قراءة في كتاب

حيدر شوكان: السيد كمال الحيدري.. من داخل الفكر الدينيَّ إلى الخروج عليه ثم النظر فيه

"مطالعة أوليّة في كتابه "العقل الفقهي بين الإطلاق والتاريخية"

بعض المفكرين وأنت تشتغل في دراساتهم وتطالع مشاريعهم المعرفية لابد أنّ تكون يقظًا وحذرًا، ومنهم السيد كمال الحيدري، فهو – ولا سيَّما في الآونة الأخيرة- من الذين يتطلبون قراء حاذقين وأذكياء أيضًا. فأنت تقف معه بسلسلة من التحديثات والنقد الذي طال المنظومة الدينيّة بكاملها، وحاكمها بصرامة مستعينا بكل أدوات التفكير الحديث. وهنا نسال: هل نحن بحاجة إلى قراءات الحيدري وإثارته بعيدًا عن الإيمان بها أو عدمه؟ وهل حقًا إذا أراد الإسلام أن  يطرح مشروعه الحضاري مرة أخرى، كما يقول ستيفن شومكو: " فعليه أن يجابه بكل حزم وشفافية الجوانب المحيرة (على الأقل بالنسبة للعقليّة المعاصرة) في شخصية مؤسسه وفي تاريخ أصوله وذلك على غرار ما اضطرت للقيام به المسيحية واليهودية وديانات أخرى حتّى تمكنت من انتقالها نحو الحداثة ومرورها اليوم إلى مرحلة ما بعد الحداثة."؟ وهل يساهم الحيدري بهذا الدور من خلال أدواته الاجتهادية، ومعرفته بالعلوم الحديثة، ولو مؤخرًا؟

قبل أن نقارب السيد الحيدري لا بد أن نعرض بشكل موجز لتأريخ التحديث الدينيّ لنعرف أين يقف الرجل في طابور القراءات التراكمية في تصويب الأفكار ونضجها، وزحزحت التالف منها.

مع بداية عصر "النهضة العربية" في مطلع القرن العشرين حصلت تحولات معرفية كبيرة طالت العقل السني ودفعته إلى الإمام بخطوات جريئة، استهدفت بلورة فهم جديد للدين يواكب الحياة ويعيد نمط التدين إلى الحاضر من دون مفارقات أخلاقية وروحية وتشريعية، إِلَّا أن هذه المحاولة فشلت في اعتماد وتحديد إطار فلسفي خاص يتناسب مع متطلبات المرحلة على الرغم من الإرهاصات والمخاضات التي مرت بها، فلم تجري مسحًا كاملًا ونقديًّا لمجمل التراث الدينيّ وتفكك عناصره القاتلة أو الميتة، وهذا ما يفسر لنا صعود الأصولية الارتدادية بعد هزيمة حزيران 1967م، بعد أن فقدت الأخيرة إيمانها بالعمل السياسي بعيد الأمد، فرفضت منجزات العلوم الحديثة بكل قوة وعنف، فاهتز العالم الإسلامي بفوضى جوّالة منذ سبعينيات القرن الماضي ابتدءًا من مصر وأفغانستان والجزائر، مرورًا بسوريا، ووصولًا إلى العراق وليبيا.

أما العقل الشيعي وتحديثه المعاصر فنستطيع أن نؤرّخ له بالدعوة إلى الدستور، وهو ما يعبر عنها بقضية المستبدة والمشروطة، وانعكاساتها في التفكير الفقهي بالدولة ونظمها، وإعادة النظر فيها. فالاستعادة التاريخية لطبيعة العلاقة بين النص والسياسة، أو الدعوة والدولة، أو الفقيه والسلطان، في بعض مراحلها تحكي عن فهمهم ووعيهم للنص (القرآن + تفاسيره) في أفق التلقي والإنتاج. ليعقبها دخول فقهاء الشيعة في ثورة العشرين ومشاركتهم الفاعلة فيها، وصولًا إلى اعتماد بعضهم التنظيمات الحزبية (من خلال حزب الدعوة)، أو حركة المحرومين في لبنان، ولكن الذي دفع العقل الشيعي إلى التحديث بشكل فاعل هو الثورة الإسلاميَّة في إيران، ووصول الفقيه لأول مرة إلى مركز القرار، مع الدعوة لتوظيف الفقه ومدوناته في بناء النظم في مجالات الإدارة، والسياسة، والاقتصاد، والمال، والحقوق، والجنايات، وو.

