامَ هذه المزايدة، والمغازلة لخصوم التنوير. مع أنَّ الثائر مِن أجل الدين نفاقاً، لم يحضر ندوات المؤتمر، كي يرى حقيقة ما حصل.

أما ما قيل عن أنّ "التكوين"، ولم أكن عضواً في أمانته، وهم مِن أبناء مصر والشّام، أنهم "ملاحدة"، وبالتالي أن "التكوين" مؤسسة إلحادية، هدفها هدم الإسلام، مثلما أراد طه حسين مِن قبل، وهو ضيف الشّرف، فهل صارت الأبحاث في التاريخ القديم، والأساطير، والتصوف، ودراسات في القرآن، إلحادية؟ نعم تكون إلحادية لأنّها مسّت الجماعات المتطرّفة المسيّسة، لا الدين نفسه، ومَن قال كل ما كتبه أعضاء الأمانة، وما كتبه الطاعنون بـ"تكوين"، كان صواباً، إنّها أفكار قد تُقبل وقد تُرفض، فإذا كل من تبنّى رأياً مخالفاً اتُّهم بالكفر والإلحاد، مثلما حدث في مناظرة معرض الكتاب في القاهرة، واغتيل فرج فودة بسبب التحريض، الذي أطلقه المحمدان عمارة والغزالي، لشُلت الألسن وكُسرت الأقلام، ولم يبق معنى وأهمية لـ"لا إكراه في الدين"، ولا لـ"وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَأمَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ"، نقول هذا لمن يدّعون أنهّم الأحرص على الدين، وأنَّ كلَّ من خالفهم صار كافراً ملحداً.

هل كان كفراً عندما يُقال إنَّ القبول بين الأفكار، في التراث العربي الإسلاميّ، أقل كثيراً مِن المواجهة، وهل صار إلحاداً عندما يستشهد أحد المتحدثين، من على منصة "تكوين" بثلاث آيات تعطي حقّ الاختلاف: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة، آية: 48).

- ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِي مَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (يونس، آية: 19).

- ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود، آية: 118).

هل إلحاد وكفر عندما يُستشهد، من على منصّة "تكوين" بالقول المأثور، ومنهم من اعتبره حديثاً "اختلاف أمتي رحمة"، أو يُستشهد بقول للفقيه سُفيان بن مسروق الثّوري (تـ: 161هـ): "إنما العِلم عندنا الرّخصة مِن ثقةٍ، فأما التّشدد فيُحسنه كلُّ أحد"، والرخصة تعني التفكير وتحترم الاختلاف. أو أن يرتقي المنصة أحد الأزهريين ويدلو بدلوه، فعلامَ هذه الحمية والغيرة الكاذبة على الدين، وأنتم لا تعجبكم هذه النصوص، ولو قدرتم لحذفتموها، ولكن جهدتم بتجميدها، بما تأسس من علم النَّاسخ والمنسوخ.

انتقد أحد المتحدثين، التشدّد الديني والإلحادي أيضاً، واعتبرهما مغذيين لبعضهما بعضاً، وحصل نقاش ثري في القاعة، على أنّ حرية الفكر لا تُجزأ، وما زالت لا تقوم بتفجير واغتيال، لك أن تؤمن أو تكفر، وهذا مشروع في آية قرآنية، لا تحتاج إلى تفسير وتأويل.

طرح هذا وغيره في ندوات "تكوين"، غير أنَّ ما أثير من ضجّة تخوين وشيطنة، لا صلة له بما حدث، فلو كان المؤتمر لعصائب وكتائب دينية، أو مؤتمراً لمفتين بالقتل، لجرى التسبيح له، لكن سوء حظه خصّ مثقفين، وقُدّمت فيه آراء لا فتاوى وقنابل، آراء ممكن الرّد عليها، لا، فهل كنتم عاجزين إلى هذا الحدّ، لا تملكون غير التجريح والتخوين وضجة الشّيطنة؟

إذا كانت هناك جهة أساءت إلى الدِّين، فهي الأحزاب والجماعات الدينيَّة السياسيَّة، التي جعلت مِنه سلّماً إلى السّلطة والثروة، وجلب الأتباع، لا مِن يريد إشاعة ثقافة العقلانيَّة، وما كانت البحوث تتناول الدّين، وتغور في الأُصول، لولا محاولات هذه الجماعات فرض أحكام خارج المنطق الفقهي نفسه، الذي يقول: "تتبدّل الأحكام بتبدّل الأزمان"، فعندما تتساوى الأزمان، لا يتميز بين القديم والجديد، في إدارة الحياة، مِن المؤكّد يظهر مَن يقف إلى جانب الحياة، وما قُدم مِن على منصّة "التكوين"، لم يخرج عن هذا المطلب.

أقول: مِن حقّ المثقفين، على مختلف توجّهاتهم واهتماماتهم، أدباء وباحثين ومؤرخين وفنانين وشعراء، وقوى الأنوار كافة، قول كلمتهم في مواجهة الواقع المريع، الذي تفرضه قوى الظلام والموت، عقود وهم يتلاعبون بعقول النَّاس، دمّروا التّعليم، وفرضوا ثقافة التّخلف، بصحوات دينيَّة، أشيعت فيها الطائفيَّة والأوهام، ومغيبات العقل كافة.

اختلفوا مع "تكوين" أو غيرها، وهناك مِن التنويريين، اختلفوا مع هذه المؤسسة، التي لم تلد بعد، فقد ظهرت في ندوة لا أكثر، لكن لماذا الأكاذيب والتحشيد، باستغلال الدّين؟! لماذا تجعلون مِن الدّين بضاعة لتجارتكم، مرّة باسم "الإصلاح"، وأخرى باسم "الخير"، وتريدون من الآخرين السُّكوت، والانصياع لتخويفكم، وتهديدكم بالتّكفير!

كنتُ رصدت في كتاب "صرعى العقائد... المقتولون بسبب ديني في الماضي والحاضر" (مركز المسبار- دبي، ودار المدى- بغداد) المئات مِن الفلاسفة، والأدباء والشعراء، وأهل التصوف، ومِن رجال الدّين أنفسهم، ثغبت دماؤهم مِن عروقهم، بسبب كلمة أو بيت شعرٍ، أو فكرةٍ، وأسبابٍ مختلفة، فهل تريدون استمرار هذا الواقع، باختطاف الدّين مِن قبلكم؟ والمطلوب السُّكوت على سفك الدِّماء باسم الدّين.

نعيد القول ونؤكّده، إذا كانت هناك مسؤولية في الإساءة إلى الدِّين فيتحمّلها الإسلام السّياسي، في منظماته السّرية والعلنية، وممارسته السُّلطة في أكثر مِن بلد إسلاميّ، لا جماعة، لا تملك غير الكلمة، تقولها في وضح النهار، فاعتبروا العلمانيّة كافرة، لأنّها لا تريد تمكين الجماعات الدينية مِن السُّلطة، ولا تقرّ أنَّ السياسة عبادة، شأنها شأن الصّلاة والصّيام، ومَن لا يسير في هذا الاتجاه فدمه غير معصوم عند تلك الجماعات.

ما لا تريد الجماعات العقائديَّة فهمه، والتَّسليم به، أنَّ زمن التخوين انتهى، مِن قبل اليمين واليسار، على حدٍّ سواء، بضاعة بارة في خاناتها، ظل يتناقلها الذُّباب الإلكترونيّ، لا تغني ولا تسمن، وإذا كنتم تدّعون المعصوميَّة، باسم الدِّين أو القومية، فلا عصمة في الثقافة ولا الفكر، وهذا ما نقوله لأهل "تكوين" أو سواهم أيضاً.

إذا كنتم ترون مِن حقّكم في النّيل مِن الآخرين، بالتّكفير وسفك الدّماء، لأنكم تملكون الحقّيقة دون غيركم، والحاكميّة الإلهيّة مختصة بكم، فلمن يقع عليهم العبء، طريقه في الدِّفاع عن الحياة، ولا حاجة للضجة والشّيطنة.

ختاماً، أقول: سقى الله مِن شيّد العُمران، وعزَّ شعبه، بروعة البنيان، بتحقيق مقولة "الدّين لله والوطن للجميع"، وهل قال "تكوين" أكثر مِن هذا، وهل طلب المحتفى به طه حسين أقل مِن هذا؟! فعلامَ ضجّة التخوين والشّيطنة، والقصة كاملةً آراء تصيب وتخيب، قيلت في باحة التّاريخ حيث المتحف المصريّ، وكانت الأبواب والنَّوافذ مفتوحة، على مصاريعها، خالية مِن أجواء بيعة لمرشد أو لولي، على حساب الأوطان.

ما حصل كان خطيراً، وربَّما بسبب ضجّة التَّكفير والتزندق، لمجموعة من المثقفين، المصريون منهم على وجه الخصوص، سيتكرّر ما حصل لنجيب محفوظ، أن يتقدّم أحد الجهلة لقتله، لأنّه سمع أنّه كافر، فعندها من يحمل جرائم القتل، التي قد تطال الشخصيات المشاركة، فالمجتمع بجهود الإسلاميين صار مؤهّلاً لمثل هذه الأفعال الانتقامية؟!

***

د. رشيد الخيون

 

حول تكريس ثقافة السلاح في الولايات المتحدة الأمريكية

بقلم: بول أوستر

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

في عام 1970، بدأت مهمة مدتها ستة أشهر في البحرية التجارية، حيث عملت كبحار ماهر على متن ناقلة إيسو، وعلى متن هذه السفينة اتصلت لأول مرة برجال نشأوا مع الأسلحة كانوا على علاقة حميمة بها. في أغلب الأحيان، كانت حمولتنا تتألف من وقود الطائرات، الذي كنا ننقله صعودًا وهبوطًا على ساحل المحيط الأطلسي وإلى خليج المكسيك. كانت إليزابيث بولاية نيوجيرسي، وبايتاون بولاية تكساس،وهما موقعان اثنان من أكبر المصافي في إيسو،كانا نقطتى النهاية لجميع رحلاتنا، مع توقفات معتادة في تامبا والموانئ الأخرى على طول الطريق.

كان هناك ثلاثة وثلاثون رجلاً فقط على متن السفينة، وبصرف النظر عن اثنين من الأوروبيين وحفنة من الشماليين مثلي، كان جميع الضباط وأفراد الطاقم من الجنوب، وجميعهم تقريبًا من لويزيانا ومدن ساحلية مختلفة من تكساس. يعود الآن اثنان من رفاق السفينة إلى ذاكرتي، ليس لأنهما كانا صديقين مقربين بشكل خاص، ولكن لأن كل واحد منهما، بطريقته الخاصة والمختلفة جدًا، كان له دور فعال في تعزيز تعليمي حول الأسلحة النارية.

كان لامار قصيرًا وشعره أحمر من باتون روج، وله بقعة قرمزية لامعة تشوه بياض عينه اليسرى، وثمانية أحرف موشومة على مفاصل يديه: L-O-V-E وH-A-T-E، وهي نفس العلامات المنقوشة على أصابعه. الواعظ المعتوه الذي لعبه روبرت ميتشوم في فيلم "ليلة الصياد". عمل لامار كمساعد تشحيم في غرفة المحرك وكان في عمري تقريبًا (ثلاثة وعشرون عامًا). على الرغم من وشم الولد الشرير، فقد وجدته شخصًا لطيفًا ومعسول الكلام، ولأننا كنا زملاء جدد على متن سفينتنا الأولى، فقد اعتبر أننا حلفاء ويبدو أنه يستمتع بالخروج معي. بعد الانتهاء من عملنا  وحقيقة أنني من الشمال وتخرجت من الكلية ونشرت بعض القصائد في المجلات لم تكن أمرًا ينظر إليه بعين الريبة. لقد قبلني كما أنا، وأخذته كما هو، وأصبحنا على وفاق - لم نكن أصدقاء تمامًا، بالضبط، ولكن زملاء السفينة بشروط ودية وسهلة.

ثم جاء الاكتشاف الأول، والصدمة الأولى. لقد شاركنا ما يكفي من القصص عن أنفسنا في ذلك الوقت لدرجة أنني اعتقدت أنني لن أسيء إليه إذا سألته عن البقعة الحمراء في عينه. دون أن يشعر بالإهانة، أوضح لامار بهدوء أن ذلك حدث قبل بضع سنوات، عندما وقف هو وحشد من الناس على الرصيف وألقوا الزجاجات خلال مسيرة احتجاجية قادها مارتن لوثر كينج. لقد تطايرت شظية من الزجاج المكسور في عينه وثقبت الغشاء، مما تسبب في إصابة تحولت إلى شيء أحمر سيئ سيبقى معه لبقية حياته. ومع ذلك، كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير، كما قال، وشعر بأنه محظوظ لأنه لم يفقد عينه.

حتى ذلك الحين، لم يقل لامار أبدًا كلمة ضد السود في حضوري، وعندما سألته لماذا فعل هذا الشيء الغبي والشرير، هز كتفيه وقال إنه بدا وكأنه شيء ممتع للقيام به في ذلك الوقت. لقد كان في سن المراهقة في ذلك الوقت ولم يكن يعرف أفضل من ذلك، مما يعني أنه لن يفعل هذا النوع من الأشياء اليوم. وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك ممكنا نظراً لأن مارتن لوثر كينج قد أسقطت طائرته وقُتل قبل عامين، لكنني اخترت تفسير كلماته باعتبارها اعتذاراً، على الرغم من أن لدي شكوكي. ثم جاء الاكتشاف الثاني.

كنا نقف على سطح السفينة بعد ظهر أحد الأيام نشاهد سربًا من النوارس يحوم فوق السفينة عندما أخبرني لامار عن شيء آخر من الأشياء الممتعة التي كان يحب القيام بها في ليالي السبت في باتون روج عندما كان يشعر بالملل، وهو أن يأخذ بندقيته ومعه كمية من الذخيرة، ويتوقف على الطريق السريع ويطلق النار على السيارات. ابتسم وهو يتذكر ذلك بينما كنت أحاول استيعاب ما كان يقوله لي. قلت أخيرًا، أثناء إطلاق النار على السيارات، لا بد أنك تسرح بي.وأجاب لا على الإطلاق، لقد فعل ذلك بالفعل، وعندما سألته إذا كان يستهدف السائقين أو الركاب أو خزانات الوقود أو الإطارات، أجاب بشكل غامض أنه أطلق النار بشكل عشوائى عليهم  جميعًا. وسألته وماذا لو ضرب أحدا وقتله ماذا سيفعل بعد ذلك؟ هز لامار كتفيه مرة أخرى، أتبعها بإجابة مقتضبة وغير مبالية وشبه فارغة: "من يدري؟"

حدثت هاتان الهزتان خلال أول عشرة أو اثني عشر يومًا من وجودي على متن السفينة، وحافظت على مسافة مهذبة بيني وبين لامار لعدة أيام بعد ذلك، ثم جاء إلي بعد ظهر أحد الأيام بينما كنا نقترب من الميناء وقال لي وداعًا. وقال إن كبير المهندسين لم يعجبه عمله، وقد طرده.

ضع مسدسًا في يد مجنون، ويمكن أن يحدث أي شيء.

في وقت سابق، أخبرني أنه خاض دورة تدريبية صارمة واجتاز امتحانًا كتابيًا للتأهل للعمل كعامل تشحيم،لكن اتضح أن لامار غش في الامتحان وكان يعرف الكثير عن مهنة عامل التشحيم. وكما قال لي كبير المهندسين فيما بعد: "كان من الممكن أن يفجر هذا الوغد الصغير الناقلة وكل روح حية على متنها، لذا للأسف قمت بطرده من هنا".

ثمة الكثير الذى ينبغى أن يقال حول صديقى السابق ، ليس مجرد عنصري يرمي الزجاجات، وليس مجرد محتال خطير، بل مختل عقليا فارغا لا يفكر في تصويب بندقيته نحو الغرباء المجهولين وإطلاق النار عليهم دون سبب سوى الطلقة، أو متعة إطلاق النار.ضع مسدسًا في يد مجنون، ويمكن أن يحدث أي شيء. نعلم جميعًا ذلك، ولكن عندما يبدو المجنون شخصًا عاديًا ومتوازنًا وليس لديه أي ضغينة على كتفه أو ضغينة واضحة ضد العالم، فماذا يجب أن نفكر وكيف يفترض بنا أن نتصرف؟ على حد علمي، لم يقدم أحد قط إجابة شافية على هذا السؤال.

كان بيلي نوعًا مختلفًا من الحيوانات؛ فهو حيوان أليف، ولطيف، وصغير السن، يبلغ من العمر ثمانية عشر أو تسعة عشر عامًا فقط، وهو أصغر أفراد الطاقم على الإطلاق. كنت ثاني أصغرهم سنًا، ولكن بجانب بيلي الأشقر ذي الوجه الناعم، شعرت بالتأكيد بالتقدم في السن. كان طفلاً لطيفاً من بلدة ريفية صغيرة في لويزيانا، وكان يتحدث في الغالب عن شغفه بالسيارات المجهزة وصيد الغزلان مع والده، الذي كان يشير إليه باسم "دادى" و"بابا". لقد ذهبنا إلى الشاطئ معًا عدة مرات مع مارتينيز البالغ من العمر أربعين عامًا، وهو رب عائلة من تكساس، ولكن بصرف النظر عن إعجابي ببيلي ووعدي بالذهاب معه للصيد يومًا ما إذا وجدت نفسي في لويزيانا، لم أفعل ذلك. لا أعرفه جيدا. لا شيء من هذا له أية أهمية الآن.

بعد مرور خمسين عامًا، ما يهم هو أنه خلال إحدى محطات توقفنا في تامبا، غادرنا السفينة مع مارتينيز، وبينما كنا نحن الثلاثة ننتظر سيارة أجرة لتقلنا وتأخذنا إلى المدينة،أجرى بيلي مكالمة  للمنزل من الهاتف العمومي الموجود على الرصيف. تحدث مع والده أو أمه لفترة بدا أنها طويلة جدًا، وبعد أن أغلق الهاتف التفت إلينا ونظرة الاضطراب على وجهه وقال: «أخي موقوف. لقد أطلق النار على شخص ما في حانة الليلة الماضية، وهو الآن محتجز في سجن المقاطعة”.

لم يكن هناك شيء أكثر من ذلك. لا توجد معلومات عن سبب قيام شقيقه بإطلاق النار على ذلك الشخص، ولا توجد معلومات عما إذا كان هذا الشخص حيًا أم ميتًا، وما إذا كان على قيد الحياة، وما إذا كان قد أصيب بجروح بالغة أم لا. فقط تفاصيل الأمر: أطلق شقيق بيلي النار على شخص ما، وهو الآن في السجن.

ليس لدي ما أقوله، لا يسعني إلا أن أتكهن. إذا كان الأخ الأكبر لبيلي مثل بيلي نفسه، أي إنسان حسن الطباع ومتوازن بشكل معقول، وليس شخصًا غريب الأطوار يحب إطلاق النار مثل لامار، فهناك احتمال كبير أن يكون إطلاق النار في الليلة السابقة قد حدث بسبب جدال. . ربما مع صديق قديم، وربما مع شخص غريب، وأن التأثيرات المثبطة للكحول لعبت أيضًا دورًا حاسمًا في القصة. تناول علبة بيرة شديدة التركيز ، وينفجر جدال لفظي فجأة وبشكل غير متوقع يتحول  إلى عراك بالأيدي.

تحدث مثل هذه الأشياء كل ليلة في الحانات والمقاهي في جميع أنحاء العالم، لكن الأنوف الدموية وآلام الفك التي تتبع عادة هذه المعارك في كندا أو النرويج أو فرنسا غالبًا ما يتبين أنها جروح ناجمة عن طلقات نارية في الولايات المتحدة.الأرقام مذهلة ومفيدة على حد سواء. إن الأمريكيين أكثر عرضة للإصابة بالرصاص بخمسة وعشرين مرة من نظرائهم في الدول الغنية الأخرى، والتي تسمى الدول المتقدمة، ومع وجود أقل من نصف سكان تلك الدول العشرين الأخرى مجتمعة، فإن اثنين وثمانين بالمائة من جميع الوفيات الناجمة عن الأسلحة النارية تحدث هنا. إن الفارق كبير للغاية، وملفت للنظر، وغير متناسب مع ما يحدث في أماكن أخرى، حتى أن المرء يجب أن يتساءل عن السبب. لماذا أمريكا مختلفة إلى هذا الحد – وما الذي يجعلنا البلد الأكثر عنفاً في العالم الغربي؟

قررت التركيز على المنشئات المادية للمشاهد الطبيعية الأمريكية العادية،الأماكن التي نذهب إليها للعمل، للصلاة، للتسوق، للدراسة، وممارسة حياتنا اليومية. لم أقم بتضمين صور الأسلحة أو الضحايا أو الجناة عمدًا. أردت أن أذكّر الجمهور بمكان حدوث هذه الجرائم، وما حدث للمباني والمناظر الطبيعية التي غالبًا ما يتم نسيانها أو تجاهلها. الأماكن دائمة، لا يمكنك محو مكان، يمكنك هدمه وإعادة بنائه، يمكنك تسويته، يمكنك إنشاء نصب تذكاري أو تركه كما هو. والحقيقة هي أنها ستظل موجودة دائمًا باعتبارها المكان الذي وقعت فيه هذه الفظائع.

***

.............................

* مقتطف من كتاب: (أمة حمام الدم)  للكاتب بول أوستر وسبنسر أوستراندر - 2023.

 

عرف الإعلام الألماني في الشهور الأخيرة ردود أفعال، مكنت من الكشف عن حقائق جديدة حول سيرة ومواقف شخصيات فكرية وثقافية ألمانية على وجه التحديد. ولعل هذا ما لقيناه مثلا في بيان موقع من نيكول ديتلهوف، وراينر فورست، وكلاوسغونتر ويورغن هابرماس. أهم ما جاء فيه: " أن تصرفات إسرائيل لا يمكن وصفهابأنها إبادة جماعية"!؛ وأن لدولة إسرائيل والجالية اليهودية فيألمانيا الحق في الوجود؛ وأن ما يحدث في قطاع غزة لا يمكن مناقشته باسم: "التضامن المفهوم بحق مع إسرائيل واليهود في ألمانيا".

عند قراءة بيان، يتولد انطباع بأن الصراع بينفلسطين وإسرائيل بدأ لأول مرة في 7 أكتوبر 2023؛ وأن ماضي المحرقة في ألمانيامرتبط بأعمال حماس. إن الهدف الأساس من البيان هو إيصال الفكرة التالية: أنه "في الماضي كان كل شيء على ما يرام، ولم تكن هناك مشاكل في فلسطين، وكل المشاكلبدأت مع عملية حماس في 7 أكتوبر 2023".

في المقابل، فإن البيان لا يدعو إلى مناقشة حياةالفلسطينيين ومعاناتهم في السجون مع الاستعمار والاحتلال ومآسيهم مع الإبادةالجماعية وهجمات المستوطنين والاغتيالات واللائحة تطول..

إن أرشيف هابرماس وغيره بات منذ الساعة محط نظر وإعادةالنظر لقراءة ما بين السطور. في هذا السياق، ينقل موقع ت. ر. ت دوتش: أن هابرماسوزملاؤه يستخدمون حياتهم المهنية بأكملها للمساهمة في إدارة التصورات عن إسرائيل داخلألمانيا وخارجا. لكن كيف ينظر المجتمع العالمي إلى هابرماس حتى الآن؟ ما هي القيمالتي دافع عنها حتى الآن؟

يقول دينس بيرغر: لقد حاول هابرماس- كما تعلم منمدرسة فرانكفورت- الالتزام بإجراء فحص نقدي ومساءلة الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهذا يعزز التفكير النقدي بهدف فهم أسس المشاكل الاجتماعية وتغييرها. معذلك، فإن بيانه الأخير لا يُظهر أي جهد لفهم جذور الصراع المستمر منذ 70 عاما بينإسرائيل وفلسطين. وبدلا من ذلك، يتم تجاهل معاناة الفلسطينيين والأطفال الذينقتلوا في غزة.

هناك اهتمام آخر لمدرسة فرانكفورت وهو: الحساسيةتجاه الظلم الاجتماعي وعدم المساواة. ولسوء الحظ، فإن البيان لا يظهر سوى الحساسيةتجاه إسرائيل. وفيما يتعلق بمسألة العدالة، فلا يوجد في البيان ما يشير إلى أنالفلسطينيين يعيشون تحت الحصار منذ سنوات.

لقد أكد هابرماس، الذي كان يعتبر في السابق "منظرا مهما" في مجالات التواصل والفضاء العمومي والمناقشات الأخلاقية، على أنالتواصل بين الناس يجب أن يكون حرا وعادلا، إلا أن تصريحه لم يذكر أن إسرائيل تغلقكافة وسائل التواصل الفلسطينية. بعد سنوات من اعترافه بأهمية النقاش العقلاني، لايوجد في بيان هابرماس ما يتعلق بالعقلانية. وبدلا من ذلك، هناك دعم أحادي الجانبلإسرائيل في هذا النص.

لماذا قام هابرماس والآخرون، الذين دافعوا لسنواتعن مفاهيم؛ مثل: "القيمة والأخلاق والديمقراطية والمناقشة والعدالةوالمجتمع"، فجأة بنشر بيان يتناقض مع كل هذه القيم؟ أ خدعونا في الدفاع عنهذه القيم أم أنهم الآن يستخدمون هذا الإعلان لخدمة إدارة الوعي؟ ما هو الهدف من البيان؟

جوابا على ذلك، يضيف بيرغر، أنه في عام 2012،عندما سأل أحد مراسلي صحيفة هآرتس الإسرائيلية هابرماس عن كيفية تقييمه لسياساتإسرائيل، صرح أنه ليس من وظيفة أي شخص من جيله أن يحكم على ذلك. في الواقع، فإنالتناقض الأساسي عند هابرماس ليس قضية اليوم؛ فمنذ سنوات، ظل هابرماس صامتا في وجهسياسة إسرائيل وتجاهل مفاهيم؛ مثل: النقد والعدالة والديمقراطية والقيم والنقاش. إنمشكلته الأساس له ولجيله هي سيكولوجية الذنب اللانهائية. إن الجيل الذي يتحدث عنههابرماس هو ذلك الجيل الذي عاش الحرب العالمية الثانية والمحرقة في أوروبا. ولكنهنا يكمن تناقض هابرماس: هل ارتكبت حماس هذه الإبادة الجماعية في التاريخ؟.

هنا، يستخدم بيرغر إعارة من أليكس كالينيكوس وهي نقدلاذع وساخر، يوصله إلى موت النظرية النقدية التي يشكل هابرماس أحد أعمدتها حتى اليوم. لقد كتب كالينيكوس عن بيان هابرماس وزملائه، وذلك مثال جيد على كيفية فصل"الأنظمة المعيارية" عن أي اعتبار للحقائق؛ يقول: إن الفلاسفة يدركونببساطة، ومن دون أن يكلفوا أنفسهم عناء شرح، من أين حصلوا على هذه المعرفة: "أن حماس هي التي ترتكب الفظائع، وأن إسرائيل ليس لديها " نوايا الإبادةالجماعية"!، على الرغم من تأكيدات وزرائها المتكررة على هذه الفظائع. لقد ماتت النظرية النقديةرسميا".

إن مساهمة كالينيكوس ليست محض صدفة، بل هي مثال لقلةمن الأكاديميين ذوي الضمير الحي والموضوعي في الغرب، رغمأن المثقفين الغربيين يحاولون التعويض عن ذنب الماضي من خلال الصمت. وهنا هابرماس لم يختر ذلك، لقد فضل الكلام، ودافع عن أي سياسة إسرائيلية لسداد ديونجيله. لكن، كما يختم بيرغر " هناك حقيقة واحدة يتعين على المثقفين والناسكافة أن يتقبلوها اليوم: وهي أن الدروس المستفادة من المحرقة لا تكمن في مشاهدة الفلسطينيين وهم يُطردون من أرضهم أو يُقتلون"؛ أَضيف إليها مع شارلوته فيديمان،أن على الألمان أن يبدؤوا في نقد اعتبار أمن إسرائيل مصلحة عليا للدولة الألمانية.

***

محمد العفو

 

كنت نشرت اصبوحة عن مائدة نزهت، هذا نصها: (كنت أريد أن أبدأ لقائي الصحفي معها لمجلة الإذاعة والتلفزيون باغنيتها "على دربنا يحوم جذاب الاسمر" فخرجت لابسه أبيض بابيض وقالت: انا ذاهبة للحج، ورجتني أن اتوسط لدى الصحاف" لرفع أغانيها من الإذاعة والتلفزيون مع أن زوجها الفنان " وديع خوندة" هو الأقرب.

ما سر حج الفنانات بيت الله؟

وقبل ان نبدأ بالتحليل، اليكم نماذج من اجابات اكاديميين ومثقفين واعلاميين، كما هي:

 السر واضح لكل متابع.. هناك فهم جمعي مغلوط اخذ عن طريق الشيوخ ورجال الدين ان الذي يعمل بالفن بشكل عام والغناء بشكل خاص قد ارتكبوا خطايا ومعاصي،،، ولذا من الواجب التوبه من خلال الذهاب إلى الحج ليمحي ما سلف من أعمال وأفعال غير صحيحه، ولكن رأيي ان التوبه ليس شرطا ان تكون في الحج بل قبله أيضا، كما أن الغناء والموسيقى ليس محرما في ديننا فلم يرد ضمن المحرمات ال ١٤.

 دكتور الانسان بفطرته يركن للتقرب الى الله، احيانا بالصلاة الكثيرة او الزكاة او الصوم او الحج.. وفنانة مشهورة مثل المرحومة مائدة نزهت وجدت ان العمر تقدم بها، ناهيك عن شعور الفنانين انذاك بقسوة النظام واجبارهم على الغناء لتعظيم صدام والبعث وفقدان الفن لهويته بفعل اجواء الحرب مع ايران والتوجه للاغاني التعبوية.. كل تلك الضغوط ربما ساهمت بقرار نزهت، وانها ادخلتك كوسيط لشعورها بالخوف من ردة فعل الصحاف. حقظكم الله دكتور

 بضاعة بارت، وعمر يفنى، وجسد أكلته السهرات والمساحيق، وقد يكون الخوف من الآتي الاني والبعيد.

 الركون الى التدين، يأتي بعد الشعور بضعف بدني او نفسي نتيجة التقدم بالعمر أو" الفقر على الأغلب، " أو الشعور بالذنب بعد طول ترك طقوس الدين.. (فالله غفور عفوررحيم).

 لأن بعد ما يتقدمن بالعمر يتولد لديهن شعور بأن الغناء حرام، وبالتالي يتولد لديهن الشعور بالذنب وأن الله غاضبا عليهن لأنهن امتهنن الغناء في الشباب وسيحرمن من دخول الجنه.

 الانسان بطبعه حينما يكبر يميل الى الاستقرار،،، بعد ان اخذته الحياة والتفت به في مشاربها ومساربها المختلفه وتعبت ارجله وقله عزمه وتراخت قواه وتورمت اجفانه وأينعت ذاكرة النسيان ووسوست له نفسه ان الامتحان قريب، عاد ليمني النفس بكثبان ماجرى وما حل، ويصغي ايضاً لندائها الخفي اذ لابد من الهچوع والركون وتجاوز الضعف الى ربوع العزله وتقنين كل شيء حتى الاصدقاء ثم الانحدار الى مستويات الشفقه والبحث عن بوصلة الطقس المغترب او الركن غير المؤثث ليمسك بعصى الطاعة والايمان والتفكير الجدي بأن هذا الركن المبعثر ليكن حمالة التدين وشفيف العبادات وربما الطقوس بدلاً من ان يكون حمالة الحطب في نار وقودها الناس والحجاره.

 الانسان يولد على الفطرة وينشأ ويتربى في مجتمع اسلامي ؛ وعندما يكبر ويدرس ويخالط ناس اخرين فقد يتأثر بهم سلوكيا وفكريا، وبما انه يمر بظروف حياتية مختلفة فأنه يبدأ بالتفكير بأنه ميت لا محالة وانه ذاهب الى عالم اخر، فيبدأ بالتراجع عن افكاره الالحادية، فتجده يعود الى الصلاة والصوم وكل الشعائر الاسلامية. وهذه الحالة وصفها القرن الكريم بقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

 احد المطربين الكبار قال مرة :انا لست آسف على ما قدمته من غناء لترسلني الدولة للحج وانا اتوب. لم ترسله الدولة ولم يتب.

 ما بالك بمن تذهب للحج وترجع تتعرى وترقص كما بعض الفنانات!

ومن جميل ما قرأت انه في العام 2017 (وقبله ايضا) ذهب عدد من الفنانين والفنانات للحج، اليكم نماذج عنها من التعليقات.. معظمها ساخرة:

 آيمه حسين الجسمي راح يفخخون الكعبه

 لا هو مبين رح يتقبل اذا يرحون ويرجعون نفس ما همه. مع الاسف يمثلون الاسلام بهالطريقه.

 جان. اخذتو معاكم اليسا وهيفا ونانسي حتى تكمل!

 والله الحج للفنانيين اوبن تكت، واحنا نناضل صار عشر سنيين بدون فائده.

 كلهم على راسي بس ديانا كرزون وين مول الحارثية وين اللبس الفاضح خره بعقلج شكد نغلة قطت المول 110 مليون راحت بيهن للحج ام اللفيح!

 هيى خربانه ناس كلها معاصي شلون يصير تروح للحج حتى فلوسهم حرام!

 والله يا ربي لو تشيله لبيتك احسلك.. راح تجيك سمعه وين ماكو رقاصه تجيك!

 لج باوعي كولهم رايحين بس لا راح يسوون حفله بالسعوديه

 حتى الي يروح للحج ما راضين عليه على منو ترضون حتى رب العالمين، حار وياكم ياشعب!

 الظاهر ان الذهاب الى مكة هذا هو ليس للحج وانما لاخذ الصور وارسالها الى مواقع التواصل الاجتماعى. اهكذا هو الحج يا امة محمد. اهكذا علمكم رسول الله. الحج تفرغ للعبادة فى ايام معدودات. ما ادري ليش يحجبون نساءهم بمكة وخارجها يدافعون وبشراسة عن السفور وان الله لم يفرض الحجاب ويتحدونك بان تأتي بديل وانه رمز للحرية الشخصيه؟

 يتصورن الحج يكفر عن الذنوب !!!! اليوم اصبح الحج مثل باب الأغا.. يتسابق اليه كل من هب ودب.

التحليل

لست متخصصا في الدين، ما اقتضى ان اراجع اطاريح دكتوراه ومقالات علمية رصينة عن الحج والتوبة تمكنني من تحليل الحج بقصد التوبة. فوجدت ان للحج والتوبة مفاهيم متعددة، لكننا سنحددها بالتعرف على سيكولوجيا التوبة من المنظور الأسلامي، برغم تعدد الآراء الأسلامية فيها ايضا!

سنعتمد هنا تعريف التوبة من المنظور الاسلامي بأنها: عملية نفسية يقوم فيها الفرد بالتوقف عن سلوك مرفوض (إسلاميا) ؛ بعد معرفته لضرره، وندمه عليه ؛ مصحوبا بنية خالصة في عدم العودة إليه، والتخلص من الشعور بالذنب والعيش بقية عمره بهدوء بال وراحة نفسية.

وللتوبة ثلاثة شروط : الأول.. الأقلاع عن المعصية وعلامته مفارقة الذنب فورا، والثاني.. الندم على فعلها، وعلامته طول الحزن على ما فات، والثالث.. العزم على أن لا يعود إلى معصية أبدا، وعلامته التدارك لما فات وإصلاح ما يأتي.. فان فقد احد الشروط فأنه لم تصح توبته.

