اخترنا لكم

جمعنا مساء الخميس (19/10/2023)، حوار ثمين مع عالم الاشوريات وأمين الألواح المسمارية في المتحف البريطاني بلندن، الدكتور ارفينغ فينكل Irving Finkel، العائد للتو من اول زيارة له للعراق، والذي كشف لنا عن سروره الغامر لمشاركته في مؤتمر دولي ببغداد بصفته متخصصا في الحضارة العراقية القديمة، التي كرس لدراستها معظم حياته، كما زار عدة مواقع اثرية سومرية من بينها زقورة عكركوف، التي بناها في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ملك الكيشين كوريغالزو الأول لتكون معبدا للالهة السومرية.

كان مصدر دهشتنا الأول عظمة تواضع هذا العالم الجليل، الذي اصر على المجيء بنفسه، ومشيا على القدمين، لاستقبالنا عند استعلامات المتحف البريطاني، رغم ما يمتلكه من شهرة علمية استثنائية، لم ينل ربما مثلها في مجاله احد من قبل، اذا استثنينا رائد علم الآشوريات بالمتحف البريطاني جورج سميث، الذي اكتشف وترجم في عام 1872 أول حساب مسماري للطوفان العظيم، متمثلا باللوح الحادي عشر لملحمة جلجامش، ودون نسيان الكبير صموئيل نوح كريمر. وبداهة، كانت بهجتنا اكبر، عندما اعرب الدكتور فينكل عن اهتمامه الخاص بالمحاور التي تناولها كتابنا "الفلسفة البابلية" (الصادر عن دار المدى في 2019)، فيما تناول الحديث مجمل قضايا الفكر العراقي القديم ،مع وقفة مطولة حول المؤرخ البابلي الكبير بيروسوس (برعوشا) وكتابه الشامل "تاريخ بلاد بابل" المعروف باسم «Babyloniaca» (البابلونيكيا)، الذي صدر بثلاثة اجزاء (في حوالي 272 ق.م)، وأهداه إلى أنطيوخوس الأول وهو مفقود الآن الا اننا نمتلك مقتطفات منه اخذها لاغراضه الخاصة عدد من الكتّاب والمؤرّخين الهيلينستيين ابرزهم جوبا الثاني والكسندر بوليستور وأوسيبيوس ويوسيفوس وغيرهم بينما لا تذكر عنه شيئا مصادرنا العربية والإسلامية فيما سيصدر لنا كتاب خاص عنه قريبا.

ومكانة إيرفينغ فينكل العلمية، بدأت بالتألق منذ عام 2010 اثر قيامه بترجمة ونشر لوح طيني سومري نادر عائد للحقبة البابلية الأولى، أي قبل حوالي 4000، يكشف عن وجود توجيه للانسان من اله الحكمة انّكي (إيا)، يقضي ببناء سفينة لمواجهة خطر طوفان مرتقب. وهكذا، وعندما قرر ان ينقل الى البشر السر الالهي بارسال الطوفان على الارض التي شاخت بالذنوب، قام بتلقين الانسان (أتراحاسيس) المعرفة لبناء السفينة اللازمة، بخطاب غير مباشر عبر جدار كوخ القصب:

"جدار، يا جدار!

جدار القصب، يا جدار القصب!

أتراحاسيس، انتبه لنصيحي،

وقد تعيش إلى الأبد!

اترك منزلك، وقم ببناء قارب

ازدري الممتلكات.. وانقذ الحياة!

وارسم القارب الذي ستصنع

على مخطط دائري

وليكن طوله وعرضه متساويين،

واجعل شخصًا آخر يلف السعف وألياف النخيل من اجلك!

مع إصبع واحد من القار لأطرافها الخارجية

وإصبع واحد من القار لداخلها.."

هذا جزء من النص الخاص بالسفينة في اللوح الذي ترجمه فينكل حيث لاحظ أيضا ان شكل السفينة فيه يختلف عن سفينة نوح بكونه مستديرا من جهة ومشيدا من القصب وحبال ليف النخيل والقير من جهة اخرى.

وهكذا يقودنا فينكل الى الاستنتاج بانه لم يكن لبلاد ما بين النهرين قصة واحدة، بل ثلاث قصص طوفان تسبق النسخة التوراتية بألف عام، مع الاستنتاج المنطقي بأن مؤلفي "الكتاب المقدس" استعاروا حكاية طوفان بابلية تشبه تلك الموجودة على هذا اللوح الطيني وعدلوها لانتاج سفينة نوح التوراتية المستطيلة. وبينما كان هذا القارب او الفلك العائم مصنوعًا من القصب المربوط بحبال من ليف النخيل ومغطى بالقار، وربما مادة شبيهة بالقطران من اجل العزل المائي، غدا في سفر التكوين من "الكتاب المقدس" سفينة خشبية تشبه البارجة كي يكون صالحًا للإبحار.

هذه الافكار التي  طرحها فينكل دافع عنها في اكثر من دراسة، قبل ان ينشر عنها في عام 2014 كتابا بعنوان "السفينة قبل نوح: فك قصة الطوفان" The Ark Before Noah: Decoding the Story of the Flood,  ، لاقى اصداء عالمية واسعة كشف فيه اولا ان الفلك الموصوف في اللوح الاصلي كان مستديراً مثل "قفة" كبيرة جدًا، ودعم رأيه بمعلومات تفصيلية وافية عن أبعاده وبنيته، وهو ما قام بتوثيقه بفيلم وثائقي تلفزيوني تم انجازه في عام 2014 مسبوقا بدراسة معمقة وقيام فريق خاص من الخبراء بتنفيذ نسخة مصغرة لهذه السفينة في الهند بموجب مواصفات اللوح الطيني بقطر 60 متر وارتفاع 6، كما تم تنفيذ السفينة (القفة) من طابقين لتكون محمية بأمان من الطوفان فيما كان من المفترض، وهذا هو كشفه الثاني، أن تدخل الفلك اثنين من كل الاحياء.

ولد عالم الآشوريات البريطاني إرفينغ فينكل في عام 1951، وهو حاليا مساعد أمين مخطوطات ولغات وثقافات بلاد ما بين النهرين القديمة في قسم الشرق الأوسط بالمتحف البريطاني، متخصصا في الدراسات البابلية والآشورية كما في ترجمة النصوص المسمارية المكتوبة على ألواح طينية والعائدة الى العصور العراقية القديمة.

وكان ارفينغ فينكل حصل على الدكتوراه في علم الآشوريات من جامعة برمنغهام تحت إشراف ويلفريد ج. لامبرت اثر تقديمه أطروحة حول التعاويذ البابلية لطرد الأرواح الشريرة والاشباح، وقد صدرت في كتاب لاحقا. ثم أمضى بعدها ثلاث سنوات كزميل باحث في المعهد الشرقي بجامعة شيكاغو. وفي عام 1976، عاد إلى المملكة المتحدة، ليتم تعيينه مساعدًا لأمين قسم الآثار لغرب آسيا في المتحف البريطاني، ومسؤولاً عن تنظيم وقراءة وترجمة مجموعة المتحف من الالواح الطينية المسمارية المكونة من حوالي 130.000 لوحا مظهرا حميمة خاصة في العلاقة مع الكتابة المسمارية التي وصفها بانها "جسر سحري لعالم مات منذ زمن طويل، كان يسكنه رفاق معروفون لنا من البشر".

ومن بين أعماله المهمة الأخرى كتاب "لعبة أور الملكية"  Royal Game of Ur ، وهي لعبة طاولة يبلغ عمرها 4600 أعاد احياءها إلى جانب لعب طاولة بابلية أخرى منسية، مؤكدا ان ألعاب الطاولة هي مؤشرات عن التقدم البشري مثلها مثل التكنولوجيا حاليا. ولفينكل ايضا تعود المبادرة بتأسيس مشروع المذكرات الكبرى، الذي يهدف الى الحفاظ على مذكرات الناس العاديين عبر ارشفتها، وقد ساعد بالفعل في أرشفة أكثر من 2000 يوميات شخصية.

ومن مؤلفاته الاشهر كتاب "الأشباح الأولى: أقدم الموروثات" الصادر في 2021، و"السفينة قبل نوح: فك قصة الطوفان" الصادر في 2014، و"ألعاب الطاولة القديمة" الصادر في لندن عام 2008، و"مؤتمر ويلكوم للطب البابلي" الصادر في 2007، و"تقرير عن لوح صيدا المسماري” الصادر في لبنان في خريف 2006، و“وثائق الطبيب والساحر في سيبار" في 2005، و"النقوش المسمارية في متحف المتروبوليتان"، نيويورك في 2005، وبحث “عن بعض المرمر البابلي المنقوش” المنشور في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية لعام 2002، و"الكتابة في الحجر" 2018، الصادر عن "المدينة المنورة للنشر". ومن افلامه المتخصصة على اليوتوب: "السفينة قبل نوح: مغامرة رائعة"، و"حول فك رموز الكتابة المسمارية"، و"مشروع اليوميات العظيم" والعديد غيرها.

***

د. حسين الهنداوي

عن جريدة "المدى" البغدادية يوم: 22/ 10/ 2023

لم تكد الساحة الثقافية الفرنسية تطوي صفحة الجدل في موضوع آيديولوجيا «الووك» التي تغلغلت إلى الأوساط الأكاديمية بتأثير تيارات فكرية أنجلوسكسونية حتى ظهر جدل جديد ليٌقسم مجتمع الكتاب والناشرين بين مؤيد ومعارض. القضية تتعلق بما يعرف بـ«قراء الحساسية» أو «معيدو الكتابة» أو «القّراء الرقباء»، وهي تسميات مُتعددة لوظيفة واحدة وجدت طريقها إلى عالم الكتابة والنشر في الآونة الأخيرة، حيث تهتم شخصيات متّحدرة من الأقليات بفحص النصّوص الأدبية للتأكد من أن العبارات الواردة فيها لا تتضمن تمييزاً أو إهانة للأقليات العرقية أو الدينية أو اللغوية أو الجنسية. الإشكالية بدأت في فرنسا حين أعلن كيفن لمبير (وهو مؤلف كندي وصل بروايته الثالثة «فليدم فرحنا» إلى القائمة الأولى في جائزة الغونكور) على منصّة «إنستغرام» أنه استعان في كتابة روايته الأخيرة بـ«قارئة حساسية» (أو سونستيفيتي ريدر)، موضحاً أن أستاذة للأدب من أصول هايتية قد ساعدته في رسم ملامح شخصية «بيار موييس»، مساعد بطلة الرواية الهايتي الأصول، وهذا لتجنب الوقوع في الكليشيهات العرقية التي تحدث عندما يكتب مؤلف أبيض عن شخصية سوداء. ويوضح قائلاً: «القراءة الحسّاسة على عكس ما يدعيه الرجعيون، ليست رقابة، بل هي تثري النّص وتضاعف من حرية الكاتب، وليس هنالك شك في ذلك بالنسبة إليّ، وأنوي العمل بهذه الطريقة في كل أعمالي المقبلة».

تصريحات المؤلف الشاب أثارت حفيظة كاتب آخر هو الفرنسي نيكولا ماثيو، الفائز بجائزة «الغونكور» عام 2018 عن روايته «ومن بعدهم أولادهم»، والذي سارع إلى الردّ على تصريح زميله الكندي قائلاً: «للكاتب مسؤولية أخلاقية فيما يتعلق بالطريقة التي يتعامل بها مع شخصيات ومواقف الروايات، وبالأخص عندما تكون هذه الشخصيات قد عانت من طمس وتجاهل حضارة بأكملها. نحن لا نكتب باستخفاف لكن علينا أن نتحمل المخاطر، دون رقابة أو شرطة وهذا أقّل ما يمكننا القيام به...». تلى هذه الحادثة تراشق للكلام بين الكاتبين في وسائل الإعلام التي فتحت صفحاتها لهذا الجدل الذي انضم إليه كتّاب ونقاد وناشرون وحتى أكاديميون. رئيس لجنة «الغونكور» ديدي لوكوان عَدَّ القضية كلها «سخافة... وأن الكاتب يجب أن يحتفظ بحريته في الاعتماد على قارئ للحساسية أو لا، والأهم هو أن نمنحه ثقتنا بوصفه مُبدعاً...». وفي مداخلة له، صرّح الكاتب والإعلامي كريستوف ريو بأن الخطر الحقيقي هو الرقابة الذاتية التي قد يلتزم بها الناشرون على سبيل الحذر، إضافة للروائيين الذين قد يبتعدون عن الإشكاليات التي تتناول الأقليات بوصفها موضوعات حسّاسة تثير الجدل.

تشرح الباحثة جيزيل سابيرو في كتابها «هل نستطيع فصل الإنسان عن المبدع؟» (دار نشر لوسوي): «الأدب فضاء تجريبي يستحضر الغموض والخيال والجرأة... المطلوب أن يكون الكاتب حراً، بل مجازفاً، لكنه بالتأكيد لم يوجد لنشر الموعظة والفضيلة...». وهو نفس رأي دوغلاس كنيدي، الكاتب الأميركي المقيم في فرنسا، الذي قال لإذاعة «فرانس كولتور»: «المشكلة أننا وصلنا لزمن أصبحت فيه الكتابة كالمشي على البيض... علينا الانتباه في كل خطوة إلى ما نكتبه وإلا هوجمنا من كل ناحية... ولأني رجل، وكثير من شخصيات رواياتي نسائية فإني أُهاجم بحجّة أني لا أفهم ما يمكن أن تحس به امرأة... هذا أمر سخيف...». والواقع أن الموضوع، وإن كان دخيلاً على الوسط الأدبي في فرنسا، فإنه معروف في الأوساط الأنجلوسكسونية منذ فترة، وتحديداً بعد الجدل الذي رافق صدور رواية «أميركان ديرت» لجانين كومينس التي واجهت زوبعة من النقد، ليس بسبب القيمة الأدبية للعمل، الذي كان بحسب نُقاد كُثر عملاً ناجحاً بكل المقاييس، بل بسبب اتهامات بـ«عدم أهلية» المؤلفة للكتابة عن شخصية مهاجرة مكسيكية بينما هي بيضاء من أصول آيرلندية.

أربعة من الروائيين ذوي الأصول اللاتينية وهم: مريام غوربا، روبرتو لوفاتو، دانيال أوليفاس وفاليريا لويزيلي، دعوا في بيان لهم، إلى مقاطعة الرواية، بدعوى أنها نوع من «التملّك الثقافي»، ووقّع على البيان 82 كاتباً، ولم تهدأ الزوبعة إلا بعد أن قدّم الناشر ضمانات بأن الرواية ستُفحص من قبل لجنة من القرّاء ذوي الأصول المكسيكية؛ لإعادة صياغة المقاطع التي قد لا تطابق واقع المهاجرين وشخصياتهم. هذه الحادثة كانت بداية سلسلة طويلة من المطالب تقدمت بها تيارات «ووكية» يسارية بإعادة النظر في نصوص أدبية نُشرت قبل عقود ولا سيما تلك الموجهة للأطفال والناشئة، بحجّة أنها تقوم على نظريات ورؤى تُعدُّ اليوم عنصرية أو فاقدة للاحترام اتجاه فئات معينة. فبعد سحب رواية أغاثا كريستي بسبب الإيحاءات العنصرية المزعومة لعنوانها «عشرة زنوج صغار»، واستبدال عنوان جديد بها، هو «وكانوا عشرة». كشفت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية في فبراير (شباط) 2023 بأن «رولد دال ستوري كومباني» الشركة المالكة لحقوق الطبع والاقتباس (وهي الآن تابعة لـ«نتفليكس») قد وقعت عقد تعاون مع منظمة تدعى «أنكلوزيف مايندس» مهمتها تشذيب النصوص الأدبية على المستوى الأخلاقي؛ لجعلها أكثر تناسباً مع القيم العصّرية للعالم الغربي. المنظمة التي تقدم نفسها على أنها يد ممدودة للكتاب والناشرين من «أجل تمثيل أكثر مصداقية للأقليات»، أعادت صياغة عدة نصّوص من روايات رولد دال، فعلى سبيل المثال استبدلت بوصف «سمين» التي وُصف بها الطفل أوغست غلوب، أحد أبطال «شارلي ومصنع الشوكولا»، وصف «هائل». أمّا السيدة تويت في قصّة «آل تويت»، فقد أصبحت «بغيضة» أو «ساذجة» بدلاً من كونها «قبيحة وحيوانية».

وفي رواية «الساحرات» تم إضافة جملة بكاملها تشرح بأن الصلع الذي يميز الساحرات قد يحدث لأشخاص دون أن يكون ذلك «عيباً أو عاراً». صحيفة «ديلي تلغراف» نفسها كشفت عن أن التغييرات ستطال أيضاً سلسلة روايات «جيمس بوند» ليان فليمنغ، حيث أعلنت الشركة المالكة لحقوق النشر والاقتباس أنها تعمل مع «قرّاء الحساسية» لحذف كل الإيحاءات العنصرية أو المعادية للمرأة والعبارات التي لم تعد مناسبة الآن؛ ككلمة «نيغر» التي استُبدل بها في الأجزاء الأربعة عشر من روايات جيمس بوند كلمة «شخص أسود»، كما تم إدراج تحذير في الصفحة الأولى، مفاده أن هذه: «النصوص قد كتُبت في حقبة زمنية جرى فيها تخفيف لوقع بعض العبارات المسيئة،

كاتب أميركي: وصلنا لزمن أصبحت فيه الكتابة كالمشي على البيض.. علينا الانتباه في كل خطوة إلى ما نكتبه وإلا هوجمنا من كل ناحية

ولذا فإنه تم تعديل هذا الإصدار الجديد بطريقة قريبة من النص الأصلي».

وإن كان قطاع النشر والأدب الأنجلوسكسوني قد استجاب لهذه التغييرات التي نادت بها تيارات يسارية جديدة، فإن الوضع مختلف نوعاً ما في فرنسا. فقد أعلنت رولد دال، مديرة نشر «غاليمار أيدويج باسكيي»، في بيان رسمي نشر في فبراير 2023، أن «غاليمار جونيس» لن تعيد كتابة أي رواية من روايات قصّص رولد دال، موضحة أن المبادرة لا تخّص سوى بريطانيا، بينما اختارت دار نشر «أسكال» العمل مع قرّاء للحساسية؛ «لمزيد من النزاهة والنوعية». كما جاء في بيانها الذي نشُر على صفحات جريدة «لوموند» الفرنسية.

***

باريس: أنيسة مخالدي

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم: 21 أكتوبر 2023 م ـ 06 ربيع الثاني 1445 هـ

هل الإنسان كائن مفاهيمي؟ أي هل تنتجنا المفاهيم أم نحن ننتجها؟ ولا شك أن الإنسان حزمة معانٍ، فهو ابتداءً يولد في فراغ ذهني ثم يأخذ ذهنه بالتشكل بمقدار ما يتلقى من معانٍ وما يأتيه من إشارات لغوية عبر حافلة تسمى الألفاظ والألفاظ تنقل المعاني من الكبار العارفين إلى الصغار الذين سيصبحون عارفين وورثة للسابقين في شحن الألفاظ بالمعاني، غير أن المعاني أكثر من الألفاظ، ولذا يلزم أن يعني اللفظ أكثر من معنى (ابن سينا)، ويظل اللفظ قادراً على إسكان مزيد من المعاني وتخزينها فيه دون كلل ولا امتلاء، وكلما تعرض الذهن للغة أخرى غير لغته الأم تضاعفت معانيه بتضاعف ما يتلقاه من ألفاظ جديدة على ذهنه، وكل لفظ جديد سيتزاوج مع ما هو قار في الذهن.

وكلما تعددت معاني أي لفظ زاد شرف اللفظ الثري وتعدد حضوره في صيغ تتوالى مستضيفة له، وكما قال شاعر إنجليزي: ويلٌ لشاعر لا يجمع بين لفظين لم يجتمعا من قبل، فالجمع هنا مهارةٌ إبداعية، ولا يحجر الألفاظ سوى المعاجم التي تحدد أعداد المعاني ويأتي بعض أنصاف اللغويين ويجعلون مراصد المعاجم حجةً ضد أي لفظ يكتسب معنى لم يرد فيه من قبل، ويواجههم المبدع بتحدي قيودهم على الألفاظ في معركة معهودة على مر الثقافات كلها، وبالتالي فالإنسان نفسه مخزنٌ هائل للمفاهيم التي ستختلف حتماً بين إنسان وإنسان مما يشعل حرائق النقاشات، وفي المقابل يعمر شجرة اللغة ويمدد فروعها، ويحدث إشكال مفاهيمي من حيث إن الألفاظ ملوثةٌ بأنفاس الآخرين حسب تعبير رولان بارت، فالذين مروا من قبلنا وأورثونا لغتهم لتصبح لغتنا ما يزالون مختبئين في صيغ لغوية كانوا ورثوها ممن سبقهم، ومن هنا تختزن الكلمات أنفاس السابقين، وتظل في الوقت ذاته قادرةً على تخزين ما نصبه فيها، وهذا هو الثراء اللغوي لأي لغة بشرية بمقدار ما تتعاقب عليها الأجيال، فهي تتنامى تعبيراً ودلالات ومشاعرَ وتعدداً في الذهنيات، فتصبح اللغة بهذا قوةً معنوية هائلة تحتوي ناطقيها وتقيدهم، ولكنّ أفراداً يجنحون للتمرد على ذواكر اللغة ومحاولة صناعة أثر يخصهم ويتطبع بأنفاسهم، وهؤلاء هم الذين يثيرون دهشتنا بتعبيراتهم المختلفة أولاً والقادرة على لفت النظر مما يصنع الإبداعات الكبرى في معركة متصلة بين المشاكلة التي هي سمة المقلدين والمخالفة التي هي علامة المبدعين.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب ومفكر سعودي، عن صحيفة الاتحاد الاماراتية في يوم: 21 أكتوبر 2023

كان لعمله الثوري تأثير هائل على الفكر الإنساني

تتوالى اليوم الاكتشافات العلمية عن الكائنات البشرية التي وجدت قبلنا بحسب العقائد الإبراهيمية، ويبدو من النظر في كتب التاريخ أن هناك من كان يتحدث منذ القدم عن بشر قبل آدم. لكن يبدو أن أقوى هذه الأصوات كان لإسحاق لا بيرير (1596 – 1676) سفير فرنسا لدى الدنمارك، وقد كان عالماً لاهوتياً وكاتباً ومحامياً فرنسي المولد، يهودي الأصل تحوّل إلى المسيحية. تأثر بتوماس هوبز وكان له تأثير على باروك سبينوزا، واشتهر بأنه سلف القرن السابع عشر للنظرية العرقية العلمية القائلة بتعدد الأجيال في فرضيته التي تقدمت بتحدٍ للفهم الإبراهيمي التقليدي لنسب الأجناس البشرية كما هو معروف من سفر التكوين. يوصف هذا الفيلسوف بأنه واحد من جماعة الخُلعاء the libertins، ويوصفون أيضاً بأنهم المفكرون الأحرار الذين قوضوا المعتقدات المعروفة. ومن القواسم المشتركة بينهم، أنهم كانوا قلقين بعض الشيء من أن صديقهم إسحاق لا بيرير سيطبق الشكوك على الكتاب المقدس في كتابه «بشر قبل آدم»، وهذا ما حدث، فقد قرر أن الكتاب المقدس لا يمثل تاريخاً دقيقاً لجميع البشر، وإنما هو لليهود فقط.

تعرض كتاب لا بيرير هذا لانتقادات شديدة من قبل السلطات البروتستانتية واليهودية والكاثوليكية، وفي عام 1656 بعد عاصفة من السخط، أُحرِق كتابه علناً في باريس، ووقع هو بيد الكنيسة الكاثوليكية، بينما كان في هولندا الإسبانية التي كانت آنذاك تحت حكم آل هابسبورغ وهناك جرى اعتقاله وسجنه لمدة ستة أشهر ولم يطلق سراحه إلا بعد تخليه عن آرائه وتحوّله إلى العقيدة الكاثوليكية. ثم ذهب بعد ذلك إلى روما وتوسل إلى البابا ألكسندر السابع طالباً المغفرة، وتراجع عن آرائه السابقة رسمياً، وإن تشكك الشكوكي الآخر بيير بايل وغيره في صدق تلك التوبة.

في كتابه «بشر قبل آدم»، يقرر ما في العنوان، وأن هذا يفسر حياة قابيل بعد مقتل هابيل وأنه تزوج وبنى مدينة. هذا التفسير لاختلاف الأصول البشرية أصبح أساساً لنظريات تعدد الأجناس في القرن التاسع عشر، واعتنقها أولئك الذين حاولوا تبرير العنصرية في أميركا. الفكرة كانت جذابة لأولئك الذين سعوا للبرهنة على دونية الشعوب غير الغربية، فالتفسير الوحيد المتسق لبعض المقاطع الكتابية والأدلة الأنثروبولوجية والتاريخية لاختلاف هيئة الصينيين والسود والمكسيكيين والإسكيمو وغيرهم من الشعوب يرجع إلى أن هناك بشراً قبل آدم، وأن الكتاب المقدس يتعامل فقط مع التاريخ اليهودي، ولا يمكن عدّه تاريخاً العالم. لكن سرعان ما هوجمت نظرية لا بيرير ودحضت من جميع الجهات.

ومع ذلك، كان لعمله الثوري تأثير هائل على فكر القرنين السابع عشر والثامن عشر. لقد بعث الاحتمال في أن كل البيانات الكتابية، إنما تنطبق فقط على التاريخ اليهودي، وبهذا قدّم مفهوماً جديداً جذرياً للتطور البشري وقاد الناس إلى تحسس المزايا النسبية للثقافات والأديان المختلفة. وسرعان ما أدى مزيد من الدراسات الأنثروبولوجية والجيولوجية، بالإضافة إلى التحقيقات والدراسات في علم الأديان المقارن، إلى التخلي عن التسلسل الزمني والتاريخ التوراتي بوصفه إطارا لفهم التاريخ البشري بالكامل، واندلعت بداية نقد أعلى للكتاب المقدس من قبل كتّاب مثل سبينوزا، ونقد فلاسفة التنوير للدين التقليدي.

غالباً ما يوصف لا بيرير بأنه ملحد، لكن الوصف مضلل، فمصطلح «الملحد» دائماً مضلل، وفي أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر لم يكن يصف حقاً موقف من ينكر وجود الله والرؤية اليهودية المسيحية لطبيعة الإنسان ومصيره. كان لدى المفكرين تفسيرات وشكوك متباينة حول جوانب من حقيقة القصة الدينية الشاملة. لكن الإلحاد بوصفه إنكارا لوجود إله وإنكارا لسرد الكتاب المقدس بعدّه الصورة الحقيقية لكيفية بدء التاريخ، أتى فيما بعد نتيجة لشكوك لابيرير وهوبز المطبقة على المواد الدينية. والأرجح أنه كان بعيداً كل البعد عن شخصية الملحد عندما طور وجهة نظره.

لقد جاء من عائلة كالفينية من مدينة بوردو، وعلى الأرجح هو من المجتمع البرتغالي اليهودي الذي تحول إلى المسيحية، لكنه اتُهم بالإلحاد والمعصية، وفي عام 1626 تمت تبرئته بدعم قوي من ستين قسيساً. لكن من المؤكد أنه كان غير مؤمن ببعض العقائد الرئيسية اليهودية والمسيحية، وأنه كان مؤمناً صوفياً بلاهوت خاص. وفيما بعد، تخلى عن كثير من أطروحاته التي عُدت هرطقية.

من قضاياه الكبرى، بالإضافة إلى دعواه وجود بشر قبل آدم، أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، وأننا لا نملك مخطوطاً دقيقاً للكتب المقدسة، وأن الكتاب المقدس هو فقط تاريخ اليهود، وليس تاريخاً للبشرية جمعاء، وأن تاريخ اليهود بدأ مع آدم، وأن الطوفان كان مجرد حدث محلي في فلسطين، وأن العالم ربما كان قديماً أزلياً.

لا يُعرف النظام الذي توصل به لا بيرير إلى علمه اللاهوتي، ولكن من الواضح أن نظرية «البشر قبل آدم» ونظرية «الأصول المتعددة الجينات للبشرية» كانتا من مكونات فكره المبكرة، ثم تطورتا لتكونا شكوكاً حقيقية حول المعرفة الدينية. والنقطة الأساسية في رؤيته اللاهوتية هي مركزية التاريخ اليهودي في العالم، وقد وضع نظرية ما قبل آدم، اعتماداً على النص التوراتي، والوثائق التاريخية الوثنية، والبيانات الأنثروبولوجية المعاصرة له، وكان الهدف الأساسي هو تمييز ما قبل الآدميين - ويعني بهم كل البشر باستثناء اليهود - من اليهود.

«كان عالم ما قبل آدم دموياً متوحشاً وتافهاً، لا شيء استثنائياً يحدث فيه. وعندما خلق الله أول يهودي بدأ التاريخ الإلهي، واليهود هم وحدهم الفاعلون، والتوراة والإنجيل مجرد أحداث يهودية، فالطوفان حدث في فلسطين فقط، والشمس حُبست عن الغروب فقط حيث كان يقف يوشع بن نون ليبدأ معركته العسكرية».

يقول لا بيرير: «هذه الكتب الخمسة ليست النسخ الأصلية، وإنما هي نُسخ عن نُسخ». وصار دليله أساساً لنقد الكتب المقدسة الحديثة، ألا وهو الإشارة إلى التضاربات والتكرار في النص، ولا سيما الجزء الذي من المفترض أن موسى كتبه «عن موت موسى ومكان موته وقبره». وخلص لا بيرير إلى القول: «لا أحتاج إلى إزعاج القارئ أكثر من ذلك لإثبات شيء في حد ذاته واضح بما فيه الكفاية. الكتب الخمسة الأولى من الكتاب المقدس لم يكتبها موسى، كما يُعتقد. ولا ينبغي أن نشعر بالغرابة، عندما نقرأ فيها أشياء كثيرة مشوشة وخالية من الترتيب وغامضة وناقصة - وهناك أشياء جرى حذفها ووضعها في غير محلها - وعندما نجد أنفسنا أمام كومة من النسخ المكتوبة بشكل مرتبك».

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن صحيفة الشرق الاوسط الندنية يوم: 18 أكتوبر 2023 م

فور ترجمة كتب وائل حلاق حول الدولة المستحيلة، وتاريخ التشريع، ومقاصد الشريعة، صحب نتاجه الكثير من السجال ما بين مبجّل وناقد. وقد علقت على كتبه فور ترجمتها إلى العربية.

«الدولة المستحيلة» كتاب أربك الإسلاميين والليبراليين وذلك لسببين اثنين: أما إرباكه للإسلاميين فلأنه حاول أن يخطّ منهجهم ويفسّره في سياق الحديث عن الدولة المستحيلة، وآية ذلك أنه يأخذ في كتابه الموضوع السياسي الإسلامي وشكل الفقه أساساً لفحص إمكانات تحقيق الدولة الإسلامية المستحيلة باعتبارها تحاول البحث عن التأصيل ضمن الممكن التاريخي، فالفقه ليس هو القانون رغم أن الفقه كما يقول: «يتصف بالتعددية القانونية، ليس لأنه يعترف بالأعراف المحلية ويأخذها بالاعتبار ويحملها محمل الجد فحسب، بل أيضاً لأنه يطرح مجموعة من الآراء على أساس منظومة واحدة من الحقائق نفسها» يضيف كاتباً: «إنه إذا كان القانون، بوصفه ممثلاً للإرادة السيادية، في كلِّ مكان، فإن توزيع القوة القانونية لا يتقاطع مع (كل خطة حياة فردية) فحسب، بل أيضاً مع كل الوحدات التي تكوِّن الدولة. وإذا كان القانون، معرَّفاً كنظامٍ معياري، متوغلاً في هذه الوحدات بصورة رأسية وأفقية، فمن الصواب استنطاق العلاقة بين هذا النظام المعياري والمؤسسات التي تجسده، ولا سيما تلك التي تتخصص في فض الخصومات وتفعيل مبادئها الخاصة».

أما السبب الثاني لإرباكه لليبراليين: ذلك أن الطرح الفكري الحداثي التقليدي حول الغرب، بدا وكأنه مفاجئ لأول وهلة، والباحث محمد حصحاص قدم دراسة مهمة تعالج بعض الالتباس الذي تقدمه نظرية الدولة المستحيلة، فهو يشير إلى أن «حلاق قدم نقداً قاسياً للحداثة الغربية ولمفهوم الدولة الحديثة، مستدلاً في طرحه - إمّا اختلافاً أو اتفاقاً - بكبار فلاسفة الغرب في العصر الحديث، على اختلاف مرجعياتهم ومذاهبهم الفلسفية والدينية، أمثال إيمانويل كانط، وفريدريك هيغل، وفريديريك نيتشه، وماكس فيبر، وكارل شميت، وثيودور أدورنو، وميشال فوكو، وجون رولز، وبيير بورديو، وتشارلز لارمور، وجون كراي، ومايكل وولتزر، وتشارلز تايلر. يلخّص الكاتب نقده للحداثة وتمظهرها في مفهوم الدولة الحديثة».

قلتُ في مراجعةٍ نقدية لمشروع حلاق إن طرحه عبارة عن محاولة رسم مسار بديل موازٍ لعلمانية مشروحة جديدة، على غرار الاقتراحات النظرية التي يطرحها بعض المفكرين العرب من علي عبد الرازق إلى جورج طرابيشي، بل يخوض مقاربة أخرى ضمن منهاجٍ مخاتل. في كتابه «الدولة المستحيلة» يقول حلاق: «القانون في الإسلام ظاهرة اجتماعية في الأساس وليست سياسية. فهو مرتبطٌ بالمجتمع وليس بالدولة، بصرف النظر عن تعريف الدولة».

الخلاصة أن مشروع حلاق لم يأت بجديد وجوهري باستثناء التنويع على التبويب في شرحه، وحاول أن يتجاوز المناهج المطروقة من قبل، ففي كتابته حول الدولة المستحيلة لم يحسم موقفه بشكلٍ منهجي وصارم، بقدر ما بدا موارباً بين ممالأة الإسلاميين، ونقد العلمانيين، لذلك جاءت أطروحاته غفلاً من النتائج البحثية والأكاديمية الصريحة.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 19 سبتمبر 2023 12:10

تصعب مقاربة الواقع المعاصر، الكثير التعقيد، بمعزل عن مجموعة من المفاهيم، التي تتعذر من دونها الإضاءة المنهجية عليه. يمكن المرء الموافقة على هذه المفاهيم، أو نقدها، لكن لا بد له من إدراكها، كي لا يظل تائهاً في تتبع مجريات الحاضر.

طالما فوجئت في حواراتي مع الكثير من المثقفين، بضعف اطلاعهم على النهضة الأوروبية، نهضة النصف الثاني من القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، وعدم توقفهم عند معناها ودورها الأساسي في مقاربة الواقع الراهن. تلك النهضة التي حققت الانتقال من القرون الوسطى إلى الأزمنة الحديثة، والتي يتعثر إدراك العالم الحديث والمعاصر في منأى عنها. يصعب في سطور قليلة اختصار ذلك التحوّل الكبير، الذي بدأ في الفن، في الرسم والنحت والعمارة، انطلاقا من فلورنسا، عاصمة توسكانا، قبل أن يمتد شيئاً فشيئاً إلى كافة البنى العقلية والفكرية والروحية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية في أوروبا، محدثاً لدى النخب، ومن ثم لدى الشعوب، تحولات جذرية في رؤية الذات والكون، ما أتاح للأمم الأوروبية، ولامتداداتها في شمال القارة الأميركية وأوقيانيا، هذه الهيمنة الطويلة الأمد على مقدرات العالم.

قبل تلك النهضة، كانت الثقافة المسيحية التقليدية مسيطرة بالكامل على نحو ألف عام من القرون الوسطى الأوروبية. كانت الإرادة الإلهية هي محور التاريخ ومحرّكه الأوحد، ولم يكن للإنسان أي دور في مسار الأحداث. وكان هدف الوجود البشري الأسمى كسب الحياة الأبدية، على حساب الحياة الأرضية الزائلة، وعلى حساب ضبط الجسد، «مصدر الشرور»، وقمعه. وكان «الكتاب المقدس»، في عهديه القديم والجديد، المرجع الأوحد لتفسير التاريخ والكون.

لم تلغ النهضة الأوروبية هذا الحيّز الديني. لكنها رسمت إلى جانبه، أكثر فأكثر، حيّزاً آخر مختلفاً، يولي الإنسان دوره في صنع التاريخ، وفي إحداث التحول والتقدم، كما يتيح إطلاق العقل النقدي، ويعيد الاعتبار للجسد، وللحياة والسعادة الأرضيتين.

في هذا السياق ظهرت الطباعة (التي منعتها السلطنة العثمانية لنحو قرنين من الزمن)، وأضعف الانشقاق البروتستانتي سلطة روما، وتم اكتشاف القارة الأميركية، واتسعت حركة التبادل التجاري عبر المدن التي أمتها جماعات آتية من الأرياف، تنتمي إلى طبقة الشعب، وتطمح إلى التحرر من نمط الحياة الزراعية والانخراط في الحياة التجارية. هكذا نمت البرجوازية (التي تعني حرفياً «سكان المدن» الصغيرة)، التي سيكون لها دورها الكبير في المسار الجديد، بحثاً عن مكانتها المفقودة بين الطبقات التراتبية الراسخة الثلاث: رجال الدين، والنبلاء، والشعب. هكذا، من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين، توالت في أوروبا التحولات الكبرى التي كرّست الواقع الحديث: فكر التنوير، الثورة العلمية والتكنولوجية، الثورة الصناعية، الثورة الفردية، الثورة الفرنسية الكبرى.

كيف يؤثر إدراكنا هذه الظواهر البالغة الأهمية، تأثيراً عملياً، على مقاربتنا الواقع المعاصر؟ هو يؤثر بأشكال كثيرة بارزة، لا مجال في هذه المقالة للإحاطة بها كلها. سنتوقف هنا عند أحدها، على سبيل المثال لا الحصر:

ثمة مفهوم أساسي شبه مفقود في التحاليل الشائعة للواقع المعاصر، هو مفهوم التمييز بين مجتمع الأفراد ومجتمع الجماعات، الذي لا يمكن فهم الواقع الحالي بمعزل عنه، والذي تتوجب العودة إلى الثورة الفردية في أوروبا لإدراكه. لقد استطاعت الثورة الفردية، في ظلّ التحولات الصناعية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من مطلع القرن الثامن عشر إلى مطلع القرن العشرين، تفكيك الجماعات بأشكالها المتوارثة، وتحويلها إلى أفراد/مواطنين، من رجال ونساء على حد سواء، مستقلين ومندمجين في شعب واحد وفي دولة وطنية واحدة. تلك هي مجتمعات الأفراد التي تكرّست في مختلف أنحاء العالم الصناعي، في غرب أوروبا وشرقها، وفي أميركا الشمالية وأستراليا. وفي موازاة مجتمعات الأفراد، هناك مجتمعات الجماعات التي ما زالت سائدة في معظم أقطار العالم. فعلى سبيل المثال، لم تستطع كافة الأنظمة المتوالية على المشرق والمغرب العربيين، على مدى مائة عام، منذ سقوط السلطنة العثمانية حتى اليوم، تحقيق الانتقال التاريخي من مجتمع الجماعات إلى مجتمع الأفراد/المواطنين. بل على العكس من ذلك، قويت الجماعات الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية وغيرها في هذه المنطقة الشاسعة، واشتد عصبها أكثر. وكذلك هي الحال في مناطق عديدة أخرى من العالم.

