بأقلامهم (حول منجزه)

قراءة صالح الطائي لمشروع ماجد الغرباوي في ميزان النقد (3)

نواصل قراءة كتاب الدكتور صالح الطائي: (الإلهي والبشري والدين التراثي.. رؤية نقدية في مشروع ماجد الغرباوي). بمقدمة تمهيدية:

لقد قطع الفكر الإسلامي المعاصر في إيران شوطاً كبيراً في معالجة قضايا منهجية وأساسية كان لها دور في تجديد الفكر الديني، حيث لعب المفكرون الإصلاحيون هناك دوراً كبيراً في إعادة صياغة العقلية الإسلامية الشيعية، وربما كان زوال الشعور بالأقلية الإسلامية الشيعية في إيران من أكبر أسباب نضح العقلية النقدية في المجتمع الإيراني، حيث يمثل الشيعة أغلب سكان إيران خلافاً للشيعة العرب حيث وجود هذا النقد خوفاً من تفكك الأقلية، الأمر الذي يؤدي إلي بطء مسارات الإصلاح.

ومحاولات إصلاح الفكر الشيعي في إيران أخذت لدى البعض مسار إصلاح أدوات المعرفة الدينية، وطرق الاجتهاد إلي جانب تنقية التراث؛ ومن بين الوجوه الإصلاحية التي ظهرت في تلك الفترة مهدي بازرجان (1905-1995م)، ومرتضى مطهري ( 1920-1979م)، وعلي شريعتي (1933-1979م). ثم جاء من بعدهم عبد الكريم سروش (1945- ....)، مجتهد شبستري، ملكيان وآخرون مازال فكرهم ونظرياتهم تحظى باهتمام كبير.

ومع اختلاف مناهجهم بين العلمي والعرفان والاجتماعي والفلسفي والأصولي إلا أنهم استطاعوا أن يقدموا نهضة فكرية، فالمهندس مهدي بازرجان يعد من أهم المفكرين والمصلحين المعاصرين  في إيران فقد اهتم منذ شبابه بإعادة التفكير في صياغة الفكر الديني وبذل جهداً كبيراً لإظهار جدية الوفاق بين الفكر الإسلامي والمفاهيم العلمية الحديثة.. وأما علي شريعتي فيعد نموذجاً فريداً من مفكري إيران، فعلى الرغم من أنه فارسي العِرق لكنه لا يتوقف عن نقد النزعة الشعوبية لدى الإيرانيين، كما أنه يعتبر من المفكرين القلائل الذين استطاعوا التجرد من هوى المذاهب والتمذهب فانتقد ما أسماه التشيع الصفوي، والتسنن، ودعا إلى التمسك بما يعرف بالتشيع العلوي والتسنن المحمدي .. كما يعد عبد الكريم سروش الذي ظهر منذ أوائل الثمانينات واحداً من أهم الكتاب البارزين في إيران، حيث عالجت كتاباته النظريات الماركية وموضوعات فلسفة العلم، وأثارت كتاباته وخاصة ما يعرف بنظرية (القبض والبسط للشريعة) جدلاً واسعاً ونقاشاً حاداً بين مؤيد ومعارض لها، كما تميز سروش بجمعه عددا من العلوم حيث درس الكيمياء والصيدلة وأحب الشعر وقرأ كثيراً عن العرفان بالإضافة إلى ذلك هو ناشط ثقافي، وسياسي ومتبحر في علم الكلام .. وأيضا تشهد للشيخ مجتهد شبستري جهوده الفكرية في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد.

