آراء

رشيد الخيّون: تدريس جرائم البعث.. إحياءٌ لـ "البعث"!

استغربتُ مِن إعجاب شابٍ صحويّ- منقلب على «الصّحوة»- بأبي نواس (ت: نحو 195هـ)، يحفظ شعره. سألته: كيف جمعت بين النّقيضين؟ قال: بفضل دروس شيوخنا، فقد اتخذوا ثلب أبي نواس دليلاً لصحوتنا! فقررتُ، والكلام له: أتعقب شعره، وما سرّ اهتمام صاحب اللسان ابن منظور(ت: 711هـ) به، حتّى خصه بكتابٍ؟ فأعجبتُ به، وانتصرتُ لأبي نواس كما تراني (اللِّقاء مع الشّاب عام 2010 بداره بالرّياض).

لستُ بصدد تقديم قراءة لكتاب «جرائم نظام البعث في العِراق»(103 صفحة)، والمدون في غرته «مقرر دراسي للجامعات الحكوميّة والأهليّة»، وهو مِن مناهج وزارة التَّعليم العالي والبحث العلميّ، لكن لم أجد فيه علماً ولا بحثاً، فالممارسات عينها قد استمرت، وأُضيف لها شراهة الفساد وغياب الكهرباء، وجماعات مسلحة توازي الدَّولة، فالنّظام انتهى قبل عشرين عاماً، و«الجرائم» كـ«تجفيف الأهوار» مازالت (وردت واحدة مِن جرائم البعث)، ألا يسأل الطّالب الجامعيّ: وماذا عن الأهوار اليوم؟ هل وصلها الماء، أم اكتمل جفافها وتصحرها؟!

كذلك ورد عن المقابر الجماعيّة، فماذا عن عددها بعد(2003)، عن التَّعذيب والقتل والاغتيال، تفاقم الفقر وتعاظم الشّحاذة، والعراق غير محاصرٍ كالسّابق. حصل هذا مع زيادة تصدير النِّفط أضعاف مضاعفة. لا أحد يسأل عن ضياع تريليون دولار، فالسُّؤال محرمٌ؟! هل أُصلح الخراب خلال العشرين عاماً، أم زاد خراباً؟ ماذا عن قتل ضباط الجيش والطَّيارين والكادر العلمي والإعلامي بالآلاف؟ أتظنون أنّ الجيل الذي ولد بعد «البعث» لم ينتبه، كي لا يقابل بين الحِقبتين، فستكون النتيجة نفسها التي توصل إليها الصّحوي وأُعجب بأبي نواس.

سيحتج أحدهم بتجربة ألمانيّا مع النازيّة! فتلك أخرى وزمن آخر، متفق عليه دولياً، وهو تدريس الفكر مع تدارك الخراب، بإعادة حُكام ألمانيا (الشّرقية والغربيّة) البناء بزيادة. أما ما فعله «البعث» الذي حُدد في الكتاب بالعراق، كان ممارسةً وليست فكراً، فإذا عاد الطَّلبة وقرأوا كتب «البعث» سيجدون فيها شعارات التّحرر والتقدم والوطنيّة، وقضية فلسطين في المقدمة، مثلما هي في دفاتركم، وسيجد النقيضين داخل البعث: عبد الخالق السّامرائي (أُعدم 1979)، المثل في النّزاهة والوطنيّة، والمتورط بدمه، فأدبيات البعث غير تصرفاته، فهل تدرسون مساوئ النّظرية، أم الممارسة؟!

إذا كانت الممارسة فهل كنتم، بعد العشرين، منزهين؟! لا أُقدم نفسي مدافعاً عن «البعث»، فأنا أحد ضحاياه، لكننا أمام بلدٍ مبتلى، لم يعد يتحمل دورات انتقام جديدة، وادعاءات لا تصمد أمام الموجعات، فإذا درس الطَّالب مساوئ عسكرة البعث للعراق، ماذا سيسمي السَّبعين ميليشيا، وكل واحدة منها حكومة قائمة بذاتها؟ وماذا لو التفت إلى محو الأمية، في ذلك الزّمن وضخ الملايين مِن الأميين منذ الحصار إلى اليوم؟ ألا ترون البلاد تجتاحها أُمية مركبة، صار فيها الاستثمار بالخرافة طابع المرحلة؟

ما حصل يا سادة تنفيذ سياسة انتقام، والحقد الطّائفي أُسها، كان الاجتثاث مثالاً، وتسليم البلاد بقضها وقضيضها، لمَن يُحارب بدّم ومال العراقيين، لتصفية حساباته. حاسبوا أنفسكم وأوقفوا الخراب، وبعدها انتقموا ودَرسوا ما شئتم. أظن تشبعنا، في المدارس، ببيت شهيرٍ قديم نُسب لعدد مِن أعاظم الشُّعراء: «لا تنه عَن خلقٍ وَتَأْتِي مثله/عارٌ عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم»(ابن الورديّ، تحرير الخصاصة).

ما حصل كان انتقاماً لا إصلاحاً، فصح ما تنبأ به الشّاعر عندما انتصرتم: «تَصوَّرِ الأمرَ معكوساً وخُذْ مَثَلاً/ممَّا يَجرُّونه لو أنهم نُصِروا/ أكانَ للرِّفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ/ أم كانَ عن«حِكمةٍ» أو صحبِهَ خَبَر/ واللهِ لاقتِيدَ زيدٌ باسم «زائدةٍ»/ ولاصطلى «عامرٌ» والمبتغى عُمَر»(الجواهريّ، تحرك اللَّحدُ 1936). مشكلة القائمين والسَّابقين واحدة، لا يرون ممارساتهم إلا صلاحاً وإصلاحاً، وهي خلاف ذلك. أقول: ليطمئن البعث، فكم مِن خصمٍ أعاد مجدَ خصمه!.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

في المثقف اليوم