هنا حصلت تحولات تاريخية مفصلية في العقل الدينيّ، لم تكن من قناعاته التقليدية المتعارفة تاريخيًا، ومن بين هذه التحولات دخول العقل الديني -أكثر بكثير مما كان الحال عليه قبل ذلك-في دائرة المتغيّر، دائرة السياسة والاقتصاد وتحديات الحداثة المادية والفكرية التي تشكلت بمنأى عنه ودون أن تتاح له الفرصة بالمساهمة فيها.

وكان من المفترض أن تنخرط شريحة كبيرة من المفكرين والفقهاء في الانفتاح على منجزات العلوم الإنسانية، وما قدمته من دراسات وأدوات ومحاكاة في تحقيب الأفكار وتصويبها، غير أنّ الأعم الأغلب بقي تفكيره مطوقًا في داخل المدونات الدينية ومفاهيمها، نعم خرج بعضهم وروض نفسه بجراءة على النقد العلمي الصارم، متحملًا لأبواب الصراخ والعويل التي فتحت عليه، ومن هؤلاء السيد كمال الحيدري.3326 العقل الفقهي بين الاطلاع والتاريخية

قبل أن أتناوله بمقاربة بسيطة دعوني أوضح أمرين: الأول: تطور التفكير لديه أو تنقله بين مسالك التفكير الشيعي، فالرجل في بداية حياته العلمية لم يخرج عن مدونات الحديث ومعطياتها، فانغمس في "بحار الأنوار" إلى قاعه، ثم عبر بتفكيره، إلى الفلسفة والعرفان، وكان مخلصًا لهذا الاتجاه، وبارعًا في شرحها، ثم تصدى ودخل بحوارات كلامية مع السلفية، صفق لها الجمهور الشيعي بحرارة منقطعة النظير، حتى أني أتذكر أن احد الأساتيذ في كليتي كان يسجل جميع محاوراته في قناة الكوثر.

المحطة الحاسمة في حياة الحيدري هي اطلاعه على منجزات العلوم الحديثة وإيمانه بها، وقناعته أنّها لا تصطدم مع الدين، بل تغنيه وتغذيه وترمم الحياة إذا ما تم التعامل معها بدقة ومعرفة سليمة. ان هذه التنّقلات في التفكير والمعالجة قد يراها بعضهم منقصة عليه ومثلبة، لأنها تخبر عن عدم ارتكاز وإتقان مستوفي لمضامين المباني، فالرجل لم يكن إِلَّا شارحًا للمتون بارعًا في شرحه، فالحيدري حكاية أخرى عن المجتمع العربي الذي يستهلك كل شيء بإسراف حتى في الأفكار، وبلا حدود أو ذاكرة. إلَّا أن التفكير العلمي يحسبها ضربًا من التنقيح، والتأمل الحر، والتنقل في التجارب المنحازة إلى التحديث والعقلانية.

الأمر الثاني: وهو المتعلق بعنوان المقالة " داخل الفكر الديني والخروج عليه". يروى عن ابن قيم الجوزية (ت751هـ) أنه سئل: من يدرك الحقيقة؟ من كان داخل الدين أو من كان خارجه؟ فقال: يدركها من كان داخل الدين ثم خرج منه ونظر إليه." إن هذه العبارة تلخص فلسفة البحث العلمي بأدق تفاصيله.

لقد كتبت الكثير من المشاريع المعرفية التي عالجت أزمات العقل الديني ونقده، ومناهج التفكير لديه، وتنوعت أغراضها ومنطلقاتها ودقة الإصابة فيها، ودعت إلى إصلاح الإسلام من الداخل، بل حتى "تفجير" تراثه من الداخل، أو بتعبير أمين الخولي" قتل الماضي بحثًا". ولكن ما يسجل على أغلبها أنها طبقت مناهج المعرفة الحديثة من دون معرفة تامة وحقيقية بالتراث وتراكماته، وحركة التعويض فيه، فلم يستوفوا منهجيات التراث ويمشوا بأزقته بأقدام حافية. ويقف في قبال هؤلاء من ينغمس في التراث ومدوناته ليعيد إظهارها من جديد، من دون أن يسمح لنفسه باختبار قدرتها على الوفاء بمتطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية في سياقات الحاضر واشتراطاته.

