أقلام ثقافية

محمد عبد الكريم: شجرة الزيتون

من المؤكد أن زيت الزيتون يتمتع بقدر كبير من الشهرة اليوم، ولكن حتى قبل أن يشيد به محبو نكهته الرائعة في العصر الحديث من حيث استخداماته في الطهي وخصائصه التي تعيد الصحة، فإن مصدره، شجرة الزيتون، قد كانت بئرا لا ينضب من القصص المختلفة عبر السنين.

الزيتون هدية أثينا:

تدور إحدى القصص الشهيرة من الأساطير اليونانية حول إنشاء شجرة الزيتون. وفقا للحكاية، كانت شجرة الزيتون الأولى نتيجة منافسة بين أثينا، المعروفة أيضا باسم إلهة الحكمة، وبوسيدون، إله البحر. تنافس الاثنان للحصول على الحق في أن يصبحا حاميي أتيكا.

خلق بوسيدون الماء المالح عندما ضرب حجرا برمحه. عندما فعلت أثينا الشيء نفسه، خرجت شجرة زيتون - رمزا للسلام والوفرة، وهذا منح سكان أتيكا ما هو أكثر من ذلك فقد اختاروها فعليا لتكون حامية لهم وأطلقوا اسم المدينة على اسمها. تلك المدينة الآن معروفة باسم أثينا. هكذا بدأت شجرة الزيتون.

الزيتون ونهاية الطوفان العظيم:

من أشهر قصص الكتاب المقدس التي عرفها الإنسان قصة الفيضان العظيم الناجم عن عاصفة هائلة ضربت الأرض. دفع هذا الطوفان نوح وعائلته والحيوانات إلى البحث عن ملجأ في الفلك الشهير لمائة وخمسين يوما (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل).

و بمجرد انتهاء الأمطار والفيضانات، أرسل الله حمامة إلى نوح، حاملة غصن زيتون كعلامة على أن الطوفان قد انتهى وأصبح هذا الإنسان الآن حرا في العيش على الأرض مرة أخرى.

الزيتون عند الملوك المصريين القدماء:

لا تقتصر عجائب شجرة الزيتون على دول منطقة البحر المتوسط. رأى شعب مصر القديمة منتجها الأكثر شهرة، زيت الزيتون، هدية من الإلهة إيزيس. يُنسب الفضل إلى إيزيس على أنها القوة التي أدخلت المصريين الأوائل إلى عجائب شجرة الزيتون وعلمتهم كيفية صنع زيت الزيتون.

كانت هناك أيضا صور لإنتاج زيت الزيتون في الفن المصري القديم. تم العثور على أدوات لضغط الزيت عدة مرات في الطقوس الجنائزية. يقال إن الفرعون توت عنخ آمون كان يرتدي تاجا منسوجا من أوراق الزيتون، وقد ظهر فرعون آخر، رمسيس الثالث، وهو يقدم أغصان الزيتون لإله الشمس رع، كرمز للتنوير.

الزيتون في التوراة:

في الديانة اليهودية، يلعب النفط دورا مهما باعتباره رمز البركة الالهية . في الشمعدان، الشمعدانات السبعة المتفرعة، اليهود يستخدمون زيت الزيتون . استخدم العبرانيون القدماء الزيت في الاحتفالات الدينية والتضحيات و مسح الكهنة.

الزيتون في الكتاب المقدس:

شجرة معروفة من القديم في فلسطين (خر 23: 11؛ تث 6: 11؛ يش 24: 13؛ قض 15: 5؛ 1 صم 8: 14). كما كانت تنبت في أشور 2 (مل 18: 32). ويظهر بهاؤها في أن أوراقها خضراء في الأعالي وسنجابية فضية من أسفل حتى إذا هزها الهواء ظهرت الشجرة من بعيد كأنها مغطاة ببرقع فضي شفاف جميل جدا (هو 14: 6). وزهره أبيض وكثيرا ما ينتثر فتشبه به العاقر حينئذ (اي 15: 33). ويؤكل حب الزيتون إلا أن قيمته العظمى في زيته) أي 24: 11؛ حز 27: 17). ولم يزل الثمر يجمع بخبط الشجرة) تث 24: 20 (أو النفض) اش 17: 6(. وقد أوصى الإسرائيليون بأن يبقوا خصاصة الزيتون للفقراء (تث 24: 20(.

ويعيش الزيتون مئات السنين ويحمل في الشيبة كالأرز وكالنخل)قرن مز 92: 12، 14). أما معاصره فقد كانت منقورة في الصخر (اي 29: 6) كما تشهد بذلك الآثار أيضا في تلك البلاد. مرات كانوا يدوسون حبوبه بالرجل) مي 6: 15(وقد استعمل خشب الزيتون في صنع بعض أجزاء الهيكل ومتعلقاته (1 مل 6: 23، 31، 33). أما تطعيم الزيتونة في البرية في زيتونة جيدة فيشير إليه بولس في) رسالة رومية 11: 17-24 (مصورا دخول الأمم إلى الإيمان، كما وتغيير الطبيعة الشريرة بالتطعيم بطبيعة أخرى يشير إلى عمل النعمة في القلب البشري الشرير.