اما الحج فهو في المنظور الاسلامي يعد الركن الخامس من اركان الأسلام، وهو واجب مع الأستطاعة، اما العاجز فلا حج عليه، فيما يعني الحج في منظور علم النفس الأجتماعي بأنه سلوك او فعل او حدث يقوم به الفرد وينجم عنه راحة نفسية ودينية وروحية ويحقق له مكانة اجتماعية واعتبارية تتجسد بمخاطبة الآخرين له بلقب (الحاج او الحاجة).. يحصل فيها على احترام الناس ان كان سلوكه وتصرفاته تلتزم بقيم الدين، ويعيبون عليه، او يسخرون منه، ان كانت مخالفة لها.

والتساؤلات:

 هل الحج يلزم التوبة؟

الجواب: نعم.. دينيا، ولا.. عمليا

 وهل الغناء او التمثيل.. حرام؟

الجواب:

لم يرد نص ديني صريح بذلك، لكن علماء المسلمين يعدونه حراما اذا كان فيه فاحشة، وعاديا ان خلا منها، ومباركا ان كان يبتغي مرضاة الله.، فيما ترى الأغلبية الأجتماعية ليس حراما.

 وهل تقبل حجة الفنانة، الفنان.. من مال هو بمنظور الدين.. حرام؟.

الجواب: بمنظور اجتماعي.. لا تقبل، وبمنظور علماء الدين.. تختلف المواقف، لكنها تتفق اذا كانت متبوعة بتوبة نصوحة.. لأنك ان قلت لا تقبل فهذا يعني ان التوبة لا تقبل حتى لو كانت نصوحة.

 وماذا اذا عادت الفنانة ( الحاجة) تغني سافرة، والفنان يقبل هذه وتلك في ادائه لأغنية او مشهد تمثيلي؟

الجواب: لا تقبل توبته دينيا ولا اجتماعيا.

ختاما

ان الفنانة او الفنان.. حاله حال اي فرد في المجتمع في حقه ان يحج متى أراد، ولكن الأشكالية التي يتعرض لها انه عليه ان يلتزم بالقيم والاخلاق الدينية التي اشترطتها فريضة الحج. فلا يصح، او من غير اللائق، او غير المقبول ان تعود الفنانة التي ادت فريضة الحج سافرة، بل ان تبقى محجبة الى يوم تودع الدنيا، والألتزام نفسه ينطبق على الفنان.. وليس بالضرورة أن يطيل لحية.

وامران مطلوبان من الفنانين والناس.. ان لا يكون من اهداف حج الفنان الترويج لنفسه عند الناس، وان يتعامل المجتمع مع ظاهرة حج الفنانيين والفنانات على انه حق مشروع، وليس من حقه السخرية منهم الا من عاد بعد الحج كما كان قبله!

وتبقى حالة (مشابهة) نصوغها بتساؤل:

 وهل تقبل توبة الشيوعيين الذين كانوا في شبابهم ملحدين، اذا حجّوا؟

نلتقيكم معهم في موضوع قادم.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

ذكرتُ في مقال «فلسفتنا.. ردود لا فلسفة»(الاتحاد: 26 أبريل 2016)، قصة كتاب محمّد باقر الصّدر(أُعدم: 1980)، كيف صنفه رد فعل لطغيان اليسار، وكيف أنَّ مدير الأمن العام فاضل البراك(أُعدم: 1993)، زار مؤلفه كي تقوم مؤسسات الأمن العامة بإعادة طباعته، لمواجهة مد اليسار الثقافيّ، بالاتفاق مع الصدر نفسه، وطُبع الكتاب (النّعمانيّ، سنوات المحنة وأيام الحصار)، كان ذلك في بداية قيام الحزب الحاكم، بإنهاء وجود الحزب الشّيوعي العراقيّ(1977 وما بعدها).

كان راوية الخبر شاهد عيان، فهو الملازم للصدر في تلك الأيام، ثم استفسرتُ من قيادي في «الدّعوة»، وكان وكيلاً للصدر، فصادق على صحة ما رواه النُّعمانيّ. لم يبق الصَّدر ضمن حزب «الدّعوة»، إلا فترة وجيزة جداً، خرج منه بعد الوصول إلى دليل عدم صحة قيام نظام إسلامي، وفق ما جاء في سورة «الشّورى»، قبل ظهور المهدي، وبهذا لا فائدة مِن وجود تنظيم إسلاميّ، إذا لم يكن قيام دولة إسلاميَّة هدفه(أمالي السيد طالب الرِّفاعي. الحكيم، النظرية السّياسية عند الشهيد الصّدر).

كان الصّدر يُقدم الفصول التي ينجزها، محاضرات على طلبة الحوزة في جامع الهنديّ بالنّجف، «لكن طلبة الحوزة الدِّينية والحاضرين أخذوا بالانفضاض، بعد أن كانت قاعة المسجد مملوءة بالمعممين، فعاد إلى الدَّار، وأوقف تلك المحاضرات»(أمالي السيد طالب الرّفاعيّ). قبل ذلك كان العضو في حزب «الدّعوة» محمّد هادي السبيتي(أُعدم: 1988)، ينقل فصول الكتاب إلى صحيفة «الحرية» ذات التوجه القومي «البعثي»، وتنشرها باسم الصّدر(1959-1960).

عموماً، لا يرتاح الإسلاميون مِن أن يكون حراكهم ردَّ فعلٍ، فـ«الإخوان المسلمون» لم يتشكلوا إلا ردِّ فعل لإلغاء نظام السلطنة ثم الخلافة العثمانيّة(1924 انتهت رسمياً)، كي يملأوا الفراغ (1928)، وأنَّ حزب «الدّعوة» الإسلاميّ، وهو نسخة «الإخوان»الشّيعيّة، لا يريد الكوادر المتأخرة الاعتراف بالحقيقة أنَّ حزبهم تأسس(1959)، ردّ فعلٍ على قوة اليسار آنذاك، بشهادات مؤسسيه وكوادره الأوائل، وكذلك سيعترضون على القول بأنَّ كتاب فلسفتنا كان ردَّ فعل أيضاً.

بعد إعدامه ظهر اسم الصَّدر مقدساً، لا يُردّ على كتبه، ولا يُنتقد كلامه. أتذكر أحدهم، قيادي في «الدّعوة»، اعترض على الباحث جورج طرابيشيّ(ت: 2016)، وكنتُ حاضراً، لأنه لم يذكر في محاضرته- كانت عن الفلسفة الأوروبيَّة- اسم الصَّدر، وحسب المعترض: الصّدر «أذهل المناطقة الأوروبيين بفكره»، وآخر قال: ليموت الجميع بعد الصّدر، وغير هذا كثير. لذا واجهني أحدهم باستنكار عندما قلتُ هناك ردود على كتاب «فلسفتنا»، وأقصد، في حياته، قبل «التقديس»، وكان يعني لم يُخلق بعد مَن يرد على الصّدر.

أقول: لو لم يكن كتاب «فلسفتنا» مهماً للتيار الدّينيّ، في وقته، ما حاول نقضه أديب له باع في الكتابة والفكر العلميّ، الذي سنتناوله في مقال قادم، وقد تحرك الصّدر ورّد عليه. ثم صار الكتاب أيقونة عند الإسلاميين، وفي زمن الصَّحوة، فبعض الدراسات العليا أخذت تدرسه لطلابه الصحويين، بعد نزع غلافه، كذلك المحسوبون على التيار «الإخواني»، اعتبروه كتاباً عبقرياً، لكن هؤلاء لم ينظروا له ككتاب وفيه أفكار، إنما نظروا إليه شعاراً وهتافاً.

يغلب على الظَّن، لو لم يُعدم الصّدر، واعتبره النّظام السّابق متعاملاً مع نظام أجنبي، لوجد العراقيون كتاب «فلسفتنا» خلال الحملة الإيمانيَّة الكبرى(1993 وما زالت مستمرة)، على طاولات المدارس وفي الدوائر، فالكتاب ممكن اعتباره، على الرغم مِن بساطته، مِن أهم مناهج الصَّحوة الدّينيّة، فلا يجد الصحويون أفضل منه في المجال التّثقيفي، مثلما اعتقد «البعث»، لأن كاتبه رجل دين شيعي، ينفع في التأثير على الشيعة اليساريين، ففي الوقت الذي به كان العمل الإسلامي ممنوعاً، وتم إعدام كوادر مِن الدّعوة الإسلاميَّة(1974)، إلا أنَّ «فلسفتنا» كان يباع ويتداول علانية.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

بالمصادفة وحدها، ونحن نعيش أجواء القمة العربية الثالثة والثلاثين التي عقدت نهاية الأسبوع الماضي 16 مايس/ آيار2024 في المنامة، وقع بين يديَّ وأنا ارتب مكتبتي من فوضاها الخَّلاقة على عدد قديم من مجلة " المصور" المصرية، وهو عدد خاص بالجامعة العربية، صدر لمناسبة انعقاد القمة العربية الثالثة في القاهرة يوم 13 يناير/ كانون الثاني 1964، وكان علي أمين وقتها رئيساً لتحرير المجلة مع فكري اباظة، وقد كتب كلمة افتتاحية حماسية متفائلة جداً، تحت عنوان " العرب سنة 2000 "سجل فيها توقعاته للعرب "خلال الستة والثلاثين سنة القادمة، وكيف سيرى ان أحلامهم تتحقق حلماً بعد حلم" !.

عدد المصور الصادر في مارس/ آذار 1964 بعد حوالي أربعين يوماً من اختتام قمة القاهرة، سلط الأضواء على الملوك والزعماء والرؤساء العرب الذين حضروها. وأولهم الرئيس المصري جمال عبد الناصر" من قرية بني مر محافظة أسيوط ولد في سنة 1918 "، والملك الأردني حسين بن طلال " أصغر الثلاثة عشر في لقاء القمة سناً، فهو في التاسعة والعشرين من عمره"، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة " ولد في 3 أغسطس سنة 1903، وتخرج في كلية الحقوق بباريس"، والرئيس الجزائري أحمد بن بيلا " ولد في قرية مغنية أقرب القرى الجزائرية لحدود المغرب"، والرئيس السوداني إبراهيم عبود " ولد في قرية محمد كول، بالقرب من بور السودان على ساحل البحر الأحمر عام 1900"، والرئيس العراقي عبد السلام عارف " صاحب الثلاث ثورات! "، والملك السعودي سعود بن عبد العزيز" من مواليد الكويت في 15 يناير سنة 1902 "، والرئيس اليمني عبد الله السلال " من مواليد صنعاء، تخرج في ثانوية الحديدة، وأتم علومه العسكرية في كلية بغداد العسكرية عام 1934 "، والرئيس السوري أمين الحافظ " كان ضابطاً في الجيش السوري برتبة عميد أركان حرب "، وأمير الكويت عبد الله السالم الصباح " يطلقون عليه في دولة الكويت اسم الأمير العود"، والرئيس اللبناني فؤاد شهاب " ولد في نفس العام الذي ولد فيه الملك سعود، وهو عام 1902 في قرية غزير بقضاء كسروان في لبنان"، والملك الليبي ادريس السنوسي " أناب عنه ولي عهده الأمير الحسن الرضا، فإن الملك لا يستطيع السفر بالطائرة، أما طريق البر فقد قطعته السيول بعد الأمطار الغزيرة التي هطلت على ليبيا "!، وأخيراً الملك المغربي الحسن الثاني " من مواليد الرباط في 9 يوليو سنة 1929 ".

نعود إلى علي أمين وتوقعاته التي فاتت عليها ستة عقود بالتمام والكمال حتى يومنا هذا، من قمة القاهرة إلى قمة المنامة، فالرجل كان يتوقع أن يرى في السنوات القادمة سوقاً عربية مشتركة تتحكم في أسواق العالم، وأن يعم الرخاء من الخليج العربي إلى المحيط الأطلنطي، وأن يرتفع مستوى المعيشة في كل بيت، وأن تختفي الأمية من كل بلد عربي مع اختفاء كل الحواجز الجغرافية والجمركية!. ويمضي أمين في توقعاته بأن تتحول الدول العربية إلى ولايات عربية متحدة، ويتم انشاء جيش عربي واحد، وأن يعود كل لاجئ عربي إلى بيته القديم! وأن يسترد العرب فلسطين، وتبدأ في إسرائيل حركة هجرة ضخمة من اليهود الذين يأسوا من تحقيق فكرة انشاء الوطن القومي،  وتوقع أن تصبح البلاد العربية منار الحرية في العالم، فيلجأ إليها كل أحرار الدنيا. وأن تضرب الأمة العربية مثلاً في التسامح والعدالة والحرية واحترام حقوق الإنسان. ويختتم توقعاته بالقول: اننا سنرى العجب في الستة والثلاثين سنة القادمة!، فإن ما سيحققه العرب في هذه الفترة، لم يحققه شعب آخر في 360 سنة!." أتوقع أن يصدر المصور سنة 2000 عدداً خاصاً من ألف صفحة يتحدث عن الانتصارات التي حققها العرب في السياسة والفن والعلوم! ".

سامحك الله أستاذنا علي أمين، اطمئن فتوقعاتك بالحفظ والصون منذ ستين عاماً، من قمة القاهرة إلى قمة المنامة. نم قرير العين في قبرك فقد تحققت توقعاتك كلها، وأكثر!.

ملاحظة : اضطر علي أمين للخروج من مصر، بعد الحكم بالسجن عشر سنوات على شقيقه التوأم مصطفى أمين بتهمة التخابر لصالح الـ ( CIA ) بعد أقل من عام ونصف على هذه التوقعات ! .

***

د. طه جزّاع

 

في تداعيات عملية "طوفان الأقصى"

منذ أن نعت دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي السابق في إدارة بوش الإبن  ثم دونالد ترامب الرئيس الأمريكي السابق،  أوروبا ب" القارة العجوز " وهما يقصدان عدم قدرتها على الدفاع عن نفسها وعلى حاجتها إلى أمريكا في ذلك،  فإن العجز والشيخوخة تخطيا الجانب العسكري – الإستراتيجي للغرب في كليته ( أوروبا وأمريكا) ولامس الأصول القيمية التي إنبنت عليها الحضارة الغربية والتي هيمنت بها على العالم وجعلت منها نموذجا قابلا للإحتذاء والترويج. فيما يعرف بالمركزية الأوروبية  euro-centrisme  وهو ما أعطى للخلفية العقائدية لهذه الحضور اليهو-مسيحية Judéo-christianisme  التفوق الديني الذي تقاسمته الدولة – الوطنية Etat-nation  في الغرب. جاءت عملية " طوفان الأقصى " في السابع من أكتوبر 2023 لتعري زيفا تاريخيا إمتد لقرون ولتكشف قيما كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. لقد ترهلت تلك المبادئ ثم تكلست حتى أضحت أقرب للشوفينية منها إلى أي شيء آخر. يحتكرها الرجل الأبيض لنفسه دون سواه وهي في قناعة أصحابها ولاسيما أصحاب القرار منهم وبعض " مثقفيهم " تملكا مرضيا خالصا لهم ، رغم أن التاريخ الإنساني يشهد أن ما بلغته الحضارة الغربية إنما هو إرث بشري ساهمت فيه حضارات متعددة ومسارات تاريخية متنوعة منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة .( آنظر رضوان السيد ، الغرب : الصورة والهوية الحضارية وتداعيات الحرب،  صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ،  بتاريخ يوم الجمعة 01 جمادى الآخر 1445 هج/ 15 ديسمبر 2023 ) . لقد كانت عملية طوفان الأقصى بكل تداعياتها نوعا من أوجاع الإفاقة على التاريخ العاصف على حد عبارة أستاذنا توفيق بكار رحمه الله ، إنها وهي تفعل فعلها في الواقع / الحاضر تتوالى إرتداداتها لتعيد طرح  إستفهام كبير حول ما راكمه الموروث الإنساني من مفاهيم وتصورات ؟ هل هناك مفهوم واحد لل" إنسان " أم هنا إنسانات بصيغة الجمع  !!؟؟ . لقد فضحت طوفان الأقصى المفاهيم والنظريات الخلابة والمخاتلة حول الإنسان وحول قيم الحق والعدل وكشفت زيفها ودعت نخبنا الذين أصبحوا سدنة لتلك المنظومة وحراسا لمعابدها أن يراجعوا أنفسهم. لنتذكر ما حصل مع المفكر محمد أركون (1928 – 2010) عندما أثبت في أطروحة الدكتوراه " الإنسية العربية في القرن الرابع الهجري،  مسكويه مؤرخا وفيلسوفا " أن العرب والمسلمين قد عرفوا النزعة الإنسانية منذ القرن الرابع الهجري/ العاشر ميلادي وحتى قبله مع الجاحظ ثم مع التوحيدي ومسكويه أي إنهم تحدثوا عن الإنسان في معناه المطلق بقطع النظر عن دينه وعرقه وجنسه،  ثارت ثائرة المستشرقين وإحتجوا على ذلك بدعوى أن الإنسية l'Humanisme هي مفهوم غربي محض (أنظر مقالنا: " المثقف العربي والمركزية الأوروبية: محمد أركون وإدوارد سعيد نموذجين،  صحيفة المثقف،  06 كانون الأول/ ديسمبر 2023 ) يقول أركون: " يبدو طبيعيا الحديث عن إنسية إسلامية un humanisme musulman  وتحديدا في نطاق الفلاسفة ومن حذا حذوها من أصحاب العقول الحرة الذين فوضوا للعقل الإنساني مهمة رسم المراحل العقلية المؤدية إلى هذه الحقائق الكبرى المعروضة على عقيدتنا من قبل الوحي، مثلما هو الأمر في كل الإنسيات كما حددها الغرب – الإنسان هو مركز كل البحوث الفلسفية والعلمية ، نتساءل حول مصيره وأصوله ومكانته في الكون ووضعه البيولوجي والروحي وسلوكه المطابق لنزوعه الإنساني نريد من خلال هذه الدراسة بيان إنتصار هذه النزعة في القرن الرابع الهجري/ العاشر ميلاديا. " ( آنظر محمد أركون " الإنسية العربية في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي من خلال كتاب " الهوامل والشوامل " لأبي حيان التوحيدي ومسكويه " ضمن كتاب محمد أركون Essais sur la pensée islamique, ed Gallimard, Paris ,1977 pp 87-100 ترجمة رمضان بن رمضان  ،مجلة الحياة الثقافية تونس العدد 234 / أكتوبر 2012 ،ص33)   حين يقدم الكيان الصهيونى نفسه بآعتباره قاعدة متقدمة حاميا لقيم الحضارة الغربية في وجه البربرية والظلامية وهو يرتكب حرب إبادة يقصف البيوت والمربعات السكنية والمستشفيات والمدارس ويدمرها على رؤوس أصحابها ويقتل النساء والأطفال في ظل دعم لا محدود من قبل أنظمة غربية ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية التي هي الداعم الأساسي للكيان الغاصب ، هذا من شأنه أن يعري الغرب أمام شعوبه فهؤلاء الذين وصفوا حركة حماس ومن ورائها الشعب الفلسطيني بالوحوش الآدمية فهل هؤلاء هم كذلك لأنهم يخوضون حرب تحرير تبررها كل شرائع الأرض والسماء ، هل لأنهم يريدون حياة كريمة في ظل دولة حرة مستقلة ، هل لأنهم يرغبون في إسترجاع حقوقهم المسلوبة أرضهم ومقدساتهم منذ ما يزيد عن سبعة عقود يصبحون وحوشا آدمية ! لقد كذبت المقاومة الفلسطينية ممثلة خاصة في حركة حماس كل تلك الإفتراءات وأثبتت تشبعها بقيم الدين الإسلامي الحنيف وهي في جوهرها قيم إنسانية  ، تجلت في تعاملها مع الأسرى والمخطوفين في الوقت الذي كان الأسرى  - النساء والأطفال - من الفلسطينيين يلقون سوء المعاملة ويمنع أهاليهم من إظهار الفرح بتحريرهم  وقد تداولت مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مما أصاب السردية الإسرائلية في مقتل، لقد كان لذلك السلوك الذي أتته المقاومة أثره في الرأي العام الدولي ولاسيما شعوب البلدان الغربية التي أدركت أن الرواية الإسرائيلية حول فلسطين وحول شعبها  " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " وهو ما كانت تروج له الصهيونية،  رواية كاذبة ، زائفة لطالما لوثت الفكر الأوروبي الذي بدأ يتعافى من أدران الإعلام المتصهين ولوبياته التي ظلت لعقود تمارس الوصاية على الشعوب وعلى ثقافاتها.

إن عملية طوفان الأقصى هي في جوهرها حركة تحرير وطني ومن تداعياتها أنها حركة تحرر لنا ولشعوب الأرض قاطبة من صهينة الوعي القائم على لوبيات المال والإعلام التي عملت على تزييف الفهم وأتاحت للشعوب العربية والإسلامية إمكانية الإستئناف الحضاري للأمة من جديد والمساهمة مع أحرار العالم - الذين يقفون اليوم مع الحق الفلسطيني وفي وجه الغطرسة الصهيونية والأمريكية - في بناء منظومة قيم تقوم على الحق والعدل والمساواة والحرية.

***

بقلم رمضان بن رمضان : باحث في الحضارة العربية الإسلامية

بين حين وآخر، تُطلق في سماء بغداد مذنبات حارقة، وكأن «مدينة السّلام»، يعوزها سَعير الحرب. خرج مَن دعا إلى اعتبار «الغدير» عيداً، وزاد بوصفه وطنياً، بعد أنْ كان يلوم مَن دعا إليها مِن قَبل، لأنه، حسب تصريحاته، عدَّ نفسه صمام أمان العِراق، بينما اعتبار مناسبة تخص طائفة، عيداً في الدّولة تعسفاً للآخرين، بل لفريق مِن الشّيعة، مِن أهل الوئام والسّلام، الذين لا ينتصرون لمثل هذه الدَّعوة. لكن العِراقَ «ومِن عجبِ أنَّ الذين تكفلوا/ بإنقاذ أهليه هم العثراتُ»(الجواهري، الرَّجعيون 1929).

يُثار السؤال: هل احتفل عليّ بن أبي طالب بالغدير عيداً، وكان حاكماً(35-40هجرية)، وأنتم تعتبرونه «تتويجاً إلهيّاً»، وهو بحاجة لتكريسه، أكثر مِن حاجتكم، بسبب النّزاع بالبصرة(36هجرية)، وصفين(37هجرية)، ناهيك عما كان بينه و«الخوارج»، وقد أعلنوا خلعه، وكانوا رجاله؟ كما لم يذكره لا اسماً، ولا مناسبةً، في أدبه المجموع في «نهج البلاغة»، الذي تعتبرونه «أخو القرآن» (الطَّهراني، الذريعة)، ولا في القرآن نفسه. حتّى «فدك» التي تحولت إلى فضائيات للكراهية لم تكن تعنيه، «وما أصنع بفدك وغير فدك والنفسُ مظانها في غدٍ»(النهج).

كيف يكون التّتويج سياسياً إلهيَّاً، وحفيده زيد بن عليّ بن الحُسين(قُتل: 122 هجرية)، اعتبر ما أصطلح عليه بالوصية، إمامة فقه، حتَّى أتته الخلافة (ابن المرتضى، المُنية والأمل).

هذا وعليٌّ نفسه، لا يقر بسلطة إلهية، ذلك في ردَّه على شعار «لا حكم إلا لله»: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، هؤُلاَءِ يَقُولُونَ: لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر»(نفسه)، فحكم الله ليس الإمرة السِّياسية، إنما القضاء والقدر(ابن أبي الحديد، شرح النهج). أخيراً إذا كان تتويجاً إلهيّاً فيكون مِن تدبير الله، لا يمنعه أحدٌ مِن البشر! أليس هذا هو المنطق المعقول؟!

ذُكرت خطبة الوداع (10 هجرية)، عند غدير خُم، بين مكة والمدينة، ومنها: «فمَنْ كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ مَنْ والاه وعاد مَنْ عاداه»(اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي). أما الطَّبري(ت: 310هجرية) فسماها «حِجَّة الوداع» و«حِجَّة البلاغ»، وأورد فيها وضع الدِّماء التي كانت على الجاهلية، ووصية بالنِّساء، والالتزام بالأشهر الحُرم، دون ذكر الموالاة. لكنها موجودة، في كتب السُّنة والشِّيعة، والقصد منها العلم، حسب التفسير الزّيدي والصوفيّ، وتأنيب مَن تهجم على عليٍّ عندما كان باليمن، حسب المصادر الأُخر(الآلوسيّ، روح المعاني).

ليس المراد من تكريس الوئام الاجتماعي، حجب الاحتفال بهذه المناسبة أو تلك، فكثرة الأفراح تعمر الأوطان. لكن، ألا تكون سبباً لعاصفةٍ «طوى لها النَّسرُ كشحيه فلم يطرِ»! بمسألة الإمامة التي قال فيها إخوان الصفا(الرَّابع الهجري): «كثر فيها القيل والقال، وبدت بين الخائضين العداوات والبغضاء...»(الرِّسالة الأولى من الآراء والديانات).

أقول: ماذا لو استعادت الطَّائفة الأخرى، ما حدث السَّنة (389هجرية)، وأعلنت يوم «الغار» عيداً مثلما جعله أتراك الزَّمن الماضي (السلاجقة)! مواجهةً «للغدير»(ابن الأثير، الكامل في التّاريخ)، مثلما سنه عيداً صفويو الزَّمن الماضي أيضاً(البويهيون)! والطَّرفان يعرفان جيداً أنه لا شأن للغدير ولا الغار بسياسة الأمس واليوم، فإذا كان السّاسة يتبارون بالمناسبات الطّائفيّة، لم يبق غير القول: «كنا رأينا النُّور في أحلامنا/لو أطبقت جفوننا على المُقل/أظلمت الآفاق في وجوهنا/حتَى ولا بارقة مِن الأمل»(الخاقانيّ، شعراء الغري). ها وقد عدمتم، خلال العقدين والنصف الماضيين بارقة الأمل، ونشأ جيلٌ مشوهٌ باستدراج الماضي، فأخذ الشَّباب يعيشون أحداثه بحذافيرها، عبر المنابر، مفخخات العقول.

ختاماً، لو خرج عليٌّ، وشاهد ما شاهد باسمه، لخصف نعله، وكررها على ساسة اليوم، وهم يسنون «الغدير» عيداً: «والله لهي أحب إلى مِن إمرتكم، إلا أنْ أقيم حقاً، أو أدفع باطلاً»(النهج)، فأي حقٍّ أقمتم، وباطلٍ دفعتم؟!

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

بقلم : لورين ديلوناي ميلر

ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم

***

لقد تغير نهج الولايات المتحدة في التعامل مع اللجوء عبر تاريخها - العرق أولاً، ثم السياسة التي تسيطر عليها الأيديولوجية السياسية فيما بعد

في الثاني من يوليو عام 1951، دخل مندوبون من 26 دولة إلى إحدى القاعات في جنيف بسويسرا. هناك، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أمضى الرجال 23 يومًا في مناقشة كلمة كان لها، حتى ذلك الحين، تعريف عامي مشترك ولكن لم يكن لها تعريف قانوني محدد.

وقد ساعد هذا التجمع، الذي أطلق عليه رسمياً اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، في ترسيخ دور مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين المنشأة حديثاً من خلال تحديد من سيحظى بالحماية على وجه التحديد كلاجئ.

وبحلول نهاية الشهر، سيوافق 19 من المندوبين على هذا التعريف، مما يلزم بلدانهم بفهم مشترك لما يعنيه أن تكون لاجئاً. ومع ذلك، وعلى الرغم من حضورها القوي في المداولات، إلا أن الولايات المتحدة لم تكن واحدة منها. وبدلاً من ذلك، اختارت إنشاء تعريف خاص بها، وقد يستغرق الأمر عقودًا قبل أن يصبح متوافقًا مع التعريف المحدد في الاتفاقية.

لقد تغير تعريف اللاجئ في الولايات المتحدة مع المصالح الجيوسياسية للبلاد في جميع أنحاء العالم، مثل تصرفاتها المحسوبة خلال الحرب الباردة التي تشجع المنشقين وترحب بهم. وقد أثر هذا التعريف المتغير على حياة الملايين؛ إن الكلمات التي نستخدمها لوصف الأشخاص الذين غادروا ديارهم - من المهاجرين إلى اللاجئين، وطالبي اللجوء، والمفرج عنهم لأسباب إنسانية - لها عواقب قانونية مهمة بالنسبة لأولئك الذين تم تكليفهم بهم، وتؤثر بشكل كبير على كيفية النظر إليهم والترحيب بهم.

في يونيو/حزيران 2023، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن خطته لقبول 125 ألف لاجئ في البلاد في ذلك العام، وهو عدد أكبر بكثير مما تم قبوله في عام واحد منذ عقود. وفي نهاية البيان قال: "إن الترحيب باللاجئين هو جزء من هويتنا كأمريكيين - لقد تأسست أمتنا على يد أولئك الفارين من الاضطهاد الديني".

لكن هل كان المستوطنون الذين أشار إليهم بايدن لاجئين بالفعل؟ ولم يكن مثل هذا التصنيف موجودا في ذلك الوقت. وبينما ركز هو وغيره من السياسيين من قبله على المستعمرين الأوائل لأمريكا وسعيهم إلى ممارسة شعائرهم الدينية بشكل علني وحر، فإنهم غالبًا ما يهملون الإشارة إلى أن المستعمرين في بحثهم عن ملجأ، شردوا عددًا لا يحصى من الآخرين. هل أفعالهم جعلت الأمريكيين الأصليين لاجئين بالفعل؟ (الآن، في الوقت الذي أصبح فيه المشرعون من كلا الحزبين منشغلين بإحصاء عدد القادمين الجدد على وجه التحديد، يبدو من الواضح أنه لا توجد أرقام لعدد الأشخاص النازحين بسبب الاستيطان في الولايات المتحدة).

علاوة على ذلك، بالنسبة لأولئك الذين يصلون إلى القارة، فإن فكرة سيادة الدولة لا تنطبق على الأراضي التي تحتلها مجتمعات الأمريكيين الأصليين، لذلك لم يكن هناك شعور بتلقي "الملاذ" من الدولة، وهو الأساس الحديث للمعنى. سوف تتشكل هذه الأفكار ببطء مع مرور الوقت مع تشكل الولايات المتحدة، وانفصالها عن الإمبراطورية البريطانية، وبدأت في نهاية المطاف في إدارة وتتبع وتقييد تدفق المهاجرين. تم وضع أول تعريف قانوني أمريكي للاجئ مع وضع المنشقين في الاعتبار، وخاصة أولئك الذين يمكن أن يثبتوا تعرضهم للاضطهاد الشخصي من قبل الاتحاد السوفييتي. ولكن مع تغير الهجرة، تتغير أيضًا الطريقة التي يشعر بها الناس بالحاجة إلى تجميع الأشخاص المتنقلين وتحديدهم. لقد تم تحديد سياسة الهجرة الأمريكية في القرنين العشرين والحادي والعشرين على أساس الإقصاء المحسوب.

إن التعريف المقبول دولياً للاجئ اليوم يرتكز على الفهم المشترك للسيادة، والذي بموجبه يحق للدول إبقاء أشخاص معينين خارج حدودها حسب تقديرها. ويشكل اللاجئ الاستثناء من هذه القاعدة، وهي مبدأ أساسي في اتفاقية عام 1951 وهو "عدم الإعادة القسرية"، أي الحق في عدم الطرد. وبالتالي فإن تعريف اللاجئ يشكل تصنيفاً مهماً لا يخبر البلدان فقط بالأشخاص الذين ينبغي لهم أن يسمحوا بدخولهم، بل أيضاً بمن يمكنهم بدورهم استبعادهم.3917 اللاجئون

يتوجه الناس إلى جزيرة إليس لإلقاء نظرة على تمثال الحرية وهو يقف في ميناء نيويورك وسط الثلوج في 31 يناير 2017 في مدينة نيويورك. (تصوير سبنسر بلات / غيتي إيماجز)

حصر قانون التجنيس الأمريكي لعام 1790 المواطنة في الأشخاص البيض الأحرار، وهذا يعني عمليًا أولئك القادمين من أوروبا الغربية. كان هذا بمثابة بداية لسياسة الاستبعاد الرسمي. وبعد ثماني سنوات، واصل قانون الأجانب والفتنة هذا النهج من خلال سن أول قوانين الترحيل في الدولة الجديدة. ومن هنا اتخذ الاستبعاد أشكالاً مختلفة. في عام 1803، حظر الكونجرس هجرة السود الأحرار على أمل تهدئة المشاعر المناهضة للعبودية في أعقاب الثورة الهايتية، على الرغم من أن قانون التجنس لعام 1870 من شأنه أن يوسع الحق في التجنيس ليشمل "الأجانب من أصل أفريقي والأشخاص المنحدرين من أصل أفريقي". وفي عام 1882، تحركت الولايات المتحدة نحو موقف تقييدي من خلال قانون استبعاد الصينيين.

واتخذ الكونجرس إجراءات أخرى لتقييد الهجرة أيضًا، بدءًا من حظر الوافدين الجدد الأميين إلى استهداف الفوضويين والراديكاليين. لكن العرق كان بلا شك الطريقة الأكثر أهمية ووضوحًا للإقصاء. ولا شيء قد يجعل هذا الأمر أكثر وضوحا من قانون الحصص الطارئة لعام 1921 وقانون الهجرة لعام 1924، والمعروفين باسم قانون جونسون-ريد، اللذين أنشأا معا حصصا عددية للوافدين على أساس جنسيتهم. وبموجب هذا النظام الجديد، يُطلب من المهاجرين المحتملين التقدم للحصول على تأشيرات قبل أن يشقوا طريقهم إلى الولايات المتحدة.

قُدّم  نظام الحصص في قانون عام 1921 كوسيلة لدعم الهجرة من البلدان المرغوبة، وسط قلق متزايد بشأن الهجرة من شرق وجنوب أوروبا. كانت الحصص الأولية، التي كان المقصود منها أن تكون تدبيرا مؤقتا، تحدد الهجرة بحيث لا تتجاوز 3% من عدد الأفراد الذين يحملون جنسية معينة في الولايات المتحدة اعتبارا من التعداد السكاني لعام 1910. ومع ذلك، ظل مبدأ الحصص قائما. حدد قانون 1924 الهجرة بنسبة 2% من عدد كل جنسية المسجلة في تعداد 1890 حتى عام 1927، عندما أعيد حساب الحصص باستخدام تعداد 1920 وتم تحديد كل جنسية بنسبة إجمالية قدرها 150.000 نسمة. ولم يقتصر تأثير تفاصيل التشريع على الحد بشكل كبير من الهجرة الإجمالية فحسب، بل كان أيضًا يحد بشدة من دخول الأفارقة والآسيويين.

حتى هذه اللحظة، كانت القيود مبنية على البلد الأصلي للشخص، وليس على الغرض من هجرته. لم يكن هناك نظام منفصل للأشخاص الفارين من الاضطهاد - أولئك الذين نسميهم غالبًا لاجئين اليوم. فالمهاجرون كانوا مهاجرين، بغض النظر عن دوافعهم. ورغم أن كلمة لاجئ استخدمت بالتأكيد، بمعنى مماثل لما هو موجود اليوم، إلا أنها لم يكن لها أي معنى قانوني ولم تمنح أية فوائد إضافية. لكن هذا النظام أصبح موضع تساؤل خلال الحرب العالمية الثانية والسنوات التالية، عندما كانت الحكومة الفيدرالية تبحث عن وسيلة للالتفاف على الحصص لتعزيز مصالحها الجيوسياسية في الخارج. وسرعان ما ستحل الأيديولوجية محل العرق باعتباره النقطة المحددة التي تدور حولها سياسة اللاجئين.