وكل هؤلاء وغيرهم من أصحاب المشاريع الفكرية العربية استفاد منهم صالح الطائي ونهل منهم، واتضح ذلك حين رأيناه يتحدث عن فلسفته في التصحيح والإصلاح، حيث يقول صالح الطائي: "ليس من قبيل المصادفة أن تعطي اللغة الإنكليزية لمصطلحات (التصحيح) و(التصليح) و(التعديل) معني مشتركاً واحداً (correction)، وتعطي لمصطلح الإصلاح الذي هو من سنخها معني مغايراَ (repair)، فالتصحيح والتصليح والتعديل تجتمع سوية لتعطي معني : محاولة تقويم حالة دون النظر إلى أصولها، فهو من حيث الشمول يعني تصليح الشئ العاطل، كأن يكون سيارة، أو جهاز كهربائي في المنزل أو أوراق امتحان، وهو يحتاج إلى الخبرة والتخصص والممارسة العملية . على خلاف الإصلاح، الذي يشمل عدة تغييرات وإجراءات وقوانين لإصلاح قطاع معين، أو إصلاح منهج، أو جيل من شئ خطأ ملازم له، بمعني أنه يسعى إلى إعادة الأمور إلى نصابها وأصلها الصحيح، أي التغيير نحو الأحسن والقضاء على المساوئ التي تنشأ نتيجة خلل في أنساق الفهم ومناهج التطبيق، وهو بالتالي يحتاج إلى الفهم، والوصف، والإبداع، والإرادة، واستراتيجيات مبتكرة، وسعة الأفق، والقدرة على اتخاذ القرار الجرئ، والقدرة علي تحمل النقد". الكتاب: ص 23.

ويستطرد صالح الطائي فيقول: .. وهدف الإصلاح هو إحداث تغيير نوعي في نمط الإستجابة للمؤثرات المحيطة بالفرد سواء كانت المؤثرات داخلية أم خارجية، وهذا التغيير النوعي في الإستجابة يتبعه تغيير في نمط سلوك الفرد وتصرفه حيال المثيرات والمحذورات، ويتحدد نوع هذا التغيير في نمط الإستجابة، وفي نوعية السلوك، وفي مقاييس وقواعد الآداب والسلوك المتبعة في المحيط الاجتماعي، فإصلاح سلوك الفرد وتقويمه في نطاق علم الإجرام يتحدد في أحداث تغير يتحول في نمط الإستجابة وبالتالي نوعية السلوك، من السلوك المضاد للمجتمع إلى السلوك المنسجم مع قوانين المجتمع وقواعد السلوك والآداب السائدة فيه". الكتاب: ص23.

والسؤال الذي أود أن أتساءل عنه هنا: هل صحيح كما يقول صالح الطائي ص 20 أن مشروع التنويري عند ماجد الغرباوي، والذي يدعو إلي الإصلاح لا يمكن أن يتحقق على الأرض أو في حياتنا؟: (والمدهش في الأمر أن الباحث الغرباوي كان يتحدث عن فرضيات من وحي الرغبة في الإصلاح، فهو مثلنا على يقين أن ذلك لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع، ويعلم أن ذلك هو المستحيل بعينه مهما كانت مبرراته، لكن الأمل يحدوه عسى أن تتحقق المعجزات، معتقداً أن هذه الاستحالة لا تمنع مقاربة وإعادة النظر في هاتين المسألتين من أجل وضعٍ فكريٍ أفضل لعالمنا الإسلامي). وكان هذا تعقيبا على قوله: (وأنا من خلال تفكيكي لنتاجه [الغرباوي] وجدته يتحرش بالممنوع الحقيقي والأسطوري بشكل لا يصدق، ويقتحم الخطوط الحمراء دون سابق إنذار، ولا يخشى لومة لائم حينما يحمل سيفين واحد باليمين وآخر بالشمال، فيطلب من السنة ـ على سبيل المثال ـ أن يعيدوا النظر بنظرية عدالة الصحابة؛ التي تسببت بالكثير من الشغب التاريخي، ويطلب من الشيعة أن يعيدوا النظر بموضوع عصمة الأئمة؛ الذي سبب الكثير من الخلاف). وهذا مبرر قوله الأول وهو محق كباحث مثابر، يعرف أن هذا مستحيلا، والقضية ليست أماني، خاصة بالنسبة للمذاهب الدينية، لكن الرجل طرحه كمثال. وهنا بودي أن أعقب:

