اخترنا لكم

تحدث ابن جني عن شجاعة العربية ووصف بعض سمات التصريف الأسلوبي فيها ومثّل له بقوله «اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف والزيادة والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف»، وما هو أهم من أمثلة ابن جني التي ليست أمثلةً حصريةً هي فكرته عن شجاعة اللغة العربية وسر ذلك يأتي من مهارات لغتنا في تصريف الكلام وتحويله بين أساليب تعبيرية لا تقف عند حد، وهذا هو سر العربية ومتى ما سلبنا عنها سرها فستفقد شجاعتها، وهذا الذي يفعله حراس اللغة من أنصاف النحويين وأنصاف اللغويين الذين ابتكروا قاعدة «قلْ ولا تقلْ» ونصبوا أنفسهم على أبواب الألسنة ليتحكموا بها وبذهنيات الإبداع والإنشاء فيشترطوا لصحة أي تعبير أن يكون قد قيل قبلنا بلسان شخص ما، وشرطُه وتأهيله الوحيد أن يكون ذاك الشخص المرجعي قد مات قبلنا بقرون!

ولهذا شاع في ثقافتنا سؤال غبي فرضته عقلية حراس اللغة، وهو سؤال يتجه دوماً ضد أي تعبير جديد بأن نسأل: هل هو قول فصيح؟ ومعنى فصيح هنا هو: هل ورد هذا التعبير عند سلفنا أم لا، فإن تبرع أحد النحاة وقال إن بيتاً ما ورد عن أعرابي مر في سوق المربد في البصرة قبل خمسة عشر قرناً وترنم ببيت من الرجز قال فيه تلك الكلمة فهنا ستسجل العبارة فصيحةً! أما إن جاء طه حسين مثلاً وكتب في كتابه «الأيام» صيغاً لغويةً مستجدة ومن مبتكرات مهارة طه اللغوية والذهنية فسينبري له نحوي تعيس ويصدر كتاباً يكشف فيه مئتي خطأ لغوي وأسلوبي على طه حسين في كتاب «الأيام».

وكذلك مرت فترة كانت إحدى الإذاعات العربية تذيع حلقات أسبوعية بعنوان «قل ولا تقل»، لم يترك فيها مقدم البرنامج تعبيراً صحفياً أو تعبيراً حديثاً إلا وقاسه على مقاييس أقوام ماتوا قبلنا بقرون ولم يروا ما رأينا ولم يعيشوا زمننا، ولكنّ البرنامج الإذاعي اشترط لبلاغتنا الحديثة أن تعيش زمناً مضى وتتلبّس بثوب وذهنية ذاك الماضي، فإن لم نفعل فسنكون غير فصحاء وربما غير عرب وإنما مستعربة، ثم شاعت هذه الفتنة الثقافية في الصحف وأفرد لها باب تحت هذا العنوان «قل ولا تقل» ترصد مجاميعَ من الصيغ والأسلوبيات الحديثة لتصفها بعدم الفصاحة وتقترح غيرها بدائل لها، وهذا إرث ثقافي توارثه تلامذة صنعوا سياجاً سلطوياً يلاحقون به الألسنة كي يحبسها في ثلاجات الموتى. وويحك يا ابن جني إذ تظن بنا شجاعة كشجاعة لغتنا ونحن هنا جبناء أمام كلماتنا نتوسل لأنفسنا عذراً من نحوي شبه جاهل كي يأذن لكلماتنا بأن تمر دون شطبة قلم تعيد نسخ كلماتنا وفق علمه المحدود بمحفوظاته من الألفية النحوية ومن شواهد النحاة التي كان كثير منها مزوراً ليكون على قياس دعاويهم النحوية.

وتلك حال لغتنا العربية ما بين شجاعتها وجبن حراسها.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب ومفكر سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 27 يناير 2024

ثقافة المجتمع العراقي قائمة على التنوع المفيد والمثري، وهي تنعكس في سلوك العراقيين وطباعهم على نحو واضح وملحوظ. كان المجتمع العراقي، بعربه وكرده وجميع طوائفه ومذاهبه ومكوناته.. متعايشاً ومنسجماً مع ذاته قبل العام 2003، لكن بعد ذلك أُصيب في توازناته الناظمة لانسجامه وتعايشه التاريخي، فتفرّق العراقيون طرائق قِدداً.

وكان المؤرخ وعالم الاجتماعي العراقي الدكتور علي الوردي (1935- 1995)، الذي تبنى النظريات الاجتماعية التنويرية وجمع بين رجاحة الفكر وبساطة الأسلوب، قد وصف شخصية المجتمع العراقي أحسن توصيف، وشخّص أدواءَها الفكرية والأخلاقية على نحو شديد الدقة، فحرّك الساكنَ بنقده الحاد لهذا المجتمع، لاسيما حين حلل نمط الشخصية العراقية وأسلوبها في كتابه «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي»، الصادر في عام 1965، إذ وصف هذه الشخصية قائلاً إنها تختلف عن أي شخصية أخرى في العالم.

لقد رأى الوردي أن العراقي متطرف في كل شيء، في شجاعته وعدمها، في كرمه وبخله، في وطنيته وفي تخليه عنها، في تديّنه ومجونه.. كما أنه عاطفي جداً، لكنه عنيف إلى حد الدموية.. وهكذا دواليك. أو باختصار شديد، إنه شخصيات في شخصية واحدة!وفي هذا الصدد يقول الوردي في نقد لا يخلو من حدة ومبالغة: «المجتمع العراقي يعاني ازدواجيةً بشكل مركّز ومتغلغل في الأعماق، فالعراقي كثير الهيام بالمُثل العليا في خطاباته وكتاباته، لكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافاً عنها»!

الشعب العراقي حين يفوز منتخبه الوطني على الخصم في لعبة رياضية، يملأ الساحات والمدن والشوارع بأفراحه ويتوحد بكل مناطقه ومحافظاته وقومياته ودياناته ومنابعه وأطيافه.. ويلتف صفاً واحداً خلف منتخبه الرياضي، يؤازره بشدة، داخل العراق وخارجه، فيبدع في التشجيع، سواء بالأناشيد الوطنية، أو الأهازيج الشعبية، أو العبارات الرياضية المشجعة.. ويتحول الاحتفال إلى كرنفال تؤديه فرقة وطنية واحدة بألوان الطيف العراقي، تحت العلم العراقي الواحد، وبصوت موحد لتشجيع منتخبهم المتأهل، الذي يضم لاعبين من مختلف القوميات والطوائف والمناطق.

وفي هذا السياق فقد قابلتُ ذات مرة، قبل عدة أعوام من الآن، أحدَ المقاتلين السابقين في البيشمركة، وكان عمره يتجاوز الثمانين، وأخبرني قائلاً: كنا نقاتل ضد الجيش العراقي بضراوة في جبال كردستان العراق، لكن حين يلعب المنتخب العراقي مع منتخب دولة أخرى كنا نتوقف عن القتال ونتفرغ لمشاهدة المنتخب العراقي، وحين يفوز نطلق الأعيرة النارية في الهواء، فرحاً وابتهاجاً بالفوز، ثم نعود للقتال بلا هوادة! العراقيون في السياسة متفرقون ومتخاصمون، في الداخل والخارج، حول معظم القضايا الوطنية والأمور السياسية والطائفية، ولا يزال بلدهم يعاني المحاصصةَ الطائفيةَ، والشحنَ المذهبي والنعرات القبلية.. حتى إنهم إلى الآن لم يفلحوا في انتخاب رئيس للبرلمان بعد إبطال عضوية رئيسه.

ولو التف العراقيون حول مؤسساتهم الوطنية، كما يلتفون حول مدرب فريقهم ولاعبيه.. فسيتحدون على مسار بلدهم ونهجه، بعيداً عن الخلافات القومية والطائفية والمذهبية الطارئة التي تفرّق الأوطانَ وتفتك بها!

***

د. علي القحيص - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 26 يناير 2024 23:54

الإنسان الحديث إنسان مُزَعْزَع لم يعد يستطيع أن يستعصم بأي شيء

بما أن العالم القديم لا يمكن أن يموت مرة واحدة، وبما أن العالم الجديد لا يمكن أن يولد دفعة واحدة، فإن الجيل الذي يعيش بينهما يشهد عادة كثيراً من التمزقات النفسية والانهيارات الداخلية. إنه جيل الاحتراق والعبور. عنيت جيلنا الحالي، أو جيل الكتاب الفرنسيين قبل 200 سنة. وهذه التمزقات والانهيارات النفسية هي التي عبّر عنها شاتوبريان بكل وضوح عندما قال: «لقد وجدت نفسي على مفترق قرنين كما يجد المرء نفسه على مفترق نهرين. وقد غطست في المياه المضطربة مبتعداً بحسرة عن الشاطئ القديم حيث ولدت، وسابحاً نحو الشاطئ الآخر المجهول الذي سوف تصل إليه الأجيال المقبلة والذي لن أراه بأم عيني».