في الفترة من 23 أكتوبر إلى 4 نوفمبر 1956، تناثرت زجاجات المولوتوف والدبابات والجثث في شوارع بودابست. لمدة 12 يوما، تمرد المجريون ضد الاتحاد السوفياتي، ولكن في النهاية تم خنقهم. وقد مات الآلاف، وبدأ عشرات الآلاف في الفرار، معظمهم سيراً على الأقدام، عبر الحدود إلى النمسا.

هناك، تم الاعتراف بالهنجاريين كلاجئين. وعلى النقيض من الولايات المتحدة، كانت النمسا طرفاً في اتفاقية عام 1951. ولكن النمساويين كانوا في حاجة إلى المساعدة. ومن خلال طلب المساعدة من الأمم المتحدة والبلدان في جميع أنحاء العالم، رأى الرئيس دوايت د. أيزنهاور الفرصة.

ولطالما ظلت الحصص قائمة، حاول الساسة والناشطون إيجاد سبل للتحايل عليها، وبالتالي تعزيز مصالحهم الجيوسياسية من خلال السماح بدخول المزيد من أنواع المهاجرين الذين يريدونهم. في عام 1940، أنشأ الرئيس فرانكلين روزفلت برنامجًا منفصلاً عن حصص الهجرة لاستيعاب 2000 لاجئ "سياسي ومثقف" من ألمانيا، على الرغم من أنه من المحتمل أن تكون إدارة روزفلت قد اختارت هؤلاء اللاجئين بعناية. كان الطلب على اللاجئين خلال الحرب العالمية الثانية هائلا، كما كان الخوف في الولايات المتحدة من أن المهاجرين قد يهددون الأمن القومي. وقد لعب السياسيون على هذا الخوف من التخريب من الداخل. وحتى روزفلت، في مؤتمر صحفي في يونيو 1940، قال: "الآن، بالطبع، يجب فحص اللاجئ لأنه، لسوء الحظ، يوجد بين اللاجئين بعض الجواسيس". وردا على ذلك، نُقلت المسؤولية عن ضوابط الهجرة من وزارة العمل إلى وزارة العدل، وزادت وزارة الخارجية من العقبات البيروقراطية أمام القادمين الجدد المحتملين.

ومع نهاية الحرب، كان عدة ملايين من الناس في جميع أنحاء أوروبا قد نزحوا. دعم الرئيس هاري إس ترومان البرنامج الذي أصبح فيما بعد قانون الأشخاص النازحين لعام 1948. لقد استمع إلى نداءات المدافعين عن اللاجئين، لكنه كان يعتقد أيضًا أن مثل هذا الفعل سيكون مفيدًا في أعقاب تدهور العلاقات مع الاتحاد السوفيتي. يذكرنا المؤرخان جيل لوشر وجون سكانلان أن عصر سياسة اللاجئين هذا تم تحديده من خلال فكرة مفادها، كما لاحظ روبرت س. ماكولوم، المتخصص في شؤون اللاجئين بوزارة الخارجية في عام 1958، أن "كل لاجئ من الفلك السوفييتي يمثل فشلاً للنظام الشيوعي". ". يعرّف لوشر وسكانلان سياسة اللاجئين هذه في فترة ما بعد الحرب بأنها "اللطف المحسوب"، وهي السياسة التي يتم من خلالها مساعدة اللاجئين فقط إذا كان ذلك مفيدًا أيضًا لأهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

على مدى السنوات الأربع التالية، وبموجب قانون الأشخاص النازحين، سمحت الولايات المتحدة بدخول أكثر من 350 ألف شخص، ووسعت تعريف اللاجئ ليشمل ليس فقط أولئك الذين يضطهدون من قبل نظام معين، ولكن أيضًا أولئك الذين نزحوا "لأسباب تتعلق بالعرق، الدين أو الجنسية أو الرأي السياسي. كتب كارل بون تيمبو في كتابه «الأميركيون عند البوابة: الولايات المتحدة واللاجئون خلال الحرب الباردة» أن هذا كان له ثمنه. في حين أن معظم الأشخاص الذين دخلوا بموجب قانون النازحين كانوا ضحايا الحرب، فقد تمكن بعض النازيين السابقين والمتعاطفين مع النازية من الدخول كلاجئين. على الرغم من أن قبولهم تم تنظيمه من قبل المخابرات الأمريكية على أمل تحويلهم إلى عملاء مناهضين للشيوعية، إلا أن المدافعين عن اللاجئين كانوا غاضبين من منح أماكن مرغوبة لهؤلاء الأشخاص.

وبينما استمر البرنامج في قبول اللاجئين حتى عام 1952، كان معارضو هذه الاستراتيجية يزدادون صخبًا. وقاد السيناتور بات ماكاران من ولاية نيفادا حملة فرض القيود، ودفع إلى تشديد إجراءات الأمن والفحص، ومهّد الطريق لمعركة أكبر حول الهجرة. وبينما كان المدافعون عن اللاجئين يأملون في إلغاء نظام الحصص، قال مكاران إن القيام بذلك من شأنه أن "يغير التركيبة العرقية والثقافية لهذه الأمة".

ولكن إذا كان هناك أي شيء يفوق نفور مكاران من المهاجرين، فهو كراهيته للشيوعية. وكتب بون تيمبو أن قانون الأمن الداخلي الذي أصدره عام 1950 "ربط بشكل واضح المهاجرين بالشيوعية وحذر من أن قبول الوافدين الجدد يدعو إلى التخريب الشيوعي والتجسس". وقال مكاران إن الحصص كانت حاسمة بالنسبة للأمن القومي.

تم تمهيد الطريق للمعركة، وفي عام 1952، تم تقديم مقترحات الهجرة الليبرالية والمحافظة. سادت تلك المقيدة .أقر مجلس النواب ومجلس الشيوخ مشروع قانون مكاران، الذي رعاه في مجلس النواب النائب فرانسيس والتر من ولاية بنسلفانيا. ولكن عندما وصلت إلى مكتب ترومان، تم نقضها بسرعة. " وقال الرئيس: "الفكرة وراء هذه السياسة التمييزية، بصراحة، هي أن الأميركيين الذين يحملون أسماء إنجليزية أو أيرلندية هم أشخاص ومواطنون أميركيون أفضل من الأميركيين الذين يحملون أسماء إيطالية أو يونانية أو بولندية". وقال إن اللاجئين الفارين من الشيوعية هم الذين يجب أن تكون لهم الأولوية على وجه التحديد. وبدون حماية إضافية للاجئين، رفض ترومان دعم مشروع القانون، لكن الكونجرس تجاوز حق النقض الذي استخدمه وأصبح التشريع قانونًا.

وعندما تولى أيزنهاور منصبه في العام التالي، استجاب لمخاوف المدافعين عن اللاجئين بشأن قانون مكاران-والتر بإصدار قانون إغاثة اللاجئين لعام 1953، والذي أعطى الولايات المتحدة أول تعريف قانوني رسمي لمن يمكن أن يكون لاجئا. سمح القانون بثلاث فئات من النازحين: اللاجئين والهاربين والمطرودين الألمان. تم تعريف اللاجئين على أنهم أولئك الذين يغادرون البلدان غير الشيوعية، والفارون هم أولئك الذين يفرون من المناطق السوفيتية أو الشيوعية في أوروبا، وكان المطرودون الألمان هم أولئك من "الأصل العرقي الألماني" الذين تم ترحيلهم من البلدان التي يسيطر عليها السوفييت. ولأول مرة، أصبح تعريف من يمكن أن يكون لاجئاً مرتبطاً قانونياً بأهداف أميركا المناهضة للشيوعية.

وقد خصص قانون إغاثة اللاجئين أكثر من 200 ألف تأشيرة، ولكن بحلول الوقت الذي اندلعت فيه الثورة المجرية، كان البرنامج قد انتهى. سُمح لأقل من 800 مجري بدخول الولايات المتحدة بموجب نظام الحصص، ولكن إذا تمكنت إدارة أيزنهاور من إيجاد طريقة للالتفاف حول الحصص، فيمكنها في الوقت نفسه تقديم المساعدة للهنجاريين المحتاجين مع إصدار بيان علني قوي ضد الاتحاد السوفيتي، من الذي كان المجريون يفرون من قبضته.

بدأت الإدارة في البحث عن أداة تشريعية أو إدارية، أي شيء من شأنه أن يسمح لها بالبدء في قبول المجريين بسرعة، وقد وجدت ذلك في مكان غير متوقع: قانون ماكاران-والتر. وكان معظم النقاش حول مشروع القانون يدور حول دعم نظام الحصص، ولم يتم إيلاء سوى القليل من الاهتمام لما أصبح يعرف باسم سلطة الإفراج المشروط. يمنح القانون الرئيس الحق في الإفراج المشروط أو السماح مؤقتًا بدخول الأشخاص إلى الولايات المتحدة طالما أن ذلك يعزز المصلحة الوطنية. وما الذي يمكن أن يكون أفضل بالنسبة للبلاد من اتخاذ موقف قوي ضد الاتحاد السوفييتي؟

وبموجب سلطة الإفراج المشروط، قبلت إدارة أيزنهاور عشرات الآلاف من اللاجئين المجريين، وفي هذه العملية، شكلت سابقة للطريقة التي سيتم بها التعامل مع قبول اللاجئين لعقود من الزمن. عندما صدر قانون الهجرة والجنسية عام 1965، تم حل نظام الحصص وظهر تعريف قانوني جديد للاجئين، وهو تعريف يمزج بين أولئك الذين يخشون الاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الرأي السياسي مع أولئك الفارين على وجه التحديد من البلدان الشيوعية - أو الشرق الأوسط. وتعرف بأنها "المنطقة الواقعة بين ليبيا من الغرب، وتركيا من الشمال، وباكستان من الشرق، والمملكة العربية السعودية وإثيوبيا من الجنوب". ولا يزال من غير الواضح سبب حدوث هذا الشمول الشامل للمنطقة. وكما هو موضح في عام 1975 في مقالة نشرتها مجلة كليفلاند ستيت لو ريفيو، فإن "التاريخ التشريعي صامت بشأن سبب الإشارة إلى هذه المنطقة من العالم باعتبارها مصدر قلق خاص". ربما، كما كتب المؤلف نيكولاس ب. كاب، كان هذا نتيجة للقلق المستمر بشأن أزمة السويس في مصر عام 1956، على الرغم من أنه من غير الواضح سبب استمرارها.

وفي عام 1967، أصدرت الأمم المتحدة بروتوكولها المتعلق بوضع اللاجئين، لتحديث اتفاقية عام 1951، وأخيراً أضافت الولايات المتحدة اسمها كدولة موقعة. وكان تعريف عام 1951، المصمم لمعالجة تأثير الحرب العالمية الثانية، ينطبق فقط على الأوروبيين الذين نزحوا قبل ذلك العام. واعترافاً بالأزمات المستمرة حول العالم، تم تعديل التعريف لرفع تلك القيود. ولكن على الرغم من التزام الولايات المتحدة بقبول اللاجئين بموجب قانون الهجرة والجنسية، إلا أنه لا تزال هناك قيود، واستمر الرؤساء في الاعتماد على سلطة الإفراج المشروط لمساعدة النازحين وتعزيز المصالح الجيوسياسية باسم مكافحة الشيوعية.

في عام 1980، بعد استخدام حقوق الإفراج المشروط لقبول عشرات الآلاف من اللاجئين من جنوب شرق آسيا في أعقاب حرب فيتنام، اعترف المشرعون على جانبي المناقشة المتعلقة بالهجرة بأن النظام يحتاج إلى تحديث. وأخيرا، اعتمدت الولايات المتحدة رسميا تعريف الأمم المتحدة للاجئ في القانون وأنشأت نظام استقبال جديدا خصيصا للاجئين. هذا التعريف، الذي لا يزال مستخدمًا حتى اليوم، يُعرّف اللاجئ بأنه شخص خارج وطنه ولا يستطيع أو لا يريد العودة بسبب "الاضطهاد أو الخوف المبرر من الاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو العضوية في فئة اجتماعية معينة أو الرأي السياسي."

لقد اختفت اللغة المناهضة للشيوعية، ولكن في الممارسة العملية، استمر اللاجئون من البلدان التي تسيطر عليها الشيوعية في السيطرة على قبول اللاجئين. ومع ذلك، مع مرور الوقت، مع انتهاء الحرب الباردة، تلاشت فكرة أن الأشخاص الفارين من الشيوعية كانوا أكثر استحقاقًا للقبول من أولئك الفارين من الأزمات الأخرى. وما ظهر كان نظاماً جديداً كان فيه بلد المنشأ أقل أهمية من الدافع. وقد ساعدت الحاجة إلى إثبات حالة المرء حتى يتم تصنيفه كلاجئ في تعزيز نظام التفكير الثنائي حول المهاجرين واللاجئين: أولئك الذين اختاروا المغادرة مقابل أولئك الذين أجبروا على ذلك. ويعتقد البعض أن التمسك بهذا الثنائي أصبح محور التركيز الأيديولوجي الجديد لنظام الهجرة في الولايات المتحدة، مدعوما بالخوف السائد في كل مكان من أن القادمين الجدد ليسوا كما يزعمون.

كما كتبت الباحثة ريبيكا هاملين في كتابها لعام 2021، "العبور: كيف نصنف الأشخاص المتنقلين ونتفاعل معهم"، "اليوم، يحتل مفهوم "اللاجئ" كشخصية متميزة عن المهاجرين الآخرين مكانًا مهمًا". وأوضحت أن مصطلح "مهاجر"، على عكس مصطلح "لاجئ"، ليس له تعريف قانوني، مما يزيد من الالتباس المتزايد حول ما يشكل الفرق بين الاثنين.

تستنكر هاملين وآخرون في مجال دراساته النقدية المتعلقة باللاجئين هذه الطريقة الثنائية في التفكير. وتشير إلى أنه على الرغم من أن كلمة لاجئ كانت تشير بشكل صارم إلى المنشقين السياسيين من الدول الشيوعية الذين كانوا مهددين بشكل مباشر وواضح في بلدهم الأصلي، فإن هذا الوضع أصبح اليوم أقل شيوعًا. يتحرك معظم الناس بسبب عدد لا يحصى من الأسباب والتأثيرات المتداخلة.

توضح هاملين أن الحصول على الوضع القانوني كلاجئ في الولايات المتحدة اليوم هو، في بعض النواحي، وضع متميز. تأتي هذه الحالة مع بعض الحقوق والحماية التي لا توفرها الحالات الأخرى، مثل حالة الحماية المؤقتة. بسبب تسييس الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، لا تزال ثنائية اللاجئين وطالبي اللجوء مقابل المهاجرين تحتل مركز الصدارة. تكتب هاملين: "لا يقتصر تصنيف المهاجرين على إضفاء الشرعية فحسب؛ بل هو أيضًا «صنع للمكانة» لأن فعل التصنيف يضفي مكانة على الأشخاص."

لكي يتم اعتبار الشخص لاجئًا من الناحية القانونية، يجب أن يتم فحصه والموافقة عليه، في أغلب الأحيان من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قبل وصوله إلى الولايات المتحدة. اللاجئون، بموجب هذا التعريف، هم الأشخاص الذين نزحوا من بلدهم الأصلي ولكنهم ما زالوا يبحثون عن الحماية وإعادة التوطين. بالنسبة للعديد من اللاجئين، فهي عملية معقدة تنطوي على مقابلات عديدة، وأوراق لا نهاية لها، وعادة ما تكون سنوات من الانتظار في مخيمات اللاجئين. إذا تمت الموافقة على طلب اللجوء الخاص بهم، فيمكنهم بعد ذلك الدخول إلى الولايات المتحدة بشكل قانوني.

ومن ناحية أخرى، فإن طالبي اللجوء هم الأشخاص الذين يعتقدون أنهم مؤهلون كلاجئين ولكن لم تتم الموافقة عليهم بعد. وكما كتبت هاملين، "يميل مؤرخو الهجرة إلى الولايات المتحدة إلى التركيز إما على اللاجئين أو المهاجرين، وكثيرًا ما تقع قصة طالبي اللجوء بين الشقوق". وبدلاً من التقدم بطلب للحصول على وضع لاجئ في الخارج، فإنهم يأتون أولاً إلى الولايات المتحدة ويقدمون طلباتهم من الداخل. وبموجب القانون الأمريكي، فإن الحق في طلب اللجوء محمي، سواء تم طلبه في ميناء الدخول أو بعد الدخول دون تفتيش. ولكن على الرغم من حقيقة أن طالبي اللجوء (المصطلح القانوني الذي يطلق على طالبي اللجوء الذين تمت الموافقة على طلباتهم) واللاجئين يحصلون على نفس الحقوق والحماية، إلا أنه لا تزال هناك تصنيفات قانونية أخرى للنازحين لم يوافق عليها.

وعلى الرغم من الحد الأقصى السنوي للاجئين الذي حدده بايدن، فإن برنامج القبول الذي تم إنشاؤه في عام 1980 لم يكن قادرًا على التعامل مع المواقف المتغيرة بسرعة. لا شيء يجعل هذا الأمر أكثر وضوحًا من استيلاء حركة طالبان على أفغانستان في عام 2021. وفرار عشرات الآلاف من الأشخاص بعد ذلك من البلاد، و جلب الكثير منهم إلى الولايات المتحدة. على السطح، كان هؤلاء الأفغان النازحون يلبيون الفهم اليومي للأميركيين لما يعنيه أن يكون لاجئا، وبالتالي كان يشار إليهم في كثير من الأحيان على هذا النحو في وسائل الإعلام، ومن قبل السياسيين، وغالبا من قبل الأفغان أنفسهم. لكن عدداً قليلاً جداً من الأفغان حصلوا على وضع اللاجئ القانوني، وكان وضعهم المشروط لأسباب إنسانية يعني أنهم يتمتعون بحماية أقل بكثير من اللاجئين.

يحق للمفرج عنهم الحصول على بعض المزايا، مثل التأمين الصحي، ويمكنهم العمل والالتحاق بالمدرسة، ولكن بدون وضع دائم. إنهم غير مؤهلين للحصول على الرسوم الدراسية داخل الولاية في العديد من الولايات أو للحصول على مساعدات مالية فيدرالية. ولا يمكنهم التقدم بطلب لم شمل الأسرة.و لعل الأمر الأكثر أهمية هو أنه يتعين عليهم أن يتحملوا عبء محاكم اللجوء المتراكمة على أمل الحصول على وضع قانوني دائم. من المفترض أن يكون الإفراج المشروط مؤقتًا، ولكن بالنسبة للأفغان الذين ما زالوا غير قادرين على العودة إلى ديارهم، فإن الحد الأقصى لوضعهم لمدة عامين جاء بسرعة مخيفة. ولم يحصل سوى عدد قليل من الأشخاص على حق اللجوء حتى الآن، في حين يعتمد عشرات الآلاف على تمديد البرنامج لمدة عامين. سيتم منحها في أوائل عام 2023. ومع ذلك، فمن غير الواضح ما إذا كان البرنامج سيستمر بعد تاريخ انتهاء الصلاحية في عام 2025. وبدون حماية دائمة، يعيش الخاضعون للمراقبة تحت سيف ديموقليس: فبوسعهم أن يتمتعوا بحماية نسبية مؤقتة، ولكن ليس من دون التعرض لخطر اختفاء هذه الحماية.

وعلى نحو مماثل، أصبحت فكرة "لاجئي المناخ" شائعة على نحو متزايد، ولكن لا يوجد في أي مكان في الخطاب القانوني الدولي أو الأميركي ما يجعل هؤلاء الفارين من الكوارث الطبيعية مؤهلين للحصول على وضع اللاجئ القانوني. بالنسبة للعديد من العلماء والناشطين والسياسيين، تعتبر هذه الأمثلة مادة للحجة القائلة بأن التعريف الحالي لكلمة لاجئ لم يعد كافيا. وتضيف هاملين أنه ربما لم يكن الأمر كذلك على الإطلاق. وتجادل بأن التعريف كان دائمًا صارمًا عن قصد، لذا فإن المناقشات حول من يجب السماح له بالدخول هي أيضًا، بالضرورة، مناقشات حول من يجب عدم السماح له بالدخول.

إن التساؤل "من يستطيع أن يكون لاجئا؟" يعني أيضا التساؤل: "من لا يستطيع؟" على الرغم من الضغوط اليوم لتصنيف القادمين الجدد إما كمهاجرين أو لاجئين، تحثنا هاملين على أن نتذكر بدلًا من ذلك أن هذا التصنيف جديد نسبيًا: ففي حين أن الناس، بطبيعة الحال، يبحثون دائمًا عن ملجأ، إلا أنهم لم يضطروا دائمًا إلى التوافق مع أحد هذه الصناديق.

ولا تحتاج البلدان اليوم إلا إلى إجراء هذا التمييز لأنها تواصل محاولة إبعاد الوافدين الجدد. مستفيدة من التهديد الدائم بالتخريب (أولاً من الشيوعية واليوم من الإرهاب)، عملت الولايات المتحدة، بل ودول في مختلف أنحاء العالم، على الحفاظ على هذه الثنائية التي تجبر النازحين على تعريف واضح لشيء معقد بطبيعته .

بينما نواجه مناخًا متغيرًا بدأ بالفعل في إجبار أعداد لا حصر لها من الأشخاص على الهجرة إلى أماكن أكثر مضيافة حول العالم، كيف سنفسر لغة الملجأ؟ إن قبول ما يسمى بلاجئي المناخ بموجب قوانين اللاجئين الدولية يعني الترحيب بقبول العديد من القادمين الجدد في وقت حيث أصبحت الهجرة محل نزاع كما كانت دائم.

في كتابه "كل من كان هنا رحل"، كتب جوناثان بليتزر أنه بينما كان المقصود من قانون اللاجئين توحيد إدارة قانون اللجوء من قبل دائرة الهجرة والجنسية، "فمن المفارقة أنه زود الحكومة أيضًا بذريعة قانونية لإصدار حالات الرفض" ". ويوضح أن العنف المعمم لم يعد كافيا، إذ يحتاج اللاجئون إلى إثبات تعرضهم للاضطهاد الفردي. ويقتبس من أحد مفوضي الوكالة شرحه لهذا الأساس المنطقي: "في الأساس، سيكون كل شخص في العالم أفضل حالًا في الولايات المتحدة".

ويبقى أن نرى كيف ستستمر الولايات المتحدة في استخدام هذه اللغة لتحديد الأشخاص المرحب بهم. ومع اقتراب الانتخابات بين المرشحين الذين لا يمكن أن تختلف مواقفهم بشأن القادمين الجدد بشكل كبير، فإن مستقبل أولئك الذين يبحثون عن اللجوء أصبح غير واضح أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من الترويج لسقف مرتفع للاجئين، يفكر بايدن في تقييد الوصول إلى اللجوء من أجل تأمين الدعم للمساعدة لأوكرانيا وإسرائيل. وتتناول هذه المفاوضات إحياء برنامج الرئيس السابق دونالد ترامب المسمى "البقاء في المكسيك"، الأمر الذي يشكك في أساس القانون الدولي للاجئين: عدم الإعادة القسرية. إذا تم تقويض هذا المفهوم القائل بأن أولئك الذين يحتاجون إلى ملجأ لا يمكن إبعادهم، فماذا سيبقى؟

تكتب هاملين: "التصريحات العامة بأن بعض الأشخاص "لاجئون" يمكن أن يكون لها معنى رمزي هائل، حتى عندما يظل الناس بالمعنى القانوني غير مصنفين. إذا تخيل الجمهور مجموعة ما على أنها لاجئون بدلاً من المهاجرين، فإن استعدادهم لاستيعاب الوافدين يتبدل". باختصار، الكلمات التي نستخدمها لوصف القادمين الجدد تشكل الطريقة التي نرحب بهم بها.

عندما فر المجريون من الاتحاد السوفييتي، أشار إليهم الأمريكيون عادة -بتحريض من الساسة ووسائل الإعلام- باسم "المقاتلين من أجل الحرية" للمساعدة في تبرير وصولهم. وبعد ما يقرب من 70 عاما، يشبه ترامب اللاجئين بالثعابين. خلال فترة رئاسته، قامت خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية بإزالة اللغة من بيان مهمتها والتي عرفت أمريكا بأنها "أمة من المهاجرين .

إذا كانت سياسة اللاجئين، حتى عام 1980، تحددها "من"، فإنها أصبحت بعد 45 عاماً تحددها "لماذا". والآن، مع تصاعد الضغوط على بايدن للتوصل إلى اتفاق بشأن الهجرة، يتم تعريف سياسة اللاجئين أيضًا من خلال "كيف". وبينما تروج إدارة بايدن لزيادة قبول اللاجئين لأولئك الذين يتقدمون عبر قنوات الأمم المتحدة خارج الولايات المتحدة، فإنها تحد أيضًا من الوصول إلى طالبي اللجوء على الحدود الجنوبية.

وكما أوضحت المراسلة نادية ريمان مؤخرًا في برنامج "هذه الحياة الأمريكية"، "بدلاً من النظر في سبب مجيئك إلى الولايات المتحدة والحكم على ذلك بناءً على مزاياه، سنقوم الآن بحظرك بسبب الطريقة التي أتيت بها إلى الولايات المتحدة". وكما أفادj ريمان، فإن قاعدة جديدة تسمى "التحايل على المسارات القانونية" تتطلب من طالبي اللجوء إثبات أنهم تقدموا بالفعل بطلب للحصول على اللجوء في بلد مروا به في طريقهم إلى الولايات المتحدة - وتم رفضهم.

ولكن ربما يكون المثال الأكثر وضوحًا على سعي إدارة بايدن للحد من اللجوء بناءً على كيفية سعي المرء للحصول عليه هو تطبيق CBP1. يمكن لطالبي اللجوء التحايل على قاعدة التحايل على المسارات القانونية إذا تقدموا بطلب من خلال التطبيق، على الرغم من أن استخدام التطبيق كان مليئًا بالتحديات. يزداد الطلب على التطبيق لدرجة أنه يتعطل بشكل متكرر، وحتى عندما يتمكن طالبو اللجوء من الحصول على موعد، فإنهم غالبًا ما يحتاجون إلى الانتظار شهورًا حتى يصل هذا التاريخ.

إن سياسات اللاجئين اليوم، وأدوات مثل تطبيق CBP1، كانت غير مفهومة بالنسبة لواضعي اتفاقية عام 1951، الذين توقعوا أن منصب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سوف يستمر لمدة ثلاث سنوات فقط. ومن المؤكد أنهم سيشعرون بالذهول إزاء وجود أكثر من 117 مليون نازح في جميع أنحاء العالم بعد مرور 73 عامًا. وكما كتب هاملين: "لم يتوقعوا الدرجة التي سيستمر بها البشر في الاختراع وإلحاق الفظائع ببعضهم البعض في العقود القادمة". ويبقى أن نرى ما إذا كانت السياسة المعاصرة قادرة على تعلم كيفية التكيف مع المتطلبات المتغيرة للجوء.

(تمت)

***

........................

المؤلفة: لورين ديلوناي ميلر/ Lauren DeLaunay Miller  كاتبة وصحفية حائزة على جوائز من كاليفورنيا. تركز تقاريرها على الصحة والبيئة والهجرة. وهي مؤلفة كتاب "وادي العمالقة: قصص من نساء في قلب تسلق يوسمايت".

 

عبد الرزاق عبد الواحد مثالا

القارئ للعلاقة بين السلطة والشاعر من بدء الدولة الأموية الى الآن يجد انها تتمحور في موقفين: اما ان تغدق على الشاعر ليكون مداحّها واذاعتها واعلامها الجماهيري، واما ان تضطهده اقتصاديا ونفسيا، وان تطلب الأمر قطعت رأسه الذي فيه لسانه.

قليل من الخلفاء والسلاطين والأمراء في امتنا تصرفوا مع الشعراء والفنانين تصرفا حكيما وانسانيا و(براغماتيا) كما تصرف الملك (فيليب) مع الفنان (فيلاسكس). فقد كان هذا الفنان مشتركا في مؤامرة ضد الملك الاسباني فيليب، فاعدم المتآمرين جميعهم الا فيلاسكس فقد جعله فنان البلاط. كان قتله سهلا كالآخرين، غير ان الملك فكّر بذكاء بأن الموهبة تكون في العادة نادرة، وأنه يمكن ان يستثمرها.. وكان له ما اراد. فلقد انتج فيلاسكس لوحات فنية رائعة خلدت الملك فيليب، والأهم انها شكلّت انعطافة جديدة في تطور الفن الاسباني، على العكس تماما من موقف سلطة فرانكو التي اعدمت شاعر اسبانيا العظيم الشاب (لوركا).. فخسرت اسبانيا والانسانية موهبة وعبقرية لا تعوّض.

وعبد الرزاق لم يفعل اكثر مما فعله شاغل الدنيا (المتنبي) الذي مدح حاكما وضيعا مغتصبا للسلطة ليوليه على امارة ولو بسعة مدينة حلب. ولما لم يستجب كافور لطلبه هجاه المتنبي بافضع ما في قاموس لسان العرب من مفردات بذيئة!. ولم يفعل اكثر مما فعل شاعرنا الخالد الهائل العظيم (الجواهري) الذي كان سكرتيرا للملك فيصل الأول ومدحه بقصائد كثيرة.. ومدح ملك المغرب وملك الاردن (يبن الملوك وللملوك رسالة.. من حقها بالحق كان رسولا).. ونوري السعيد ايضا: (أبا صباح وأنت العسكري..).. واحمد حسن البكر وصدام حسين: (نعمتم صباحا قادة البعث واسلموا... ) ثم هجاهم شرّ هجاء بعد انقلاب 14رمضان 1963:

(أمين لا تغضب وان اغرقت.. عصابة بالدم شهر الصيام،

وان غدا العيد وافراحه.. مأتما في كل بيت يقام).

ومع ذلك بقي الجواهري، صاحب الروائع الخالدات (أخي جعفرا، قف بالمعرّة، دجلة الخير.. )، والساكن في قلوب العراقيين.. والتاريخ.

ثم، ألم يكن (عبد الرزاق) افضل من شعراء (كبار) يتنفسون الآن هواء الوطن الذي حرموه منه؟.

ومن من هؤلاء الشعراء نظم قصائد وجدانية غاية في الرقة والمشاعر الانسانية الراقية كالتي نظمها عبد الرزاق؟. ومن من شعراء الاسلام، والشيعة تحديدا، نظم قصائد في (الحسين) كالتي تدفقت بها عبقريته، وهو الصابئي اصلا وفصلا؟!.

انا شخصيا (وبيننا لقاءات وجلسات سمر) اكره في عبد الرزاق عبد الواحد سلوكه، وأدين مدحه للطغاة والطغيان، واساءاته لعدد من المثقفين.. غير اننا لا نختلف بشأن عبقريته، بل نكاد نضع موهبته فوق منارة لا تقل علّوا عن منارات المتنبي والمعري والجواهري.. فلماذا ضحينا بعبقرية شاعر في عصر صار فيه ميلاد شاعر معجزة؟!

لقد تساءل الكاتب يوسف ابو الفوز في مقالة طويلة بالمدى (هل ينفع العراقيين اعتذار شاعر سلطوي: كيف سيكون اعتذار عبد الرزاق عبد الواحد، وبماذا سينفعنا ؟ وما قيمته؟)

ومع ان هذا الموقف يحمّل الشاعر مسؤولية جرائم الطاغية، الا انه مشروع، شرط ان يكون مبدأ " ينطبق على جميع الشعراء الذين امتدحوا الطاغية ونظامه. فالواقع يشير الى ان عددا من الشعراء الذين امتدحوا صدام بقصائد وصفوها ب(العصماء) وكانوا يتباهون بها امام طلبتهم.. تولوا الآن مسؤوليات ثقافية وعلمية عالية (الشاعر محمد حسين الياسين الذي لا علاقة له بالبحث العلمي)، ويحتفى بهم في اتحاد الأدباء.. ما يعني ان عبد الرزاق افضل منهم لأنه لم يتلوث برذيلة النفاق.. التي اشاعها شعراء وأدباء وفق مبدأ (عفا الله عما سلف!).. ولخاصة!!

والتساؤل لحضراتكم:

من الأفضل.. اخلاقيا.. الشاعر الذي يمدح الحاكم ولا ينافق، أم الشاعر الذي يمدحه وينافق؟

وهل كان موقفا صحيحا اننا تركنا شاعرا عبقريا يموت في الغربة، و نحرمه من رغبته في ان يدفن في وطن احبه بصدق وشفافية:

(ياعراق هنيئا لمن لا يخونك، هنيئا لمن اذ تكون طعينا يكونك،

هنيئا لمن يلفظ آخر انفاسه تتلاقى عليه جفونك).

اعرف ان بين المعنيين بشؤون الثقافة من صاروا يديرون اوجههم عن من يجهر بالحقيقة امامهم، ويتقصدون في ان لا يوجهوا له الدعوة بمؤتمراتهم ومناسباتهم الثقافية!

والأشكالية..

انهما سيبقيان جبلان لا يلتقيان!.

وهم الرابحون لمتع الدنيا.. وهو الخسران!

***

د. قاسم حسين صالح

بقلم: سوربي جوبتا

ترجمة: د. محمد عبدالحليم غنيم

***

يحمل أبهيجيت بهاتاشاريا الشهير تشابهًا صارخًا مع الرئيس الراحل الذي أطيح به بعد الاحتجاجات في عام 2011

في يناير/كانون الثاني، كان المغني الهندي أبهيجيت بهاتاشاريا ضيفًا خاصًا في إحدى حلقات برنامج "Indian Idol"، وهو البرنامج التلفزيوني الشهير لمسابقة الغناء. بهاتاشارياهو أحد مطربي التشغيل الذين يقدمون أصواتهم للممثلين في الأفلام الهندية. لقد غنى بعضًا من الأغاني الأكثر شهرة في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين في بوليوود، ويُعرف شعبيًا باسم صوت النجم شاروخان، حيث قدمه في أكثر من 30 أغنية. أولئك الذين لا يعرفون تقليد الغناء، حتى في الهند، غالبًا ما يكونون في حيرة من أمرهم لأن صوت بهاتاشاريا يناسب تمامًا شخصية خان - يبدو كما لو أن خان نفسه يغني.

نظرًا لأن موسيقى الأفلام هي العنصر السائد في موسيقى البوب في الهند، فإن مغنيي التشغيل في البلاد يتمتعون بشعبية مماثلة لتلك التي يتمتع بها نجوم البوب في الغرب. ومن ثم، ليس من غير المعتاد أن تتم دعوة مغنيي التشغيل للتحكيم في العروض الموسيقية، والتي غالبًا ما تشيد أيضًا بالمغنين والملحنين والممثلين في صناعة السينما. كان الظهور في برنامج "Indian Idol" بمثابة عمل معتاد بالنسبة لـ بهاتاشاريا ومن خلال مقاطع الفيديو الخاصة بالحلقة على وسائل التواصل الاجتماعي، انغمس المشجعون الهنود في بعض الحنين إلى الماضي حيث غنى المتسابقون بعض الأغاني التي لا تنسى للمغني المخضرم.

ومع ذلك، انتشر أحدها على نطاق واسع ودفع بهاتاشاريا إلى نوع مختلف من النجومية - داخل مصر. بالنسبة للهنود، لم يكن هذا شيئًا غير عادي. كان بهاتاشاريا يدلي بتعليقاته لأحد المتسابقين، الذي غنى إحدى أغانيه الشهيرة من فيلم خان الموسيقي الرومانسي الشهير عام 1995، ("القلوب الشجاعة ستأخذ العروس"). لكن ما لاحظه المصريون هو أن المغني الهندي كان يحمل شبها لافتا بالرئيس المصري الراحل حسني مبارك، مما جعله يثير ضجة كبيرة في البلاد.