ومن ثَّم، فان اشتراطات المفكر الحديث أن يستوعب الإنتاج الداخلي، والخارجي. فيمارس اجتهاده الداخلي بمتابعة ما هندسه القدماء من نظريات واصطلاحات ومناهج ومسالك وو. واجتهاد خارجي يتتبع فيه الإنتاج الهائل من العلوم من ألسُنية وانثروبولوجية وسوسيولوجية وعلم النفس والنقد الأدبي والتاريخ وو. وهذا ما يمكن أن نعبر عنه بـ "الخروج عن الدين والنظر إليه". فالمنغمس في التراث لا يرى سواه، والناظر من الخارج، لا يدرك مذاقاته.. من يدرك حقيقته هو من عاش وصنف وحقق في التراث، ثم أعاد النظر بمضامين الأدلة وفقًا لمكتسبات عصره.

وهنا نسال ألا يمكن أن نصنف الحيدري بأنه مثال للمفكر الذي خرج من التراث وأعاد النظر فيه ومارس النقد ونقد النقد، وعاش الانفصال والاتصال مرة أخرى؟ فهو ابن التراث محققًا له، ومدققًا فيه، وفي الوقت نفسه مطلعًا على ما أنجزه الآخر، ومؤمنًا بأنّ هذا الاطلاع ضرورة دينية وأخلاقية.

ولكي ندلل على فكرتنا، لا بد أن نلمح إلى بعض دراساته، مع عدم غفلتنا أن قراءاته فيها ما هو قابل للنقد والرد والمحاكمة العلمية.

لقد صدر قبل أيام قليلة كتابه "العقل الفقهي بين الإطلاق والتاريخية- نقد قاعدة الاشتراك" ويعدّ نموذجًا متقدمًا من فكره وقناعته واجتهاده، مع إدراكي أنه من الصعب على الباحث في فكر الحيدري أن يتوقف عند أحد جوانبه، دون أن يجد نفسه منغمسًا في تحليل الجوانب الأخرى من إنتاجه ومشروعه، إلَّا أني سأركز على كتابه هذا وبقراءة أولية، لا أزعم فيها الاستيعاب التام للمضامين.

إن هذا الكتاب (المتكون من 688صحيفة) يشتغل على أهم قضية لا زال العقل الفقهيّ يتعامل معها بخجل أو حرج، وهي تاريخية النصّ الدينيّ في الاستنباط بخلاف بقية الدلالات، مع أن فهم الواقع الذي نبت فيه النص قرينة مهمة في الاستنباط.

قبل أن نقرأ الكتاب لا بأس أن نشير إلى ما يميزه على الصعيد المنهجي، وهي أمور:

الأول: التوصيفات والإيضاحات، فقبل الدخول في أي معالجة يوضح المفاهيم ومواطن النزاع والاختلاف فيها حتى لا يقع القارئ في اللبس والإبهام في النزاعات اللفظية، فتجده مثًلا يشرح المفهوم لغة واصطلاحًا، كالتاريخية، والزمن، والحكم، وو. فقد يشتبه الأمر على الباحث فيعتقد أن المفهوم المستخدم في عصرين مثلًا يدل على مؤدّى واحد فيما الأمر بخلاف ذلك. كما هو الحال مع التاريخية، يقول: " فلا يقصد بالتاريخية هنا، المعنى المصطلح للتاريخ، الذي يوحي بأنّ للسنة-مثلًا- تاريخ صلاحية معيّنا، وأن دورها قد انتهى بانتهاء ذلك التاريخ، بل المقصود منها، الظروف الفكرية والثقافية والسياسية والعادات وو التي تحيط بالنصّ(1)."

فتأتي التاريخية قبال قاعدة الاشتراك، التي يحرص على بيانها في مقدمة الكتاب، والتي تجعل من الحكم الشرعي الوارد في النص يشمل جميع المكلفين بلا مراعاة لسياقات الواقع سواء الخاص بالتنزيل، أو العام.

الثاني: أنه يهتم كثيرًا بتاريخ العلوم والمفاهيم ومفاعيل التشكل والصيرورة فيها، فيشرع بالتحقيب التاريخي- مثلًا- لتقسيم القضايا إلى حقيقية وتاريخية، وما أصل التسمية فيها، ومتى دخلت في علم الأصول، مع بيان دواعي هذا الدخول. وهو بذلك يكشف لك عن مدى ترابط العلوم وتداخلها مع بعضها، وأسباب نجاحها أو إخفاقها في بعض المراحل، فتنكشف المناطق المستبعدة من التفكير أو المجهولة، أو المهملة نظرًا لصراعات أو تجارب أو غير ذلك.

الثالث: يَلمح القارئ أن منهجه، وقيمة بحثه العلمي هو في تطبيقه واستعانته بأكثر من منهج في فهم التراث الدينيّ، فتبدو حالة التفهم لقيمة العلوم الحديثة والمعارف الإنسانية واضحة لديه، فتارة تلمح الانثروبولوجيا، وتارة تاريخ علم النفس الديني، وو. وهي سمة طبعت تفكيره، وشاهد ذلك هو معالجته لأحكام المرأة، وإحياء الأرض الموات، وارتكاز المتشرعة، وو، وهذه العلوم تلعب دورًا أساسيًا في تحديد موضوعات الحكم الشرعي وطبيعته بوصفها أمورًا اعتباريةً مقومةً له، فإذا تغيَّرت استوجبت تغيَّر الحكم الشرعي، فالحكم يدور مع الموضوع، ويتحرك معه(2).

أما الفكرة الأصيلة في هذا الكتاب أنها تقوم على تجاوز الماضي بأسئلته وأدواته، بعد أن لبت هذه الأدوات والمنهجيات حاجات عصرها، فلا بد من اختبارها بتساؤلات العصر لنعلم مدى قدرتها على الوفاء بوعودها وعهودها. مع إيمان الحيدري أن الشريعة " تتسم بجملة من العناصر تؤهّلها لتطويع الواقع لها والاستجابة للتحديات المستجدة، أيًّا كان شكلها ومضمونها(3)."

وبذلك يرى في الدين ضرورة لاعتبارات مختلفة إِلَّا أنّه يدرك أن الدين وقع في التباسات التاريخ واللغة والفكر والتجربة، وتفاعل معها، فانصهرت فيه الآفاق المعرفية والأزمان معًا على حد تعبير غادامير. ليشتغل على ترجمة لغة التراث ومنهجياته ومدوناته إلى لغة المرء الخاصة أو لغة الواقع الخاص. فيميل إلى إحياء التراث بلغة ثانية ومنهج مختلف، فيختار التأليف النقدي مستخرجًا من ملفات التاريخ ووثائقه الأسس الفكرية والنظريات والأصول والمسالك ويخضعها للبحث الدلالي وللتحقيب التاريخي لفك جدلية النص والواقع فيها. لتكون مساحة اللامفكر فيه عنده ضيقه، والمستحيل التفكير فيه محدودة.

أما إسهام هذا الكتاب في تطوير الاجتهاد الفقهي، الذي يستبد بالحيدري فيمكن إرجاعها إلى ثلاثة مباني معتمدة لديه:

الأول: مبنى تنوع الفهم وتكثره، إن الرؤية التي ينطلق منها لفهم النص الدينيّ وتحليله تقوم على تعدد الاجتهادات، وعدم تطويق الحقيقة في قراءة واحدة، وقد ألحت الدراسات الحديثة على هذا المبنى، فشاركهم به. ومرتكز هذا المبنى أفضل من أوضحه الدكتور عبد الكريم سروش، يقول: " ففهم النص الديني وشروحه متنوع ومتعدد بالضرورة، والتنوع والتعدد لا يقبلان الاختزال إلى فهم واحد، وليس هذا الفهم متنوعًا ومتعددًا فحسب بل سيالًا أيضًا، والسرّ في ذلك أنّ النصّ صامت ونحن نسعى باستمرار لفهم النصوص الدينية وتفسيرها سواءٌ بالفقه أو الحديث أو القرآن الكريم من خلال الاستعانة بمسبوقاتنا الفكرية وتوقعاتنا من النصّ والأسئلة التي تدور في أذهاننا في مرحلة سابقة، وبما أنه لا يوجد تفسير من دون الاعتماد على التوقعات والأسئلة والفروضات المسبقة، وبما أن الفضاء المعرفي خارج الدين متغير سيّال، كما أنّ العلوم البشرية والفلسفة ومعطيات الحضارة الإنسانية تزداد وتتراكم وتتغيّر باستمرار، فلهذا كله كانت التفاسير المترتبة على هذه الأسئلة والتوقعات والفروضات المسبقة متنوعة ومتغيرة(4)."

الثاني: ضرورة التمييز بين القاعدة وتطبيقاتها، من أركان قراءته المختارة في التحليل والاجتهاد هو التمييز بين الأصول والقواعد، وبين تطبيقاتها، والتي عبر عنها في دراساته السابقة بوحدة المفهوم وتعدد المصداق. فنظام العقوبات أقره الإسلام، ولكن تطبيقاته متبدلة من زمان لآخر، وكذلك نظام الضرائب وتأمين البعد المادي للمجتمع، فهو أصل ثابت. أما تطبيقاته فهي متغيرة بحسب الظروف. فقد تكون في ظرف على الأعيان التسعة في باب الزكاة، وفي ظرف آخر قد تكون على غيرها. والمشكلة كما يشخصها الحيدري تكمن أن العقل المدرسي عدّ هذه التطبيقات ثوابت للشريعة وفق قاعدة الاشتراك، فاصطدموا مع الواقع اضطرادًا عندما أرادوا تطبيقها(5).

وبهذا المبنى أراد الحيدري أن يفرق بين جعل النصّ الديني بنفسه تاريخًا، فتكون هويته تاريخية، فلا يمكن سحبه لعالم اليوم، وهو ما يعبر عنه باستحالة الثبات أو استحالة التأبيد والامتداد الزمني، وبين نقول أنه متعال لكنه يرتدي جلباب التاريخية ويتلحف بها، وهذا معناه أن ثمة مفهوم وحضور ديني ثابت ولكنه رمي في التاريخ والتباساته، ومهمة الباحث هو كشف هذا الالتباس وتعريته للوصول إلى الإطلاق الزماني. ومن هنا يذهب الدكتور مصطفى ملكيان إلى أن(6) التبدلات التاريخية التي تجري في الأمم والثقافات لا تعيق ثبات واستقرار بعض النصوص والأحكام، كما هو الحال مع نصوص لكونفوشيوس ما تزال متدفقة بالحياة والحضور الفاعل في بناء الوعي(7).

الثالث: نقد القراءة الرسمية للدين، إن امتياز الحيدري في هذا المبنى في دعوته إلى مسح الطاولة- بتعبير بيكون- والتخلي عن أوهام الفهم الرسمي وتخيلاته، فلا اعتبار لأي فهم لديه لا يأخذ بنظر الاعتبار تاريخية النصوصّ. وهو بذلك يتوسع الاجتهاد لديه ليشمل العلوم والمعارف التي تدخل في التحليل، يقول في هذا المعنى: " ونحن نعتقد أن الإحاطة بالظروف الزمانية والمكانية للنص هي من شرائط الفقاهة بالمعنى الأعم، فلا يكون الفقيه فقيهًا إلَّا إذا عرف زمان صدور النص؛ بمعنى أنه يأخذ الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بعين الاعتبار في عملية الاستنباط." وهو بهذا دفع المجتهد التقليدي إلى زاوية ميتة ما لم يحدد منهجه وموقفه من تاريخية النصوص.

ويعلل اختياره نقد القراءة الرسمية ويرجعها إلى أمرين: الأول: إن فهم العلماء جهد بشري قابل للخطأ والصواب. الثاني: إن المفسر للنصّ، إنّما كان يعيش ضمن ظروفه، فيكون فهمه متأثرًا بالظروف التي يعيشها. ولازم هذه القراءة عنده هو عدم اعتبار حجية الاجماعات، والشهرات، والضرورات، والمسلمات، فإن كانت موافقة للأصول والقواعد التي حددها، فلا مانع من قبولها أما أن تكون بنفسها حجة فلا اعتبار لها، وان استوجب من ذلك تأسيس فقه جديد.

والملاحظ أنّه يستثني من التاريخية النصّ القرآن الكريم فقط، ليلتحق باستثنائه هذا بالشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ يوسف الصانعي، الذين أعملوا التاريخية وعزلوها عن القرآن الكريم. يقول الحيدري: "أن آراء صحابة النبي وأصحاب الأئمة، واجتهادات الأعلام، هي تاريخية إِلَّا إذا ثبت العكس. نعم، النص القرآني إلهي مطلق يتجاوز الزمان والمكان(8)."

وربما يتساءل بعضهم: إن استحضار دلالات الواقع التاريخي كان حاضرًا عند أغلب الفقهاء، كما يتضح ذلك في ظل ملاحظتهم لبعض الحالات من أن الحكم الوارد في بعض الوقائع لا يمكن تعميمه فيقال: "حكم في واقعة" أو "قضية في واقعة"، بل انك لا تكاد تجد فقيهًا (9) لم يفهم بعض الروايات فهمًا بلحاظ نسقها وظروفها، فهذا الشيخ الصدوق (ت380هـ)-مثلًا- فهم نصوص الطب النبوي بلحاظ واقعها (10) ومن ثَّم، ما مزية الحيدري واختلافه عن هؤلاء الفقهاء؟

يبدو لي في المجمل أن الأمر يرجع إلى الاختلاف في مساحة التاريخية في الاجتهاد والتحليل، فالفقهاء مع إيمانهم بتاريخية بعض الوقائع إلَّا أنّ مساحتها بقيت محدودة جدًا، زيادة على أن الحيدري- كما مر معنا- جعل التاريخية من صلب الاجتهاد ومقوماته، بوصفها قرينةً مهمةً في تقييد الاطلاق، وتخصيص العموم اللفظي. ومن هنا فان أهمية بحثه تكمن في المساحة الواسعة التي يمنحها للتاريخية.

وفي ختام هذا المرور المستعجل والذي استفزني فيه علميًا كتابه الأخير، اعتقد أن الرجل جدير بأن تبحث منطلقات التجديد المنهجية لديه وتحلل وتقوم وتنقد أيضًا. وهذا الأمر متروك لشبابنا من طلبة الماجستير والدكتوراه.

***

أ.م.د حيدر شوكان سعيد

رئيس قسم الفقه وأصوله- جامعة بابل.

.......................

الهوامش

(1) العقل الفقهي بين الإطلاق والتاريخية- نقد قاعدة الاشتراك، بقلم: حيدر اليعقوبي، الناشر: مؤسسة: مؤمنون بلا حدود- الإمارات- الطبعة الأولى 2023هـ، 17.

(2) ينظر: 74- 76.

(3) المصدر نفسه، 28.

(4) الصراطات المستقيمة، الناشر: دار الانتشار العربي، الطبعة الأولى -2009م، 17. وينظر: عبد الكريم سروش، القبض والبسط في الشريعة، الناشر: دار الجديد- بيروت، الطبعة الثانية- 2010م، 32-33.

(5) ينظر: العقل الفقهي بين الإطلاق والتاريخية- نقد قاعدة الاشتراك، 19.

(6) المصدر نفسه، 30.

(7)ينظر: مصطفى ملكيان، حوار حول (توقعات الإنسان من الدين) مجلة نقد ونظر، 6/ 63-64.

(8) المصدر نفسه، 20.

(9) ينظر: السيد الخميني وموقفه من مصطلح "النواصب"، إذ يرى أن هذا المصطلح لا يطلق على كل من نصب العداء والبغض لأهل البيت (عليهم السلام)، بل يطلق على فئة خاصة كان لها وجود تاريخي آنذاك. لذا، لا آثار لهذا المصطلح في الوقت المعاصر. ينظر:كتاب الطهارة، 3/ 457. والسيد محمد حسين فضل الله وموقفه من روايات حلق اللحية، إذ فهم ان الحلق في ظل ظروف نصوص التحريم كان نوعًا من المثلة التي توجب آثار السخرية واستهزاء الناس، لهذا كان تحريمها وإلَّا فالحلق غير حرام بنفسه .ينظر: الندوة، 1/ 615-616. والشيخ يوسف صانعي الذي رأى ان حرمة الربا الواردة في القران والسنة، وطبقًا للظروف التاريخية هي مختصة بالربا الاستهلاكي لا الربا الإنتاجي. ينظر: الربا الاستثماري، نقد نظرية حرمة الفائدة البنكية، ترجمة حيدر حب الله، مجلة نصوص معاصرة، بيروت – 2005م،3/32. وإبراهيم الجناتي الذي يرى أن مواقيت الحج المكانية، جاءت لأنها كانت تقع في مسير الحجاج . وعليه، يمكن لنا ان نضع ميقاتًا من الجهة التي يمر منها الحجاج من غير المواقيت الخمسة .ينظر: مجموعة أعمال مؤتمر الزمان والمكان، 14/ 143.

(9) الاعتقادات في دين الإمامية، تحقيق: عصام عبد السيد، الطبعة: الثانية - 1414، 115.

(10) الاعتقادات في دين الإمامية، تحقيق: عصام عبد السيد، الطبعة: الثانية - 1414، 115.

في المثقف اليوم