هذا تصوير من أنجح ما يكون لعملية النقلة أو القطيعة التي تُمزقنا نحن الآن... ينبغي العلم بأن شاتوبريان ولد وعاش نصف عمره تقريباً في القرن الثامن عشر، أي قبل الثورة الفرنسية، ثم عاش نصف عمره الآخر في القرن التاسع عشر، أي بعد الثورة 1768 - 1848 (80 سنة). وبالتالي فقد شهد كلا العالمين، القديم والجديد. ولم يكن من السهل عليه أن يحدث القطيعة مع العالم القديم الذي ولد فيه وترعرع في أحضانه. من يستطيع أن ينسى طفولته وشبابه الأول؟ وهو عالم مسيحي، كاثوليكي، زراعي، ريفي، في معظمه. هذا في حين أن العالم الجديد ابتدأ يصبح علمانياً، صناعياً، فلسفياً، مضاداً للدين عموماً أو قل للأصولية الدينية لكي نكون أكثر دقة. فالحداثة التنويرية لم تكن ضد الدين في المطلق، وإنما ضد التصور الانغلاقي القديم للدين. الحداثة ولّدت تأويلاً جديداً للدين المسيحي هو التأويل الليبرالي اللاطائفي الذي شاع وانتصر لاحقاً في كل البلدان الأوروبية المتقدمة. ولكن ذلك لم يتم دون مخاض عسير وصراعات هائجة. وهذا المخاض هو الذي ابتدأنا نعيشه نحن الآن في العالم العربي والإسلامي. وبالتالي فالمسافة الفكرية التي تفصل بيننا وبين الأوروبيين هي 200 سنة على الأقل فيما يخص المسألة الدينية. ما عاشوه وعانوه قبل 200 سنة من حزازات وطوائف ومذاهب وصراعات وحروب أهلية وتمزقات، نعيشه نحن ونعانيه الآن. لذلك قلت وأقول إن الزمن العربي الإسلامي غير الزمن الأوروبي، بمعنى أننا متعاصرون زمنياً، ولكننا لسنا متعاصرين معرفياً ولا فلسفياً ولا سيكولوجياً. بيننا وبينهم يوجد تفاوت تاريخي كبير. وينبغي أن نأخذ ذلك بعين الاعتبار لكي نفهم ما يحصل حالياً ولكي نستطيع أن نقيم علاقة صحيحة مع الفكر الأوروبي ومع أنفسنا أيضاً... ما أجمل أن تغطس مع شاتوبريان في كتابه الخالد «مذكرات ما وراء القبر»، هناك حيث يرتفع بالنثر الأدبي الفرنسي إلى أعلى عليين أو ينخفض به إلى أسفل سافلين! ليس في كل يوم يظهر كاتب كبير...

مهما يكن من أمر، فإن الإنسان الكلاسيكي كان قد انتهى في عصر الرومنطيقية وشاتوبريان. ونقصد به الإنسان الكامل، الخالد، الثابت، الذي لا يتغير ولا يتبدل. إنه إنسان القناعات المؤكدة واليقينيات الراسخة. إنه إنسان القيم الواثقة ذات الطمأنينة الكاملة التي لا تشوبها شائبة. وأما الإنسان الحديث فهو إنسان مُزَعْزَع، مترجرج، قلق، لم يعد يستطيع أن يستعصم بأي شيء. فالعالم القديم انهار أو كاد، واليقينيات الكبرى التي كان يركن إليها الإنسان القديم انهارت معه. لهذا السبب راح الشاعر الرومنطيقي يشعر بالهلع والجزع أمام العالم الجديد الذي ينفتح أمامه. لهذا السبب راح يلجأ إلى البكاء والنحيب والعويل. وهكذا امتلأ شعره بتلك البحة الغنائية الحزينة، أو النزعة العاطفيّة الفياضة والمؤثرة. لنستمع إلى أحد كبار الشعراء الرومنطيقيين الفرنسيين ألفريد دوموسيه يتحدث عن تلك الفترة:

«وا أسفاه! لقد انتهى الدين. انتهى كل شيء. وغيوم السماء تتساقط مطراً. ولم يعد لنا أي أمل. لم نعد ننتظر أي شيء من الغيب، ولا قطعتين من الخشب تشكلان صليب الأمان بالنسبة لنا. وأما نجم المستقبل فلما يكد يبزغ بعد. إنه لا يستطيع الخروج من رحم الأفق. وإنما يظل مغلّفاً بالغيوم. وكالشمس الشتائية يتبدَّى لنا أحمر كالدم المراق عام 1793 (إشارة إلى الثورة الفرنسية). لم يعد هناك حب، ولا مجد. يا له من ظلام سميك، سميك، يطبق على وجه الأرض! وعندما يطلع الفجر الجديد للعالم سوف نكون قد متنا...».

بمعنى آخر؛ نحن جيل القطيعة، نحن جيل الاحتراق والعبور. نحن جيل الموت والولادة في آن معا. نحن جيل التمزق بين جيلين. سوف نشهد موت العالم القديم حتى النخاع دون أن يتاح لنا أن نكحل أعيننا بولادة العالم الجديد... هذا هو قدرنا ومصيرنا... نحن جيل التضحية والفداء. والعالم الجديد لن ينبثق إلا على أنقاضنا. لا أعرف لماذا أتذكر الآن تلك الأبيات الجميلة لخليل حاوي...

يعبرون الجسر في الصبح خفافاً

أضلعي امتدت لهم جسراً وطيد

من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق

إلى الشرق الجديد

أضلعي امتدت لهم جسراً وطيد

هل تنبأ خليل حاوي بتلك القطيعة الإجبارية التي ستفرض نفسها علينا إذا ما أردنا الانتقال من عصر الظلمات إلى عصر الأنوار، أو من عصر العبودية إلى عصر الحرية؟ على الأقل فإنه أحس بخطورة المسألة ورعبها، وربما لهذا السبب انتحر... فما بالك لو أنه عاش وشهد ما يحصل في غزة حالياً؟ كان قد انتحر 10 مرات... ولكنه - وهنا تكمن شهامته - قبل بأن يكون الضحية وخشبة الخلاص للأجيال القادمة. قال ما معناه؛ ليمشوا على أضلعي، ليدوسوا على جسدي، ليتخذوه جسراً تحت أقدامهم ونعالهم، إذا كان ذلك سيساعدهم على العبور إلى الضفة الأخرى؛ ضفة الإنقاذ والخلاص. ولكن ما كان ينبغي عليه أن ينتحر لأنه فقد بذلك إمكانية التحول إلى قدوة عليا، إلى منارة، للأجيال القادمة. الانتحار ليس حلاً. الانتحار هزيمة غير مقبولة أياً تكن خشونة الواقع. الانتحار خور، جبن. الانتحار عيب بل عار. الانتحار لا يليق بالرجال. المتنبي لم ينتحر وإنما سقط مضرجاً بدمائه! هذه ميتة حقيقية، ميتة عزّ وشرف لا تليق إلا بأعظم شاعر عربي. ولكنه ليس الوحيد. معظم العباقرة الكبار سقطوا بطريقة أو بأخرى تحت ضربات القدر. سقراط، ديكارت، سبينوزا، جان جاك روسو، جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمن الكواكبي. نعم. نعم. لقد قتلت الأخيرين السلطنة العثمانية البائدة بالسم الزعاف (العملية سهلة وبسيطة جداً، فنجان قهوة فقط!). هذه السلطنة التي يحن إليها البعض حالياً ويريد إعادتها مجدداً. ولكن الشعب التركي الكبير والمستنير لن يقبل بالعودة إلى الوراء. يقول لنا الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل سير؛ لقد درست حياة مثقفي فرنسا على مدار 400 سنة فوجدت أنهم كانوا جميعاً مهددين. ولا واحد منهم عاش مرتاح البال. كلهم كانوا ملاحقين من قبل الأصولية والأصوليين، الظلامية والظلاميين. لماذا؟ لأنهم خرجوا على كهنة الماضي الذين تقدسهم الجماهير وفتحوا ثغرة في جدار التاريخ المسدود. لأنهم حاولوا - ونجحوا! - في فك الاستعصاء التاريخي. لأنهم دشنوا القارات البكر للفكر، هذه القارات التي لا تخطر على البال. فكان جزاؤهم الاغتيالات والملاحقات. ولكن نيتشه نبهنا منذ زمن طويل إلى هذه الحقيقة؛ كل فكر لا يقف على حافة الخطر لا يساوي قشرة بصلة. الفكر والخطر صنوان! وفولتير، أستاذ نيتشه، نبهنا إلى حقيقة أخرى؛ وهي أن الذين يزرعون بذور التنوير غير الذين يحصدون. قال؛ لن أرى بأم عيني نتائج فكري ومؤلفاتي، وهذا لا يزعجني أبداً أبداً. على العكس، أشعر بالسعادة القصوى لأن الأجيال القادمة هي التي ستقطف الثمار. وقد قطفتها. فلولا جهوده وجهود سواه من فلاسفة الأنوار لما تحررت فرنسا من تلك العصبيات الطائفية الكاثوليكية - البروتستانتية التي مزقتها طويلاً ودمرت وحدتها الوطنية.

ولكن بعد أن تحررت الأجيال الفرنسية من الأصولية والطائفية ما عاد مفهوماً استمرار معاداة الدين والقيم الروحية كما يفعل ميشيل أونفري بكل حماقة وتهور في فرنسا حالياً. لماذا يثقب هذا الشخص أبواباً مفتوحة؟ لطالما طرحت على نفسي هذا السؤال وأنا أقرأ كتبه الشيقة والمبدعة في قسم منها. هل فعلاً أن الأصولية المسيحية هي التي تهدد فرنسا حالياً أم الإباحية الجنسية المنفلتة كلياً من عقالها؟ ولذلك أقول؛ لا مصلحة للمثقفين العرب في تقليد التيار الإلحادي المادي الشذوذي المطلق السائد في الغرب حالياً. بل نحذر منه كل التحذير. فنحن ليست مشكلتنا مع الدين وسموه وتعاليه وإنما مع الظلامية الدينية. نحن مشكلتنا مع الطائفية التي تمزقنا وتمنع تشكيل الوحدة الوطنية العزيزة الغالية فيما بيننا. أقول ذلك وأنا أتذكر عبارة جبران خليل جبران الرائعة؛ ويلٌ لأمة كثرت فيها الطوائف وقل فيها الدين!