انهالت التعليقات على مقاطع الفيديو الخاصة به عبر منصات التواصل الاجتماعي. قال واحد:  "يا رئيس مصر السابق، ماذا تفعل هناك؟" وقال آخر: "أرجو الهند أن تعيد رئيسنا، شعبك في انتظارك". وسأله ثالث: مش هتزور مصر قريب؟

لم توقف وفاة مبارك قبل أربع سنوات الحماس تجاه الرئيس السابق. وقال آخر مازحا إن الهند نجحت في استنساخ مبارك. اقترح بعض الناس أيضًا أن بهاتاشاريا له نفس الصوت وأسلوب المشي. وقال بهاتاشاريا لصحيفة نيو لاينز في مكالمة هاتفية من مومباي: "لقد امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بي بالتعليقات في الأسابيع الثلاثة الماضية". "في البداية، اعتقدت أنني أتلقى رسائل غير مرغوب فيها. وعلى الرغم من أنني لا أستطيع فهم اللغة العربية، إلا أنني غارق في الحب والاستجابة من المجتمع العربي بأكمله.

وكان نجلا مبارك، وهما من محبي لاعب كرة القدم محمد صلاح، قد اكتشفا أن المغني قد انتشر بشكل كبير في البلاد.

وقال بهاتاشاريا: "أفهم أن الناس لديهم شعور بأنه بعد وفاة الزعيم السابق، جاء إلى الهند وحلفى  إلى جسدي". "لذا فهم يعتذرون له ويريدون منه أن يعود لمساعدتهم في حل المشاكل التي تواجهها البلاد، مثل ارتفاع التضخم، وأنهم سوف يستمعون إلى كل ما يقوله".

وقد تلقى المغني دعوات من شركات السفر لتسهيل رحلته إلى مصر. وقال: "لقد دعاني أحدهم لافتتاح مطعمه الجديد".

منذ الإطاحة بمبارك في انتفاضة عام 2011 التي بشرت بحركات شعبية أخرى في جميع أنحاء المنطقة فيما أصبح يعرف باسم الربيع العربي، كان المصريون متناقضين بشأن إرثه. وعندما تمت محاكمة الرئيس المريض بعد أشهر قليلة من عزله من منصبه، تجمعت مجموعات صغيرة من المتظاهرين خارج قاعة المحكمة حاملين لافتات كتب عليها: "نحن آسفون، سيدي الرئيس".

قد تنامت هذه المشاعر على مر السنين عندما أعقب الانتفاضة حكم إسلامي وثورة شعبية 30 يونيو أتت بالرجل القوي عبد الفتاح السيسي إلى السلطة – حيث خلص الشعب منحكم الأخوان المسلمين ،وأعاد لمؤسسات الدولة هيبتها فى الداخل والخارج على الرغم من الصعوبات الاقتصادية فى الفترة الاخيرة ، خاصة بعد الحرب الروسية الاكورانية ، وهجوم إسرائيل الإجرامي على غزة .

هذه الصعوبات، كما هي الحال في بلدان أخرى في المنطقة شهدت انتفاضات سلمية وعنيفة، جعلت المصريين يتساءلون ما إذا كان من الأفضل لهم لو لم يفعلوا شيئا على الإطلاق في عام 2011. كما ساعدت في تغذية صناعة وطنية من صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الوردية التي تمجد ماضي البلاد، حتى أنها تعود إلى النظام الملكي الذي أطيح به في عام 1952.وقد أدى هذا الحنين إلى الأيام الخوالي إلى زيادة افتتان وسائل التواصل الاجتماعي المصرية بالمغني باتاتشاريا والمطالبات (شبه) المزاحية بأن تعيد الهند مبارك.

وهناك تشابه غريب بين بهاتاتشاريا ومبارك، من ملامح وجهه المربعة وجبهته البارزة إلى تسريحة شعره.

أثار التشابه سيلًا من القصص ومقاطع الفيديو القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، مما سلط الضوء بشكل خاص على تعصب بهاتاشاريا تجاه صلاح ورضاه عن المصريين الذين انتبهوا إليه فجأة، بما في ذلك الوعد بتخصيص أغنية باللغة العربية للبلاد. وكانت الردود على وسائل التواصل الاجتماعي في معظمها  تشوبها روح الدعابة. وفي حين أعرب البعض عن أسفهم لمعاناة البلاد في السنوات التي تلت الإطاحة بمبارك، أبدى آخرون ابتهاجاً بالتشابه. أطلق أحد مقاطع الفيديو على إنستغرام اسم خطاب مبارك على فيديو بهاتاشاريا، وقال أحد المعلقين مازحا: الآن بعد أن حصلت على مظهر جديد، يرجى العودة. بدونك نحن مثل الأيتام الذين يعيشون مع زوجة الأب الشريرة.

ونظرًا لشعبية بوليوود وخان في الشرق الأوسط، فهو منفتح على فكرة إقامة حفل موسيقي في مصر.

وقال المغني: "الناس يتعرفون على الأغاني لكنهم يدركون الآن من هو المغني لأننا نبقى في الغالب في الخلفية... لكن دعونا نرى ما إذا كان بإمكاني زيارة البلاد".

ولكن في العقد الماضي، مع قيام حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، بتجميع السلطة، أدت السياسة والتعبيرات المتزايدة عن القومية الراسخة إلى انقسام الناس بشكل متزايد، خاصة في صناعة السينما الهندية، التي كانت تاريخياً بوتقة تنصهر فيها جميع الأديان. والمناطق والخلفيات الثقافية. بدأ الناس يتساءلون عن التعاون بين الفنانين الباكستانيين وبوليوود في أعقاب الهجمات الإرهابية في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، أصبح الزواج بين الأديان بين الممثلين تحت المجهر العام، كما هو الحال مع حقيقة أن الممثلين المسلمين يهيمنون على الصناعة على مدى العقود الثلاثة الماضية.

في هذه البيئة السياسية شديدة الاستقطاب، أثار بهاتاشاريا في كثير من الأحيان الجدل بسبب عدم موافقته على الفنانين الباكستانيين في الصناعة والتصريحات الهجومية التي أدلى بها ضد المسلمين، الذين يشكلون، كما هو الحال في باكستان، الأغلبية الساحقة في مصر. لقد تم تعليقه بالفعل من X (في ذلك الوقت على تويتر) لإدلائه بتصريحات متحيزة ضد ناشطة هندية.المشاهير الذين اضطروا في السابق إلى الاعتماد على الصحف والمجلات لبث آرائهم، يمكنهم الآن مشاركتها مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي غالبًا ما يضعهم في مشاكل. لا يزال يتعين علينا أن نرى كيف قد يكون رد فعل المعجبين المسلمين الجدد بهاتاتشاريا عندما يكتشفون تعليقاته المثيرة للجدل.

وفي وقت كتابة هذا التقرير، أعرب المغني عن سعادته بالظهور على نطاق واسع باعتباره شبيهًا لمبارك فقط من خلال منشور على إنستغرام، حيث وضع صورته بجوار صورة مبارك والسطر الأول من أغنيته الشعبية " نحن "  عام 1994، والتي تترجم تقريبًا إلى "كلانا مختلف وفريد من نوعه." سيكون من المثير للاهتمام مشاهدة رد فعل بهاتاشاريا على شعبيته المفاجئة في مصر.

***

...............................

سوربي جوبتا/ Surbhi Gupta: سوربي جوبتا محررة جنوب آسيا في مجلة ناي لاينز.

 

يُتحفنا شمس الدين الذهبي(ت: 748 هـ) في «سير أعلام النبلاء»، ثم ابن العماد شهاب الدِّين الحنبلي(ت: 1032هـ) في «شذرات الذهب» بأسماء أشراف الدِّين وشموسه وتُقاته، عُرفوا بـ«الصَّهاينة»، مثل شرف الدِّين عبد القادر الصّهيوني، وشمس الدِّين محمد بن عبد الرَّحمن الصُّهيوني (ت: 949هـ)، وتقي الدِّين أبي بكر بن محمد الصهيوني(ت: 993هـ) وغيرهم، نسبة إلى جبل صهيون بفلسطين، لكن ما أن نسب تيودور هرتزل(ت: 1904) عقيدته إلى الجبل، صار اللقب مرفوضاً، لا يقبل مِن صاحبه، في مجتمعات ودول عديدة، حتى نُسي اسم الجبل نفسه.

كذلك على مدى التّاريخ تسمى الطائفة اليهوديّة بالعراق: الطّائفة الإسرائيليّة (الدليل العراق 1936)، لكن بعد (1948) صار هذا اللقب سلبياً، فتحول اسم الطَّائفة إلى الطائفة الموسوية، وظل هكذا(الدليل العراقي 1960).

كان السواد في العصر العباسي مقدساً، أو صار هكذا، بعد تعميمه شعاراً للثورة العباسيّة، ثم لباساً رسميّاً، في دوائر الدولة، فرضه أبو جعفر المنصور(ت: 158هجرية)- من القفطان إلى العمامة، ثم استبدلت الخضرة بالسواد، بأمر عبد الله المأمون(ت: 218هجرية)، بعد تعيين عليّ الرضا(ت: 203هجرية) ولياً للعهد، فالخضرة كانت شعار العلويين، ومازال، إلى يومنا هذا، المنتسبون للعلويين أو الهاشميين، ثيابهم تجمع بين السواد والخضرة، العمائم السُّود على رؤوسهم، والشّالات الخُضر حول رقابهم.

بيد أنَّ الخليفة المأمون، خشية مِن الانقلاب، سرعان ما عاد إلى السّواد، فاستبدل الموظفون السواد بالخضرة(الطَبريّ، تاريخ الأُمم والملوك)، ومِن المؤكد، بعد اجتياح المغول بغداد، صار السّواد يقتل صاحبه، على أنه نية لإعادة العباسيين إلى السّلطة.

أثرت السّياسة في الفقه ومسائله في الألوان، فكان الإمام أبو حنيفة النُّعمان(ت:150هـ) يعتبر صباغة الثَّوب المُغتصب بالسّواد ينقصه، لأنه يعد السَّواد نقصاناً في زمنه (الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشَّرائع). لكن بعدما أصبح المذهب الرَّسمي للدولة في زمن تلميذي النُّعمان قاضي القُضاة أبي يوسف(ت:182هـ)، وصاحب ديوان المظالم محمد بن الحسن (ت:189هـ) «اعتبرا السَّواد وسائر الألوان سواء» (نفسه).

كذلك، يغلب على الظَّن أنه لو عاش أحفاد المحدث إبراهيم بن مسيرة الطَّائفيّ (ت: 132 هـ)، والإمام أبو زكريا يحيى بن سُليم الطَّائفي (ت: 195 هـ) إلى اليوم، ما سلموا من المضايقة والمعارضة، لأنه تحول إلى «نبز»، مع أنَّه كان لقباً، نسبة إلى الطَّائف المدينة، ولا أظن النَّاس، الذَّائقين مرارة الطائفية، سيلتذون بالعنب الطائفي، مع أنه «عناقيده متراصفة الحَب» (الزَّبيديّ، تاج العروس). هذا، وقد تجد كلّ عقيدة وجماعة مَن يفتخر باسمها، إلا الطّائفيّة، تمارس بقوة، ويتبرأ الجميع مِن لفظها.

ليس أكثر مِن السّياسة الحزبيّة تلاعباً بالعقول، خصوصاً عندما تصبح بيد جماعات لا هم لهم غير تحشيد الأعوان، واجتماعهم بالألوان. ما نتذكره مِن تاريخ العراق القريب، بعد (1963) وطغيان التّيار القومي صار اللون الأحمر تهمةً، حتّى بائعي «الرقي»، امتنعوا مِن مناداتهم «أحمر شرط السكين»، ولا يُقال للطماطم حمراء، بالمقابل عند طغيان التيار اليساري الشيوعيّ، كان النّاس يتغنون باللون الأحمر.

سأختم، بفضيحة ما فعلته تلك السَّياسات بعقول النّاس، وهي واقعة وليست حديث قصاصين، كان صاحب دكان بالبصرة، بشرته تميل إلى الاحمرار، فأُتهم أنه مِن التنظيم الشّيوعيّ، بسب بعض زبائنه المنتظمين، والرجل كان بسيطاً، ليس له في حزب أو نظرية، فأخذ رجل الأمن يعذبه كي ينتزع منه اعترافاً، ولما عجز، صرخ بوجهه: «كيف أنت مو(ليس) شيوعي ووجهك أحمر جنه(كأنه) وجه خروشوف»! كان نيكيتا خورشوف حينها زعيم الاتحاد السُّوفييتي(1953-1964).

هكذا، لعبت، وما زالت تلعب، بنا الأهواء الحزبيَّة، صناعة هواة السّياسة، فكان يُحبس أو يُعدم مَن ينال صدام بكلمة، واليوم يُسجن مَن يطري اسمه، وكلتا الحالتين وفق المعاملة بشرع «الألوان والألقاب».

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

في اَذار الماضي زار العراق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ( IAEA) رافائيل غروسي، وإلتقى برئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني،وكان من بين برنامجه: تفقد موقع التويثة الملوث بالإشعاع، وزيارة مستشفى متخصص بأمراض السرطان، والوقوف على إحتياجاته ذات العلاقة بالوكالة الدولية. وهي زيارة تفقدية عادية. وقد غطى الزيارة وما دار أثناءها المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء.

أبرز ما نشر عنها ان الحكومة العراقية تسعى للحصول على موافقة الوكالة الدولية بالسماح لها بإنشاء مفاعل نووي للطاقة السلمية. وان رئيس مجلس الوزراء قد أعلن خلال استقباله للسيد غروسي: "عزم العراق على مزاولة نشاطه النووي للأغراض السلمية". ولهذا الغرض " أودع في نهاية العام الماضي لدى الوكالة الدولية متطلبات انضمامه إلى اتفاقيات الأمان النووي. وهو يتطلع للدخول مجدداً في مضمار التطبيقات السلمية للطاقة النووية ". وعبّر السوداني عن رغبة العراق أن يزاول نشاطه السلمي في مجال الطاقة الذرية. وهو يتطلع لمساعدة الوكالة الدولية في وضع البرامج والمشاريع ذات العلاقة بالتطوير في مجال التطبيقات النووية للأغراض السلمية ".

من جهته، أكد السيد غروسي اًنه " سيتم طي صفحة الماضي بشأن رغبة العراق بالاتجاه نحو الطاقة النووية السلمية، وان هذا من أولويات العمل مع العراق، والبدء بوضع خطة لتطبيق الاستخدام السلمي للطاقة في مجال الصحة المستدامة والأورام والطاقة النظيفة في العراق.."

الى هنا والحديث الرسمي العراقي دار حول رغبة العراق وتطلعه بشأن الطاقة النووية السلمية. بيد ان الغريب ان يبالغ مسؤولون عراقيون ويختلقوا أموراً لم تحصل لحد الآن.وتحدثوا وكأن المشروع قريب الإنجاز، ناسين أو متناسين المتطلبات والضمانات الأساسية التي تطلبها الوكالة الدولية لإنشاء مفاعل للطاقة النووية السلمية، والتي لن تمنح رخصة الإنشاء والتشغيل، قبل التأكد من تنفيذها.

والوكالة الدولية تؤكد ان إنشاء المفاعل وحده يستلزم 10 أعوام على الأقل.وتنبه الى إنشاء المنشأة/ المفاعل/ المحطة، ووسائل السلامة والأمان النووي لعملها وإنتاجها، وتوفير المعدات والتكنولوجيا، الى جانب الكوادر العلمية والفنية،الخ، تتطلب أموالآ طائلة لابد من أخذها بالحسبان..

في هذا الشأن نسأل: من أين ستؤمن الحكومة العراقية المبالغ المطلوبة وقد نهبت الطغمة الحاكمة ومافياتها أموال الدولة حتى وصل الحال بمؤسسات رسمية،كوزارة البيئة، إستجداء مبالغ تافهة - مليونين و 4 ملايين دولار لتمشية أعمالها  من حكومات ومؤسسات أوربية..

خلال مؤتمر صحفي مع السيد غروسي في بغداد أعلن رئيس هيئة الطاقة الذرية العراقية نعيم العبودي، أن العراق لا يريد الطاقة النووية لأغراض الحرب والسلاح، وإنما للقضايا السلمية فقط،وهذا من حقه. وذلكم يعتبر ان العراق يلتزم ببنود الاتفاقية الدولية لحظر انتشار الأسلحة النووية ،كأحد متطلبت المشروع.

وقبل هذا، تم في 22/11/2023 إنضمام العراق لـ " إتفاقية الأمان النووي"، و" الاتفاقية المشتركة بشأن أمان التصرف في الوقود المستهلك، وأمان التصرف في النفايات المشعة "، استجابة لأحد شروط موافقة الوكالة الدولية على المشروع المطروح.

المفارقة، أنه قبل إنجاز هذه الخطوة الإلزامية (إيداع صك الأنضمام) بـ 6 أسابيع، أعلن السيد العبودي: "إستحصال الموافقة الأصولية على إنشاء مفاعل نووي صفري"، ولم يوضح متى إستُحصِلت هذه الموافقة، التي لم يأت على ذكرها - حسب متابعتنا- أحد غيره ، لا قبل زيارة مدير عام الوكالة الدولية لبغداد، ولا أثناءها، ولا بعدها..

وكذا بالنسبة لتصريحه بـ " البدء بإنشاء " مفاعل ومحطات نووية صغيرة للأغراض السلمية . فهذا الكلام ليس صحيحاً، لأنه لم يبدء في العراق بعد إنشاء ما ذكره. وكلامه هذا يتعارض كلياً مع تقديم العراق للوكالة الدولية للطاقة الذرية خطته للفترة من 2023 إلى 2030، والتي تضمنت نيته إنشاء مفاعلات نووية، ومنظومات تحت الحرجة، ومحطات كهرونووية، تسمى دورة الوقود النووي.

وعدا هذا، للعبودي تصريح خطير يقر فيه بأن موقع المفاعل المرتقب ملوث بالاشعاع، وسيتم تنظيفه..سنتناوله لاحقاً..

كما ولا يستند لواقع ما ذكره بشأن المفاعل النووي الصفري أو الصغير، الذي " سيوفر مساحة علمية للتدريب وإنجاز الأبحاث التعليمية التخصصية في الجامعات العراقية، مما يسهم في تطوير قطاع البحث العلمي في البلاد"..

ويبدو ان وزير التعليم العالي والبحث العلمي والعلوم والتكنولوجيا،ورئيس هيئة الطاقة الذرية العراقية، الذي هو مهنياً لا علاقة له بعلوم الطاقة والفيزياء النووية والبحث العلمي، وان السياسة، وليست الكفاءة العلمية، جعلته يتبوء كل هذه المهمات (وهذه مفارقة أخرى)، أراد ان يوحي بان المنظومة السلطوية لطبقته السياسية المهيمنة على مقدرات العراق "مهتمة" بالتعليم والبحث العلمي والباحثين، وان عراق اليوم تحت إدارتها "مواكب" لمثل هذه التوجهات، معتقداً بأن مثل هذا الادعاء  ينطلي على المتلقين الواعين، ساعياً للتغطية على الواقع التعليمي الكارثي، وما أحدثته منظومته السياسية الفاشلة، المهيمنة على الجامعات وكلياتها، من تدمير ممنهج للتعليم ،حتى أوصلته للحضيض، ومن مسخ للعلوم والمعرفة العلمية والبحث العلمي، ومن تشويه للوسط الأكاديمي الوطني الحريص، من خلال إغراقه بـ " المجاهدين" من تجار الدين والفاسدين والفاشلين والجهلة والمتخلفين والظلاميين، وشرعنة شهاداتهم "الأكاديمية" المزورة، والمشتراة من سوق مريدي، ومن الحوزات في إيران ولبنان، وإحلال أصحابها من المحسوبين والمنسوبين محل العمداء والأساتذة والخبراء في الجامعات والكليات من ذوي الكفاءات والمعرفة والخبرة الطويلة.

هذا الواقع المخجل لن يستطيع أحد إخفاءه. مثلما لن يستطيع التغطية على غياب مناهج العراق التعليمية الحالية،على مستوى التعليم العالي والبحث العلمي، لمواكبة التوجهات الحقيقية، العلمية والتكنولوجية، المخصصة للبحوث العلمية والتعليم لصالح الطلبة والباحثين في الجامعات. وقد قضت الإدارة المتسلطة منذ عقدين على الأمكانات الفعلية التي أسهمت في تطوير قطاع البحث العلمي في البلاد.

علماً بان هذه المسألة الخطيرة ستؤثر على المشروع العراقي المطروح، إذ ان أحد المتطلبات الأساسية لمنحه الموافقة هو توفيره للقوى البشرية المالكة للإمكانات المطلوبة، مثل أن تكون مدربة جيدا ومؤهلة علمياً وتكنولوجياً وفنياً، لعمليات إنشاء وتشغيل المفاعل النووي، ولتطبيق معايير الأمان النووي، والسلامة الإشعاعية، وفق إشتراطات الوكالة الدولية. ويشمل ذلك التأهب والإستعداد للطوارئ، وإجادة الممارسة العملية للإجراءت والمعالجات الفورية المطلوبة .

وإرتباطاً بذلك، ولضمان تحقيقة، يفترض وجود جهة وطنية معتمدة، تأخذ على عاتقها مسؤولية إدارة المشروع، والسعي توفير متطلباته، ومنها القوى البشرية المطلوبة، وضمانات الأمان النووي والسلامة الإشعاعية والإستعداد للطوارئ..

في هذا الشأن، توجد في  كل بلدان العالم التي تمتلك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وبضمنها مصر والسعودية والأردن والأمارات، وغيرها، هيئة وطنية واحدة، معتمدة رسمياً، وهي متخصصة مهنياً، وكفوءة لمسؤولية إدارة المشروع، والنهوض بمهماته المرسومة.وتكون كمؤسسة حكومية تابعة لمجلس الوزراء، أو للبرلمان. ولعل الأهم هو إلتزام الدولة وسلطاتها بتوفير كافة المستلزمات المطلوبة لنجاح الهيئة، من تشريع قانوني خاص بها، ونظام داخلي لعملها، وادارة مهنية كفوءة علمياً وإدارياً، ومديريات متخصصة تابعة لأنشطتها، وكوادر وكفاءات علمية وفنية، ومعدات وتكنولوجيا حديثة، الى جانب الميزانية المطلوبة. وهي كمؤسسة وطنية مهمة لها دورها الكبير في المجتمع، وتحضى بإحترامه، وتتمتع بالدعم والإسناد الحكومي والشعبي ..على ان كل هذا لا يمنع من خضوع هذه الهيئة ، كأي مؤسسة أو جهة أخرى، للمراقبة، والمتابعة، والتقييم، والمحاسبة...

فهل ستتأسس للمشروع العراقي المطروح هيئة وطنية معتمدة واحدة، كفوءة ومؤهلة وحريصة، وتكون بعيدة عن هيمنة الأحزاب المتنفذة، وعن المحسوبية والمنسوبية؟

نطرح هذه التساؤلات المشروعة، وفي العراق حالياً توجد العديد من الهيئات الرسمية ذات العلاقة، كهيئة الوقاية من الاشعاع ، ومركز الوقاية من الاشعاع ، والهيئة الوطنية للسيطرة على المصادر المشعة، ومديرية السلامة الاشعاعية والنووية، وهيئة الطاقة الذرية العراقية، والهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبايولوجية، ودائرة الإتلاف والمعالجة، ومديرية التطبيقات النوويـــة، ومديرية النفايات المشعة.، ومركز تصفية المنشات والمواقع النووية، ومديرية السلامة الإشعاعية والنووية، الخ. ولكل واحدة منها العديد من المديريات والأقسام، ولديها مئات الموظفين، وتكلف الدولة أموال طائلة..

بالمناسبة، أغلب هذه الهيئات تعمل منذ سنوات، وليس واضحاً ما الذي جناه العراق من وجودها ومن تعددها وكثرتها.

***

د. كاظم المقدادي

"شيء من وقاحات المدنيّة وبذاءاتها"

 قد يتذكر البعض من القرّاء ممن يتابع ما جرى في القرن التاسع والقرن العشرين عند تمدد الهجرات الاستعمارية في الامريكتين  إذ ما زالت في ذاكرتي تلك الصورة لرجل وامرأة وطفلهما، من هنود السيلنام الأصليين في أمريكا اللاتينية، أثناء نقلهم عن طريق البحر للعَرض فى أوروبا فى حدائق حيوان بشرية " أؤكد بشرية " فى نهاية القرن التاسع عشر شأنهم شأن الحيوانات المتوحشة

حيث التقطت هذه الصورة سنة 1899، لكن نقل مجموعات من هنود السيلنام بدأ في سنة 1889، بإذن من الحكومة التشيلية وقتذاك لنقل أحد عشرَ شخصاً للعرض فى أوروبا

كان شعب السيلنام  المسالم، يعيش فى منطقة بتاغونيا المعزولة، بين الأرجنتين وشيلي، واكتشف الأوروبيون شعب السيلنام، من خلال نار مخيماتهم، التي كانت تظهر من بعيد .

كان عددهم صغيرا لا يزيد عن ثلاثة آلاف نسمة، حسب إحصائيات سنة 1896، وكانوا يتكلمون لغة تسمى «تشون» ويعملون بالصيد، وجمع المحاصيل، ويتمتعون بطول القامة، والقوة البدنية، والقدرة على التكيّف، وتجنبوا الاتصال أو التعامل مع المستعمرين الأسبان الذين استولوا على الكثير من مواردهم الغذائية وقتلوا الكثير من الحيوانات التي كان يتغذى عليها السيلنام، كما أقاموا مزارع خراف واسعة لأنفسهم على أراضي السيلنام .

ولم يستطع هنود السيلنام، فهمَ مسألة الملكية الخاصة التي فرضها الأسبان على مزارعهم، فكانوا يصطادون الخراف من أجل الغذاء ومواصلة العيش  ليس إلاّ، وهو الأمر الذي رآه الأسبان قطعا للطريق، فبدأوا يهاجمونهم ويرسلون إليهم العصابات المسلحة لتقتلهم، وتأتي بآذانهم ويقطعونها كدليل على القتل .3871 حديقة حيانات بشرية

وفى الربع الأخير من القرن الـتاسع عشر  تم إرسال ثلاث مجموعات من هنود منطقة بتاغونيا إلى أوروبا، حيث تم عرضهم فى حدائق الحيوان البشرية حالهم حال الحيوانات البرية والمتوحشة حينما تُعرض امام الاطفال والزائرين  في الحدائق بعد وزنهم وقياسهم وتصويرهم ؛ وكان يتم عرضهم على الجمهور من 6 إلى 8 مرات يوميًا، وكانت الرعاية الصحية سيئة، ولهذا لم يستطع بعضهم التحمّل فماتوا قبل الوصول إلى أوروبا

في العام 1919 كان عدد هنود سيلنام 297 شخصًا وبسبب التنكيل والتحقير والقتل والاستهانة وبذاءات المستعمر الاسباني  انخفض العدد إلى 25 فرداً فقط بحلول سنة  / 1945

وفي العام 1974 توفيت "أنجيلا لويج" آخر هندية من هنود سيلنام، وانقرضت لغة تشون تماما وأعدادهم كلهم ولم يبق ايّ أثر لديهم على كوكبنا .

شكرا للديمقراطية وسعة الصدر التي تملكها .

تلويحة محبة واعتزاز الى المدنية الغازية لأنها أفنت شعبا صغيرا مسالما لا عدوانيا  .

هكذا جعلناكم شعوبا وقبائل ليتمّ تصفيتهم  لا ليتعارفوا بل لينقرضوا تماما من وجه أديم الأرض .

فما حلّ ببقية الهنود الحمر في أرض اليانكي وقتذاك أهون بكثير مما حلّ بشعب سيلنام بأعداده القليلة وتمّ فناؤه وإبادته تماما على يد الرجل الأبيض حينما تتوحش.

***

جواد غلوم

 

لا شك أن هناك علاقة بين العنف والسياسة، فالعنف يعني استخدام القوة بغض النظر عن شرعية استخدامها، والسياسة هي علاقة بين حاكم ومحكوم وهي السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية وتحظى هذه السلطة بالشرعية حيث السلطة السياسية تعني القدرة على جعل المحكوم يعمل أو لا يعمل أشياء سواء أراد أو لم يرد.

 تعتبر السياسة إحدى أهم ادوات إدارة الازمات وحل المشاكل سواء على المستوى الوطني او العالمي هذا وتعتبر السياسة إحدى ادوات الوصول الى السلطة وبأي ثمن من خلال حملات التضليل والترويج لسياسة معينة او استعمال اسلوب التخويف من سياسة الخصم او العدو.

في أستراليا وقعت هذا العام عدة حوادث عنف وهناك ظاهرة العنف المنزلي او الأسري والتي ذهب ضحيتها قرابة 30 امرأة منذ بداية العام اي بمعدل امرأة كل 4 ايام وهذه الظاهرة ليست جديدة وإن ازدادت حدة هذا العام.

 الحكومة الفيدرالية الحالية ومنذ عامين كانت  قد رصدت مبلغ أكثر من 2 مليار دولار بقليل للحد من هذه الظاهرة وزادت عليهم قرابة المليار مؤخراً بعد اجتماع المجلس الوزاري الوطني الذي يضم حكومات الولايات والمقاطعات الى جانب الحكومة الفيدرالية، ولن ادخل في تفاصيل كيف صرفت او ستصرف هذه الأموال ولكن مقاربتي للمشكلة هي من الجوانب السياسية للعنف سواء الذي يصنف جرائم إرهابية او جنائية او عنف اسري.

بالنسبة للعنف الأسري كثرت الدعوات لتشكيل لجنة تحقيق ملكية عارضتها الحكومة الفيدرالية وايدتها المعارضة، وبنت الحكومة موقفها على ان  تحقيقات اللجنة تحتاج لسنوات لإعطاء توصياتها، والملفت ان المعارضة والتي حكمت البلاد منذ  عام 2013 حتى العام 2022 لم تحرك ساكناً لوضع حل جذري لهذه المشكلة الإجتماعية المزمنة.

وكانت المفاجأة التي فجرتها اليوم 5/5/2024 الوزيرة كاتي غالاغر وزيرة شؤون المرأة وزيرة المالية وزيرة الخدمات العامة على تلفزيون أي بي سي برنامج "انسايدر" عندما قالت أنه من أصل 500 وظفية خصصت لمكافحة العنف الأسري فان الحكومة لم توظف الا 30 موظفاً.

بالإضافة الى جرائم العنف الأسري وقعت في سدني في نيسان الماضي جريمتين الاولى كانت الاعتداء على المتسوقين في مجمع بونداي جانكشن التجاري والذي ذهب ضحيته 6 أشخاص معظمهم من النساء ونفذها نويل كوتشي الذي قتلته الشرطة ولم تصنف الشرطة العملية بالإرهابية وقالت ان المنفذ  كان يعاني من مشاكل نفسية.

بعد 3 أيام على جريمة بونداي وقع حادث إعتداء على رجل الدين القس مار عامانوئيل وبعض المصلين في كنيسة الراعي الصالح في منطقة ويكلي وقد اصيب بعضهم بجراح ولم يقتل أحد في هذه العملية التي صنفتها الشرطة بالإرهابية لان دوافع المهاجم عقائدية حسبما قالت الشرطة.

سببت هذه المعاملة التفضيلية قلقاً من ازدواجية المعايير لدى مجموعتين هما الناشطون في مجال العنف المنزلي وبعض مجموعات المجتمع الإسلامي، فأعرب الناشطون في مجال العنف المنزلي عن غضبهم أن الهجوم الوحشي الذي وقع في بوندي، والذي تعترف الشرطة أنه كان يستهدف النساء على وجه التحديد، لا يعتبر عملا إرهابيا. وثانيًا، بين بعض مجموعات المجتمع الإسلامي التي تشك في أن مرتكب الجريمة المسلم سيُعتبر إرهابيًا، ولن يعتبر غيرالمسلم إرهابيًا حتى لو فعل الشيء نفسه.

بالعودة الى السياسة والسياسيين والاعلام والتصدي لمشاكل العنف ففي الوقت الذي فتحت الحكومة معركة مع صاحب منصة أكس ايلون ماسك على خلفية الطلب الذي تقدمت به الحكومة من أكس بعدم بث صور الهجوم في الكنيسة والتي رفضها ماسك مع انه وافق على وقف بثها في أستراليا فقط.

فعلى الرغم من ذلك  نجد ان السياسيين الاستراليين ولأسباب سياسية يتغاضون عن دور الإعلام التقليدي في أستراليا والذي يحرض بشكل أو بآخر ضد فئات معينة، مثل طالبي اللجوء على سبيل المثال حيث يتم إلغاء الصفة الإنسانية عنهم، وكأنهم يشكلون خطراً على الأمن القومي ولأسباب سياسية بحث، وهذا التخويف والإستغلال تتشارك فيه كل من الحكومة والمعارضة وبأساليب مختلفة خدمة لاجنداتهم السياسية وهذا ما حصل بعدما اتخذت المحكمة العليا في تشرين ثاني 2023 قرارها باطلاق سراح بعض طالبي اللجوء الذين كانوا محتجزين بدون سقف زمني، ومع ان القرار صدر عن أعلى هيئة قضائية في البلاد فقد تم تقاذفه ككرة سياسية بين المعارضة والحكومة فاتهمت المعارضة الحكومة بعدم الاستعداد لاطلاق هؤلاء المحتجزين المدان بعضهم بجرائم سابقة.

وأفضل من يصف هذه الحقيقة هو سكوت موريسن رئيس الوزراء الفيدرالي السابق (أحرار) الذي يصف نفسه بالمؤمن ولم يستطع ان يتبع توصيات السيد المسيح حيث يقول: "ان العالم الذي خدمت فيه كسياسي لم يكن يفكر إلا في السلطة، كيفية اكتسابها، وكيفية التعبير عنها، وكيفية استخدامها (غالبًا ضد الآخرين)، وكيفية التمسك بها. لم يكن أمراً سهلاً أن يكون لديك نفس موقف السيد المسيح، وأعترف أنني فشلت في بعض الأحيان"

وعن جذور العنف يقول الكاتب وليد علي في مقالة له في الهيرالد 3/5/2024  بعنوان :إن تحميل جميع الرجال المسؤولية عن أقلية عنيفة فشل في الحفاظ على سلامة النساء.

يقول علي: لأن عملي الأكاديمي كان يدرس جذور العنف، حيث تحدد الأبحاث بأغلبية ساحقة عوامل مثل الإذلال والعار والشعور بالذنب كدوافع محفزة، وليس قلة الاحترام. عندما تذكر أدبيات الاحترام ، فإن الأمر لا يتعلق بعدم احترام مرتكب الجريمة للضحية: بل يتعلق الأمر أكثر بشعور مرتكب الجريمة بأن شخصًا ما لم يحترمه.

ويقارن علي بين تحميل كل الرجال المسؤولية عن العنف بين النساء وتحميل كل المسلمين المسؤولية عن الارهاب،  ويقول:"فكلما سمعت هذا الخطاب أكثر، كلما ذكّرني بان الأمر متروك للمسلمين لتحمل مشكلة الإرهاب والتعامل بجدية مع حلها. وأن على المسلمين الطيبين أن يضعوا حداً للمسلمين السيئين ، وأن المسلمين بحاجة إلى البدء في تحدي الإسلام المتطرف؛ وأن الإرهاب كان نهاية سلسلة متصلة بدأت بالخطاب المناهض لأميركا، أو بالنساء اللواتي يرتدين الحجاب. ويضيف الكاتب بأن هذه المقاربة كان لها مردود سلبي لانه أشعر المسلمين يالغربة وفي كثير من الحالات أصبحوا دفاعيين".