إن المشاريع التنويرية وفقاً لمناهج العلوم الانسانية الحديثة ومعطيات العلوم الأخرى مشاريع جديدة نسبياً على الساحة، خاصة أن بلادنا المسكونة بالغيب والمقدس والدين (كما يؤكد الغرباوي في كتاباته دائما)، تتوجس من كل جديد وتشكك بمعطيات العلوم، ومازال هناك من يعتبر الفلسفة هرطقة، والتنوير جريمة أو خيانة للتاريخ. الناس تخشى مقاربة مقولاتها العقدية والأخلاقية، اعتزازا بدينها وخوفا على عقيدتها. وهذا يشمل جميع المشاريع الفكرية، وآراء الغرباوي تمس المحظور والمقدس، فتارة تجدها مرعبة بالنسبة لبعض الناس، ويتقبلها أخرون، والمسألة عادية. لكن هذا لا يفرض علينا الكف عن مقاربة العقيدة ونقد مقولاتها، والاكتفاء بالاصلاح والتجديد والترميم. وأقصد بالنسبة للغرباوي، الذي بات مشروعه واضحا، وراح صداه يلفت الانتباه. وما تأليف كتاب من قبل باحث بوزن الدكتور صالح الطائي سوى شاهد على ما أقول. وعندما أعلنت مؤسسة المثقف عن صدور طبعة ثانية خلال سنة من الطبعة الاولى لكتاب مدارات عقائدية ساخنة، لفتت انتباهي في حينها، خاصة مع كساد سوق الكتاب وخمود الاقبال على قراءة الكتاب الورقي. فلم أجد ما يفسر هذا سوى تقبل الناس لأفكار الكتاب، وتقبلهم فكرة مناقشة المقدس، وهو تطور. أو وجدوا فيه آراء جديدة جذبتهم. وعليه هذا مؤشر لا على أهمية الكتاب بل مؤشر على وجود تقبل للكتابات النقدية الحديثة، وتقبلهم لتفسير النصوص بمناهج جديدة، وهذا ما أتوقعه لكتاب الدكتور صالح الطائي: (الإلهي والبشري والدين التراثي.. رؤية نقدية في مشروع ماجد الغرباوي). من خلال متابعتي أجد هناك تعطش لمعرفة الحقيقة في عصر الانترنيت. بينما كانت مناقشة المقدسات خطا أحمر، فالمراحل القادمة سيتقبلون كل شيء. وعليه ربما يحصل انقلاب جذري في العقائد وفهم الاديان. فالأمر عندي يتوقف على وعي المسؤولية الدينية، ومدى علمية وقوة الطرح البديل. واستشهد هنا بنص في كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص199: (.. التحرر العقلي إذاً يتطلب مرانا على النقد والمراجعة وطرح الأسئلة والاستفهامات وتقويض المألوف والمتعارف ومطاردة ألاعيب الخطاب. من هنا ينزعج الناس حينما يستفز الخطاب النقدي عقائدهم ومورثاتهم، ويربك استقرارهم النفسي القائم على تلك الموروثات الدينية. فهي أساس وجوده وكينونته الاجتماعية، يستميت في الدفاع عنها والتضحية في سبيلها، عندما يتعلق الأمر بالهوية والانتماء الذي يزعزع الاستقرار والطمأنينة. فالدفاع عنها دفاع عن وجوده وهويه وانتمائه، فلا يسمح بهدرها ما لم يتولى نقد الذات بنفسه، ويبدأ بمراجعة قبلياته، ويسمح للعقل بالنقد وفقا لمبادئه. أي أنه يرتكز لأنساق عقلية ومعرفية مغايرة تتصدى لنقد مقولاته الأساسية. في هذه الحالة فقط تبدأ عملية التنوير).