وأول ما حملته الحمامة إلى نوح بعد الطوفان كان ورقة شجرة الزيتون) تك 8: 11(. لذلك صار غصن الزيتون شعار السلام وعلامته. وكذلك شجرة الزيتون علامة تشير إلى النجاح والبركة الإلهية (مز 52: 8؛ ار 11: 16؛ هو 14: 6). وعندما تتقدم شجرة الزيتون في العمر تكثر من حولها نباتات الزيتون الصغيرة النامية) مز 128: 3(. وقد كانت النساء تتزين في بعض المناسبات بإكليل من زهوره كما كان إكليل الزهر الذي يطوق عنق المنتصر في الألعاب الأولمبية في اليونان مكونا من أوراق الزيتون.

ويتم استخدام زيت الزيتون في زيوت الكنيسة، مثل زيت الميرون وخلافه.

آية الكتاب المقدس عن غصن الزيتون

كان الزيتون من أكثر الأشجار قيمة بالنسبة للعبرانيين القدماء. تم ذكره لأول مرة في الكتاب المقدس عندما عادت الحمامة إلى سفينة نوح تحمل غصن زيتون في منقارها.

يقول سفر التكوين 8:11: عندما عادت إليه الحمامة في المساء، كانت هناك في منقاره ورقة زيتون طازجة، ثم عرف نوح أن الماء قدانحسر عن الأرض.

الزيتون في القرآن الكريم:

لقد ورد ذكر الزيتون في القرآن الكريم كشجرة مقدسة مهمة لحياة البشر. وهناك وصف جميل للزيتون في القرآن الكريم فضلا عن أن الله سبحانه أقسم بالشجرة المباركة. وأشار لنا عليها بالبنان على أنها من الشجر المفيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه. يقول الله في تنزيله العزيز في معرض حديثه عن الزيتون:

- وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴿99 الأنعام﴾

- وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿١٤١ الأنعام﴾

- يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١ النحل﴾

- بِّسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١ التين﴾

- اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣٥ النور﴾

- وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩ عبس﴾

الزيتون في العصر الحديث:

قد لا تكون أشجار الزيتون هدية من الآلهة والأغصان قد لا تشير إلى نهاية الفيضانات هذه الأيام، لكن شجرة الزيتون لا تزال تحتل مكانة مهمة في الحياة العصرية، لكن يستخدم زيت الزيتون لعدة أغراض مختلفة.

وعلى غرار الحضارات التي سبقتنا، يُستخدم زيت الزيتون على نطاق واسع في الطهي والشفاء والتجميل اليوم - وهو دليل آخر على قوة شجرة الزيتون الدائمة عندما يتعلق الأمر بالصحة والجمال.

هذا هو السبب في أن الاستثمار في زيت الزيتون ليس فكرة سيئة على الإطلاق.

رمزية شجرة الزيتون:

طول العمر أو الخلود: يمكن أن تعيش شجرة الزيتون أكثر من 2000 عام، فهي قادرة على تحمل الظروف المعاكسة للغاية: البرد، وتساقط الثلوج، والحرارة، والجفاف وما إلى ذلك، ولا تزال تؤتي ثمارها. تتجدد أوراقها باستمرار وتستجيب جيدًا للتطعيم. لكل هذا فهو أيضا رمز للمقاومة والبقاء .

الشفاء: لطالما اعتبرت شجرة الزيتون وثمارها وزيتها ذات خصائص طبية، ومثبت بالأدلة العلمية. في الواقع، في جميع الحضارات، يستخدم الزيت لعلاج أمراض معينة، وكذلك وفي مستحضرات التجميل.

السلام والمصالحة: بقيت الحمامة مع غصن الزيتون رمزا للسلام لا يمكن إنكاره. في الواقع، يمكننا أن نرى غصن زيتون في بعض أعلام الدول أو المنظمات، ولعل أكثر ما يبدو لنا هو علم الأمم المتحدة. ويذكر أيضا في الإنيادة كيف استخدم الشاعر فيرجيل غصن الزيتون كرمز للمصالحة والاتفاق.

الخصوبة: وُلد أحفاد الآلهة في أثينا تحت أشجار الزيتون، لذلك اضطرت النساء اللواتي يرغبن في إنجاب الأطفال إلى النوم تحت ظلالها. في الواقع، يدرس العلم حاليًا ما إذا كان استهلاك زيت الزيتون يفيد، من بين أشياء كثيرة، في زيادة الخصوبة.

الفوز والتكريم: وتقدر أثينا هذا التكريم من خلال الخروج منتصرة من صراعها مع بوسيدون إله البحر والأنواء والزلازل والبراكين، وكما ذكرنا، فإن تاج الزيتون كان يُمنح سابقًا للفائزين في الألعاب الأولمبية في اليونان القديمة واستمر التقليد إلى يومنا هذا. تم الحفاظ على هذه العادة مع مرور الوقت ويمكننا أن نرى كيف أنه ليس فقط في الألعاب يتم منح الفائزين تاج الزيتون، ولكن أيضا في الرياضات الأخرى التي تجري على الكوكب.

وفي الختام، تبقى شجرة الزيتون في غاية العطاء لأنها تعطي أكثر مما تأخذ وفي حال تقديم الخدمة لها تجود في العطاء.

***

محمد عبد الكريم يوسف

في المثقف اليوم