إن أولويات الشعب الأسترالي هي وضع حد لغلاء المعيشة وتوفير المساكن وحل مشكلة الإسكان والعنف واتخاذ المواقف المحايدة في ما يتعلق بالقضايا الخارجية وخصوصا القضية الفلسطينية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو  ما هي خطة الحكومة وخطة المعارضة لحل هذه القضايا التي تشكل هاجس لكل مواطن أسترالي؟

 وقد يكون أفضل جواب على هذا السؤال العنوان الذي عنونت به الكاتبة نيكي سافا مقالتها في صحيفة الهيرالد 2/5/2024: إن السردية السائدة عن البانيزي "الضعيف" وداتون "السيء" أصبحت راسخة .

وتعتقد سافا انه إذا استمرت الأمور على ما هي عليه فإن الأحزاب الكبرى ستتراجع شعبيتها ووتتدنى نسبة التأييد لها وتعرض الكاتبة في مقالاتها لاسباب ذلك التراجع سواء كانت الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وإداء كل من رئيس الوزراء وزعيم المعارضة.

أخيراً، برز عنصر جديد في الأشتباك بين الحكومة والمعارضة على خلفية تعديل قوانين الكفالة حيث بدأت الاتهامات تتطاير بينهما على خلفية أخر جريمتين وقعتا ضد النساء لان المنفذين خرجوا من السجن بكفالة، ولا يقتصر الامر هنا على الحكومة والمعارضة الفيدرالية  بل يتعداها الى دور حكومات الولايات والمقاطعات وما هو المطلوب منها في هذا الخصوص.

***

عباس علي مراد - سدني

 

أعاد مشهد وضع الاصفاد في يدي الأستاذة نويل ماكافي رئيسة قسم الفلسفة بجامعة إيموري في مدينة اتلانتا بولاية جورجيا، خلال التظاهرات المتصاعدة التي اندلعت في أغلب الجامعات الأميركية، إلى الأذهان تلك التظاهرات المشهودة التي قادها الفيلسوف الانكليزي برتراند راسل في ستينيات القرن الماضي احتجاجاً على الجرائم المروعة التي شهدتها حرب فيتنام. ولم يكتف بذلك إنما عمل مع الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر على تشكيل محكمة دولية " راسل – سارتر " لمحاكمة الولايات المتحدة على ممارستها الإجرامية في تلك الحرب. وقبل وفاته عام 1970 بأربع سنوات أنتهى من مسودة كتابه "جرائم الحرب في فيتنام" الذي تُرجم لاحقاً إلى اللغة العربية، وفيه تناول فظائع الحرب في فيتنام، ووحشية العالم الحر، وموجهاً من خلال صفحاته نداءً إلى الضمير الأميركي للاحتجاج على تلك الفظائع والجرائم والممارسات البشعة التي أرتكبت باسمه ضد الشعب الفيتنامي.

نويل ماكافي التي بدت في لقطة فيديو هادئة شجاعة بين يدي رجل الشرطة وهو يجرها للاعتقال، كان كل ما يشغلها أن تُعَّرِف نفسها لشخص قريب من مكان اقتيادها وتطلب منه الاتصال بمكتب كلية الفلسفة ليخبرهم أنه تم اعتقالها، إنها تواصل من دون قصد طريق راسل، طريق الفلسفة التي تأبى إلّا أن تكون مع الحرية والحق والعدالة والسلام، ومع الانسان في مواجهة آلة الحرب البشعة، ورفض كل أشكال الجرائم التي ترتكب ضد المدنيين الأبرياء، وكل أشكال العدوان على الشعوب. وبفضول الصحفي، وبمساعدة ابن أخي السينمائي زياد تركي الذي يتابع من واشنطن تلك التظاهرات بحكم عمله، حاولت التعرف أكثر على هذه المرأة التي لفتت انتباه الناس واعجابهم في كل مكان، قمتُ بالدخول إلى الموقع الإلكتروني لقسم الفلسفة بجامعة إيموري حيث تشير سيرتها الشخصية إلى أنها  حاصلة على الماجستير في السياسة العامة من جامعة ديوك 1987 وهي من أقدم الجامعات الأميركية، وعلى ماجستير ثانية في الفلسفة من جامعة ويسكونسن ماديسون العريقة 1990، وعلى الدكتوراه في الفلسفة من جامعة تكساس 1998، فضلاً عن كونها أستاذة الطب النفسي والعلوم السلوكية، ومديرة برنامج دراسات التحليل النفسي في جامعة إيموري. وتؤكد سيرتها الشخصية أيضاً على أنها منظرة نقدية تعمل وفق تقليد مدرسة فرانكفورت "وهي مدرسة فلسفية اجتماعية نقدية نشأت في جامعة غوته بمدينة فرانكفورت الألمانية"، وقامت بتأليف خمسة كتب، وكتبت أكثر من ثمانين مقالاً، وقد فاز كتابها المعنون " الخوف من الانهيار : السياسة والتحليل النفسي" بجائزة " كتاب الشجاعة من أجل الحلم " لعام 2020 من الجمعية الأميركية للتحليل النفسي، وتتركز اهتماماتها البحثية الحالية على النظرية النقدية، والتحليل النفسي، والفلسفة النسوية، والنظرية السياسية.

وبالعودة إلى برتراند راسل، فقد أعلن في مقدمة كتابه عن جرائم الحرب في فيتنام عن يقينه من " أن الأجيال الأمريكية المقبلة التي ستكون على درجة عالية من الوعي ستجد ان الجذور التاريخية ليقظة الضمير الأمريكي ترجع إلى ثورة فيتنام التي امتدت عبر ربع قرن". وقد تحققت نبوءته في العديد من المواقف التي جسدت يقظة الضمير الأمريكي، وآخرها ما فعلته الأستاذة نويل ماكافي وزملائها وطلبتهم في تظاهرات الجامعات الأمريكية المناهضة لحرب الإبادة الجماعية الصهيونية في غزة التي أيقظت " الضمير الأمريكي " بقوة هذه المرة .

***

د. طه جزاع – كاتب أكاديمي

 

النظرية المثالية الوحيدة في منظومة قيم الإعلام، التي تتأبى الخضوع لبروبغندا السياسات الموجهة، أو الملغومة، هي نظرية "الأخلاق التاريخية" و"أنسنة المعرفة الإعلامية". فما دام المثال النابض لصيرورة هذه المعرفة واستمرارها في الوعي الجماعي العالمي، يلتقي مع الفطرة البشرية السليمة، والاحتذاء بمقومات العمل والسلوك الحضاري والعمراني السليم، فإن جزءا كبيرا من نظام الشكية حتما يسقط تحت ضغط القلة، مهما كان حجم عطائها وتواصلها. إنها ديمقراطية الأقلية، التي تعدل في مسلكياتها، وتبتغي الرسوخ والتجذر في تربة المستقبل.

مناسبة هذا القول، لا تخرج عن دائرة تعاطينا مع منظومة تغطيات الإعلام الغربي لأحداث الحرب الوحشية على غزة. وأمثلة ذلك متعددة، حاصرتنا طيلة 200 مائتي يوم ونيف من القتل والتدمير والحرق والتهجير والتجويع ..إلخ، ولم يكن آخرها ثورة الجامعات الغربية في كل بلدان أوربا والولايات المتحدة الأمريكية.

 كانت لهذه الفورة الأخيرة، ردات أفعال متقدمة من قبل نخب أكاديمية وطلبة العلم وبعض مديري الجامعات والمعاهد الكبرى، وكان لذلك، أثر حاسم في إعادة تأويل أحداث غزة وتصنيفاتها في وسائل الإعلام المغيبة أو الغائبة، بفعل قوة السلطة الغربية واختياراتها الأيديولوجية والسياسية، وتأسيساتها التاريخية والوجدانية والدينية والقومية.

وقاوم الطلبة والأساتذة المحتجون المناهضون للحرب في غزة وللدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، كل التهديدات انطلاقا من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس، لتتسع رقعة الحركة الاحتجاجية والتي اندلعت بعد اعتقال أكثر من 100 شخص في جامعة كولومبيا، حيث باتت تشمل جامعات تكساس وأتلانتا وبوسطن.

وعلى مدار الأسبوعين الماضيين، اعتقل مئات من المتظاهرين من كاليفورنيا وتكساس إلى أتلانتا وبوسطن أثناء قيامهم بمحاكاة المخيمات التي استخدمها طلاب جامعة كولومبيا للفت الانتباه إلى الأزمة الإنسانية في غزة. كما هو الأمر بالنسبة لفرنسا في السوربون وإسبانيا والسويد ...

تحت عيون كاميرات الهواة ومواقع التواصل الاجتماعي، بدا الإعلام الغربي خارجا عن السياق، متخرصا لا يلوي على أثر، أصابت ديمقراطيته لوثة الكيل بمكاييل، والنظر بمهماز التحايل والمؤامرة والاستقواء؟، حيث انتقلت "الديمقراطية الإعلامية" من مجرد خرصة في أيدي مدبري "البروبجندا المعكوسة" إلى بوصلة غير شفيفة، تحيق بنظارات دركي العالم الذي ينظر لكل ما يحصل في غزة بلون واحد هو الأسود الداكن؟.

نفس أدوات الدعاية التي وصفها غوستاف لوبون في إحدى نظرياته الاجتماعية، لا تتناسب البتة مع حالات غير مناسبة من الأسلحة القيمية الهدامة، تصير الدعاية بمثابة تواطؤ وعقيدة مصطنعة، مثلما هي الأقفاص المهيأة لاستحضار أبطال في عالم موهوم بالديمقراطية، وغريب عن منطقها وتدافعها ..

قرأت مؤخرا خبرا مهما، يصلح أن يكون نموذجا لإشكالية توجيه الأخبار وتقييدها بالأحداث، على مسار سياسات الدولة الحاضنة. حيث أشرفت شبكة الأخبار “بريكينغ بوينتس” الأمريكية على موقع يوتيوب، على دعم وتمويل استطلاع، ينطلق من فكرة أن "تويتر ليس واقعا حقيقيا" أو "لا أحد يشاهد أخبار القنوات الفضائية"، ويسأل عن "من أين يحصل الناس على معظم أخبارهم".

الاستطلاع الذي شمل 1001 من البالغين الأمريكيين ، قال إن هؤلاء المستطلعون قد حصلوا على أخبارهم من القنوات التلفزيونية، وهم الأشخاص الوحيدون الذين يعتقدون أن إسرائيل لا ترتكب إبادة جماعية في غزة، وفقا لما تم رصده في مسألة "العلاقة بين المواقف تجاه الحرب وعادات استهلاك الأخبار". كما وقدم الاستطلاع أرقاما حول التوجهات التي أصبحت واضحة بشكل متزايد، وهي أن مشاهدي القنوات الإخبارية هم أكثر دعما للمجهود الحربي الإسرائيلي، وأقل احتمالا للاعتقاد بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب، وأقل اهتماما بالحرب بشكل عام.

في حين أن الأشخاص الذين يحصلون على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي أو اليوتيوب أو نشرات البودكاست، يقفون عموما إلى جانب الفلسطينيين، ويعتقدون أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب وإبادة جماعية، ويعتبرون القضية ذات أهمية كبيرة.

القراءة الأولية لمخارج هذا الرصد الاستطلاعي، يثير مسألتين هامتين، في سياق الحديث أبعاد وخلفيات تنميط الإعلام:

الأولى، استحقاقات قيم الإعلام وإوالياته المعرفية والأخلاقية، على الرغم من حدوث قطائع وارتدادات في طرق استعمال أدواته وتوظيفها.

الثانية، استئثار وسائل التواصل الاجتماعي أو اليوتيوب أو نشرات البودكاست، بواجهة المتابعة والصدقية، لدى جمهرة عريضة من المتتبعين، وهو ما يؤشر حتما على انتقال الوعي بالإعلام واتساع سلطاته الرمزية، من مجرد موقع للتشاكي والافتئات والمراوغة، إلى هوية ثقافية تتمأسس على مختلف تمفصلات المجتمع وقضاياه المختلفة. وهنا يمكن التنبيه، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، تتعلق بعلم الاجتماع وعلم النفس أكثر من تعلقها بالتقنية والتكنولوجيا (بريان سوليس).

***

د. مصـطَـــفَى غَـــلْمَــان

كتب:

ESKANDAR SADEGHI- BOROUJERDI

ترجمة: علي حمدان

**

في السابع عشر من فبراير من عام،1979 فقط بعد ستة أيام من انتصار الثورة الإيرانية، قام ياسر عرفات بزيارة غير مجدولة الى طهران حيث قام بمخاطبة جمهور من المبتهجين والمعجبين.  " باسم الثوار والمناضلين الفلسطينين اعاهدكم  باننا بقيادة الامام الأكبر الامام الخميني سوف نحرر فلسطين معا اننا نخوض نفس النضال، نفس الثورة، كلنا مسلمون، كلنا ثوريون مسلمون". مع كاميرات الاخبار كانت مركزة عليه، عرفات دخل السفارة الإسرائيلية في طهران حيث تم نصب العلم الفلسطيني من بلكونتها امام جمهور واسع الذي اخذ يهتف عرفات، خميني، والحرية لفلسطين. ترددت أصداء هذه اللقطات في جميع انحاء العالم العربي. للحظة، بدا ان ايران تفتتح حقبة جديدة من الثورة المناهضة للاستعمار، حيث سيكون تحرير فلسطين في المقدمة والمركز. من الصعب اليوم فهم النهج الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية تجاه الدولة الإسرائيلية وحملتها القاتلة في غزة دون العودة الى تلك الفترة.

يمكن ارجاع هذه العلاقات التي تربط بين المسلحين الفلسطينيين والإيرانيين الى أوائل الخمسينات من القرن الماضي. ومع ذلك، لم يكن الامر حتى نهاية الستينات، حيث بدا الثوار المرتبطون بما سيصبح في النهاية بالفصيل الماركسي اللنيني فدائي خلق، ومجاهدي خلق بالإضافة الى ضباط المستقبل في الحرس الثوري الإسلامي بالسفر الى مخيمات الفلسطينيين في لبنان للحصول على التدريب في فنون حرب العصابات. وفي عام 1970، قامت مجموعة أخرى من الشباب الإيراني المثالي، والتي أصبحت فيما بعد تعرف باسم مجموعة فلسطين، قامت بالتدرب في المعسكرات الفلسطينية بهدف شن حرب تحرير وطنية في بلادهم. في نهاية المطاف تم القبض عليهم من قبل جهاز السافاك، جهاز امن الشاه المخيف، وتم تقديمهم امام محكمة عسكرية. حيث جلبت لهم قضيتهم شهرة دولية وصلت الى صفحات مجلة الأزمنة الحديثة والهمت جيل من الناشطين الذين اطاحوا بالنظام في نهاية العقد.

كانت قضية تحرير فلسطين مكونا أساسيا في الحركات السياسية والفكرية، بدءا من الماركسية اللينينية ووصولا الى الإسلاميين والشعبويين الدينيين والتي شكلت العملية الثورية  في ايران خلال فترة السبعينات الطويلة. لقد رات الجماهير الفلسطينية والايرانية نفسها انها تواجه عدو مشترك ليس فقط لان الشاه و اسرائيل مدعومتان  من قبل الولايات المتحدة : كان ينظر الى الموساد على نطاق واسع على انه دعم ودرب السافاك، مما جعله مسؤولا بشكل غير مباشر عن استشهاد عدد لا يحصى من الثوار الإيرانيين. وبعد. مرور أربعة عقود، لاتزال اثار هذا الإرث واضحة. تواصل ايران الاحتفال بيوم القدس، وهو مناسبة سنوية" للضعفاء والمضطهدين في مواجهة قوى الاستكبار، والعديد من شوارع طهران وساحاتها ودور السينما تحمل اسم فلسطين، ممثلة رمزا للتضامن العالم الثالثي والإسلامي. "الموت للاسرائيل" من الصيحات الرسمية التي تطلق بعد صلاة الجمعة، ولا يزال اية الله علي خامنئي يتشح بالكوفية اثناء ظهوره العلني. ومع ذلك فقد تغير الكثير منذ فبراير 1979.  لقد مرت أيام الحماسة الثورية والاحتمالية، واصبح عالم الحياة التاريخي هذا ظلا لما كان عليه في السابق.

ولم يستمر ذلك بعد الحرب مع العراق من عام 1980 حتى عام 1988، حيث بدا ان حركة المقاومة العالمية الإيرانية العابرة للحدود الوطنية والمناهضة للاستعمار قد تحولت تدريجيا وبشكل غير متساو- الى مشروع دولة إسلامية مجردة من التعددية الايديولوجية التي ميزت العقود السابقة. وكان هناك عدد من الأسباب لهذا التحول: توسع الوجود  البحري الأمريكي في الخليج الفارسي والذي بدا في عهد كارتر وتكثف في عهد ريغان، العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحظر الأسلحة، والدعم الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري والاستخباراتي الذي قدمه الغرب لصدام حسين، بالإضافة الى محاولات الجمهورية الإسلامية احتكار العنف، وهو ما يستلزم قمعا شديدا ضد المعارضة الداخلية. وقد أدى كل هذا الي خلق دولة كانت معزولة دوليا ومحاصرة حقا. فضلا عن كونها عرضة لنوبات من جنون العظمة والاستبداد الشديد باسم الامن القومي. لقد الحقت الحرب بين ايران والعراق اضرارا جسيمة على الطرفين ووصلت الى حدد التنديد الخسيس عندما أدى اعلان النصر مثل " تحرير القدس يمر عبر كربلاء" مما أدى على مضض بقبول قرار مجلس الامن رقم 598.

لقد تعلم الإيرانيون من الصراع ان تصدير الثورة تحت رعايتهم من شانه ان يدفع اعدائهم الكثرين الى توحيد صفوفهم، ولم تتمكن الدولة من ضمان امنها من خلال الوسائل العسكرية التقليدية وحدها. وسوف تحتاج بالضرورة الى اتباع استراتيجية غير متماثلة، وهي العملية التي بدأت بالفعل خلال الثمانينات. حيث تعرضت الجمهورية الإسلامية لعقوبات وحصار شديدين، ولم تكن لديها الرغبة او القدرة على شراء طائرات مقاتلة من طراز F-14 Tomcat من راعيها الامبراطوري السابق. وبدأت في ضخ الموارد في برنامج الصواريخ الباليستيه وغيره من القدرات غير المتماثلة. وكان الجزء الأكبر أهمية في هذه الاستراتيجية، والذي نشأ من جدلية الثورة والحرب وتعزيز الجبهة الداخلية والتطويق الامبريالي، هو تنمية العلاقات العضوية العميقة مع الجماعات السياسية والعناصر الشعبية التي تسعى الى مقاومة الهيمنة الامريكية والإسرائيلية.

وكان من بينها حزب الله الذي اصبح الان اقوى قوة شبه عسكرية غير حكومية في العالم، والذي ظهر بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما استجابت الجمهورية الإسلامية وحرسها الثوري لدعوة الناشطين والمسلحين على الأرض للحصول على الدعم. بعد عقدين من الزمن، سمح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق والاطاحة بصدام حسين بالتسلل الى البلاد، وإقامة علاقات مع الجماعات السياسية المتحالفة والتي كانت ترغب في خروج القوات العسكرية الغربية من البلاد. وقد تم تعزيز هذه العملية في عام 2014 عندما هزم تنظيم الدولة الإسلامية الجيش العراقي في الموصل، مما أدى الى تشكيل وحدات الحشد الشعبي بناء على طلب من اية الله العظمى علي السيستاني، والتي استمدت الدعم من ايران في القتال ضد المتمردين. وهكذا تبلور "محور المقاومة": من خلال سلسلة من التحالفات الطارئة، والتي غالبا ما تمكنها من خلال التوسع الامبراطوري والمعارضة التي تثيرها حتما. لقد اثبت جهاز الدولة الإيراني مهارة ملحوظة في استغلال الفراغ السياسي والامني للعمل مع الجهات الفاعلة التي تشترك في مجموعة من الأهداف كما يتضح من برقيات ايران التي نشرتها انترسبت:

"ايران او بشكل اكثر تحديدا فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني لا" يسيطر" ببساطة على هذه القوى الأجنبية، على الرغم مما تقوله وسائل الاعلام الغربية، ويختلف مدى تأثيرها تبعا للسياق والمنظمة المعنية. وعلاقتها بحزب الله تختلف اختلافا عميقا عن علاقتها بأنصار الله في اليمن او كتائب سيد الشهداء في العراق، كما ان علاقتها بحماس اكثر تعقيدا. (ايد كل طرف أطرافا متنازعة مختلفة في الحرب الاهلية السورية مما وضع ضغوطا  شديدة على علاقتهم). فلهذه الجماعات دوافعها الخاصة لمقاومة الاختراق الامبريالي الأمريكي او الاحتلال الإسرائيلي او الهيمنة السعودية. انهم بعيدون كل البعد عن كونهم وكلاء لطهران".

وتتضمن رؤية المرشد الأعلى للشرق الأوسط، والتي تم تكليف الحرس الثوري الإيراني بتحقيقها: انهاء الوجود العسكري الأمريكي وتفكيك الحامية الاستعمارية الاستيطانية في إسرائيل. ويشكل الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه ايران لحلفائها جزءا أساسيا من هذه الاستراتيجية، ومع ذلك يتعين على الجمهورية الإسلامية ان تسير على خط رفيع بين تحقيق هذه الأهداف السياسية وتجنب حرب إقليمية مستنزفة يكاد يكون من المؤكد ان تلعب الولايات المتحدة دورا قياديا فيها. وهذا بتطلب نهجا عقلانيا وبرجماتيا. ويعنى ذلك الحفاظ على العمق الاستراتيجي مع حلفاء ايران في الخارج مع تجنب ردود فعل معاكسة في الداخل. ان هذا النهج يلقى قبولا لدى البعض في هذه البلدان الأجنبية ويثير استياء شديدا لدى الاخرين.

حتى الان ما يسمى" حرب الظل" بين ايران وإسرائيل مستمرة منذ عقود، ويتم شنها غالبا بوسائل غير مباشرة. قبل ثورة 1979 كان بين البلدين تاريخ طويل من التعاون الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي، وبعد ذلك، ظلت إسرائيل تأمل في ان تتمكن من اصلاح العلاقات مع حليفتها السابقة كجزء من عقيدة " بن جوريون الطرفية"، والتي تهدف الى إقامة علاقات استراتيجية مع دول غير عربية تحيط بالعالم العربي كإيران وتركيا واثيوبيا. بعد اتفاق أوسلو، تبنى السياسيون الإسرائيليون، من شمعون بيريز الى بنيامين نتنياهو، على تحو متزايد خطاب الفوبيا من ايران وسط ذعر أخلاقي بشان نفوذها المتزايد. ومنذ ذلك الحين، بذلت قصارى جهدها لتأجيج هستيريا بشأن ايران لتبرير مشروعها المستمر للاحتلال العسكري والاستيطان الاستعماري. يمكن للمرء القول بان لو لم تكن ايران موجودة لإخترعتها إسرائيل كتهديد مفيد سياسيا. هذا لا ينفى ان الجمهورية الإسلامية تشكل مشكلة حقيقية للنظام الإسرائيلي التوسعي الذي يسعى الى الهيمنة الإقليمية. ولكن الساسة الإسرائيليون الخبثاء، واكثرهم نتنياهو، يستغلون هذه الحجة ويبالغون فيها بشكل روتيني لتحقيق أهدافهم في الداخل وفي الأراضي المحتلة.

العلاقة بين ايران وإسرائيل  هي علاقة يتمسك فيها الجانبان بقوانين اللعبة غير المكتوبة. وتمثلت طريقة عمل إسرائيل في اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، وافراد من الحرس الثوري الإيراني وحلفائه، وتخريب المنشأت النووية واهداف صناعية اخرى، وشن هجمات بطائرات بدون طيار على مواقع عسكرية متنوعة، وشن غارات جوية ضد اهداف مزعومة تابعة للحرس الثوري الإيراني في سوريا. ومن جانبها، واصلت ايران دعم حلفائها على طول الحدود الإسرائيلية، على امل ردعها عن مهاجمة الدول المجاورة وتأكل عزمها علي مواصلة مشروعها الاستعماري في فلسطين.

وفي الأشهر الستة التي تلت طوفان الأقصى، كانت تصرفات ايران متسقة مع هذه العقيدة الأمنية. مباشرة بعد الهجوم اكد خامنئي ان ايران لم يكن لديها علم مسبق به ولا يد لها في التخطيط له. " بالطبع نحن ندافع عن فلسطين والنضال الفلسطيني...لكن من يقول ان عمل الفلسطينيين نابع من قوى غير فلسطينية لا يعرفون الامة الفلسطينية ويقللون من شأنها. وهنا مكمن الخطأ، وقد اخطأوا في حساباتهم". أدت هذه المداخلة العلنية النادرة الى رغبته في تجنب محاولة الدولة الإسرائيلية تحميل ايران المسؤولية وبالتالي اشعال حرب أوسع نطاقا. وكانت القيادة الإيرانية وحزب الله حذرين من الوقوع في هذا الفخ. الامر الذي قد يصرف الانتباه عن الكارثة التي حلت بغزة، ويجرهم الى مواجهة مع الولايات المتحدة. وبدلا من ذلك فانهم يمارسون سياسة أطول نفسا بكثير: الحفاظ على توازن الردع مع إسرائيل، مع الامتناع عن القيام بأي عمل يمكن ان يسبب حربا إقليمية.

ان ضبط النفس في ايران يتحدد جزئيا بوضعها السياسي الداخلي، الذي لا يرال هشا وتسوده التناقضات. لقد نشأ شعور واسع النطاق بالقلق، وسط انخفاض مستوى المعيشة، وفضائح الفساد ونوبات من القمع الوحشي ضد الاضطرابات الاجتماعية- وهو ما ظهر بشكل دراماتيكي خلال الانتفاضة التي قادتها النساء في خريف 2022. وتعانى البلاد من الجمود السياسي مع عدم اليقين بشأن خليفة خامنئي، مما يغذي الاقتتال الداخلي بين النخب المتنافسة. بالنسبة للعديد من الإيرانيين، يبدوا ان التهديد الأمني الأكثر خطورة يأتي من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية داخل حدود البلاد، وليس خارجها. ونظرا لعدم الاستقرار هذا، كان هناك جدل عام مكثف حول تكاليف الدخول في صراع مع القوى الامبريالية، وما اذا كانت البلاد قادرة على تحمل تكاليف ذلك الصراع. صحيح أيضا ان الشعب الإيراني يشاهد برعب جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين، الا ان محاولة الدولة لتحويل معاداة الصهيونية الى عنصر من هويتها الإسلامية قد أدت الى استياء كبير لدى بعض شرائح المجتمع، وربما يكون ذلك اكثر وضوحا لدى جيل الشباب الغاضبين من السياسات الثقافية المتزمتة وأجهزة الرقابة الدينية والاجتماعية.

ومع ذلك، كانت إسرائيل تختبر مدى تردد ايران في الانخراط في اعمال عدائية مباشرة. وكان هجومها الجوي الأخير على المجمع الدبلوماسي الإيراني في دمشق، والذي اسفر عن مقتل العديد من كبار قادة فيلق القدس وانتهاك الأعراف الدبلوماسية الأساسية هو نوع من التصعيد الذي لا تستطيع طهران السكوت عليه، كما كان الحال مع اغتيال قاسم سليماني في يناير عام 2020. كان لابد لها من اتباع عقيدة الردع. اطلقت القيادة عملية الوعد الصادق في 14 ابريل مما أدى الى اول عملية عسكرية إيرانية من أراضيها على إسرائيل: هجوم سرب معقد ومتعدد بما في ذلك  ثلاثمائة مسيرة منتجه محليا وصواريخ باليستية وصواريخ كروز، والتي اظهرتها وسائل الاعلام الحكومية وهي تحلق فوق كربلاء في العراق والمسجد الاقًصى في القدس. وقد أعطت ايران تحذيرا مسبقا عن العملية للدول المجاورة والأميركيين. وبدعم من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا والأردن، زعمت السلطات الإسرائيلية انها اسقطت 99 ٪ من جميع المقذوفات القادمة، على الرغم من هذا الرقم تم خفضه لاحقا.

ولحسن الحظ، كان لهذه المواجهة غير المسبوقة " مخرج" لجميع الأطراف المعنية. لم يقتل أي مواطن إسرائيلي واحد في الهجوم، مما قلل الحاجة الى انتقام كبير من تل-ابيب، ومع ذلك ظلت الجمهورية الإسلامية قادرة على الادعاء، بانها اعادت التأكيد على خطوطها الحمراء، واستعادت قوة الردع. وقبل ان تنتهي العملية، أعلنت بعثة ايران لدى الأمم المتحدة ان " المسألة يمكن اعتباراها منتهية". وقال قائد القوات الإيرانية اللواء محمد باقري، ان " العمليات انتهت ولا نية لدينا لاستمرارها". ومع ذلك، اصر أيضا على انه اذا قررت إسرائيل الرد فان ايران ستشن هجوما اكبر بكثير دون إعطاء انذار مسبق".

في حين ان الهجوم الإيراني كان يهدف في المقام الأول الى إعادة تأكيد خطوط الاشتباك السابقة، فان حقيقة ان حوالي تسعة من اصل ثلاثين صاروخا باليستيا (الأرقام الدقيقة لا تزال موضع خلاف) كانت قادرة علي اختراق دفاعات القبة الحديدية الإسرائيلية وتحقيق ضربات مباشرة على قاعدتين عسكريتين، بما في ذلك ومن المؤكد قاعدة نيفاتيم الجوية- وهي نفس القاعدة التي انطلق منها الهجوم على القنصلية في دمشق- سوف يؤثر على حسابات القيادة الإسرائيلية في المستقبل.  لا يزال مدى الضربة الإسرائيلية المضادة في 19 ابريل بالقرب من مدينة أصفهان غير واضح،  ولكن من الواضح انها كانت محسوبة لتجنب اثارة المزيد من الانتقام من جانب ايران. ورغم  تبادل الهجمات الأخيرة فانه من غير المرجح ان تؤدي الى حرب شاملة، الا ان ذلك سلط الضوء على ضعف إسرائيل في لحظة سياسية حاسمة.

وكما أظهرت عملية طوفان الأقصى حماقة تجاهل المحنة المستمرة التي يعيشها ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحصار والاحتلال ونظام الفصل العنصري، فان عملية الوعد الصادق قد شكلت سابقة جديدة، تجاهلها من قبل إسرائيل وحلفاؤها الغربيين سوف تكون له مخاطر كبيرة. وقد أظهرت ايران انها بالفعل مستعدة للانتقام من أراضيها اذا قررت إسرائيل تصعيد القتال بشكل متهور وقلب قواعد الاشتباك الراسخة. والسؤال هو ما اذا كانت الدولة الإسرائيلية ستتعلم الدرس وتتراجع عن سياسة حافة الهاوية. رغم ان "بايدن" رفض في هذه الحالة دعم رد قوي من إسرائيل، فقد لا يكون الامر كذلك في المستقبل او في ظل إدارة مستقبلية. ما دامت إسرائيل مستمرة في حربها الشاملة على الفلسطينيين، فان شبح الصراع الإقليمي يظل احتمالا حقيقيا.

***

نيولفت ريفيو. 25  ابريل 2024.

تألف مجموعة الدول الصناعية الكبرى عام 1978 من كل من كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان. ثم انضمت روسيا إلى اجتماعات رؤساء الدول (مجموعة الثمانية)، دون أن تشاركهم اجتماعات وزراء المالية . سرعان ما أظهرت هذه المجموعة أن التحديات الاقتصادية الكبرى بحاجة إلى تعاون قوى صاعدة في آسيا وفي غيرها. وعليه تأسست مجموعة العشرين وفيها عشر دول صناعة (مجموعة السبعة واستراليا وروسيا ورئيس المجموعة الأوروبية) ، يقابلها عشر دول تمثل الأسواق الناشئة وقد اجتمع وزراء مالية الدول العشرين وانضم إليهم رئيس منظمة التجارة العالمية للتباحث في سبيل تنشيط التجارة العالمية.

لكن أين الدول العربية من هذا؟

من الأسباب التي جعلت الدول العربية مجرد دول مستهلكة لا تصنع نجد أسبابا كثيرة: منها طريقة إدارة دولنا العربية.. في كل دول العالم المتقدم الحكومات تعمل عند الشعب.. في دولنا (عدا مثال او اثنين نعرفهما جميعا) أنظمة الحكم الشمولية لا تستهدف تقدم الدولة لكن تركز على البقاء في السلطة وكل ميزانية الدولة تتجه لخدمة هذا الهدف، دولتان عربيتان توفرت لهما ثروات تكفي لتضعهما في مصاف دول العالم الصناعي هما عراق صدام وليبيا القذافي..ماذا فعل هذان بثروات بلادهما؟ شخصان عسكريان لا يفهمان إلا بالبندقية.

هذا دون أن ننسى أنّ الحكومات هي التي توجه الصناعات.. لكن لا تديرها.. الصناعة تنتج بضائع..هذه البضائع يحكم على نجاحها المستهلك النهائي.. هو من يقرر اي شركة تكبر وتستمر.. لذا يجب ان تحكمها رغبة وطموح في النجاح لا تتوافر إلا عند صاحب الصناعة ودور الحكومة دعمه ومساندته وليس وضع العراقيل وتشذيب طموحاته بمقص الفساد والبيروقراطية.

فالحكومات في الدول الصناعية تستثمر في البحث العلمي وتشارك نتائج البحث مع شركاتها الكبرى للحفاظ على تفوقها.. أما ميزانية البحث العلمي في دولنا محدودة جدا جدا.

علاوة على ذلك، الأسباب النفسية، فالانهزام الداخلي الذي سيطر على الدول العربية وغيرها من دول إفريقيا وآسيا التى خضعت للاستعمارات الغربية ، حيث زرع هذا الحكم الظالم في نفوس الناس ومجتمعاتهم النقص والدونية والاعتماد على الغرب، إضافة إلى التقسيم الذي شتت المنطقة إلى كيانات صغيرة، وتعيين ناخب لقيادة هذه الدول الذي يضع عليها شروطه لضمان استمرار نفوذه وسيطرته على هذه النخب وعلى دولهم.

فقد راعت القوى الاستعمارية في التقسيم السياسي لهذه المناطق ترك مناطق خلاف حدودية وعرقية ودينية بين هذه الدول لتبقى أدوات إثارة الفتن والحروب والاضطرابات في أيديهم، إذ تم إقناع قادة المنطقة أن جيرانهم من الدول الاخرى هم أعداؤهم، وكل دولة تخطط لإسقاط الدولة الجارة لها مما جعل أي مشروع تعاون أو اتحاد بين دول المنطقة صعبا وإن حدث واجتمع الجيران على مشروع تعاوني يتم تسليط كل الأدوات لزعزعته وتفرقته وإفشاله، أقول كل الأدوات حتى لا تعتقد أنّ الغرب فقط، بل أبناء البلد وقادته يتم تسخيرهم لإفشال أي نجاح في المنطقة، كما يحصل الآن بين المغرب والجزائر. مثال ذلك أيضا، زرع الكيان الصهيوني لتبقى هذه المنطقة واقعة تحت تأثير التهديد بالحروب، مما أدى الى استنزاف طاقات هذه الدول وشعوبها في سباق تسلح له الأولوية على كل طريق لتقدم تلك الدول من تعليم وصناعة وصحة، ولذلك تجد دول المنطقة لم تضع أهدافا تصب في خدمة شعوبها وتطويرها وبقيت كل الاهتمامات في الجيوش التي تحمي القادة من شعوبهم وليس من عدوهم الرئيس.