لا شك أن الأمر يختلف عندما ادعى الغرباوي استحالة التخلي عن عدالة الصحابة من قبل أهل السنة والتخلي عن العصمة بالنسبة لأهل الشيعة، وهو ما أكده الباحث الطائي أيضا، فلان كلا المذهبين سينهار بانهيارهم، ولا معنى لوجودهما، فهي قضية حياة وموت بالنسبة لهما، وغن كان في الحقيقة ليس كذلك. لكن الأمر بالنسبة لى على الأقل ليس مستحيلا. وأنا مع مواصلة النقد، وإعلان النتائج مهما كانت خطيرة. فليس المهم مشاعر الناس، فإنها مؤقتة وتذوب، وهذا هو العقل الجمعي. المهم نأمل في مشاريع تساهم في تحريك عجلة النهضة التي انتظرناها طويلا. ماجد الغرباوي كتب كثيرا في كتبه القديمة عن الاصلاح والتجديد ككتاب إشكاليات التجديد، لكن وجدناه في حواراته يدعو لرؤية مغايرة للدين. وهو يقصد إعادة النظر بما يسمه: (النسق العقدي المألوف). يقول صريحا في كتاب: الفقيه والعقل التراثي، ص111: (ما لم تجدد عقيدتك باستمرار، سيركنك التاريخ في إحدى زوايا الغلو. وبالتالي ينبغي لنا مغادرة النسق العقدي المألوف، واستبداله بنسق معرفي له قدرة على مواكبة الحياة وفهم الدين وحاجات الإنسان). ويقول أيضا في ص302: (نؤكد لا أمل في الاصلاح للوضع الإسلامي عامة، والوضع الشيعي خاصة سوى إعادة النظر في النسق العقدي المألوف والمتداول، وبناء مبادئ عقدية تنسجم مع فهم متجدد للدين، وتأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ودوره الاستراتيجي في الحياة الدنيا).

ولا يخفى على القارئ اللبييب أن إعادة النظر في النسق العقدي المألوف كما يدعو لذلك الغرباوي، يعني إعادة النظر في العقيدة ذاتها، بدءا من صفات الخالق، وعلاقته بالمخلوق (كما في ص15 من كتاب الفقيه والعقل التراثي)، معنى الوحي والنبوة ووظيفة النبي، وتمتد على الرأي الشيعي للإمامة وأدلتها ودورها ومدى قدسيتها، فمشروع الغرباوي مشروع فكري وعقدي شامل. لا يتوقف على الاصلاح روبما لا يؤمن بالاصلاح، ويطالب بفهم جديد للدين. وهو ما يرددها بكثرة: (فهم جديد للدين يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الحياة)، كما يطالب في مشروعه الفكري بمركزية الإنسان. وهو وإن لم يصرح لكن العبارة واضحة، يريد طرح مركزية الإنسان في مقابل مركزية الله. التي هي أساس الفكر الديني عامة، بلا استثناء. ومن يخرج على هذه الفهم يرمى بالانحراف وربما الكفر. وعليه فمشروع الغرباوي يقع في موازاة المشاريع الاصلاحية والتجديدية، ولا يمثل امتدادا لها. يضع العقل فوق النقد، ويركن للبرهان والدليل، ويحد من دائرة حجية السنة، وغير ذلك كثير بحاجة الى دراسات مفصلة. فمنهجه يختلف جذريا عن منهج الدراسات الدينية والحوزوية التي تتمسك بالنص وحجيته مادامت سند الرواية صحيحا.