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، يوم: 21 يناير 2024 م ـ 09 رَجب 1445 هـ

«هزيمة الغرب»، عنوان الكتاب الأخير للمؤرخ وعالم الإنتروبولوجيا الفرنسي المشهور «أمانويل تود»، وقد أثار فورَ صدوره هذه الأيام جدلا واسعاً متشعباً. الكتاب هو خلاصة قراءة «تود» للنظام الدولي الجديد من زاوية الحرب الأوكرانية الممتدة منذ سنتين. وعلى عكس المقاربات السائدة، يرى «تود» أن روسيا في طور الانتصار على حلف شمال الأطلسي الذي هو في حقيقته حلف جديد يتمحور حول مثلث «لندن- فرسوفيا- كييف»، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تنجح في هذه الحرب لأسباب موضوعية جوهرية. وفي مقدمة هذه الأسباب ما أطلق عليه تود «العدمية الناتجة عن انهيار البروتستانتية»، وهو هنا يستعيد أطروحة ماكس فيبر الشهيرة في ربطه بين الإصلاح البروتستانتي ونشأة الرأسمالية الحديثة. لقد شكل العالَم البروتستانتي (الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وألمانيا والدول الاسنكدنافية) محورَ الرأسمالية الاقتصادية والليبرالية الفردية، نتيجةً لعوامل ثقافية أساسية من بينها انتشار الكتابة والتعلم، وأخلاقيات العمل، والانضباط المهني والمسلكيات الصارمة. بيد أن هذه القيم التي استمرت مدة طويلة في شكل قوالب ثقافية رغم تراجع الممارسة الدينية، قد انحسرت كلياً اليوم بما يفسر، حسب المؤلف، التقهقرَ الصناعي في هذه البلدان وانهيار النظم التعليمية فيها ودمار الأسرة وتخلخل آليات الانضباط الاجتماعي المرتبطة بها. وقد ظهرت هذه الثغرات خلال جائحة كورونا، وبرزت في الحرب الأوكرانية الحالية عندما بدا جلياً للعيان أن الصناعة العسكرية الأميركية عاجزة عن توفير حاجيات جيش كييف، بما ينذر بنصر روسي قريب في النزاع القائم، رغم الوعود الغربية. وفي هذا السياق، يرفض تود النظرَ إلى الصراع الدائر على الساحة الأوكرانية كما لو أنه حرب استعمارية تقليدية، بالنظر إلى الوشائج العضوية بين منطقتي القرم ودونباس مع روسيا، كما يرفض اعتبارها حرباً بين الديمقراطية والاستبداد أو صداماً بين ما يسميه «الأوليغارشيات الليبرالية» و«الديمقراطية التسلطية». ما تعنيه هذه العبارات هو أن الديمقراطية التمثيلية في الغرب انهارت كلياً، وما أصبح سائداً في المجتمعات الغربية هو تحكم قوى بيروقراطية متنفذة لا تعبّر عن الجسم السياسي السيادي وإن كانت معايير الحرية السياسية متوفرة، بينما يتمتع النظام الحاكم في روسيا بشرعية حقيقية وقبول شعبي لا شك فيهما وإن كانت مساحة الحرية العمومية محدودة. الخلاصة التي يصل إليها المؤلف هو أن التوازنات المستقبلية للنظام الدولي ستتمثل في قيام حلف روسي ألماني له جذره الجيوسياسية والإنتروبولوجية العميقة، وانكفاء العالم البروتستانتي المتمحور حول الولايات المتحدة الأميركية على نفسه، وبروز الجنوب كقوة صاعدة مستقلة عن الغرب. ليس من همنا هنا تقويم أطروحة أمانويل تود، الذي عرف بحسه الاستراتيجي الثاقب، وهو الذي توقع عام 1976 تفكك الاتحاد السوفييتي انطلاقاً مِن نظريته في الأنساق القرابية والأسرية. ما نريد أن نضيفه هو أن أهمية أطروحة تود تتمثل في استخدامه العواملَ الثقافيةَ في رصد المعطيات الجيوسياسية، بدلا من نموذج صراع القوة المهيمن على الدراسات الاستراتيجية. بيد أن من ميزات عمل تود هو أنه تجنَّب مقاربةَ صدام الثقافات التي تبلورت في الأدبيات الأميركية وفي خطاب المجموعات اليمينية الراديكالية في أوروبا، وهي في عمومها تعاني من أوهام التحديد الغائم وغير التاريخي للهويات الثقافية المشتركة بالنظر إليها كأنساق اجتماعية جامدة بدل اعتبارها منظومات رمزية تتكيف مع التحولات والتغيرات التاريخية والمجتمعية المستمرة. ولقد اتهم تود بأنه يدافع عن الموقف الروسي ويناصر بوتين في حربه ضد أوكرانيا، وسخر البعض من توقعاته ومن إعلانه هزيمة الغرب. ولئن كان من المبرر منهجياً ومعيارياً التشكك في تقويمه السلبي للأداء الغربي في الحرب الأوكرانية الحالية وتنبئه بهزيمة الغرب وانتصار روسيا، إلا أنه نجح دون ريب في توجيه النظر إلى مكمن الضعف والهشاشة في السياسات الاستراتيجية للقوى الغربية التي تعاني من مصاعب جمة في ضبط توازنات العالم الراهن. لقد كتب كثيرون من قبل تود عن «نهاية الهيمنة الغربية»، وعبّر الرئيس الفرنسي الحالي ايمانويل ماكرون عن هذا الوضع بعبارة «نهاية المركزية الغربية»، بعد قرون أربعة من السيطرة الأحادية على العالم. يقول تود في كتابه الأخير: لقد غدا من الصعب على الغرب أن يستوعب أنه لم يعد وحده في العالم، لكن عليه أن يفكر جيداً في ماذا يمكن أن يقدم للبشرية راهناً، بعد أن انحسرت قيمه المرجعية ولم يعد نظامه السياسي المجتمعي فاعلاً ولا ناجعاً في سياقه الأصلي.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 21 يناير 2024 23:45

من زمان (1992) دخل أستاذنا الراحل حسن حنفي على إشكالياتنا مع الغرب عندما أصدر كتابه «الاستغراب» في مقابلة كتاب إدوارد سعيد الشهير «الاستشراق» (1978) وكنا نمزح معه عندما يكون مزاجه حسناً فنقول له: «لقد أردتَ بكتابك الضخم منافسة إدوارد سعيد لكنك لم تنجح!»، والحق أنّ حسن حنفي يمكن اعتباره متخصصاً في الفكر الغربي، فقد بدأ حياته الفكرية في الستينات بترجمة كتاب سبينوزا في الدين والسياسة مع دراسةٍ ضافيةٍ أفدنا منها جميعاً متخصصين وغير متخصصين في الفلسفة الغربية وفي علاقات الدين بالدولة. وما دعا إليه حنفي تحقق جزءٌ كبيرٌ منه؛ إذ بيننا اليوم عشرات المتخصصين في الفكر الغربي وفي الفلسفة الغربية وفي السياسات الغربية. والداعي إلى إثارة موضوع الغرب والعلاقة به من جديد الحملات الهائلة المعاصرة من جانب المثقفين والسياسيين والإعلاميين العرب على سياسات الغرب وأصوله الفكرية والتي بلغت الذروة في الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة، والتي مضت إلى ما هو أبعد من السياسيات إلى الفكريات والحضاريات كما سبق قوله. وعلّة ذلك موقف الغرب من سياسيين ومفكرين من الحرب، وليس الموقف السياسي وحسب، بل والموقف الفكري الذي يتجاوز القضية الفلسطينية إلى العرب والإسلام.

لقد دفعني ذلك، وبخاصةٍ أنني خضتُ مع الخائفين إلى إعادة قراءة كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد. والطريف أنني قرأت خاتمةً للكتاب كتبها إدوارد سعيد (1994) ينكر فيها الانطباع السائد أنه كان معادياً للغرب وهو لم يكن كذلك ولم يفكر فيه عندما وضع كتابه (1975-1976)! في كثير من الأحيان يستقلُّ النصُّ عن كاتبه وأطروحة «موت المؤلّف» صارت شهيرةً في الأدبيات الفرنسية. وبهذا المعنى، فإنّ استظهار إدوارد سعيد المتأخر (ونحن نأخذه مأخذ الجد) ليس دقيقاً على الأقلّ من حيث التأثير. فبعد كتابات النقد ما بعد الاستعماري، والتي بدأت قبل إدوارد سعيد (لدى طلال أسد مثلاً)، تطورت دراسات التابع (subaltern) وليس لدى العرب، بل لدى الهنود وفي أميركا اللاتينية. وهي تمضي أبعد من سعيد بكثير ولنتأمل كتابي وائل حلاّق الأخيرين: «الدولة المستحيلة»، و«قصور الاستشراق».

لا يستطيع مثقفو الشعوب التي كانت مستعمَرة نسيان ذلك الزمان القاتم، زمان السيل الذي لا يمكن دفعه (حسب خير الدين التونسي)، أو زمان الإصابة بالغرب (حسب الكاتب الإيراني: جلال آل أحمد). بيد أنّ الأمر لم يقتصر على ذلك الزمان؛ فحضارة الغرب هي التي صنعت نظام العالم، ونظام العيش فيه حتى اليوم. إدوارد سعيد يقول في خاتمة كتابه المتأخرة: إنّ ثقافة الاستشراق لا تزال سائدة وإن تغيرت صِيغُها وأشكالُها ووسائلها، مع ملاحظة أنّ القوة لا تزال تلعب دوراً رئيسياً فيها، وللقوة أيضاً أشكالٌ ووسائل وأدواتٌ لا تتناهى.