نتكلم عن صناعات مهمة غير موجودة بالدول العربية، أو وجودها ضعيف جدا: الصناعات الميكانيكية كالسيارات والمحركات والآلات، كذلك الصناعات الكيماوية (موجودة فقط في السعودية)، الصناعات الإلكترونية كالكمبيوترات والرقائق والبرمجيات، أيضاً الصناعات الطبية كالأجهزة الطبية والأدوية، الصناعات الثقيلة كالصلب والفولاذ، الصناعات الغذائية ( موجودة عندنا بشكل خجول)، الأدوات المنزلية الكهربائية، الألبسة والمفروشات (موجودة على نطاق صغير وبجودة سيئة).

ما الحل إذن؟ طيب إتفقنا على أنّ دعم الحكومات هو طريق مسدود.. ماذا عن الدعم الشعبي؟؟ نحن لا نشتري مدفوعين بنخوة وطنية بل من مبدأ أنانية شخصية، ربما صوتنا أعلى من غيرنا عندما يتعلق الموضوع بالوطنيات لكن يخف كثيرا عندما نصل للكاشير، صحيح منتجاتنا المحلية خجولة جدا بمقياس الجودة مقارنة بالمستورد لكن إن لم ندعم المنتج المحلي لن يتطور ويكبر ويصبح صالحا للمنافسة، هذا الشعور القومي موجود في كل الدول الغربية وبعصبية كبيرة جدا.. نادرا ما ستجد سيارة غير إيطالية في شوارع إيطاليا وليرحمك الله إن إستعملت زيت زيتون إيطالي في مطعم بإسبانيا أو ماكينة نسيج غير تركية في مصنع بتركيا، لا توجد علاقة مباشرة بين المستهلك والمنتج لكن المستهلك يعرف أن دعمه لمنتج بلده سيعود بالنفع يوما ما عليه وعلى أبنائه.

وقد أشير إلى نقطة مهمة جدا، وهي الجامعات العربية، وإلى المحتويات الدراسية التي نقدمها لطلابنا، هل تشجع على الصناعة والخلق والإبداع؟

ربما ينبغي علينا أن نتوقف لوهلة عن اتباع أوامر الأجيال السابقة والاستماع لمحاضراتهم التي تقدس الجامعة وتخبرنا بأهميتها اللانهائية، فإن أمعنا النظر بعدد خريجي الجامعات اليوم وعدد الوظائف المتاحة لهم، سوف نلاحظ تلك الفجوة التي لن تتوقف عن الاتساع إلى أن يدرك أولئك الجامعيون أن قيمتهم الوظيفية تقل بمرور الوقت، وأنهم إن أرادوا حقًّا النجاة بالمنافسة الشرسة بينهم، فعليهم أن يتعلموا المزيد من المهارات ويحصلوا على خبرات أكثر بجانب الدراسة.

ومن هنا يبدأ العراك أيضاً، حيث تجد إصرار الأجيال السابقة على تطبيق خططهم على أجيالنا الحالية، ظنًّا منهم أنها سوف تصيب النجاح كما أصابوه هم حينما درسوا بالجامعة. لكنهم أغفلوا تمامًا وجود ذلك الفارق المهول بين عدد خريجي الجامعات في الماضي، وعدد خريجي الجامعات الآن. ففي الماضي نجد أن عدد الوظائف التي تحتاج إلى دراسات جامعية تكفي الخريجين، لكن الآن لم يعد الوضع كالسابق، حيث تفوق عدد الخريجين على عدد الوظائف المتاحة، وتفوقت الآلات على الخريجين ما تسبب بتقليص الحاجة إلى العدد المهول من خريجي اليوم، وهو ما صنع الفجوة. فيا أولياء الأمور، ربما حان الوقت كي تتوقفوا عن إلقاء أبنائكم بتلك الفجوة التي تبتلع آمالهم وسنوات عمرهم… ربما حان الوقت كي تساعدوهم على تجنبها من خلال التفكير بطرق جديدة للخوض في الحياة كأن يتعلموا تأسيس مشاريعهم الخاصة بجانب الجامعة، وليس ترك أفكارهم عن مشاريعهم الخاصة بسبب الجامعة.

الجامعات العربية لا تحب الإبداع، فمن منا لم يتم إخباره يومًا بأن عليه أن يجيب في الامتحان بما هو مكتوب بالكتب فقط؟

حساباتك، حيث أصبحوا مجرد موظفين يقومون بإلقاء المعلومات المقررة بهدف مجاراة الجدول الدراسي والحصول على الراتب آخر الشهر، غير واضعين في الاعتبار ما إذا كان أولئك الطلاب سوف يقدرون على ملاحقتهم أم لا.

حينها لن تجد غير مئات الصفحات التي يتطلب منك حفظها بأسرع وقت ممكن، والعشرات من الواجبات المطلوب منك إنهاؤها كل أسبوع كي تحصل على أكبر قدر من الدرجات أنت أيضًا آخر العام، من ثم تقوم بنسيان المناهج كأن شيئًا لم يكن.

الخبرة الوحيدة التي ستحصل عليها عندما تذهب إلى الجامعة، -حرفيًا- هي خبرة ذهابك إلى الجامعة لا أكثر . لا تتوقع غير ذلك إن كنت على شفا الالتحاق بها، حيث إنك لن تتعلم سوى الاعتماد على نفسك إن كنت طالبًا مغتربًا يقيم بمدينة جامعية، أو طرق أفضل لتوفير أموالك من خلال استخدام المواصلات العامة كل يوم. أما بالحديث عن الخبرة العملية التي ستحتاجها بعد أن تتخرج من الجامعة كي تعمل، فلن ترى أيًّا منها طوال سنواتك الدراسية ببساطة؛ لأن الجامعة لا تعرف كيف تعلم الطلبة ذلك الأمر. لذا إن كنت ما تزال طالباً بالجامعة أو أوشكت على الالتحاق بها في خلال السنوات القادمة فحاول قدر الإمكان أن تتعلم بجانبها كيف تتعلم وكيف تفكر، لتتعلم بعض المهارات الجانبية أيضًا أو لتصنع عملك الخاص إن شئت، فقط لا تترك أفضل سنوات عمرك تضيع بذلك النظام التعليمي العقيم.

فرص الصناعة لايمكن استغلالها دون قلب أنظمة التعليم رأسا على عقب بحيث يتم تعميم التأهيل المهني وتغيير ثقافة العمل بشكل راديكالي. ومما يعنيه ذلك التخلص من خرافة أن هناك أعمالا لا تليق بجميع الباحثين عن عمل مهما اختلفت خبراتهم وأخرى تليق بهم.

***

ذ. فؤاد لوطة

 

اهتزت مدينة عدن، صبيحة 29 يناير 1992، لاغتيال الشَّابة لينا مصطفى عبد الخالق(1973-1992)؛ فكان فاجعةً لأسرتها وللعدنيات كافة، بعد نشر صحيفة «صوت العمال»، في اليوم التالي، القصة كاملةً. كانت هاربة مِن بيت الشيخ الإخواني عبد المجيد الزَّندانيّ(1942-2024)، وبعد التحقيق ظهر أنها قُتلت برصاص مسدس ابنته. اعترف إعلام الإخوان، أنها كانت في الدَّار، لكنها خطفت المسدس وانتحرت به، والسؤال هل تدربت لينا عندهم على السّلاح، فقد عهدها مَن يعرفها لا شأن لها بذلك.

بعد قيام الوحدة(مايو 1990)، أظهر الإخوان المسلمون قوتهم بعدن، بتأسيس معسكرات للتدريب قُرب محافظة لحج، وكان الزَّنداني الخطيب، والمجند للشّباب في التنظيمات المسلحة، مثلما كان يُجند ويرسل أمثالهم إلى أفغانستان، وإعلامياً كانت صحيفة الإخوان «الصّحوة» مهيمنة بعدن، تهدد إعلاميين وكُتاب، بجرعات مِن التّرهيب، رداً على ما كانوا ينشرون في «صوت العمال»، الصَّحيفة، التي ظلت تواجههم بشراسة، لذا عمدوا إلى حرقها صيف 1994.

كانت لينا طالبتنا في ثانوية الجلاء، تجلس في المقدمة، هادئة وذكية، تجادل في درس الفلسفة، عضوة في اتحاد الطلبة «أشيد» التابع للحزب الاشتراكيّ، كبقية الطلبة آنذاك، وبعد الوحدة أخذت تتغير، حتّى ارتدت النقاب الإسلامي، الذي كان يفرضه «الإخوان» والعائدون مِن أفغانستان على منتسباتهم، مِن الذين كان «الإخوان» يشرفون على إرسالهم في الثمانينيات، وبعدها تأسست جامعة الإيمان بصنعاء برئاسة الزّندانيّ، التي أخذت تُخرج كوادر للعنف الدّيني.

غابت لينا عن أهلها، بعد عجزهم مِن نصحها، وأخذت تعاملهم ككفار، ضمن ما تلقته مِن غسل الدّماغ، كان والدها القاضي مصطفى عبد الخالق، رئيس المحكمة العليا بعدن قبل الوحدة، ثم مسؤول تنظيمات الاشتراكي بصنعاء، بعد الوحدة.

تلقى اتصالاً هاتفياً، مِن داخل صنعاء، أنَّ ابنته موجودة، والمتصل يطلب موافقته على زواجها مِن أحد «المؤمنين». يقول، وقد جمعنا به لقاء في بناية «صوت العمال»، بعد الحادث، أنه أجاب المتصل: «هل مِن عاداتنا الزَّواج بهذه الطريقة؟ ومَن الزَّوج»؟ لكن المتصل طلب الموافقة الفورية. خمن الأب أن يكون الزواج لأحد مشايخهم.

بعد بفترة أُعلن العثور على لينا مقتولةً، قرب دار الزَّنداني، وكان المسدس مرمياً بقربها، وكأنها انتحرت به، ولما أصر الأب على فحص جثة ابنته؛ ومكان الحادث فوراً، ظهر له أنَّ الرَّصاصات(كان قاضي تحقيق) أصابتها من الخلف، ونعليها متفرقان، ما يُشير إلى أنها كانت راكضة هاربة، فكيف انتحرت؟

رفض الأب دفن ابنته، وغلق التّحقيق، وعدم الاعتراف بقصة انتحارها كأمر واقع. لذا؛ ظلت محفوظة في ثلاجة المستشفى لشهور، والوفود تتردد عليه، لحل الموضوع بالترضية، فسمعته يقول: «إنَّ القضية ليست معه، إنما تراجعت عما دخلت فيه، ورفضت التزويج، فهربت». ولأنها اطلعت على خفايا، في تنظيماتهم وما يدور فيها، كان الخيار تصفيتها، وتلفيق قصة انتحارها. دفنت لينا، ولم تُدفن قضيتها، فطوال التسعينينات، كان الزندانيّ وإخوانه جزءاً مِن السُّلطة، فلم يُفتح التحقيق.

في حينها اعتبر حادث اغتيالها موجهاً لبنات عدن ونسائها، فاحتشدت تظاهرات نسائية، على اعتبار قضية لينا قضيتهن. اشتد الحال خصوصاً بعد الفتوى التي أصدرها مشايخ الإخوان؛ وبينهم الزّنداني، في شرعية الحرب ضد الجنوب؛ فإذا كانت هناك محاولات لفتح التحقيق بالقضية، إلا أنها ألغيت تماماً بعد سقوط عدن(1994)، وإعلان الانتصار عليها بالإخوان والجماعات الإسلاميّة؛ فصار الجنوب كافة، قصته تشبه قصة لينا.

كلما ظهر الزّندانيّ خطيباً مبشراً بالخلافة- حَدد تاريخ إعادتها(2022)- تطل لينا بخيالها صارخةً: «أين حقيّ» في هذه الخلافة؛ والعبارة كانت عنوان قصيدةٍ لمحمد صالح بحر العلوم(تـ: 1992)، قالها في حوادث ضاعت فيها الحقوق، باسم الدّين، كحقّ لينا بالقصاص.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

المطلوب تهيئة متطلباته وتحديد الجهة المسؤولة عن إدارته

خلال لقاء جمع رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بالمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في 18 اَذار الماضي، أُثيرت رغبة العراق في مزاولة نشاطه السلمي في مجال الطاقة النووية، وهي رغبة ليست وليدة اليوم- بحسب خبراء ومعنيين. وقد أرسل العراق للوكالة الدولية خطته من 2023 إلى 2030، التي تتضمن إنشاء مفاعلات نووية ومنظومات تحت الحرجة ومحطات كهرونووية، تسمى دورة الوقود النووي، فيما تحتاج البلاد من 5 إلى 6 سنوات لإنشاء مفاعل جديد.

وكان وزير التعليم العالي، نعيم العبودي، أعلن، في 11/10/ 2023، عن الموافقة الأصولية على إنشاء مفاعل نووي صفري مخصص للبحوث العلمية والتعليم لصالح طلبة الجامعات، مبينا أن المفاعل سيقدم الدعم للطلبة والباحثين في الجامعات، مما يسهم في تطوير قطاع البحث العلمي في البلاد.

مزاولة الطاقة النووية للأغراض السلمية طموح مشروع لبلدنا، لكن ثمة تساؤلات مشروعة أيضاً تطرح نفسها عن مواكبة التعليم العالي في العراق لمثل هذا المشروع الكبير، وعن الجهة الحكومية التي ستديره في ظل التعدد الحالي للجهات ذات العلاقة.

بشأن مواكبة التعليم العالي في العراق لهذه التوجهات، أكد المستشار السابق في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق واليونسكو، البرفسور محمد الربيعي،لـ " طريق الشعب"،في 26/3/2024، "ان العراق ومن خلال مناهجه التعليمية على مستوى التعليم العالي، إضافة الى تجاربه المختبرية، لا يواكب هذه التوجهات، وان الحديث في مثل هذا الموضوع يقتصر على الأغراض الإعلامية لا اكثر".وأضاف الربيعي ان “هذه التوجهات (اعتباطية) الغرض منها اعلامي، لا سيما اننا منذ اكثر من عقد ونحن نسمع عن رغبات من هذا القبيل”.

وفيما يتعلق بالجهة الرسمية التي ستدير المشروع، فان العراق في ظل منظومة المحاصصة وتقاسم المغانم ، يتميز بظاهرة لا مثيل لها في أي بلد اَخر، ألا وهي تعدد الجهات الرسمية التي تقوم بمهمة واحدة، وتعدد المسؤولين، ضمن الصراع على النفوذ والأمتيازات. ومن المسؤولين من ليس له علاقة بالمهمة .

والواقع ان المشروع المطروح يقع ضمن مهام المؤسسات التالية:

أولآ- الوقاية من الاشعاعات المؤينة (القانون رقم (99) لسنة 1980). تألفت بموجبه (هيئة الوقاية من الاشعاع)، التي ترتبط برئيس (مجلس حماية البيئة). وتأسس بموجبه أيضاً (مركز الوقاية من الاشعاع ) الذي يرتبط برئيس هيئة الوقاية من الإشعاع. ويُعتبر الذراع التنفيذي لهيئة الوقاية من الإشعاع، احد تشكيلات وزارة البيئة. وفي إطار مهام الوزارة كجهة رقابية فهو مركز رقابي استشاري بموجب القانون ، حيث يتولى ألرقابة على إستعمال مصادر الإشعاع في الاستخدامات السلمية، والسيطرة على حركة المصادر المشعة داخل العراق، ومراقبة البيئة العراقية من الناحية الإشعاعية، وتحديد المناطق الملوثة إشعاعيا-- بحسب توضيح معاون المدير العام للمركز مها حميد نافع.

ثانياً- الهيئة الوطنية للسيطرة على المصادر المشعة (قانون النظام الداخلي للرقابة على إستخدام مصادر النشاط الإشعاعي في العراق، رقم (1) لسنة 2006.). تهدف الى تحديد القواعد والإجراءات الرقابية اللازمة للسيطرة على المصادر الإشعاعية الممارسة في العراق، بما فيها حيازة وتداول المصادر الإشعاعية المستخدمة للأغراض الطبية والبحثية والتعليمية والصناعية أو أية أغراض أخرى لضمان أمنها وأمانها، بما يحقق أمن المجتمع وسلامة البيئة ووقاية العاملين والأفراد والمرضى من مخاطر التعرض للإشعاع.

ثالثاً- مديرية السلامة الاشعاعية والنووية التابعة لوزارة العلوم والتكنولوجيا (دُمِجت فيما بعد مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي)، تقوم بالوقاية الاشعاعية والنووية والسلامة من المصادر المشعة.

رابعاً- هيئة الطاقة الذرية العراقية (القانون رقم (43) لسنة 2016).بموجبه تأُسست (هيئة الطاقة الذريــة العراقية)، تتمتع بالشخصية المعنوية، وترتبط بمجلس الوزراء. يكون مقرها في بغداد، ولها فتح فروع في الأقليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم .

تتكون تشكيلات الهيئة من مديرية السياسات والبرامج العلمية.، مديرية التطبيقات النوويـــة.،مديرية البحث والتطوير،مديرية النفايات المشعة.، مديرية تصفية المنشات والمواقع النووية، مديرية المختبرات المركزية،مديرية السلامة الإشعاعية والنووية.،  مديرية المشاريع والإسناد الفني.، مديرية الشؤون القانونية والادارية.،مديرية الشؤون المالية والتجارية، قسم التدقيق والرقابة الداخليةـ قسم ادارة الجودة.،مكتب رئيس الهيئة.

الأسباب الموجبة: شرع القانون لغرض تأسيس هيئة متخصصة بالعمل  في مجال الإستخدامات السلمية للطاقة الذرية والإشعاعات المؤينة في الصناعة والزراعة والصحة وتوليد الطاقة الكهربائية وإدارة الموارد المائية وتطبيق تقنياتها ومواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية  الموجهة لغرض دعم عملية التنمية المستدامة والحفاظ على الإنسان والبيئة العراقية وفق اَلية عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويهدف قانون الهيئة الى ما يأتي:

أـ ضمــــان استخدام الطاقـــــــة الذرية وتطبيقاتها في المجالات السلمية وجميـــع الأعمال المتعلقة بها وتداول المواد النووية وإدارة او خزن النفايات المشعة بصورة آمنة وفقا للقوانين والتعليمات الرقابية.

ب ـ مواكبة التطور العلمــي والتكنولوجي في العالم في هذا المجال بما يسهم في ترسيخ المقومات الأساسية للتنمية في العراق وإرساء إطار قانوني لها.

وتسعى الهيئة المؤسسة بموجب هذا القانون الى تحقيق أهدافه بالوسائل الآتية:

أ ـ اقتراح السياسات والبرامج الوطنية في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية الى مجلس الوزراء للمصادقة عليها.

ب ـ تطوير وبناء البنى التحتية والمختبرات واعداد الموارد البشرية.

ج ـ أنشاء وتشغيل وادارة المنشآت والمرافق النووية ذات الاستخدام السلمي ومنها مفاعلات البحوث والدراسات، وانشاء مفاعلات القدرة لانتاج الطاقة الكهربائية وتحلية المياه، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

د ـ حصر مسؤوليـــــة ادارة وتشغيل المرافق النووية بالهيئة المؤسسة بموجب هذا القانون ويجوز للقطاعات الاخرى الاستخدام السلمي للطاقة الذرية بموافقة الهيئة.

ويذكر، ان قانون الهيئة ينص بان يكون رئيسها حاصلا على شهادة الدكتوراه في الأقل في الاختصاصات العلمية او الهندسية وله عدد من البحوث المنشورة في المجلات العالمية والمؤتمرات في مجال اختصاص الهيئة. ويكون نائبيه حاصلين على شهادة جامعية أولية في الأقل في الاختصاصات العلمية او الهندسية. ولرئيس الهيئة ونائبيه خبرة لا تقل عن (20) سنة في مجال اختصاص الهيئة.

ألمفارقة، ان رئيس الهيئة حالياً هو نعيم العبودي- وزير التعليم العالي، الذي قام بزيارات رسمية لدول أخرى بشأن المشروع، وحضر  أعمال النسخة الـ 13 من منتدى) "Atomexpo 2024 " المنصة المهمة للمؤتمرات والمعارض المختصة في الصناعات النووية العالمية) المنعقد في مدينة سوتشي الروسية للفترة من 25-26/3/2024، وهو لا علاقة له بهذه المؤتمرات ولا بمهمات الهيئة..

رابعاً- الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبايولوجية (القانون رقم (1) لسنة 2024)، والذي يحدد مهمات الهيئة بمايلي:

* تحقيق الأمن والأمان في مجال الإستخدامات السلمية للطاقة الذرية وفق مبادئ الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

* تأمين الرقابة على الإستخدامات السلمية للطاقةالذرية وللأشعة المؤينة والمواد الكيماوية والبايولوجية ومعالجة النفايات الإشعاعية ومنع الإستخدامات غير السلمية لها.

* حماية العاملين والمجتمع والابيئة من المخاطر الناتجة عن تطبيقات الأنشطة الخاضعة للرقابة.

* منع إستخدام أراضي العراق والمياه الأقليمية والفضاء الجوي الذي يعلوها وكل مكان يخضع لإختصاصها لأي أنشطة محضورة بموجب لإلتزام جمهورية العراق بالمعاهدات والأتفاقيات ذات الصلة.

مما ورد يتضح بجلاء ان الجهات المذكورة لها نفس المهمة. وهي مثال صارخ على التعددية غير المبررة للمؤسسات العراقية. ويبدو ان من سن قوانينها فـاتـه المثل الشهير: "السفينة إذا كثرت ملاحيها غرقت"!

من جهة أخرى، الملاحظ ان مركز الوقاية من الإشعاع ،ومديره العام د.صباح الحسيني، بارز في هذا المشروع، مع ان مهمة مركزه بالدرجة الأساس رقابية إستشارية وتحديد المناطق الملوثة إشعاعيا.

فقد صرح الحسيني لـ"الصباح" في 23/4/2024 ان مركز الوقاية من الإشعاع في وزارة البيئة يعمل على تطوير الاستخدامات السلميَّة للطاقة الذريَّة.، وإنَّ هذا التطوير يأتي عن طريق التوسّع في مجال بناء المنشآت والمفاعلات البحثيَّة والمحطات النوويَّة للأغراض السلميَّة.

وقبل ذلك بإسبوعين أعلن الحسيني لـ " شفق نيوز":هناك دعماً دولياً لدعم ملف استعادة العراق لمكانته الدولية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، برز من خلال زيارة مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولقائه رئيس مجلس الوزراء وعدد من المسؤولين رفيعي المستوى وتأكيده على حرص الوكالة لتوفير الدعم المطلوب لامتلاك العراق للتكنولوجيا النووية وإنشاء المفاعلات للأغراض البحثية وإنتاج الطاقة الكهربائية.

فهل مركز الوقاية من الإشعاع هو المسؤول الأول عن المشروع العراقي للطاقة النووية للأغراض السلمية؟.

***

د. كاظم المقدادي

تعيش الجامعات الأمريكية منذ أيام حراكا طلابيا واسعا مساندا للقضية الفلسطينية ومناهضا للمجازر والمذابح التي ترتكبها العصابات الصهيونية في حق أهلنا في غزة، ولم تقتصر الاحتجاجات على الولايات المتحدة الأمريكية بل سرعان ما امتدت لباريس وكندا وغيرها من الدول خاصة بعد اقتحام الشرطة الأمريكية للحرم الجامعي واستخدام الخيول ومسدسات الصعق الكهربائي والغاز المسيل للدموع بغاية قمع هذه التحركات عبر اعتقال مئات من الطلبة والأساتذة والاعتداء عليهم أمام عدسات كاميرات الصحافة المحلية والعالمية . إن هذه التحركات تؤسس لانتقال نوعي في مستقبل القضية الفلسطينية إذ أن هذا الجيل من الشباب الطلابي شهد على جرائم الإحتلال وتواطئ سلطات بلدانهم في التعتيم عليها وتدوير الزوايا لتبريرها إضافة إلى اهتزاز السردية التي كانت سائدة طوال عقود والتي شكلت الوعي الغربي إذ لطالما تم اعتبار اسرائيل كضحية للإرهاب الفلسطيني مقابل استعدادها للسلام وإيمانها بالحق الفلسطيني.

تعكس الاحتجاجات والتحركات الأخيرة وعيا جديدا يتشكل انطلاقا من مفاهيم واصطلاحات صاغها طوفان الأقصى على أنقاض أجندات ومشاريع وأطماع وسرديات نراها تتهاوى كأعمدة الدخان يوما بعد يوم. إن هذا الجيل الطلابي يقدم تمثلا حقيقيا للقيم الكونية التي جاء بها كبار الفلاسفة والعلماء إذ أن شباب الجامعات متحرر من ثقافة القصور والنخب السياسية التي تحكمه - والتي اختارت أن تتمثل قيم الحداثة إنطلاقا من تعريف محدد للإنسان يعكس تمركزا حول الذات وعنصرية تجاه الآخر - واختار أن يتمثل قيمه التي يؤمن بها كما يراها من منظور كوني وإنساني واسع متخفف من وطأة الثقافة الإستعمارية التي لازالت تحكم الفعل السياسي والقرار الاستراتيجي الغربي الأطلسي إلى الآن.

إن هذا الانتقال في الوعي والاستعداد للاشتباك دفاعا عن المبدأ والفكرة هو أهم ما يمكن رصده في هذه التحركات، إذ أن الجامعات التي تمثل طليعة هذه " الإنتفاضة الطلابية " هي التي تخرّج الأطر والكوادر ليتصدروا بعد ذلك قوائم النخب الفكرية والأكاديمية التي تُعنى بسياسات الدولة من تخطيط وتنفيذ وبتسييرالشركات والمؤسسات الكبرى  إضافة إلى الرصيد الرمزي الذي سيُضاف إلى تاريخ هذه الصروح العلمية على أن طلبتها وجزء كبير من أساتذتها ينحازون للقضايا الإنسانية بكل مبدئية وشجاعة ويناضلون من أجل ذلك. وأمام هذه الديناميكية الواسعة وجدنا أنفسنا أمام سؤال لا يخلو من الحيرة : أين هي الجامعات التونسية من كل هذا ومن القضايا الكبرى عموما؟ ونحن نشهد فتورا في  حركتها وتأثيرها وقد انقسم الرأي إلى فسطاطين، فئة تتحسر على أيام الجامعة في سبعينات وثمانينيات القرن الماضي وفئة تدافع عن نموذج فعل طلابي منته منذ عقود وتحاول إحيائه دون جدوى.

وعودا على ما سبق، فقد تعددت الإجابات والتعريفات حول السؤال الآنف طرحه، بين أول متحسر على أيام الجامعة في سبعينات وثمانينيات القرن الماضي وثان مدافع عن نموذج فعل طلابي منته منذ عقود ويحاول إحيائه دون جدوى.، وثالث داع للنظر والفهم والتشخيص وهو موضوع ما أطرحه في هذه الورقة، إذ ليس القصد جرد ادعاءات وحجج كل توجه على حدة، بقدر ما هو تفكيك للأفكار علها تفتح نقاشا جديا عن حاضر ومآلات الجامعة التونسية . ولمّا كان التشخيص الدقيق بوابة للإجابة عن السؤال الملح، وحتى نظل بمنأى عن المماحكات السياسوية وحتى لا نقع في فخ التعويم والتعمية فان أسئلة أراها جوهرية  تفرض نفسها في هذا السياق لندخل بذلك المدخل الطبيعي الذي يفرضه التفكير النقدي :

هل نموذج الجامعة في السبعينات والثمانينيات يمكن الإستعانة به الآن للقياس أو حتى الاستحثاث ؟ هل تمثل الجامعة في ذلك الوقت نموذجا مرجعيا ؟ هل الجامعة هي الفضاء الوحيد الذي يمكن أن يتحرك فيه الطلبة ؟

ألا يمكن أن تكون سنوات الركود داخل الجامعة جعلت الطلبة يصنعون فضاءات بديلة ؟ لماذا فقدت اتحادات الطلبة تأثيرها وجماهيريتها ؟ هل فعلا طلبة الجامعات في حالة قعود سلبي أم أنهم يتحركون في دوائر أخرى استطاعت أن تستوعبهم وتلبي حاجاتهم النفسية والمادية؟

جامعة الثمانينات والتسعينات : حالة متجسدة في زمانها وشبح يجوب الجامعة عشية الثورة

عاشت الجامعة التونسية  منذ أواسط  السبعينات من القرن العشرين حالة نضالية وحركية كبيرة تنافس فيها مختلف التيارات الفكرية من إسلاميين ويساريين وقويميين ورافقتها ظروف صاغت ملامحها وحددت مزاج الفاعلين فيها أهمها الاستبداد السياسي وغياب التعددية واضطرار كل الاحزاب والتنظيمات للعمل في السرية بعيدا عن أعين الدولة ومراقبيها من أعوان الحزب الحاكم ساعية بذلك لممارسة شكلا من أشكال السلطة في فضاء غير فضاء الدولة واتخذت ساحة نضالها الجامعة والمعاهد إذ كان الرصيد البشري لأهم التنظيمات السياسية مرتكزا على الشباب التلمذي والطلابي. خلقت هذه السياقات حالة من التكثيف والتركز المادي والرمزي داخل الجامعة التونسية وأصبحت هي الفضاء الوحيد للعمل السياسي وللضغط على السلطة أمام انسداد كل الفضاءات الأخرى الممكنة للتنافس السياسي وسطوة الحزب الواحد / الرجل الأوحد. ولم تكن تلك الحالة مقتصرة على الصراع بين السلطة والمعارضة بل كانت أيضا مجالا للصراع بين مكونات المعارضة المتنافرين ايديولوجيا والمشحونين نفسيا نتيجة " الطقس السياسي " الحار واختزال العالم في ثنائيات الحق والباطل والخير والشر والتوهم بحيازة الحقيقة المطلقة. سادت هذه الحالة طيلة عقدين من الزمن أو أكثر وانتهت بحملة أمنية واسعة قادتها السلطة الحاكمة في تونس ضد الجامعة فساقت الآلاف للسجون وأحبرتهم على قضاء  الخدمة الوطنية بالصحراء بل واغتالت العشرات من الطلبة داخل حرم الجامعات وأخضعت البقية بالترهيب والترغيب.

عاشت الجامعة التونسية بعد هذه الأحداث حالة من التدجين ووأد كل حركة ممكنة من شأنها أن تزعج السلطة أو تهددها إلى أن بدأت ملامح ارتخاء قبضة النظام وانتعاش الحركة الديمقراطية في تونس أول الألفينات وصولا إلى تشكيل جبهة 18 أكتوبر 2005 التي جمعت كل القوى المعارضة ضد نظام بن علي ومثلت انتقالا نوعيا في مسار النضال ضد الاستبداد في تونس وانعكس هذا على الجامعة فبرز مجموعة "الطلبة المستقلون"  المعارضة للنظام إضافة إلى الإتحاد العام لطلبة تونس (المحسوب على التيار اليساري) والذي استعاد ألقه ونجح في احتضان أبناء مختلف العائلات السياسية. بقي العمل الطلابي في تلك السنوات التي مرت بها الجامعة حكرا على الطلبة المهتمين بالسياسة والمعارضين تحديدا والمستعدين لدفع ضريبة مواجهتهم للنظام في حين أن المشهد الطلابي في عمومه كان فاقدا للعرض الإدماجي القادر على الفعل والتغيير. إن هذا الفراغ داخل الفضاء الجامعي فتح مجالا لثقافة النوادي الجامعية كملجأ للطلبة يتحركون ضمنه دون تهديد أمني يلحقهم أو ضغط يسلط عليهم، حيث مثلت ثقافة النوادي تغييرا جوهريا في علاقة الطالب بالمؤسسة الجامعية وبتمثله لدوره في فضاء بديل يعبر فيه عن ذاته، وتوسعت هذه الثقافة لتأخد معنى آخر بعد الثورة تحت مسمى جمعيات المجتمع المدني والتي نجحت في إدماج واستيعاب عدد هائل من الطلبة والتلاميذ بل إنهم مثلوا قوام هذه الجمعيات. في المقابل، رافق السنوات الأولى للثورة محاولة لاستعادة صورة متخيلة عن "جامعة الحقبة البورقيبية والنوفمبرية"، تلك الجامعة التي توقف نضالها بسفك الدماء والضحايا هم اليوم قادة سياسيون يأثثون المشهد السياسي عشية " ثورة شعبية ". خيم شبح تلك الصورة على " جامعة  الثورة " وأعيد إنتاج مربعات الايديولجيا من جديد وشحنها وتكرار صراعات قديمة بأيادي الأبناء، لم تكتمل المعركة لذلك وجب إكمالها ولو بأيادي أبناءنا وعلى حسابهم ! تلوثت الجامعة بالمعارك الهووية الصفرية وشهدت حالة جارفة من العنف بين تعبيرات نقابية طلابية مشحونة بالايديولوجيا وبمعارك الآباء فأعيد إنتاج الخلافات القديمة بعناوينها المفوّتة وإهدار فرصة تاريخية كان من الممكن أن تجعل الجامعة التونسية جامعة مواطنية ترافق ثورتها ولا تقع في حبائل العمى الايديولوجي والثارات القديمة. بعد مرور السنوات الأولى للثورة، بدأ هذا المشهد في الفتور متأثرا بالصراع في الساحة السياسية أولا إذ دخلت تونس " مرحلة التوافق السياسي " وتحول مع ذلك العمل الطلابي إلى فرصة للترقي الاجتماعي ولتحسين الظروف المادية للطلبة مما صنع شبكة من الانتهازيين والوصوليين الساعين للإستفادة ولتحسين شروط العيش.

الفضاءات البديلة : الطلبة يتحركون بعيدا عن مربعات الشحن النفسي والايديولوجي

إن حالة الانفتاح السياسي بعد الثورة ونشوء المجتمع المدني خلقت فضاءات بديلة للفعل والتأثير إستمالت عددا كبيرا من الطلبة الذين أصبحوا فاعلين ومسؤولين في هذا الجسم التنظيمي الممتد والمتنوع. لم تعد المنظمات النقابية الطلابية هي العرض الوحيد للطلبة بل شكلت النوادي الجامعية بمختلف اختصاصاتها (ثقافية واجتماعية ومؤسساتية وعلمية) عرضا جديدا ذو مقبولية لدى عموم الطلبة يلبي شعور الانتماء عندهم ويستجيب لشكل جديد من الفعل مؤسس على الصورة والمهارات الذاتية soft skills والقدرات التواصلية إضافة لكونه يمثل فضاءا هادئا خال من التوترات والشحنات النفسية والتنافر الأيديولوجي. في المقابل بقي عدد قليل من المؤسسات الجامعية يحافظ على الصراعات المفوّتة بحكم الخلفية التاريخية الخاصة بتلك المؤسسات (أكبر المحطات التاريخية في الحركة الطلابية كانت ضمن هذه المؤسسات) إضافة إلى مساهمة جزء من الأساتذة في تغذيتها واستعمالها كورقة ضغط للحفاظ على قلاع الأكاديميا التي يعتبرونها مجال نفوذهم دون غيرهم.