ولكي نكون موضوعيين، لا ننفي عن مشروع الغرباوي الاصلاح والتجديد نهائيا، لكنه كما مركوز في ذهني من خلال مطالعاتي يعتقد أن مشاريع الاصلاح والتجديد بات بلا جدوى، ويعتقد بضرورة تقديم فهم جديد للدين والنص الديني ودور الإنسان في الحياة. فهو ليس مع التصليح ولا الإصلاح، وإنما هو مع تقديم فهم مغاير للدين، يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الإرض. ولازمه مركزية الإنسان ومصالحه، لذا طرح الغرباوي اتجاه الخلافة / الإنسان في مقابل اتجاه العبودية، وقد بين معالمه وركائزه في كتاب الفقيه والعقل التراثي، بهذا أخرج الإنسان من كونه كائنا مخلوقا للطاعة والانقياد، يملي عليه الفقيه ما يريد إلى كائن عاقل، يعي ذاته، يشهد لذلك كتاب الله: وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة. فالإنسان خليفة في هذه الأرض، لاستخلاف الأرض وإعمارها. فرؤيتته للدين تختلف عن الرؤية المتداولة، التي تختزل الإنسان. وعلى هذا الأساس أصل الغرباوي للاتجاه العقلي. ارجو الاطلاع على نظريته في ص 63 من كتاب الفقيه والعقل التراثي، فيه من المعلومات ما يكفي لبيان كل شيء.

وبالتالي فثمة اختلاف منهجي على جميع الأصعدة بين الرؤيتين وهذا ما أريد قوله والتأكيد عليه من خلال الشواهد والأمثلة. هو ذات الفارق بين التحرر من الأحكام المسبقة والإنقياد المطلق لها. لذا وجدنا الغرباوي قد ناقش مقولات النسق العقدي المتداول كحجية السنة في أكثر من كتاب، خاصة كتاب الفقيه والعقل التراثي. وعدالة الصحابة في كتاب: النص وسؤال الحقيقة. العصمة في كتاب الفقيه والعقل التراثي. الإمامة في كتاب مضمرات العقل الفقهي، والمهدي في كتاب مدارات عقائدية ساخنة، إضافة للشفاعة وغيرها من مفردات عقائد المسلمين. فاكتشف كما يقول الغرباوي بشريتها وتاريخيتها، وتعامل معها على هذا الأساس. وبذلك انهارت أمامه كثير من اليقينيات والمقدسات السابقة. وهذا لا يفعله باحث ديني أو إسلامي ما لم يتسلح بمشروع تنويري متكامل، وقد تستفزه هذه الطريقة جدا. كما أن انهيار تلك اليقيانيا لم يؤثر على تماسك الغرباوي، وهو يطرح بدائل قائمة على الدليل والبرهان والتأمل العقلي، وعدم الانصياع للخرافة والطائفية والبحوث الكلامية القديمة.

***

سجل الباحث الدكتور صالح الطائي ملاحظة منهجية على كتابات الغرباوي، هي صعبة خاصة كما يقول في ص 21 (ونظرا لكثرة نتاج الباحث الغرباوي لا ضير في أن تتكرر الرؤية الواحدة من رؤاه في أكثر من كتاب وبحث ولقاء ودراسة ومقال، ولكن هذا سيزيد من صعوبة تقسيم الكتاب على فصول أو مباحث او الاكتفاء بالعنوانات الرئيسية والفرعية). وهي ملاحظة صحيحة بشكل عام، غير أن الكتب الحديثة باتت لا تعتني كثيراً بالتبويب الأكاديمي رغم أن بعض كتب الغرباوي مبوبة على أبواب وفصول. أو فصول وحدها. ولعل العناوين الرئيسية تكفي لمن يريد الاشتغال في مشروعه الفكري.