ما حاول أحدٌ الخروج على الشروط الفكرية والثقافية للغرب المهيمن (حسب تشارلز تايلور) غير المهاتما غاندي. وقد نجح في سياسة اللاعنف بالخروج من الاستعمار البريطاني. لكنّ الهند انقسمت، والهنود والصينيون وأُمم أخرى عديدة، يحاولون منذ عقود منافسة التفوق الغربي بتفوقٍ مُماثل، ولا يفكرون جدياً في الخروج على نظام العالم (الغربي) ولا الخروج على نظام العيش الذي صنعه وعاش وعيَّشنا في جوانبه ومفترقاته. فهناك مجالان للمقاربة أو المجاولة: جانب النظام العام للعالم في ظواهره ومظاهره - وجانب الثقافة وطرائق التفكير. والجانب الثاني هذا هو الذي لا يزال المفكرون الثائرون يجربون الخاطرات والمشروعات التغييرية في نطاقه وسياقاته. وقد أمكن بهذه المحاولات المستمرة منذ خمسة عقودٍ إنجاز عالمٍ نقدي من معالمه مدرسة فرنكفورت، وكتابات إدوارد سعيد، والإمبراطورية لنيغري وهارت وكتابات تشومسكي، وكل دعاة المذهب الإنساني.

ولماذا نطوف بعيداً؟ فقد قرأت قبل شهورٍ للناقد والمفكر السعودي سعد البازعي صاحب «معالم الحداثة» كتابه الآخر «المكوِّن اليهودي في الحضارة الغربية». ومن دون مضيّ في التفاصيل، فإنّ البازعي ذكر مجموعةً من المفكرين والفلاسفة والعلماء اليهود الذين أسهموا في صنع الحضارة الغربية الحديثة وبخاصةٍ منذ القرن السابع عشر وحتى زمنٍ قريب. وهكذا، فقد ساعدوهم في إنجاز مشروعهم الصهيوني للدولة، وقد اعتبروا ذلك المشروع دائماً إنجازاً لهم بالمعنيين الفكري والعملي. فالرئيس الأميركي بايدن ليس أول زعيمٍ غربي يعتبر نفسه صهيونياً، بل أحسَّ بهذا الإحساس مئاتٌ غيره منذ القرن التاسع عشر. بل هناك من يزعم أنّ نابليون بونابرت في مطلع القرن التاسع عشر كان يريد أيضاً إقامة دولةٍ يهوديةٍ أو لليهود في فلسطين. فالدولة اليهودية في فلسطين هي جزءٌ من التفوق الغربي والإنجاز الغربي. وبالطبع هناك مفكرون يهود اليوم يعتبرون أنّ المشروع الصهيوني أضاع روحه (لا أدري ماذا كانت روحه قبل الفساد!) مثل ساحاق وفنكلشتاين وتشومسكي، بل ويطالب جدعون ليفي الولايات المتحدة بالتدخل لإنقاذ إسرائيل التي أضاعت روحها بالحروب العنيفة والمستمرة على الفلسطينيين والعرب!

فهل تكون قضيتنا مع إسرائيل جزءاً من قضيتنا وقضية العالم الإنساني مع الغرب المهيمن؟

ما كان هارت (شريك نيغري في كتاب الإمبراطورية) يعتبر ذلك صحيحاً. وهو يرى أنّ التفرقة العنصرية في روديسيا وجنوب أفريقيا كانت وطأتها أعظم وأفدح على الغرب بشقه الأوروبي على الأقلّ. لكنّ الغرب عندما وجد أنّ نظام التفرقة العنصرية ما عاد احتماله ممكناً، فإنه تخلّى عنه، رغم إصرار تشرشل هو وآخرين على إمكان استمراره. ولذلك؛ فإنّ الغرب المهيمن إذا شعر بأنّ العبء الإسرائيلي ما عاد احتماله ممكناً فإنه من أجل هيمنته بالذات سيتخلّى عنه. إسرائيل تتحول إلى كيانٍ ديني يعلو فيه صوت المتعصبين العنيفين، ولا أحد يستطيع تحمل أهوال الحروب الدينية سواء أكانت في ميانمار أو إسرائيل. لننظر كيف قاتل الجميع ضد «داعش» التنظيم الديني العنيف. مشكلة إسرائيل المستعصية ليست مشكلة الغرب وحده، بل هي مشكلة العرب أيضاً الذين برزت لديهم الحركات الأصولية والأصالية. مشكلة إسرائيل تنتمي إلى زمن الاستعمار الذي يجب أن يزول، والذي يؤخر زواله ظهور أنظمةٍ وتنظيمات مماثلة في الشرق الأوسط. وعندما نعتبر التحدي الإسرائيلي جزءاً من تحدي شباب العالم للحضارة الغربية، فإنّ ذلك يزيد من عمر الدولة العبرية؛ لأنّ الغرب ليس موشكاً على الزوال!

كان الكاتب اللبناني الراحل جوزف سماحة (مثل فنكلشتاين اليوم) يعتبر أنه لا حلَّ للمشكلة الإسرائيلية إلاّ الحلّ العربي(!).

ولنعُد إلى مشكلة العرب والعالم المتعَب مع الغرب. منذ الحرب الأولى، وعزّ الاستعمار الأوروبي، ما عادت أوروبا تستطيع الدفاع عن نفسها إلاّ بالجيوش الأميركية. وبعد قرابة القرن تجد أوروبا نفسها تحت وطأة الخوف من روسيا. أما الأميركيون فهم منقسمون، ولا ينبغي التقليل من شأن التيار الانعزالي في قلب أميركا. لكن لو فرضنا أنّ أميركا لسببٍ أو لآخر ما أمكن لها الدفاع عن الغرب الأوروبي الواقع في أصل حضارة العالم الحديث، فهل يعني ذلك أنّ هناك عالماً حضارياً جديداً على وشك التحول إلى بديل؟ أم أنّ الذي سوف يسود هو فوضى الحروب والسلاح والنوويات؟ فالذي ينبغي الخشية منه هو الكلام الكثير الذي يردده الاستراتيجيون الأميركيون وغيرهم عن: عالم ما بعد أميركا!

يتحدث المؤرخون عن الدورات الحضارية، ويتحدث استراتيجيون عن موجة العولمة الثالثة، لكن هل سيتغير نظام العالم أو تتغير حضارته لو أن الصين هي التي سوف تمسك بالزمام؟ لا أحد يريد «الإصابة» بالصين بعد «الإصابة بالغرب»!.

***

د. رضوان السيد

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 07 رَجب 1445 هـ - 19 يناير 2024 م

ننطلق هاهنا من فرضية تُرجع القيم في أساسها إلى الحس الفطري في الإنسان الذي يسعى إلى التمييز بين الحسن والقبح، والذي يجعله الاطمئنانُ يرجح كفة الحسن على كفة القبح. فالبرّ، ليس سوى ما اطمأننت النفس إليه. ومن هذا المنبع الطّبيعي الأولي خرجت القيم الكبرى التي أسهمت في لحم الإنسان بأخيه الإنسان من أجل تحقيق العيش المشترك. ومن هنا يمكن اعتبار القيم العليا الشروط القَبْلية لقيام الفعل الأخلاقي، إذ لولا ها ما ميّز الإنسانُ بين الحسن والقبح ليختار التخلّق بأحدهما دون الآخر. ومن هنا وَلَّد التفاعلُ بين القيم الكونية والشّروط الاجتماعية لكل مجتمع ضروباً من قيم أصبحت سائدة في ذلك المجتمع، وأصبحت تستمد منها أخلاق أفراده، مثل القيم الثلاث المعلنة للثّورة الفرنسية: الحرية --المساواة – الأخوة. والقيم الثلاث المعلنة لدولة الإمارات: التسامح والسّلم والتضامن.

إن المبادئ الأخلاقية المطلقة يمكن أن تتغير من سياق إلى آخر. ومن هنا تتميَّز الأخلاق بطبيعة مفارقة، فهي من جهة تستمد وجودها من منظومة القيم الفطرية المجردة عن الزمان والمكان، وهي من جهة أخرى شديد الصّلة بالمجتمعات وأشكال التربية السائدة فيها، كما أنها شديدة الارتباط بالأطر النظرية سواء كانت فلسفية أو علمية، مما يمسّ الأخلاق بتغييرات تتفاوت عمقاً وجدّة. وفي تقدرينا فإن التّجدّد الأخلاقي لا يكون إلا ضرباً من تنزيل محلي للقيم الكونية، تتجدد الأخلاق كما يتجدّدُ البناء، فهي تبنى وتصنع انطلاقاً من النّموذج القبلي للقيم العليا الأولية.

يوحي الحديث الصحيح عن النبي الكريم الذي يقول فيه: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» [البخاري: الأدب المفرد/273]، بفكرة إمكان تجدد الأخلاق من جهتين:

أولاً جهة إكمال الأخلاق بالقوة وبالفعل معاً، وهذا مثّله العصر النّبوي الذي جدّد الأخلاق العربية ونفخ فيها روح كمالها البشري، ولعل أبرز مثال على ذلك ما كان يعرفه العرب من نصرة أخيهم ظالماً أو مظلوماً، فردّد الرسول الألفاظ نفسها، ولكن بمعنى أخلاقي جديد، فجعل نُصرة الأخ الظّالم بِحجْزِه عن الظّلم وكفّه عنه [البخاري: كتاب المظالم والغصب/2338]. ولعل «حلف الفضول»، الذي حضره الرسول قبل البعثة وأسهم فيه، وكان دائماً يَذكُرُه بخير وقد استوى بشراً نبيئاً، كان يجسِّدُ معنى عميقاً جدّده الرسولُ في قلوب أتباعه.