إذا لم ندرك الفارق العميق بين مجتمع الأفراد ومجتمع الجماعات، كيف لنا أن نحلل الواقع المعاصر؟ فما ينطبق على مجتمع الأفراد من تشخيص للمشكلات، ومن توصيف للحلول، لا ينطبق على مجتمع الجماعات. والمصطلحات المستعملة هنا لا تصح حكماً هناك. لذلك تطالعنا هذه الفوضى الفكرية العارمة في مفاهيم الإصلاح في الكثير من مجتمعات الجماعات، التي تتصرف نخبها المثقفة، وطلائعها التغييرية، وكأنها مقيمة في مجتمعات الأفراد. الوضع اللبناني الراهن هو مثال واضح، من بين أمثلة كثيرة أخرى، على ذلك. ومن أسباب هذه المتاهة، أن معظم المصطلحات التغييرية المتداولة في مجتمعات الجماعات، واردة إليها من مجتمعات الأفراد في العالم الصناعي الأوروبي الهوية أو الجذور. وهي تصحّ على مجتمع الأفراد وليس على مجتمع الجماعات، كـ«الديمقراطية العددية» مثلاً، التي سرعان ما تتحول في عالم الجماعات إلى ديمقراطية الـ99 بالمائة المزيفة، لصالح الجماعة الحاكمة وقائدها الأوحد، وكـ«العلمنة» التي غالباً ما تستعملها الجماعة الحاكمة كقناع مزيّف لبسط هيمنتها الفئوية على سائر الجماعات المغلوبة على أمرها، و«الاشتراكية العلمية» التي تنسب نفسها إليها أنظمة متسمة بالتخلف والتسلط والعوز، والعديد من المصطلحات المماثلة الأخرى.

ولا تقتصر هذه المتاهة على النخب في مجتمع الجماعات وما يرد إليها من مصطلحات، بل تطال أيضا النخب في مجتمعات الأفراد المتقدمة، وطبيعة نظرتها إلى مجتمع الجماعات. فالكثير من المقالات والدراسات السياسية والسوسيولوجية، الصادرة عن هيئات أكاديمية مرموقة في الغرب، تنظر إلى المشكلات والحلول في مجتمع الجماعات، هنا وهناك في العالم، بمنظار مجتمع الأفراد الذي تنتمي إليه، فتفقد بذلك قيمتها، وتساهم بدورها في تعزيز المتاهة الفكرية، والدوران في الحلقة المفرغة نفسها.

***

د. أنطوان الدويهي

الشرق الأوسط اللندنية في يوم: السبت - 23 ربيع الأول 1445 هـ - 7 أكتوبر 2023 م

تتردد مقولةُ «القيم» على كل الألسن، البعض يتحدث عن منظومة القيم الاجتماعية على غرار علماء الاجتماع، والبعض الآخر يتحدث عن القيم الدينية.. وقد أصبح «حلف القيم» محوراً لعمل منظمة اليونسكو.

وفي السياق العربي الإسلامي، برزت مبادرة منتدى أبوظبي للسلم الذي يرأسه العلامة الشيخ عبد الله بن بية وترعاه دولة الإمارات العربية المتحدة حول حلف الفضول الجديد الذي هو حلف فضائل وقيم عالمي.

ومع أن مفهوم القيمة ظهر في الأصل في الحقل الاقتصادي، فإنه دخل في التفكير الفلسفي على يد «نتشه» خلال بلورته لمنهج الجينالوجيا الذي يحلل أصول القيم وقيمة الأصول، من منظور نقدي لا يرى في التقويمات الأخلاقية سوى مظهر من مظاهر قوة الضعفاء والعبيد. وقد كاد مفهوم القيم يختفي في الفلسفة المعاصرة، منذ أن أصبح المسلك التفكيكي غالباً عليها، إلى حد أنها توزعت إلى مسلكين: نتشوي جينالوجي ينظر للمسألة الخُلُقية من زاوية الغرائز الحيوية، وليبرالي يستبدل القيم بالقانون المدني ويعوض الخيرَ بالعدل. ومن الاستثناءات النادرة أطروحة الفيلسوف الألماني هانس جوناس في كتابه «كيف تنشأ القيم؟» الذي صدرت ترجمته الفرنسية مؤخراً.

في هذا الكتاب يرى جوناس أن مسألة الغيرية التي هي محور التفكير الفلسفي الراهن، تقتضي التصورَ الموضوعي للقيم، أي اعتقاد استقلالها عن الذات وعن المواقف النفسية الفردية والجماعية، والنظر إليها من حيث هي مطلقات كونية تتعالى على التاريخ والسياقات الاجتماعية.

ومن هنا اعتبر جوناس أن القيم لا بد أن تستند إلى مرجعية دينية متعالية، ويمكن لهذا التعالي أن يأخذ أشكالا متعددة، من التعلق العاطفي والمحبة الصافية إلى الانقياد الطوعي والرضى النفسي، بما يعني أن القيم هي التي تمكّن البشرَ من التواصل العمومي الحقيقي وتتيح للإنسان الخروجَ من ذاتيته المغلقة، وليست بالتالي طريقاً للتعصب أو الجمود.

في معجمنا العربي، لا نجد مكاناً للقيم بالمفهوم المعاصر، بل أن المدونة الأخلاقية التراثية تتمحور حول ثلاث مفاهيم محورية هي: الآداب والفضائل والمكارم، وكلها تدور حول معنى التسامي والترقي في السلوك والعمل، بدل معايير الفعل القابلة للتعميم الكوني كما هو تصور كانط للمسألة الأخلاقية. ومن هنا يمكن القول إن ما نعنيه حالياً بالقيم هو نظام السلوك المتبع اجتماعياً، أي الفضائل العامة التي لا تستند بالضرورة لمرجعية دينية، حتى لو كان الشرع اعتمدها لاحقاً، كما يستشف من الحديث الشريف «إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».

وعلى هذا الأساس كان اعتماد «حلف الفضول» السابق على الرسالة المحمدية، بالرجوع إلى مقاصده ومراميه الثابتة. وإذا كان الكثير من المستشرقين الغربيين يرى أن الشريعة الإسلامية لا تتضمن منظومةً أخلاقية (وهو رأي الفيلسوف الألماني هيغل)، فالحقيقة أن تصورها الأخلاقي يختلف عن فكرة المعايير الذاتية المجردة والكونية التي لا ترى في القيم سوى قوانين ملزمة.

وقد حاول الفقيه الأزهري المرحوم محمد عبد الله دراز في كتابه الشهير «دستور الأخلاق في القرآن الكريم» تأصيل أخلاق الواجب الكانطية من منظور إسلامي، إلا أنه لم يدرك أن مساحة التشريع السلوكي في الإسلام لم تتجاوز الحدود القصوى في الفعل وفق سلم متدرجة من المنع إلى الوجوب مروراً بالكراهية والترغيب، مما حدا بالإمام أبي حامد الغزالي إلى اعتبار الفقه علماً من علوم الدنيا غرضه منع الظلم وضمان الحقوق.

القيم إذن هي الفضائل التي يعتمدها النسق المعياري العام للمجتمع، والأخلاق هي التسامي إلى أعلى درجات هذا السلم القيمي. ولقد أدرك الأصوليون هذا المنحى في القيم الشرعية من خلال أطروحة مقاصد الشريعة التي اعتبر الشاطبي أنها مشتركة بين الملل والأديان، أي أنها إنسانية كونية.

ومع أن الفكر الغربي تخلى عن نظرية الفضائل الأرسطية منذ عصور الحداثة، فإن العديد من المقاربات الفلسفية الراهنة أعادت الاعتبار لهذه النظرية باعتبار أن قوانين الواجب لا يمكن أن تغني عما سماه بول ريكور «القصدية الأتيقية» التي هي مصدر التقويمات الجوهرية أي تحديد معايير الخير والعدل. ما نخلص إليه هو أن القيم لا تكون إلا كونية، ومن ثم خطورة وعقم كل المقاربات النسبية للقيم من منطلق التعددية الثقافية والعقدية أو من منظور التفكيك النقدي. وهكذا يمكن القول إن الحوار المطلوب مع الثقافات الأخرى لن يكون بالضرورة إلا في نطاق هذه القيم الكونية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية في يوم: 24 سبتمبر 2023

علاقتنا مع هوياتنا الجذرية تتشكل بصيغ متعددة بين الخوف على الهوية وبين الثقة في الهوية، وفي ذلك نرى علاقتنا مع الدين واللغة، فبعضنا يميل للتسامح والتسهيل، ويقابله فريق يأخذ بالتشدد والتمسك. كل هذا تبعاً لنظرة كل فريق لمعنى الهوية إما بوصفها مرجعيةً قارةً مستقرة وتكون هنا مرجعيةً تقتضي الرجوع إليها والاتجاء إليها وقت الخوف على الهوية نفسها أو الخوف على الذات، وهنا تتحرك الهوية وقت الأزمات، والوجه الآخر يرى أن الهوية قيمةٌ حيةٌ تنتعش كلما تحركت وتفاعلت وتزداد قوتها تبعاً لتحركها وسيرورتها، وفي ذلك نرى التشدد النحوي مثلاً يتساوى مع التشدد الفقهي، وكلاهما يَنظر إلى الدين أو اللغة على أنهما مرجعيةٌ يركن إليهما ونعود لأي منهما لتحصين أمر ديننا أو أمر لغتنا. وكلما خفنا على أحدهما تشبثنا بجذره الأصلي لكي نحميه من جهة ونحتمي به من جهة أخرى والقضية هنا هي حماية أو احتماء، ويقابل ذلك التسامح في الفقه أو في النحو عند من يرى أن الدين بوصفه للعالمين فهو إذن خطابٌ حي وحيوي وتفاعلي، وكذلك ينظر للغة بوصفها لساناً حياً لأحياء يعيشون زمنهم وليس زمن سلفهم، سلف الاحتجاج، تبعاً لكون اللغة ذات مرجعية جاهلية من حيث الشعر الذي هو ديوان العرب ومقولة ابن عباس إذا عجزتم عن فهم شيء من كتاب الله فارجعوا لشعر العرب (أي الجاهليين)، وعبر واحدة من هاتين الرؤيتين تنقسم علاقتنا مع الهوية، ويجري الخلاف والاختلاف بين أنصار التشدد بما أنه تشبث بالجذر، ومن هنا تحدث السلفية الدينية أوالسلفية اللغوية، في حين يأتي التسامح وطلب التيسير بما أن الهوية قيمة متحركة تتجدد عبر معاني الإنجاز والقوة المعنوية للأمة. وغالباً يزيد التشبث بالهوية وقت الأزمات بينما تظهر الراحة والانفراجة وقت شعور الذات بقوتها وصلابة واقعها ولن تكون في هذه الحالة بحاجة للاستعانة بالماضي للتقوي على الحاضر.

فالتفكير المتشدد يصدر عن خوف، ومن ثم يتشبث بالجذر ويتحول الجذر عنده لكتلة صلدة وربما متجمدة، بينما التفكير الحر فمنفتح وتفاؤلي، والهوية الجذرية عنده ثابتة وأيضاً متحولة، وعلامة ذلك تجربة العصر العباسي والثورة الثقافية في مطالع ذلك العصر، حيث نشأت علوم لم تكن من علوم العرب الأولى، مثل علم الكلام وعلم الفقه وعلم اللغة، وهي علوم قامت لخدمة القرآن الكريم عبر معارف طابعها التجدد والتنوع مما يجعل القرآن يعيش بين عقول متفتحة تحمل رسالة الدين وتوسع فضاءات المعاني والمعارف، ولا يخدم القرآن الذي من شرطه العالمية (العالمين) إلا أن تنفتح لغة العرب وعقول ثقافتهم لتعيش أزمنتها وليس ماضيها.

 ***

د. عبدالله الغذامي - كاتب ومفكر سعودي

كان الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو يعتقد بأن المجتمعات البشرية تمر في مراحل مختلفة عبر تاريخ تطورها الثقافي، بحيث إن كل جماعة تتميز بمستوى معين من الوعي العلمي والفلسفي والسياسي والديني عبر تاريخها المتواصل، وعبر تفاعلها وتعاملها مع الجماعات الأخرى. على هذا الأساس، رأى فوكو أن كل جماعة بشرية تكون محكومة بخطاب معرفي يكون بدوره خاضعاً لمستوى الثقافة المسيطرة في مرحلة معينة من تاريخ الجماعة، ويسميه فوكو بمصطلح «إبيستيميه» Epistémé (الخطاب المعرفي السائد).

إذن، إن الخطاب السائد في المجتمعات المحلية يتفاعل مع المجتمعات الأخرى، بحيث ينتج عن هذا التفاعل نوع من السيطرة أو القبول والتعاون في ميدان الثقافات المختلفة على الصعيد العالمي. ولا شك في أن التكنولوجيا المعاصرة تساهم بقوة في نشر الأفكار السائدة على مستوى العالم بأسره.

في هذا المقال المحدود، سوف نحاول استعراض أهم الأفكار السائدة والمؤثرة في الثقافة الغربية المعاصرة، استناداً إلى مجلة «العلوم الإنسانية» الصادرة في فرنسا، في شهر فبراير (شباط) من عام 2019، والتي خصصت ملفاً أساسياً موسّعاً حول هذا الموضوع. وسوف نستعرض هذه الأفكار حسب الأبجدية الفرنسية.

نبدأ بفكرة Apocalypse التي تبشرنا بنهاية العالم أو بالقيامة. هذه الفكرة تطرح إمكانية انهيار العالم، اعتماداً على تقارير فريق الخبراء الحكومي حول المناخ والنشاط البشري الذي أدى إلى سخونة الكوكب الأرضي. وأصحاب هذا الرأي ينبهون إلى ضرورة أن تتحضر البشرية من اليوم للعيش في كوكب غير قابل للعيش.

الفكرة التالية Antispécisme المناقضة لنظرية الأنواع، تتعامل مع نظرية تفوّق النوع البشري على أنها تشبه العنصرية والجندرية. إن أصحاب هذه الفكرة يتعاملون مع الحيوانات بالتساوي مع الإنسان، ويدينون آيديولوجيا النوع، وينادون بضرورة تحرير الحيوان.

الفكرة التالية تحمل عنوان Asperger، أو «متلازمة أسبرجر» الذي اعتبر أن التوحّد (Autisme) كان يُعتبر خطأ كمحاولة مرَضية نفسية للتقوقع في مواجهة العالم، وصولاً إلى الهروب من الأهل غير الجديرين وغير المحبين. وفي بداية ثمانينات القرن العشرين بدأت «متلازمة أسبرجر» تفرض نفسها، وتحمل اسم طبيب الأطفال النمساوي الذي وصف قبل أربعين عاماً أطفالاً متوحدين يتميزون بغياب التأخر العقلي، وبتمكن ممتاز من اللغة. والدليل على ذلك عدد من المتوحدين الذين عرفوا شهرة واسعة إعلامية وأدبية.

الفكرة التالية تحمل عنوان Bienveillance، أي تربية المشاعر الطيبة، وتكريس فكرة التسامح، وهذا الرأي يبدو حائزاً الإجماع.

والفكرة التالية تحمل عنوان Capitalocène، أو محاكمة النظام الرأسمالي. وهنا نطرح السؤال التالي: من المسؤول عن سخونة الأرض؟ إجابتان ممكنتان: البشرية بكاملها، أو الأغنياء هم وحدهم الذين يهدمون الكوكب.

الفكرة التالية تتعلق بالمناخ Climat، أو بالهندسة الجيولوجية في سبيل إنقاذ العالم. لقد أصبح مؤكداً أن كوكب الأرض يسخن، ولكن كيف نخرج من هذه المشكلة؟ إن جواب علماء البيئة المباشر والاعتيادي يتلخص في الدعوة إلى خفض النمو. ولكن الذين يدعون إلى ذلك يعرفون أنه لا يمكننا التهرب من القيامة أو من نهاية العالم. ولكن النظام الرأسمالي يجيب بأنه تجب مواجهة المشكلات التي تجلبها التكنولوجيا بواسطة التكنولوجيا ذاتها. إنها سوق القرن الحادي والعشرين: إنقاذ البشرية. وسوف يتوجب تصور الوسائل التكنولوجية التي سوف تنقذ الأرض من التسخين.

ومن الأفكار السائدة والمهمة: Démocrature (استبداد الديمقراطية). هذا العنوان يستدعي القول بأن الديمقراطية في خطر، حسب تقارير المنظمات غير الحكومية؛ إذ إنه منذ ربع قرن لم تتقدم الديمقراطية في العالم؛ بل هناك أنظمة هجينة خليط بين الديمقراطية والتسلطية، تنمو حتى في البلدان الغربية (هنغاريا، وبولونيا). وأصبحت الحريات الفردية بشكل خاص موضع تساؤل (التعبير، التظاهر، التجمع، تعددية وسائط الإعلام...). وهناك بعض المثقفين الذين يتوقعون جدياً «نهاية الديمقراطيات» حتى في العالم الغربي. ووصل الأمر بالأستاذ الأميركي ستيفن هولمز إلى المقارنة البيولوجية؛ حيث إنه يعتبر أن الديمقراطية هي كأي كائن عضوي طبيعي ويمكن أن تموت. أما الصحافي جان-كلود هازيرا فقد استخدم مصطلح Démocrature كي يصف التحولات الحديثة للديمقراطية في بعض البلدان، كالولايات المتحدة وإيطاليا والنمسا، إذ إن هذه الدول لم تعد ديمقراطية حقاً، وذلك لأن قادتها يتبنون ممارسات تسلطية.

إذن نحن اليوم نعيش في عصر الديمقراطيات الخائبة. ورغم ذلك، فإن المواطنين يبقون متعلقين بالديمقراطية. باختصار: إذا كان الخبراء كما المواطنون يعترفون بنقائص وهشاشة الديمقراطيات الغربية، تبقى أقلية من المواطنين معجبة بالنظام التسلطي أو السلطوي.

ومن معجم الأفكار السائدة فكرة Épigénèse أو نظرية التخصيب. وهذه النظرية تستعيد طرح التساؤل حول الدور الوحيد للجينات في بناء الجسم الحي. الفكرة التالية Happycratie أو نظام السعادة. هذا العنوان يستبطن السؤال الآتي: هل السعادة إلزامية؟ في الواقع إن مسألة السعادة مطروحة بقوة، وكأن على الفرد أن يكون سعيداً مهما كلفه الأمر، بحيث يصبح تعيساً؛ لأنه لا يستطيع أن يكون سعيداً في ظروف معينة وتعيساً في ظروف أخرى. كيف يكون المرء سعيداً في ظل استبداد نظام السعادة؟ أليس الإنسان حراً في الحزن وفي السعادة؟

من أفكار الثقافة المعاصرة تبرز فكرة حسن الضيافة Hospitalité. هذه المسألة تتعلق بموضوع المهاجرين وضرورة تأسيس سياسة تقوم على حسن الضيافة، والعمل على تشجيع التعاون بين المهاجرين والمقيمين في سبيل الصالح العام.

الفكرة التالية: Hyperparentalité تتعلق بمبالغة الجيل الجديد من الأهل في الإحاطة بأبنائهم بحيث إنهم يتميزون بالميل المتطلب جداً تجاه أنفسهم، بحيث إنهم يريدون إنجاب طفل يكون سعيداً طيلة حياته، ولذلك يبالغون جداً في ممارسة الإحاطة بكل شاردة وواردة في حياة أطفالهم. ويبقى أنه بالنسبة إلى أهل هذا الزمن يبدو أن التشخيص أسهل من العلاج المطلوب: إذا كان الأهل يحاولون أن يكونوا كاملين، فيُخشى من أن يصبح التحدي قبول تنشئة أطفال غير كاملين.

ومن أفكار اليوم تبرز فكرة الذكورية le masculinisme التي تشن الهجوم المضاد؛ لأن العالم قد يصبح بين أيادي النساء. وهذا ما يطرحه أنصار الذكورية الذين يعبرون عن قلقهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضاً من خلال أصوات بعض الجامعيين الأنجلوساكسون، الراغبين في إعادة الاعتبار للهيمنة الذكورية. وفي فرنسا يتمثل هذا الفكر بالصحافي إريك زمّور، ومنظر اليمين المتطرف ألان سولال، وبالمحلل النفسي ميشال شنايدر.

ومن الأفكار السائدة تلك التي تقول بالمجتمع المفكك No society. وإحدى المقاربات المطروحة للنقاش حول هذا الموضوع هي مقاربة عالم الجغرافيا كريستوف غويلوي الذي يعتقد بأن الواقع الاجتماعي قد يكون منقسماً. وبدءاً من ثمانينات القرن الماضي وتحت تأثير السياسات الليبرالية، أصبحت الانشقاقات اجتماعية اقتصادية، مع اختفاء الطبقات الوسطى، وجغرافية بسبب الهوة المتنامية ثقافياً بين فرنسا المتروبولية وفرنسا الأطراف؛ حيث أصبحنا أمام فرنسا من فوق المتكونة من النخب المثقفة والسياسية والمالية، ولا تهتم أبداً «بعالم الأطراف».

ومن الأفكار الرائجة اليوم le posthumanisme (ما بعد الإنسانية). في الواقع إن نزعة تحويل الإنسان le transhumanisme هي مشروع تحسين القدرات الجسدية والذهنية والأخلاقية لدى الإنسان، من خلال التكنولوجيا العضوية، أما نزعة «ما بعد الإنسان» فتمثل التيار الفكري الذي يتمتع بإمكانية تدشين نوع جديد من خلال تحقيق هذا المشروع. إن أحد أشهر المبشرين بهذه الحركة هو إيريك دريكسلر الذي نشر عام 1986 كتاباً تحت عنوان «محركات الخَلق»؛ حيث كان يترقب الطريقة التي من خلالها سوف تفتح تكنولوجيات «النانو» عصراً جديداً، من خلال تحويل عميق للكائن البشري.

وحول هذا الموضوع، هناك فكرة توحي بكثير من الخشية من أن يوماً ما سوف تصبح الآلات أذكى من البشر، ومن الممكن أن تعدمهم. هكذا قد يصبح العالم ما بعد البشري تحت إدارة الذكاء الاصطناعي. ويمكننا بحق أن نقلق تجاه هذا الأمر. ولكن حتى الآن لا شيء يشير إلى أن الآلات سوف تصبح يوماً ما قابلة أن تكون مستقلة. وذلك لم يمنع بعض الفلاسفة من نقد القصد الأول للنزعة الـ«ما بعد إنسانية» المتمثل بتحسين شروط الكائنات البشرية من خلال تسويقها.

***

د. حسن منصور الحاج

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: نُشر: 16 سبتمبر 2023 م ـ 02 ربيع الأول 1445 هـ

في عام 1996 أطلقت في تونس مقولة (موت النقد الأدبي)، وهي حالة تشبه مقولة التدمير الخلاق (Creative Destruction) عند الاقتصاديين حين يرون ضرورة التخلص من أي منشأة تعطلت قدراتها الإنتاجية، ما يستوجب التخلص منها والشروع بمشروع يعد بنتائج أكثر نفعية، وهذا أمر لن يكون سهلاً في مجال المفاهيم المعرفية لأن المفاهيم تتجذر في الأذهان وتتشابك مع النسيج الذهني، ولن يتسنى الخلاص منها إلا بحيل مجازية تتعامل مع الذهنيات وتطمح لاستئصال أثر مفهوم ما بإحلال غيره محله، ولهذا تعمدت ارتكاب جنايتي العلمية الخاصة بإطلاق شعار قد يبدو ظاهرياً أنه عدواني وإقصائي، لكنه في حقيقته هو محاولة لممارسة نوع من التدمير الخلاق بإحلال مفهوم يعد بفتح منهجي يعطي غير ما هو من معطيات النقد الأدبي.

وجاء هذا الشعور عندي نتيجةً لحالة ثقافية وربما نفسية من القلق المعرفي، تجلى ذلك ابتداءً من عام 1987، حيث إني فيما قبل ذلك العام أجهدت نفسي في بحوث الجماليات الشعرية مع كتابي (الخطيئة والتكفير)، وما تعاقب من كتب تتصل بالنظرية النقدية الألسنية بتفرعاتها البنيوية والتشريحية والسيميولوجية، وفجأةً جاءتني دعوة يبدو أنها فجرت الحالة القلقة عندي من الإغراق في الجماليات الشعرية، وكانت الدعوة من اتحاد الأدباء العرب، وخصصوا موقعها في أبوظبي، والبحث المطلوب كان عن الشعر الحداثي في الخليج، وهنا وقعت في حيرة مع نفسي وقد شارفت أقصى حدود التوتر المنهجي من الخوض في جماليات الشعر، وكنت أشعر بما يشبه الانسداد المعرفي مع المنهجية النقدية بصيغتها المستقرة في النقد الأدبي، وكنت أعاني من تساؤلات عن نجاعة النقد الأدبي في كشف غير الجمالي في النقد، وكأن أدوات النقد الأدبي قد استنفدت طاقتها في قتل الجمالي لدرجات الوقوع في التكرار، وكأن النصوص أصبحت تتشابه بسبب أن النظر إليها استقر وتيبس على ما هو جمالي، بينما النصوص تحفل بمضمرات لا حيلة لأدوات النقد الأدبي القارة على كشفها أو الحفر عنها، وقد فكرت أن أعتذر عن تلك الندوة، لولا أني كنت أعرف سلفاً أن عذري لن يكون مقبولاً من منظمي المؤتمر العلمي في أبوظبي، وهنا اتجهت لإعمال حيلةٍ علمية تسمح لي بالبحث دون الغرق فيما تشبعت منه، وكتبت بحثاً بعنوان (نماذج للمرأة في الشعر المعاصر) واخترت له ثلاثة نصوص لشاعر كلاسيكي معاصر ولشاعر رومانسي ولشاعر حداثي، ورحت أستخرج صورة المرأة في هذه النصوص المتفاوتة تنوعاً وذهنيةً، أي أني دخلت في نظرية (النسق المضمر) قبل أن تتشكل عندي وفق هذا المصطلح ووفق ذلك التخصيص. ولا شك أن البحث نفسه وفي مراحل إعداده قد فتح أمامي أبواب النسقية الثقافية بأخطر صيغها متمثلاً بمقام المرأة في الثقافة، ومن ثم في حضورها في نصوص الشعر.

والشعر ديوان العرب، بمعنى سجلهم المعنوي والقيمي وفيه كنوزهم المعنوية والقيمية، وفيه تتشكل الذهنيات عبر التوارث الممتد على قرونٍ وقرون لدرجة أن يتشابه نزار قباني مع عمر بن أبي ربيعة نسقياً، رغم فروقات الزمن وفروقات الوعي، فما الذي يجعل صورةَ المرأة عند نزار لا تختلف عن صورتها عند ابن ربيعة.

وهل هذا تقليد شعري كتقاليد الوقوف على الطلل الذي نجده عند امرئ القيس ونجده عند الشريف الرضي ونجده عند أحمد شوقي بوصفه تقليداً عابراً للأزمنة، وسنقول هنا إنه تقليد شعري دأب عليه الشعراء في مبارزة تنافسية ليقيس المتأخر منهم مهاراته على مهارات سالفه حسب نظرية هارولد بلوم (لوحة التلقي) التي يرسم فيها خطى الشاعر في تصديه لمنافسة سابقه النموذجي، وهذا وجه من وجوه القراءة حسب معطيات النقد الأدبي، أم نقول إن هناك نسقاً ثقافياً مخبوءاً في اللاوعي الثقافي، أي أن الثقافة نفسها هي المؤلفة الكامنة خلف المؤلف الواعي، وهذا ما سميته بعد ذلك بـ (المؤلف المزدوج)، أي أن في كل نص ٍمؤلفين اثنين هما المؤلف الواقعي الذي نرى اسمه على جبهة النص، وكذلك المؤلف المضمر الذي هو الثقافة نفسها، ومن ثم نكون أمام نسقين، أحدهما ظاهرٌ وهو النص الذي نستهلكه بالقراءة الواعية، ونسقٌ مضمر لا نراه ولكنه يتسلل إلى ضمائرنا ويشكل ذهنيتنا وذوقنا، ويشكل ما هو أخطر من ذلك وهو عقليتنا.

وتتوج ذلك بصدور كتابي «النقد الثقافي» (2000)، وهو قراءة في الإنساق الثقافية العربية، ومنه عبرت خط النار الأمامي وفتحت مضماري المنهجي الخاص بما توالى من كتب تعتمد المنهجية نفسها في سبر الأنساق المضمرة. وبذا أنجزت مغامرتي في التحول من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي عبر مجازية (التدمير الخلاق).

***

د. عبد الله الغذامي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 16 سبتمبر 2023 01:29

تحت عنوان «الثورة المضادة لليبرالية: قراءة في فلاسفة اليمين الجديد»، كتب تشارلز كينغ أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون في عدد يوليو- أغسطس 2023 من مجلة «فورين آفيرز»، متحدثاً عن التيارات المحافظة الحالية التي أصبح لها حضور قوي في الفكر الأميركي. وما يبينه الكاتب هو أن الحالة الترامبية ليست ظاهرة عابرة في الحياة السياسية والفكرية الأميركية، بل تعكس اتجاهاً فلسفياً عميق التأثير والحضور في الدوائر الثقافية والاجتماعية.

ولهذا الاتجاه جذور بعيدة تعود إلى الفيلسوف الإيرلندي ادمون برك الذي وقف بشدة ضد الثورة الفرنسية وكتب حولها كتاباً مشهوراً صدر سنة 1790، رفض فيه التصور التعاقدي الاصطناعي للمجتمع المدني وما يتأسس عليه من فكرة القطيعة، مركزاً على ضرورة الحفاظ على النظام الاجتماعي الموروث وتطويره من الداخل بدل الانسياق وراء وهم التغيير الجذري عن طريق العقل والإرادة الذي لا يمكن حسب رأيه أن يفضي إلا إلى العنف والفوضى.

ولقد أثرت أفكار برك في فيلسوفين معاصرين بارزين هما: الفيلسوف والمؤرخ البريطاني ميكائيل واكشوفت في نزعته الفردية وتصوره للوظيفة الدنيا للدولة ضمن نظام اجتماعي طبيعي متماسك، والفيلسوف والاقتصادي فردريتش هايك في نقده للتنوير الليبرالي وتشبثه بفكرة الحرية المتمحورة حول نظام السوق وديناميكية الاستحقاق الفردي.

ما يبينه كينغ هو أن اليمين الأميركي الجديد، بارتباطاته الواسعة في الساحة الغربية، يعيد الاعتبار للنزعة المحافظة في مقاربتها السياسةَ من حيث هي دفاع عن الحرية ضد التسلط، في مقابل الفكرة الليبرالية القائمة على بناء مجتمع مكتمل وعادل. ومن هنا الدفاع عن قيم الفردية وحكمة السوق والتقاليد الاجتماعية، بدل تقديس حقوق الإنسان وعقيدة التقدم. وهكذا يرى كينغ أن النزعة المحافظة الجديدة تتأسس على ما سماه الاندماجية (Integralism) التي تعني احتضانَ القيم المحافظة ضمن المشروع السياسي، من دين وأخلاق شخصية وثقافة قومية، في إطارِ تصور شمولي للسياسة.

ولئن كان النهج الاندماجي ظهر في البداية لدى اليمين الكاثوليكي، إلا أنه أصبح عامًّا في كل تيارات اليمين الجديد، من منطلق الدفاع عن محورية «الخير المشترك» في الممارسة السياسية. وفي هذا السياق يقف كينغ عند ثلاثة من أهم ممثلي الفلسفة المحافظة الجديدة في أميركا هم: أستاذ العلوم السياسية باتريك دنين، وعالم القانون أدريان فرميول، والفيلسوف الأميركي الإسرائيلي يارام حازوني. أما دنين فقد ذهب في كتابه «تغيير النظام» إلى نقد جذري لليبرالية السياسية التي اعتبر أنها تسببت في انحطاط وتدهور الحضارة الأميركية.

وبحسب رأيه، فقد حطم الليبراليون دعائمَ التضامن الاجتماعي القاعدي، من أسر وروابط أهلية ومؤسسات دينية، بما يفرض على اليمين المحافظ استخدام الوسائل «الميكيافيلية» لتحقيق الأهداف الأرسطية، أي الفضائل التي يقوم عليها الخير المشترك. وقد أطلق على هذا المشروع البديل عبارة «الأرسطية الشعبوية» التي يعني بها حكمَ النخبة القادرة على تحسين الشروط الأخلاقية لرفاهية البشر من خلال توطيد الفضائل المحورية المعززة لارتباط الناس وتضامنهم وفق معايير وتقاليد الحكمة الشعبية المتوارثة.ولا يبتعد فرميول عن هذا التصور في كتابه «دستورية الخير المشترك»، حيث ينتقد التصورَ الليبرالي للقانون بصفته ضماناً لحقوق الأفراد، معتبِراً أن الغاية الأساسية من القانون هي كما أدرك فلاسفة ما قبل الأنوار تحصيل السعادة القصوى لكل أعضاء المجموعة السياسية.

فالخير المشترك يتميز بكونه واحداً وغير قابل للقسمة وليس حصيلة توافق أفراد مشتتين، ومن ثم فإن الشرعية لا تتحدد بالأعراف أو الكاريزما أو العقلانية (مقاربة فيبر)، بل بالانسجام مع «النظام القانوني والأخلاقي الموضوعي» الذي يدرك من خلال الخير المشترك المطلق وليس التوافق المدني الإجرائي. أما حازوني فيتميز بدعوته الصريحة إلى الخروج من الحالة العلمانية، مع اعتبار التقاليد الدينية والثقافية أساسَ هوية الأمم وتماسكها، بما يعني ضرورةَ إعادة بناء اللحمة الاجتماعية على أساس الموروث الديني والتقاليد التاريخية، بدلا من الحرية السلبية الخارجة عن ضوابط الانتماءات العضوية التي لا يمكن للوعي الفردي التخلص منها.

تلك أبرز سمات الفكر المحافظ الجديد المسيطر على تيار واسع من الطيف السياسي الأميركي والأوروبي، وإن طمستها الفلسفاتُ الليبرالية التي قامت عليها تاريخياً الثورات الغربية المؤسسة في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية. وما نستخلص منها هو أن خط الصدام المستقبلي في الفكر السياسي الغربي سيتركز حول ثنائية العدالة الحقوقية والخير المشترك.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الإماراتية، يوم: 27 أغسطس 2023 23:45

حين نتحدث عن الإصلاح الديني، فالمعنى هو يتجاوز الدين الأزمة التي أدخله فيها رجال الدين المتطرفون، وإحدى هذه الأزمات هي الكلية، أستخدم كلمة (الكلية) لأنني لا أستطيع التخلي عنها لعدم عثوري على البديل من دون أن يكون له ضلال أخرى كالشمولية مثلاً، لذلك فما أقصده هنا بالكلي أو الكلية هو الكل الذي يسيطر على الجزء، والعام الذي يسيطر على الخاص، والجماعة على الفرد.

تكمن مشكلة المتطرفين في أنهم يفترضون وحدة اجتماعية تقمع أي صعوبة تتحدى هذه الوحدة، وذلك لم يكن كذلك حتى عند المسلمين القدماء، فمن يقرأ التاريخ الإسلامي يعرف أن الإسلام استجاب لخصوصيات ثقافية معينة، وأعاد صياغة مقولاته التشريعية أو غيرها تبعاً للظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية.

أحد أفضل النماذج لاستجابة الإسلام لخصوصيات ثقافية (صحيفة المدينة)، فهي أول دستور مدني في تاريخ الإسلام، لكن رجال الدين المتطرفين لا يتحدثون عن التسامح والتعدد الذي تضمنته هذه الوثيقة النادرة، ففيها لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، والتناصح مطلوب في ما بينهم دون الإثم، ونفقة الحرب مشتركة، تكمن قوة هذه الوثيقة في أن الكلي (وهو الإسلام) استجاب للجزئي (وهو اليهود وغيرهم)، وأن العام هو هنا الإسلام والمسلمون في المدينة، لكنه راعى ظروف الخاص كاليهود، فعلى الرغم من أن نظام الحكم في الوثيقة نظام حكم إسلامي فإنه أتاح للجزئي أن يتمتع بخصائصه الثقافية، وسماته الدينية.

تخبرنا هذه الوثيقة الفريدة والفارقة في سياق زمنها أن الكلية ليست عنيفة بطبيعتها، وأن مشكلة الكلية تظهر حين لا تدير الكلية بالاً، ولا تعطي اعتباراً للفردية ولا للخصوصية الثقافية، ويساعدنا الفيلسوف أدورنو على أن ندرك أن عنف الكلية يتكون جزئياً من لامبالاتها تجاه الظروف الاجتماعية التي تقرر فيها إمكانية قبولها قبولاً حياً، إذا تعذر هذا القبول الحي، ترتب على ذلك أن يصبح اجتياز اختبار مبدأ السلوك أمراً مهلكاً، معاناة يفرضها خارج لا مبالٍ على حساب الحرية والخصوصية.

فضلاً عن أدورنو فقد رأى هيجل في الكلية سبباً في الإرهاب، وفي هذا السياق فإنني أرى أن أحد أسباب الإرهاب في المجتمع السعودي بين عامي 1995-2014 هو كلية الإسلام التي أراد فرضها الإرهابيون على المجتمع السعودي. يرفض هؤلاء الفردية والخصوصية الثقافية للمقيمين أو بعض الطوائف والفرق الإسلامية المنتسبة إلى الوطن باسم كلية الإسلام، ويستخدمون العنف ليفرضوا هذه الكلية.

كيف يمكن أن نفسر هذه الكلية التي افترضوها؟ في ضوء نظام الحقيقة إذا ما استخدمت مصطلحاً لميشيل فوكو، فهم يزعمون أنهم مقيدون بالنظام (الإسلام)، وهو الذي يقرر شكل وجود المجتمع المسلم، وشكل رجل الدين، وهو القادر على تكريسه للدفاع للإسلام، لو تخيلت أنك تسأله كيف يتوجب عليك معاملة الآخر؟ فلن يتذكر وثيقة المدينة المنورة، ولا معاملة الرسول، بل ولا حتى قول الله تعالى «وقولوا للناس حسناً»، ولأنه لا يؤمن بذلك، فقد وجد نفسه مسجوناً في نظام الحقيقة الذي تأسس فيه على يد رجال دين آخرين متطرفين، ومن البديهي أن تكون إجابته في ضوء نظام الحقيقة الذي تشكل وفقه، فاليهودي والنصراني في بلاد الإسلام من أهل الذمة، ويجب أن ينفذ في حقهما ما رآه نظام الحقيقة في التعامل معهما.

هنا من حق القارئ أن يسأل ما الذي يتحمله رجل الدين، وهو مجرد تابع لنظام الحقيقة؟ يتحمل رجل الدين استسلامه لنظام الحقيقة، لأنه لم يتخذ منه موقفاً نقدياً؛ فالعهدة العمرية مثلاً في معاملة الذمي يمكن لرجل الدين أن ينقدها لأنها اجتهاد بشري، فعمر ليس الرسول، أكثر من هذا فقد يرى رجل الدين أن يخضع كل أفراد المجتمع لكلية نظام الحقيقة، وفق ما يتصور هذا النظام للحياة، من دون اهتمام بالجزئي.

يحين الآن موعد سؤال طالما تناسيناه وهو هل رجل الدين هذا، أي الذي يطالب تطبيق كلية الإسلام، هل هو مؤدلج بالمعنى التشويهي؟ سأكتفي هنا بأننا يمكن أن نعرف الإجابة حين نقارن الإيديولوجيا بالكذب.

وفقاً لدراسات علم الاجتماع فإن المؤدلج ضحية الإيديولوجيا، وإذا ضلل الناس فهو يفعل ذلك من دون أن يقصد، أما الكذاب فيزور أفكار الآخرين، وهو يعرف أنه يفعل ذلك، قد يقع رجل الدين ضحية الإيديولوجيا وهو يقول ويفعل من دون أن يقصد، لكن في الوقت ذاته يمكن أن نقول عن نقده للفرق الإسلامية إنه نقد أيديولوجي لأنه يحكم على أفكارها وتصوراتها بالغاية المتوخاة منها كما يقول العروي، فهناك من رجال الدين لا سيما المتطرفون من يصر على هذه الكلية لأغراض سياسية مثلا كجماعات الإسلام السياسي.

إن أفضل ما يمكن فعله في الإصلاح الديني هو أن ننزع عن الدين الكلية، ولا يوجد مجال أمام المسلمين وهم يعيشون في القرن الحادي والعشرين إلا أن يتخلوا عن كلية الإسلام إذا أرادوا من مجتمعاتهم أن تعيش العصر الحديث، وأن يبرزوا الجزئي في حوار هادئ وديمقراطي؛ ليعرف الناس أن كلية الإسلام التي يدعو إليها رجال الدين المتطرفون ليست مطلقة، وأن هنا وهناك في إنتاج القدماء المعرفي والديني نصوصاً وأفكاراً تشير إلى أن الكلية مشكلة كبرى، فقد يترتب عليها مصادرة حقوق الآخرين الدينية والدنيوية.

***

علي الشدوي

عن صحيفة الوطن السعودية يوم: الاحد 27 أغسطس 2023 - 11 صفر 1445 هـ

شارك البستاني في ترجمة الكتاب المقدس وكتب الترانيم

قليلاً ما يذكر الشيخ يوسف الأسير بين رواد النهضة الفكرية الحديثة، رغم المكانة المرموقة التي احتلّها بين رجالات عصره. فقد أعطي بعض الإصلاحيين حقهم وتحولوا نجوماً، كما ناصيف اليازجي، والأفغاني، ومحمد عبده وبطرس البستاني، لكن البعض الآخر لا يزال مجهولاً بالنسبة لجمهور الناس. وقد فعلت خيراً الباحثة اللبنانية منى عثمان حجازي، أن نبشت في أرشيف ابن صيدا الشيخ يوسف الأسير، الذي ترك مدينته، حين شعر أن أهلها لا يقدرونه حق قدره، وعاش بين دمشق، وإسطنبول، والقاهرة ومدن لبنانية عدة.

قال عنه مارون عبود: «أحمد فارس الشدياق وإبراهيم الأحدب والأسير هم ثالوث الفصحى في القرن التاسع عشر»،؛ومع ذلك سقط اسم الأسير بمرور الأيام، وها هي سيرته تعود مع كل حديث جديد عن ترجمة الكتاب القدس التي شارك فيها كلاً من بطرس البستاني وكرنيليوس فاندايك. وقد درّس الأسير في مؤسسات تعليمية عريقة، منها المدرسة الوطنية ومدرسة الحكمة، وألّف الكثير من الكتب في ميادين مختلفة، وله ديوان شعري. وما لا يعرفه كثيرون أن هذا الشيخ الأزهري، كان من الانفتاح والسماحة بحيث إنه صاغ «أعمال الرسل» و«الرسائل» و«سفر الرؤيا»، ونظم الكثير من الترانيم المسيحية المستمدة مواضيعها من المزامير والإنجيل وجميعها مطبوعة، ولا تزال ترتّل في الكنائس الإنجيلية، ومنها الترنيمة التي تتضمن الوصايا العشر.

وصدر كتاب «الشيخ يوسف الأسير الأزهري والنهضوي حياته وآثاره» عن «دار نلسن» في بيروت، ليعيد الاعتبار لإصلاحي منسي، دعا إلى تعليم البنات ورآه «مهماً وضرورياً، وفيه خيرهن وصلاح أمرهن وأمر البلاد»، في الوقت الذي كانت فيه النساء لا يزلن متواريات خلف حجب كثيفة.

بدأ الشيخ الأسير (1815-1889)، حياته تاجراً. كان عصامياً، علّم نفسه بنفسه، ولم يترك مكاناً يمكن أن يستقي منه علماً إلا وقصده، فدرس في المرادية في دمشق وفي الأزهر في مصر، وتعمّق في علوم زمانه فقهاً وشريعة، ولغة وأدباً، وشعراً وصحافة. بعد الأزهر عاد الشيخ ليلقي خطبه ومواعظه والدروس الدينية في جامع الكيخيا في صيدا. لكنه سرعان ما انتقل إلى بيروت وأخذ يلقي الدروس الدينية في مسجدها العمري. وبعد ذلك انتقل إلى طرابلس، وعمل مدة ثلاث سنوات في الوعظ والإرشاد وإصدار الفتاوى المختلفة. ثم تولى مناصب مرموقة، منها القضاء في بكفيا سنة 1858، وكانت مركز قائمقامية في جبل لبنان، أثناء حكم الأمير بشير الشهابي، ثم صار مدعياً عاماً في جبل لبنان؛ لما له من حسن خلق ومكانة بين معاصريه، حتى استقال سنة 1868. وصار الشيخ يوسف بعدها أول مدعٍ عام في الدولة العثمانية، ومعاوناً لقاضي بيروت، ليتولى بعد هذا رئاسة المحكمة الشرعية في بيروت. لكن هذا لم يكن سوى الوجه الرسمي الذي استدعته الوظيفة، فقد كانت صفحات الجرائد تعج بوجهات نظر الأسير ومعالجاته الشرعية للقضايا اليومية التي تطرح عليه. فقد كان فقيهاً مجلاً، في اجتهاداته. كما كان الشيخ يوسف موسوعياً، اهتم بمعظم الفنون الأدبية واللغوية، وكان شاعراً وكاتباً، تتلمذت على يديه، أجيال من الأدباء والشعراء والفقهاء والقضاة، كثير من بينهم أصبحوا موظفين كباراً وقادة في الجيش العثماني، كما تتلمذ على يديه مبشرون أجانب ومرسلون جاءوه لتعلم أسرار اللغة العربية، ولم يخب ظنهم.

وكان الشيخ ممن يدعون للإصلاح ضمن الدولة العثمانية وفي إطار الإسلام، ناظراً إلى رجال السياسة في حينه من وزراء ومسؤولين على أنهم هم السبب في الفساد والتخلف. ولم يدع للتخلص من السلطان، بل عدّه رمزاً للمسلمين، وذخيرة يجب الحفاظ على مكانته. ويبدو أن السلطنة لم تنظر بعين الرضا لتدخل الأسير في الشؤون السياسية وآرائه الناقدة، فاستدعته إلى الأستانة ومنحته المناصب والعطايا، ليكون تحت رقابتها.

وواجهت الباحثة مؤلفة الكتاب، صعوبات جمّة في العثور على معلومات وافية عن الأسير. فإهمال السنين جعل آثاره بعضها يفقد، والبعض الآخر يبقى منثوراً في صحف تلك المرحلة، والكتب لا يعاد طباعتها. فلجأت الباحثة إلى زيارة أحفاد الشيخ يوسف وأنسبائه، في بيروت، وتمكنت من الحصول على معلومات تتعلق بتفاصيل عن حياته وأعماله، وعثرت عند أحد أحفاده على مخطوطة صغيرة تتألف من بضع صفحات تتحدث عن سيرة حياة الشيخ يوسف، بخط أحد تلامذته. كما تمكنت من العثور على نسخة من ديوانه الشعري، في خزائن كتب مسجد قطيش في صيدا، ووجدت لحسن الحظ بعض كتبه المهمة في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، وكذلك اطلعت على الصحف، التي كان يحرر فيها، مثل «ثمرات الفنون» و«الجوائب» و«لسان الحال» و«لبنان»، وغيرها.

تصف الباحثة الأسير بأن «شخصيته ريادية في الفقه والصحافة والتعليم، وفي أفكاره التي نشرها خلال حلقات التدريس التي كان يعقدها، أو على صفحات الصحف التي كان يحررها، بالإضافة إلى ما تركه من آثار مهمة على جيل بأكمله، تتلمذ على يديه، أو قرأ له، أو تأثر به، من خلال مساجلاته ومحاوراته مع رصفائه من العلماء والمفكرين، أمثال الشيخ ناصيف اليازجي وسعيد الشرتوني وأحمد فارس الشدياق، وغيرهم».

الكتاب يضع الشيخ الأسير في بيئته في القرن التاسع عشر. يعيدنا إلى عوامل النهضة السياسية في المنطقة العربية في تلك الفترة التي اتسمت بالحيوية والبحث عن الهوية والاجتهادات الفكرية. ثم تعيد الباحثة رسم الأجواء الثقافية في تلك الفترة، وكيف انعكست على مسار الشيخ الأسير وفكره، قبل أن نقرأ عن نسبه ونشأته وبيئته وظروف دراسته ورحلاته، وأبرز صفاته ومزاياه، وأسرته.

وتعرض المؤلفة لجوانب مختلفة من ملامح شخصية الشيخ يوسف، تلك التي جعلت منه لغوياً ضليعاً وقاضياً عادلاً وفقيهاً متعمقاً، وصحافياً ذائع الصيت، وشاعراً مجيداً، وأستاذاً تتهافت المدارس على أن يلتحق بها. كما يعرج البحث على أفكاره في السياسة والإصلاح والدين والمجتمع، وفي اللغة والأدب، والدور الذي لعبته كتاباته في نشر المعرفة والعلم، وفي دفع النهضة الفكرية في بلادنا، أواخر القرن التاسع عشر.

ولعله الكتاب الوحيد اليوم، الذي يقدم معلومات وافية تحيط بمختلف جوانب شخصية الشيخ يوسف الأسير، إضافة إلى أنه يذكر آثار الشيخ من مخطوطة ومطبوعة، ويفينا بأهم محتوياتها، مع الغرض من وضعها.

وتروي الباحثة سبب اهتمامها بهذا الإصلاحي الذي بقي مجهولاً لفترة طويلة، فتقول: «جذبتني سيرة حياته أثناء مطالعتي لكتاب (دليل معالم صيدا الإسلامية) وأعجبتني الأبيات الشعرية التي نظمها الشيخ يوسف، ونقشت على لوحة فوق الباب الأوسط للمسجد العمري الكبير في صيدا، كما لفت انتباهي بشدة السبب الذي جعله يترك التدريس في مسجد الكيخيا ويغادر صيدا ضنّاً بالعلم يعطى لغير أهله».

وربما أن أحد عناصر جاذبية سير رجال النهضة، ويوسف الأسير أحدهم هي عصاميتهم، فلم يتخرجوا من جامعات، ولم تذلل أمامهم الصعوبات، ولم تكن طفولتهم في مدارس تمنحهم الدفع الكافي، ومع ذلك ساقهم فضولهم إلى البحث عن المعرفة أينما كانت، وفي سبيلها تحملوا المشقات، وقطعوا المسافات، وحرموا من أهلهم وتغربوا عن ديارهم. ففي الأستانة لم يتحمل الشيخ البرد القارس، وقد اعتل جسده بعد سنوات من الكد والعمل، شدّ الرحال من جديد إلى بيروت، رغم إلحاح المسؤولين على بقائه هناك، والمكانة المالية والمناصب المهمة التي تولاها. وفي بيروت أكمل رحلته كاتباً وباحثاً وخطيباً، وواعظاً إلى أن وافته المنية سنة 1889، عن عمر يناهز السابعة والسبعين. شيّع الشيخ يوسف إلى مثواّه الأخير، محمولاً على أكفّ طلبة العلم، يحيطون بالنعش، وبين جموع المشيعين حاكم بيروت التركي، والمفتي، ووجهاء وأعيان من الطوائف كافة.

نعى الشيخ يوسف تلاميذته وأصحابه من معاصريه، فأخذوا ينظمون القصائد، ويدبّجون المقالات في تأبينه، مشيدين بفضله على عصر النهضة، وبدوره في نشر العلم والثقافة، ومسجلين آثاره ومآثره، وما تركه من مؤلفات ومقالات. وقد جمع صديقه الشيخ إبراهيم الأحدب معظم ما قيل في تأبينه في كتاب أسماه «مراثي الشيخ يوسف الأسير».

***

بيروت: د. سوسن الأبطح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم: 26 أغسطس 2023 م ـ 10 صفَر 1445

«إسلامية المعرفة» منتجٌ فكريٌ صحويٌ، ظل حاضراً لعقودٍ في العالمين العربي والإسلامي، ولكنه خفت مؤخراً بعدما تخلى عنه بعض منظريه والمؤسسات الداعمة له، ومفيدٌ استحضار شيء من الجدل حول ذلك المنتج وتياراته وأفكاره ورموزه. تأثراً باليسار، فقد أصبحت «الصحوة الإسلامية» وتياراتها تستخدم في وصف كثيرٍ من منتجاتها مصطلح «العالمية»، وهي توجد مخارج دينية وفقهية لتأصيل كل المفاهيم والأسماء التي تستخدمها، ومن تلك الأسماء، على سبيل المثال لا الحصر، «الندوة العالمية للشباب الإسلامي» و«رابطة الأدب الإسلامي العالمية» وغيرها الكثير، وفي «أسلمة المعرفة» هناك معهد سيد نقيب العطاس المسمّى «المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة»، وكذلك «المعهد العالمي للفكر الإسلامي» في فيرجينيا الأميركية، وهو الأشهر و«الجامعة الإسلامية العالمية» في ماليزيا، وقد تحدث حسن البنا مؤسس «جماعة الإخوان» قديماً عن «أستاذية العالم». خرجت من رحم «الصحوة الإسلامية» منتجات معرفية وهمية تدعي «النخبوية».

أما «إسلامية المعرفة» أو «أسلمة المعرفة» أو «أسلمة العلوم الحديثة» فهي أطروحةٌ لم تنجح نظرياً، وأصحابها مختلفون في توصيفها وتأطيرها وصياغتها، وهي على مدى عقودٍ من الزمن ومع غزارة الإنتاج والدعم والتمويل والاستقطاب لم تصل لأي نتيجةٍ مؤثرةٍ أو منهجية معرفية راسخة، وأكثر طرح أصحابها منصبٌ على الإغراق في التنظير والمنهجية، لا في التطبيق والتعامل المباشر مع العلوم الحديثة فهماً واستيعاباً وتطويراً، وهي فشلت لأنها «مهمةٌ مستحيلةٌ» منطقياً وغير قابلة للتطبيق واقعياً، فهي تشترط أمرين: استيعاب العلوم الشرعية على كثرتها واتساعها وتشعبها استيعاباً تاماً مع استيعاب العلوم الحديثة التي لا تحصى، ثم بعد ذلك كله صياغة علومٍ حديثةٍ مؤسلمةٍ، لا علم واحد فحسب، وتصور الفكرة يكفي في تبيّن استحالتها.

اعترافات بعض رموز الفكرة الكبار تظهر فشلها صراحةً، فبعد أكثر من أربعين عاماً من الجهود عاد «أنور إبراهيم» رئيس مجلس أمناء «المعهد العالمي للفكر الإسلامي» في كلمته في إسطنبول في 2019، وهي مثبتةٌ في الموقع الرسمي للمعهد إلى اليوم، ليكتب عن (التحول الملائم والمدروس من نموذج «أسلمة المعرفة» إلى نموذج «تكامل المعرفة»، وهنا يأتي تحول النموذج دليلًا على عزمنا على أن تلبي مؤسستنا احتياجات أزمنة متغيرة.

ولكي نشهد تحولاً مناسباً، علينا أن نتبنى ثقافة مستدامة للابتكار في التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي)، ولا أصرح من هذا الكلام في إيضاح فشل الفكرة، فجليٌ أن «تكامل المعرفة» نموذج مختلفٌ تماماً عن «إسلامية المعرفة» ولا علاقة له بها بأي حالٍ من الأحوال. أخيراً، فإن تصوّر الفكرة كافٍ في نقدها، حيث تشترط معرفة «العلوم الشرعية»، وهي بحر لا ساحل له ثم تشترط معرفة «العلوم الإنسانية»، وهي بحر لا حد له، ثم تشترط نقد الأخيرة نقداً علمياً دقيقاً ثم تشترط بناء «علوم إنسانية مؤسلمة» جديدةٍ، وهي كما هو ظاهر مهمة تنقضي الأعمار دون تحقيقها، وهي بالتأكيد لا يمكن أن تكون عملاً فردياً.

***

عبد الله بن بجاد العتيبي - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الإماراتية، يوم: 20 أغسطس 2023 23:45

يتَّخذ الحديث عن الحداثة أبعاداً متضاربة في واقعنا اليوم: فهي من جهة المنظومة القيمية التي انتصرت للفرد ولحرية العقل والنقد، وقوضت هيمنة المؤسسات الاجتماعية، وعبَّدت الطريق نحوَ كتابة تاريخ جديد يؤدي فيه الإنسان الفرد دوراً محورياً وتجاوز مرتبة التابع للمؤسسات. وهو تاريخ مهم جداً تغيرت معه مسائل أخرى كبيرة ومتشعبة تقوم بكليتها في تشكيل الفعل الاجتماعي بشكل عام. لا أعتقد أنَّ ما فعله رايمون بودون، يمكن أن يجحدَه تاريخُ الحداثةِ باعتبار أنَّ الفردانية المنهجية معها بدأ مفهوم الفاعل الاجتماعي والسلوك العقلاني الذي عرف نضجاً مخصوصاً مع ماكس فيبر مؤسس الفعلانية في علم الاجتماع.

هذا المديح الذي رفع نبرته عالياً مفكرون ومبدعون كثيرون لم يمنع من ظهور عين أخرى التقطت انحرافات الحداثة بالمجتمع، وأخذه إلى حين المشكلات التي هي الوجه المسكوت عنه من تداعيات الفردانية.

ما حصل في أوروبا وهي الفضاء الذي ظهرت فيه الحداثة أحداثاً وتراكمات، هو أنها نعمت بنعيم الحداثة وتلذذت بطيب مذاقها ومناقبها على الفرد والمجتمع والعقل الإنساني، ثم وبعد زمن طويل بدأ المفكرون يقبضون على مظاهر انحرافاتها بالمجتمع، في حين أن بلدان العالم السائر في ريق النمو لم تستكمل عملية التحديث بعد. أي أن قدرنا المزاوجة بين الإيجابي والسلبي في مخاض الحداثة والتحديث، مما يزيد من حدة تشابك المتناقضات وإرباكها لنا، خصوصاً أن فضَّ الشباك وحل العقد يتطلبان وتيرة هادئة تمكن من الإمعان والفصل والتمييز بين الأشياء.

المجتمعات اليوم بتفاوت - نسبي طبعاً - تتجاذبها سلبيات الحداثة وفتوحاتها. ولعلَّ ما تعرفه الأسرة اليوم من تراجع من حيث الوظيفة، إنما يجعلها على رأس التكلفة السلبية للحداثة والتحديث.

ولا نعتقد أنَّ تأذي الأسرة في وظيفتها، وفي قدرها كمؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، أمرٌ هينٌ، أو يمكن عدم إثارته أو التعامل معه كفاتورة لا مناص من عدم دفعها إذا أردنا الحداثة ومنتجاتها. فنحن هنا نتناول المجتمع أيضاً: الأسرة تمثل الخلية والمجتمع هو الجسد. وإذا تم التفريط في الخلية تلو الخلية، فهذا يعني آلياً أن فكرة المجتمع ذاتها مهددة.

وما نلاحظه في الإنتاجات الفكرية اليوم على قلتها هو أنها تحفر في انحرافات الحداثة وظواهر الاغتراب والفردانية القصويّة وهيمنة الفلسفة المادية، ولكن دون طرح واضح ومباشر لمشكلة أن المجتمع نفسه كهيكل وبناء وتنظيم في حالة تهديد بالتلاشي على المدى البعيد، وهو تهديد يستحق العناية من منطلق أن الإنسانية لم تجرب غير فكرة المجتمع وبناء المجتمع. طبعاً لا تفوتنا الإشارة إلى تداعيات انهيار منظومة الأسرة، وما تمثله من نظام اجتماعي قديم جداً في تاريخ الإنسانية، حيث إن القيم التي يقوم عليها المجتمع الصحي الإيجابي المتضامن والمتساند، إنما تتم التنشئة عليها وتنقل من الأسرة، وهنا تصبح المشكلة ومظاهر التهديد مضاعفة.

قد يرى البعضُ في توصيف الأسرة بأنَّها تتهاوى أمراً مبالغاً فيه، خصوصاً في الفضاء العربي الإسلامي. لكن السؤال هنا يكمن في إيجاد الأسرة التي تقوم بدورها وتحظى بقيمة اعتبارية... ربما هناك، ولكن ليس هذا معمماً.

وفي هذا السياق فإنَّ التهاوي ليس نفسه في كل الحالات: فالأسرة مؤسسة اجتماعية عريقة، بل إنها من أقدم المؤسسات الاجتماعية، لذلك فإن الشقوق التي باتت تعرفها تُؤذن بخراب هذه المؤسسة تماماً، كما يؤذن التوتر والتلاسن والصمت في العلاقة بين الزوجين بالانفصال وإن تأخر القرار.

فالعزوف عن تكوين أسرة اليوم بدأ يظهر بشكل محتشم. ارتفاع أرقام الطلاق في السنة الأولى والثانية من الزواج، وهو أمر متعدد التأثيرات السلبية، لعل من أكثرها إشكالية هو أنَّ أطفالَ الطلاق لا يعرفون الأسرة ويَكبرون خارجها، ورد فعلهم تجاهها مفتوحٌ على سيناريوهات عدّة. لن ننسى أيضاً ما باتت تفعله وسائل تكنولوجيا الاتصال من مسافات بين أفراد الأسرة الواحدة. مررنا من الأسرة الكبيرة التي تسمى الممتدة إلى الأسرة النواة، وأغلب الظن أن المجتمعات ذاهبة دون وعي منها إلى عالم من الأفراد بديلاً لعالم المجتمعات. قد يطول الأمر ولكن وتيرة التغيرات تدعم تحليلنا، اللهم إذا رفضت المجتمعات اليوم موقف المتفرج ودافعت عن خليَّتها الأولى وجعلت منها موضوعاً للفكر وللتدارك.

لا شك في أن الضغوطات الاقتصادية أسهمت بشكل كبير في تصدع مؤسسة الأسرة وحولتها في أمثلة كثيرة إلى فضاء للنزاع والعنف، وأفقدتها منسوبها في العواطف والإيجابية والعلاقات التواصلية، ولكن في الوقت نفسه يجب ألا نستهين بالتغيير الثقافي والقيمي ودوره في تهاوي الأسرة، حيث إن الصعوبات الاقتصادية كان يمكن أن تشكل عاملَ تضامنٍ ووحدة.

***

د. آمال موسى

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 26 / 8 / 2023م

 

بركات (1933 - 2023) عالم الاجتماع والروائي السوري-الأميركي الذي غادر الحياة قبل أيام عن عمر يناهز التسعين.. كيف نوفِّق بين هويتيه، السورية العربية والأميركية؟ وُلد في سوريا ونشأ وتعلّم في بيروت حتى غادر للحصول على الدكتوراه من جامعة ميتشيغان، آن آربر، ورجع للتدريس في الجامعة الأميركية في بيروت لفترة قصيرة قبل أن يعود للحياة والعمل في عدد من الجامعات الأميركية في أوائل السبعينات حيث استقر للخمسين سنة التالية حتى رحيله. أسئلة الهوية والانتماء والغربة كانت تؤرقه في بحوثه الاجتماعية الكثيرة كما في حفنة الروايات والقصص التي خلّفها وراءه، وهو في هذا لا يختلف عن غيره من المثقفين العرب المغتربين، مثل إدوارد سعيد وهشام شرابي من معاصريه الأكاديميين، أو أمين الريحاني وميخائيل نعيمة وفيليب حِتّي إنْ شئنا الرجوع إلى الرعيل الأول من مغتربي العرب في أميركا.

لعل أسئلة الهوية والصراع بين الانتماء الوجداني الأصلي وبين وطن الهجرة... لعلها لا تحتدم مثلما تفعل زمنَ الأزمات الكبرى التي يجد فيها المغترب نفسه وسط بيئة سياسية وثقافية معادية لوطن المنشأ والوجدان. هذا هو الموقف الذي وجد بركات وغيره من مثقفي المهجر الأميركي أنفسهم فيه لدى اندلاع الحرب العربية-الإسرائيلية في يونيو 1967 والذي اختار أن يتناوله بالتأمل في أشهر رواياته «عودة الطائر إلى البحر» المنشورة في 1969 بعد سنتين فقط من الحرب، والتي تُرجمت لاحقاً إلى الإنجليزية بعنوان «Days of Dust» أو «أيام الغبار».

الشخصية الرئيسية في الرواية هي لأكاديمي فلسطيني اسمه رمزي صفدي يعيش ويعمل في بيروت، الذي اصطلح النقاد، ولم يختلف معهم بركات، على أنه شخصية رامزة إلى المؤلف. تصور الرواية أجواء الحرب من بداياتها المتفائلة بالنصر الأكبر إلى الهزيمة السريعة وما تلاها من هوان ويأس. تدور الأحداث ما بين بيروت ومدن الضفة الغربية في الأردن. ولا خلاف أن الرواية تسجيلية في جانب كبير منها، حيث إن الحكايات التي تصوِّر الأثر المدمِّر للحرب على حياة آلاف الفلسطينيين من موت وعاهات ودمار بيوت ونزوح قسري تعتمد جميعاً على بحوث ميدانية ومقابلات استبيانية يُجريها رمزي صفدي في الرواية، وهو عين ما فعله نظيره خارج الرواية، حليم بركات نفسه، الذي أجرى البحث الميداني في عمّان عقب الحرب بالاشتراك مع الأكاديمي الأميركي Peter Dodd وصدرت الدراسة بالإنجليزية عام 1968 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان «نهر بلا جسور: دراسة لنزوح اللاجئين العرب في 1967». ولا يُخفي بركات أن الرواية جاءت كتكملة للبحث الميداني، فقد صرّح بعد ذلك بسنوات طويلة في حوار مع مجلة «الآداب» البيروتية (المجلد 48، العدد 5 – 6، 2000) بأنه أحس بأن الدراسة الأكاديمية لم يمكنها تغطية الجانب الإنساني، ومن هنا اضطلاعه بكتابة الرواية لتلافي ذلك النقص.

إن كانت الرواية واقعية تسجيلية في طرف منها فإنها توغل في الرمزية في الطرف الآخر، حيث تؤطّرها بنية أسطورية تحفل بالإشارات إلى «الكتاب المقدس» وشعراء من قبيل ت. س. إليوت وأودن، وأسطورة «الهولندي الطائر» كما صوّرها ريتشارد فاغنر في أوبراه الشهيرة، وأوراتوريو المسيح للموسيقار هاندل، مروراً بالكوميديا الإلهية لدانتي، والإلياذة لهومر، وملحمة غلغامش، والحكايات الشعبية الفلسطينية وغير ذلك. ولا شك أن بعض الإحالات الرمزية تُثري المضمون وتقوم مقام الخيط المتصل الذي يربط بين الحكايات المتشذرة القائمة على البحث الميداني. إلا أنه يمكن القول إن الرواية ينوء كاهلها تحت ثقل الإشارات الرمزية الكثيفة النابعة من قراءات الكاتب الواسعة والتي أطلق لها العنان بغير كابح.

نعود إلى سؤال الهوية والموقف من بلد المهجر، وهو سؤال أساسي يكمن وراء رواية بركات. هذا السؤال يعالجه الكاتب من طريق قصة حب محورية بين الفلسطيني رمزي صفدي وبين امرأة أميركية تُدعى باميلا أندرسون، تنتمي للثقافة الهيبية Hippie السائدة وقت كتابة الرواية والداعية إلى الحب والإخاء والسلام بين البشر. باميلا رسامة فقيرة وإن كانت مثقفة ومغرمة بالمنطقة العربية وأهلها. قصة الحب بين الأكاديمي الفلسطيني بطل الرواية وبين الأميركية باميلا هي مفارقة عمدية في صلب الرواية، فهي علاقة حب بين عربي وأميركية على خلفية صراع دموي بين العرب وإسرائيل تتبنى فيه الدولة الأميركية الطرف الإسرائيلي بلا قيد ولا شرط وفي غير احتفال بقيم الحق والعدل. على أن باميلا على طرف نقيض من حكومتها؛ فهي متفهمة للقضية العربية ومتعاطفة معها. ولعل هذا هو السبب أن حليم بركات اختار أن يصوّرها فقيرة ومنتمية إلى فلسفة الهيبيز الرافضة لقيم المجتمع الرأسمالي وللأخلاق السائدة، إذ نسمعها تقول لرمزي إن الحكومة الأميركية قد أضحت أداة في يد المؤسستين الصناعية والعسكرية، وأنها تقف ضد الشعب الأميركي تماماً مثلما هي ضد الفيتناميين والعرب.

كأن حليم بركات يسعى هنا إلى حل مشكلة انفصام الهوية والصراع الوجداني لديه بين الانتماء الأصلي وبين الوطن المهجري المعادي للوطن الأم – كأنه يسعى إلى حل يتمثل في التفرقة بين أميركا كدولة وأميركا كأفراد. الفهم والحب ممكنان على المستوى الفردي، كما يحدث بين رمزي وباميلا، اللذين لا تَحول بينهما السياسة المتعجرفة الظالمة للدولة. يحلّ بركات الصراع على مستوى آخر أيضاً هو روايته ذاتها. فهي كنص أدبي تتناصّ وتتآخى مع عشرات النصوص الغربية من مختلف مراحل التاريخ، كما رأينا في استغلال الكاتب الموروث الغربي الأسطوري والأدبي في خلفية الرواية.

على أن هذه الرؤية التصالحية التي طرحها بركات في «عودة الطائر إلى البحر» في 1969 تبدو كأنها تذهب بدداً في روايته القصيرة «طائر الحَوْم» التي أعقبتها بما يقرب من 20 عاماً في 1988، هي إن أنصفنا عمل أقرب إلى السيرة الذاتية وإن ارتدى ثوباً قصصياً شفافاً. بطل الرواية وراويها هو أستاذ جامعي أميركي عربي الأصل، ولا أظننا نطلب مؤشراً على التماهي بين الشخصية والكاتب أكثر من ذلك. كان بركات آنئذٍ في أواخر العقد السادس من عمره، وقد استقر في أميركا نحو خمس عشرة سنة متصلة. الرواية عبارة عن فعل استرجاع وتأمل للماضي يسرده ذلك الأستاذ الجامعي المولود في الكفرون في سوريا تماماً مثل حليم بركات. الحدث يدور في حقبة الثمانينات، الحقبة اليمينية المتشددة للرئيس رونالد ريغان (1981 - 1989). ولا نبالغ إن قلنا إن الكتاب هو إدانة سافرة للثقافة الأميركية، على نحو لن يستغربه مَن تابع كتابات حليم بركات غير الأدبية، وبخاصة في الوسائط الإعلامية، في تلك الفترة. فلنتأمل في تداعي أفكار الراوي أمام أنباء الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982 والذي حظي بتأييد حكومة ريغان:

«لماذا أنا في واشنطن وجبال شنندوه؟ لماذا لم أكن فيكِ يا بيروت وقتَ حصارك؟ لماذا لم أقاوم الدبابات الإسرائيلية وهي تسحق الأزهار البرية في الجنوب؟ المقاومة ملح الأرض».

«أنتِ أيتها الحضارة المُقَنَّعَة أرفضكِ. هزيلة هزيلة. أُعلنكِ هزيلةً وحقيرةً. تُسمِّين الأبطال المحررين إرهابيين. أُعلنكِ إرهابيةً. تصنِّفين العالم إلى متحضرين وبرابرة. أعلنكِ بربريةً مع أنني أمُجُّ هذه اللغة، فربما تفهمين لغتك. أُعلنك هزيلةً وحقيرةً. أناقتكِ قناع. أزياؤك الجميلة أقنعة. أنت لا تعرفين ولكنني أنا أعرف أن هناك علاقة بين انشغال شعبك بتخفيف وزنه بسبب التخمة وجوع أفريقيا. ديمقراطيتك افتراس مهذب أنيق. مصابة بالعفن».

سؤال الهوية يواجه كل مثقف عربي في المهجر الغربي وهناك شعور بالذنب؛ شعور بالقهر، شعور بالوجود في المكان الخطأ

في هذا المقتطف بقسميه الإجابة عن سؤال الهوية الذي واجهه حليم بركات والذي يواجه كل مثقف عربي في المهجر الغربي. هناك شعور بالذنب. شعور بالقهر. شعور بالوجود في المكان الخطأ. المكان الآمن المتنعم بينما وطن المنشأ والوجدان في خطر ومعاناة. شعور أشبه بالوجود بين صفوف العدو. شعور بالتخلي وهجران القضية. ثم هناك رغبة في التنفيس عن هذا الشعور بنوع من الصراحة الشرسة في إدانة الحضارة الغربية والكشف عن زيفها ونفاقها في غير مواربة.

***

د. رشيد العناني

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ليوم: 16:54-1 يوليو 2023 م ـ 13 ذو الحِجّة 1444 هـ

شاع في دراسات ما عُرف بعصر النهضة أنّ الاهتمام الأول كان بالإصلاح السياسي وببناء مؤسسات الدولة الحديثة، ومن ضمنها الدستور. لكنّ الملف القيمي والأخلاقي ما كان بمنأى عن الاهتمام؛ أولاً لجهة التربية الوطنية، وثانياً لجهة الاهتمام بالتعليم بوصفه أساس النهوض. وفي كتابات النهضويين مثل محمد حسين المرصفي ورفيق العظم ثم محمد عبده وقاسم أمين، صارت أخلاق المدنية بين لوازم نهوض الأُمم. ووقتها بدأ كثيرون يترجمون كتب غوستان لوبون عن طبائع الأُمم، وكتب محمد عبده مقدمته للتفسير الذي سُمّي «تفسير المنار» في ما بعد، بسبب نشر دروس محمد عبده التفسيرية في مجلة «المنار»، وكان للأخلاق حظٌّ وافرٌ فيها. وتأثر هذا الملف بعض الشيء بسبب الجدال بين محمد عبده وفرح أنطون، وهو جدالٌ تطور في الجيل اللاحق للحرب الأولى إلى مماحكاتٍ مع الاستشراق والتبشير. ثم تغيرت الأجواء الثقافية والسياسية العالمية للمرة الثالثة بعد الحرب الثانية عندما ظهر ميثاق الأمم المتحدة (1945)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948). تجادل القوميون والإسلاميون مع الميثاق والإعلان من منطلقين، الأول منطق الميثاق والإعلان أنّ حقوق الإنسان والمواطن هي حقوقٌ طبيعية؛ بينما في الإسلام والموروث أنها هبةٌ من الله. والآخر أنّ الميثاق والإعلان يكيلان بمكيالين فلا يحدث إنصافٌ في قضية فلسطين، ولا في التعامل مع الدول العربية والإسلامية التي تصارع الاستعمار وتناضل للتحرر منه! وعندما جادلَ أنصار الميثاق والإعلان أنّ الفطرة تعني ما يعنيه الحق الطبيعي، أجاب خصومهما بتفاصيل تستند إلى فكرة الأصالة التي بدأت تتعملق في ردّ ظواهر الحداثة واستعاراتها. ثم جاء مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) الذي اعترف بإبراهيمية الإسلام، فاتجه الحوار المطلوب لاستكشاف القواسم المشتركة، ومنها العقدي والأخلاقي.

في العقود الأربعة الأخيرة جادلْنا بالدواخل العربية والإسلامية أنّ رؤية القرآن لحوار التفاهم والتضامُن أصلها مطلب القرآن أن تقوم العلاقات بين بني البشر على اختلاف أعراقهم وأديانهم على التعارف، وله مقصدان: معرفة الفرد للآخرين من حيث المصالح والاهتمامات لتنتفي الخصومة بالمعرفة؛ لأنّ الإنسان عدوّ ما جهل - والمقصد الآخر استكشاف القواسم المشتركة من طريق التواصل والحوار من أجل التعاون والتضامن في المشتركات. والقرآن يطلب من المؤمنين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر في الأخلاق والتعامل. والمعروف هو ما تعارف البشر على صلاحه وإصلاحه، والمنكر هو ما تعارف البشر على إنكاره والابتعاد عنه. وها هو في الجانبين المشترك الإنساني في القيم والأخلاق وتبادُل الاعتراف من طريق العقول والمصالح بالفضائل والرذائل، بحيث تكون السيرة والسياسة التعاملية الإنسانية أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، ولو لم يأتِ بها الوحي أو الشرع، كما يقول ابن عقيل وابن قيّم الجوزية. وحول هذه المفاهيم كان يدور الجدال في المجال الإسلامي؛ لأنّ المحافظين والمتشددين كانوا يقولون إنّ المعروف هو ما أمر به الشارع، والمنكر هو ما أنكره الشارع. فلمّا نشب الصراع في المدى العالمي بسبب الأعمال الإرهابية، وتعاظمت الحاجة إلى الحوار مع الأديان والثقافات لاستعادة السلم مع العالم، خمدت أصوات الانعزال والقطيعة، وصارت المرجعيات الدينية إلى الاحتجاج بحديث السفينة الواحدة رمزاً لوحدة بني الإنسان في المقاربة الأخلاقية للمشكلات العالمية والتذكير بحلف الفضول أو الفضائل في مكة قبل الإسلام، حين تعاقدت بطونٌ من قريش على نُصرة المظلوم، وحماية أعراف الجوار والضيافة لزوار البيت الحرام، وهو العهد الذي حضره رسول الله (ص) شاباً، وأشاد به وأقرّه بعد البعثة النبوية، وهو الذي عدّ بعثته رسالةً أخلاقية عندما قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ومضياً مع هذا التنوير الأخلاقي وُقّعت «وثيقة الأخوة الإنسانية» بين البابا وشيخ الأزهر، ووثيقة مكة المكرمة للمواطنة الشاملة (2019).

إنّ هذا الإجماع على التعاون من ضمن المشترك الإنساني، والذي ما بلغته الإنسانية إلاّ بشق الأنفس، وصار رمزاه ميثاق الأُمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بدأ يتعرض للتصدُّع لأسبابٍ وجهات عدة. الأول عجز مجلس الأمن عن صون السلم العالمي، وانتشار الحروب وتعاظمها بين الدول الكبرى الداخلة في مجلس الأمن، وبين الدول الوسطى والصغرى وفي دواخلها. والثاني: عجز مفوضيات الأمم المتحدة ووكالاتها عن حماية البشرية من المجاعات والأوبئة وفساد البيئة واضطرابات المناخ بسبب أعمال التخريب الهائلة. والعامل الثالث: المتغيرات القيمية والأخلاقية الكبيرة بسبب التقنيات الجديدة، والتي تنفي وجودَ طبيعةٍ إنسانيةٍ تتضمن الذكورة والأنوثة من أجل استمرار الحياة الإنسانية من خلال علائق المودة والعيش المشترك في الأُسَر والعائلات - والذهاب إلى أنها تاريخٌ وثقافة وعادات ذكورية مصطنعة! والإمعان في العبث وصولاً إلى الطفولة، التي يُرادُ تدمير الأُسرة من خلال «قراراتها الحرة»، باعتبار العائلة، كما سبق القول: مجرد موروثٍ يُنافي الحرية!

عام 2019 أصدر الفاتيكان وثيقةً بعنوان: «الذكر والأُنثى خلقهما الله. نحو سبيلٍ للحوار في إشكاليات نظرية الجندر في التربية». تدرس الوثيقة تأثير وسائل التواصل المغوية على صغار السن والمراهقين في الاستعمال الخاص، وفي المدارس من خلال التعليم، والتحول التدريجي للبدائع المتزايدة إلى قوانين همُّها تفكيك الأُسَر بحجة الحرية للصغار، وتسهيل مسائل تغيير الجنس بقوة القانون!

تقول الوثيقة إنّ النسْوية feminism كانت تُناضلُ من أجل المساواة والعدالة بين الجنسين باعتبار أنّ الطبيعة الإنسانية واحدة، وينبغي أن يكون المترتب على ذلك في الحياة الإنسانية منصفاً وعادلاً. أما نظرية الجندر (النوع) أو رؤاه فإنها تُلغي اعتبارات الطبيعة، التي تعدّها مصطنعة، وتُطلقُ العنان للتلاعُب بالجسد وبالعقول قبل الجسد. وتستغرب الوثيقة هذه الدعوى الجارفة التي تعبث بالعائلة وهي أساسٌ في إنسانية الإنسان، فتصبح حتى الولادة صناعية ولا تحتاج إلى الزوجين أو الأُسرة وحياة العائلة والتربية والتعليم.

بعد منتصف القرن العشرين، كان الهمُّ والعملُ لدى تنويريي المسلمين على مفهوم المعروف العالمي، وعلى التعارُف والاعتراف بين بني الإنسان، وإقرار التعدديات والخصوصيات الدينية والإثنية من ضمن المشترك الإنساني الذي يقول بالحقّ في الاختلاف من ضمن التنوع في الوحدة. والميول الجديدة توصل إلى التذرُّر لا إلى التعدد. التعدد مفهوم اجتماعياً وسياسياً، لكنه لا يعود مفهوماً عندما يتجاوز إنسانية الإنسان صائراً خارج كلّ عقلٍ ومنطق.

كان الأستاذ هانس كينغ يريد أن تتوصل الأديان إلى التوافق على أخلاقٍ عالمية. لكنّ الديانات ما عادت هي التي تحدد - إذا توافقت - الأخلاق العالمية. فيبقى السؤال: ما هو المعروف أو الفعل الفاضل، وعلى ماذا يحصل التعارف؟

***

د. رضوان السيد

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 25/ 8/ 2023م

«جولي أو هيلويز الجديدة».. صورة نقية من الحب تُذكرنا بشعرائنا العذريين

صدرت أخيراً سيرة جديدة عن جان جاك روسو، ومؤلفها هو واحد من كبار المختصين بعصر الأنوار، إنه البروفيسور ريمون تروسون، أستاذ الآداب الفرنسية بجامعة بروكسل الحرة، وعضو «الأكاديمية الملكية البلجيكية». كُتُبه عن فلاسفة الأنوار أصبحت مراجع لكل الباحثين شرقاً وغرباً. للأسف ليست مترجمة إلى العربية حتى الآن، على الرغم من عظمتها الأكاديمية وموثوقيتها وأهميتها. متى سيهتم العرب بترجمة الكتب القيّمة التي تُغْني الثقافة العربية فعلاً وتفتح لها الآفاق؟ متى سيُعطونها الأولوية؟

ماذا يقول لنا هذا الأستاذ الجامعي الأكاديمي عن جان جاك روسو؟ إنه يعطينا المعلومة التالية التي لا تُقدَّر بثمن: عندما نشر روسو روايته الشهيرة، المدعوّة باسم «جولي أو هيلويز الجديدة»، اهتزت فرنسا، بل حتى أوروبا كلها، لقد ضرب على الوتر الحساس وأصاب النفس البشرية في أعمق مشاعرها وأقدسها: عاطفة الحب. لقد قدَّم عن الحب صورة مثالية بهيجة لا تضاهَى، وهي تُذكّرنا بشعرائنا العذريين: مجنون ليلى، جميل بثينة، ذي الرمة، ومي... إلخ. نفس النقاء، ونفس الصفاء، ونفس الحب العامر الغامر الذي ينظف القلب والروح، إنها أعظم عاطفة وأقدسها على وجه الأرض.

هل تعلمون أن هذه الرواية طُبعت 72 مرة حتى نهاية القرن الثامن عشر، منذ صدورها عام 1761؟ لو كانت هناك حقوق نشر حقيقية في ذلك العصر، لأصبح جان جاك روسو مليونيراً كبيراً، ولكننا نعلم أنه عاش على حافة الفقر طيلة حياته كلها. لو أن هذه الرواية صدرت في القرن العشرين، أو حتى في القرن التاسع عشر، أيام بلزاك وستندال، لأغنت صاحبها ولأبعدت عنه شبح الفقر إلى الأبد.3609 روسو

ضربة معلم

وحتماً لكانت قد أتاحت له أن يشتري شقة فاخرة في قلب باريس، كما حصل للطاهر بن جلون بعد نيله جائزة الغونكور. ولكننا نعلم أنه عاش مشرَّداً على الطرقات والدروب، كانوا يقرأونها في الشوارع أمام المكتبات العامة ودموعهم تنهمر مدراراً. كتبت له إحداهن: لقد بكيت يا أستاذ، لقد بكيت بحرقة مراراً وتكراراً، أشكرك من كل قلبي. لقد نظفت أعماقي والآن سكنت واسترحت. وكتبت له أخرى: كتابك ينبغي أن يُطبَع بحروف من ذهب. وأما ذلك الشخص الأرستقراطي الذي يُدعى الماركيز دو بولينياك فلم يستطع أن يتحمل موت بطلة القصة «جولي»، فسقط على الأرض مريضاً في فراشه، فطلبوا له الدكتور فوراً! وأما البارون لا ساراز فقد حبس نفسه في غرفته كي لا يسمعوه وهو يشهق بصوت عال ويئنّ ويتوجع... وأما الجنرال تيبولت فعندما وصل إلى مشارف نهاية القصة، لم يعد يبكي فحسب، وإنما أخذ يصرخ بأعلى صوته وينتحب كالمجنون. وكتب له أحد الشباب: كنت على شفا الهاوية، يا أستاذ، لقد أنقذتني، لقد شفيتني، لقد عالجتني، إنني أقدِّس شخصك وكتاباتك السامية. وهكذا تحوَّل روسو إلى قديس علماني يحل محل القديس المسيحي السابق. لقد ألف رواية تشبه «إنجيل القلوب».

هذا ما فعلته رواية روسو في أشخاص ذلك الزمان، لقد فعلت فعلها. هنا تكمن عظمة الأدب. الأدب علاج للروح الظمأى، للروح العطشى إلى المطلق: مطلق الحب والوجود. لقد نظّف روسو العصر كله بهذه الرواية، لقد طهّر قلوب الملايين، لقد علَّمهم معنى الحب والفضيلة والقيم النبيلة السامية التي تتعالى على الماديات. ولم تكن رواية عن الحب فحسب، وإنما عالج فيها أيضاً مسائل أخلاقية واجتماعية وسياسية، بل حتى دينية. كانت كل ذلك دفعة واحدة. و«بضربة معلم» صهر كل ذلك مع بعضه البعض، وقدَّم للعصر كله روايته الخالدة. هنا تكمن عبقرية جان جاك روسو (هل نعلم أنه عاش حياته كلها مع امرأة لا يحبها ولكن يشفق عليها إنسانياً ومادياً ويحترمها؟ وهل نعلم أنه أحب امرأة حباً صاعقاً بالضربة القاضية ولكنه لم يعش معها يوماً واحداً بل لم يلمسها...).

الملاحقات الضاريات

ولكن هل تعلمون ماذا حصل له بعدئذ؟ هل تعتقدون أنهم كافأوه على هذه الإبداعات العبقرية؟ العكس هو الصحيح، فبعد أن نشر هذه الرواية، نشر كتابين أساسيين سوف يدشنان الحداثة الدينية والفكرية والسياسية في كل أنحاء أوروبا هما: «إميل أو في التربية»، و«العقد الاجتماعي». وعلى أثرهما أصدرت السلطات الفرنسية الأوامر بتمزيق الكتابين وحرقهما أمام القصر العدلي. كما أصدرت الأوامر بالقبض على الكاتب فوراً وإيداعه سجن الباستيل الرهيب. ولولا أن بعض المعجبين الكبار به أبلغوه بالقرار قبيل تنفيذه بساعات قلائل، لكان قد حصل ما لا تُحمَد عقباه. قال له الماريشال دو لوكسمبورغ، أحد عظماء ذلك الزمان بعد الملك مباشرة: أمامك 24 ساعة لكي تضب أغراضك وتهرب، وإلا فسوف تحصل الكارثة. ارحل فوراً! وعندئذ هرب على وجه السرعة. وعندما وصل إلى الحدود السويسرية، انبطح على الأرض وقال: أقبل هذه الأرض، أرض الحرية! ومعلوم أنه سويسري الأصل وليس فرنسياً، على عكس ما قد نتوهّم؛ لأنه عاش معظم حياته في فرنسا، ولكن حتى هناك لم يتركوه مرتاحاً؛ لأن أفكاره الجريئة عن الدين المسيحي لم ترُقهم، فقد شكّك ببعض العقائد الأصولية الشعبوية الأكثر رسوخاً، وقال إن الدين هو المعاملة الأخلاقية: فإذا كنت شخصاً أخلاقياً مستقيماً في تعاملك مع الآخرين، فأنت أعظم مؤمن، سواء مارست الطقوس والشعائر الدينية أم لم تمارسها على الإطلاق. وقال إن المفهوم الطائفي والمذهبي للدين انتهى أو ينبغي أن ينتهي؛ لأنه كلّف أوروبا ملايين الضحايا، فالدين الحقيقي غير الطائفية، والطائفية غير الدين. وهكذا صدم في الصميم العقائد الأصولية الراسخة، وقدَّم عن الدين المسيحي صورة عقلانية مستنيرة تليق بروح الأزمنة الحديثة، ولذلك احمرّت عليه الأعين، ولم يغفر له الأصوليون والإخوان المسيحيون هذه الأفكار الهدّامة للتراث و«ثوابت الأمة»! ولذلك حقدوا عليه وعلى مؤلفاته حقداً شديداً، لهذا السبب جمعوا نسخ الكتاب ومزّقوها وأحرقوها في بيرن وجنيف، وليس فقط في باريس، وأحرقوها أيضاً في عواصم أوروبية أخرى.

ستون جهة كانت تلاحقه دفعة واحدة، كلما انتهى من جهة أمسكت به جهة أخرى، وراحت تُعمل به فعساً وتنكيلاً حتى أحرقوا أنفاسه، كانوا يلاحقونه على لقمة عيشه بشكل خاص؛ لأنهم لم يستطيعوا قتله. كان ذلك على طريقة قطع الأرزاق أو قطع الأعناق. لم يستطع أحد تحمل أفكاره الجريئة أكثر من اللزوم عن الدين، ما عدا فولتير الذي حيّاه من بعيد، على الرغم من أنه كان عدوه اللدود، كان منافسه الأكبر على عرش الآداب الفرنسية.

ومع ذلك فقد صرح بما معناه: أبيع الدنيا كلها بتلك الصفحات القليلة الرائعة التي دمّرت فيها الفهم الأصولي والطائفي والظلامي للدين المسيحي. ولكن هذا فولتير! هذا ليس تلك الجماهير الغفيرة التي تتبع الأصوليين بالملايين كالقطعان أو الخرفان. ابحثوا عن «الربيع العربي» والقرضاوي وإردوغان وبقية الإخوان! حقاً لقد جاء جان جاك روسو قبل الأوان، كما يحصل للرواد الكبار، ولذلك أقضُّوا مضجعه وهدَّدوه ولاحقوه من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، ومن الجبال إلى الوديان، حتى هرب إلى إنجلترا في نهاية المطاف.

لكن أفكاره الجريئة عن الدين انتصرت بعد موته بعشر سنوات فقط، وكان يعرف أنها سوف تنتصر. وعندئذ انتقلت أوروبا من عصر الظلمات إلى عصر الأنوار. ولم يعد فيها طائفية ولا مذهبية ولا ذبح على الهوية. لقد احترق جان جاك روسو لكي يضيء للآخرين الطريق.

***

د. هاشم صالح – مفكر

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم: 21 أغسطس 2023 م ـ 05 صفَر 1445هـ

كيف لـ "عربي مسيحي" أن يكون إسلامويّاً؟

 إذا كان طه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي مُسْلِمان سُنّيان تقليديان ينتميان ـ عائليا/ أسريّا ومناطقيا ـ إلى فضاء تقليدي مُتديّن/ محافظ، بحيث لا يُسْتغرب منهما أن يُوظِّفا كل ما يستطيعان من أدوات المعرفة/ العلم لتأكيد عقائدهما المُسبقة، ولترسيخ التقليد الأخلاقي الذي نشأ عليه، ولاستحضار التاريخ/ التراث بحقائقه وأوهامه من أجل "استئناف صورة وهمية عن الذات في الماضي"؛ لتصنع "مجداً مَوْهوما" في الحاضر(وهذا يستلزم الدعم الصريح أو الضمني للأصولية التي تأخذ على عاتقها ـ حركيا ـ استرجاع "مجد الإسلام")، أقول: إذا كان الطرح الأيديولوجي (ما يزعمانه علما) لهذين المُسْلمين التقليديين مفهوما؛ فكيف نفهم المسلك الأيديولوجي المماثل الصادر عن "عربي مسيحي" يعيش في الغرب، ويتواصل واقعيا وثقافيا مع الغرب الحداثي في أرقى نماذجه حضورا وفاعلية ؟ كيف لـ"عربي مسيحي" أن يكون إسلامويّاً كأشد ما تكون الإسلاموية محافظة وانغلاقا وعداءً للآخر، وتوجسا منه؟

ما أراه ـ لتفسير هذه المفارقة ـ أن "الإسلاموية" هنا مُتَضَمَّنَة في "العروبوية" على نحو غير معلن، وربما غير مقصود على مستوى الوعي المباشر. لكن، حتى يتضح لك التضمين لا بد أن تتجاوز الصورة النمطية السطحية عن العداء أو التنافر بين العروبي والإسلامي، التنافر الذي كان ذا ملامح واضحة، معلنة في وقت من الأوقات؛ جرّاء دوافع سياسية؛ ينقضها ـ في العمق ـ المهاد الثقافي المشرك؛ لتكون عداء وتنافرا حقيقيا. فكلا الأيديولوجتين: العروبوية والإسلاموية هما أصوليّتان مُتعاضِدَتان مُتَخادِمتان ـ عن قصد وعن غير قصد ـ، بل ومتزاوجتان على مستوى البنية العامة للتصورات الكبرى/ الوعي (لمزيد من التفصيل في هذا، يمكن للقارئ أن يُراجع مقالي الذي نشرتُه على هذه المنصة الإعلامية في 2/7/2018 بعنوان: وحدة الوعي الأصولي: الديني والقومي).

إذن، مسيحية وائل حلاق، وهي عقيدته التي تفصله عن الإسلام كعقيدة تعبّدية، لا تفصله عن الإسلام كانتماء قومي. ليس الأمر فقط متعلقا بشعور معظم الأقليات العربية غير المسلمة أنها تنتمي ـ حضاريا/ ثقافيا ـ إلى الإسلام؛ بقدر ما هو متعلق بانتماء أشدّ جذرية وحسما، أي بالانتماء إلى وحدة وعي مشترك بين الوعي العروبي والوعي الإسلامي، بما يتجاوز ـ في هذه الحال ـ تحوّل الإسلام إلى دين قومي (فحلاق مثلا يشمل بتمجيده التاريخَ الإسلامي كله، حتى ما يقع منه خارج النطاق العربي)، وبما يتجاوز تحوّل العروبة إلى روح الإسلام ومادته الخام(وهنا أيضا، تركيز حلاق على التميّز/ الإنجاز الإسلامي، وليس العربي على سبيل التجريد والتخصيص).

يؤمن حلاّق ـ وبصرف النظر عن دوافع هذا الإيمان ! ـ أن الغرب في أعلى صُورِ تطوّره: منحط/ غير أخلاقي، وبالتالي، غير حضاري، بل ولا يَعِد مستقبلا بما هو حضاري؛ من حيث هو لا يعد ـ وفق تشكله الحداثي ـ بما هو أخلاقي، بل ولا بما هو قابل للاستمرار/ النجاح. وفي المقابل يؤمن بالعكس تماما لما هو إسلامي/ إسلاموي، فالتاريخ/ التراث الإسلامي نجح نجاحا باهرا في القديم، ولديه الإمكانيات الاستثنائية لاستئناف هذا النجاح في الحاضر والمستقبل. يقول حلاّق في مقدمة كتابه (السلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي، ص11): "وإذا كان التفوق الحضاري والتشريعي الغربي المزعوم ـ بكل مرونته وقدرته على التغيير و "التقدم" ـ قد فشل فشلا ذريعا في الماضي والحاضر، فهل يستمر المسلمون باستهلاك الخطاب الغربي المعرفي ؟ وإلى متى؟".

هكذا، في هجاء صريح للغرب؛ يستبطن الضد منه: المديح للتاريخ التشريعي/ الحضاري للمسلمين، وكل ذلك في "لغة قطبية"، تدعو للعزلة المعرفية صراحة. فوصف الحضارة الغربية بالفشل الذريع في الماضي والحاضر، ثم تنصيص "التقدم"؛ كإشارة إلى نفي هذه الصفة عن الغرب، لا يعكس أكثر من أزمة نفسية عاصفة، تطفح على لغة التنظير "العلمي"؛ في الوقت الذي تشكّل فيه الخيط الناظم كل هذ البحث والتنظير الأكاديمي.

إن هذا الهجاء الأيديولوجي للغرب، والذي يصل حد إنكار الوقائع الثابتة التي يعيشها العالم على مستويات كثيرة يصعب حصرها (أخلاقية، وتنظيمية، وفكرية، وعلمية/ تقنية...) يقابله ما يشبه تجميل التاريخ/ التراث الإسلامي بتزييف حقائقه التي يعرفها كل مُطلّع على هذا التاريخ/ التراث.

يقول حلاق عن استقلال القضاء في التاريخ الإسلامي ـ وهو "الاستقلال المُتخيّل" ! ـ: "إلا أن تدخل الخلفاء أو من ينوبهم في مجريات القضاء ـ رغم ندرة ذلك ـ كثيرا ما كان يتم من خلال القنوات الفقهية الرسمية المقبولة".

ويقول: "لقد كان الخلفاء ومن ينوبهم عموما يُذْعنون للشرع". ويقول ـ على سبيل التعبير الإسلاموي الدعوي ـ : "وعلى الإجمال إذا كانت هناك أية ثقافة فقهية وسياسية تعود إلى عصور ما قبل الحديثة وحافظت على مبدأ سلطة الشرع وسيادته حفاظا جيدا، فإنما هي ثقافة الإسلام" (نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، وائل حلاق، ص260و263و263).  

مَن يتأمل مثل هذه "الهجائيات"/ "الفخريات" في تلافيف التنظير الناطق بلسان "العلم"؛ يعرف أن وراء هذا "العلم" الذي يرفعه حلاّق كشعار موضوعي، هَمٌّ أيديولوجي كبير؛ كما هو الحال مع صاحبيه المُتَفَلسِفَين (المرزوقي وطه عبدالرحمن). العلم هنا لا يُخدَم لوج الحقيقة، وإنما يُسْتَخدم لوجه الأيديولوجيا، العلم هنا ليس غاية حتى في حدوده كعلم، وإنما هو وسيلة دعائية لـ"رد الاعتبار القومي" الذي تراه الذات الجريحة يستحق كل هذا العناء.

إحساس حلاّق بـ"المظلومية القوميّة" إحساس حاد جدا، بل مرضي. ومن حيث هو على هذا المستوى من الحدة/ المرض، فهو يستقطب الأوهام في مسار بحثه عن الحقائق. في سياق هذه المظلومية التي مصدرها الغرب تحديدا، يصبح الغرب مصدر عدوان متنوّع متتابع، وهذا التنوع يتضافر ليُضَاعف مستوى العدوان وليُعَمّقه بصورة أكبر، بصورة مؤلمة ومهينة وغير قابلة للتغيير إلا من طرف الذات.

وفق منطق حلاّق؛ لا شيء ـ في مسار هذه المظلومية ـ يتغيّر للأفضل، للأكثر تسالما وتصالحا؛ "فالاستشراق مازال وجها من وجوه الاحتلال الاستيطاني (أو ما يسمى خطأ بالاستعمار) وما زال هذا الوجه يتمحور ليعضد الهيمنة الغربية، حتى صار كالسرطان المعرفي الخبيث" (السلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي، وائل حلاق، مقدمة حلاق للترجمة العربية، ص9و10).

هكذا يتضح أنه لم يكن الدافع الأساس لما كتبه ويكتبه حلاق (وهو أيضا واقع الحال مع المرزوقي وطه عبد الرحمن) علاقة بالعلم؛ من حيث هو "علم"؛ بل هي أيديولوجيا مأزومة؛ جوهر تأزمها ـ وإن اختلفت تمظهراته ـ كامن في طبيعة العلاقة مع الآخر/ الغرب تحديدا؛ خاصة عندما تصادمت وتخاصمت هذه الذات مع آخرها على المستوى المادي والمعنوي، في لحظة اندحار/ كسوف حضاري للذات؛ اندحار بات يُعمّق من مستوى مأساويته ما يقابله من إبهار حضاري ـ غير مسبوق تاريخيا ـ للآخر؛ إلى درجة يكون فيها هذا التقابل تقابلا بين عالمين غير قابلين للتواصل المتكافئ، بحيث يمكن الحديث حقا عن تقابل ـ أو حتى تصادم ـ حضارات.

هذا الإحساس المروع بالفراغ الحضاري الذي ينفتح على إحساس مهين الهامشية، هو ما يرسم حدود الأزمة/ التأزم. ولعل ما يزيد من مستوى غليان هذا التأزم بحق حلاق تحديدا، وبالتالي؛ من شدة تعقّده من ناحية، وشدة الإحساس المرضي به من ناحية أخرى، أن صاحبه وجد نفسه حاضرا في السياق الغربي؛ بوصفه شريكا/ مشاركا في السياق نفسه من جهة، ومن جهة ثانية، مُوَازية؛ حضر بوصفه ابن الثقافة الأخرى التي تُشَكّل هويته المفارقة، والتي تقع ـ بالنسبة للسياق الغربي ـ على هامش الهامش. أي حضر ليجد نفسه ـ في منطوق الصوت المضمر ـ محل ازدراء ثقافي من جهة الانتماء الهُويّاتي؛ في ذات السياق الذي يتألق فيه كباحث متألق يحظى بكثير من التقدير والاحترام.

والمقصود أن حلاق في هذا الصدام المباشر مع ثقافة/ حضارة الغرب، بل ومع الفضاء المعرفي الذي يتموضع فيه ـ من جهة كونه فضاء معرفيا غربيا ـ يحاول التأسيس لِنِدّية مع أقرانه في هذا الفضاء الفكري/ الثقافي الغربي؛ من جهة كونه ـ في الأصل ـ مهاجرا عربيا يتمثّل الغربُ ثقافته الأصلية كثقافة بدائية/ جامدة/ منقرضة، ثقافة عربية تنتمي إلى الإسلام الذي بات يُواجِه تهمة الإرهاب، فضلا عن تهمة الجمود الحضاري المنتهي بعداء/ رفض الحضارة المعاصرة. ما يعني أن حلاّق يواجه تهميشا/ ازدراء/ اتهاما مضاعفا؛ ابتداء، من حيث: هامشيّة الثقافة العربية/ ثقافته الأصلية (كعربي غير مسلم)، وتَثْنيةً، من حيث: انغلاق وجمود وعنف الثقافة التي تنتمي إليها ثقافته/ هويته العربية على نحو أصيل: تراث الإسلام.

طبعا، يعي حلاق أنه لو اكتفى باستحضار أمجاد التاريخ العربي مُجرّدة من أمجاد تاريخ/ تراث الإسلام (وهذا المتوقع/ المفترض ـ مبدئيا ـ لكونه عربيا غير مسلم)، فلن يظفر بشيء ذي بال، خاصة وهو يريد مُنَافَرَة الغرب (مع كل ما لهذا الغرب من عنفوان حضاري كاسح مُتَعَملق في مدى سبعة قرون من الإبداع المتتابع)، بأمجاد أمته ذات الإرث الإمبراطوري الذي يقف فيه "المُكَوِّنُ العربيُّ المُجرَّد من الإسلام"؛ هامشيا، لا يستطيع أن يصمد ولو لمنافرة جماعة/ أمّة بدائية؛ فكيف بمنافرة أعظم الحضارات. هنا، يدرك حلاّق أن لا شيء يخدم مُنَافرته الأيديولوجية سوى الإسلام تاريخا وتراثا؛ فيبادر إلى توظيفه بعد أن يبذل قصارى جهده في إجراء "عمليات التجميل".  

هكذا نرى كيف تتحوّل "البحوث العلمية" إلى "مُنَافرة تفاخريّة" في دوافعها وفي غاياتها. وإذا كانت كذلك في الدوافع وفي الغايات، فهي ـ في جوهر الخطاب ـ ليست أكثر من ذلك. لكن إذا كانت مجرد "تظاهرة فخر ذاتي" في سياق استهدافها التلقي الغربي، فإنها لن تكون كذلك فحسب؛ في سياق التلقي العربي/ الإسلامي لها. ففي هذا السياق العربي/ الإسلامي ستتجاوز حدود "نشوة التفاخر"؛ لتكون من أهم دعائم السلفيات الأصولية المتطرفة، في شقيها: الديني والقومي.

وللأسف، يبدو أن حلاق لا يخفى عليه هذا الأثر السلبي (الذي يبدو أنه يراه إيجابيا !) لكتاباته، خاصة دورها في دعم التصورات الأصولية الانغلاقية/ الانكفائة. فمن يقرأ مُقدّماته للترجمة العربية لكتبه (وهي المقدمات المُوجَّهة للقارئ العربي حصرا)، يلاحظ إلحاحه الشديد في كل هذه المقدمات ـ وفيما يشبه الاعتذار الذي يستجدي عفوا ! ـ على إيضاح أن مؤلفاته موجهة أصالة للجمهور الأكاديمي في الغرب. وكأن المطلوب من القارئ العربي أن يقنع بهذا المستوى من المرافعة التفاخرية، ولا يعتب عليه في بعض "الهفوات" التي قد يبدو بسببها كما لو لم يكن أصوليا تماما، أي أصوليا يتوافق مع الخط الأصولي: الديني والقومي، الرائج في العالم العربي؛ لأن طبيعة التلقي الأكاديمي في الغرب اضطرته لأن يراوغ قليلا؛ ويمارس ـ أسلوبا ومضمونا ـ بعض ما قد لا يروق للمتلقي العربي/ المسلم.

هنا نقع على ازدواجية نسبية في لغة/ مضمون الخطاب. وهذا ليس غريبا في السياق الثقافي العربي/ الإسلامي، فزعماء/ قادة القومية العربية، كما هم أيضا قادة الأصولية الحركية الإسلاموية، هؤلاء وهؤلاء (وهم المعبرون عن نمط الوعي الكلي) طالما كان دأبهم التوفّر على خطابين: خطاب لجماهيرهم في الداخل، وخطاب للآخر، وخاصة الغرب الذي يُحْرجهم ببعض إلزاماته الثقافية/ القيمية/ السياسية. وحلاّق ـ من حيث هو مُفَكّر في  ثوب سياسي ـ ليس إلا ابْناً وَفيّا لهؤلاء وهؤلاء، الذين طالما استهانوا بعقول الجماهير، وراهنوا على حبها للشعارات التفاخرية التي تضرب على أوتار عواطفها، وفي الوقت نفسه، على كراهيتها للعلم والحياد الموضوعي والتوق لمعرفة حقائق الأشياء !

***

محمد المحمود

عن موقع الحرة ليوم: 21 ديسمبر 2020

ليس مطروحاً على المستوى نفسه عند كل البشر

من دون شك؛ سؤال معنى الحياة يشغل كل إنسان واعٍ بدرجات مختلفة ومتفاوتة وانطلاقاً من خلفيات ثقافية متعددة. ولكن هذا السؤال يحمل وجهين: الوجه الأول يتعلق بمعنى الحياة عموماً، ويطال كل الكائنات الحية، فيما الوجه الثاني يختص بحياة الفرد البشري؛ بحيث إن كل فرد منا يحاول ويريد أن يفهم معنى الحياة عموماً، ولماذا يجب عليه أن يحيا، وما الغاية من حياته بصفته فرداً، وما معنى نجاحه في تحقيق مشروع حياته في هذا العالم الواسع المتعدد الأبعاد... ولكن المسألة الأساسية هنا تكمن في المعايير الثقافية التي تحكم فهم الأفراد معنى الحياة بشكل عام، وإعطاء كل فرد معنى لحياته الخاصة، مقابل معنى الحياة في المجتمع.

هذا يعني أن معنى الحياة يختلف باختلاف الثقافات البشرية. ومن دون شك، فإن هذه المسألة تبقى راهنة وتشغل وترافق كل مراحل المجتمعات عبر الإنتاج الثقافي والإعلامي، وهذا ظهر من خلال الموضوع الذي نشرته المجلة الفرنسية «Question de philo (سؤال في الفلسفة)» بوصفه ملفاً أساسياً في عددها الصادر خلال صيف 2023، تحت عنوان «إعطاء حياتنا معنى». ويبدأ عرض الملف بشرح تعبير «معنى الحياة»، فيقول إنه يشير إلى تساؤل البشر حول مصدر وطبيعة وغاية الوجود، مع العلم بأن هذا المعنى شكّل موضوع تأمل لكثير من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع.

ومع ذلك، فقد أصبح هذا الموضوع موضع تساؤل الأفراد حول وجودهم في الحياة، في حين أن البعض الآخر راح يعدّ أن الوجود في هذه الحياة بدأ يفقد معناه. إذن؛ حول مسألة معنى الحياة انقسمت البشرية على الأقل إلى اتجاهين؛ الاتجاه الأول تمثّل في الملحدين، فيما الاتجاه الثاني تمثل في المؤمنين. ومن المعروف أن الملحدين لا يدّعون معرفة ماذا كان يوجد قبل ظهور الكون ولا من أين أتت الطاقة والمادة اللتان يتكون منهما هذا الكون. كما لا يدّعون الإيمان بعقيدة مسبقة يمكن أن تعطي معنىً ثابتاً للحياة، بل على العكس من ذلك؛ هناك من يعتقد أن معنى الحياة (حياتنا) يجب أن نحققه يومياً، وهناك من يعدّ أنه يجب ببساطة أخذ الجانب الأفضل والمناسب من الحياة من دون إضاعة الوقت في البحث عن معناها الميتافيزيقي. على سبيل المثال؛ بالنسبة إلى الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر، ليس للحياة معنى مفارق، ولكن الوجود وحده يثبت معنى الأشياء، وهذا يترجم مبدأ الفلسفة الوجودية القائل: الوجود يسبق الماهية.

ووفق الفيلسوف الألماني نيتشه؛ بما أنه ليس هناك مخطط مسبق في مصدر الأشياء، فهذا يعني أنه لا معنى لأي شيء في المطلق. إذن؛ ما علينا فعله فقط هو أن نعيش وأن نتمتع بالحياة من دون الغرق في التساؤل العقيم حول واقع افتراضي. أما بالنسبة إلى المؤمنين بالأديان التوحيدية، فليس من الضروري البحث عن معنى للحياة، وذلك لأن الله هو الذي يهب ذا المعنى. وحول هذا الموقف يقول فيتغنشتاين: «إن الإيمان بالله يعني أن الحياة لها معنى واعتبار أن وقائع العالم ليست هي الكلمة الفصل أو الأخيرة». إن الإيمان بالله يعني اعتبار أن للحياة معنى. وبالنسبة إلى البعض، فإن التساؤل عن معنى الحياة يمكن أن يكون محاولة للتخفيف من حدّة السؤال المقلق: «ما معنى حياتي؟».

وقد يمكننا تصنيف الإجابات عن هذا السؤال باتجاهين عريضين: الاتجاه الأول ديني وميتافيزيقي يعدّ أن معنى الحياة يكمن في مبدأ ما وراء العالم الفيزيقي؛ يمكن أن يكون الله. إذن؛ كل أفعالنا تأخذ معناها نسبة إلى حكم يمكن أن يكون بعد الموت أو في أي لحظة في الحياة، ويحدد نوعية الحياة بعد الموت والحياة الأبدية أو التناسخ أو التقمص. أما الاتجاه الثاني فيتمثل في أنصار المذهب الطبيعي وفي الماديين وأصحاب نظرية الفيض. وهنا يمكن أن نجد تفسيرات كثيرة ممكنة: إن معنى الحياة الفردية يعود فقط إلى النوع، يعني إلى إعادة التناسل، والباقي هو مجرد وهم. وفي الأساس؛ الحياة لا تتمتع بأي معنى؛ أي إنها عبث. وبالتالي؛ فإن محدودية الإنسان تبقى جذرية؛ لأن الموت هو نهاية كل شيء وإعدام للشخص ولمعنى حياته. ولكنه يمكن أن يقترب من غائية نسبية. وأيضاً يمكننا اعتبار أنه يعود إلى الأفراد أن يبنوا جماعياً معنى لحياتهم. ولكن الفيلسوف الفرنسي موريس بلونديل وضع جسراً بين التصورين السابقين للعالم مستعرضاً الفضائل التي يجدها في العمل بالمعنى الواسع: «الربط بين التلازم وبين المفارقة».

ولكن هل مسألة معنى الحياة مطروحة على المستوى نفسه عند كل البشر؟ وهل يتم طرح مسألة المعنى انطلاقاً من حياة الفرد أو من معنى الحياة بذاتها؟ في الواقع، هناك أناس نصادفهم فنجدهم غير آبهين بأي معنى لحياتهم ولا للحياة عموماً. وهذا ينطبق على حالات اجتماعية مختلفة؛ مثل الأم التي فقدت ابنها الوحيد، أو الزوجة التي فقدت زوجها في الحرب، أو التي فشلت في حياتها الزوجية، أو الشاب الذي فشل في تحقيق أحلام عائلته، أو الأب الذي ضحّى في سبيل عائلته من دون أن يحصل على نتيجة ترضيه. في هذه الحالات يمكننا القول: «الحياة لم تعد تستحق العيش». إن علماء النفس يتفقون على أن الطريقة الوحيدة لإخراج هؤلاء البشر من حالاتهم تكمن في كسر حلقة العزلة التي وضعوا أنفسهم فيها. باختصار؛ سواء آمن الفرد بالله أم لم يؤمن، فسوف يجد شفاءه في الحب. أما السبيل الآخر لمساعدة هؤلاء الأشخاص المجروحين والمتوحدين فيكمن في مساعدتهم على العمل عبر مجموعات للتواصل والحديث، أو عبر جلسات علاج شخصية، وهذا ما يجعلهم يدركون أنهم ليسوا وحيدين، وهذا ما يساعدهم في الخروج من عزلتهم ويصبحون قادرين على مساعدة غيرهم.

إذن؛ عندما تبدو الحياة للإنسان من دون معنى، فسوف يجد نفسه يلجأ إلى الإيمان بالله، والإيمان بالآخرين، وبنفسه، وهذا ما يسمح له بالشعور من جديد بأنه كائن حي، وقد يكون متألماً، ولكنه يبقى حيّاً.

في الختام؛ قد يمكننا القول إن معنى حياتنا يتأثر بمعايير وموازين الثقافة المسيطرة في مجتمعنا. وقد يحدث أن يكون معنى الحياة متعدداً ضمن المجتمع أو الوطن الواحد، متأثراً بالتعددية الثقافية وبالخلفيات الدينية والمذهبية، كما يحدث في البلد الصغير لبنان؛ المتكون من طوائف ومذاهب مختلفة لكل منها ثقافته الاجتماعية، حتى وصل الأمر بالبعض إلى المطالبة بإقامة نظام فيدرالي حيث يتمتع كل فريق بمعنى الحياة الذي يتلاءم مع ثقافته الدينية والاجتماعية والسياسية والقومية. في الواقع، إذا نظرنا إلى المجتمعات المعاصرة، فسنرى بوضوح الفرق بينها في موضوع المعنى الذي تعطيه للحياة ولطريقة عيش هذه الحياة. وهذا يعود بشكل أساسي إلى تعدد الثقافات في المجتمع الواحد وفي المجتمعات المختلفة المتوزعة بين الشرق والغرب. وبالتالي؛ يمكننا القول إن معنى الحياة يصبح متعدداً من خلال موازين القيم الثقافية المسيطرة في المجتمعات البشرية.

***

د. حسن منصور الحاج

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: نُشر: 14 أغسطس 2023 م ـ 28 مُحرَّم 1445 هـ

الفيلسوف السويسري يهاجم الغرب والعولمة الرأسمالية

يعد جان زيغلير (المولود عام 1934) أحد المفكرين ذوي الضمائر الكبرى في عصرنا. وهو فيلسوف ومسؤول سياسي ونائب سويسري في آن معاً. كما أنه موظف عالمي كبير لأنه كان مقرر الأمم المتحدة لشؤون التغذية في العالم لمدة ثماني سنوات (2000-2008). وهو الآن نائب رئيس اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وكان قد نشر سابقاً عدة كتب لافتة للانتباه. نذكر من بينها: «الكتاب الأسود للرأسمالية»، «الجوع في العالم مشروحاً لابني»، «أسياد العالم الجدد وأولئك الذين يقاومونهم»، «إمبراطورية العار» (أي إمبراطورية الرأسمالية الغربية والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات التي تجوع سكان الجنوب وترهق دولهم بالديون وتركعهم تركيعاً)، و«حق الإنسان في التغذية»، و«لماذا يكره الآخرون الغرب؟»، و«أسلحة الدمار الشامل: جغرافية الجوع في العالم»، ثم «الرأسمالية مشروحة لطفلتي الصغيرة»، إلخ... مجموعة كتب أساسية تفضح حقيقة الرأسمالية المتوحشة وتشرح خريطة الجوع المجرم الذي يفتك بالعالم حالياً.

يقول لنا المؤلف إن هناك نظريتين متعاكستين عن الرأسمالية: نظرية المؤرخ الهولندي الشهير روتجير بريغمان ونظريته هو. فالمؤرخ الهولندي يدافع عن الرأسمالية قائلاً ما معناه: طيلة 99 بالمائة من تاريخ العالم كان 99 بالمائة من البشر فقراء مدقعين، جائعين، وسخين، أغبياء، قبيحين، مريضين... ولكن كل شيء تغير خلال القرنين الماضيين مع صعود الرأسمالية. فقد أصبح عدة مليارات من البشر بفضلها أغنياء، مرفهين طعاماً وملبساً، نظيفين، آمنين، وأحياناً جميلين!.. بل وحتى أولئك الذين ندعوهم بالفقراء أصبحوا يأكلون ويشربون ما يسد الرمق وما عادوا يموتون جوعاً. وهذا يعني أن النظام الرأسمالي هو أفضل نظام اقتصادي عرفه تاريخ العالم. لم يؤمن للبشرية فقط رفاهية العيش وإنما أمن لها أيضاً الحرية والليبرالية.

كم هو عدد الذين يموتون جوعاً في العالم حالياً؟

لكن جان زيغلير يرد عليه قائلاً: هذه النظرية خاطئة تماماً، وذلك لأن العكس هو الذي حصل في ظل الرأسمالية. وأنا أقول بأن النظام الرأسمالي مسؤول عن جرائم لا حصر لها ولا عد. ففي كل خمس ثوان يموت طفل ما قبل العاشرة من الجوع. قلت كل خمس ثوان وليس كل خمس دقائق أو خمس ساعات. كل عام يموت ثلاثة ملايين ونصف المليون طفل جوعاً، أي بمعدل عشرة آلاف كل يوم. وكل أربع دقائق يعمى شخص ما بسبب انعدام فيتامين أ. وكل عام يموت ثلاثون مليون شخص من الجوع. ومئات الملايين الآخرين يعيشون على حافة الجوع: أي يعانون من سوء التغذية وقلتها. وكل ذلك يحصل في وقت لم تكن فيه البشرية مكتظة بالثروات مثلما هي عليه اليوم. هنا تكمن جريمة الرأسمالية الغربية أو العولمة الرأسمالية سمها ما شئت. فالمنظمة العالمية للتغذية قالت لنا بالحرف الواحد: ثروات العالم تستطيع حالياً أن تطعم 12 مليار شخص بكل سهولة. وبما أن عدد سكان العالم حالياً أقل من 8 مليارات آدمي فنحن نطرح على قادة العولمة الرأسمالية والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات السؤال التالي: لماذا تموت الملايين جوعاً، بخاصة في بلدان الجنوب؟ من المسؤول عن هذه الجريمة النكراء؟ لهذا السبب رفعنا الشعارات التالية: الجوع هو أكبر فضيحة في عصرنا. الجوع هو أحد أسلحة الدمار الشامل الكبرى التي لا يتحدث عنها أحد. الجوع جريمة ضد الإنسانية. والمسؤول عنها هو نظام العولمة الرأسمالية الذي يتحكم بالعالم حالياً. وقادة العالم حالياً هم رؤساء الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات. وهم أشخاص لا هم لهم إلا تراكم الأرباح والرساميل في جيوبهم. ولهم ممثلون مرتزقة يعششون في أوساط منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. وأنا كشفتهم شخصياً وفضحتهم وأعرفهم بالاسم بحكم تجربتي وموقعي في الأمم المتحدة.

ثم يضيف الفيلسوف السويسري الشهير قائلاً: ينبغي أن يعلم الجميع الحقيقة التالية: هناك أكثر من 8 مليارات شخص على وجه الأرض حالياً: ثلثاهم يعيشون في بلدان الجنوب الفقيرة عموماً قياساً إلى بلدان الشمال الأوروبي – الأميركي المكتظة بالثروات الفاحشة. هناك حوالي الـ5 مليارات شخص يعيشون هناك في الجنوب. من بينهم يعيش مئات الملايين تحت خط الفقر المدقع. إنهم يعيشون في ظروف مرعبة لا تليق حتى بالبهائم. الأمهات خائفات يومياً من عدم القدرة على طبخ أي شيء لأطفالهن. إحدى الأمهات في دولة فقيرة كانت تطبخ البحص وتعلل أطفالها به ساعة بعد ساعة وهي تبكي! وهم ينتظرون الطعام ولا يعرفون أنها تطبخ البحص! وهي تراهن على أنهم سوف ينعسون وينامون في نهاية المطاف. ولكن كيف ينام من هو يتضور جوعاً؟ الجوع كافر. هذه أشياء ينبغي أن تقال حتى ولو كانت تمزقك من الداخل تمزيقاً. شكراً للبروفيسور جان زيغلير وألف شكر. إنه حفيد جان جاك روسو حتماً. وهو على أي حال سويسري مثله. وأما الرجال أو الآباء فلا يجدون عملاً. ولذلك يشعرون بالخجل أمام زوجاتهم وأطفالهم. يشعرون بالخجل والعار لأنهم في حالة بطالة دائمة. يشعرون بأنهم فقدوا كل قيمتهم كرجال...

الخلاصة: لقد خلقت الرأسمالية نظاماً حيوانياً مفترساً آكلاً للحوم البشر. فالثروة من حظ سكان الشمال أو أغلبيتهم، وأما البؤس المدقع القاتل فمن حظ الأكثرية العائشة في بلدان الجنوب إلا من رحم ربك..

مدح الرأسمالية بعد ذمها!

على الرغم من كل هذه الحملة الشرسة على الرأسمالية إلا أن فيلسوفنا السويسري يعترف لها بميزة واحدة: وهي أن نظام الإنتاج الرأسمالي هو بدون أدنى شك النمط الأكثر ديناميكية، والأكثر إبداعاً وابتكاراً في تاريخ البشرية. لقد ولدت الرأسمالية طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين عدة ثورات رائعة متتالية كالثورة الصناعية والعلمية والتكنولوجية. وتوجت أخيراً بالثورة المعلوماتية الإلكترونية من إنترنت وسواه. وأمنت هذه الثورات رفاهية حقيقية لأغلبية سكان الشمال، ولكن فقط للطبقات القائدة والعليا في الجنوب. وكل المخترعات الطبية والصيدلية تحققت بفضل الرأسمالية. بل وحتى اكتشاف أجواز الفضاء وأعماق البحار... إلخ. لقد جيشت الرأسمالية المواهب الإبداعية في كل المجالات. كما لعبت على وتر المنافسات والمسابقات بين البشر لكي يعطوا أفضل ما عندهم. وخلق نظام الإنتاج الرأسمالي ثروات هائلة لم تكن تحلم بها البشرية من قبل مجرد حلم. كل هذا صحيح. ولكن المشكلة ليست هنا. المشكلة هي أن هذه الثروات محتكرة من قبل أوليغارشية مصرفية صغيرة (الأوليغارشية تعني حكم القلة أو الأقلية). يضرب الفيلسوف السويسري على ذلك المثل التالي: هناك 500 شركة عالمية عابرة للقارات. وقد سيطرت عام 2017 على أكثر من نصف الإنتاج الخام للبشرية كلها. إن أرباب هذه الشركات العملاقة يتمتعون بسلطة هائلة تفوق سلطة الأباطرة والملوك والبابوات سابقاً. وأمامهم ينحني رؤساء الدول وزعماء العالم. إنهم قادة العولمة الرأسمالية الظافرة والجائرة. لقد أسست هذه الأوليغارشية الرأسمالية المعولمة نظاماً جائراً آكلاً للحوم البشر. ولو كان فيهم ذرة أخلاق أو أدنى نزعة إنسانية لما قبلوا بأن يجوع ويهان ربع سكان العالم تقريباً. وكل ذلك يحصل تحت سمعهم وبصرهم ولكنهم لا يرون ولا يبالون بعد أن ماتت فيهم الأحاسيس والضمائر. إنها رأسمالية باردة صقيعية مفرغة من كل شعور أو حرارة إنسانية. ولا سميع لمن تنادي. وهنا يكمن أكبر نقص في الحضارة الغربية الحالية.

يقول لنا البروفيسور زيغلير: هناك ألف ملياردير في العالم حالياً أو أكثر قليلاً مقابل 25 مليارديراً فقط عام 1991. وهناك من بينهم 8 مليارديرات يمتلكون ثروة هائلة ذات أرقام فلكية. وهي تعادل ثروة 4 مليارات شخص تقريباً. تصوروا الوضع: ثمانية أشخاص مقابل أربعة مليارات شخص! أو بكلمة أخرى: أربعة مليارات آدمي مقابل ثمانية حرامين فقط! كيف يمكن لهذا العالم ألا ينفجر؟ ما حاجة هؤلاء «التماسيح» لكل هذه المليارات؟ هل سيحملونها معهم إلى قبورهم؟ أين هي الفلسفة الأخلاقية؟ أين هي القيم الروحية والمثالية العليا؟ كيف يمكن لحضارة كهذه أن تستمر؟ وأصلاً هل من المعقول والمقبول أن تُدعى حضارة؟ لا حضارة بدون نزعة إنسانية تضامنية تحترم آلام الشعوب وترفض تجويعها حتى الموت!

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم:  16 أغسطس 2023 م ـ 30 مُحرَّم 1445 هـ

المشكلة تكمن في المغالاة المرافقة لرغبة التعبير عن الهوية الذاتية

ترتسم أمامنا في الإعلام العالمي ووسائل الاتصال الاجتماعي مشاهد التطرف المقيت الذي يصيب جميع المجتمعات الإنسانية، الغربية منها والشرقية على حد سواء. حين ينظر المرء في أسباب هذا التطرف يدرك أن الوعي الثقافي المحلي مصاب، في أغلب الأحيان، بأزمة الرهبة من الاختلاف. ومن ثم، أعتقد أن الناس يخافون من الآخر الثقافي الذي لا يلائم تصوره التصور السائد في الجماعة التي ينتمون إليها. والحال أن الجميع يعلم استحالة صهر أهل الأرض في بوتقة ثقافية واحدة حتى يستكين الخائفون من رهبة الاختلاف.

أعتقد أن المشكلة ليست في الاختلاف الثقافي، بل في المغالاة التي ترافق رغبة التعبير عن الهوية الذاتية. لذلك ينبغي النظر في مظاهر التطرف التي تعصف بهوياتنا الثقافية، حتى ندرك مقدار الأخطار الجسيمة التي تتربص بالإنسانية المعاصرة. قبل أن أخوض في تحليل ثلاثة مواقف تعبيرية متشنجة تهيمن على المشهد الإعلامي العالمي، أود أن أستحضر مقولة الوسطية الفلسفية التي نادى بها الفيلسوف الإغريقي أرسطو (384 ق.م. - 322 ق.م.) حين صرح بأن الفضيلة الأخلاقية تقوم في الوسط (in medio stat virtus)، أي في الاعتدال الذي يجتنب التطرف. ومن ثم، تنزل الشجاعة منزل التوسط بين تطرف التهور وتطرف الجبن، وينزل الكرم منزل التوسط بين تطرف التبذير وتطرف البخل. وهكذا دواليك حتى يبلغ الإنسان نضج الاعتدال في فكره وقوله وفعله.

كيف يمكننا اليوم أن نطبق هذه النظرية في معترك التصارع على إثبات أعظمية الهوية الذاتية وأحقية امتلاك موارد الأرض الاستراتيجية أو، على أضعف الإيمان، الاستئثار بإدارتها؟ أظن أن مسار التحدي الإقصائي الخطير الذي تسلكه المجتمعات في الزمن الراهن لن يفضي إلا إلى الاحتراب والإفناء. لذلك يجب على الجميع أن يعيدوا النظر في منظوماتهم الثقافية، حتى يستجلوا مواضع التطرف ويعالجوا الانحرافات الطارئة المنبثقة من ذهنية المغالاة في الدفاع عن أعظمية الهوية الذاتية. الفرق شاسع بين الابتهاج بفرادة الخصوصية الثقافية، والافتخار الاستعلائي بصلاحيتها الكونية القاهرة. ليس من هوية ثقافية محلية تصلح لجميع الناس. وليست المجتمعات مستعدة لاقتبال غزوة الهويات المنتفخة المصرة على ادعاءاتها الاستكبارية.

أعود إلى مقولة الوسطية الفلسفية الأرسطية، فأقترح تطبيقها على ثلاث قضايا خلافية تعصف بالمجتمعات الإنسانية المعاصرة. تتعلق القضية الأولى بتعريف هوية الإنسان وتحديد عناصر جوهره الأنثروبولوجي. يعلم الجميع أن بعض المذاهب اليسارية المتطرفة في المجتمعات الغربية أضحت تنكر على الكائن الإنساني حقه في التمتع بما انفطر عليه كيانه البيولوجي من قوام أصلي. تصعقنا، والحال هذه، مشاريع القوانين الغربية التي تمنع الأهل عن أن يعاينوا جنس أطفالهم، ويعاملوهم بحسب ما نشأت عليه ذكورتهم الأصلية أو أنوثتهم الأصلية. إذا كانت الطبيعة الهرمونية، في بعض الأوضاع النادرة، شديدة الترجح والتذبذب، فلا يستتبع هذا الأمر أن نستصدر القوانين التي تحرم قبول هبة الاصطفاء الجنسي الطبيعي العفوي في هوية الكائن الإنساني. في مقابل هذا التطرف تعمد بعض المجتمعات الشرقية الآسيوية العربية إلى قمع الحرية الكيانية الأصلية التي تسوغ لكل واحد منا أن يطور شخصيته، سواء أكانت ذكرية أم أنثوية، تطويراً يخالف ما اعتنقته هذه المجتمعات من معتقد سائد، وما تعودته من أعراف مهيمنة، لاسيما في حقل العلاقات الجنسية. بين المغالاة الغربية والمغالاة الشرقية ثمة وسط فضائلي اعتدالي ينبغي الاعتصام به؛ إذ إنه يملي على الجميع احترام الهوية البيولوجية الأصلية، وصون الحرية الكيانية التي تنمي الشخصية الذكرية والأنثوية إنماء وجدانياً مغنياً.

أمضي إلى القضية الثانية التي تتعلق بحرية المعتقد. تصر المجتمعات الغربية على مبدأ الحرية الفكرية المطلقة التي تبيح لكل إنسان أن يعبر عن اقتناعاته تعبيراً يبلغ ببعض الأفراد مستوى من الاستهتار والعبثية يفضي به إلى إهانة الرموز الدينية. أما المجتمعات الشرقية الآسيوية العربية فما برحت تحاذر الحريات الاعتقادية، فتمنع النقاش الفكري الحر، وتحظر تغيير المعتقد الديني على الملأ، وتستنكر الانتقادات الإصلاحية التي يصوغها أهل الاستنارة العقلية المزدانة بأصفى النيات وأخلصها. لا بد لنا، والحال هذه، من رفض الحريات التي تهين معتقدات الآخرين، واستنكار الاستبداد الذي يعتقل حريات الآخرين أيضاً. بين المغالاة الغربية في استباحة وجدان الآخر، والمغالاة الشرقية في قمع حريته الكيانية، ثمة وسط فضائلي اعتدالي ينبغي الاستمساك به؛ إذ إنه يفرض على الجميع مراعاة حقائق الوجدان الجماعي الثمينة، وصون حرية الكائن الإنساني في طاقاتها الإصلاحية البناءة.

أما القضية الثالثة فترتبط بمقام المرأة في الأزمنة المعاصرة. لا يخفى على أحد من أهل الاطلاع، الإسرافُ الذي تقع في حبائله المجتمعات الغربية، وقد طفقت تحرر المرأة من كل ما يقيدها، حتى بلغ التحرر مستوى من الإلغاء الكياني جعل المرأة ترفض أنوثتها ورقتها وأمومتها، أي دعوتها الوجودية وخصوصيتها الرسالية وفرادتها الاجتماعية. لا يجوز أن تتحول الحرية الجنسية، على سبيل المثال، إلى تعطيل الهوية الأنثوية تعطيلاً يجعل المرأة تتصرف تصرف الرجل، ويجعل الرجل أيضاً يتصرف تصرف المرأة. يقابل هذا التطرف تصور ثقافي شرقي آسيوي عربي يقيد المرأة ويحبسها في أحكام فقهية وأعراف مسلكية وأنماط لباسية لا تليق بكرامتها الإنسانية الأصلية. بين الغلو الغربي والتصلب الشرقي ثمة وسط فضائلي اعتدالي يليق التقيد به؛ إذ إنه يصون في المرأة حقيقتها الأنثروبولوجية الفريدة، ويعتقها في الوقت نفسه من أوهام الاستعلاء البطريركي الذكوري السلفي.

ذكرتُ القضايا التطرفية الثلاث هذه لأبيّن مقدار الالتباس الذي يجعلنا نخلط بين فرادة الخصوصية الثقافية، والحد الأدنى من أخلاقيات صون الحقوق الإنسانية الأصلية. إذا انبرى بعض الشبان والشابات المستيئسين يقرّعون أهلهم على هبة الحياة، ويقاضونهم أمام المحاكم على جريمة استقدامهم إلى الوجود بغير إرادتهم، فهل يجوز لنا أن نساير تشنجات وجدانهم المعذب ونشرع لهم أصول المحاكمة الظالمة هذه؟ لأسباب شتى نشأت الهويات الثقافية ونمت وتطورت، بحيث أضحت تعبر عن وجدان جماعات أهل الأرض. بيد أن أصول المعاملات بين الناس يجب ألا تخضع لأقبح ما في هذه الثقافة أو تلك، بل لأبهى ما تختزنه الثقافات الإنسانية المتنوعة. يبقى لنا أن نتفق على معايير القبح والبهاء في الثقافات الإنسانية. أعتقد أن نضج الوعي الكوني أفضى بالجميع إلى استحسان ضمة من فضائل الاعتدال التي تنقذ بعض الناس من غلواء تطرفهم، وتفضي ببعضهم الآخر إلى استثمار أعظم طاقات الإبداع في قرائن التسالم الحضاري الكوني. آن الأوان لكي نكف عن الانتصار العنفي لهوياتنا المتشنجة؛ إذ إن إقناع الآخرين بصوابية تصورنا لا يثمر في وعيهم الذاتي إلا إذا عاينوا رفعة المسلك الإنساني الطيب الذي يرافق مرافقة التصديق ما نعتنقه علانية من اقتناعات أخلاقية حميدة.

***

مشير باسيل عون - باحث لبناني

عن صحيفة الشرق الأوسط: نُشر: 6 أغسطس 2023 م ـ 20 مُحرَّم 1445

يلفت انتباهنا الفيلسوف بول ريكور في كتابه «الذاكرة.. التاريخ.. النسيان» إلى جانب مهم يخص تاريخ الفكر الغربي، خصوصًا ما يتعلق منه بفكر عصر الأنوار، فقد كانت سهام النقد، في ذلك العصر، موجهة بصورة مباشرة، إلى كل فكر ظلامي، يرتكز على التطرف والتعصب الديني، والخرافات والاعتقادات التي تتعارض مع العقل الإنساني، والدفاع في نفس الوقت عن الحريات بالأخص منها الحريات الدينية.

لقد كان التنويريون شرسين تجاه محاربة كل مظاهر هذا الفكر، وكانت سهام نقدهم تصل إلى العمق. بينما في العصر الراهن تغيّرت وجهة النقد تمامًا وصار الشك والارتياب سمة بارزة فيه، وأصبح لا يبقي على كل اعتقاد أو إيمان إلا وسعى إلى تفكيكه أو الشك في صدقه أو حقيقته.

لذلك لا يخفى على كثيرين الهجمات الشرسة التي قامت ضد كل فكر كان ينطلق من مسلمات دينية أو معتقدات لها صلة وثيقة بمفاهيم دينية.

وبول ريكور حين يبيّن الفرق بين وظيفة النقد وتوجهاته بين عصر الأنوار، والعصر الراهن، يعلم فداحة الأمر الذي أوصل الفكر النقدي الغربي إلى مرتبة الأسطورة بمسلماته التي لا يقابلها في المرتبة سوى مسلمات الفكر الديني، الذي سعى هو إلى محاربتها. هذه الفداحة لم تترك للفكر الديني خيارا آخر، سوى أن ينهض ويدافع عن نفسه، بل اضطرارا تارة، ورغبة تارة أخرى، سعى إلى تجديد خطابه، وجعله مسايرا للفضاء العلماني للمجتمعات الغربية، أو بمعنى أصح أصبح متصالحا معه.

لقد ظل الفضاء العلماني الغربي يستبعد الدين عن مجال تفكيره، وكانت تحرك هذا الاستبعاد قناعة سيطرت على جُل المفكرين والفلاسفة، رغم اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وتخصصاتهم، وهي أن الدين سيفقد شرعية وجوده مع تطور المجتمعات وتقدمها، وليست سوى مسألة وقت وينتهي كل شيء.

كانت الانعطافة الكبرى حدثت بعد فترة السبعينيات في القرن العشرين، حيث بدأ الدين وتأثيراته يعود بقوة، وأصبح الإقبال عليه والتمسك به يشكل ظاهرة لافتة للنظر في المجتمعات الغربية، وأصبحت مسائل من قبيل الهوية والعدل والحريات والأخلاق تفرض نفسها في المجال العام، انطلاقا من علاقتها بالدين، وأصبح رجل الدين والمسجد أو البابا والكنيسة له تأثيراته على صنع القرارات السياسية ورجالات الدولة. والسؤال هنا: ماذا كان موقف الفضاء العلماني منه؟ هل ظل على قناعته التي توارثها من عصر الأنوار، أم عمل على إزاحتها كي تستوعب التبدلات والتغيرات التي حصلت؟

هذا الرجوع سبب صدمة للفكر العلماني الغربي. لكنه لم ينفِه أو يهمشه، وهذه إحدى الميزات الكبرى للفكر الغربي، قابليته واستعداده للحوار والنقاش. لذلك كانت القوة المدهشة التي كان يمتلكها الخطاب الديني في إضفاء المعنى على حياة الإنسان، وبروزه بوصفه هوية له يتحرك من خلالها في مجاله العام وعلاقاته في الأخلاق والسياسة والاجتماع، هي التي جعلت المفكرين العلمانيين يسعون لفهم هذه الظاهرة، واستيعابها، حتى أنهم بعد التقصّي والبحث أوجدوا كثيرًا من المبررات التي ترتكز عليها في تبنّي بعض القناعات، من قبيل أن فضاء الفكر العلماني هو خارج من فضاء الدين المسيحي، لم ينقطع عنه البتة. والصلة التي تجمعهما أكبر من الصلة التي تفرقهما. من هذا المنطلق قامت كثير من الدعوات، وأطلقت كثير من المقولات التي تطالب بعدم اقتصار فهم الدين في مجاله الفردي فقط، وإنما ينبغي معاملته كما تعامل السياسة والأخلاق والعلم على اعتبار أن خطاباتها تشتمل على القوة والمنفعة، والخطاب الديني لا يختلف عنها في ذلك.

وفي هذا الإطار بدأت تتشكل الدراسات التي تعتني بالظاهرة الدينية، وأخذ المفكرون، على اختلاف توجهاتهم، ينتجون النظريات تلو الأخرى، ويقترحون على الفكر ما يغني الموقف، ويعمّق الرؤية، ويوسع الإدراك.

***

محمد الحرز

عن صحيفة اليوم: 2023/08/10

ليست صورة الغرب عند العرب شيئاً خارجيّاً. فهم حين يُبدون رأياً بالصين أو بأفريقيا أو بروسيا، يكون هذا الرأي خاصّاً بتلك البلدان والقارّات دون سواها، فلا يحمل بالتالي أيّ تحدٍّ لذواتهم أو أيّة محاكمة لها، كما لا ينطوي على مقارنة ضمنيّة أو على قياس يُقاس عليه.

مع الغرب الأوروبيّ والأميركيّ يختلف الأمر، فنكون عند حديثنا عنه كمن يتحدّث عن نفسه ولو مداورةً. وهذا عائد إلى سببين أساسيّين ومترابطين: أوّلهما أنّ البلدان الغربيّة سبق أن استعمرتنا أو انتُدبت علينا، بعد أن ورثت الإمبراطوريّة العثمانيّة التي انهارت قبل قرن ونيّف. أمّا بعد الاستقلالات، فاخترنا واحداً من نهجين حيال الغرب ودوله: عند القلّة، أقصى الصداقة معها، وعند الكثرة، أقصى العداوة لها. وكان للدعم الغربيّ لدولة إسرائيل (علماً بأنّ الشرق الشيوعيّ دعمها أيضاً) أن شحذ ما هو سلبيّ من المشاعر العربيّة. لكنْ في الحالتين، ظلّ الموقف يغلب التمحيص والتمييز والمتابعة.

وبدوره اتّصل السبب الثاني بموقع الغرب المركزيّ في صناعة العالم الحديث، وفي عداده بالطبع ما هو حديثٌ فينا. ومن خلال تأثيره في الحديث، فإنّه كان يؤثّر أيضاً في القديم لدينا، ممّا انتابه إحساس متوتّر يمتدّ من الاستفزاز إلى الحصار والتطويق.

هكذا ازدهر مبكراً تساؤل مثقّفينا الشهير عن تقدّم الغربيّين وتأخّرنا، وعن «سرّ» تفوّق الغرب وما إلى ذلك ممّا لم يُطرح على الصلة بالأمم والشعوب الأخرى.

لكنْ لئن شكّل الموقف من الغرب سبباً لتفاوت داخليّ ما بين المعجبين بذاك النموذج، وأحياناً بسياساته، والكارهين له ولسياساته، فإنّه استند إلى معرفة به يطغى فيها الخارجيّ طغياناً مبرماً على الداخليّ. فالاكتراث بالغرب عند كارهيه دار أساساً حول السياسة الخارجيّة، لا سيّما حيال منطقتنا. أمّا عند مُحبّيه فاقتصر على نتائج التقدّم الغربيّ وثماره وأشكاله، من دون التعامل مع أسبابه والمسارات التي رافقت بلوغ محطّاته الراهنة.

هكذا ظلّت قراءة الكتاب ومشاهدة الفيلم أو المسرحيّة عملاً جزئيّاً، وبمعنى ما مهنيّاً، نادراً ما يُربط بالتجربة الأعرض التي يتناولها الكتاب أو العمل الفنّيّ، أو ينبثقان منها.

وبات التناقض الأبرز هنا ما بين داخليّة العلاقة بالغرب وحميميّتها من جهة، وخارجيّة المعرفة به من جهة أخرى. فديناميّات تطوّره ونظامه الاقتصاديّ وتاريخ مؤسّساته وأفكاره ومنظومات العلاقة فيه بالجسد وسواها لم تحظ بما تستحقّه من اهتمام.

وهذا قبل أن تضيف دراسات الاستشراق معادلة «لا نريدهم أن يعرفونا» إلى معادلة «لا نريد أن نعرفهم».

والحال أنّ نظام القيم بتاريخه وصراعاته كان وظلّ أكبر ضحايا الجهل بالغرب الداخليّ، أو الغرب العميق إذا صحّ التعبير. فالأسباب التي فاقمت أزمة التعرّف إلى القيم كانت كثيرة، في عدادها ذاك التنافر في سلوك الدول الغربيّة بين السياسة الخارجيّة وسياسات القيم، خصوصاً إبّان الحرب الباردة.

فتلك الحقبة التي احتلّ فيها التنافُس المُرّ مع الشيوعيّة مرتبة الأولويّة هي نفسها الحقبة التي شهدت ولادة معظم الدول المستقلّة في «العالم الثالث» واختبارها للسياسة والعلاقات الدوليّة. وهذا إنّما سهّل قراءة الغرب بأعين غير غربيّة توحّد السلطات كلّها في السلطة السياسيّة، فترى مثلاً في ما يكتبه الإعلام، أو ما يقدم عليه فرد يحرق المصحف، تعبيراً عن سياسة رسميّة مُجمَع عليها.

وفضلاً عن ضعف التقليد الديمقراطيّ، فإنّ الحظّ العاثر للديمقراطيّة في ربوعنا، وهي ما ينظم عقد تلك القيم، زاد في إضعاف القيم المذكورة ذاتها. وبالنتيجة بات يبدو أنّ كلّ تراجع يصيب الديمقراطيّة في المعسكر الديمقراطيّ أشبه بجائزة لنا أو باعتراف بأنّنا مُحقّون وأنّنا قطعاً لسنا في موقع المهزوم سياسيّاً أو المتعثّر أخلاقيّاً. وفي المقابل، فإنّ النزاعات بين دول «العالم الثالث»، على كثرتها، نادراً ما كانت معنيّة بالقيم التي لم تحتلّ، هذا إذا احتلّت، سوى موقع ثانويّ أو دعائيّ.

وربّما وجدنا إذا ما توغّلنا أبعد أنّ سرديّة الوحدة العاطفيّة التي نسبغها على تاريخنا وواقعنا تغاير السمة الصراعيّة للتاريخ الغربيّ، والموقع المركزيّ الذي احتلّه التنازع على الحقوق فيه، وهما ما سبق أن وضع النساء في مواجهة الرجال، والعمّال في مواجهة أرباب العمل، والملاحدة في مواجهة المؤمنين... ولئن كان من السهل إدانة هذه الصراعيّة عند اقترانها بالشيوعيّة (والإلحاد)، فإنّ اقترانها بالرأسماليّة يجعل الخصوصيّات الحياديّة والطبائع والتربية والأخلاق مُرتَكز الإدانة وأساسها.

ولمّا كان مَن تستهويهم عندنا سياسات الغرب ومن لا تستهويهم يتّفقون على مواقف متشابهة حيال نظام القيم ذاك، فإنّهم حين يتناولونه لا يتوقّفون عند تاريخه وتاريخ الانقسام حوله داخل الغرب ذاته، مفضّلين النظر إليه كمعطى جامد ونهائيّ يُعرف به الغربيّون، معطى يعاكس المعطى الجامد والنهائيّ الذي هو نظام قيمنا.

وبالنتيجة، ومع تراكم هذه العناصر، وفي ظلّ التقلّبات السياسيّة، ومعها المطامح السلطويّة، زادت القدرة على التحكّم بصناعة الصورة، بحيث غدا المصنوع أقوى من صانعه. وعلى النحو هذا نمضي ونتمدّد...

***

حازم صاغية

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأربعاء 2 أغسطس 2023 - 16 مُحرَّم 1445 هـ

البشر أدمنوا عليها فأصبحت أول ما يبتدئون به نهاراتهم وآخر ما ينهونها به

خلال أقل من 24 ساعة على إطلاق تطبيق «ثريدز» الجديد المنافس لـ«تويتر» التحق به ثلاثون مليون مشترك يعتقد أن غالبيتهم الساحقة من مشتركي تطبيق «تويتر» أصلاً. وتطمح شركة «ميتا»؛ صاحبة التطبيقات الشهيرة «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، إلى إزاحة تطبيق «تويتر» عن عرشه الذي بقي عليه دون منافس جديّ بعدد مشتركين يصل اليوم إلى نحو 370 مليوناً.

ولعّل اللافت في هذا الإقبال الهائل أن التطبيق الجديد لا يقدّم أي ميزات نوعيّة عن تطبيق «تويتر»، فيبدو كأنه نسخة مقلدّة من موقع التغريد الأزرق، ولا يمنح مشتركيه منصّة أقل انحيازاً بحكم خبرتنا الطويلة مع «فيسبوك» الذي يماثل؛ إن لم يفق، «تويتر» في الفجاجة في مصادرة الآراء؛ بل والصور أحياناً، كما أن أحداً لم يترك «تويتر» فيما يبدو ليلتحق بـ«ثريدز»؛ بل استمر التطبيقان؛ كل إلى جوار الآخر، على الأجهزة الذكيّة لملايين البشر. ولذلك يحق لنا التساؤل عن دافع هذه الملايين لإضافة «تويتر» آخر جديداً إلى جانب «تويتر» الأصلي؟ لقد أحدث ظهور الإنترنت وما لحق بها من تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي ثورة معرفيّة عبر تعميم وسائل استعادة المعلومات إلى أعداد غير مسبوقة في التاريخ البشري وتسهيل صيغ التواصل فيما بينهم؛ الأمر الذي دفع ببعض المتفائلين منا لتوقع قيام «يوتوبيا رقميّة»، تعوض أحلامهم المنكسرة بعدما تعثرت كل المحاولات لتأسيس «يوتوبيات ماديّة» على الأرض، فتكون بمنزلة فضاء معولم للحريّة والمساواة. لكن هذه التوقعات الساذجة لم تلبث - خلال وقت قصير لا يتجاوز عمر جيل أو جيلين - أن تحطمت على جدار «ديستوبيا مريرة ساخرة»؛ إذ إن عدداً محدوداً من شركات التكنولوجيا المتطورة عززت هيمنتها على العالم السيبراني، وحوّلت منصاتها إلى آلات لانتزاع الأموال من المستهلكين؛ إنْ ليس مباشرة، فمن خلال بيع معلومات الاستعمال لمن يرغب من الشركات والحكومات، بل ولمنظمات مشبوهة أيضاً، في اعتداء سافر على خصوصية المشتركين، ومعلوماتهم، ووقتهم. وتآكلت لاحقاً الآمال في إنترنت مجانيّ يتيح للبشر التلاقي على صعيد واحد بغض النظر عن قدرتهم الماليّة، بعدما أصبح الوصول إلى كثير من التطبيقات والمواقع متعذراً دون دفع بدل ماديّ، فيما يتطلّب بعضها مقابل الاستعمال المجانيّ التعرّض الطوعيّ لغسل دماغ من قبل شركات الاستهلاك، ومشاهدة دفق إعلانات متكرر بين الفينة والأخرى.3558 تويتر

لكن ذلك لم يكن كافياً لتنفير مستخدمي هذه المواقع والتطبيقات التي أصبح بعضها عملاقاً مؤثراً أكثر بكثير من حكومات أغلب دول العالم، حتى بدا خلال أقل من عقدين كأن البشر مشوا بأقدامهم نحو عبوديّة رقميّة، فتقبلوها دون مقاومة تذكر، وأدمنوا عليها، فأصبحت سيّدة أوقاتهم، وخصوصاً نشاطهم، وأول ما يبتدئون به نهاراتهم، وآخر ما ينهونها به. وهكذا يمكن لشركة «ميتا» أن تطلق تطبيقاً يلتحق به عشرات ملايين البشر خلال ساعات، ولشركة «أبل» أن تستقطب صفوفاً طويلة أمام محلاتها من الساعين لشراء أحدث تكنولوجياتها...

إن هذا الزحف نحو العبودية الرقمية؛ في موازاة سقوط مجانيّة الإنترنت، ستكون له تداعيات طويلة المدى على صحة الأفراد العقليّة، وضغوط إضافيّة على ميزانياتهم، ولا بدّ من أنه سيخلق نوعاً من تفاوت طبقي في القدرة على الوصول للمعلومات بين الشعوب وداخل المجتمعات السكانيّة أيضاً، مما قد يعوق تشكيل ثقافات منسجمة على المستوى الوطني، لمصلحة ثقافات بديلة افتراضيّة عابرة للحدود تجمع بين فئات الميسورين دون غيرهم.

هذا الفصل الرقمي سيدفع بالمتضررين إلى محاولة عبور الأسوار عبر المواقع والبرامج المقرصنة التي تحمل في طياتها غالباً مخاطرات التعرض إلى الفيروسات والبرمجيّات الضارة، وربما تتسبب لهم في خسائر مادية تضاعف من الفجوة الرقميّة، وتكرّس تهميش الذين يقفون على الجانب الخاسر من الصحراء السيبرانيّة الممتدة. وتهدد تكنولوجيات الذكاء الاصطناعيّ اليوم، مع تسارع اندماجها في مختلف جوانب الحياة، بتوسيع تلك الفجوات الرقميّة بشكل أكبر، وربما خلق أشكال أكثر جبروتاً مما عرفناه حتى وقتنا الرّاهن من عبوديّة رقميّة.

ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن كل تعاطٍ لنا مع الإنترنت وعبر مختلف التطبيقات يعني تسليم مزيد من المعلومات عنّا لهذه الشركات الكبرى؛ حيث جميع محادثاتنا ومراسلاتنا الإلكترونية، ومعاملاتنا التجارية والبنكيّة، والصور التي نتشاركها، ومجمل تعاملنا مع مواقع التواصل الاجتماعي، تتم إضافته إلى تجمّع هائل مما تسمى «البيانات الكبيرة»، التي عندما تتوفر للذكاء الاصطناعي فستمكنه من لعب دور «الأخ الأكبر» الذي يتربع على قمة الهرم، ويسيطر على أقدار البشر.

سبق الروائيون غيرهم إلى التحذير من «ديستوبيا» تقودنا نحوها مثل هذه التكنولوجيا؛ فبين «1984» لجورج أورويل، و«عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي، تسيطر على العالم طبقة معينة من الميسورين الذين يُسقطون القوميّة والسيادة الوطنية ونظام العائلة من حساباتهم، ويستعينون بتكنولوجيّات متقدمة لتكريس هيمنتهم على بقيتنا، مع فرق شكلي ربّما بين الصيغتين المقترحتين؛ فيتم استعباد الناس قهراً عند أورويل، بينما هم يحبّون عبوديتهم وفق هكسلي.

فأي إنسان جديد ينشأ في ظل هذه العبوديّة؛ قسرية كانت أم طوعيّة، في أغلب الأحوال سينتهي بمنزلة رقيق رقميّ عند الشركات والجهات الأخرى التي تمتلك أي جزء من هويتنا الرقمية؛ إذ إن نظامها التشغيلي قائم على أساس إساءة استغلال خصوصيتنا واهتمامنا... فلا نحن نمتلك هوياتنا الافتراضية، التي يمكن لأصحاب الشركات إلغاءها في أي وقت، ولا نحقق بصفتنا أفراداً أيّ فائدة تذكر من تراكم مشاركتنا بياناتنا الشخصية وعلاقاتنا واهتماماتنا، فيما تتحول هذه إلى مادة خام ذهبيّة يبيعها عمالقة التكنولوجيا لمن يرغب من التجار والحكومات. فبينما نحن أحرار جسدياً، فلسنا كذلك رقمياً؛ إذ نتعرّض لشكل قاسٍ من العبوديّة الافتراضيّة.

العبودية الرقمية في موازاة سقوط مجانيّة الإنترنت ستكون لها تداعيات طويلة المدى على صحة الأفراد العقليّة

ولعل الأخطر في هذه العبوديّة أننا نسقط فيها رويداً رويداً دون أن ندرك، تماماً مثل الضفدع الذي يوضع في دورق ماء وتوقد تحته النار، فيقضي دون أن ينتبه إلى أن درجة حرارة الماء تزداد حوله باطراد... فنحن مستمرون في إثراء بصمتنا الرقميّة على الإنترنت يوماً بيوم لمصلحة «الأخ الأكبر»، بينما ليس لدى أغلبنا أي خطط للتحرر، ولا حتى الرّغبة فيه.

وبالطبع؛ فإن واقع الحال يشير إلى أن معظم الأفراد لا يتوقع منهم إدارة مواجهتهم مع هذا «الأخ الأكبر» وحيدين، إذ لا بدّ من هيئات عامّة توعيهم، وتسندهم، وتتولى المهمة عنهم، أقلّه في الحدود الدنيا. لكن التجارب الحاليّة في هذا الإطار - وربّما باستثناء محاولات أوليّة عند الاتحاد الأوروبي لحماية مواطني دوله الأعضاء من التغوّل الكليّ لشركات التكنولوجيا - تبدو إلى الآن غير مبشّرة، بعدما تحوّلت أنظمة الحماية التي بنتها الدول الكبرى، مثل روسيا والصين وإيران، إلى مجرد «تطبيقات تويترات أخرى» بنسخ رديئة أحياناً، مع انعزال مستخدميها فيما تشبه «غرف صدى» ضخمة نسبياً على وسع البلد الواحد، لكنها أقرب إلى سجن جماعي لا يسهل لأبناء الثقافات الأخرى؛ بمن فيهم الأصدقاء والمتعاطفون، عبور أسواره.

***

ندى حطيط

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ليوم:  24

يوليو 2023 م ـ 07 مُحرَّم 1445 هـ

رحيل هاري فرانكفورت الذي اشتهر بسبب مقالة قصيرة

لم يكن هنري فرانكفورت، الفيلسوف الأميركي والأستاذ المتقاعد من جامعة «برينستون» الذي رحل عن عالمنا قبل أيّام، قد لحق بعالم وسائل التواصل الاجتماعي عندما اكتسب شهرة مفاجئة في عام 2005 بصفته أوّل فيلسوف قبض على مفهوم «الهراء (بالإنجليزيّة Bullshit)» وذلك عندما أعادت دار النشر الملحقة بجامعة «برينستون» طبع مقالة قصيرة له من الثمانينات بنسخة مجلَّدة بعنوان «عن الهراء On Bullshit» قفزت سريعاً إلى أعلى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة. ربما كانت الأجواء مناسبة ذلك الحين، عندما كان رئيس الولايات المتحدة وقتها جورج دبليو بوش.

الكتاب - المقالة أخرج فرانكفورت (1929 – 2023) من عزلة تقاعده ليصبح ضيفاً مألوفاً في برامج المقابلات الرئيسية على المحطات التلفزيونية الكبرى، ويكسب منحة من ستة أرقام من أحد كبار الأثرياء الأميركيين لاستكمال التدقيق في ماهية هذا الهراء، أنتج على أثرها عام 2006 آخر أعماله الرئيسيّة «بشأن الحقيقة» أو «On Truth»، الذي حقق نجاحاً وانتشاراً أقل من كتابه «عن الهراء».

الثيمة المركزيّة لمقالة «عن الهراء» بعد البحث في ماهيته -كتعابير يلقيها البعض للترويج المزيّف لأن ثمة شيئاً إيجابياً وجيداً يحدث، على الرغم من أنه ليس كذلك- كانت عن ضرورة التمييز بين الهراء والكذب. إذ على عكس الكذب الذي يجب أن يضع الحقيقة في الاعتبار من أجل تلفيق نقيضها التام، جادل فرانكفورت بأن الهراء غير مبالٍ مطلقاً بالحقيقة، ومعنيّ أساساً بترك انطباع معيّن في ذهن المتلقي لا أكثر، ودون أي اهتمام حقيقي بالحقائق الأساسية. ولذلك فإن الهراء «ليس نتاج خطأ، بقدر ما هو عمل تزييف متعمّد».3535 غلاف كتاب حول الهراء

غلاف "حول الهراء"

لقد حقق فرانكفورت شهرة واسعة لا شك يحسده عليها كثير من الأكاديميين بفضل مقالة قديمة قصيرة لا تزيد عدد صفحاتها على سبع وستين. وإذا كان ذلك دلالة على شيء، فسيكون حتماً ذلك الإحساس المتزايد عند عدد كبير من الناس في أيّامه بغلبة الهراء على الشأن العام، وتحوله إلى إحدى أبرز سمات ثقافة مجتمعات عصر ما بعد الحداثة. ولعله لو طال به العمر لوسّع كتابه عدة مئات من الصفحات، بعدما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة أكواريوم هائلٍ لاستعراض قدرات البشر في التنافس على إنتاج الهراء المدّون، والمسجّل، والمصوّر.

هاري جوردون فرانكفورت، الذي توفي في دار للمسنين في سانتا مونيكا بكاليفورنيا إثر أزمة قلبيّة عن عمر يناهز 94 عاماً، كان اسمه لدى ولادته في ولاية بنسلفانيا عام 1929 ديفيد برنارد ستيرن، لكنّه ولأسباب غامضة انتقل سريعاً لعهدة عائلة يهوديّة أخرى بلا أولاد، ليصبح الطفل الوحيد لناثان وبيرثا فرانكفورت، اللذين أعادا تسميته ومنحاه لقبهما.3536 غلاف كتاب حول الحقيقة

غلاف "حول الحقيقة"

خسر ناثان -والده بالتبني- وظيفته كمحاسب خلال مرحلة الكساد الكبير في الولايات المتحدة وانهيار سوق الأسهم عام 1929، وهو ما أورث هاري نوعاً من قلق مزمن بشأن المال. وعندما بلغ رشده كانت الخيارات الطبيعيّة لأولاد الفقراء مثله؛ إما أن يصبح عازف بيانو مثل والدته أو حاخاماً عند تخرجه في المدرسة الثانوية العبريّة. ويبدو أنّه لم يمتلك الموهبة للعزف، وأحس بالاختناق من «الهراء الصاخب» الذي كان يختلط في مدرسته العبريّة مع الهواء، فانتهى إلى دراسة الفلسفة في جامعة «جونز هوبكنز» في بالتيمور، حيث حصل على الإجازة الجامعيّة الأولى منها في 1949، قبل أن تمنحه ذات الجامعة درجة الدكتوراه عام 1954.

ولعل من الشخصيّات التي تركت على تفكيره أثراً لا يُنسى، كان الفيلسوف النمساوي الكبير لودفيغ فيتجنشتاين، الذي التقاه لفترة وجيزة في جامعة «كورنيل» وكانت إحدى قلاع الفلسفة الغربيّة الأهم ذلك الحين بينما كان يُجري أبحاثاً للدراسات العليا. ويرتكز فرانكفورت في مقاربته للهراء على مقطع شعري قيل إن فيتجنشتاين كان يتخذه شعاراً شخصيّاً له حول الإتقان البالغ الذي كان يشعر به معماريو الكاتدرائيات القديمة الهائلة والذي كان سرّه الإحساس الدائم بأن الربّ «موجود في كل مكان». عند فرانكفورت، فإن عالم أولئك البنائين العظام مُقاس بدقّة ومحميٌّ بضمير فلا مكان فيه للهراء أبداً.

خدم فرانكفورت بالجيش الأميركي لعامين خلال الحرب الكوريّة قبل أن يحصل على وظيفته الأولى مدرساً للفلسفة في جامعة ولاية أوهايو. وهناك بدأ بدراسة أعمال الفيلسوف الفرنسي من القرن السابع عشر رينيه ديكارت، وعنه نشر كتابه الأول، «الشياطين والحالمون والمجانين - 1970». وقد انتقل بعدها إلى جامعة «روكفلر» في نيويورك، وهناك أنجز أهم أعماله عبر أوراق مترابطة مهمة نشرها بين ستينات وتسعينات القرن العشرين حول المسؤولية الأخلاقية، وحرية الإرادة، جعلته مرجعاً يُقتبس عنه في رفضه مبدأ الاحتمالات البديلة الذي يكون الشخص وفقه مسؤولاً عن فعله من الناحية الأخلاقيّة حصراً عندما تتوفر له بدائل للتصرّف بشكل مغاير، فجادل بكون الشخص المسؤول أخلاقيّاً عندما يقْدم على فعلٍ ما يقوم بذلك لأنّه يريد القيام به بغضّ النظر عن توفر البدائل من عدمه، معتبراً فعل الإرادة، أكثر من العقل أو الأخلاق، هو الجانب المحدِّد للحالة الإنسانية. والنتيجة الأنيقة لنظريّته هذه في الحريّة الشخصيّة هي أن الشخص عندما يأتي بفعل ما، فإنه لا يكشف فقط عن الطّريقة التي أراد أن يتصرف بها، ولكن أيضاً عن نوع الشّخص الذي يطمح إلى أن يكونه.

واصل فرانكفورت استكشاف العلاقة بين القيم الشخصية والإرادة الإنسانية خلال أبحاثه في الثمانينات من القرن الماضي فنشر ورقة بحثية مفصليّة بعنوان «أهمية ما نهتم به»، جادل فيها بأن رغباتنا الأكثر أهمية هي تلك التي لا يسعنا إلا أن نتحرك للعمل عليها، بغضّ النظر عن الظروف المانعة، لأنها تحدد ما نقدر أو نطمح أن نكون عليه. ومن المفارقات، كما كتب، أن هذا الافتقار إلى الحرية بسبب الظروف المانعة هو الذي يعطي حياتنا معنى من خلال نضالنا لتحديها.

بعد جامعة «روكفلر»، انتقل فرانكفورت في عام 1976 إلى جامعة «ييل»، ثم إلى جامعة «برينستون» بدايةً من عام 1990، ليحال هناك إلى التقاعد في 2002 ويعيَّن أستاذاً فخريّاً مدى الحياة. وكان قد تزوج مرتين، وترك ابنة من كل زواج وثلاثة أحفاد.

كان فرانكفورت نموذجاً للصدق وظل طوال حياته الأكاديمية معنياً بقضايا الحريّة والمسؤوليّة الأخلاقية وعدواً للخداع والتزييف

ومع أهمية إنتاج فرانكفورت في فضاء الفلسفة الأكاديمية العاجيّ، فإن تحليله القصير -لكن العميق- لماهية ظاهرة الهراء نبّه الملايين من واقع أن هذا النوع من المخاتلة والخداع هو العدو الأكبر للحقيقة من الكذب. وقد قرّع بلا رحمة نزوع كثير من الأشخاص في المجتمعات (الديمقراطيّة) إلى إبداء الرأي في كل ما يمر بهم، دون خبرة، أو إعداد مسبق، لا سيّما في فضاءات السياسة والإعلام والإعلان والعلاقات العامّة، حيث تكاد تقترب مساحات واسعة من ممارسة هذه المهن إلى نوع من تصنيع مستمر للهراء دون توقف عن أو اكتراث لكيفية سير الأمور على أرض الواقع.

لقد كان فرانكفورت نموذجاً للصدق في مساعيه الفلسفية، وظل طوال حياته الأكاديمية معنياً بقضايا الحريّة والمسؤوليّة الأخلاقية والإرادة، وعدواً للرداءة والخداع والتزييف، ليس فقط كبروفسور يلقّن تلاميذه أفكاراً مجردة، بل أيضاً «كإنسان يحاول التعامل بطريقة منهجية بسيطة مع الصعوبات العادية لحياة يريدها أن تكون ذات معنى»، وفق ما قال في مقابلة صحافية.

***

ندى حطيط

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم، 3 – 8 – 2023م

كان من عادتي عندما أريد الاستحثاث على العمل والفاعلية وسط ظروفٍ بالغة الصعوبة، أن أستشهد بمقولة ماكس فيبر (1864-1920) عن أخلاق الرسالة أو الاعتقاد أو الاقتناع من جهة، وأخلاق المسؤولية من جهةٍ أخرى. والنوع الأول مبدئي وغائي، وكانطي في الأساس (أخلاق الواجب)، والآخر عملي ويتقصد اختيار الوسائل واختبارها لبلوغ الإنجاز أو إمكانه. وهذا النوع يمكن أيضاً إعادته إلى «العقل العملي» الكانطي، وإن لم يأتِ عنده بهذه الصيغة المترابطة.

لقد انصبّ على الأطروحة الكانطية في الأخلاق في النصف الثاني من القرن العشرين وإلى اليوم نقد هائل، بسبب التطورات الراديكالية في اعتبار الفردية أو الفردانية. فمع أنّ كانط أقام الأخلاق على الأساسيات العقلية، وليس على الدين؛ فإنّ الواجب العقلي الأخلاقي عنده لا يختلف في الإلزام عن الديني. ولذلك؛ كان من ضمن نقض مشروع التنوير لدى الفلاسفة الجدد، ضرب الأخلاقيات الكانطية، وليس بدءاً بالمعاصرين، بل وبدءاً بنيتشه (1900).

ومع أنّ الفردانيات والذواتيات صدّعت الفلسفة الأخلاقية؛ لكنّ مقولات التنوير ما أمكن الاستغناء عنها، فظهرت في ميثاق الأمم المتحدة، وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

بين دثائر التنوير، والفلاسفة الجدد، توسط مشروعٌ فلسفيٌّ للقيم، قيم الخير وقيم العدالة. وفي كلا المشروعين هناك خلاف حول دور الدولة الذي يناصره جون راولز في: نظرية العدالة. بينما يذهب آخرون إلى نصرة قيم الخير في المجتمع المدني العالمي. وفي حين يريد راولز التخفيف من آثار الفردانية المتنامية بتدبير الدولة للمجتمع، يريد دعاة الخير والفضيلة الرجوع إلى بعض كلاسيكيات الفلسفة، حيث تتقدم الفضيلة عند أفلاطون، والخير العام عند أرسطو. بيد أنّ هذه النزعة المعادية للفردانية والنسبوية تعدّ أن التداولية المعتمدة على النقاش الحر في العمل العام، هي في الحقيقة تغادر الفردانية لتقدم مصلحة الجماعة على المصالح الفردية.

لماذا هذا النقاش المشتغل في العقود الأربعة الأخيرة بشأن الفردانية أو الجماعاتية، والعدالة أو السلام؟

لأنّ الملحوظ أنّ النزاعات تتعاظم بشأن المجالات الاستراتيجية والموارد، والصراعات على من هو الأَولى بتولّي السلطة في بلد معين - ومن الناحية الشعارية تجري تغطية تلك النزاعات بالحديث عن العدالة والشرعية والسلام.

ولذلك؛ ينصرف مفكرو الزمن الحاضر للحديث عن «الفعل الأخلاقي» من دون تنظيرٍ كثير. فهل السياسة فعلٌ أخلاقي؟ هذا هو رأي معظم الدارسين الأخلاقيين. إنما من الذي يُصدر الحكم على هذا العمل أو ذاك بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي. ماكس فيبر عدّ أن السلطة الشرعية تستطيع ممارسة الإرغام بالداخل لحماية الاستقرار، والهيبة تجاه الخارج لحماية السلام. ورأى جون راولز أنّ العدالة الداخلية تنشر الاستقرار، وبحسب كانط، فإنّ الدول الدستورية المتشابهة في قوانينها تستطيع أن تكون واثقةً من السلام الدائم أو الأبدي، ولو اضطرت في المدى الطويل إلى إلغاء الجيوش!

لنذهب إلى الفيلسوف ألسدير ماكنتاير صاحب الكتاب الشهير: «بعد الفضيلة» (1981)، والكتب الشهيرة الأخرى في فلسفة الأخلاق، وآخرها صدر عام 2016 وهو بعنوان: «الأخلاقيات في النزاعات والحداثة». من المعروف أنّ ماكنتاير مع الأطروحة القائلة إنّ مصلحة المجتمع فوق كل مصلحة؛ ولذلك جادل راولز وهابرماس طويلاً وأحياناً في المبادئ وأحياناً أخرى في مواصفات «الفعل الأخلاقي»: من يحدِّد ما إذا كان الفعل أخلاقياً أم غير أخلاقي؟ وبحسب ماكنتاير: الفعل الأخلاقي هو الذي يكون أقرب إلى المصلحة العامة للمجتمع. من هو صاحب السلطة أو الرأي في التحديد؟ هو الذي تكون مصلحة المجتمع العامة عنده هي الغالبة، وسواء أكان سياسياً أم مثقفاً يمتلك الوسائل الحرة لنشر آرائه.

وها نحن نشهد نزاعات من أنواع مختلفة، وبعضها مشتعل وبعضها الآخر قابل للاشتعال. ولو فرضنا على سبيل المثال أنّ ماكنتاير وزملاءه من المفكرين حكموا على طرفٍ في أحد النزاعات بأن عمله غير أخلاقي لأنه ضد مصالح مجتمعه أو المجتمع العالمي: فكيف سيؤثر أو يؤثرون؟ يقول ماكنتاير: من طريق التوجه للرأي العام، وللمؤسسات الدولية.

وعندما قيل له: لكنّ أريك هوبسباوم، المؤرخ الراحل للقرن العشرين، ذكر أنّ ثلثي القضايا التي تُعرض على مجلس الأمن الدولي لا تجد حلاً؛ أجاب: كل هذه التساؤلات عن الفاعلية المقصود منها الدفع باتجاه الإعراض عن أخلاق المسؤولية. وبالطبع، هذه الأخلاق أو المسالك تتأثر بثقافة الأفراد ونزعاتهم؛ لكنّ النزعة العالمية للمسؤولية بلغت ذروة نضجها حتى لدى الذين يلوذون بالفردانية الأنانية!

يعدّ ماكنتاير أنّ الفردانية أصعب بكثير مما يحسب الكثيرون. فأن تقف في وجه الرأي العام أو السلطة بشأن أخلاقية هذا الفعل أو ذاك هو من الصعوبة بمكان، ليس بسبب الخوف من العاقبة على الجسد والحرية على أهميتهما؛ بل بسبب عدم التأكد من سلامة الموقف. أما إذا كان المقصود بالفردانية عدم المسؤولية، والانصراف إلى الهموم أو اللذائذ الخاصة، فتكون أمراً آخر، ربما كان اليوم المشكلة الأكبر في العالم: عدم الإحساس بالمسؤولية وسواء أكنا مع أخلاق الواجب أم لم نكن. كل كلامنا - كما يقول ماكنتاير - عن تقدم اعتبار المصالح العامة على المصلحة الفردية، لا يقتصر على الأبعاد الأخلاقية. بل ولأنّ الفردانيين صاروا أساتذة وصاروا سياسيين وصاروا رجال أعمال (وهم غالبية). ولذلك؛ المفروض أنهم يعملون مع مراعاة مصالح الجموع، وبهذا المعنى يكون فعلهم أخلاقياً؛ لأنه يتصدى للقضايا العامة مثل تغيرات المناخ والفقر والجوع والهجرة، وانضباط الأسواق، والعناية بآثار الثورة التكنولوجية الرابعة أو الخامسة!

في أخلاق الرسالة التي طالبنا بها القرآن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمعروف هو ما تعارف الناس على قبوله واستحسانه، والمنكر ما تعارف الناس على رفضه واستنكاره. وهكذا، فنحن لا نستطيع أن نقف على الحياد أو إظهار عدم الاهتمام أو الاكتفاء بالقول إننا عاجرون. لا بد من المشاركة بالمعنى الإيجابي وبقدر ما يستطيع كلٌّ منا، وأن يبقى ديدننا: تقصُّد الفعل، والفعل الأخلاقي بالذات.

***

د. رضوان السيد

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في يوم: السبت: 22 يوليو 2023 - 05 مُحرَّم 1445 هـ

المفكر المغربي في ذكرى رحيله الثانية

عامان مرّا على رحيل المفكر المغربي البارز محمد سبيلا دون أن تنطفئ جذوة الأسئلة الحارقة عن البنية المفاهيمية للفكر العربي المعاصر، وعن راهنية سؤال الحداثة المتجدد ومداراتها التي طالما ذكّر بها المفكر الراحل قراءَه ومن قاسموه قلق البحث في حيثيات الواقع الاجتماعي وحركة الأفكار داخل عالم عربي ما زال ينشد الانتقال نحو مجتمع الحداثة المعرفية. لقد كان سبيلا متحمسا لفكرة الحسم النظري مع العناوين الكبرى حين أدرك مبكرا أهمية الجانب المفاهيمي في تشريح حالة الحداثة العربية، مبتعدا في نفس الوقت عن سرديات غيره من الكُتاب الذين انشغلواْ - كما رأى - بالاستنتاجات المتعجلة والقول بالبداهات، ثم ما لبثواْ أن وقعواْ في مطب التسليم بفكرة التعدد داخل الحداثة حين قسّموا بنيتها الواحدة إلى حداثات كثيرة متناثرة كالشظايا على صفيح واقعي غير محدد.

وفي جانب متصل، لم يتفق سبيلا مطلقا مع أولئك الذين انجرفواْ دفعة واحدة صوب تتبع موجات ما بعد الحداثة، زعما منهم بأنهم بذلك يواكبون مسار التطور الإنساني، في حين كانواْ يكتفون بقراءة ما خلّفته التحولات الأخيرة في الغرب من متغيرات متسارعة على صعيد الروابط الاجتماعية وتشكيلات الهوية، وهو ما حذا بقسم كبير منهم في الأخير إلى القول بتخطي الغرب لمرحلة الحداثة، ما يعني عدم جدوى الخوض في سياقها النظري عربياً. لكن سبيلا ظل يفند هذا الرأي، مستأنسا بآراء كثيرة نابعة من عمق المنظومة الفكرية للغرب الأوروبي تؤكد أن ما بعد الحداثة لم تكن في حقيقتها إلا تجليا صافيا للحداثة بعد أن تخلصت من أوهامها حسب وصف الكاتب المجري زيغمونت بومان (Zigmunt Bauman). لقد كان سبيلا بعيدا عن هذا المنحى في التفكير، فهو يرى في الحداثة كيانا واحدا غير مجزأ ولا تؤثر فيه حدود المجال والزمن ومعطيات البيئة التراثية، لأنه يشكل من حيث المبدأ بنيةً تنظيمية واحدة لها مدارات كثيرة تبدأ بالتقنية وتنتهي بالثقافة مرورا بالتنظيمين السياسي والاقتصادي. كما أن التسلسل الاسمي للحداثة، من وجهة نظره، لا يكون على شاكلة ما قبل أو ما بعد، بل ينحو منحى معياريا مستقلا لا يأخذ بآثار الخصوصيات الاجتماعية، ولا تكون الحداثة من هذا المنظور إلا سيرورة مركبة لها أدوات انطلاقها الخاصة ولها شروط استدامتها أيضا. ومثل سائر المثقفين المشغولين بقراءة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم العربي، سجل محمد سبيلا ملاحظاته حول أحداث ما سمي بـ«الربيع العربي»، فكان يرى في صعود تيار الإسلام السياسي أمرا غير مفاجئ، وله مسوغاته الموضوعية في ظل المعطيات التي راكمها التحول الاجتماعي العربي المطرد، وما تمخضت عنه تناقضات الحكم التقليدي في البلدان العربية على امتداد عقود طويلة من الزمن. ومع انطلاق التغيير الذي شهدته أنظمة الحكم في بلدان الثورات كان سبيلا يقول بإمكانية مراجعة هذه التيارات الإسلامية لخطها الفكري مع وصولها للحكم انسجاما مع متطلبات التعاطي الجديد مع المجتمع من موقع مختلف عما كان عليه الأمر في العقود السابقة.

لقد كان سبيلا على ما يبدو ينتظر من حركات الإسلام السياسي أن تتحرر هي الأخرى من أوهام اليوتوبيا الدعوية وخطاب المثاليات، وأن تنخرط في الحراك السياسي المستند على مبادئ الديمقراطية التشاركية التي تلفظ الإقصاء والشمولية، وهو بذلك لا يؤيد آيديولوجيا الإسلام السياسي، بل يشير إلى أن هذا المخاض الطارئ على المشهد السياسي العربي يمثل جزءا من حركة التاريخ في المنطقة. لكن المفكر الراحل كان من أبرز الكتاب المغاربة الذين خصصواْ حيزا مهما من كتاباتهم لمناهضة الخطاب العنيف داخل أدبيات التيارات الإسلامية التي تؤمن بحكم يستند في جوهره على الشرعية الدينية، وقد دعا في هذا الصدد إلى ما أسماه بـ«عقلنة الخطاب الديني والانحياز التام لفكرة الدولة المدنية كبديل لدولة الكهنوت».

لقد كرّس سبيلا في أدبياته الفكرية حضور الرافد الفلسفي المستند على منهجية استفهامية تحيط بالأفكار، ثم تحفظ لها حياديتها ولا تستهدف من وراء دراستها قياس صدقيّة مضامينها فقط، بل تظل مشغولة أكثر من أي شيء آخر بالإشارة إلى الملاحظات الرئيسية في متنها النظري، وهو ما من شأنه أن يفسح المجال لبعث رؤى أخرى جديدة تبتكر سياقها التحليلي وتؤسس من جانبها لخلاصات تصب كلها في نفس الاتجاه الذي يخدم البحث المعرفي المخلص للحقيقة. وقد توج ذلك على نحو صريح بعمله المشترك مع المفكر المغربي عبد السلام بن عبد العالي: سلسلة «دفاتر فلسفية / نصوص مختارة». وقد أشار لهذا العمق الفلسفي عند الكاتب الراحل عدد كبير من المثقفين المغاربة المعاصرين، منهم أمين عام منتدى أصيلة الثقافي محمد بن عيسى الذي نوه في جلسة تكريمه في إطار «خيمة الإبداع» عام 2017، بأدوار محمد سبيلا المؤثرة في تعزيز مكانة الفلسفة والتحسيس بأهميتها، باعتبارها صانعة لقيم الحرية والاجتهاد الإنساني في قراءة الواقع.

ولعل هذه الخلفية الفلسفية هي ما يفسر ثراء المتن الفكري عند سبيلا في منجزه ككل، إذ يمكن للقارئ أن يلمس بوضوح غزارة المراجع النظرية التي يتكئ عليها المفكر الراحل في سائر أبحاثه المنجزة، والتي اعتمدت مقاربات علمية محددة واضحة المعالم، أطّرتها المنهجية التحليلية الصارمة من حيث الإشكاليات المطروحة والبناء البحثي والخلاصات، وقد كان العقل الفلسفي عنوان ورشته الفكرية الأبرز من حيث آليات البناء النظري والأسئلة المحورية في البحث. على أن أول إصدارات الراحل محمد سبيلا كان «مدارات الحداثة» سنة 1987، وبهذا العمل ارتبط اسمه طويلا واستمر على ذلك حتى النهاية، فكان آخر ما نشره كتاب «الشرط الحداثي» سنة 2020.

وبين العملين مرحلة طويلة من الأسئلة التي يبدو أن أبرز ثمارها كان هو «التحدي المزدوج» الذي طرحه سبيلا على طاولة النقاش، موضحا أنه تحدّ ببعدين اثنين، فهو تحد يواجه من جهة رؤية العرب وقراءاتهم التراثية لمسألة الخصوصية الثقافية والتجلي الهوياتي داخل العالم الراهن، ويواجه من جهة ثانية النموذج الغربي للحداثة الذي لم يحرر مشروعه القائم على فكرة التقدم الإنساني من مشروع آخر موازٍ تقوده نزعة الهيمنة الغربية.

لقد حاول محمد سبيلا أن يرسم ملامح واضحة لمنظوره الفلسفي حول مسألة الحداثة بين الواقع والآفاق، وهو ما جعله يلخص تجلياتها الحالية في مظهرين أساسيين، الأول تمثله الصورة السياسية التي تشهد انتقالا مطردا نحو حداثة سياسية جزئية تتشكل أساسا عبر تطوير آليات التعددية الانتخابية والمشاركة المتنامية في القرار، أما الثاني فتمثله الصورة الفكرية التي يحددها الخطاب الثقافي السائد في المجتمع والذي ينبغي أن يرسم معالم حداثة ثقافية حقيقية. ولعل هذا الأمر هو ما يمثل في نظر سبيلا أزمة الحداثة العربية باختصار، ذلك أن الزمن التاريخي الذي تتحكم فيها التحولات الاجتماعية ويواكبه الانتقال السياسي نحو الديمقراطية يمر بوتيرة أسرع بكثير من الزمن الثقافي الذي يظل إيقاعه بطيئا وغير قادر على التأثير في بنيات المجتمع الفكرية والمعرفية. لم يتفق سبيلا مطلقاً مع أولئك الذين انجرفوا دفعة واحدة صوب تتبع موجات ما بعد الحداثة.

***

الرباط: عمر الراجي

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في يوم: 30 يوليو 2023 م ـ 13 مُحرَّم 1445 هـ

لا يزال تأثير فلسفة نيتشه يتجدد؛ الدراسات والحوارات، والشروحات تصدر عنها باستمرار. عن النظريات الخارقة التي ابتكرها، والأسلوب الجديد، والشذرة المكتنزة. جيل دلوز رأى أن الفيلسوف هو «شاعر المفاهيم»، ونيتشه قاد رحلة «شعرنة الفلسفة»، وهي الآلية التي أُعجب بها مارتن هيدغر في بعض كتاباته، وفي طريقة قراءاته لشعراء عصره، فهيدغر كتب النصوص الشعرية علاوة على «شعْرنة الفلسفة» لتصبح مدججة بالصور والرموز ومحاطة بهالة من الغموض الساحر، غير أن تلك «الشعْرنة» لا تحوّل النص إلى محض خيال. فشعْرنة نيتشه، داهمت كل الفلسفات والفنون.

الفلسفة ليست كيانات منفصلة أو قبائل متناحرة، وإنما وحدات تتعدد؛ لذا كتب جيل دلوز: «نرى ماركس، والقبسقراطيين، وهيغل ونيتشه، يمسك بعضهم بأيدي بعض في رقصة دوارة تحتفل بتجاوز الميتافيزياء».

قبل أيام قرأتُ حواراً مهماً مع ميشال أونفري، أجراه فرانز أوليفييه غيسبيرت، وترجمه لصالح مجلة «حكمة» الحسن علاج.

فيه عرّج أونفري على تجربته الطويلة مع نصوص نيتشه وفلسفته ونظرياته. رأى أن المرء ينبغي عليه «أن يقتفي أثره الخاص. الإنسان الذي أكد في (هكذا تكلم زرادشت) أنه ينبغي على المرء أن يبتكر الحرية -إنه البرنامج الوجودي طيلة حياة بكاملها وهو برنامجي أيضاً- ليس معلماً متسلطاً، إنه نموذج كما هو الشأن في الفلسفة القديمة برمتها، حيث لم يكن التفلسف يكمن في الإطناب، أو الثرثرة، أو كتابة كتب فلسفة، بل أن يعيش المرء حياة فلسفية، وأن يعيش حياة ملائمة، متوافقة مع ذاته عينها. أشاد نيتشه بفضيلة قلّما يتم الحديث عنها، لدينا معرفة ضئيلة بها، أو تكاد تكون منعدمة، علاوة على ذلك صعوبة الاسم، الذي هو الاستقامة، ألا وهو: المصداقية المُرتابة. الاجتهاد في عيش حياة نزيهة، ذلك ما أحتفظ به لنفسي منه».

ويلخص أونفري رؤيته عن نيتشه بقوله: «يتحدث نيتشه، في بداية كتابه زرادشت، عن تحولات ثلاثة: ينبغي على المرء أن يكون جملاً لحمل أثقال الماضي، ثم أسداً من أجل التخلص من هذا الماضي، بهدف التحول إلى طفل بمعنى بلوغ (براءة الصيرورة)، التي تسمح بابتكار فلسفة جديدة. إن هذه الجدلية في مراحل ثلاث، بمعنى جدلية هيغلية لا تزال، ولو أنها ما بعد هيغلية، هي جدلية نيتشه ذاته، التي تمنح بطريقة مُشفَرة، كما هو في غالب الأحيان، مفاتيح عمله برمته».

لكن ما زمن الجمل لدى نيتشه؟!

«يعد زمن الجمل لديه هو زمن قارئ شوبنهاور، حيث يضع كتّاب العالم كإرادة وتمثل رهن إشارته وجهات نظر فلسفية جديدة: حيوية أحادية، هي حيوية الإرادة التي تجعل الثنائية القديمة اليهودية - المسيحية متجاوزة، والتي تقدم تفسيراً لحيوية لما يوجد، هذه الإرادة الشهيرة، التي هي ليست إرادة علماء النفس، قوة الاختيار، الإرادة، بل قوة تجعل من كينونة الكائن ممكنة؛ فلسفة تراجيدية يتقاسم السأم والمعاناة، بمقتضاها، حياة كل إنسان، لكنها تؤكد في نفس الوقت التأمل الجمالي بشكل عام، والموسيقي بشكل خاص، تسمح بتأمل حتمية السلبية. وهو أيضاً الزمن الفاغناري حيث التقى الكاتب المسرحي، ويرى أنه بإمكانه العمل معه كي يجعل من الأوبرا، مناسبة لإضفاء الجمالية على السياسة، انطلاقاً من الأساطير، كما فعل الإغريق مع مسرحهم. إنه زمن ولادة التراجيديا».

بينما «يعد زمن الأسد زمناً أبيقورياً. لقد واصل الصداقة المحطمة مع المؤلف الموسيقي الألماني، الذي لم يجعل من مدينة بايرويت مختبراً، لبناء سياسة انطلاقاً من الموسيقى الألمانية التي تخصص لتعزيز دينامية أوروبية، بل مكاناً مكرساً لشخصه، مع الطبقة الأكثر ثراء، التي موَّلت مشروعه. إنه زمن كتاب المعرفة المرحة، والصداقة الأبيقورية، متأثراً بالفكر الفرنسي؛ فولتير والأخلاقيين الفرنسيين».

أما «زمن الطفل فهو زمن الفلسفة النيتشوية الحقة، إنه زمن إرادة القوة، والعود الأبدي، والإنسان الأعلى، ومحبة القدر كإيثيقا إنسان جديد، وقد تخلص من الجِمال والأسود، إنه بالتأكيد زمن كتاب (هكذا تكلم زرادشت)، قصيدة عظيمة ومذهلة».

لكن من تجربته ما الكتاب المفضل لديه من كتب نيتشه؟!

يجيب بطريقة مركّبة: «أعتقد أن القارئ فهم أن الأمر يتعلق بكتاب (هكذا تكلم زرادشت)، إلا أنه ذلك الكتاب الذي ينبغي عبره الختم، حينما يكون المرء قد قرأ كل كتبه! إنه كتاب المعرفة المرحة، وذلك من خلال مقدمته الرائعة، وعلاوة على ذلك، فإنه يقوم بتركيز كل ما قام به نيتشه: خفة، عمق، أسلوب، أناقة، حيوية، صفاء، جذرية».

الخلاصة، أن الأثر الذي تسبب به نيتشه كبير جداً، حتى هو حين قال عن نفسه: «أعرف قدري... ذات يوم سيقترن اسمي بذكرى شيء هائل رهيب؛ بأزمة لم يُعرف لها مثيل على وجه الأرض، أعمق رجّة في الوعي... فأنا لست إنساناً، بل عبوة ديناميت» -حينها- ربما توقع أن يكون له أثره الكبير لكن ليس إلى هذا الحد المتواصل والمتجدد

***

فهد سليمان الشقيران

......................

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في يوم: الخميس، 20 يوليو 2023 - 02 مُحرَّم 1445 هـ

هل يمكن لعمل أدبيّ واحد أن يجمع بين التأمّل الميتافيزيقيّ والنقد السياسيّ والنظرة اللاهوتيّة التي تزعم إضاءة طريق الخلاص، وأن يكون، في الوقت نفسه، سيرة ذاتيّة ورحلة وملحمة وقصيدة حبّ رائعة؟

هذا ما كانته «الكوميديا الإلهيّة» لدانتي أليغيري، شاعر القرن الـ14 الإيطاليّ، وقد استغرقت رحلتها سبعة أيام ونصف اليوم، وإن استغرقت كتابتها، وكان في الخامسة والثلاثين، عشر سنوات.

والحال أنّ كلمة «إلهيّة» أضافها إلى العنوان جيوفاني بوكّاتشيو، الشاعر والأديب الذي لم يعرف دانتي، وتوفي بعد وفاته بعشرات السنين، لكنّه كان من أوائل من درسوا نصّه.

«الكوميديا» جاءت في أقسام (cantiche) ثلاثة (وأجزاء ثلاثة): الجحيم والمَطهر والفردوس، أمّا بطلها الراوي فدانتي نفسه، منتقلاً إلى الهداية من موقعه كـ«ضالّ في غابة معتمة»، تعبيراً عن استيلاء الخطايا على إيطاليا، ومتخيّلاً مجازيّاً رحلة الروح إلى الإله. هكذا نراه يوغل أبعد فأبعد في مهاوي الجحيم، مُشاهداً أشكالاً مختلفة من العقاب الفاحش في أمكنته التسعة: البرزخ والشهوة والشراهة والطمع والغضب والهرطقة والعنف والاحتيال، وصولاً إلى الدائرة التاسعة المرعبة التي هي الخيانة.

لكنّ «الكوميديا» هي أيضاً موقف من الأرضيّ. فدانتي، الجنديّ والسياسيّ الفلورنسيّ المؤمن، بل المسكون بأنّه مسيح آخر، كان بالغ النقديّة للكنيسة، كره خصوصاً محسوبيّاتها وممارساتها في شراء المناصب وبيع الإعفاءات من الخطايا. ولمّا كان حزب «السود» المؤيّد للبابويّة الطرف الداعم لتلك الأفعال، كان دانتي من قادة حزب «البيض» الذين دافعوا عن حرّيّات أكبر لفلورنسا حيال البابويّة، كما كان الأكثر جهراً بموقفه من البابا. وفي 1302 نجح «السود» في نفيه من مدينته التي لم يعد إليها، إلاّ أنّه، في ذاك المنفى، أنتج عمله العظيم.

وفي ملحمته «انتقم» دانتي من بعض هؤلاء، فشاهد في الجحيم خُطاة يتفسّخون كفيليبو أرجنتي، السياسيّ الأريستوقراطيّ الفلورنسيّ وأحد زعماء «السود»، وتحدّث مع خاطئ كان يحترق ولم يكن إلاّ البابا نيكولاس الثالث الذي أخبره أنّ الاثنين اللذين سيخلفانه في البابويّة سيشغلان مكانه نفسه. وبقسوة لا تعرف التحفّظ رأى دانتي أنّ بعض الخطاة يستحقّون عقوبات أشدّ إيلاماً، ما اعتُبر تشكيكاً بقرار الإله في تحديد درجة العقاب.

وهذا ما لم يكن مألوفاً في العالم القروسطيّ، خصوصاً في الشعراء، لكنّه كان استباقاً لعصر النهضة الذي عرف ولادته في فلورنسا نفسها. فدانتي وإن مثّل العالم المذكور ونظرته إلى الكون وإلى تمزّقاته وإخفاقاته، فهو أيضاً قدّم بطلاً جديداً هو «رجل النهضة» واسع الأفق والمتجرّئ، وعبّر عن روحيّة النهضة لجهة قدرة الفنّ على صنع العالم، ما سوف نراه لاحقاً مع ليوناردو وميكال إنجلو.

لقد كُتبت «الكوميديا الإلهيّة» بالإيطاليّة، حين كانت اللاتينيّة لا تزال لغة الكتابة والنخبة المتعلّمة، وهذا ما ضمن لها أوسع نطاق من الانتشار والقراءة. بيد أنّ ذاك الإنجاز، الذي عُدّ حدثاً لغويّاً وبالتالي قوميّاً، أدّى إلى تصنيفه مؤسّساً للّغة الأدبيّة الإيطاليّة الحديثة.

ومعروف أنّ دانتي كان قد باشر وضع بحث باللاتينيّة حول اللغة المحلّيّة وأهميّتها لكنّه لم يكمله.

ورغم الصور الكالحة والعنيفة في الجحيم، فإنّ «الكوميديا» قصّة حبّ كذلك. فدانتي الذي زُوّج زواجاً مُدبّراً لابنة أحد الأعيان الفلورنسيّين، كان عاشقاً لامرأة أخرى اسمها بياتريس بورتيناري. ومع أنّ الشائع عن هذا الحبّ الغريب أنّه لم يلتقِ بها إلاّ مرّتين، إحداهما حين كانت طفلة، فاعتبر أنّها بسبب جمالها «ابنة الإله»، والثانية كانت بعد تسع سنوات وقد تزوّجت، فقد أصبحت بياتريس مصدر استلهامه لمدى الحياة. فهي، التي صوّرها كائناً سماويّاً، أطلقت رحلته الى حُفر الجحيم ثمّ إلى شرفات جبل المطهر، مواكِبة سفره الطويل إلى أن ينتهي به المطاف وجهاً لوجه مع الإله. ولئن توفّيت بياتريس فجأة وهي في الرابعة والعشرين، فإنّ دانتي خلّدها بأن أبقاها الروح التي ترشده، فصارت في «الكوميديا» مثال المقدّس المرفوع إلى أعلى ذرى الفردوس.

وإلى بياتريس، شارك في قيادته فيرجيل، الشاعر الرومانيّ الذي ولد قبل المسيح بسبعين سنة، فلعب في رحلته دور العقل المشخصَن. وهذا ما كانت له دلالة رمزيّة تتعلّق بالنظرة الجديدة إلى القدامة الرومانيّة، حيث ما لبث عصر النهضة أن أعاد اكتشاف العالم القديم وجُعل فيرجيل رمزاً للثقافة الكلاسيكيّة الأوروبيّة. أمّا دليل دانتي الثالث، بعد بياتريس وفيرجيل، فهو القديس برنار كلايرفو وهو مفكّر مسيحيّ عاش في القرن الثاني عشر وكان أحد مُصلحي النظام البنيديكتيّ في الكنيسة، وصاحب آراء صوفيّة استهوت دانتي. ومع كلايرفو تنتهي الرحلة الملحمة.

لقد قال دانتي إنّه يستوحي شعره من الروح القدس، وظهر من يقول إنّه أهمّ شاعر في تاريخ العالم، كاد يقنع قارئه بأنّه رأى فعلاً ما رآه ومَن رآه، وإنّه التقى الرب كما تقول الأسطر المئة الأخيرة من قصيدته. ورغم انقضاء قرون على نشر «الكوميديا»، فإنّ ما احتوته من موضوعات الحبّ والخطيئة والخلاص تبنّاه فنّانون وكتّاب لا حصر لهم، من رودان إلى دالي وإزرا باوند.

وثمّة بين النقّاد من أضاف أنّ الشاعر الإيطاليّ الكبير تأثّر بأبي العلاء المعرّي في «رسالة الغفران»، وبابن عربي في «ترجمان الأشواق»، وهو ما لا يصعب إيجاد البراهين عليه في زمن ازدهر خلاله التأثّر والتاثير بين العوالم.

***

حازم صاغية

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في يوم: 19 – 7 – 2023م

من الضروري التفريق بين «الخوف» و«القلق» ذلك أن الخوف ينصبّ في الغالب على مواضيع ومصائر، بينما «القلق» إحساس من قبل الموجود بثغرات تتعلق بمعلوماته عن وجوده، وقد يفرّغ القلق من المسببات فيصبح مفتوحاً، وغفلاً من الأسباب، وهو القلق الغامض، كما أن القلق يرتبط كثيراً بمستوى «التفكير» فهي صفة ملازمة للمفكرين والفلاسفة، لذا كان «القلق» موضع ثناء في كثير من مدونات التاريخ أو السيَر، انظر مثلاً كتاب عبد الرحمن بدوي (شخصيات قلقة).

لكن الخوف حالة مختلفة عن حالة القلق، فالخوف يشترك الناس في الإحساس به، مهما تضاءلت أسئلتهم الكبرى، الخوف إحساس له طابع حياتي يومي، أن يخاف الإنسان باستمرار من «مصير» أو أن يخاف على أولاده وذويه من الكوارث والمصائب التي تأتي بغتةً من دون سابق إنذار.

برتراند راسل فيلسوف وكاتب إنجليزي من أشهر فلاسفة القرن العشرين، ووُصِف بأنه أهم علماء المنطق الذين ظهروا منذ عصر الفيلسوف الإغريقي أرسطو، ويُعد من أعظم الفلاسفة، حصل على جائزة نوبل عام 1950 ونوط الاستحقاق ذو القيمة الكبيرة والذي قلده إياه الملك جورج السادس عام 1949 وجائزة سوننج من جامعة كوبنهاجن عام 1960.

لم يوجِد الإنسان بعد وصفة سحرية تمكّنه من هزيمة الخوف، يتحدث عن «راسل» هذا قائلاً: (الإنسان يشعر بنفسه عاجزاً على نحوٍ خاص، وهناك ثلاثة أشياء تخيفه، الأول: هو ما يمكن أن تفعله به الطبيعة، تصعقه، أو تبتلعه أو تغمره بزلزال، والثاني: هو ما يمكن أن يفعله به البشر الآخرون، والثالث: وهو عنصر له علاقة متينة بالدين، هو ما يمكن أن تدفع به انفعالات الهوى في عنف اندفاعها للقيام بأشياء يعرف أنه سيندم على القيام بها عندما يستعيد هدوءه، هذا ما يجعل الناس يعيشون في حالة من الهلع الدائم). يوضّح «راسل» في نصه السالف إلى أن الخوف حدّ الهلع الذي يسيطر على الناس في يومياتهم المعتادة مردّه إلى «العجز» فحينما يشعر الإنسان بعجزه عن التحكّم في المصير أو المآل الذي يمكن أن يصبغ لحظاته الآتية يشعر بالخوف والترقب، لذا هو في حالة استنفار مستمرة.

إن أعنف أنواع الخوف أن يجبن الإنسان عن مواجهة ما يخاف منه، ولو على مستوى التفكير، والمهم أن يحوّل الفرد ذلك الخوف السطحي اليومي إلى محرضٍ يمكّنه من التفرد بذاته، والوصول إلى حالةٍ من الاستقلال في الرأي أو الاستقلال في البداية في تفسير معنى «الخوف» والخروج من أزمة ذاتية قوامها «الأميّة في مواجهة فحوى الخوف» وذلك عبر هجر الجهل والبدء في دراسة الذات والعالم والوجود والكون والمحيط ليصل إلى مرحلةٍ من التعلم والكدّ والبحث تساهم في «عقلنة الخوف».

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية في يوم: 18 يوليو 2023 01:14

قد لا يصحّ القول إنّ الجاحظ كان فيلسوفا إذا كنا نقصد بالفلسفة ذلك النظام الفكري المتماسك، المحكم التصميم والبناء، لأن أبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ لم يكن يُنسّق أفكاره بغرض التقدّم ببناء شامل، كفلسفة أفلاطون أو أرسطو. ولا يمكن لنا أن نعدّه فيلسوفا، إذا كانت الفلسفة هي الدراسة التي تعيد كل المعارف الإنسانية إلى بعض الأصول الأساسية بغرض الظفر بنظرة شاملة إلى العالم الذي نعيش فيه، فالجاحظ لم يكن يملك رؤية أصيلة لتطور المجتمع، ولم يكن يعرف الكثير في ما يتعلق بفلسفة العلوم وفلسفة التاريخ.

لكن إذا عدنا إلى تقسيم أرسطو الفلسفة قسمين: الفلسفة الإلهية والفلسفة الطبيعية، لوجدنا عند الجاحظ الكثير من هذا التفلسف، فقد ناقش مواضيع ميتافيزيقية وطبيعية، وناقش قضية وجود الله والردّ على الملحدين، وانشغل بدراسة الطبيعة وما فيها من إنسان وحيوان وجماد. وكانت طريقته في التفلسف تنطلق من دراسة الشيء الملموس المحسوس، ثم ينتقل منه إلى المجردات والعقليات. وكان منهجه عقليا، بمعنى أنه يُحكّم العقل في كل ما يبحث به، ويخضع الأمور لمحك النقد، ويجعل الشك طريقا إلى اليقين. وكان يفسر القرآن بالعقل ويدحض الإسرائيليات والمرويات التي تتصادم مع العقل.

ولا غرابة في هذا فقد كان رأسا من رؤوس المعتزلة، تلك الفرقة التي انقرضت منذ زمن بعيد، وإن كان أثرها باقيا وواضحا في المفكرين في زماننا، فرقة العقل. سبب انقراض المعتزلة كفرقة، بمعنى اختفاء من ينتسبون إليها، ترجع بداياته إلى فتنة القول بخلق القرآن ذاتها. وكم شوّه خصوم المعتزلة مقولتهم، فالمعتزلة دعاة تنزيه، أي تعظيم لله، بحيث لا يتصورونه شبيها بمخلوق (ليس كمثله شيء) وعندما أتوا إلى صفة الكلام، استشنعوا جدا أن يوصف الله بأنه يتكلم ككلام البشر، فيلزم أن يكون له فم وأسنان وصوت، ولذلك قالوا إن الصوت الذي سمعه موسى في طور سينا، هو صوت خلقه الله في الشجرة. بعد هذا صار خصوم المعتزلة يختصرون عبارة المعتزلة "القرآن كلام الله مخلوق"، فأصبحت "القرآن مخلوق" حتى تصوّر البعض أن المعتزلة ينكرون أن يكون القرآن كلام الله.

بسبب الرغبة في التنزيه والتصور الصحيح، اضطهد المعتزلة الناسَ بقضية خلق القرآن، وكانوا يرون أن دين المرويات التي تكاثرت في الكوفة قد أصبح خطرا على الإسلام نفسه. وممن اضطُهد أحمد بن حنبل

بسبب الرغبة في التنزيه والتصور الصحيح، اضطهد المعتزلة الناسَ بقضية خلق القرآن، وكانوا يرون أن دين المرويات التي تكاثرت في الكوفة قد أصبح خطرا على الإسلام نفسه. وممن اضطُهد أحمد بن حنبل، ويروي أهل الحديث إن ابن أبي دؤاد المعتزلي قال في مجلس محاكمة ابن حَنْبَل أمام الخليفة المعتصم: "اقتله يا أمير المؤمنين فإنه كافر"، وأنه جُلد وأثخن جسده بالجراح وبقيت آثارها حتى موته. هذه القصة بهذا السياق أنكرها الجاحظ من أساسها وروى قصة أخرى تخالف كل ما في مدونات الحنابلة والسلفيين مخالفة جذرية. لا شك أن الجاحظ عقل كبير ومثقف رفيع وأديب ألمعي له فضل وأيّ فضل على اللغة العربية وعالم الفكر كله، ولا يمكن لمنصف أن يتجاهل شهادته، فقد عاصر فتنة خلق القرآن وكان من المقربين ذوي الحظوة عند العباسيين. ولد الجاحظ في سنة 159 هـ ومات سنة 255 هـ، وولد أحمد بن حنبل سنة 164 هـ ومات سنة 241 هـ وهذا معناه أن الجاحظ ولد قبل أحمد ومات بعده، وهو بذلك خير من يقدم لنا الرأي الآخر في هذه القضية، خصوصا أن الجاحظ لم يكن من المعتزلة المتعصبين للمذهب بل كان ينصح طلابه بضرب الأقوال بعضها ببعض، لكي يكشف ذلك عن جبين الحقيقة.

حاصل ما قرره الجاحظ في رسالته "خلق القرآن" أن أحمد بن حنبل الذي لم يذكر اسمه "لم ير سيفا مشهورا، ولا ضُرب ضربا كثيرا، ولا ضُرب إلا ثلاثين سوطا مقطوعة الثّمار، مشعَّثة الأطراف، حتى أفصحَ بالإقرار مرارا".  أي أن أحمد بن حنبل، بحسب الجاحظ، أقرّ بخلق القرآن في مجلس الخليفة مرارا ولم يصمد كما اشتهر عنه. وهذا رأي صادم يختلف عن المشهور عند أهل الحديث وعامة المثقفين من المهتمين بالتاريخ.

لا يمكن لباحث موضوعي أن يرضى بقدح السلفيين في الجاحظ بناء على رغبتهم في إسقاط شهادته كما فعل شمس الدين الذهبي حين ترجم للجاحظ في كتاب "سير أعلام النبلاء"، فقال: "كان ماجنا قليل الدين، له نوادر". ومما لا شك فيه أن كتاب الذهبي "سير أعلام النبلاء" كتاب تربوي مهم، لكن كتب السير بدورها لا تخلو من التعصب، فالذهبي على الرغم من أنه من أنزههم، وأحفظهم للسانه، إلا أن التعصب لأهل الحديث ظاهر في كتابه. الشخصيات الوارد ذكرها في "سير أعلام النبلاء"، إما أن تكون للزعماء السياسيين أو لرجال الدين أو للأدباء، وهم المثقفون في تلك الحقبة. وأقل الناس حظا في كتاب الذهبي وأمثاله هم الأدباء، إذ لا يخصهم إلا بصفحة أو نصف صفحة، والزعماء السياسيون والأبطال المغاوير أحسن منهم حظا، لكنهم لا يصلون عنده لمستوى رواة الحديث والفقهاء وقيمتهم. من ذلك أننا نجد الذهبي يخص أحمد بن حنبل بمائة وإحدى وثمانين صفحة (في الطبعة الحديثة)، ويخص الجاحظ بخمس صفحات فقط، ويخص صلاح الدين الأيوبي وكل معاركه العسكرية والسياسية وحروبه التي خلدها التاريخ باثنتي عشرة صفحة!

أحمد بن حنبل، بحسب الجاحظ، أقرّ بخلق القرآن في مجلس الخليفة مرارا ولم يصمد كما اشتهر عنه. وهذا رأي صادم يختلف عن المشهور عند أهل الحديث وعامة المثقفين من المهتمين بالتاريخ

وصف الذهبيُ للجاحظَ بأنه "ماجن قليل الدين" يحتاج إلى وقفة، لأنك حين ترجع لترجمة الذهبي في الكتاب نفسه لأبي نواس فستجد أن أشدّ ما قاله الذهبي فيه هو: "ولأبي نواس أخبار وأشعار رائقة في الغزل والخمور، وحظوة في أيام الرشيد والمأمون. مات سنة خمس أو ست وتسعين ومائة. وقيل مات سنة ثمان وتسعين عفا الله عنه". تأمل هذا الزيف! "الجاحظ ماجن قليل الدين" وأشنع ما في أبي نواس هو "الأشعار الرائقة في الغزل والخمور، عفا الله عنه". في طبيعة الحال، وصف الجاحظ بالمجون وقلة الدين له علاقة برسالته عن "خلق القرآن" ورسالة له أخرى أطلق فيها على أهل الحديث والمرويات لقب "النابتة"، وفي غيرها وصفهم بأنهم "حشوية". ليس إلا ذاك. ولأبي نواس فضيلة ودَين على أهل الحديث، فهو الشاعر الذي هجا خصمهم إبراهيم بن سيّار النظّام. النظام هو هرم المعتزلة الأكبر، بل هو من وجهة نظري أذكى وأعمق المتكلمين المسلمين قاطبة.

من هنا نعرف أن هذه الألقاب "حشوية" و"نابتة" ترجع إلى الجاحظ، وقد تكون معروفة قبله، فيكون بذلك ناقلا لا ساكّا. وفي كلا الحالتين، قد نرى أن ما نعيشه في ثقافتنا العربية ليس بصراع جديد، بل قديم، فهو صراع المثقفين من علماء اللغة وأهل المرويات وجماعة المحتكرين للحقيقة، معركة لا تزال متقدة منذ أيام الجاحظ، بل قبله، مع أن كل هذا الذي سردناه لا يعني أبدا ترجيح رواية الجاحظ، بل يكفي أن نصل إلى شيء من النسبية هنا، نسبية الشك.

***

خالد الغنامي

عن موقع المجلة في يوم 12 يوليو 2023

ما بين 200 و 800 قبل المسيح ظهر كثيرون من كبار رموز التاريخ ومؤثّريه، في عدادهم كونفيوشيوس وبوذا والأنبياء العبرانيّون (عاموس وأشعيا وأرميا...) وسقراط وأفلاطون وأرسطو، وكذلك زرادشت (علماً بأنّ دراسات أحدث عهداً ردّت الأخير إلى حقبة أسبق). وهؤلاء الذين ولدوا في الصين والهند وفلسطين واليونان وإيران شكّلوا أبطال الحقبة التي سمّاها الفيلسوف الألمانيّ كارل ياسبرز «العصر المحوريّ» (The Axial Age) والذي يتكثّف خصوصاً حوالى 500 ق. م، مشكّلاً الاندفاعة الحضاريّة الثانية في التاريخ بعد حضارتي مصر وما بين النهرين.

في هذه القرون الستّة شهد العالم تغيّرات كبرى طالت الاقتصاد والتشكّل الإمبراطوريّ وطرائق الحكم وأحجام المدن، فبدا أنّ البشريّة تقفز قفزة تطوّريّة في نظرتها إلى الذات والعالم.

ولم يكن ياسبرز أوّل من قال بهذا التحقيب، لكنّه أوّل من صاغه وبلوره على النحو هذا، كاسراً السرديّة المسيحيّة – الأوروبيّة للتاريخ الإنسانيّ والتي شطرته إلى ما قبل المسيح وما بعده. ففكرة الثالوث المسيحيّ كانت، بحسب هيغل، محور الانعطافة التاريخيّة الكبرى التي أكّدت مركزيّة المسيح. ومع أنّ ياسبرز ذكر أنّه استلهم هيغل، غير أنّ فكرة «العصر المحوريّ»، كما حملها كتابه «في أصل التاريخ وهدفه» (1949)، أحدثت انقلاباً كاملاً على تحقيبه.

لكنْ يبقى أنّ السمة الأعمق لـ«العصر المحوريّ» ظهور رؤية متعالية (transcendental) قال بها أنبياء ذاك الزمن وفلاسفته. هكذا أعيد تقييم السياسات والأخلاقيّات الأرضيّة، أو جرى استبدالها، عملاً بالرؤية المذكورة وإملاءاتها. وكان للمكوّن الدينيّ الجديد أن أملى تغيّرات وتجديدات في اللاهوت والطقوس على السواء. فالسلطة القصوى والأخيرة (لله أو للآلهة) باتت تتعدّى العالم الطبيعيّ فيما بات يُرى إلى مسارات الكون بوصفها دورات تمثّل حركة المقدّس.

وهذا التجاوز لما يتعقّله البشر لا يطال بالضرورة الحيّز المكانيّ، بل مفاده أنّ معايير الزمان والمكان التي نعرفها في حياتنا لا تنطبق على ما وراء الكون. وهذا ما لا نستطيع، نحن البشر، استيعابه لأنّنا محكومون بشروط الزمان والمكان.

فـ«العصر المحوريّ» بالتالي هو الزمن الذي يروح فيه البشر يفكّرون في محدوديّة قدرتهم على الفهم ويندفعون، للمرّة الأولى، إلى التفكير بتلك القوّة التي تتعدّاهم وتستطيع ما لا يستطيعونه.

وهم قبلذاك لم يفكّروا في عالم غير هذا العالم، كما لم يظنّوا أنّ ثمّة واقعاً بديلاً له. وهذا هو التحوّل من دين مؤسّس على الطبيعة إلى دين متعالٍ على الطبيعة يولد معه العامل الخارق (supernatural) المجهول والغامض.

وبالطبع فُكّر قبل «العصر المحوريّ» بالآلهة بوصفهم أعلى من البشر وبأنّهم يملكون ما هو أقوى كثيراً من قواهم، لكنّ الآلهة ظلّت شبيهة بالبشر تقيم معهم في العالم نفسه، وإن اختبأت أحياناً في الكهوف والوديان.

كذلك لم يخطر لأحد، قبل ذاك العصر، بأنّ الجميع يمكن أن يتساووا في مكان ما. فقد كان من خارج المُتَخيّل أن يتساوى الحاكم والكاهن الأعلى، وعلى أيّ مستوى كان، مع الراعي والمزارع. لكنّ «العصر المحوريّ» انتصر لفكرة أنّ الناس يستطيعون، على الأقلّ، أن يملكوا طاقات وقدرات تؤهّلهم أن يكونوا متساوين، وأن تحاسبهم بالتساوي عدالة كاملة كانت فكرتها قد ظهرت للتوّ أيضاً.

فأحدٌ لم يفكّر قبلاً بأنّه قد يصعد إلى السماء وقد يُحاسَب بموجب المعايير نفسها التي يحاسَب بها الأقوياء، وكان كلّ ما يُرجى من تقديم الأضاحي للآلهة التخفيف من عناء الحياة ومصاعبها على هذه الأرض حصراً. والحال أنّ الحساب الأخير والجنّة والنار وما بعد الحياة هي، بمعنى ما، طلب لعدالة تعوّض عن نقص العدالة على الأرض.

بالطبع لم يؤدّ «العصر المحوريّ» إلى إلغاء الأضاحي للمعابد وممارسات أخرى من هذا القبيل، إذ أنّ أموراً كهذه تستلزم قروناً، لكنّ نوعاً جديداً من الممارسة الدينيّة بدأ يشقّ طريقه، ومعه بات ما يحصل في المعبد ليس الشيء نفسه الذي يحصل في حياة البشر.

ومع الحاجة إلى معرفة «أسرار» الكون والدين بدأت تظهر طبقة الأخصّائيّين. ففي الهند، تأثّرت الهندوسيّة، مع أنّها أقدم عهداً من «العصر المحوريّ»، بجديد العصر المذكور. هكذا نشأ «الغورو»، وهو يختلف عن الكاهن الذي يقتصر دوره على المعبد القديم وتقديم الأضاحي.

فـ«الغورو» يعلّم أناساً ليسوا بالضرورة دينيّين كيف يُمَتِّنون علاقتهم بالمرجعيّة الأخيرة والنهائيّة بما يُكسب حياة صاحبها إضافة نوعيّة. والشيء نفسه يصحّ في اليهوديّة، حيث نشأ التقليد الحاخاميّ، والحاخام، كالغورو، يعلّم الناس الزمنيّين كيفيّة التوافق مع الله.

وبسبب نشوء المتعالي المجهول، ولد تحوّل أنثروبولوجيّ يعيد تعريف البشر بما يتعدّى دورهم الاجتماعيّ ومظهرهم الطبيعيّ، مركّزاً على الروح والنفس بوصفهما جزءاً من «الخارق» أو امتداداً له. هكذا بات المجتمع الإنسانيّ، للمرّة الأولى في التاريخ، موضوعاً للتحليل التأمّليّ.

لقد ذهب بعض النقّاد إلى أنّ عيب نظريّة ياسبرز هو كعيب الرأي المسيحيّ – الأوروبيّ في القرن التاسع عشر عن قدوم المسيح بوصفه المنعطف الأكبر في العالم. صحيح أنّ نظريّة «العصر المحوريّ» تأخذ في حسابها الصين والهند وفلسطين وتكسر الواحديّة الأوروبيّة والمسيحيّة.

إلاّ أنّ نقّادها رأوا أنّها ترى العالم بعيون أوروبيّة. فياسبرز، في عرفهم، أزاح المسيح عن الصدارة ليضع فيها كونفيوشيوس وبوذا وأشعيا وسقراط، إلاّ أنّه لم يتخلّ عن فكرة الصدارة نفسها.

***

حازم صاغية

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في 11 – 7 – 2023م

يحمل العقل باعتباره سلة فكرية جامعة، العديد من الآراء والقيم المحددة للسلوكيات، إذ بنيت وتشكلت ملامحها بناءً على حمولتها المتراكمة، سيما أنها خليط «دسم» بين معطيات التراث والحداثة، ونزر من رشفات المستقبل.

وفي النظر للعقل، الديني منه على وجه الخصوص، فإن فهم أساليبه المنتهجة في طرائق التفكير، والحصول على أقرب صورة مشابهة له، تتطلب عناية بحثية تفكيكية، فاصلةً بـ«غربال» المنهجية والموضوعية العلمية بين الكم التراثي الفكري (الإيديولوجي)، والآخر المبني على الخرافة والتقليد، وفي ذلك مهمة صعبة المنال ولكنها ليست بالمستحيلة، سيما أن أقرب مثال حي على ذلك يتمثل في المحاولات الحثيثة لتنقية التراث الإسلامي من عوالق التراكمات، وتحريره من ثقلها الملتصق بقوة تارة في جسد ذلك التراث، وتارة «أقوى» في عقول وارثيه، إذ يقل ذلك التراث في قلوبهم قبل عقولهم موقع إرث الفلاحين القدامى لقطعة من الأرض، دون إدراك ما قد يعتريها من زلازل، أو يتغير عليها من مناخ.

ومن ذلك فإن حتى النظر في بنية العقل الديني، واستلهام طرائقه في الاستدلال والاستنباط، لا تكون من خلال نافذة جامدة تقر بالموافقة دون الفهم، بل إن الأحرى والأقرب للدقة بعد التمييز بين مادة الدين «التأسيسية» المتمثلة بالنصوص الدينية المقدسة كالقرآن الكريم والسنة النبوية في الدين الإسلامي، وبين النصوص الثانوية، التي تمثلها النتاجات العلمية والثقافية المبنية على الفهم الموروث والشروحات والتأويلات التي كان كل منها ذو علاقة مع «أبوية» زمكانية.

وعليه، فلا يمكن فهم ألفبائية العقل الديني، دون فهم عناصر التفريق الآنف، والعمل على أساسه، إذ يقول المفكر محمد أركون فيما دون من مادة «التراث المقدس»: «دُوِّنت بعد فترة طويلة نسبياً من تاريخ النبوَّة، وبناءً على الذاكرة الشفهيَّة للصحابة أو الحواريين...إلخ (...)، وفي أثناء عمليَّة الانتقال من التراث الشفهي إلى التراث الكتابي تضيع أشياء، أو تُحوَّر أشياء، أو تُضاف بعض الأشياء، لأنَّ كلَّ ذلك يعتمد على الذاكرة البشريَّة، وهي ليست معصومة إلا في نظر المؤمنين التقليديين الذين يصدّقون كلَّ شيء. كما يعتمد [ذلك] على الصراع الإيديولوجي أو التنافسات الحادَّة على السُّلطة التي لا تخلو منها بدايات أيّ دين».

العقل الديني وأسس الاستدلال التي اتكئ عليها، لا يكون احتضان جوانبها دون إسفاف أو تبذير دون الوعي بالإشكاليات التي واجهت فهم ذلك العقل، أو شاركت في تكوينه، إذ هي متصلة والأسس التي آل للارتكاز عليها والاستدلال من خلالها، وكأنها منظار يوضح كل ما أشكل فهمه، ففي التكوين الديني للعقل، لا يمكن إهمال «الترسبات» الفكرية التي تحدد بوصلة اتجاهه في الحياة عامةً، سيما أن تطور العقل يعيش علاقة طردية نشطة مع الكم المعرفي والثقافي، ومن هنا اعتمد ابن خلدون على رأيه في أن النفس الناطقة للإنسان توجد فيه بالقوة، ولكن قدرتها على الخروج من طور «القوة» إلى طور «الفعل»، محكوم بمدى حصولها على «تحديثات» العلوم، وامتلاك ثروة «نظرية»، تجتمع مولدةً للإدراك الحقيقي.

ولو أن ذلك فُهم حد الإدراك، وأُدرك حد الفعل والتصرف، لما وقع كثر من العلماء والنظار في فخ «القداسة المزيفة»، وذلك من خلال استيعاب كنه الاجتهادات السابقة، وحسن تصنيفها، إذ هي تنزيل للمطلق من مصادر التشريع كـ(الكتاب والسنة)، في حركة النّسبي (الحاضر المتغير)، وليست صورة جامدة ممتدة في ذات «النوتة» على كافة المجتمعات الإنسانية جمة التحول، ولذلك السبب كان الدين «عالمياً»، فمن أين يجيء الإصرار لدى البعض على استنساخ التراث وإلصاقه بحذر، وذلك يخالف بالأساس ميزات العقيدة؟ تتجلى خلاصة الوصول للعقل الديني، والسير به على وجه الحقيقة إلى محطة الاستدلال القويم، في أي دين أو شرع وجد بحكمة إلهية قاصدة تذليل الصعاب للإنسان، وتوجيهه لإعمار الأرض، وإعانته في أداء رسالة وجوده، والغاية من ذلك الوجود، يستلزم القفز عن «المعضلات الكبرى» التي تتلخص في جهل منعقد بفهم التشريع (نصوص القرآن الكريم، السنة النبوية، ...)، أو جهل منبعه قصور الفهم بالمنهجيات التي تعاملت مع أصول التشريع، أو جهل متصدر للمجتمعات والعقول من خلال تولية غير الكفؤ لمنبر الاجتهاد والحكم الشرعي.

وعليه فإنه لا يمكن التسليم لأي أفكار أو معتقدات تخالف مقاصدية العلم الديني، الذي وجد لتوسيع المدارك، وحسن معرفة الخالق، والأخذ بيد الإنسان للأيسر والأقوم، ارتفاعاً به عما يعيق رسالة استخلافه من مظاهر الفساد والخراب، والإرهاب، والكراهية، وتقريباً لطموحاته من كل ما هو نفيس في الفهم، والفكر، والفعل.

***

د. محمد البشاري

عن صحيفة الاتحاد الإماراتية في يوم: 25 ابريل 2022

في سن التسعين يُصدِر هذه الأيام المفكرُ المغربي عبد الله العروي كتابَه الجديد «الفلسفة والتاريخ» الذي يختلف جزئياً عن الكتاب الذي أصدر بالفرنسية تحت العنوان ذاته عام 2016. وكثيراً ما يعتبر العروي فيلسوفاً، وإن كان ينفي عن نفسه هذه الصفة ويؤكد أنه مؤرخ، حتى ولو كان يستند في عمله التاريخي إلى مفاهيم ونظريات فلسفية.

والواقع أن سلسلة المفاهيم التي خصصها للحرية والدولة والعقل والتاريخ والأيديولوجيا تدخل في الكتابة الفلسفية بأسمى معانيها. والمعروف أن المؤرخين المحترفين في المغرب يرون أن العروي ليس مؤرخاً بالمعنى التقليدي، حتى ولو كان ألَّف كتابَه المرجعيَّ الهامَّ حول تاريخ المغرب (العربي) وكَتبَ عن الجذور التاريخية للوطنية المغربية.

ولا شك في أن العلاقة بين الفلسفة والتاريخ لم تكن بديهيةً ولا طبيعية في الماضي، وإن تزامنت نشأةُ الفلسفة مع ظهور علم التاريخ في العصر اليوناني. لقد اعتبر افلاطون وآرسطو أن التاريخ لا يمكن أن يكون علماً برهانياً دقيقاً، لأن مجالَه هو التغير والاحتمال، في حين أن المعرفةَ الصحيحة هي إدراك الكليات الثابتة.

لكن العلاقةَ تغيرت جذرياً منذ ما دعاه لوي التوسير «اكتشاف ماركس قارةَ التاريخ» (والأصح أن هيغل هو الذي اكتشف هذه القارة)، حيث أصبحت الفلسفةُ نمطاً من الانطولوجيا التاريخية، وغدا التاريخُ هو حقل الاستكشاف الفلسفي الأبرز. وبالعودة إلى العروي، نلمس هنا أنه منذ مقدمة كتابه الأخير يتعرض لهذا الإشكال، مستنتجاً أنه «ليس من السهل إذن التنصل من قبضة التاريخ، حتى عندما يقرر المرءُ نظرياً التقليلَ من تأثيره».

والحقيقة أن العروي ألّف كتابَه للرد ضمنياً على الذين انتقدوا نزعتَه «التاريخانية»، وفي مقدمتهم محمد عابد الجابري في كتابه «الخطاب العربي المعاصر». ومع أن جانبَ السيرة الذاتية الفكرية يطغى على الكتاب، فإن الغرض الأساسي منه هو توضيح هذه النزعة التاريخانية والدفاع عنها، في أصولها النظرية، وفي تطبيقاتها العملية المتمحورة حول أطروحة الشيخ والسياسي وداعية التقنية، والتي بلورها في كتابه الأول «الأيديولوجيا العربية المعاصرة».

ما يميز «التاريخانية» هو الوعي بالتحديد السياقي للحدث التاريخي، أي اعتباره إطاراً ضابطاً للتصورات والمواقف، ولا يمكن الخروج عنه بمطلقات عليا متعالية، تتجاوزه وتسبقه. وذلك ما عبّر عنه بالرجوع إلى تمييز بندتو كروتشه بين التاريخية التي تتعلق بظروف تشكل الظاهرة الحدثية والتاريخانية التي تعني أنه «لا يتصور أي مبدأ يساعد على ترتيب الوقائع وتوجيهها وجهة مقنعة إلا ما يبرره التاريخُ ذاتُه».

ووفق هذا الرأي، لا يمكن تأويل الخطابات والأفكار إلا في سياقها التاريخي الذي تنتمي إليه، وليست العبرة بمضامينها ذاتها. فالفقيه الإصلاحي (مثل محمد عبده وعلال الفاسي) يستخدم مقولاتِ التنوير الأوروبي والحداثةَ في إطارٍ سجالي جدلي فرضه الاحتكاكُ مع التاريخ لكنه يظل في انفصام مع حركية الزمن الحاضر. ونفس الحكم ينطبق على السياسي الليبرالي المتشبث بمثال الحرية لأغراض أيديولوجية، دون الوعي بالثمن المعرفي والاجتماعي الباهظ للتحول الليبرالي المنشود في السياق العربي مقارنةً بالتجربة الأوروبية الحديثة.

أما داعية التقنية فيسلك طريق البرغماتية النفعية في مشروع النهوض، لكنه لا يخرج من المأزق الأيديولوجي المتولد عن سطحية نظرته للاكتشاف العلمي والإبداع التقني واعتقاده الساذج بسهولة استيرادهما من لدن الدولة الوطنية الناشئة. وهكذا يخلص العروي إلى القول بأن «المثقف العربي إذا وعى الوضعَ الذي يعيش فيه يعي بالضرورة أن فكرَه أيديولوجيٌ بطبعه، أي أنه خاضع لحكم تاريخ شمولي، وأن فكره جدلي بالتعريف، وأن هذا الطابع الجدلي يوحي بأن لا أفق له سوى التاريخانية». والتاريخانية التي يقصدها هنا تقوم حسب عباراته على المنفعية الأخلاقية والفلسفة الوضعانية وترفض العودة للميتافيزيقا أو الانطولوجيا.

ومع أن العروي يتجنب في كتابه الحديثَ عن الكتابات الفلسفية العربية الحالية، والتي لا شك في أنه مطلع عليها، لكن من الواضح أنه يقصد الاتجاهات الظاهراتية والتأويلية والتفكيكية التي تستأثر بجانب وافر من اهتمام المشتغلين بالفلسفة في الساحة العربية الحالية. وقد تكون «العقدة الفلسفية» الواعية لدى العروي ناتجة عن إدراكه بأن الفكر الفلسفي في اشتغاله واهتمامه لا يمكن أن يتنصل من الميتافيزيقا ومن الإشكالات الوجودية الجوهرية التي هي خارج الزمنية التاريخية، ولو في أبعادها المفهومية والفكرية المحددة. وإذا كان فيلسوف الحداثة الأكبر إيمانويل كانط قد علَّمنا أن الفلسفةَ أصبحت تفكيراً إشكالياً في الحاضر، فهو نفسه الذي نبَّهنا إلى أن الميتافيزيقا ليست تفكيراً نظرياً مجرداً محضاً، بل هي الموجِّهاتُ الضابطةُ لنمط الوجود البشري في مرتكزاته الأخلاقية والمجتمعية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الامارتية ليوم: 25 يونيو 2023 23:37

عالم وردي جميل لا ينقصه أي من الاحتياجات والمأمولات التي توفر رغد الحياة، والكثير من العناية بـ«الأنا»! إن هذا الاتجاه، حول سعي الإنساني وجهوده في مسار البحث عن الحلول الجماعية، كثيراً ما غرق في الطريق المؤدية لنجاة الفرد فقط، في صورة مخالفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَراحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكى منْهُ عضوٌ تداعى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والحُمّى».. فهل يعبر الشعور الجمعي اليوم عن حالة من التراحم الجماعي أم أنه منشغل بعلاج حُمّى الفردية؟

عاشت المجتمعات الإنسانية تجمعاً واتحاداً في الفكر والمسعى، صانعةً «أقطاباً» متنوعة في انتماءاتها وأهدافها الكبرى، وهذا كله قبل أن تذوب تلك الشمعة بلهيب الفردانية العازف عن المشاركة في الأهداف الجمعية، والمتقوقع على الذات والكسب الشخصي والجري وراء غاية السعادة وارتشاف ملامحها دون الالتفات لحقيقة وجود الآخر.

ولعل الذي ساعد في تضخم الفردانية في الأوساط العربية دون غيرها، وعلى غير المعتاد، أن ذلك مثل رد فعل غير مباشر على الظروف السياسية المتقلبة التي عاشتها المنطقة، والأزمات الاقتصادية، بالإضافة لبعض الإحباط المتعلق بالوضع المعيشي، وتنامي معدلات الهجرة سعياً لتحقيق نجاح فردي وارتقاء معيشي. إن الانغماس في «لذة النزعة الفردانية» سيؤول بلا شك لتضاعف المظاهر الاجتماعية والانعكاسات الاقتصادية المؤلمة والقاسية، منتِجةً المزيداً من الفقر والتشرد والجوع، كما ستعمل على محق «الطبقة الوسطى» في المجتمعات بصورة غير مسبوقة!

وعلى مستوى التكوين المجتمعي، فلن تكتفي هذه النزعة الموحشة بتمزيق جسد الأسرة، وإلغاء ملامح الترابط الأسري والقبلي الذي كان أحد المواثيق الغليظة في المجتمعات، مما يعني مضاعفة التحديات وازدياد الأعباء على الدول والحكومات. وفي حين يخيل لأحدنا أن مثل هذه الظواهر والاتجاهات الفكرية وترجماتها السلوكية تقتصر على فئة محددة، وبالتالي فهي ذات أثر محدود، تتمدد اليوم ملامحُها بكيفية لا تؤثر على تكوين هذا الكوكب الاجتماعي الذي أفرز نماذج مترهلة ومفككة فحسب، بل تمتد لكبرى التحديات التي ترهق العقول القاطنة على هذا الكوكب، والتي يعد خطر التدهور البيئي أحدها. فالفردانية مغرقة في الاستهلاك اللامسؤول وفي تبديد الفائض عن الاستهلاك الضروري أو اللازم. وبما أن الفردانية متعلقة بالفرد، فهل يمكن الدفاع عنها كحرية شخصية؟

وكيف يمكن الإصغاء للطروحات التي تراها تحت بند «الحريات»، وبالتالي فإن لها ما لها من الأثر على الأمن الروحي والفكري والصحي والغذائي لكافة مخلوقات العالم. وبالإمعان في تفاصيل نسب الهدر المتعلق فقط بالطعام لعام 2019، نجد أن 17 بالمائة من إجمالي الإنتاج الغذائي العالمي مصيره الإتلاف والهدر، مع أن ملايين البشر يتطلعون لمضغ «حفنة أرز»! نجحت السياسات الحديثة والرسالة الإعلامية «المكثفة» في تشكيل صورة ثقافية متوارثة بين الأجيال، تطمح دائماً لتحقيق فردانيتها بمنأى عن العالم وضجيجه.

فقد رسخ هذا الإعلام وتلك السياسات صورَ الشباب الساعي لتحقيق ذاته، والذي تمت إحاطته بمادة إعلامية وإعلانية دسمة تمجد الفردَ وتعطيه دورَ البطولة باختلافه عن الكل، في الغاية والهدف وأسلوب الحياة، ممثلين نماذج «مخالفة» للنظام العام! إن النزعة «الفردانية» هي بداية النهاية لكل مستقبل خطط له الإنسان، ولا بد من نزعه بدل رتقه ونسج مظلة واسعة متينة من المشتركات الإنسانية وتعزيزها بكل ما أوتي الإنسان من قوة، لا سيما الثوابت التي رسخها الإسلام والمتجلية في صور التعاون والتراحم والإغاثة والتشاور وإعادة «دور العلماء» والفقهاء من خلال نقد السلوك المجتمعي، وإرشاده للبدايات المجدية التي تنقذ أبناءنا من التطرف والتفسير المنحرف للنص الشرعي، وذلك من خلال جسر ثابت من الثقافة الرصينة والفهم المتزن والنظرة المعتدلة.. إلى جانب السياسات والقوانين الحيوية التي تنقل أفراد المجتمعات من عزلة الفردانية لسعة الجمعية الرؤوم.

***

د. محمد البشاري

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية ليوم: 27 يونيو 2023 23:30

ما لا شكّ فيه أنّ مساهمة الإغريق القدامى لحضارتنا الإنسانيّة خضعت للأسطرة والمبالغة. لكنّها تبقى، بعد حذف الأسطرة والمبالغة، مساهمة جبّارة وأكبر من أيّة مساهمة أخرى.

فهناك حضارات كثيرة سبقتها وعاصرتها، وفاقتها في مجالات الدين والروحانيّات والميثولوجيا. لكنْ حين يصل الأمر إلى فهم عالمنا وتأويله على نحو عقلانيّ غير ميثولوجيّ، يأتي الإغريق، لا سيّما أثينا، أوّلاً.

فالأخيرة استفادت من موقعها البحريّ واعتمادها على التجارة واتّصالها بالعالم الخارجيّ، وكان هذا على الضدّ من معظم الحضارات النهريّة التي قام اقتصادها على الزراعة، ما جعلها أشدّ انكفاء وأكثر انضباطاً بإملاءات الطبيعة.

ولربّما كان بروميثيوس، بين الأبطال الأسطوريّين الكثيرين الذين أنتجتهم ثقافة الإغريق، الأشدّ تمثيلاً لتلك الروحيّة الثقافيّة المتجرّئة: فمن حبّ البشر انبثق الإلحاح على تزويدهم بنار الآلهة، تلك الشعلة المقدّسة، وذلك في تحدٍّ صريح لرغبة زوس، إله السماء في الأساطير الإغريقيّة.

أمّا المعادل العمليّ لامتلاك الشعلة المقدّسة فإنّ الفلسفة والديمقراطيّة وفنّ العمارة والرياضة والتراجيديا باتت تجد أصولها الأولى هناك، علماً أنّ تغيّرات نوعيّة طالت معانيها لاحقاً. كذلك اختُرعت النقود، بين 600 و700 قبل المسيح، في مملكة ليديا باليونان. كذلك فالكثير من الكلمات التي نستخدمها راهناً، ومعظمُها يصف مفهوماً أو سلوكاً عريضاً، فجيء به من أسماء المدارس الإغريقيّة التي سبقت سقراط: يصحّ هذا في «ذرّة» (atom) و»كلبيّ» أو «سينيكيّ» (cynic) و»متشكّك» (sceptic) و»أكاديميّ» (academic) و»رواقيّ» (stoic) و»تجريبيّ» (empirical)...

إذاً هكذا كانت بداية البداية، مع القرنين السادس والخامس قبل المسيح، وقد مثّلتها موجة الفلاسفة والعلماء الذين سُمّوا «فيزيائيّين» و»فلكيّين»، تبعاً لاهتمامهم بالعلوم، وخصوصاً الفيزياء وعلم الفلك.

ولئن أثبت التطوّر العلميّ اللاحق أنّ هؤلاء ارتكبوا قدراً معتبراً من الأخطاء، فالعالم القديم الذي خرج منه العلم، كما الفلسفة، كان مليئاً بالأساطير والقصص المُتخيّلة في تأويله. والحال أنّ الخلفيّة العلميّة التي كانت متوافرة حينذاك، وشكّلت مادّة انطلاقهم، بدت فقيرة جدّاً تكاد تقتصر على فكرتين: وجود العناصر الأربعة الأولى، النار والماء والأرض والهواء، ومبدأ التناقضات ما بين سخونة وبرودة، ورطوبة وجفاف، وارتفاع وانخفاض... لهذا فحين تُقرأ تلك البدايات ينبغي التفكير دائماً بحدود ذاك الزمن وقدراته.

فعلماء ما قبل سقراط وفلاسفته هم علماء ما قبل العلم وفلاسفة ما قبل الفلسفة ممّن طرحوا أسئلتهم عن نظام الطبيعة وعمليّاتها وموادّها، وكذلك عن أصول الكون، بحيث بدأ معهم ميلاد العلم مصحوباً بميلاد الفلسفة. وبرفضهم الأخذ بالقصص والأساطير، أو الملاحم، صار فهم العالم يتمّ في العالم نفسه عبر تعميق معرفتنا به. وفي مقابل أسئلة «سِفر التكوين»، وقبله ملاحم ما بين النهرين، لم يَدُرْ اهتمام الإغريق حول مَن صنع الكون، بل انصبّ على الأسئلة العمليّة: ممّاذا صُنع الكون، وكيف تشكّل؟... وبدل أسئلة «مَن؟» و»لماذا»، أُعطيت الأولويّة لسؤالي «كيف؟» و»ماذا»؟ وكان من أبرز هؤلاء طاليس الذي حاول العثور على تفسير طبيعيّ للظاهرات بدل التفسيرات التي تردّها إلى أهواء الآلهة، كما تكهّن بالكسوف، وتلميذه أناكسيمندر، وكان أوّل إغريقيّ يضع رسوماً بيانيّة فلكيّة وجغرافيّة، وأناكسيمِنيس الذي وصف الحالة البدائيّة للأشياء ككتلة تتعرّض للضغط فتغدو ريحاً وغيوماً وماء، وأنيكساغوراس، أستاذ بيركليس، أبرز حكّام أثينا الديمقراطيّة، والذي اكتشف عمليّة التنفّس في النبات والأسماك، وهيراقليطس الذي نقل العلم من الفلك إلى الأرض، فرأى أنّ كلّ شيء يتدفّق ويتغيّر، وحتّى أكثر الموادّ جموداً ينطوي على حركة غير مرئيّة، فيما النار محرّك الأرض والتاريخ، وإيمبيدوكليس الذي دفع فكرة التطوّر إلى أعلى، حيث لا تنشأ العضويّات عن تصميم مسبق بل عن فعل انتخاب، ولوسيبوس الذي رأى أنّ الضرورةَ الدافعُ الدائم وراء الأشياء وحركتها، وتلميذه ديموقريطس الذي اعتبر أنّه لا يوجد في الواقع سوى الذرّات والفراغ، وأنّ عدداً لا محدوداً من العوالم سبق أن نشأ قبلاً، كما ينشأ الآن، وسوف ينشأ دوماً، وأنّ الكواكب تتصادم وتموت فيما تنهض من الفوضى عوالم جديدة، وفيثاغور صاحب الكثير من الاكتشافات العلميّة ومعادلات الرياضيّات، ما أجاز تسميته «أب الرياضيّات»، وتلميذه فيلولوس الذي قال إنّ في الإمكان تقسيم العالم إلى موادّ غير محدودة وأشكال تحدّ منها وتؤطّرها، وأنّه يمكننا استخدام الرياضيّات كي تُظهر التناسق الذي يجمع بين الموادّ والأشكال المتنافرة كما يحصل في الموسيقى، وبارمينيدس الذي دفع الفلسفة نحو المنطق الاستنتاجيّ (deductive) بوصفه وسيلة لتوكيد الحقيقة، مقابل الاكتفاء بمراقبة الظاهرات الطبيعيّة، وزينو الذي لا يزال يُذكر مرفقاً بالمفارقات التي استخدمها دفاعاً عن وحدة الواقع، وكان النقاش مستعراً حول ما إذا كان الكون واحداً أم كثيراً، وميليسّوس الذي جادل بأنّ الواقع غير محدود وأنّ الفضاء الفارغ مستحيل، وبروتاغوراس السفسطائيّ الذي صوّر الإنسان بوصفه مقياس كلّ شيء آخر، وعُدّت آراؤه تعبيراً راديكاليّاً مبكراً عن النسبيّة...

وقد تفرّع هؤلاء وسواهم إلى مدارس فكريّة تسمّت باسم مكان المدرسة، كالإيليّين نسبة لمستعمرة إيليا، أو باسم مؤسّسها، كالفيثاغوريّين، أو باسم أطروحتها الأمّ، كالذريّين والسفسطائيّين ممّن امتدّ الزمن بمدرستهم حتّى عاصروا أرسطو.

هذا ولم نصل بعد إلى ثالوث سقراط وتلميذه وتلميذ تلميذه ممّن ارتكزوا إلى الجهد الذي قدّمه السابقون ليقدّموا لمن جاء بعدهم كنوزاً أشدّ إبهاراً.

***

حازم صاغية

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ليوم: 25 – 6 – 2023م

لأن طيب تيزيني في كتابه «من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي»، استعمل تعبير السلفية أداةً لتفسير التاريخ العربي الفكري، القديم والحديث، فلقد اهتم أن يميز بين النزعة السلفية والسلف. فالأولى، وهي المعني بها في كتابه، هي - كما قال - «تقوم على اشتقاق الحلول والمواقف المطلوبة أولاً وأخيراً من الماضي الذي كان العصر الذهبي للسلف الصالح، أما السلف فهم أولئك الذين عاشوا في مرحلة ماضية منصرمة، من دون أن يكونوا كلهم ذوي نزعة سلفية». ثم قدم ملخصاً قصيراً لنشأة النزعة السلفية وتاريخها الممتد إلى القرون الحديثة.

ومع معرفته بتاريخ نشأة المذاهب الإسلامية، إلا أنه أشار إلى أن نشأة مذهب الجبرية ومذهب أهل السنة والجماعة كانت في أواخر حياة النبي محمد! في دراسة له عنوانها «طيب تيزيني بين جاذبية المنهج ومزالق التطبيق» منشورة في العدد الأول من مجلة «الفكر العربي»، عام 1978، أمسك رضوان السيد عن مناقشة ما أشار تيزيني إليه، قائلاً: «لا أفهم له سبباً، وربما كان كله خطأ مطبعياً أو سبق قلم، ولا أريد أن أضيف إلى هذا شيئاً بانتظار سماع رأي المؤلف في هذه العبارة اللاتاريخية».

وما أشار طيب تيزيني إليه ليس خطأ مطبعياً ولا سبق قلم، هو هكذا يرى ويعتقد! بدليل أنه في الطبعات اللاحقة للطبعة الأولى من الكتاب التي راجعها رضوان السيد نقدياً لم يحذف ما أشار إليه أو يعدِّل فيه.

يقول تيزيني في فصل «نزعة المعاصرة» من كتابه «لقد اتهم إسماعيل مظهر - كما اتهم معه طه حسين ومن قبله محمد عبده وآخرون عديدون - بارتباطه بالاستعمار البريطاني أو الفرنسي أو الطلياني، وبأن آراءه التحديثية لم تكن إلا بتوجيه من هذا الاستعمار. إن هذا الموقف ذا المصدر السلفي الديني المتزمت نشهده مثبوتاً، بأشكال مختلفة وبدرجات متباينة، في كتب عديدة صدرت سابقاً ولاحقاً، منها على سبيل المثال (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) لمحمد البهي - صدر عام 1960 - و(ذيل الملل والنحل للشهرستاني) لسيد كيلاني - صدر عام 1961 - و(الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة وتقويم) لغازي التوبة - صدر عام 1969. في هذا الكتاب الأخير مثلاً تكمن دعوة لرفض وإدانة كل فكر تجديدي كان ممثلاً بمحمد عبده أو بطه حسين أو عباس محمود العقاد، أو حتى بمالك بن نبي، وفيه في نفس الوقت إبراز وتبجيل مطنب لحسن البنا. لماذا؟».

إجابة تيزيني عن سؤاله هذا: لماذا؟ كانت باقتباس تعليمتين دينيتين متزمتتين من «رسالة التعاليم» لحسن البنا، أوردهما غازي التوبة في كتابه ضمن 38 تعليمة لشيخه حسن البنا.

وهذا التعليل تعليل غير صحيح. فتبجيل غازي التوبة المطنب لحسن البنا كان لأنه إخواني ونشأ نشأة إخوانية، فلو كان السبب تعاليم حسن البنا الدينية المتزمتة لما كان وصم في كتابه المذكور تقي الدين النبهاني وحزبه، حزب التحرير الإسلامي، بالانحراف الفكري على مختلف المستويات. فالنبهاني وحزبه لا يقلّان عن البنا وجماعته، في التزمت الديني. وما كتبه غازي عن النبهاني وعن حزبه يدخل في نطاق التنافس الحاد والصراع المحموم بين الإخوانيين والتحريريين على تمثيل الإسلام الحزبي الصحيح.

وعرض طيب تيزيني لما جاء في الكتابين الأولين يحتاج إلى تصويب في المعلومات.

كتاب البهي الذي صدر في أول طبعة منه عام 1957، لم يتهم صاحبه محمد عبده بالارتباط بالاستعمار البريطاني، بل دفع هذه التهمة عنه، فهذه التهمة - اتباعاً لجمال الدين الأفغاني - اتهم بها السيد أحمد خان في الهند.

وقد خلا كتاب البهي من أي اتهام سياسي أو ديني لإسماعيل مظهر، فالمتهمون عنده هم طه حسين وعلي عبد الرازق وزكي نجيب محمود وخالد محمد خالد ومصطفى محمود ورشدي صالح.

يصعب تصنيف محمد سيد كيلاني ضمن أي تيار من التيارات الدينية المعاصرة. كما أنه شخصية غريبة الأطوار لا تلتئم مع أي تيار أدبي أو فكري، ولا مع أي تيار ديني أو علماني.

وقبل أن أخوض في هذا الحديث أوضح أن كتيّبه الذي ذكره طيب تيزيني، صدر ضمن تحقيقه لكتاب «الملل والنحل» للشهرستاني.

في هذا الكتيب الملحق بتحقيقه لكتاب الشهرستاني، أراد محمد سيد كيلاني أن يكون كتيّبه في بابه الأول، استدراكاً فيما فات الشهرستاني ذكره من أصحاب الديانات القديمة، وإكمالاً في بابه الثاني لكتاب الشهرستاني في الحديث عن أديان ظهرت بعد عصر الشهرستاني، وكذلك كان الأمر في الباب الثالث الذي جعل عنوانه «المسلمون المعاصرون». في الفصل الثاني من هذا الباب، الذي كان عنوانه «المجتمع الإسلامي وثورته على القديم»، كان من بين الموضوعات المثيرة في هذا الفصل اتهامه على عبد الرازق بأنه في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» سرق من كتاب «الخلافة وسلطة الأمة»، الذي أصدره المجلس الوطني التركي. وكان محمد محمد حسين في الجزء الثاني من كتابه «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر»، قد قال قبله «وتأثر المؤلف به واضح في كثير مما جاء في كتابه من آراء، وهو يشير إلى إعجابه به في إشارة صريحة في بعض المواضع». وفي عرضه لكتاب «الخلافة وسلطة الأمة» ذكر محمد محمد حسين أن الذي ترجمه من التركية إلى العربية عبد الغني سني بك عام 1924.

وليثبَّت كيلاني التهمة على علي عبد الرازق غيّر عنوان الكتاب التركي إلى «الإسلام وسلطة الأمة»، وغيّر عنوان كتاب علي عبد الرازق إلى «الإسلام ونظام الحكم»، وعلق قائلاً: وبين الاسمين تشابه كما ترى! وفي الفصل الثالث من الباب الثالث الذي جعل عنوانه «بين الكفر والإيمان» تحدث عن منصور فهمي ورسالته للدكتوراه في فرنسا التي كان موضوعها «حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها»، وأخبر أن فترة الشك لم تطل عنده. وتحدث عن طه حسين وكتابه «في الشعر الجاهلي»، وعن أمين الخولي وإشرافه على رسالة «الفن القصصي في القرآن الكريم» لمحمد أحمد خلف الله.

وفي الفصل الرابع من الباب تحدث كثيراً عن إسماعيل مظهر وتجربته مع الإلحاد، وتحدث قليلاً عن تجربته مع الإيمان.

من مقال كتبه أحمد حسين الطماوي تحت عنوان «رحيل سيد كيلاني صاحب ربوع الأزبكية» نشرته مجلة «الهلال» بتاريخ 1 مارس (آذار) 1999، بعد وفاة كيلاني بشهرين، يعرف قارئ هذا المقال، أن الراحل له تجربة مبكرة مع الإلحاد في أول كتاب صدر له عام 1937، وهو كتاب «الشريف الرضي: عصره، تاريخ حياته، شعره». وللحديث بقية.

***

علي العميم

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في يوم: 25 – 6 – 2023م

قوة الفكر في ذاته بصرف النظر عن حامله

كانط: «إذا كان كل الناس يكذبون، أيكون الصدق تبعا لذلك مجرد وهم؟» ويقصد بذلك، أن الأخلاق متعالية عن قائلها، بغض النظر عن التطبيق. قد أعطي درسا رائعا في الأخلاق وبشكل مقنع جدا. لكنني خسيس وفاسد في الحياة العملية. فهل يعني هذا أن الدرس باطل؟ أكيد لا. فالدرس قوته في ذاته، بغض النظر عن الممارسة. وبحديثنا عن الفيلسوف خصوصا، فنحن ننتظر منه سلوكا نبيلا، ونريد منه أن يعيش عمليا، مثاله المقترح، وهو ما يزيد من إجلالنا له. لكن هل تصدق المعادلة هذه في كل الحالات؟ وهل سيرة الفلاسفة الواقعية تتلاءم وأفكارهم؟ ومن ثم، هل نكتفي بقراءة أطروحة الفيلسوف، أم من الضروري أن نعرج على حياته الخاصة، لنرى مدى التطابق بين الادعاء والتطبيق؟ هل نحكم على الفيلسوف من خلال نسق فكره ومعقولية موقفه وحججه المقدمة للإقناع؟ أم نراهن على سلوكياته وأعماله الميدانية؟ بكلمة واحدة، هل ينبغي الربط المباشر بين أفكار الفلاسفة وتصرفاتهم؟ أم لا بد من الفصل بينهما والنظر إلى الفكر بصرف النظر عن قائله؟

بالطبع، ما يدعو إلى طرح هذا الإشكال، هو ما نجده في سير بعض الفلاسفة من إحراجات قد لا تليق بهم كنخبة مفكرة، إلى حد أنك لو قرأت حياة بعضهم أولا، قبل متن فلسفته، لربما كان ذلك مانعا للاستمرار في القراءة، ومن ثم الاطلاع على أطروحاته التي تكون في الغالب عميقة جدا.

سنقف في مقالنا هذا، عند بعض النماذج التي فيها شرخ بين عمق الفكر وتفاهة الحياة، بين مواقف البعض الصلدة المدعمة بقوة، وبين سلوكا هذا البعض اللاأخلاقية والمخجلة أحيانا. إذ من النادر أن نجد تلاؤم السلوك بالفكر، وكأن الفكر أنظف وأطهر، أو لنقل إن الفكر مستقل عن العمل.

فرنسيس بيكون

يعد فرنسيس بيكون (1561-1626)، أحد كبار المنهج الاستقرائي في العلم. حيث عمل على مهاجمة سلطة القدماء بكتابه الشهير: «الأرجانون الجديد»، معلنا فيه أن الإنسان بحاجة إلى جهد شاق حتى يستطيع قراءة العالم على ما هو عليه، وليس كما يريد. وذلك لن يتم عنده إلا بتنقية العقل وتطهيره من أغلاطه وأوهامه، وحصرها في أربعة هي:

* أوهام القبيلة، أو أوهام الجنس: خاصة بالطبيعة الإنسانية (خداع الحواس مثلا).

* أوهام الكهف: وهي مرتبطة بكل ذات، من حيث: طبيعة الشخص، وتجربته، وصلاته الخاصة، وقراءاته.

* أوهام السوق: خاصة باللغة، باعتبارها عائقا يشوش على العقل.

* أوهام المسرح: خاصة بتقليد أنساق التفكير والمذاهب. فهي بمثابة مسرحيات تخلق عوالم زائفة وهمية، وتوجه التفكير وتعطل إمكاناته.

لكن إذا كان هذا الفيلسوف قد كتب وأبدع، فإن تأملنا لحياته الشخصية قد يثير فينا الاشمئزاز. فهي مليئة بالغدر والدناءة والخسة. فذات يوم، ترافع، وهو المحامي، ضد أحد رجالات البلاط البارزين، ويدعى إيسيكس Essex، مطالبا بتوقيع أقصى العقوبات عليه. وأعدم سنة 1601، والغريب أن هذا الشخص هو من كان السبب في أن يصبح بيكون مستشارا للتاج الملكي. ومن جهة أخرى، كان يصطنع الملق والدسائس لبلوغ أغراضه. بل اختلس أموال الدولة ومثل أمام المحكمة في قضية رشوة، فتم تغريمه أموالا وحرم من عضويته في البرلمان.

* جان جاك روسو

إنه الفيلسوف الأنواري (1712 - 1778) المعروف، الذي لا يخلو زماننا من بعض أفكاره. فهو كاتب «الاعترافات» التي قدم فيها نموذجا فريدا في السيرة الفضائية. وكتب في التربية مؤلفه الشهير «إميل أو التربية»، حيث قال عبارته الشهيرة: «كل شيء يخرج من يد الخالق صالحا، وما أن تلمسه يد الإنسان يصيبه الاضمحلال». وقد أعلن صرخة انتقاد مبكرة لخطورة التقدم على القيم الإنسانية. كما أنه كان من دعاة فكرة صلاح الفرد وفساد المجتمع. فالفرد يولد بفطرة طيبة نقية وطاهر، لكن بيد المجتمع إفسادها أو حمايتها. فالشر الذي يحدثه الإنسان ليس أصيلا فيه أبدا. كما ألف روسو في الفلسفة السياسية «في العقد الاجتماعي». وهو الكتاب الذي جرى حمله في الثورة الفرنسية. وساهم روسو بنظريته في عقلنة العمل السياسي وترشيده. فأصبح التدبير العام، يجري بمعزل عن الأشخاص، ويتجه نحو التجريد الجماعي وقوة الإرادة العامة والتعالي. بكلمة واحدة، لا أحد أصبح مع روسو سيدا، بل السيادة للقانون المفروض من طرف الكل.

لكن هذا العطاء الفكري وهذا التأثير الذي أحدثه في الأجيال اللاحقة، لا توازيه أبدا سلوكياته اليومية. فسيرته، تظهر لنا أنه عاش، أحيانا، على نفقة الأغنياء وأصحاب النفوذ. كما أنه وهو المنظر للتربية الحديثة، إلى درجة أن كتابه يسمى «إنجيل المعلمين»، حيث يعظ فيه بأهمية التربية الصالحة للأطفال وللأبوة والأمومة الجيدة، نجده يقيم علاقة غير شرعية مع خادمة الفندق «تيريز»، التي تنجب له خمسة أولاد، يسلمهم إلى ملجأ اللقطاء غير عابئ بالمسؤولية، ومن غير أن يترك ما يدل على أصلهم في المستقبل. ناهيك عن بعض ممارساته الجنسية ذات الطابع المازوشي. إذ ظل طوال حياته، يعبد الشابات الارستقراطيات، وكانت لديه عنهن خيالات ساذجة. وعندما استقر لسنوات عند «مدام دو فارن»، التي كان يعتبرها كأمه التي حرم منها، كان يلتذ بالركوع تحت قدميها، ويطيع أوامرها المتعجرفة، ويسألها الصفح والغفران. وكان يتقن دور العاشق الباكي.

* مارتن هايدغر

يعد مارتن هايدغر (1889-1976)، من أكبر نقاد الحداثة والحضارة الغربية. فهو من اعتبرها انغمست في الموجودات وأهملت الوجود. وهو السؤال الحقيقي عنده. إنه صاحب كتاب «الكينونة والزمان» الصادر سنة 1927، والذي يعده الباحثون أهم إصدار في القرن العشرين. وهو صاحب مفهوم «الدازاين»، الذي يعني به الوجود الإنساني لحظة اكتشاف الوجود، لحظة الإنصات لندائه والاستجابة لصوته من لدن الإنسان، باعتباره الكائن الوحيد المعني بمسألة الوجود. يعتبر هايدغر أن الحضارة الغربية جعلت سؤال الوجود مغيبا ومنسيا ولا مفكرا فيه، لصالح سؤال الموجود. فالعقل الغربي، منذ سقراط حتى الزمن الحديث، انغمس في عملية محاصرة الموجودات بطريقة محكمة ورياضية، لكنها أهملت الوجود. هذا الهجران للوجود هو لب فلسفة هايدغر، وسبب أزمة الغرب ودخوله في تقنية ضربت المعنى، الذي لن تكون استعادته إلا بالدازاين، وهو الخيط الهادي الرابط لجسور شعرية مع الوجود.

لقد اعتبر هايدغر أن الحضارة الغربية حفرت قبرها بنفسها، حين حولت الوجود إلى طبيعة.

بكلمة واحدة، يعد فكر هايدغر، كما قالت عنه عشيقته الفيلسوف، حنا أردت: «المساهم في تحديد الشكل الروحي للقرن».

هذا جزء من بعض عمق الرجل، لكن ماذا عن حياته الخاصة؟

إنه رجل الريف الألماني المتشبع بالحس الجرماني، ذو النزوع النازية، الذي سيتنكر لأستاذه اليهودي الفيلسوف «هوسرل»، الذي لعب دورا أساسيا في المكانة الأكاديمية التي حظي بها. كذلك سيتنكر لحبيبته وطالبته حنا أردت، التي كانت أيضا يهودية، عاشت معه علاقة حب عاصفة رغم كونه متزوجا. وكان يلقبها بـ«حورية الغابة»، وتلقبه هي «بقرصان البحر». في سنة 1933، جرى انتخاب هايدغر رئيسا لجامعة فريبورغ، وانضم إلى الحزب الاشتراكي الوطني، وقدم خطاب العمادة الداعم للنازية وكله حماسة، معلنا أن الجامعة يجب أن تعكس معنى الإثنية4 والوطنية، وأن تشارك في المهمة الروحية للشعب الألماني. فـ«القيم البطولية لهذا الشعب جاء وقتها، وهتلر هو الإحساس العميق المجسد لطموح ألمانيا». هذه الموالاة للنازية بكل إسهامها في تصفية اليهود من الوسط الثقافي الألماني، جعلت هايدغر في وضع محرج في المستقبل. وبدأ التساؤل: كيف لفيلسوف فذ من طراز هايدغر، أن يتوجه نحو ميول عنصرية؟ وكيف يمكن حل معضلة الالتزام السياسي بالإبداع الفكري؟

* ميشال فوكو

ينتمي ميشال فوكو (1926-1984)، إلى التيار المسمى «ما بعد حداثي». وهو صاحب عبارة «موت الإنسان». حيث سيوجه ميشال فوكو نقده للحداثة، بنحته مفهوم «الإبستمي»، ويقصد به ذلك النظام الخفي المستثمر بصمت أثناء الممارسة، الذي يحدد شروط المعرفة في حقبة تاريخية معينة، والتي بمقتضاها يعترف لخطاب عن الأشياء بأنه الحقيقة. فهو نظام لا أحد يفكر فيه ولكن يخلق شروط التفكير. ولقد استخدمه فوكو بمرادفات متعددة كالنسق، والبنية، وفضاء للتنظيم والأرضية الإبستمولوجية، وشروط الإمكان وأوليات تاريخية، وكلها تجمع على معنى واحد، هو أن هناك «لا شعور معرفيا»، أي ذلك المستوى المتخفي والعميق، وتلك الطبقة التحتية التي تشكل شروطا قبلية لإنتاج المعرفة. كما أن هذا الفيلسوف، هو من نبه إلى «ميكروفيزياء السلطة»، حيث لم تعد السلطة فقط فيما عهدناه (الملكية، الحكومة، البرلمان...) بل هي توجد في كل مكان حيثما وجد الصراع. بين العاشق والمعشوق، بين المعلم والتلميذ، بين رب العمل والعامل.. وتوظف في هذه العلاقات كل استراتيجيات السلطة الممكنة.

لكن رغم كل المنجز الهائل لهذا الفيلسوف، فقد كانت حياته مخجلة ومقززة. فقد كان يتعاطى المخدرات بأصناف متعددة (الحشيش، الأفيون، مخدر L.S.D). بل كان مثلا، يمارس اللواط، ويعيش مع شريكه «دانييل ديفيرت». بل عندما كان يدرس في تونس، وقع في كمين وضعته له الشرطة، حيث اقتاد شابا إلى المنزل كان، في الحقيقة، شرطيا متنكرا. الأخطر من كل ذلك، أنه كان يتردد على صالات السادية والمازوشية، وحمامات الشواذ العامة في سان فرانسيسكو، بعد إنهائه مباشرة لمحاضراته، ليموت بالإيدز، وكان يقول: «كيف أخاف من الإيدز وأنا قد أموت في حادث سيارة».

***

المغرب: محسن المحمدي

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في: 3 أغسطس 2016 م ـ 28 شوّال 1437 هـ

على الفيلسوف ألا ينسى أنّ قيمته الفعليّة مستمدة من مدى تأثيره في الجمهور

بدأت الفلسفة، وفق ما يخبرنا الكُتّاب الأوروبيّون في شوارع أثينا القديمة، عندما كان سقراط (470 ق.م – 330 ق.م)، المعلّم المحبوب يجتمع بالشبان، وبعضهم من علية القوم مثل أفلاطون وإلسبيادس، ويتحداهم لمساءلة الأوضاع القائمة للعالم من حولهم، في السياسة والطبقات، كما في الأخلاق ومعنى الوجود، طارحاً عليهم أسئلة أساسيّة، ما زالت إلى يومنا هذا موضع أخذ وردّ. وعلى الرّغم من أن سقراط لم يترك إرثاً مكتوباً - إذ نعرف عنه من خلال ما دوَّنه تلميذه أفلاطون - فقد شكلت هذه المجموعة الصغيرة من الشبّان الأثينيين محبِّي الحكمة الذين تحلقوا حول معلمهم المثير للجدل، نواة ما يُعرَف بالفلسفة (الغربيّة)، وأطلقت إلى الفضاء العام في مدينة أوروبيّة بارزة حينئذ مساراً يعتبر الحياة بغير بحث وحديث وشكّ غير جديرة بأن يحياها أيّ إنسان - أقلّه من غير العبيد - ونهجاً منفتحاً للتفكير والتفلسف مع الجمهور وله، خارج الأبراج العاجيّة للأكاديميّات والمدارس العليا.

على أن هذا المزاج الديمقراطيّ في التفكّر التفاعليّ بشؤون الحياة والمجتمع ما لبث أن انزوى تدريجيّاً مع غياب سقراط بقبوله تعاطي السمّ، وفق حكم نخبة أثينا عليه - لإفساده عقول الشبان - وانسحبت الفلسفة تالياً إلى أروقة الخاصّة وغرف الدّرس المنعزلة ومجالس الأثرياء المتنورين، ولم يعد متوقعاً، ولا مسموحاً للعامة، بعبور بوابة العوالم الفلسفيّة، لا بلّ أصبح جزء من الإعداد الفلسفيّ يتعلّق بالتّدريب على استخدام لغة ومصطلحات مغلقة على الجمهور يقتصر إدراكها على ذوي الاختصاص، لا سيّما في العصور الوسطى؛ أي عندما وجد المتعاطون للفلسفة أنّ السلامة في المجتمعات التي تهيمن عليها الأديان تقتضي إبقاء العامة (والسلطات) عند مستوى الظاهر حصراً.

عزل الفلسفة (الغربيّة) - وحاملها العربي/ الإسلامي خلال عصور الظلام الأوروبيّة - عن العامّة، زرع في ذهن الجمهور ردّة فعل سلبيّة تجاه الخطاب الفلسفي بعمومه، وأصبح تعاطيها عند رجل الشارع - وغالب أرباب السلطة - كناية عن إزجاء الوقت بما لا طائل من ورائه، ولا منفعة عمليّة، ومهنة من لا مهنة له.

وقد استمرت هذه الحال إلى وقت قريب، رغم محاولاتٍ بذَلها بعض فلاسفة الأنوار، ولاحقاً كارل ماركس، ورفيقه فريدريك إنجلز، خلال القرن التاسع عشر، لتقريب بعض المفاهيم الفلسفيّة الأساسيّة للناشطين من العمّال والنّقابيين، لكّن تلاميذهما ما لبثوا وخلعوا على الممارسة الماركسيّة للفلسفة غموضاً نخبوياً، وانتهت الماركسيّة بدورها كما أنظمة التفكير الفلسفيّ الأخرى، نادياً مغلقاً على الخاصّة والمتفرغين.

قفزات الألفية الثالثة

وإذا كان الفلاسفة في القرن العشرين قد نجحوا - لعوامل عدّة متقاطعة - في نيل مكانة أكثر قبولاً من الجمهور، وتحوّل بعضهم مثل جان بول سارتر، وجيل دولوز، إلى مشاهير، إلا أنّ ذلك لم ينعكس بالضرورة على الخطاب الفلسفي (الغربيّ)، الذي ظلّ إلى حد بعيد نخبوياً ومتحذلقاً، وساعدت السلطات - لأسباب مفهومة وبشكل مباشر أو غير مباشر - في تكريس إبعاده عن الحياة اليوميّة للمواطنين. ولعلّ قراءة أي عمل لدولوز مثلاً تُظهر سريعاً استغلاق المقاصد على غير المتخصص، والحاجة إلى تدريب مستفيض قبل الإقدام على محاولة عبور النّص واستكناه معانيه.

على أنّ اقتراب الألفيّة الثالثة جلب معه قفزات هائلة في العلوم النظريّة بالاستفادة من تطور تكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي وأدوات البحث العلمي على نحو انتقلت معه مادة العمل الفلسفيّ، ربما من دون اسمها، إلى مجالات الفيزياء وعلوم الأعصاب والجيولوجيا والآثار والرياضيّات والعقول الإلكترونيّة والقانون، فيما انتهت مدارس الفلسفة بالأكاديميات الغربيّة دون مادتها إلى الارتباك، وانقسمت بين الفضاءات الرئيسة الثلاثة لها الألمانية والفرنسيّة والأنجلوسكسونية، إلى مجالات غير مترابطة: في مكان ما تسعى إلى وضع معايير محددة للدّقة أو العدالة أو الحقيقة، دون أن يعبأ بها أحد، وفي مكان آخر تعمل على معالجة قضايا نظرية أو عملية موغلة في التخصص بحيث يتعذّر الاستفادة من معطياتها، أو هي في مكان ثالث لا تزيد عن مصانع خريجين خبرتهم مضغ التراث الفلسفي المتراكم منذ «جمهوريّة» أفلاطون، وكتابة مطولات في المقارنة بين المدارس الفلسفيّة لا يقرؤها أحياناً سوى أفراد معدودين على الأصابع، وينتهي أغلبهم إلى تولّي وظائف في البنوك، أو يعملون مساعدين للسياسيين.

على أنّ ثمة شبحاً جديداً يحوم، اليوم، في سماء الفلسفة الغربيّة: الفلسفة الشعبيّة. لقد أدرك بعض أساتذة الفلسفة المعاصرين عبث خروجهم التاريخي عن نهج سقراط، وانطلق بعضهم في البحث عن مناهج وقنوات لأخذ منافع ما تبقّى من مادة علمهم إلى الجمهور، وطرح أفكار حول طرائق يمكن من خلالها لغير المتخصصين - أفراداً ومجموعات لا بل ومجتمعات - الاستفادة من الفلسفة في تفكيك علاقة الإنسان بالعالم حوله، في ظلّ انتهاء الأفكار اليقينيّة الكبرى التي استعان بها أجدادنا على تمضية الوقت، والقناعة المتزايدة باستحالة التنبؤ بالمستقبل بأي درجة مقبولة من الدّقة. فظهرت في ألمانيا مثلاً مدرسة «التوجه أو Orientation Philosophy» التي تخاطب أساساً الأفراد غير المتخصصين، وتمكِّنهم من استخراج خلاصات عمليّة من مجمل النتاج الفلسفي المتراكم، وتوظيفها بعيداً عن المسائل المغرقة في التجريد، للنظر في وسائل أكثر نجاعة عند إدارة تموضعهم من العالم والأشياء والناس والأحداث، ومنح إنسان القرن الحادي والعشرين الأدوات للتعاطي مع المؤقت والعابر والمتغيّر، وتحسين قدرته على اتخاذ القرارات في أجواء عدم التيقّن الغالبة، مع محاولة القبض على الكيفيّة التي تكتسب فيها تلك القرارات (العمليّة) قيمة معنوية وأخلاقية، وكيف تتأثر بالظواهر المستجدّة للعولمة والرّقمنة، وأسرار علاقتها بالميتافيزيقا، ودائماً دون توقع أسباب أو مبررات أو تقييمات عالمية سرمديّة الطابع. أما في فرنسا، فقد توسعت ظاهرة «الفلسفة الشعبيّة»، وعمد فلاسفة جدد إلى تعميم الممارسة الفلسفيّة، عبر إصلاح لغة الخطاب الفلسفيّ باعتماد نماذج مبسطة تمكِّن الإنسان العاديّ من استيعاب مغازيها، وكذلك بطرحها موضوعات راهنة وعمليّة، واستخدام قنوات متعددة للربط مع الجمهور، سواء من خلال وسائل الإعلام، أو مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، أو حتى من خلال المقاهي الفلسفيّة، ونزول الفلاسفة من معتزلاتهم إلى الشارع مجدداً. أما في الحيّز الأنجلوساكسوني فقد تبلور ما يُعرَف بـ«الفلسفة العامّة»، وهما فعلياً مدرستان متوازيتان، إحداهما تستهدف جلب الفلسفة إلى حيّز الفضاء العام، عبر تقديم معالجات لمسائل مطروحة وآنيّة في السياسة والقضايا الاجتماعية وأخلاقيات العلم والقانون، والأخرى بجلب الفلاسفة أنفسهم إلى الأماكن العامة، والانخراط في نقاشات فلسفيّة مع الجمهور غير المتخصص ضمن بيئات غير أكاديميّة.

عودة متأخرة لسقراط

وتطرح هذه العودة المتأخرة للفلسفة إلى الطريقة «السّقراطيّة» تساؤلات حول التأثيرات بعيدة المدى للاشتباك المُستعاد بين «محبة الحكمة» والجمهور العام، فهل سينعكس توسيع نطاق الجدل الفلسفيّ وقاعدة المنخرطين به إيجاباً على «المحتوى»، أم أنّه سيؤدي في المحصّلة إلى ابتذال الخطاب، وانخراط الفلسفة في دوامة الشعبوي والمسيَّس والمنفعل؟

إن الفلسفة، اليوم - بعد أن فقدت حصريتها في تعاطي الأسئلة الكبرى لمصلحة العلوم الصاعدة - تتطلب أن يصبح الفيلسوف تلميذاً للمعرفة المجتمعية، وألا ينسى أنّ قيمته الفعليّة مستمدة من مدى تأثيره في الجمهور، وأنّه في النهاية جزء من هذا الجمهور، مع الإقرار بأن المحتوى الفلسفيّ يمكن أن يستفيد بقدر كبير من التواصل مع الفضاء العام، أقله لناحيّة طرح الأسئلة، أو إعادة صياغتها، تماماً كما يمكن للجمهور أن يستفيد من الاحتكاك بالفلسفة في العثور على إجابات قد تكون أكثر عقلانيّة - بمعنى التغلّب على الأحكام المسبقة، والمعلومات المضللة، والمنطق الخاطئ، والمواقف الغريزية - تجاه التحديات التي تستمر الحياة باستيلادها له. وقد يكون ذلك أفضل ردّ اعتبار للحكيم سقراط من نخبة أثينا، التي أرعبها أن يبدأ العامة التفكير وطرح الأسئلة.

***

ندى حطيط

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في يوم: 13 يونيو 2023 م ـ 24 ذو القِعدة 1444هـ

الصفحة 4 من 7

في المثقف اليوم