ثم ضرب لنا الباحث الطائي مثالا على ذلك من دراسة للغرباوي عن الشيخ محمد حسين النائيني منظر الحركة الدستورية. لم أفهم ما هو الربط بين كلامه والشاهد، لكنها التفاتة ذكية من باحث دقيق لهدف الغرباوي من الكتابة منذ كتاباته الأولى، وهي نقطة يشكر عليها الاستاذ الدكتور صالح الطائي. قال: (للوهلة الأولى وكأن الباحث الغرباوي أراد من خلاله التحدث عن الشيخ النائيني حاله حال المؤلفات الأخرى التي تكتب عادة عن أشخاص أحياء أو متوفين، وعن مشاريعهم ورؤاهم، بينما استغل الباحث الغرباوي الفكرة العامة للكتاب لتمرير الكثير من رؤاه الفكرية وتحليلاته المنطقية والبحثية، وقد أشار في المقدمة إلى ذلك بشكل غير مباشر من خلال قوله: "وفي حياة الشيخ محمد حسين النائيني كثير من المواقف والظواهر المفتوحة على أكثر من تفسير ورأي، ولكن تجد كل باحث يختص برؤية مستقلة. بل هو تحدث صراحة وبوضوح عن الهدف الحقيقي من وراء مثل هذه الكتابات بقوله: "تتلخص فكرة مشروع رواد الإصلاح في تلمس المشروع الإصلاحي لكل رمز من الرموز للتواصل معه، والبحث عن نقاط الضعف لتداركها، وتأسيس وعي جديد يرتكز إلى العقل ضد الخرافة والقداسة، وضد الاستبداد بنوعيه السياسي والديني، فهذا الكتاب في واقعه يمهد للدخول إلى المنهج العام للباحث. والظاهر أن الكتاب صدر ضمن سلسلة (رواد الإصلاح) التي تعنى بدراسة مشاريع الإصلاح التي نهض بها الرواد المسلمون، وتطمع إلى رقي وعي الفرد والأمة إلى مستوى المسؤولية الرسالية، وهذا يدل على وجود فكرة مسبقة هدفها التمهيد لمشروع كبير، لم تكن غايته تمجيد الرواد، وإنما استغلال عملهم للتأسيس لمنهج إصلاحي جديد، وحسنا فعل الباحث، فهو فتح الباب على مصراعيه وسمح لكل من يرغب بالدخول أن يدخل بلا استئذان). (الكتاب: الصفحتان: 20 – 21). إضافة لكلام الباحث الطائي لقد ذكر الغرباوي في مقدمة الطبعة الاخيرة من كتاب النائيني انه كان محاطا بظروف لا تسمح بأي حديث، فكان النائيني وسيلة للحديث عن الاصلاح وضروراته وفضح الاتجاه السلطاني لدى الفقهاء، وما أفرز تعاون الاستبداديين الديني والسياسي.

وهنا ملاحظة قد يواجه القارئ صعوبة في فهم آراء الغرباوي، وهذا واضح، غير أن  كتاباته بشكل عام واضحة، ولغته مشرقة، تنساب على الورق، ويرق لها السمع، غير أن طبيعة الأفكار تفرض مصطلحاتها ومفاهيمها فتتطلب خلفية تساعد على فهمها. كما أنه طرح افكار جديدة، تحتاج لتأن في فهمها وإدراك مقاصدها. وأما الجرأة فتتسم بها جميع كتاباته وفقا لمبدئه: الحقيقة تستدعي النقد الجريئ.

***

ملاحظة أخرى سجلها د. صالح الطائي في ص 41: حيث قال:

السؤال المهم: اين نضع المفكر ماجد الغرباوي وتجربته في نقد الفكر الديني في هذه المعادلة الصعبة جدا؟ والجواب على هذا السؤال يدفعنا للبحث في مشروعه والتنقيب في رؤاه، طالما أنه يعتقد أن ثمة أزمة حادة تواجه الشريعة الإسلامية، بل تواجه الدين بأسره، لا تنفع معها تبريرات الفقهاء ومكابراتهم، أزمة حقيقية تضغط باتجاه مراجعة نقدية تطال الفكر الديني وفق قراءة معاصرة تواكب مسار الحضارة، وتعيد النظر في ثوابت الشريعة أي أنه يريد التعامل مع الثوابت، والثوابت تُقَرُ بنص، وقاعدة الفقه المتفق عليها بين المدارس الإسلامية تقول: "لا اجتهاد قبالة النص". وهو في نيته هذه يسعى إلى التحرش بالحافات الخطيرة جدا). وأضاف: (وأؤكد هنا أن غايتي القصوى هي الإيضاح والنقد البناء لبعض جزئيات مشروعه، وليس التخريب والهدم، فما قدمه الغرباوي للدين وللأمة كثير جدا ولا يمكن انكاره تحت أي تعليل، بل هو قد يفوق كثيرا ما قدمه رجال يرتدون الزي الديني، وينهجون نهج الدعاة للدين. والجزئيات التي سننقدها قد يكون هو الذي أثارها، أو أن ما طرحه شجع الآخرين على إثارتها، أو أن هناك من استغل إثارته لها ليدخل من خلالها ويدلي برأيه الذي قد يكون في منتهى الغرابة). بهذا النص يوضح الباحث صالح الطائي منطلقه في تفكيك وفهم مشروع الغرباوي الفكري. وهي نقطة مهمة تبعد عن الناقد الشك والتأويل البعيد، فالأمر بات واضحا، وقد بين رأيه عندما قال: (أي أنه [الغرباوي] يريد التعامل مع الثوابت، والثوابت تُقَرُ بنص، وقاعدة الفقه المتفق عليها بين المدارس الإسلامية تقول: "لا اجتهاد قبالة النص").

