قراءة في كتاب

صفاء الصالحي: قراءة في كتاب: آخر المشوار..65 عاما صحافةً

أكثر من نصف قرن صحافة في ظل متغيرات سياسية كبرى تصارعت على حكم العراق

التنقيب والإنتاج والتسويق عمليات كلاسيكية نمطها الإعلام لأبرز نشاطات وزارة النفط  ورسخها في الأذهان، لكن في مشهد تكسرت فيه قيود هذا التنميط بالحضور اللافت لإعلام الصحافة والثقافة العراقية في جناح وزارة النفط في معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته الثانية في كانون الأول 2021، في حفل توقيع كتاب "آخر المشوار.. 65 عاماً صحافة" لرائد الصحافة العراقية الأستاذ محسن حسين، أثر تبني  وزارة النفط العراقية نفقات طبع وإصدار الكتاب في دار آنيا للفنون المرئية والطباعية والنشر في لبنان بواقع 208 صفحة من القطع المتوسط .

قبل تقديم قراءتنا وعرضنا للكتاب لابد من الإشارة إلى الدوافع الموضوعية التي دفعتنا لهذا الاستهلال لما أشرنا من نشاط لافت لوزارة النفط في معارض الكتاب الدولية على مستوى الدعم والمشاركة الفعالة دعماً منها للحركة الثقافية والكتاب العراقي. وما هذا الكتاب" آخر المشوار" إلا واحدة من سلسلة المبادرات التي اطلقتها الوزارة بعد عام 2003، والتي شملت رعاية القامات الوطنية (ثروة العراق) في فروع الأدب والتشكيل والموسيقى والسينما والإعلام، وغيرها من مجالات المعرفة ولن يكون كتاب آخر المشوار آخر العهد من الدعم والرعاية، بل سيكون بداية المشوار من أجل غد افضل، هذا ما قد ورد بقلم مدير الإعلام في الوزارة الأستاذ عاصم جهاد في غلاف الكتاب الداخلي.

وبالإضافة غلى تبني الوزارة إصدار الكتاب الذي تزامن مع ذكرى مرور نصف قرن على تأسيس منظمة الأقطار العربية  المصدرة للنفط "أوبك" وجهت الوزارة الدعوة الرسمية للمؤلف بحضور الاحتفال الرسمي على اعتبار أنه الصحفي الشاهد على جميع الاجتماعات التي سبقت تأسيس المنظمة عام 1960.

قدمت أولى العتبات النصية للكتاب (الغلاف الأمامي) إشارات انطباعية تحاكي مضمونه، أذ يسيطر العنوان الأيقوني  البصري بورتريه كاريكاتيرية لصورة المؤلف بريشة الرسام علي الصميخ، وقد ضخمت مكونات الوجه وبدت عليها ملامح الشيخوخة والهدوء والتركيز في إشارة إلى أنها شخصية جادة شاخت في مشوارها الصحفي ومازالت مراقبة وتنصت باهتمام، وقد تربع فوق الصورة اسم المؤلف والعنوان الرئيسي "آخر المشوار" ودناها من الأسفل العنوان الفرعي "65 عاماً صحافة".

ساح المؤلف في رفوف ذاكرته الصحفية فاستحضر بانتقائية ما استودعت بها من أحداث تركت بصمتها التاريخية على مدار الخمسة وستون عاماً من العمل الصحفي، تفاعل معها ونضدها في كتاب ضم مقالات متنوعة تتسم بالسلاسة اللغوية وجمال الأسلوب الذي يقترب من الوقائع والأحداث والشخصيات بموضوعية تامة.

 يستهل الكتاب بمقال "أحببتها ولو عاد بي الزمن لما اخترت غيرها" يستحضر الكاتب فيها ذاكرته منتشياً من النجاح الذي حققه بعد نيله أول تذكرة ركوب قطار الصحافة الذي انطلق في 14 تشرين الثاني 1956 من محطة صحيفة الشعب إحدى أهم الصحف في العهد الملكي، وعمل فيها إلى جانب الشاعر بدر شاكر السياب كما تعرف إلى كتاب بارزين أمثال الدكتور علي الوردي، ثم انضم إلى أسرة تحرير صحيفة الجمهورية بعد ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالعهد الملكي وأسست النظام الجمهوري، قبل تكليف الزعيم عبدالكريم  قاسم له ولزميله حميد رشيد تشكيل النواة الأولى لوكالة الأنباء العراقية (واع) التي قضى فيها 17 عاماً مديراً للأخبار ومعاوناً لمديرها العام، ومديراً لمكتب القاهرة، وبعد إحالة نفسه إلى التقاعد ألتحق بالعمل في أسرة تحرير المجلة العريقة ألف باء لمدة ربع قرن (25 عاماً) حتى أغلاقها بقرار أمريكي بعد احتلال العراق عام 2003. وبعد هذا الاستهلال ينقلنا الكاتب إلى "100 عام على تأسيس الدولة العراقية" منطلقاً من يوم 23 آب 1921 يوم تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ليوثق بها معلومات عن لحظة تحول العراق إلى النظام الملكي، وتتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، بالإضافة إلى ما رافقها من أحداث تشكيل المجلس التأسيسي من زعماء العراق أمثال نوري سعيد ورشيد عالي الكيلاني، وانتخاب السيد عبدالرحمن النقيب أول رئيس وزراء في العهد الملكي.

رغم خلو الكتاب من مقدمة توضح طبيعته، لكن بإمكاننا القول أن هذا المنجز لم يكن مجرد استعراض عابر لثمة أحداث ووقائع، إنما مقالات ستكتسب أهميتها التاريخية مستقبلاً في محتواها الوثائقي لجملة من الوقائع السياسية والثقافية، وشهادات حية على أحداث وشخصيات كانت لها صداها في تاريخ العراق والوطن العربي، وهي أشبه بالمذكرات الصحفية كتوصيف تجنيسي لها، سردت بضمير المتكلم وبضمير الغائب أحياناً لأحداث خاضها خلال مشواره الصحفي، وقد حدد بها تاريخ ومكان الحدث وشحنها بشيء من العاطفة والحوارات ومعززاً سرده بالصور التي غالباً ما وثقت الحدث.

وقد تجلى ذلك بوضوح في مقاله الموسوم "14 أيلول يوم تاريخي يفخر به العراقيون" والذي وثق فيه دور العراق في تأسيس منظمة أوبك (في يوم 14 أيلول 1960 كان اليوم الختامي لاجتماعات عقدتها خمس دول دامت خمسة أيام في بهو الأمانة في باب المعظم قرب مبنى وزارة الدفاع وقد حضرت جميع تلك الاجتماعات كصحفي في وكالة الأنباء العراقية.. ويعود الفضل في تأسيس أوبك إلى رئيس وزراء العراق في ذلك الوقت الزعيم عبد الكريم قاسم الذي خاض مفاوضات صعبة ومعقدة مع شركات النفط ..ص31). ويروي محسن حسين في ص43 على شكل حكايات ذكرياته الصحفية عن الرئيس عبدالسلام عارف خلال مرافقته إياه في معظم جولاته الداخلية والخارجية، قبل أن ينتقل في مقاله الموسوم " عبدالرحمن عارف أيام النزاهة والشرف" ليوثق وضع العراق المتمثل بنزاهة الحاكم، والهدوء والأمن مقارنة مع عهود من الاضطرابات التي تلت ذلك الزمان حتى يومنا هذا (عرفت بحكم عملي الصحفي  عبدالرحمن عارف منذ الأيام الأولى لثورة 1958 وكنت أقف جواره لحظة انتخابه رئيساً للجهورية في 16 نيسان 1966 ورافقته خلال فترة رئاسته.. واستطيع القول أنه مثال للإنسان النزيه لم يستغل منصبه ولم يسمح لأفراد عائلته بالحصول على ما لا يحق لهم ..ص52)، كما لم يغفل الكاتب في مذكراته توثيق أحداث 17 تموز 1968 يوم ألقي القبض على رئيس الوزراء عبدالرزاق النايف وسيطرة حزب البعث بقيادة أحمد حسن البكر على السلطة وأقصاء الرئيس عبدالرحمن عارف.

وتتسربل اغلب مقالات الكتاب بسربال المقالات السردية والوصفية التي حاول فيها الكاتب تزويد القارئ بتفاصيل أشخاص أو مواقف أو أحداث تاريخية دونها بأسلوب واضح وموجز ومكتنز بالوصف قريب إلى الأسلوب القصصي حتى في الحبكة أحياناً، وقد تجلى ذلك بوضوح في مقال "العشاء الملكي الأخير- بغداد ليلة 14 تموز" الذي سرد فيه ما حدث في القصر الملكي ليلة ثورة 14 تموز 1958(كان الملك فيصل وعائلته مجتمعين في قصر الرحاب وهم يضعون الترتيبات الأخيرة لسفره إلى إسطنبول ثم لندن.. ودخل جناحه الخاص للأشراف  على إعداد حقائب السفر، وبرغم جو الدعابة الذي ساد اجتماع أفراد الأسرة وهم يتناولون الشاي فإن شيئاً من القلق والتوجس كان يسيطر على مشاعر بعض الأميرات، وبخاصة الأميرتان عابدية  وبديعة.. وعند الساعة التي سبقت الغروب وصلت سيارة شاهدها أفراد العائلة وهم جالسون في شرفات القصر توقفت وترجل منها ضابط يحمل رسالة سلمها للملك إليها تطلع إليها ملياً وقد اكتسى وجهه بالوجوم وحاول إخفاء ارتباكه أمام الأميرات..ص21).

ويعرج الكاتب بذاكرته بعيداً عن المحلية إلى لقاءاته المتعددة مع الرئيس اليمني عبدالله السلال ويوثق فيها لقاءه به يوم 14 أيار 1964 في افتتاح السد العالي بحضور الرئيس السوفيتي " نيكيتا خروشوف" والرئيس الجزائري أحمد بن بلا، بالإضافة إلى الرئيس المصري جمال عبدالناصر الذي أخذ هو الآخر نصيباً من ذاكراته الصحفية  عنما شغل منصب مدير مكتب القاهرة في وكالة الأنباء العراقية، ويكشف الكاتب في مذكراته للقارئ عن محاولاته التي اصطدمت بالمنع في التعرف كصحفي على تحية محمد كاظم زوجة الزعيم جمال عبدالناصر.

وتنعرج مسارات المقالات عن سياقها بعد أن شدت إلى مسارات التوثيق إلى سياق الطرافة والغرابة في الأيام الدولية العجيبة والغريبة التي يحتفل بها العالم فيما يسمونه باليوم العالمي للـ (للشاي، والنوم، والمرحاض، الحمار، والعُسر)، بالإضافة إلى مقالاته المبوبة بـ (سؤال بريء) التي تناول بها وضع العراق المعاصر في ظل شبهات  الفساد التي يشهدها في مختلف  مرافق الدولة ويثير فيها الكاتب ما يسميها أسئلة بريئة لكنها تندرج ضمن سياقات التهكم السقراطي القائم على السخرية مع التظاهر بالجهل بطرح أسئلة من شأنها دفع الآخرين في البحث عن الحقيقة.

ثم ما تلبث أن تعود عجلة المقالات إلى مسارات التوثيق عبر توثيق ذاكرته الفنية والثقافية منطلقة من محطة فنانة الشعب فخرية كريم الذي ذكر فيها اللقاء الأول الذي جمعهم ، ويكشف للقارئ بها عن رسالتها إلى الفنان يوسف العاني والتي عبرت فيها عن رغبتها في التمثيل والانضمام إلى فرقة المسرح الحديث وموضحة العقبات التي تواجهها . وفي المحطة الثانية توقف عند الفنانة السينمائية والمسرحية ناهدة الرماحي ووثق فيها  لحظة فقدانها البصر على خشبة المسرح في 10 كانون الثاني 1976 في مسرحية القربان الذي أعدها الناقد الكبير ياسين النصير، ثم يعرج  بذاكرته بلقاءات جمعته بيوسف العاني وسليم البصري قبل أن يختم مقالاته في لقاءه بالفنان جواد سليم قبل عامين من بدء العمل في نصب الحرية موثقاً  شيئاً من سيرته، وإجابته عن المدرسة الفنية التي ينتمي إليها ولحظة وفاته قبل إتمام مشروع النصب.

والى يومنا هذا لم يشيخ رائد الصحافة العراقية  الأستاذ محسن حسين فما زال يواصل مشواره ويمارس الكتابة ويمتع القراء في صحيفة الزمان العراقية والدولية أو عبر صفحته الخاصة  على الفيس بوك، وقد أضاف بكتابه هذا منجزاً إبداعياً رابعاً إلى جانب (ذكريات صحفية، من أوراق صحفي عراقي، صورمن الماضي البعيد) وثق فيها شذرات من تجربته الصحفية الطويلة وما رافقها من مواقف وأحداث على مدار 65عاماً بأسوب وئيد، ونبرة متواضعة ممتزجة  بسماته الشخصية من غير استطرادات طويلة ومملة غالباً ما يقع بها كتاب السيرة الذاتية عند الحديث عن الذات.

***

صفاء الصالحي

في المثقف اليوم