لقد أفقدت السنوات الأخيرة كل المنظمات النقابية الطلابية جماهريتها وحدت من تأثيرها بشكل كبير بل وصنعت لها سقف فعل مقتصر على تلبية حاجاتهم ومطالبهم على غرار تعديل روزنامة الامتحانات والتأجيل، استخراج وثائق من الإدارة، وساطة بين الطالب ودواوين الخدمات الجامعية لنقل المعلومة… ليصبح الفعل الطلابي مستغرقا في التفاصيل المطلبية ونضال تمديد آجال الترسيم وإصدار البيانات لرفع الحرج بعيدا عن كل قدرة لمرافقة المجتمع في قضاياه الاجتماعية والاضطلاع بدور طلائعي في مناقشة مضامين إصلاح منظومة التعليم العالي كقوة اقتراح وترجيح مضموني أمام محاولات إصلاح ترقيعي لا يعالج منظومة إنما يحاصر نتائجها ويقلل من خسائرها. لقد مثلت حالة الفراغ الفكري والضعف المضموني داخل المنظمات النقابية أحد أهم أسباب تراجع تأثيرها وألقها بل دفعها لمجاراة ثقافة النوادي في طبيعة الأنشطة بهدف استقطاب الطلبة وزيادة عدد المنخرطين.

أمام هذا المشهد، غاب العرض الطلابي الذي سيجمع الطلبة ويذكرهم بدورهم ومسؤوليتهم تجاه أنفسهم أولا ثم المجتمع ثانيا إذ غابت العناوين التي من شأنها أن تكون منسجمة مع سياق تعاني فيه البلاد تبعية سياسية واقتصادية تغيب فيها الرؤية الوطنية والمشروع الوطني بما يعنيه من أشواق تحرر وانعتاق وطاقة فعل وتغيير، فالحركة الطلابية من المفترض أن تصوغ مطلبيتها بمضامين التحرر الاقتصادي والدفاع عن السيادة الوطنية بما تعنيه من تماسك داخلي وفعل سياسي واع ومسؤول، هكذا يكون دورها كقوة دفع ومرافقة لمرحلة مهمة في تاريخ بلادنا. لكن هذا العجز عن إنتاج تعبيرة طلابية تترجم هذه المعاني جعل جزءا كبيرا من طلبة الجامعات يتمثله بأشكال مختلفة:

- القيام بأعمال خيرية ضمن جمعيات طلابية أو مدنية ( زيارات للأرياف وتقديم مساعدات للمعوزين، أغلب المسؤولين في الهلال الأحمر التونسي في الفروع الجهوية والمحلية هم من الطلبة ).

- جمعية الأطباء الشبان في تونس تتنقل للأرياف في شكل قوافل طبية وتقدم الخدمات الطبية مجانا لكل من يحتاجها وتنقل المرضى إلى المستشفيات وتشرف على رعايتهم وقوام هذه الجمعية هم طلبة الطب.

- في فترة وباء كورونا أغلب المساهمين في تقديم الخدمات في دور إيواء المرضى والحجر الصحي هم من الطلبة.

- أكبر تحرك جماهيري داعم للقضية الفلسطينية من حيث العدد والمدة كان تلمذيا طلابيا دام يوما كاملا بأعداد لم يقدر على جمعها أي طرف سياسي أو نقابي في البلاد.

- التسويق لحملات المقاطعة والتعريف بالقضية الفلسطينية وتاريخها بالكتابة والصورة والفيديو هو من إنتاج أو تقديم الطلبة.

- أغلب المسابقات العلمية في اختصاصات مختلفة (من العلاقات الدولية إلى الروبوتيك والذكاء الاصطناعي) سواء أن كانت وطنية أو عالمية يشارك فيها الطلبة بشكل واسع.

إن الأشكال المذكورة آنفا هي جزء من الأدوار التي يقوم بها الطلبة للتعبير عن التزامهم تجاه مجتمعهم ضمن تمثل معين لقيم التحرر والعدالة والتي تعبر عن جينات ثقافية أصيلة مكتنزة بالخير والصلاح تحتاج من يتلقفها ويشتغل عليها لتترشد وتتحول إلى حركة وعي وفكر ذات فاعلية أكبر وتأثير أوسع.

إضاءات من أجل المستقبل: عن جامعة مواطنية ترافق التأسيس لمشروع وطني

على عكس كثيرين، فإني أرى أن الحالة التي تعيشها الجامعة التونسية هي أكثر حالة متناسبة مع منطق اللحظة الذي تمر به بلادنا وهي ليست حالة ركود بقدر ماهي حالة ترقب واستعداد في آن واحد لاستيعاب المبادرات العقلانية والمسؤولة التي تفتح لنا آفاقا للمستقبل. لا أعتبر "الحركة " الدائمة علامة صحية في كل السياقات بل هناك لحظات تتطلب منا وقوفا للفهم والتفكير وهضم أحداث سابقة بتعقيداتها وصوابها وخطئها لنستفيد منها كتجربة معاشة شكلت واقعنا في مرحلة ما وتساعد على إيجاد إمكانيات جديدة للفعل والنظر.

إن الجامعة كقطب هـام في الهيكـل التعليمي تمثل الرصيد الاستراتيجي الذي سيضخ إطارات بمهارات فكرية ٕوإمكانيات علمية وبحثية وعملية من شأنها قيادة حركة التنويروالتجديد في المجتمع من خلال تكوين الكفاءات القادرة على قيادة دواليب الدولة في الاقتصاد والتجارة والتقنية والأكاديميا، من هذا المنطلق يكون لزاما البدء بقياس هذه الوظيفة على واقعنا ومحاولة رصد مدى التطابق بين ما يجب أن يكون وما هو كائن، فالشجاعة في التشخيص ومساءلة المنظومة بكل مكوناتها كفيلان بتجاوز كثير من المحاولات التي ترغب في معالجة جزئية لحقيقة عنيدة ومتشعبة ولا تستقيم معها الحلول الاختزالية.

إن ما يجب أن ننتبه إليه أن حالة الفراغ هي فرصة للبناء لمن يتلقفها ويتعامل معها جيدا فكما يمكن أن تكون فرصة في اتجاه الأفضل يمكن أن تشكل انتكاسة تزيد الأمر تعقيدا ورسوخا في آن واحد وتصعب آنذاك المعالجة. لذلك من الضروري النظر لمشروع التأسيس لجامعة مواطنية كمدخل لبناء المشروع الوطني والتفكير فيه والذي من شأنه أن يعيد الأمل للناس أولا ويحيي فيهم قدرتهم على الحلم ببلادهم وفيها وهي في واقع أفضل يتوفر على شروط التغيير والارتقاء. يمكن للجامعة التونسية أن تستعيد ألقها وتضطلع بدور مركزي في تأطير الجهود وتوجيهها كأحد مجالات السلطة المهمة في إنتاج المعرفة وإبداع الأفكار ومسائلة المشكلات والقضايا التي تواجه المجتمع وبذل الجهد للإجابة عنها والمساعدة في هندسة حلولها. من هذا المنطلق وبهذا الملمح ستنتج الجامعة حراكها الطلابي الذي يليق بها ويستجيب لحاجياتها وحاجيات مجتمعه التي يعايشها فكرا ومعنى داخل الجامعة ويرصدها في محيطه الاجتماعي ودوائر فعله خارجها. في هذه الحالة من الممكن أن يصبح الفضاء الجامعي متكاملا ومنسجما مع بقية فضاءات الفعل المجتمعي التي يقدم عليها الطلبة وتكون أحد روافد التأسيس للوعي المواطني الذي ينقض فكرة "الإنسان النصف" الذي يعرف حقوقه ولا يعرف واجباته ويؤسس للمواطن الذي يرعى حقوقه ويقوم بواجباته كضمانة ونضال دائم لاستمرار تمتعه بحقوقه.

ختاما، إن الواقع البائس الذي يخيّم على بلادنا حد كثيرا من مساحات الأمل على حساب مساحات اليأس والخوف من مستقبل غائم وإذا اتضحت معالمه بدا معدوما لذلك مبتدأ ترميم الثقة هو بناء سردية وطنية يكون فيها للعمل والجهد معنى وللحلم جدوى. لا يمكن تحسين واقع الناس بشكل آني لكن كل ما يحتاجونه في هذه اللحظة شيء من الأمل وكثير من الثقة والصدق لذلك لا يمكن الحديث عن مشروع وطني قبل الحديث عن سردية وطنية هي أشبه ما تكون ب" الحلمة الجماعية " تُستدعى فيها الثقافة والتاريخ وكل ما يشكل ذاكرتنا الجماعية وخيالنا كعوامل اعتزاز وشعور بالذات من جهة وتنوع وتعدد من جهة أخرى ليستعيد المجتمع ثقته في قدرته على التغيير والبناء إضافة إلى بسط مشاكلنا بكل صدق ودون تلبيس والإعتراف بكل الأخطاء السابقة مع تقديم أسس للإنطلاق في المعالجة والإصلاح والتحلي بالصبر الاستراتيجي في سبيل ذلك. إن هذه المعاني على كثافتها يمكن أن تكون منطلقنا نحو مستقبل نرغب فيه جميعا ونكون فيه شركاء مشروع. يجب أن نفكر معا وبشجاعة، هذا كل ما نحتاجه.

***

أحمد السنوسي

 

تختلف اشكال الإهانة بالضيوف الغير المرحب بهم مع أي شخص أو بلد، بمقدار الذنب الذي اقترفه الضيف تجاه مضيفه، وتخيل حجم الذنوب التي اقترفها وزير الخارجية الأمريكي انطوني بلينكن، أو بلاده تجاه الصين، سواء خلال زيارته لها او قبلها، حتى تتخذ بكين موقفا متشددا حياله، ولم ترسل أي مسؤول صيني رفيع المستوى الى المطار لتوديع ضيفها الأمريكي .

ومثل هذه الخطوة تجاه الوزير الأمريكي، بالطبع تركت انطباعا مؤكدا، بأن مباحثات المسئول الأمريكي خلال زيارته للصين التي استمرت ليومين، ولقاءاته مع المسئولين فيها مع نظيره الصيني وانغ يي، وكذلك الرئيس الصيني شي جين بينغ، لم تنال رضى المضيفين، وبالتالي فشل بلينكن في الحصول على ما جاء به، وهنا قد يتولد سؤالا لدى المراقبين، لماذا انتهت أهم المفاوضات بالنسبة لواشنطن بالفشل أساساً؟ ماذا طلب بلينكن من الصين فيما يتعلق بالعلاقات مع روسيا - وما هي المشاكل التي تمنع الولايات المتحدة من الضغط على الصين؟

وعشية زيارة أنتوني بلينكن للصين يومي 24 و26 أبريل/نيسان، استمرت واشنطن في الإدلاء بتصريحات حول ما يثير غضب الجانب الأمريكي في سلوك الصين وكيف تنوي الولايات المتحدة التعامل معه، ولكن مع بدء اللقاء المباشر في بكين بين وزير الخارجية الأميركي ونظيره الصيني وانغ يي، بدا أن الجانبين قد تبادلا الأدوار، فقد أسمع الوزير وانغ، في افتتاح المفاوضات في مقر إقامة دياويوتاي، ضيفه مالا يتمناه، وقال مخاطبا له " لا تزال العوامل السلبية في العلاقات تتزايد"، ثم انتقل بعد ذلك إلى الاتهامات، وإن حقوق التنمية المشروعة للصين يتم قمعها بشكل غير معقول، وتتعرض مصالح بلاده الأساسية للتحدي، وقال بحزم  "يجب على الولايات المتحدة ألا تتدخل في الشؤون الداخلية للصين، وتقمع تنمية الصين، وتتجاوز الخطوط الحمراء عندما يتعلق الأمر بسيادة الصين وأمنها ومصالحها التنموية".

ونتيجة لذلك توصل الطرفان وفقا لوزارة الخارجية الصينية، إلى توافق على خمس نقاط، ويشمل ذلك الالتزام بالعمل الجاد لتحسين العلاقات، ومواصلة التواصل وإجراء المناقشات والحوارات حول مختلف القضايا، وتوسيع التبادلات الثقافية وتعزيز العلاقات بين المبعوثين الخاصين للبلدين، وهذه تعابير دبلوماسية " ملطفة " تؤكد ان الجانبين واشنطن وبكين، لم تتفقا على أي شيء جدي، لأنه أولاً وقبل كل شيء، الولايات المتحدة ليست في مزاج يسمح لها بالتفاوض مع الصين، كما ان المشكلة الرئيسية في العلاقات الصينية الأمريكية، وبحسب صحيفة غلوبال تايمز الصينية، هي أن الولايات المتحدة لا تزال لديها فكرة خاطئة عن الصين وكتبت: "إنهم ينظرون إليه كمنافس وعدو، وليس شريكًا".

كما أن الصين ووفقا للمراقبين، عرضت مسارا مختلفا، واقترحت أن يكون الاحترام المتبادل والتعايش السلمي، والتعاون المربح للجانبين هي المبادئ الثلاثة الشاملة، وقال شي جين بينغ، "هذه دروس مستفادة من الماضي وإرشادات للمستقبل"، وأوضح أنه بخلاف ذلك لن ينجح شيء، لأن الولايات المتحدة والصين "يمكنهما التحرك بثبات في الاتجاه الصحيح، أي إلى الأمام، أو العودة إلى دوامة العلاقات الهابطة"، حتى أنه أظهر ذلك قليلاً - من خلال اختبار صاروخ باليستي قبل وقت قصير من الزيارة .

ومثل هذه الإشارات لا يقرأها الامريكيون، فهم ببساطة لا يستطيعون التعامل مع الصين بشكل مختلف، وهم لا يعرفون كيف، وإذا حكمنا من خلال إصرار الإدارة الحالية على قضية الحفاظ على عالم أحادي القطب، فإنهم لا يريدون أن يفعلوا ذلك، وهم ينظرون إلى الصين باعتبارها منافساً يحتاج إلى احتوائه وترويضه، وفي الواقع، جاء بلينكن إلى الصين بالتهديدات على وجه التحديد، ووجه تحذيرًا خطيرًا آخر إلى بكين، وكرر تهديد وزيرة الخزانة جانيت يلين الخطير السابق مؤخراً، وهو فرض عقوبات اقتصادية ومالية جديدة، إذا لم تتخلص بكين من “القوة الفائضة” التي تزيح الولايات المتحدة، من مكانتها المهيمنة في الصناعة والتكنولوجيا والتجارة.

وكذلك طالب بلينكن، بكين بالتوقف عن مساعدة موسكو، وقال "إننا نرى الصين تتقاسم الأدوات الآلية وأشباه الموصلات وغيرها من العناصر ذات الاستخدام المزدوج التي ساعدت روسيا على إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية"، ووفقا له، فإن مثل هذه التصرفات من جانب بكين تؤدي إلى تهديدات "لأوكرانيا وللسلام والأمن الدوليين على حد سواء"، والغريب انه لم يُذكر بالضبط ما أجابه الرئيس شي، ولكن بعد اجتماع مع نظراءه الصينيين، قال وزير الخارجية إنه "إذا لم تتخذ بكين إجراءات لحل هذه المشكلة، فإن واشنطن ستفعل ذلك"، فقد فرضت بلاده بالفعل عقوبات على أكثر من 100 شركة صينية - من خلال ضوابط التصدير وما إلى ذلك، كما كان من قبل، " ونحن مستعدون لاتخاذ إجراءات إضافية، وقد أوضحت ذلك بشكل واضح في الاجتماعات ”، ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يحدث أي شيء من هذا، وقد ذكرت بكين مرارا وتكرارا أن القضية الأوكرانية لا ينبغي أن تصبح مشكلة بين بكين وواشنطن، وأوصت الأمريكيين "بعدم تشويه سمعة العلاقات الطبيعية بين الصين وروسيا أو إثارة مواجهة بين الكتلة، ناهيك عن التشهير وجعل الصين كبش فداء"

واستنادًا إلى كلام وزير الخارجية، فإن الولايات المتحدة والصين لم تتفقا أيضًا على هذه القضية، ومن هنا يمكن الاستنتاج، أن بكين لن تحل "مشكلة" دعم روسيا، وبالتالي وكما لخص عالم الصينيات الروسي نيكولاي فافيلوف "فقد انحدر بلينكن علنًا إلى حالة هستيرية"، وأشار الى انه يمكن تفسير فشل المفاوضات، من بين أمور أخرى، بشخصية وزير الخارجية، فزيارات بلينكن مبالغ فيها، وهو " مفاوض ضعيف، وكل نوابه في شؤون الصين هم مفاوضون ضعفاء بنفس القدر "، وإنهم لا يعرفون كيفية الضغط على الصين، وليس لديهم تعليمات واضحة ولا يفهمون المنطقة، ولكن بالإضافة إلى ذلك، فإن الفشل يمكن تفسيره بجوانب أخرى من العلاقات الصينية الأمريكية.

ويبدو أن الخلفية التهديدية للزيارة، كان ينبغي أن تكون في صالح بلينكن، فقد أصدرت الولايات المتحدة للتو قوانين لمساعدة تايوان، وإمكانية حظر شبكة تيك توك الصينية (إذا لم يبيعها الصينيون لشركة غربية)، وبطبيعة الحال، فإن الصين متهمة ببيع الفنتانيل، وهي مادة اصطناعية تستخدم في إنتاج المخدرات، لعصابات المخدرات المكسيكية، ولكن في طريقها إلى تنفيذ التهديدات،ـ بما في ذلك العقوبات ضد الصين، الا ان الولايات المتحدة تواجه ثلاث مشاكل على الأقل، أولها ً، يشكل تهديد الصين بعقوبات اقتصادية خطراً على الولايات المتحدة نفسها، فإن اقتصاد البلدين متشابك بشكل وثيق، والصين هي صاحبة أكبر أصول الديون الأميركية، وإن محاولات بدء حروب تجارية مع بكين عادة ما تؤدي فقط إلى مشاكل، وليس إلى حلول.

وثانيا، من غير المربح للغاية أن يواجه بايدن مشاكل اقتصادية في الأشهر الستة المقبلة - عندما تجري الحملة الانتخابية في الولايات المتحدة، وتظهر استطلاعات الرأي أن المرشحين الجمهوري والديمقراطي متقاربان، وأن الناخبين الأميركيين يركزون دائماً في المقام الأول على الاقتصاد في تفضيلاتهم الانتخابية، وإذا حدثت أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة بسبب قطع العلاقات مع الصين، فلن يغفر الناخب لبايدن على ذلك، في الواقع، ليس لدى الجانب الصيني أي فكرة عما إذا كانت الإدارة الحالية ستبقى في السلطة خلال الأشهر الستة سيئة السمعة.

اما ثالثًا، فأن الرفيق شي ينظر إلى كل من بلينكن وبايدن على أنهما بطة عرجاء، ومن غير المجدي إبرام أي اتفاقيات طويلة الأمد معهم، وعلى العكس، على سبيل المثال، فان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعيد انتخابه للتو لفترة ولاية أخرى ومن المقرر أن يسافر قريبا إلى بكين في زيارة لها، وبالتالي سيكون من السذاجة أن تأمل واشنطن في الحصول على فهم كامل من جانب بكين لقضية علاقتها مع موسكو، وكذلك لحل المشاكل الملحة الأخرى في العلاقات الثنائية، علاوة على ذلك، بدا الخطاب الترحيبي الذي ألقاه وزير الخارجية الصيني وانغ يي للسيد بلينكن أشبه بتوبيخ قاس، ومع ذلك، وعلى خلفية سلسلة كاملة من الإجراءات المناهضة للصين، والتي يبدو أن الولايات المتحدة قد وقتتها على وجه التحديد، لتتزامن مع زيارة وزير الخارجية، كانت هذه النتيجة متوقعة تماما، وبالتالي غادر بلينكن الصين يتيما، ولم يودع أي من المسؤولين المحليين وزير الخارجية - فقط السفير الأمريكي نيكولاس بيرنز، بابتسامة قسرية، صافح رئيسه على درجات سلم الطائرة.

***

بقلم الدكتور كريم المظفر

يأخذ عليَّ بعض الأصدقاء تزايد كتاباتي في الفترة الأخيرة عن الوضع الفلسطيني الداخلي وانتقادي لقيادة السلطة الفلسطينية والمقاومة وخصوصا حركة حماس، وفي نظرهم أن خطورة المرحلة تتطلب تجاوز الخلافات الداخلية وجلد الذات والتأكيد بدلا من ذلك على الوحدة الوطنية. مع احترامي لهذا الرأي إلا أن هناك بعض الأمور يجب توضيحها.

يمكن للكاتب أن يقارب الواقع الفلسطيني أو العربي بخطاب ملتبس ومجامِل للأنظمة والطبقة السياسية ليكتسب رضا الجميع ويحقق من خلال رضاهم مصالح شخصية أو على الأقل يتجنب شرهم، ولكن هذا النهج يُفقد الكاتب مصداقيته لأنه يصبح شريكا في تضليل الجماهير و مساهما في تقديس الحكام وأفراد الطبقة السياسية وتسيدهم على الشعب.

في حالة كالحالة السياسية الفلسطينية الراهنة، عندما تكتب أو تتحدث بعقلانية وواقعية منتقدا أوجه الخطأ في النظام السياسي وفي سلوك الأحزاب بعيدا عن الشعارات والأيديولوجيات والحسابات الحزبية الضيقة، ستجد كثيرين يُقدِرون ما تكتب ويتقبلون الانتقادات، ولكن في نفس الوقت ستفتح على نفسك نار جهنم من بعض مكونات الطبقة السياسية بكل أطيافها، سلطة ومعارضة، يمين ويسار، متأسلمون وعلمانيون، ومن يدور في فلكهم من المثقفين والكَتبة عندما تكشف نفاقهم وأكاذيبهم وتهدد انتقاداتك مصالحهم ومواقعهم.

وبالتالي فإن الحكم على مصداقية وموضوعية أي كاتب أو مثقف أو مفكر سياسي يتأتى من خلال تجاوز مربع المجاملات وتلمس الاعذار للحاكمين والطبقة السياسية حتى تحت مبرر أن المرحلة تتطلب توحيد الجهود في مواجهة عدو يهدد وجودنا الوطني، أو أن الطبقة السياسية ترفع شعارات المقاومة وتمارسها، أو أنها تمثل الشعب وعلى رأس المشروع الوطني ولا يجوز الإساءة لها أمام العالم.

التهديد الوجودي للقضية الوطنية، مع حرب الابادة التي يشتها العدو في غزة ومتواصلة في الضفة، يشكل الحافز الأكبر للمطالبة بتغيير طبقة سياسية ثبت فشلها طوال عقود في وقف هذا التهديد أو حتى التوافق على استراتيجية وطنية لمواجهتها.

ومن هنا كانت انتقاداتي الحادة للطبقة السياسية، فإن لم يأخذ الشعب وقواه الحية والوطنية داخل الاحزاب والمفكرين والمثقفين المبادرة لإصلاح النظام السياسي فإن أطرافا خارجيا ستصنع لنا قيادتنا ونظامنا السياسي حسب أجندتها ومصالحها في المنطقة، وعملية صناعة قيادة من الخارجية تجري بالفعل.

انتقادنا القاسي للطبقة السياسية والمطالبة بالتغيير والإصلاح من خلال العودة للشعب لا يعني عدم وجود فروقات بين الطبقة السياسية في حماس والطبقة السياسية في منظمة التحرير، ولكن الأزمة ومظاهر الفشل تعم الجميع وحتى لو اقتصرت انتقاداتنا على حركة حماس فهذا لا يعني أنه من الممكن المراهنة على المنظمة وحركة فتح والسلطة في وضعهم الراهن للخروج من الأزمة وإنقاذ المشروع الوطني التحرري.

انطلاقا من ذلك ومع إيماني بأن خطورة التحديات الخارجية تتطلب توحيد المواقف والجهود والبحث عن نقاط الالتقاء وتعظيمها والعمل على استراتيجية وطنية تجمع ما بين الحق بمقاومة الاحتلال والعمل السياسي والدبلوماسي، وتطبيق النظرية التي تقول بتجاوز الخلافات الداخلية في حالة وجود خطر مصيري يهدد الأمة، وهي نظرية المفكر الفرنسي هنري لوفيفر والتي استخلصها من تجربة المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية، وقد تطرقنا للموضوع  سابقا في عدة مقالات منها مقال نشرته يوم 23 سبتمبر 2018  يحمل عنوان (تجاوز الخلافات الداخلية لمواجهة العدو المشترك) وهو منشور في أكثر من صحيفة وموقع ...، إلا أن ما لاحظناه أن التهديد الوجودي لقضيتنا أرضا وشعبا لم يؤدي لوحدة النظام السياسي بل تزايدت الخلافات الداخلية، وحدث الانقسام وزاد تَدخُل الأطراف الخارجية في شؤوننا الداخلية وتراجعت الحصانة الداخلية للمجتمع وأصبحت مصلحة الأحزاب أهم من المصلحة الوطنية، حتى حرب الابادة الأخيرة لم تخرج النظام السياسي من ركوده أو تدفع لتجاوز الخلافات الداخلية بل تفاقمت حتى حوارات المصالحة العبثية وصلت لطريق مسدود وحلت محلها مفاوضات تقودها حماس منفردة حول غزة فقط ومستقبلها بعد الحرب! .

آنذاك أصبحت متخوفا بأن تضحيات الشعب وحوالي مائة ألف ما بين شهيد ومفقود وضعفهم من الجرحى والأسرى وحالة التأييد الشعبي العالمية المتزايدة لقضيتنا الوطنية واكتساب الرواية الفلسطينية مزيا من الأنصار والمؤيدين ... قد تذهب هباء منثورا ان استمر النظام السياسي على حاله والطبقة السياسية سادرة في غيّها واستمر غياب حاضنة وطنية جامعة، ولن تنفع كل الكتابات التي تتغنى بالمقاومة وبطولاتها أو تشيد بالمنظمة ورئيسها.

اليوم وبعد الحرب على غزة ومحاولة تصفية القصية الوطنية، يمكن القول بأن الطريق لمواجهة مخطط التصفية تمر من خلال تغيير الطبقة السياسية الحاكمة في الضفة وغزة، أما السعي لتحقيق مصالحة الآن بين الأحزاب – كالمحاولة العبثية وغير المفهومة التي تقوم بها الصين لرفع العتب-فلن يؤدي إلا لشرعنة طبقة سياسية فاشلة وتقاسم المغانم وإدارة الانقسام بين السلطتين، وحتى على هذا المستوى فشلوا وما زال كل طرف يتخندق في موقعه وينتظر هزيمة وانهيار الطرف الثاني ليزعم أنه كان على صواب.

مثلا لو سكتنا عن الوضع الداخلي واستمرينا في مدح وتمجيد القيادة والأحزاب وبطولات المقاومين فهل يمكن للطبقة السياسية الراهنة المنقسمة على نفسها و المتصارعة مع بعضها البعض أن تحقق أي نصر أو تحمي الشعب مما يتعرض له من حرب إبادة؟ وإن لم يكن الوقت مناسبا للانتقاد والمطالبة بعمل مراجعات لكل الأحزاب والطبقة السياسية، فمتى سيكون الوقت المناسب وقد صبر الشعب على الأحزاب أكثر من ثلاثين سنة لعمل مصالحة وإنجاز وحدة وطنية بدون فائدة؟ أيضا إذا كان حتى الآن لا يوجد أي توافق على مستقبل غزة بعد الحرب، فكيف لو تم تجاوز الفيتو الأمريكي واعترف العالم بالدولة الفلسطينية فما هي الخطوة اللاحقة؟ هل ستقوم الدولة في الضفة وغزة التي تصر حماس على استمرار سيطرتها عليها؟ وهل ستفوض حركة حماس منظمة التحرير مهمة استكمال الإجراءات العملية لتجسيد هذا المُنجز؟ أم تنسب الفضل لها ولمقاومتها؟ وهل السلطة الوطنية في وضعها الراهن تستطيع مد سلطتها إلى غزة وتجسيد سيادة الدولة عليها؟ ما نخشاه أن يُفسد الانقسام هذا المنجز حتى وإن كان معنويا وسياسيا ويتم الصراع حول من يقود عملية التفاوض اللاحقة ممثلا للشعب وصراع على من يحكم هذه الدولة الوليدة.

وأخيرا، كثيرون في الطبقة السياسية الفلسطينية أصبحوا على درجة من الكلاحة السياسية تستفز كل صاحب ضمير حي لأن أضرار ممارساتهم لا تقتصر على الفساد والإفساد بل تتعدى ذلك لتمس بالمصالح الوطنية العليا و لأن وجودهم واستمرارهم في السلطة يشكل إهانة واحتقارا الشعب الفلسطيني العظيم، ولا نبالغ إن قلنا إن الطبقة السياسية الفلسطينية الحالية هي الأسوأ في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

***

ابراهيم ابراش

 

استخدام روسيا في مجلس الأمن الدولي حق النقض (الفيتو)، ضد مشروع قرار الولايات المتحدة واليابان،  حول عدم نشر أسلحة الدمار الشامل في الفضاء،، وامتناع الصين عن التصويت، وصوتت 13 دولة لصالح المشروع، خطوة لها مبرراتها ، وليس كما جاء في ردود الأفعال الغربية على هذه الخطوة الروسية، فقد رفضت هذه الدول التعديلات التي طلبتها الصين و تجاهل التعديلات المقترحة من روسيا.

وكما هو معروف فان مشروع القرار لمجلس الأمن الدولي، أعدته واشنطن وطوكيو، يدعو الدول إلى عدم تطوير أسلحة نووية أو غيرها من أنواع أسلحة الدمار الشامل، المعدة لوضعها في مدار حول الأرض أو في الفضاء بأي طريقة،  في حين اقترحت روسيا والصين تعديلا يدعو جميع الدول إلى "اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي بشكل دائم والتهديدات باستخدام القوة في الفضاء، ومن الفضاء نحو الأرض، ومن الأرض نحو الأجسام الموجودة في الفضاء"، ولكن لم يتم قبوله.

أن التعديلات الأساسية التي اقترحتها روسيا تم تجاهلها، رغم انها قد نصت على تضمين النص، أحكاما بشأن ضرورة اتخاذ تدابير للحفاظ على الفضاء الخارجي خاليا من كل أنواع الأسلحة (وليس فقط أسلحة الدمار الشامل)، وضمان عدم استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة ضد الأجسام الفضائية، واستخدامها في الفضاء أو منه أو كل ما يتعلق به، وأهمية الإسراع بوضع صك دولي مناسب ملزم قانونا.

كما  ان روسيا عارضت مشروع القرار، بسبب محاولة الولايات المتحدة إنشاء التزامات قانونية دولية جديدة  (من خلال استخدام مجلس الأمن الدولي)، في مجال أمن الفضاء تتجاوز إطار المعاهدات والاتفاقات القائمة، (وفي المقام الأول معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967)، ومتجاوزة منصات "نزع السلاح" المتخصصة ودون دراسة مناسبة من قبل الخبراء، وأن تبني القرار بحسب الخارجية الروسية، من شأنه أيضا أن يمنح الولايات المتحدة "أيدي طليقة"،  لإضفاء الشرعية على أي آراء في قضايا الأمن الدولي تكون في صالحها، ومن وجهة نظر موسكو فإن "المهمة الرئيسية في مجال ضمان أمن الفضاء تظل منع حدوث سباق تسلح في الفضاء، وضمان الظروف الملائمة لاستكشاف واستخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية.

وروسيا باستخدامها حقها في مجلس الامن الدولي ( الفيتو )، أرادت منه التشديد على بقاءها ملتزمة بشكل صارم بالالتزامات القانونية الدولية في مجال قانون الفضاء، بما في ذلك معاهدة الفضاء الخارجي، وهي مستعدة دائما للاتفاق الفوري وإبرام اتفاق دولي شامل "ملزم قانونا"، لمنع سباق التسلح في الفضاء الخارجي، وبالتالي لا ينبغي تحويل انتباه المجتمع الدولي عن التهديدات الحقيقية في الفضاء التي خلقتها الولايات المتحدة بدعم من أقمارها الصناعية.

كما أن الغرض من مشروع قرار الولايات المتحدة واليابان،  هو تسييس القضية، لدعم اتهامات الولايات المتحدة التي لا أساس لها ضد روسيا، ومحاولة وضعها وكما عبر عنه المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا ، " في موقف غير مريح"،  لأن الولايات المتحدة تريد تتجنب أي التزامات من شأنها أن تمنعها من القيام بما تفعله الآن، وهو تطوير أنظمة الأسلحة التي يمكن نشرها في الفضاء الخارجي، على الرغم من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرح علنا بأن روسيا لا تنوي نشر أسلحة نووية في الفضاء.

وكبادرة حسن نية فإن روسيا أعربت عن استعدادها  لإجراء حوار متكافئ  مع جميع الدول للحفاظ على الفضاء خاليا من أي نوع من الأسلحة، كشرط من شروط ضمان السلام والأمن الدوليين، ولكن ليست كل الدول مستعدة لإجراء محادثة مسؤولة في هذه القضية، لذلك لفتت  المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الانتباه إلى تصريحات مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الفضاء جون بلوم، بأن مشروع المعاهدة الروسية الصينية بشأن منع نشر الأسلحة في الفضاء، أو استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة ضد الأهداف الفضائية "ليس أكثر من مجرد "حيلة سياسية"، زاعما أنه لا يمكن التحقق من تنفيذها".

بالتأكيد ان الولايات المتحدة تحاول تضليل الجميع بنواياها تجاه هذه القضية المهمة والحساسة، وتسعى الى، تحميل روسيا مسئولية عدم الاتفاق على مثل هكذا قرار، وقد ادعى مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جيك سوليفان، في بيان له نشره البيت الأبيض،  أن روسيا تعمل على تطوير أسلحة فضائية قادرة على حمل شحنة نووية، وان استخدام روسيا حق " النقض "  في مجلس الأمن الدولي، على مشروع القرار الذي اقترحته الولايات المتحدة واليابان حول عدم نشر الأسلحة النووية في الفضاء ، ان الولايات المتحدة تعتبر أن روسيا تعمل على تطوير قمر صناعي قادر على "حمل شحنة نووية"، دون ان يقدم الجانب الأمريكي أي ادلة على وجود مثل هكذا مشاريع لدى روسيا  .

وليس غريبا أن تقوم الدول الغربية بترويج ادعاءات عن وجود خطط روسيا "خبيثة" تتعلق بالفضاء، لتبرير تطويرها لمنظومات تسلح فضائية، وترى ان هناك ادعاءات يجري نشرها في وسائل الاعلام، عن ثمة خطط روسية تتعلق بالفضاء، وفي الواقع ينظر الغربيون للفضاء الخارجي باعتباره المجال الأهم للحرب، وعلى هذه الخلفية تطوَّر برامج طموحة تهدف لإنتاج أنظمة تسليح لاستخدام القوة ، او التهديد باستخدام القوة في الفضاء الخارجي.

ان الضجة التي تصاعدت مؤخرا في الغرب، بما في ذلك في الولايات المتحدة، فيما يتعلق بنشر الأسلحة النووية في الفضاء، لا تتناسب وموقف روسيا الواضح الذي عبر عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اكثر من مناسبة، وهو ان روسيا كانت ولاتزال دائما ضد نشر الأسلحة النووية، والآن ضد نشر الأسلحة النووية في الفضاء، لكن موسكو تؤكد  أنها  تفعل في الفضاء فقط ما تفعله الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، وقال بوتين في هذا الصدد  "فيما يتعلق بالفضاء، فإننا في نفعل فقط ما تفعله الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة"، مشيرا  إلى أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على الدعوة في نفس الوقت إلى هزيمة روسيا الاتحادية، وإجراء حوار حول الاستقرار الاستراتيجي " لأنهم كقاعدة عامة يريدون تحقيق مزايا أحادية،  وهذا لن يحدث".