بما أن الحديث عن الشريعة فيقصد الباحث الطائي من الثوابت ثوابتها. وهي: النسق العقدي، إضافة إلى النص المقدس، الآيات والروايات، وعند الشيعة روايات أئمة أهل البيت أيضا. فهل الغرباوي مؤهل لهذا العمل؟ يقول د. صالح الطائي في بداية الكتاب، كما أشرت له سابقا: (نقف اليوم أمام شخص رسم لنفسه منهجاً نقدياً إصلاحياً، تبنى فيه نقد الفكر الديني تحت شعار الإصلاح الجريء؛ بعد أن درس الدين وأصوله وفروعه ومناهجه على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وكوَّن رؤية أصيلة عما يريد التحدث عنه، إنه الباحث والمفكر العراقي المقيم في أستراليا الأستاذ ماجد الغرباوي، الذي سنتولى نقد تجربته بعلمية وحياد). إضافة لما هو مدون في سيرته العلمية، فهو إذا يمتلك الأدوات اللازمة لاستنباط الأحكام الشرعية، وتقديم أدلة تدعم آرائه. وما دونه من آراء تكشف عن آراء اجتهادية واضحة، وهو يناقش الأصوليين مثلا. فالرجل مؤهل لهذا. بقي ما هو منهجه؟

يخالف الغرباوي الفقهاء حول مفردات العقيدة. يقدم القرآن على الروايات. الصحيح من الرويات بالنسبة له كما ذكر في كتاب الفقيه والعقل التراثي، شروطها صعبة. وتاتي في طول القرآن، وليس في عرضه. كما يقدم العقل في فهم النصوص الدينية، وهم يتعبدون بها مطلقا. له رأي مخالف في حجية السنة والعصمة والإمامة وغير ذلك. وعليه هو يختلف معهم في الاصول والمتبنيات. ويتحفظ على مقولة لا اجتهاد مقابل النص للاسباب التي ذكرتها سابقا. وهو يفهم القداسة بشكل مختلف عما هو متعارف. ويرفض الاحتجاج بالنصوص بعيدا عن تاريخها وفلسفة صدورها. ودأب منهجه على تقديم الدليل العقلي ثم القرآني. او القرآني بجانب الدليل العقلي. فهو لا يجتهد أمام النص بمعنى رفض النص، ولكن يناقش في حجيته وفهمه في ضوء الظروف المحيطة به والإطار العام لرؤيته ونظريته. وهذا مرفوض بالنسبة للاتجاهات التقليدية، فنعود ونقول ان الخلاف سببه المنهج والمباني التي يؤمن بها كل طرف. وأقول وهذا رأيي الشخصي ان: لا اجتهاد مقابل النص، كانت عبارة صلبة لا يمكن مخالفتها، لكن فهمت من تفاصي لمشروع لغرباوي ان فعلية كل حكم منصوص تتوقف على فعلية موضوعه. لا اعيد ما تقدم.

وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط