قراءات نقدية

بديعة النعيمي: تجليات البعد النفسي للراوي في رواية فاطمة

من خلال قراءتي لرواية "فاطمة" للكاتب محمد الزيود، من إصدارات الآن ناشرون وموزعون/2021، وجدت العديد من الأبعاد النفسية للشخصيات. ومن المعروف بأن الشخصية لها الدور الفعال في تحريك العمل الفني ودفع أحداثه. كما أنها تشكل عنصرا مهما ينبني عليه نجاح هذا العمل.

ويؤدي عنصر الشخصية في الرواية أدوارا عدة في بنائها وطريقة عرضها للأحداث. كما أن لها دورا مهما في عرض رؤى الروائي، ومن خلالها أيضا يوصل رسالته للمتلقي.

وللشخصية أبعاد جسمية واجتماعية ونفسية ،لكن ما يهمنا في دراستنا هذه الأبعاد النفسية كون البعد النفسي يتعلق بالمزاج والميول وما يعتري الإنسان من مركبات تؤثر على كيانه الاجتماعي أو الجسماني كما يقول شكري عبد الوهاب في كتابه النص المسرحي-دراسة تحليلية وتاريخية لفن الكتابة المسرحية.

والشخصيات الروائية من وجهة نظر علماء النفس إما سوية أو مرضية. والبعد النفسي يساعد على تبيان ملامح الشخصية في أي عمل روائي.

لكن ما يلفت النظر في رواية فاطمة أن الشخصية المحورية فاطمة/ الراوي سوية ظاهريا ومريضة معذبة داخليا. وفاطمة تعيش في بيئة بسيطة لأناس يعانون شظف العيش في منطقة المسرة في أربعينيات القرن العشرين حيث يمارسون مهنة الرعي وزراعة القمح والشعير ،همهم توفير مؤونة الشتاء لهم ولمواشيهم. فمن سيتنبه لما تعانيه هذه الشخصية من انكسارات داخلية واغتراب نفسي وأحزان وخسارات منذ ساعة ولادتها وحتى شيخوختها.

كما أن هذه الشخصية لم تجد فيما بعد من تفرغ مكبوتاتها النفسية له وما تعانيه من وحدة وفراغ. وعادة ما تكون الأم هي الملجأ الأول للفتاة حيث تشكو همها وآلامها ،لكن فاطمة تختلف فأمها ماتت عند ولادتها وتركتها وحيدة تعاني الغربة والعذاب، حيث تتجلى مشاعرها منذ الصفحات الأولى للرواية ص١٤ على لسانها" قالت لي النسوة عندما سألت عن أمي وكنت أتصفح وجوههن ولا أجد وجهها بينهن إن أمي ذهبت إلى الجنة ،لم تمكث طويلا بعد ولادتي ربما حمى النفاس اختطفتها ،وتركتني يتيمة في بيت الحاج يعقوب أبي".

ورغم مرور سنوات على موت أمها إلا أنها لا تزال جائعة لحنانها مع أنها لم تتذوقه أبدا لكنها الفطرة والرحم الذي يتعلق به الجنين.

 وفاطمة التي حرمت أيضا من أبيها باكرا حيث لم يمهله الموت كثيرا قبل أن يختطفه ويتركها تعاني فقده ،نجد مشاعرها تفيض بعد سنوات من المعاناة وتصف موت الأب وما يشكله هذا الموت بالنسبة للفتاة ص١٥" عندما يموت الأب ينهار جبل جليد بسبب الحزن،وينطفئ سراج الفرح في البيت ،عندما يموت الأب ،تشعر بطعم المرارة التي لا تتغير في فمك مع مرور السنين. عندما يموت الأب يسقط آخر الجدران التي يستند ظهرك عليها!"

ويتضح من خلال هذه المشاعر جوعها الداخلي لأمان الأب والفراغ الذي يتركه غيابه.

 وحتى بعد احتواء حمدان الأخ الوحيد لها إلا أنها ظلت تعاني الغربة بسبب قسوته عليها وعدم إظهار مشاعر المحبة لها بالرغم من وجودها بداخله،فنجدها تقول بحزن وانكسار ص١٨" رغم قسوته علي ،إلا أنه يبدو حنونا عندما يلاطفني كأب". وتظهر انكسارها أيضا عند عودته من عمان بعد غياب ص٥٠ على لسانها" هز رأسه وأداره للجانب الآخر، كانت هذه إشارة لي بالعودة إلى البيت .كنت اتمنى أن أحضنه،أن أقول له إني اشتقت لك بعد هذه السفرة لكنني عدت إلى بيتنا مكسورة الخاطر".

وتتواصل انكساراتها النفسية بعد خسارتها لحمدان الذي يموت ليلة عرسه فيترك موته أثرا كبيرا في نفسها وحرقة على فقدانه ويحول هذا دون استقرارها النفسي عندما تنتقل لتعيش عند خالها حسين في بيته فتفقد خصوصيتها التي يوفرها البيت للإنسان وخصوصاً عندما يكبر ابن خالها علي.

ويتضح تأزمها النفسي عندما تقول بعد موته ص٦٧ "أخذوا قلبي وأهالوا عليه التراب" وص٦٨ "إذا مات أخي انكسر ظهري" فهذه عبارات مجازية للتعبير عن شدة ما تشعر به من تمزق وضغط نفسي بسبب موت أخيها.

والمدقق لانفعالات فاطمة يجد بأنها إنسانة متشائمة والتشاؤم ظاهرة تقضي على حياة الإنسان فيرى من خلالها أن الموت أفضل له من الحياة. وهناك العديد من المواقف في الرواية التي يستطيع المتلقي رصدها لفاطمة وهي تتمنى الموت سواء في الواقع أو في الحلم، ذلك الذي كانت تلجأ إليه فتنفصل من خلاله عن واقعها القاسي وهذا الانفصال ما هو إلا تعبير عن اغترابها عن كل ما هو حولها.فها هي تتمنى الموت بسبب عدم قدرتها على الإنجاب حيث يتسبب هذا الأمر لها بالحزن والتمزق فما يكون من زوجها عندما يرى حالتها وقد تردت إلا أن يقترح عليها الذهاب لزيارة الولي زيدان من أجل العلاج، فتذهب مع عمتها صبحا إلى مقام الولي. فنجدها تصف زيارتها تلك وما حصل معها بعد أن غابت في الحضرة ص١٨٢ " أخبروني أن كل الأدوية دون أمر الله لا تنفع، فلا أتعب نفسي. بقيت أبكي وأنادي على حمدان أن يأخذني معه" وهنا نستشعر التمزق العاطفي الذي تعاني منه هذه الشخصية عندما يخبرها أولياء الحضرة أن لا تتعب نفسها بالبحث عن العلاج ،فتدرك أنها لن تنجب أبدا فيدفعها شعورها بالحرمان من عاطفة الأمومة لتمني الموت ويتمثل ذلك بمناداتها على أخيها الميت ليأخذها معه علها ترتاح من عذاباتها حيث الموت يشكل لمثل هذه الشخصية الخلاص والتطهر من الألم والعذاب .

وما يزيد أيضا في شعورها بعدم الاستقرار حتى وهي في بيت زوجها أنه بني على بقايا بيت روماني، وأنها طالما شعرت بانعدام الأمان لأن أرواحا أخرى تشاركها السكن فيه ويتضح هذا ص١٦٢ على لسانها" بيتي الجديد مع صالح وبقايا الرومان ،وخرزهم وذهبهم وأشياء كثيرة جعلتني أفتقد وأشتاق لبيت خالي حسين الهادئ،شعرت أن هذا البيت مسكون بأرواح لا تشبه روحي".

وتستمر المعاناة.. ومما يزيد أيضا في عذاب نفسية فاطمة شخصيتها الهشة فاقدة الإرادة فعندما ضاقت الحال على زوجها أخبرها بأنه قرر الرحيل إلى الزرقاء لطلب الرزق لم تستطع الإعتراض على هذا القرار واستكانت له برغم ما شعرت به من اغتراب وعذاب. ففي ص٢٠٨" كل كلام صالح لم يرق لي، لكني سأتغرب وأترك هذا المكان الذي تفتحت عيوني عليه" وفاطمة بالرغم من عدم اقتناعها بالرحيل إلا أنها رحلت مما زاد في قهرها الداخلي ومعاناتها بسبب تركها للمكان الذي ولدت فيه.

وجاء بعد ذلك موت خالها ليضيف خسارة جديدة إلى خساراتها حيث تقول حينما جاءها خبر وفاته ص٢١٤" مرة أخرى ينهار آخر حائط كنت أستند عليه، خالي حسين كان كل شيء لي".

وتبدأ الحكاية مع فاطمة عندما انتهت في حي الغويرية أحد أحياء مدينة الزرقاء وحيدة ترقب المارة بعد موت صالح كل غروب على درجات بيتها تعد المارين وخرزات سبحتها كما تعد وحدتها بعدما غاب الأهل والأحباب.

بعد الغوص في أعماق رواية فاطمة قد يشعر المتلقي بأن شخصياتها شخصيات واقعية بالرغم من الملاحظة التي دونها الكاتب في بداية العمل من حيث أن شخصياته هي خيالية. وهنا قد يعترف بمهارة الزيود في صنع شخصيات حقيقية إلى أقصى درجات ممكنة ،استطاع من خلالها عرض واقع تجربة إنسانية منذ أربعينات القرن الماضي وحتى بداية الثمانينات.

بقي أن نقول أن محمد عبد الكريم الزيود ولد في مدينة الزرقاء عام 1973. حاصل على درجة الدكتوراة في أدارة الأعمال من جامعة شمال ماليزيا. عمل في القوات المسلحة الأردنية وتقاعد برتبة مقدم ركن.

يعمل أستاذا مساعدا في قسم إدارة الأعمال في جامعة الزرقاء الخاصة.عضو رابطة الكتاب الأردنيين. أعد وقدم برامج إذاعية في إذاعة التلفزيون الأردني

صدر له عدد من المؤلفات:-

مجموعة من النصوص الدرامية من بينها الفيلم التلفزيوني الشهيد راشد الزيود والفيلم القصير غريسا..حكاية زمن.

مجموعتان قصصيتان ضو جديد و وحيدا كوتر ربابة.

***

قراءة: بديعة النعيمي

في المثقف اليوم