التصريحات الغربية هنا وهناك لا تجتزأ من السياسة الخارجية الأمريكية، ولهذا فإن تصريحات مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الفضاء، جون بلام، الذي اتهم روسيا بأنها تخطط لنشر أسلحة نووية مضادة للأقمار في الفضاء، واعتباره تصريحات روسيا والصين بشأن عدم نشر الأسلحة في الفضاء هي مجرد "خدعة سياسية"،  وتعليقات الممثلين الأمريكيين، بشأن منع سباق التسلح في الفضاء، وكذلك نشاطهم الحالي حول شؤون الفضاء في مجلس الأمن، هي جزء من سياسة واشنطن الرامية إلى تقويض الجهود المتعددة الأطراف، للحفاظ على السلام الدولي وتعزيزه.

***

بقلم: الدكتور كريم المظفر

هناك توجه مجتمعي جديد ومحموم وهو كره المتدينين، واعتبارهم يقينا محض مدعين للتدين، لاسيما المعممين منهم، بالطبع هم يستندون في هذه القناعة إلى ما آلت إليه الأمور في العراق سياسياً، حيث كانت الأحزاب المتصدرة للحكومات المتعاقبة بعد ٢٠٠٣ هي أحزاب تحت مسميات دينية بارزة، وقع على عاتقها تشكيل حكومات، يرى الشعب عموماً أنها لم تنجح في إدارة البلد، لنقل ولو بنسبة مُرضية مع ما توفر لها من مقومات النجاح، حيث الموارد المالية الهائلة، ومساحة الحرية الكافية، كل هذا ألقى بظلاله على نظرة الجماهير إلى الدين والمتدين العراقي، وبالأخص المعمم، فبعد أن كانت رؤية المعمم في الشارع تثير في نفوس الناس نوعاً من احترام وتبجيل، صارت تثير الإشمئزاز، لأن شكله فوراً يقترن بسرقة أموال الناس وحتى التورط في دمائهم، حتى لو كان ذاك المعمم يعيش ذات الظروف التي يعيشها الإنسان العادي تماماً.

يعبّر الناس عن هذه الكراهية بلا حرج على مواقع التواصل. هناك كمية كبيرة من مقاطع ساخرة وصور مضحكة، فضلاً عن قصص وأخبار يتم تداولها حول أشخاص متدينين ومعممين، مثلاً يتم عرض صورة إمرأةً فقيرة معدمة، بجانبها رجل معمم يقود سيارة فارهة، وقصص أخرى من هذا النوع تضعهم في خانة المتهمين دائماً، كل هذه الممارسات على مواقع التواصل خلقتْ وعياً جديداً في أذهان الناس، يقوم على كره الأشخاص الذين تبدو عليهم السمات الدينية، سواءً كانوا معممين أو خطباء، أو شعراء دينيين أو غيرهم ممن يُظهِرون تدينهم، فهم يرون فيهم وجه الدولة التي سرقتهم، وأخفقت في إسعادهم.

في الأدب أيضاً ذات الأمر، إذ لايوجد روائي أو قاص يقدم نموذجاً دينياً إلّا حسب المزاج الشعبي العام، هكذا لن يعرض الكاتب نفسه لتهمة أنه متواطئ، فيما أن الأديب يعرف جيداً بصفة أنه مثقف، أن الوعي العام هو عاطفي وانفعالي عموماً، وإن الكاتب وهو شاهد عصره عليه أن يكون متوازناً وموضوعياً، فهو أشبه بخالقٍ مواز، يقدم جميع الإحتمالات، ولا ينقاد للوعي السائد، وليست رواية (ألف شمس مشرقة) ببعيدةٍ عنا، وهي رواية عالمية للكاتب الأفغاني الأمريكي خالد حسيني، ورغم إني لست متيقنةً من توجهات الكاتب الشخصية-وهي لا تعنيني كثيراً-إلّا إنني لمست توازناً ملحوظاً في تقديم شخصياته في مجتمع مسلم منغلق مثل المجتمع الأفغاني، فهناك (رشيد) وهو زوج الشخصية الرئيسية (مريم)، إنه شخص متدين، لكنه عدواني، سيء الخلق، فيما قدم لنا ايضاً ( الملا فايز الله)وهو رجل متدين، أراده حسيني رمزاً إسلامياً نقياً، فضلا عن شخصيات أخرى تندرج بين هذين النموذجين. لفتت انتباهي موضوعية الكاتب في خلق شخصيات طبيعية من لحم ودم، ذات قناعات دينية أملتها ثقافة بلده أفغانستان، ولم يكن متجنباً الخوض في تلك القناعات رغم الجنسية الأمريكية التي يحملها فضلاً عن ميوله العلمانية الواضحة.

برأيي أن الشعب له مبرراته في انفعالاته المتطرفة تجاه الدينيين (وأعني الإسلاميين خاصة والمعممين غالباً) لأنها ناجمة عن خيبة أمل كبيرة، وإن كانت تلك الإنفعالات غير موضوعية في تعميمها، لكن ما عذر المثقفين والكتاب في مجانبتهم الواضحة للموضوعية؟

المثقف العراقي، والأديب تحديداً لايقدم لنا شخصيات ذات خلفيات ورؤى دينية جيدة، لأنه يعرف أن سمة الأدب في العراق هي ليبرالية، أو وجودية أو ماركسية أو علمانية، عدا ذلك لا يُعد أدباً. برأيي أنها وجهة نظر لها ما يسوّغها، لكن يفوتهم أن الأديب البارع قادر حتماً على تقديم النماذج، الدينية الجيدة منها والرديئة، مع إبقاء النص في مساره الطبيعي البعيد عن العاطفة والإنحياز كما فعل (خالد حسيني) في روايته، فهي رواية واقعية، لم يفكر فيها الكاتب بردود الأفعال في أميركا مثلاً، ويا للمفاجأة عندما حققت الرواية ذلك النجاح العالمي المدوّي مع كثرة المحمولات الدينية.

الأدب لا ينقاد للمزاج العام، بل هو يخلق مزاجاً موضوعياً جديداً، وينتج وعياً بالحقيقية، حقيقة أننا يجب أن نكون منصفين وموضوعيين في نظرتنا للأفراد والأحداث.

***

تماضر كريم

 

يستغرب كثيرون كيف تمكن دونالد ترامب، وهو من خارج النخبة السياسية المهيمنة من الوصول إلى السلطة (2016)، وحتى بعد خسارته في انتخابات العام 2020، فإنه بقيَ في المشهد السياسي، وكما يقول عن أنصاره أن ثلاث أرباعهم يعتقدون أنه فاز في الانتخابات، وهو ما يدعوه اليوم إلى رفع صوته عاليًا للثأر من خصمه اللدود في الانتخابات المقبلة، التي ستجري في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2024.

كان فوز ترامب مفاجئة كبرى، حيث كانت جميع الاستطلاعات ترجّح فوز منافسته هيلاري كلينتون، لكنه بحكم نجوميته وعلاقاته بعالم المال والأعمال والإعلام، تمكن من إحراز النصر عليها، واستطاع قلب المشهد السياسي، وظلّ متشبثًا بأحقيته حتى حين خسر أمام بايدن.

لم يهمل ترامب وسيلة لمقارعة بايدن، سواء كانت شخصية أم مالية أم قانونية أم إعلامية أم شعبوية، إلّا واستخدمها لتحقيق مآربه والوصول إلى مبتغاه، مستندًا إلى كارزميته وقوّة شخصيته وتمكّنه من الحصول على دعم الحزب الجمهوري، وهكذا أخذت تتشكّل "الترامبية" ويتجمّع حولها الأنصار، لا باعتبارها ظاهرة عابرة، بل بوصفها وليدة تشابك العديد من المصالح والتوجهات والروافد، التي التقت في تيارها.

وكانت فترة رئاسة أوباما واحدة من أسباب ظهورها، وبالتالي حصولها على قاعدة شعبية أوسع من القاعدة التي يهيمن عليها الحزب الجمهوري تاريخيًا، فإضافة إلى أصحاب المصالح والمهن المرتفعة الدخل، فإن الاتجاهات العنصرية التي رفعت لواء الحمائية ومناهضة الهجرة غير الشرعية وتجاوز البيروقراطية الحكومية، كانت خلفية فكرية لها، وهكذا حاول ترامب اللعب على عدد من الشعارات الشعبوية التي شكّلت إطارًا عامًا للتيار الترامبي في السياسة الأمريكية، على المستويين الداخلي والخارجي، بما فيه العلاقة مع روسيا، وما يزال هناك من يعتقد أن فوز ترامب في الانتخابات المقبلة سيوقف الحرب في أوكرانيا، وخصوصًا بالامتناع عن تقديم المساعدات لها.

وإذا كان ترامب يسعى لتجديد الحزب الجمهوري وتوسيع قاعدته الاجتماعية، فإنه اشتغل حتى قبل تولّيه دست الحكم على ما عُرف ﺑ "فن الصفقة"، وهو عنوان كتابه الصادر في العام 1987، وكان المال، وما يزال، عنصرًا أساسيًا في توجهه، فقد استعان به على شحّ خبرته السياسية والحكومية والعسكرية، ويمكن الاستدلال على ذلك، بتصريحاته المثيرة للجدل وسلوكه الغريب أحيانًا، سواء خلال حملته الانتخابية أو بعدها، بما فيه خلال فترة رئاسته، ناهيك عن بعض تصرفاته التي تنمّ عن مسحة استعلائية ضدّ المرأة، فضلًا عن محاولات التفافه على القانون للتخلّص من عبء الضرائب، وركّز على الإعلام لمواجهة خصومه وعشرات الدعاوى القانونية، إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وقد تمكّن من إزاحة منافسيه من الحزب الجمهوري، حتى بدا هو الأول في مواجهة بايدن الديمقراطي.

ثمة أسباب عديدة لظهور "الترامبية"، لاسيّما في ظلّ تعمّق التوجهات المحافظة، وهي موجودة في المجتمع أساسًا، وانعكست على السياسة بالطبع، وهكذا أخذت تنشأ بالتدرّج ما يمكن أن نطلق عليه "الترامبية"، وهذه الأخيرة يمكن تلمّسها عبر عدد من المجسّات الأساسية التي شكّلت سداها ولحمتها؛

أولها – سلوك طريق الشهرة، من خلال علاقته بالمشاهير، سواء كانوا نجومًا سينمائيين أو كتابًا أو صحفيين، وقسم منهم اضطّلعوا بأدوار في السياسة الأمريكية، ومن أبرزهم الرئيس الأسبق رونالد ريغان، وهكذا تمكّن من تقديم نفسه باعتباره صاحب قرار ويمتلك إرادة قوية ويستطيع أن ينفّذ ما يضعه كبرنامج دون تردّد أو خشية، بالرغم من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها، سواء خلال فترة حكمه أو في حملاته الانتخابية.

ثانيها – إثبات فشل السياسيين التقليديين، الذين لم يحسنوا إدارة الحكم، حسب رأيه، لذلك سار على خطى ريغان، الذي كان يردد أنه مواطن عادي وغير سياسي، وأن لديه اعتقادًا راسخًا بأن السياسيين هم الأكثر إزعاجًا للمواطن، وما مكنّه من التبجّح بذلك أكثر، هو كونه "مليارديرًا" وليس بحاجة كبيرة إلى جماعات الضغط كما يحتاجها غيره.

ثالثها – إعلاء النزعة القومية المعادية للمهاجرين، وموقفه الاستعلائي من الأجانب بشكل عام، ووفقًا لشعار "أمريكا أولًا"، و"إعادة عظمة أمريكا"، عمل على بناء جدار على طول الحدود المكسيكية، وسعى إلى ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، بل أنه قرّر منع مواطني عدد من البلدان الإسلامية من دخول الولايات المتحدة، واضعًا عقبات جديّة أمام حصولهم على الفيزا، فضلًا عن انسحابه من العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

رابعها – الشعبويه، التي جذبت إليه أتباعًا حتى من خارج الحزب الجمهوري، وقسم من هؤلاء كانوا ساخطين على النخب السياسية التقليدية، فاستغلّ استياء العديد منهم ليحقق حضورًا كبيرًا على الساحة السياسية من خارجها، لدرجة أصبح ظاهرة جديدة في السياسة الأمريكية.

ولعلّ المعركة الانتخابية المقبلة بين الترامبية والبايدنية ستكون هي الأكثر سخونة في تاريخ الولايات المتحدة، وأنها أول انتخابات رئاسية، منذ فوز دوايت أيزنهاور في 1956، تشهد إعادة منافسة، خصوصًا أن ثمة اختلافات وخلافات جوهرية بين الاتجاهين فيما يتعلّق بالاقتصاد والسياسة الخارجية والقضايا الدولية، وفي جزء منها اختبار جديد للديمقراطية الأمريكية، التي يعتقد البعض أنها تحتاج إلى المزيد من إعادة النظر بجوانبها المختلفة ومعالجة نواقصها وثغراتها وعيوبها، بل وحتى أُسسها، ويتوقف على حسمها جزء مهم من مستقبل العلاقات الدولية من جهة، ومستقبل الولايات المتحدة من جهة أخرى.

***

عبد الحسين شعبان

اليوم، ونحن نعيش ذكرى الجلاء في سورية؛ علينا أن نعود بالذاكرة إلى أزيد من مئة عام، لنتذكَّر ونُذكِّر بأول استقلال لسورية في العصر الحديث في 8 آذار 1920، وربما يكون هو الأول بتاريخ سورية منذ أن عُرفت بهذا الاسم! والذي يستحق التوقف عنده. والتعرف على تلك المرحلة الفاصلة؛ بين تاريخ من الجور والظلم والجهل والامتهان، في نفق الدولة العثمانية المظلم! ومرحلة جديدة تَعِد بعهدٍ جديد عُقدت عليه الآمال، بعد طول انتظار. ونريد أن نُذكِّر بقائد ذلك الاستقلال، الأمير فيصل ابن الحسين، والذي خرج من مكة على رأس جيش كبير، متعقباً فلول العثمانيين الذين أُخرجوا من بلادنا بعد أربعة قرون! فيصل الذي اختار سورية لإقامة أول "حكومة عربية في دمشق" تكون أساساً لبناء عقد اجتماعي لسورية الكبرى، يكون صالحاً لتعميمه على مختلف أقطار العرب وشعوبها.

ويُظهر الأمير فيصل أبن الحسين شريف مكة، في كل مناسبة، تأكيده على المبدأ القومي ففي خطابه أمام مؤتمر السلم في فبراير (شباط) 1919 حين قال: "ان هناك فرقاً كبيراً بين حكومة تركية وأخرى عربية تقام في هذه المنطقة". يقول جورج أنطونيوس في كتابه: يقظة العرب.. "ومن العدل أن نذكِّر نقاد الفكرة العربية الذين يأخذون على الأكثرية العربية أنها لا تستطيع أن تفرق بينها وبين الفكرة الإسلامية، أنه كما لا يحق لنا ان ننتظر من الأقلية العربية ان تتخلى عن نصرانيتها حتى تصبح قومية، كذلك لا يحق لنا ان ننتظر من الأكثرية ان تتخلى عن اسلامها حتى تصبح اهلاً لحمل لواء الفكرة القومية. وللمغفور له فيصل الأول الكبير القول الفصل في ذلك عندما قال: "الدين لله والوطن للجميع". هذا الشعار المُوحد لأبناء الشعب، الذي أطلقه فيصل، وعمل على تحويله إلى برنامج عمل ملموس على أرض الواقع؛ منذ أن وطأت قدميه أرض سورية، على مبدأ الوطنية، والمواطنة الحقة، الذي يتساوى الجميع من خلاله، لا فضل لأبناء منطقة ما، أو طائفة، أو مذهب؛ على غيرهم إلا بما يقدمونه من خدمات لرفعة شأن أمتهم، وازدهار دولتهم ورفاه شعبهم، من خلال ما يمتلكونه من خبرة، وعلم ومعرفة.

واستغل فيصل كل مناسبة سواء في لقاءاته الداخلية مع الفعاليات الوطنية بمختلف مكوناتها، أو بالمحافل الدولية؛ للتأكيد على مساواة العرب في الحقوق والالتزامات، بقوله: العرب هم عرب قبل موسى وعيسى ومحمد. وهذا ما يُظهر تأكيده على فصل الدين عن السياسة، في مذكرته الى داوننج ستريت في سبتمبر (أيلول) 1919 التي ذكر فيها "رغم أني من أعرق الأسر الإسلامية فقد حملت السلاح ضد الخلافة إلى جانب الحلفاء لتحقيق أمل الوحدة".

وعرف الزعماء السياسيون ان الفروق الدينية يجب ازالتها قبل اتخاذ أي خطوة نحو الوحدة. ولو كان الوضع في سورية قد ترك لتطور طبيعي لاختفى الانقسام الديني والإقليمي تماماً على مسرح السياسة السورية.

دخلت جيوش الثورة العربية وقوات الحلفاء دمشق في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1918، بعد خروج الجيش التركي منها في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر. وفي اليوم التالي لدخوله دمشق، أصدر الأمير فيصل بلاغاً إلى الشعب باسم والده الشريف حسين، يعلن فيه تأسيس حكومة عربية في دمشق، وبدأ من فوره العمل مع فريقه، بالاتصال بالعلماء ورؤساء الدين والوجهاء العاملين في الحقل الوطني، وكان أول اجتماع من هذا القبيل عُقد في منزل الوجيه الدمشقي الكبير محمود بك البارودي، الذي تجلت فيه وحدة الفكرة العربية بين الأمير وتلك النخبة التي تعتبر ممثلة الشعب في الإفصاح عن رغبته في الوحدة والاستقلال.

وتابع فيصل تواصله مع الهيئات الفاعلة من أبناء الوطن بزيارة قام بها إلى مدن الشمال حمص وحماة وحلب، واستقبل بها بمنتهى الحفاوة والترحيب، التقى فيها بمختلف فعاليات المدن الثلاث، وفي حلب محطته الأخيرة، ألقى على الأهلين خطاباً أَبَان فيه جهود والده الحسين وحلفائه توصلاً لإنقاذ العرب من النير التركي وجمع كلمتهم وضمان حريتهم واستقلالهم. وحث الأمير في ختام خطابه الأهلين على اختلاف مذاهبهم على السعي بكل عزم وهدوء لتحقيق أمنيتهم الغالية بواسطة حكومة وطنية حائزة على ثقتهم، في سبيل خدمة الشعب وترقيته واستقلاله ورفع شأنه في نظر الحلفاء والعالم أجمع.

لم يكن الأمير فيصل والحاكم العسكري الركابي واخوانه العاملون في الحقل الوطني ولا زعماء الفكرة العربية والجمعيات السياسية، راضين عن تقسيم البلاد العربية إلى مناطق نفوذ للاستعمار الأوربي الفرنسي والبريطاني. فعمدوا على مقاومته باتباع سياسة الأمر الواقع بجميع الطرق السلمية. لذلك ضمت حكومة الفريق الركابي، المعيَّن من قبل القائد العام للقوات الحليفة الجنرال "اللنبي"، رجالاً من سورية ولبنان وفلسطين والعراق والأردن والحجاز دون أي التفات إلى المناطق التي ينتسب إليها كل منهم، ولا تبعاً لمذهبه وأسرته وعشيرته. فكان الأمير عادل أرسلان (جبل لبنان) معاوناً للحاكم العسكري، ونوري باشا السعيد وجعفر باشا العسكري وياسين باشا الهاشمي، من القادة العراقيين، في أهم المناصب، أولهم مستشاراً سياسياً للأمير فيصل والثاني مستشاراً عسكرياً والثالث رئيساً لميرة الجيش، وسعيد باشا شقير (بيروت) مديراً للمالية، واسكندر بك عمون (جبل لبنان) مديراً للعدلية، ورشيد بك طليع (جبل لبنان) مديراً للداخلية، وسليم باشا موصلي (دمشق) الجنرال السابق في الجيش البريطاني مديراً للشؤون الصحية، وساطع بك الحصري (حلب) مديراً للمعارف (التربية والتعليم).

 واتبعت نفس الخطة في مجلس الشورى ومحكمة التمييز (النقض) وفي ديوان الأمير، وباقي الإدارات التي لا يتسع المكان لذكر تفاصيلها.  

حسب يوسف الحكيم، صاحب كتاب: سورية والعهد الفيصلي، بقوله: „يدعونا الانصاف إلى التصريح بأن المسيحيين ناولوا من الوظائف الهامة في الجامعة كما في سائر دوائر الحكومة أكثر مما تفرضه النسبة العددية بينهم وبين إخوانهم المسلمين، مما دل على أن هدف الجميع الأسمى هو الوطن العربي وأن الاخاء العربي يسود جميع أبنائه ويحول دون كل تفرقة يتمناها ويسعى اليها الطامعون في استعمار البلاد".

في جلسة للمؤتمر السوري عُقدت في الثالث من حزيران سنة 1919 وانتخب هاشم الأتاسي نائب حمص رئيساً له، ومرعي باشا الملاح نائب حلب، ويوسف الحكيم نائب طرابلس نائبي للرئيس.

وفي ختام الجلسة، وجه الرئيس كلمة شكر إلى النواب على ثقتهم.. وطلب بأن يرفع المؤتمر واجب الشكر لسمو الأمير فيصل على ما قام به في سبيل سورية.. وانتخب المؤتمر لجنة من بين أعضائه لتنظيم عريضة الشكر والتأييد.

وفي الجلسة التالية، حين تليت عريضة الشكر على المجلس من أجل إقرارها، اعترض السادة المشايخ من النواب على خلوها من البسملة التي يجب أن يُبدأ بها. فقابلهم النواب التقدميون، وكلهم من الأدباء، خريجي المعاهد الحقوقية والعلمية العالية، بأن الأمة تتطلع إلى فجر جديد تتجلى فيه فكرة تأسيس حكومة تتفق وروح العصر، لا دخل فيها للدين، فتبقى الأديان السماوية في حرمتها وقداستها وتسير السياسة في انطلاقها حسبما تقتضيه مصلحة الوطن، أسوة بالأمم الراقية في أوربا وأميركا. فعاد المشايخ إلى المعارضة واحتدم الجدال بين الفريقين ووصل حداً ينذر باحتمال انقسام الأمة وراء نوابها شطرين، تقدمي ومحافظ مما يهلل له الاستعمار ويضر باستقلال البلاد.

يقول يوسف الحكيم: لذلك نهضت معلناً رأيي، بأن التقدمية التي يرغب فيها الشعب ولا سيما الطبقة الواعية لا تتناقض مع الاعتقاد بالله العلي العظيم، وأمامنا الأمة البريطانية العريقة في الحكم النيابي تُظهر في كل مناسبة تمسكها بالدين دون أن تدخله في السياسة وإدارة شؤون المملكة ودون أن يكون سبباً للتفرقة بين أبنائها في الحقوق والواجبات الوطنية. واقترحتُ في ختام كلامي، للتوفيق بين فريقي النواب، أن تتوج العريضة بكلمتين فقط هما "باسم الله" فصفق النواب جميعاً ووافقوا على العريضة.

هنا يمكننا القول؛ ونحن نقلب صفحات مضيئة من تاريخنا، أن سورية كانت قاب قوسين أو أدنى من فصل الدين عن السياسة قبل أزيد من مئة عام؛ لو تسنى لتلك الفرصة النجاح! كانت تجربة علمانية، من دون أن توضع العلمانية كعنوان لها.. تجربة، كانت العلمانية تُقرأ في كل سطرٍ من وثائقها، وخاصةً في قانونها الأساسي الذي لم تُتَح الفرصة لتطبيقه.. كانت تجربة ثمينة.. وفرصة ضائعة! فهل نستطيع التعلم منها؟

***

سمير البكفاني - كاتب سوري 

 

جرت محاولة اغتيال للرّاهب العِراقيّ- الأستراليّ مار ماري عمانوئيل، خلال موعظته في كنيسته «المسيح الرّاعيّ الصالح»(15 /4/ 2024)، الكائنة بمدينة وايكلي، غرب العاصمة الأستراليّة. فاجأه مراهق عمره من 15-16عاماً، بطعنات، نُقل على أثرها إلى المستشفى. صرحت الشّرطة، بأنه «عمل متطرف مدفوع بدوافع دينيَّة».

كان الرّاهب منفرداً، في مواعظه، على خلاف طبيعة خِطاب الرّهبان الوعظي. تجده يتناول السّياسة، ويرد على ما يُثار في شبكة الإنترنت، مِن المقارنة بين الأديان، وبين الأنبياء، فيدخل في خلاف دينيّ، مصرحاً لماذا يعتقد بالإنجيل دون غيره، بمعنى كان إشكالياً في خطبه. لذا، أنشأ كنيسته الخاصة. هاجر مِن العراق قبل دخوله الخدمة الكنسية، وترسيمه أسقفاً، ضمن أبرشية أستراليا ونيوزيلندا، التابعة للكنيسة الشَّرقيَّة.

كان حاضراً بقوة في المواقع الإلكترونيَّة، هَدَده صاحب موقع تحريضي، بعبارة: «انتظر ما يسوءك»(مارس 2023)، مُذكره بمصير راهب قبله، مع مناقشة جارحة لأفكاره، وبالتالي وضعه أمام النّاس مستحقاً التّصفية الجسدية.

حسب تاريخ موقع هذا المحرض، أنه كان ضمن إعلام جماعة «الإخوان المسلمين»، في غمرة التظاهرات ضدهم، وبعد زوالهم مِن الحُكم (2013). اتخذ هذا المحرض، مِن موقعه منصة ضد المسيحيين، بالمقابل توجد منصات مسيحية تقوم بالرّد، فتشتد المواجهات، كثفتها حادثة طعن الرّاهب، فظهرت التحريضات السابقة ضده، خلال البحث عن مقدمات محاولة الاغتيال.

هذا، والإنترنت ومواقعه، جمعت العالم، وحولته إلى قرية، يطفح حولها الشّرُ والخيرُ. تابعتُ ما قدمته تلك المواقع، عن القضية، وهي تدق طبول حرب عقائديّة دينيَّة، خارج ما يعبرون عنه بـ «الرّأي والرّأي الآخر»، فتلك برامج زعيق، واعتداء، وتسقيط، فلا نتصور حواراتها كالتي كانت بين الخليفة المهدي بن المنصور العباسيّ (158-169هجرية) وجاثليق الكنيسة الشَّرقية طيمثاوس الكبير ببغداد، ولا هي بحدود ما عُرف بالمباهلة (المواجهة الحواريّة)، أو ما يُعبر عنه بالمناظرة، إنما جدل، يحضره المتجادلون، للرّد والمواجهة النّاريّة، التي تُمهد لحروب ومقاتل، داخل البلد الواحد، وبين البلدان.

أكثر هذه المواقع، على المستوى الديني أو المذهبي، تبث مِن بلدان الحرية الاعلامية والفكريّة، مع أنها لا تنتمي لعمل إعلامي، ولا خلاف فكريّ، بل بيانات معارك. ومعلوم أنَّ «الْعَدَاوَةُ عَلَى الدِّينِ، الْعَدَاوَةُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا، إِلَّا بِانْتِقَالِ أَحَدِ الْمُتَعادِيَيْنِ، إِلَى مِلَّةٍ الْآخَرِ مِنْهُمَا»(الطَبريّ، جامع البيان)، أخطر العداوات، إمَّا القتل وإمّا دخول دِين عدوك. فكم تكون إشاعة الإخوة الإنسانيَّة مهمة، بها وحدها يتحقق منطوق الآية: «لكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»، الآية التي لم تسلم مِن النّسخ، نسخها فقهاء «النّاسخ والمنسوخ» بآية السّيف(البغداديّ، النَّاسخ والمنسوخ).

أرى أنّ طعن الرّاهب، واحدة مِن موجبات دعم الأخوة الإنسانية، ولا مناصَ مِن تبنيها عالميّاً، وكانت البادرة بأبوظبي «وثيقة الأخوة الإنسانيّة» (4 فبراير2019)، لخلق ثقافة تبعد شبح القتل بسبب دينيّ، أو الإكراه، وفق تأكيد الآية: «لَا إِكراهَ فِي الدّين».

أقول: مهما كانت حدة الجدل، بين أهل الأديان، لا تكون حياة الإنسان ثمناً، فهذا المراهق الذي حاول قتل الرّاهب مأخوذاً بخطاب العنف، التي تبثه الفضائيات والمواقع، وطعن الرّاهب اليوم سبقه قتل العشرات في مساجد نيوزيلندا (15 مارس 2019).

بروح السَّيد المسيح، قال الرّاهب لطاعنه بتسجيل بثه بالإنجليزية: «أنت ابني وأنا أحبك، وسوف أُصلي مِن أجلك، وأسامح مَن أرسلك لهذا الفعل».

أقول: ما كانت «وثيقة الأخوة الإنسانيّة» يوقعها حَبر المسيحيين وشيخ المسلمين، على أرض الإمارات، لولا أنّ «بلغ السَّيل الزّبى»، بالعنف الدِّيني.

لعلَّ محمد مهدي الجواهري(ت: 1997) حسب، قبل أكثر من مئة عام، حساب هذه الوثيقة الإنسانيّة، وحساب العنف بين الأديان، أهل الشّرق خصوصاً، عندما قال: «وقد خبروني أنّ في الشرقِ وحدةً/كنائسه تدعو فتبكي الجوامعُ»(النَّجف 1921).

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

قبل أكثر من عشر سنوات تداولت الأوساط السياسية الشيعية موضوع الأغلبية في العراق وطرحت مجموعة أفكار أو رسائل مفادها يتطابق مع فكرة الأخ الأكبر والراعي الأبوي لبقية المكونات، بل ذهب بعض المتشددين إلى أن المكون الأكبر يحق له الرئاسات الثلاث، وما منح لهم ويقصد المكونين السني والكردي فهو (كرمٌ) سياسي لتجميل مشهد الحكم، ورغم أن تلك الأفكار لم تجد بيئة صالحة لتطبيقها ولا صدى بين الناس حتى في أوساط المجتمع الشيعي إلا أنها بقيت تراود كثيراً من الساسة والنواب المتشددين والمدعومين من فصائلَ مسلحة تتحدث دائماً نيابة عن كل العراق في بياناتها، خاصة بعد انسحاب التيار الصدري (الفائز الأول) من العملية السياسية وتركه 72 كرسياً في مجلس النواب ليستحوذ عليها الإطار التنسيقي (الخاسر الكبير) الذي هُزم في انتخابات 2021، حيث عادت مرة أخرى نغمة الأغلبية وبتكتيكات جديدة استخدمت فيها كثيرٌ من ممارسات النظام السابق في شقّ وتضعيف الأحزاب القوية لدى المكونين الكردي والسني، وصنع شخصيات وأحزاب كارتونية كخطوة أولى في إضعافهما للوصول الى تطبيق فرضية الأغلبية الشيعية بتحالفات تجميلية على غرار الجبهة الوطنية ابنة حقبة النظام السابق.

إن طبيعة تكوين العراق التي أشار اليها الملك فيصل الأول حينما توج ملكا على العراق في وصفه لمكونات مملكته قائلا: (لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة..) وقد فشلت كل الأنظمة السياسية المتعاقبة طيلة قرن من الزمن في بلورة مفهوم جامع للمواطنة وعابر للأديان والاعراق، لا تسمح بقيام نظام أغلبية على شاكلة ما تطرحه بعض القوى المتطرفة، حيث دفع العراقيون ثمنا باهضا بسبب تسلط ما يسمى بالأغلبية القومية تارة او الدينية المذهبية تارة أخرى، حتى وإن كانت من الناحية العددية تتفوق أو تتجاوز على المكونات الأخرى، فالعراق يتكون وواقع حاله منذ تأسيسه من الناحية الدينية بأكثرية عددية مسلمة شيعية سنية، يعقبها المسيحيون والإيزيديون والصابئة واليهود، ينتمون في أصولهم وقومياتهم إلى العرب والكرد وبقية المكونات الأخرى من الكلدان والتركمان والسريان والأشوريين والأرمن، حيث أظهرت السنوات الماضية ونتائج الانتخابات العامة اصطفافات واضحة جدا تكثفت فيها ثلاث تكتلات مذهبية وقومية رئيسية هي: القوى الشيعية والسنية والكردستانية، وهذه هي حقيقة المكونات الرئيسية للبلاد سياسيا وجغرافيا؛ الشيعية التي تتوزع جغرافياً جزء في العاصمة بغداد وغالبية في الجنوب والفرات الأوسط، والسنية جزء في العاصمة واغلبية في الغرب، وبعض من الشمال والشرق، والكرد جزء في بغداد واغلبية في كوردستان مع بعض من الغرب والشرق، لتكون اقاليماً جغرافية وتاريخية متناسقة ومتجانسة، تتوحد جميعها حول عاصمة تاريخية لا تقبل ثقافتها إلا أن تكون ملكاً لكل المكونات والأديان والمذاهب، تلك هي بغداد التي تتقاسم فيها اليوم المكونات الرئيسية مواقعها الاتحادية في السلطات الثلاث بطواقم مترهلة ومتداخلة بغياب إعلان الفيدراليتين الأخريين في كل من الجنوب والفرات الأوسط والغرب مع التلكؤ في حل مسألة المناطق المتداخلة بين إقليم كوردستان ومحافظات نينوى وديالى وصلاح الدين.

وللأسف كما ذكرنا فشلت كل الأنظمة التي حكمت العراق منذ تأسيسه كمملكة في بلورة مفهوم المواطنة، كما فشلت في إيجاد حلول ادارية وسياسية لإشكالية المكونات في مجتمع هذه الدولة وتركها مهملة ومهمشة، مما أدى الى نشوء صراعات واحتراب، حيث لم يك حكامها عقلاء الى الدرجة التي يدركوا فيها بلد متنوع المكونات، لكي يؤسسوا بموجبه دولتهم العتيدة، التي تآكلت بسبب الحروب البينية او الخارجية حتى انهارت وتم احتلالها وتغيير نظامها بالقوة، مما أتاح  فرصة لإعادة بناء دولة عصرية حديثة بدستور دائم يضمن حقوق كل المكونات في دولة اتحادية فيدرالية ديمقراطية تعددية، لكن للأسف تم اهمال الدستور بعد سنوات قليلة بتغول قوى مذهبية انتابها شعور العظمة والغرور على خلفية افتراض المكون الأكبر، فأغرتهم السلطة والمال والنزعة المذهبية المدعومة خارجياً حيث بدأوا بمركزة الدولة ومنع قيام فيدراليات بادعاء انها ستقسم البلاد وتنهي وجودها، متهمين أي دعوة للفيدرالية بالانفصالية مستخدمين القمع والإرهاب في قمعها.

واليوم تطرح وسائل دعاياتهم مفهوم الأغلبية الطائفية التي تحاول استنساخ سلوكيات ونهج الأنظمة السابقة في إذابة المكونات الأخرى في بوتقة الأغلبية، وبدلاً من الركون الى ارقى النظم الإدارية والسياسية في العالم ألا وهو النظام الفيدرالي وتحويل العراق الى ثلاث فيدراليات جغرافية كما أراد له الله وطبيعة تكوينات مجتمعاته في غرب البلاد وفي الفرات الأوسط والجنوب وفي إقليم كوردستان، كثفوا جهودهم وما في أيديهم من سلطة ومال على إفشال النظام الديمقراطي والفيدرالي بإنشائهم دولة عميقة وأذرع مسلحة وفتاوى دينية وشعارات مخدرة تسوق البلاد إلى دوامة الحروب والاحتراب، حيث غدت البلاد خلال عقدين من الزمان واحدة من افشل النظم السياسية وأكثرها فسادا وارهابا وتخلفا قياسا مع امكانياتها وثرواتها وتنوع مكوناتها.

***

كفاح محمود

 

في المثقف اليوم