ثانياً: جهة التجدّد النّظري لهذه الأخلاق المكتملة بالقوّة والفعل، في ظل قيم إنسانية عليا أصلها في الفطرة وفرعها في العقل، وأغصانها في الحس والعاطفة والحدس. وقد أسهمت العلوم بعامة، والفلسفة بخاصة، في هذا التّجديد، مثال ذلك ما أعلنه سام هارس في كتابه «المشهد الأخلاقي» الذي نشره عام 2010 من «أنّ العلمَ التجريبي قادرٌ على الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية»، فدافع في كتابه على التّسليم بضرورة الحكم الأخلاقي المطلق، وقد وجد لذلك مصدراً في «العلم التجريبي»، حيث اعتبر الصّلاح المعيشي، بمعنى السّلامة من الآفات، هو المعيار الأخلاقي المطلق، فمعيار الأخلاق هو ما يترك من آثار في الأفعال، وفي صلاح معاش النّاس. فحسنُ الفعل عنده يكون بقدر ما يجلب من المصالح العاجلة، بخلاف السّوء الذي ينافر الطبع ويكون نقصاً.

نعم، تتجدّدُ الأخلاق، لكنّ تجدّدها هو تجدّد تمام وكمال، تجدُّدٌ يظل مرتبطاً بالأصول العليا والقيم المثلى التي تعارفت عليها البشريةُ قبل أن يُدَاخلَهَا هذا التغيير الذي نعرفه اليوم في كثير من البلاد، والذي يوشك أن يبدّل طبيعة الإنسان وفطرته الأولى.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن صحيفة الاتحاد الامارتية،يوم: 12 يناير 2024

 

يُتداول باستمرار موضوع نهاية الحداثة. وهذا التصعيد بأحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءاً من تاريخ ماوصلت إليه البشرية وبالتالي تصلّب تاريخها وتحدد، ولمقولة نهايتها جانب خاطئ لأن الحداثة حين نأخذها بالمعنى البسيط متجددة وقائمة. لذلك يصرّ الفيلسوف المعمّر «يورغن هابرماس» على أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، بل ويعدّ «مابعد الحداثة» مشروعاً نقدياً للحداثة وليس مروقاً عنها. الحداثة بمفهومها البسيط متشعبة ومتوفرة، إنها تحديث متواصل، فكل انتقال في الفنون والسينما والأدب هو تحديث، وبالتالي فإن الحداثة شريكة في هذا المنجز، لكن حين نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش.

من قبل ترجم أستاذنا الراحل محمد سبيلا بحث «بودريار» عن «الحداثة» وهو من البحوث المهمة، وقد تطرّق فيه إلى أفكار كثيرة، منها أن الحداثة ليست مفهوماً سوسيولوجيا، ولا مفهوماً سياسياً، وليست بالتمام مفهوماً تاريخياً، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالمياً انطلاقاً من الغرب.، ومع ذلك فهي تظل مدلولاً ملتبساً يشير إلى تطور تاريخي وإلى تغير في الذهنية.

ويعتبرها معطى متشابكاً تتلاحم فيه الأسطورة بالواقع، واقع يتميز في كل المجالات، دولة عصرية، تقنية عصرية، موسيقى ورسم وعادات وأفكار عصرية، على هيئة مقولة عامة وضرورة ثقافية. ومن حيث إنها نشأت عن بعض التحولات العميقة في التنظيم الاقتصادي والاجتماعي، فهي تتحقق على مستوى العادات وطرائق العيش، وأنماط الحياة اليومية، وقد تبلغ أحياناً صورة كاريكاتورية في النزعة التحديثية (Modernisme)، وبما أنها متحولة في أشكالها ومضامينها، في الزمن والمكان، فهي ليست ثابتة ولا تقبل الإحالة عليها إلا من حيث هي منظومة من القيم، وأسطورة.

وآية ذلك كما يعبّر بودريار أن تاريخ لفظ حديث أقدم من تاريخ مصطلح «الحداثة». ففي كل سياق ثقافي يتعاقب كل من القديم والحديث تعاقباً ذا دلالة. لكن مع ذلك لا توجد الحداثة، في كل مكان باعتبارها بنية تاريخية وجدالية تعبر عن التغير والأزمة. وهذه الأخيرة لا يمكن مشاهدتها إلا في أوروبا ابتداء من القرن السادس عشر، ولا تأخذ معناها الكامل إلا ابتداء من القرن التاسع عشر.

الخلاصة أن الحداثة لها جانب معقّد ذو اشتباك تاريخي لها بداية ونهاية، ولها جانب بسيط مما يعني استمراريتها، بدليل أن كل المشاريع التنموية العالمية، والأفكار الكبرى على مستويات تطوير نظريات الأدب والسياسة والدولة ذات بعد حداثي بمعنىً أو بآخر، إن الحداثة قد تكون ماتت على مستوى تاريخها المرتبط بأحداث سياسية ودينية، ولكنها بالمفهوم الفلسفي فعّالة وتؤتي أكلها إلى اليوم.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 2 يناير 2024

لا يمكننا في العالم العربي أن نتجاوز حقيقة أن أحد أعمق مشكلاتنا في القدرة التي يتم فيها توجيه المجاميع الشعبوية من المنابر الدينية، وحتى عبر منصات الإعلام، هذه مشكلة علينا الإقرار بوجودها، فهي متلازمة متصلة عبر عقود ممتدة لم تنفك ولن تنفك إلا بمواجهتها، وفيما يعتبر الخطاب الديني من أبرز العناصر التي تشكل الهوية الثقافية في العالم العربي فمع ذلك، يشهد هذا الخطاب في بعض الأحيان استخداماً ملتوياً لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية، ما يؤدي إلى توجيه عقول الشعوب العربية في اتجاهات محددة، وفي الوقت نفسه، ينتج عنه استخفاف يهدد التنوع الفكري، ويقوض الحريات الفردية.

تعود جذور توظيف الخطاب الديني إلى فترات تاريخية عديدة، حيث استُخدم الدين وسيلة لتوحيد المجتمع، وتحقيق أهداف سياسية في عصور مضت، كان الخطاب الديني يُلهم الناس ويوجههم نحو الخير، لكن مع تغير الظروف وتعقيدات الحياة السياسية، بدأ يتحول إلى أداة لتحقيق مصالح قلة من الحكّام، ولذلك فإن الخطاب الديني يمتلك سلطة خاصة تمكنه من التأثير على العقول والسلوكيات الفردية والجماعية، وفي بعض الأحيان يتسلح القادة السياسيون بالدين، لتبرير قراراتهم وتوجيه التفاعلات الاجتماعية والسياسية. هذا يعزز تماسك السلطة، وفرض الرأي السائد دون مراعاة لتنوع الآراء.

ومكمن الخطر أن يتسلل الخطاب الديني إلى نظام التربية والثقافة، حيث يُشكل مصدراً لتشكيل قيم المجتمع، يُبرز وينمّي الدين تقاليد وعادات، ولكن يمكن أن يكون هذا التأثير إيجابياً أو سلبياً باعتماد السياق والتفاعلات الاجتماعية. ظهر الاستغلال السياسي للخطاب الديني كتكتيك فعّال في تحقيق أهداف سياسية، يتجلى ذلك في توظيف المفاهيم الدينية للتأثير في القرارات وتوجيه التصورات الشعبية، مما يفتح الباب أمام انتقادات حول استغلال العقائد الدينية لأغراض شخصية، عارض التوظيف السياسي للخطاب الديني في بعض الأحيان مع مفاهيم حقوق الإنسان. يمكن أن يؤدي التحكم في الرأي العام باستخدام الدين إلى انتهاك حقوق الإنسان، مثل حرية التعبير والدين والمعتقد.

تظل قضية توظيف الخطاب الديني في توجيه عقول الشعوب العربية محورية في فهم تحولات المجتمعات العربية. يجدر بالمجتمع العربي أن يدرك تأثيرات هذا التوظيف على التنوع الفكري، وضرورة الحفاظ على الحقوق الفردية والجماعية، لضمان تطوره المستدام وتقدمه الشامل، مع ذلك لابد من استيعاب حقيقة أن مبادرات الدول الوطنية التنويرية لم تستطع أن تغير الكثير في ظل انتشار وسائل التواصل، وكذلك توظيف بعض وسائل الإعلام في الانتهازية واستغلال العواطف الشعبية.

تثبت الحوادث في المنطقة وحتى العالم أن الخطاب «الإسلاموي» وفي معيته اليساري العربي هو آفة، تستثمر جماعات الإسلام السياسي في عقول قطيع من الاتباع الذين عطلوا أدمغتهم.

لا يمكننا أبداً ممارسة إنكار أنه لا يوجد مستثمرون يستفيدون من هذا الخطاب وقيادة المجتمعات نحو أزمات متوالية، وفي هذا الإطار على الدول الوطنية كل المسؤولية بأن تعمل على معالجة موضوعية لهذه المشكلة تنطلق من تجديد الخطاب الديني فهذا هو المدخل للتصحيح، أن تبقى المجتمعات العربية معرضة لموجات خطاب الكراهية التي تهز أركان الدول الوطنية العربية.

فلول «الربيع العربي» هم ذاتهم من عادوا وسيعودون يهاجمون أوطانهم فغايتهم «دولة الخلافة» الوهمية. التنوع الثقافي يعززه المحتوى التعليمي القائم على المعرفة والتنوير، واحترام الحقوق لكل الأديان والمذاهب والقوميّات.

التنوع رافد من روافد القوة المستدامة في عصر تتقدم فيه الأمم بأدوات المعرفة، وليس بمعاول الجهل المتمترسة وراء جدران الأزمات، والتي تظهر في كل مرّة لتؤدي مهمة استثمارها في عقول القطيع دون محاسبة وعقاب، وقد قيل في المثل «من آمن العقاب أساء الأدب» ومن آمن العقاب أساء للأوطان.

***

هاني سالم مسهور - كاتب يمني

31 ديسمبر 2023

لم يتردد الرئيس الأرجنتيني الجديد خافيير ميلي في القول إنه يريد إزاحة الأقلية السياسية المحترفة التي اعتبر أنها «أفسدت» بلاده وقادتها إلى الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. مثل كل الزعماء الشعبويين الذين صعدوا في الحقل السياسي خلال السنوات الأخيرة، يركز ميلي هجومَه على النخب المهيمنة على الإدارة ومؤسسات الدولة العمومية، ويرى أنها غدت معزولةً في الشارع المحبَط والغاضب الذي يلتف حول قادته القريبين منه، على حد قوله.

ولا يتعلق الأمر فقط بالديمقراطيات الناشئة في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، ففي كل الديمقراطيات العريقة تتجاوز القاعدةُ الانتخابية للحركات الشعبوية ثلثَ السكان وفي أغلبها أصبحت هي القوة السياسية الأولى. ليس من همِّنا هنا تفسير هذه الظاهرة التي يمكن، وبسهولة، ربطها بأزمات العولمة الاقتصادية والتقنية، وانهيار ثنائية اليمين واليسار التي أطَّرت لمدة قرنين الحياةَ السياسية، وتنامي تأثير وحضور شبكات التواصل الاجتماعي.. بل ما يهمنا هنا هو تأثير المعادلة المذكورة على سلطة وحضور النخب الفكرية والبيروقراطية التي قادت في السابق عمليةَ بناء الدول وتحديث المجتمعات.

وعلى الرغم من النقد الجذري الذي وجّهته المدرسة الماركسية لمفهوم «الأنتلجنسيا» من حيث هي طبقة برجوازية صغيرة متحالفة مع القوة الرأسمالية المهيمنة، فإن الأنظمة الديمقراطية في الغرب حكمتها دوماً النخب المؤثرة والفاعلة التي تداولت على السلطة عبر الآليات الانتخابية التعددية. لقد طرح كثير من علماء السياسة والاجتماع سؤال العلاقة الإشكالية بين الشرعية الشعبية التي تفترض نفاذ القاعدة الجماهيرية العريضة للسلطة مباشرةً باعتبارها متحكّمة في الرهان الانتخابي، وبين سلطة النخب المستفيدة عملياً من المسار التمثيلي الانتخابي رغم كونها أقلية محظية ضيقة. وإذا كانت الديمقراطيات الحديثة تتميز بالحركية التداولية المفتوحة، حيث لا تكون السلطة حكراً على فرد معين أو مجموعة بعينها، فإنها تتأسس في الوقت نفسه على ما سماه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بالتمايز الاجتماعي أي التخصص الوظيفي في مجتمعات معقدة تديرها العقلانية البيروقراطية. وفي هذه الحالة، ليس ثمة اختلاف كبير بين طبيعة القيادات السياسية وطريقة توجهاتها. فحتى أحزاب اليسار الاشتراكي التي كانت قريبة من الأيديولوجيا الماركسية، بعدما وصلت للسلطة في أوروبا الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين انتهجت نفس أساليب الحكم والتسيير التي كانت تعتبر خاصة باليمين الليبرالي. وبعد نهاية الحرب الباردة، توطد هذا التوجه، وبرزت أطروحات عديدة حول عودة الأفلاطونية السياسية، أي حكم الخبير العالِم القادر وحده على ضبط وإدارة الملفات الاقتصادية والفنية المتخصصة التي تتجاوز التصدعات السياسية.

ولا شك في أن الموجة الشعبوية القوية الحالية هي في عمقها ردة فعل احتجاجية على هذه الأطروحة، ومحاولة حثيثة لإعادة الاعتبار للمفهوم الصدامي السيادي للسياسة، لكن من الواضح أنها تواجه مقاومةً حادةً مِن النخب الفكرية والبيروقراطية، التي وإن كانت تراجعت انتخابياً في السنوات الأخيرة فإنها قادرة على إفشال أي نظام حكم يقصيها ويحاربها.

وهكذا ندرك كيف فشلت إجمالا الحكومات الشعبوية في إدارة الملفات التي تبنتها مثل مشاكل البطالة والقوة الشرائية والاندماج الاجتماعي.. مما حدا بها إلى التحول نحو قضايا زائفة مثل خطر الهجرة والتعددية الثقافية والهوية القومية المهددة.

لقد حدث التحول نفسه في العالم العربي في سياق بما سمي «الربيع العربي»، عندما وصلت للسلطة حكومات شعبوية ترفع الشعار الديني الاحتجاجي وتوجه هجومها الجذري للنخب الفكرية البيروقراطية المتحالفة مع الأنظمة السابقة. لكن ما حدث هو أن هذه الحكومات فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة الملفات الاجتماعية وفي تسيير السياسات العمومية.. نتيجةً للمواجهة المحتدمة مع النخب الإدارية والثقافية والمالية التي كان بيدها القرار والنفوذ.

في تونس خلال عهد سيطرة حركة «النهضة» وحلفائها، قالت لي شخصية مرموقة من القيادات البيروقراطية المعروفة: «بعد أن حملنا الوافدون الجدد مسؤوليةَ كل مشاكل البلاد وأقصونا من كل مراكز القرار والتأثير، رجعوا يطلبون دعمنا ومساعدتنا مكتشفين أن الدول تدار بالخبراء الفنيين الأكفاء وليس بباعة الكلام الذين تطرب لهم الجماهير لفترة محدودة قبل أن تتخلى عنهم عندما تدرك عجزهم ومثاليتهم الفارغة».

كان أفلاطون مؤسس الفلسفة على وعي بهذه الحقيقة، معتبِراً أن طريق السياسة هو الخطابة والجاذبية العاطفية، كما في الأنظمة الديمقراطية، لكن فن القرار يقتضي العلم والمعرفة والتقدير الموضوعي الجاد. وما نشهده اليوم هو انقلاب السياسة على العلم الذي ستكون له آثار مدمرة على إدارة الدول وتسيير المجتمعات.

*** 

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 1 يناير 2024

في أربعينيات القرن الماضي ظهر مصطلح (الشعر الحر)، ليفتح حركة شعرية ثارت على عمود الشعر العربي، وعلى فحولية القصيدة، وانفتحت أبواب الجدل على شعراء وشاعرات هذه القصيدة، وثارت ثائرة المحافظين ضدها بمثل ما تجادل حولها غير المحافظين، ودخل العروضيون على مائدة الجدل، وظلت حيوية المصطلح شديدة القوة وعريضة التمدد والانتشار لدرجة شملت كل صاحب قلم وصاحب ذائقة شعرية، وامتد ذلك لثلاثة عقود عامرة وثرية بالجدالات والنقاشات.

غير أن مصطلحاً عروضياً طل برأسه من وسط الجموع، واخترق صفوف النقاشات وهو مصطلح (شعر التفعيلة )، وهو مصطلح صحيح من حيث حاله العلمية ودقة تعبيره في وصف القصيدة ذات الوزن غير العمودي. وحقيقة فهي قصيدة تعتمد التفعيلة، وتستن لها طريقاً خارج شروط البحور المقننة بأعداد محددة ومنضبطة من التفاعيل.

ولكن السؤال المعرفي هو عن التخلي عن مصطلح الشعر الحر، وسنرى أن كلمة (الحر) هي مربط الفرس، وهي العلة التي خلقت مصادمة تثير الحساسية الأكاديمية ضد مشكلة الحرية، بما أنها تعني التمرد على الشرط العلمي المنضبط، فالعروض كعلم تمكن من احتلال التصور الأكاديمي للشعر، ومسألة الخروج عن هذا التصور تحت معنى الحرية سيكون مثيراً ومهدداً للعقلية القواعدية التي تعبد القاعدة، وتعارض الاستثناء أو الثورة على المستقر، وهذا أدى عملياً إلى انسحاب مصطلح الشعر الحر تدريجاً إلى أن اختفى تماماً، ولم يعد أحد يستخدم هذا المصطلح، وحل محله مصطلح شعر التفعيلة، وهذه هزيمة ثقافية لمعنى الحرية، وانتصار للمعنى العروضي، وقد تقبل الكل هذه التسمية حتى معارضو هذا النوع من الشعر إذ تراضوا فيما بينهم بمصطلح قصيدة التفعيلة مكتفين بهذا النصر الذي يضمن لهم سلطة المعنى العروضي ونفي الخروج عنه وكأنها عملية استحواذ ذهني، وهذه واحدة من الألاعيب الذهنية المحافظة التي تقاوم الجديد، وتظل تقاومه إلى أن تنهكه وتستولي على زمامه، حيث ابتكرت طرقاً لاحتوائه، وإعادته لبيت الطاعة من مصطلح يحمل معاني التمرد والانعتاق إلى مصطلح يفرض القيد العروضي، أي أن النص شكلٌ وجسد، ولم يعد روحاً متقدة بحس الحرية.

وصحيح أن مصطلح الشعر الحر يلتبس مع مصطلح «وايتمان»، الذي يعني الشعر المنثور، وهو الشعر الذي رفضه «تي.إس. إليوت»، ولكنه عربياً استخدم ليعني القصيدة التي تعتمد وزناً يقوم على التفاعيل وليس على نظام البحر الخليلي.

والغريب أن مصطلح الشعر الحر لم يستخدم لقصيدة النثر، ولا للشعر المنثور مع أنه يتسق مع مصطلح «وايتمان»، وآثر جماعة قصيدة النثر استخدام المصطلح الفرنسي، وبالتالي فإن مصطلح الشعر الحر عافه قومٌ، وعف عنه قومٌ آخرون، وكأن مصطلح حرية الشعر مخيفٌ، أوكأن الشاعر يتسلح بمصطلح يحمي حماه، وينظم ضربات قلبه ضد معنى الحرية الشعرية.

***

د. عبدالله الغذامي -كاتب ومفكر سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم 29/12/2023

 

إذا كان ابن مسرة قد تحّدث عن «علم المحن»، فإن «الآجري» في كتابه «أخلاق أهل القرآن» فضّل الحديث عن «علم النّعم»، وهما في الحقيقة علم واحد ذو وجهين منسجمين. وإذا كان الحديث عن علم المحن مقروناً بمفهوم «الابتلاء»، فإن الحديث عن "علم النّعم" مقرونا بمفهوم "النّعمة" باعتباره حالة الإنسان المترفّه، الذي يعيش دعة وسعة، وينعم بالفرح والسرور والأمن والسّلام. وإذا كان ابن مسرة قد أحجم عن الكتابة في علمه، فإن «علم النّعم» كان محظوظاً، حيث كتب فيه ابن أبي الدنيا [281 للهجرة] كتاباً سماه «الشّكر»، ثم جاء بعده الخرائطي [327 للهجرة] فكتب «فضيلة الشكر لله على نعمته، وما يجب من الشكر للمنعم عليه».

إن «علم النعم» هو في أعمق معانيه، علم إنساني له موضوعه ومفاهيمه ومنهجه، وإن كان لم يتميّز عند المسلمين علماً مستقلاً، لتردّدهم فيه، كما تردّد ابن مسرة في علم المحن أيضاً.

نعم، لقد نشأ «علم النعم» في أوساط المحدّثين، والسّبب في ذلك أن الآثار في الشّكر كثيرة، سواء في القرآن الكريم أو في السّنة النبوية، وعندما تحدّث الآجري عن «علم النعم» فلعلّه كان يقصد أن يجمع ما قيل في ذلك في إطار نظري معين، أو لعلّه قصد التّنبيه على ضرورة فعل ذلك، أو لعلّه كان يعني بالعلم، التّصور والتصديق كما كان شائعاً في تصوّر العلم في عصره، القرن الرابع. لكن الذي يبدو مرجّحاً أن الآجري، كان قاصداً أن يجعل من هذا العلم جسراً للتواصل ومبعدة للخلاف المُفرّق، فقد كان هذا الرجل يكره التعصب المذهبي، ما جعل مجايليه مختلفين على أي مذهب كان هذا الفقيه الكبير.

لكن عندما نتأمّل السّياق الذي حضر فيه الحديث عن «علم النعم»، أو «علم شكر المنعم» في كتاب «الآجري»، نجده علماً ناشئاً في سياق الحديث عما يمكن تسميته بالأمراض الخُلُقية التي يحملها بعض حملةُ القرآن الكريم، وينبههم «الآجري» إلى أن سبب ما يتخبطون فيه من علّات ترجع إلى عدم العناية بهذا العلم، لكن دون أن يفصل القول في ذلك. إذ غاية العلم عنده غاية أخلاقية.

رتّب كتاب «محمد بن جعفر الخرائطي» ما يُرَغِّب في الشّكر وَيُزَهِّد في الكفر، واهتم المفسرون بهذا العلم من خلال وقوفهم عند مفهوم «الحمد» الذي ورد في خمس وعشرين آية من القرآن الكريم، وأفاضوا في التّمييز بين الحمد والشكر، وكذلك صنع اللّغويون وأصحاب المعاجم في اهتمامهم بهذا المفهوم، لكن الذي سيرفع هذا المفهوم إلى درجة كبرى من التجريد هم المعتزلة، إذ معهم أصبح مفهوم «شكر المنعم» مفهوماً ذا دلالة خاصة، وسيتم تداوله داخل الحقل الكلامي بِلُوَيْنات دلالية تختلف بين المعتزلة والأشاعرة. وسيظهر مفهوم الشّكر في سياق فلسفي إسلامي مع الكندي في كتابه في الفلسفة الأولى، وابن رشد في المقالة الصغرى من تفسير ما بعد الطبيعة، اللّذين وجدا مناسبة فلسفية أرسطية طريفة ليقدما تصوراً لمفهوم الشكر يؤسس لثقافة الاعتراف.

قدّم المسلمون في ثنايا علومهم المختلفة مادّة علمية غزيرة في موضوع الشّكر والحمد، وهي مادّة قمينة بأن تؤسس عند المسلم ثقافة الاعتراف، وتنهض بهِمّة المفكرين إلى بناء «علم النعم» موضوعاً ومفاهيم ومنهجاً. وتظهر قيمة هذا العلم في أنّ شكر النعم امتحان وجودي، ومن فشل فيه أخفقت رسالته في الوجود.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 29 ديسمبر 2023

رحل الأسبوع الماضي عن عالمنا الفيلسوف الإيطالي البارز «توني نغري» الذي يعتبر أهم الوجوه الفكرية المجددة للماركسية في حقبة ساد فيها الانطباع بنهاية الأيديولوجيات وانهيار اليسار الثوري.

لم يكن «نغري» مثقفاً ماركسياً تقليدياً على غرار قادة الأحزاب الشيوعية الأوروبية وزعماء الحركات النقابية العمالية، ولم يكن يؤمن بديكتاتورية الشغّيلة والقضاء على الاستغلال الرأسمالي وسلطة البورجوازية الليبرالية. ومع أنه عاصر بقوة أحداث مايو 1968 في ايطاليا، بل انخرط في التنظيمات اليسارية الراديكالية العنيفة في بلاده بما قاده الى السجن سنوات عدة، ثم الى المنفى الباريسي، إلا أنه أدرك منذ السبعينيات أن الطوباوية الماركسية قد تجاوزها الفكر الفلسفي ولم تعد قادرة على صناعة التاريخ. بدلاً من نصوص إنجلز ولينين وماوتسي تونغ التي تلقفها المثقفون اليساريون في العالم، سعى «نغري» مبكراً إلى قراءة أعمال الفيلسوف الهولندي «سبينوزا»، التي اعتبر أنها تؤسس لمقاربة حداثية للسياسة تقوم على قوة المحايثة وديناميكية الجمهور، بدلاً من مقولات الليبرالية السياسية الحديثة التي انتهت إلى التأثير القوي على الفكرة الماركسية التي تحولت لاحقاً إلى عقيدة للدولة المركزية الشاملة.

لقد كان في قراءته لسبينوزا قريباً من أستاذه الفيلسوف الفرنسي «جيل دلوز»، لكنه على النقيض منه ظل متشبثاً بالعمل السياسي الملتزم. وعلى عكس الكتاب الماركسيين الذين حاربوا بقوة حركية العولمة ووجدوا فيها التعبير الأقصى عن الرأسمالية «المتوحشة» (أطروحة سمير أمين )، تحمس لها «نغري» واعتبر أنها قلب كامل لمنظومة الحداثة الليبرالية وتفويض حاسم لنموذج الدولة القومية، الذي قامت عليها تاريخياً.

ما تكرسه ديناميكية العولمة التي أطلق عليها مقولة «الإمبراطورية» (التي تعود في أصلها إلى المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد)، هو تشتت وتبعثر مركز السلطة، وغياب بؤرة محددة لها، بما يفتح آفاقاً جديدة للأطروحة الشيوعية الكونية، بدلاً من الدولة القومية السيادية التي هي الآلية الملائمة للرأسمالية الصناعية التقليدية. ما تغير مع العولمة حسب «نغري» هو انبثاق الاقتصاد القائم على الذكاء الاصطناعي، وتشكل نمط العمل غير المادي، وقيام السلطة الحيوية (مقولة ترجع لميشال فوكو التي تتخذ من الرغبات وأنماط تسيير السكان مادة للفعل السياسي).

ومن هنا ضرورة تغيير أدوات العمل السياسي، بالتخلي عن النسق الحزبي ووهم التغيير عن طريق المنافسة الانتخابية كما ساد لدى التنظيمات الاشتراكية الأوربية. المطروح حسب نغري هو الرجوع إلى منطق «الجمهور» بالمفهوم السبينوزي أي حركية الذوات الفردية المستقلة القادرة على بناء واقع مشترك يحدث التغيير النوعي المنشود على الأرض.

لقد أثرت هذه الأفكار بقوة في التيار الواسع الذي سمي بحركة العولمة البديلة التي انطلقت من بورتو الغرو واجتاحت كبريات المدن الغربية على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، قبل أن تنتقل إلى الميادين العمومية في وول ستريت ومدريد وباريس.. واتخذت أحيانا صيغاً تنظيمية سياسية على غرار «فرنسا المتمردة» في فرنسا و«بودموس» في إسبانيا و«سيريزا» في اليونان.

لقد بدا من الواضح أن هذه التنظيمات التي حقق بعضها مكاسب انتخابية ملموسة لا فرق بينها مع النزعات الشعبوية الجديدة الصاعدة، وإن كانت تختلف عن صيغها اليمينية باعتماد نمط من الشعبوية اليسارية دافعت عنها الفيلسوفة البلجيكية شانتال موف القريبة فكرياً من توني نغري. ومع أن نغري تحمس بقوة لما سمي بالربيع العربي ووجد فيه بشائر عصر ثوري جديد سينتقل إلى العالم كله، إلا أنه اعترف بخطأ تقديره وقلت كثيراً إطلالاته الإعلامية في السنوات الأخيرة.

لم يؤثر نغري كثيراً في الفكر العربي رغم الترجمة المبكرة لكتابه الرئيس «الإمبراطورية» (التي لم تكن موفقة إلى حد بعيد)، وظلت الماركسية الكلاسيكية هي المهيمنة على قطاع واسع من اليسار العربي. عندما ناقشت قبل سنوات المفكر المصري الراحل سمير أمين حول أطروحات نغري قال لي إن قراءاته لنصوص ماركس زائفة ولا يمكن قبولها، كما أن تحليلاته للواقع العالمي هشة وعديمة الفائدة.

إن نقطة الخلاف الأساسية بين نغري وسمير أمين تتعلق بنموذج المثقف اليساري الثوري الذي ظل الماركسي المصري متشبثا به ولو ضمن مقاربة جديدة للنزعة الجنوبية عالم ثالثية، في حين اعتبر نغري أن عصر العولمة هو حقبة الفرديات الفاعلة التي تمارس نشاطها من خلال الشبكات المفتوحة في سعي حثيث للتحكم في الديناميكية الأفقية الكونية التي لا سقف لها ولا حدود.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 24 ديسمبر 2023 23:32

* بعض الأشخاص يتعايشون مع الكذبة كي يبتدعوا لأنفسهم حياةً أفضل

* إن ما يدعونا إلى الكذب هي ما يمكن أن نسميها «الحقائق الجارحة» وذلك لأن الحقيقة ليست دائماً مقبولة

من دون شك، نحن نعيش في عالم مفتوح ومكشوف على كل الميادين والجهات، وذلك بفضل تطور تكنولوجيا وسائل الاتصالات والإعلام عبر الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والأقمار الاصطناعية، والذكاء الاصطناعي، بحيث يأخذ الضخ الإعلامي مداه الأقصى ويصل إلى المجتمعات كافة، متخطياً كل الحدود الجغرافية والسياسية. ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة هي التالية: كيف يمكننا أمام هذا العصف الإعلامي التمييز بين الحقيقة والكذب؟ وماذا يدفع الناس إلى الكذب وتشويه الحقائق؟ وهل يمكن تبرير حجب الحقيقة أو تزييفها لدواعي الخير؟ وبشكل أوضح، هل يمكننا أن نعيش من دون أن نلجأ إلى الكذب في سبيل غايات شريفة؟ من حيث المبدأ، إن الحقيقة يجب أن تقال وتُعلن وليس فقط أن تُعلَم؛ ولكن الحياة الغنية بالتجارب عبر التاريخ علّمتنا أن الشر قد يكون أحياناً خادماً للخير، كما أن الألم قد يكون وسيلة للشفاء.

حول هذا الموضوع الراهن أبداً خصصت المجلة الفرنسية «Question de philo (سؤال في الفلسفة)» عددها الصادر في خريف العام الحالي 2023 تحت عنوان «مقاومة الكذب- هل نستطيع العيش مع الحقيقة؟».

إذن، ما الذي يدعونا إلى الكذب؟ وما الذي يمنعنا من العيش مع الحقيقة في حياتنا اليومية؟ ومن دواعي الكذب الخشية من الأحكام الظالمة وعدم التفهم والتجاهل والإبعاد. لذلك، إن الفرد يصنع لنفسه صورة معينة يحتمي وراءها، ولكن هذه الصورة قد تُلزمه وتدفعه أحياناً كثيرة إلى الكذب. وثانياً، الخشية من أن يُظهر الفرد نقاط ضعفه، وذلك لأننا بشر وطبيعتنا تدفعنا إلى الخضوع لإغراء الآخرين لكي يقبلوا بنا حتى لو اضطررنا أحياناً إلى الكذب كي تكون لنا قيمة أمام الآخرين. ثالثاً، قد نكذب لكي نعيش معاً بشكل أفضل بحسب المحلل النفسي Pascal NEVEU في كتابه «الكذب للعيش معاً بشكل أفضل»، ورابعاً، إن ما يدعونا إلى الكذب هي ما يمكن أن نسميها «الحقائق الجارحة»، وذلك لأن الحقيقة ليست دائماً مقبولة وذلك لأنها من الممكن أن تؤذي المعنيين بها. بالنسبة إلى أفلاطون، إن الحقيقة هي غالباً ما تكون جارحة بالنسبة إلى سامعها كما بالنسبة إلى قائلها. ولذلك، فإن كل مجتمع يستند إلى كمية من الأسرار والأكاذيب. ولكن، كون الحقيقة جارحة ومضرة هل يستدعي أن يكون سبباً كافياً كي لا تُقال أبداً؟

رابعاً، التوهم بخلق حياة خاصة، حيث إن بعض الأشخاص يتعايشون مع الكذبة كي يبتدعوا لأنفسهم حياةً أفضل. وهناك أشخاص يستطيعون التعايش مع الكذبة طيلة حياتهم. وبحسب المحلل النفسي Pascal Neveu فإن الكاذب يعيش، عبر، ومن خلال نظرة الآخر إليه، ويحاول أن يكون منظوراً من الآخَر بوصفه شخصاً مختلفاً ويريد أن يكون معروفاً من قبل الجمهور.

ومقابل هذه الأكاذيب المذكورة أعلاه، هناك أكاذيب يمكنها أن تحمينا تجاه الحقائق الجارحة وتسهم في تجميلها أحياناً، وبالتالي يمكننا تسميتها «الأكاذيب الحميدة»، التي تهدف إلى فعل الخير. من جهة الأخلاق والدين، إن الكذب يقضي بأن يموّه الإنسان فكره بقصد الخداع. وهذا القصد يميز الكذب عن الاستعمالات الأخرى الخاطئة للكلام والمقبولة بهدف التسلية والتنويع. وبهذا المعنى، فإن الكذب يعدّ بمثابة عيب أو خطيئة من قبل التقليد الفلسفي والأخلاقي والديني حتى لو كانت بعض أشكال الأكاذيب مشروعة من قبل بعض الفلاسفة، ومنهم بنجامين كونستان في مناظرته مع كانط حول «حق الكذب». على هذا الأساس، فإن الأخلاق والدين يميزان تقليدياً ثلاثة أنواع من الأكاذيب: 1- الأكذوبة المرحة التي تطلق من أجل الدعابة أو من أجل السخرية. 2- الأكذوبة المفيدة أو الخدومة بعيداً عن الأذى. 3- الأكذوبة المؤذية وهدفها إيذاء الآخر ويمكن تسميتها «الخبيثة»، وهي الأخطر في نظر الأخلاق والدين في الشرق والغرب. في هذه الحالة، إن غالبية أكاذيبنا قد تكون بمثابة أفعال ارتكاسية وغريزية نلجأ إليها لنحمي أنفسنا. ولكن هل هذا يبرر هذه الأكاذيب؟

أمّا علم النفس الاجتماعي فيحسب خمسة دوافع للكذب كشكل من أشكال إخفاء المتكلم لفكره وهي: الحفاظ على صورته وإظهارها، والإقناع للحصول على ميزة إضافية، وتجنب النزاعات (بطريقة دبلوماسية)، وعدم إزعاج محاوره من خلال التعاطف، وتغطية أو تبرير غيابه. وهنا يبرز نموذجان من الانفعالات: السلبي: الخشية من أن ينكشف الشخص بوصفه كاذباً والشعور بالذنب. أما الإيجابي الذي يغلب غالباً لدى الكاذب المعتاد: فهو الشعور بلذة الكذب. ومع هذا النوع، الكاذب يصبح سيد انفعالاته.

أما من جهة علم الاجتماع فيمكننا أن نميز نوعين من المواقف تجاه الكذب: 1- الأكاذيب الأنانية التي تسمح للشخص بتقديم صورة حسنة عن الذات أو بحماية صورته في نظر محاوره، وذلك من خلال المبالغة في مزاياه وإخفاء عيوبه، والحصول على ميزة إضافية أو فرصة عمل، أو بيع شيء لا يحتاجه. وكذلك يتجنب عقاباً أو نزاعاً أو قطيعة. 2- الأكاذيب الغيرية: هنا نكذب كي نجنّب الألم أو الإزعاج أو من أجل سعادة الآخرين. على سبيل المثال، نتحاشى الحديث عن ما يقال عنهم أو عن طريقة لباسهم. ولكن بعض علماء النفس يسمون ذلك «الأكاذيب الدفاعية»؛ لأن الهدف منها حماية علاقتنا بالآخرين. أضف إلى ذلك، هناك دوافع مختلفة تدعونا إلى اللجوء إلى الكذب وتسمح، بنظرنا، بحمايتنا تجاه الآخر، يمكننا تصنيفها بحسب خطورتها: أكاذيب مزيفة لدى الطفل وعفوية ومن دون أية قصدية مؤذية؛ وهذه يمكن ربطها بإبداع الطفل الطبيعي. وأكاذيب - رغبات تبحث عن نكران الواقع، وهذا ما يدعو إلى الكبت وغير مقبول (يمكن أن نكذب على أنفسنا)، وأكاذيب غيرية هدفها حماية الآخرين (الابن، الصديق، الحبيب...)، وأكاذيب نفعية أو خدماتية تهدف إلى اكتساب خير ما أو خدمة ما أو الحفاظ على حب أحد ما أو تجنيب عقوبة معينة. وأخيراً الأكاذيب العدوانية التي يغذيها الحقد والحسد وهدفها الإيذاء.

وفي ختام هذا الموضوع، لا بد من الاستشهاد بأحد المهتمين الاختصاصيين بالتحليل النفسي Pascal Neveu مؤلف كتاب «mentir pour mieux vivre ensemble (نكذب كي نعيش معاً بشكل أفضل)»، حيث يعدّ أن الكذب يشكل جزءاً من حياتنا فيقول: «الكذب هو كوني ويشكل جزءاً من حياتنا. وإن الطفل يتعلمه باكراً، وحتى الحيوانات تعرف استخدامه. فمع أطفالنا ورب عملنا وفي بيتنا الزوجي نحن نكذب جميعاً لأسباب مختلفة: كي لا نقول الحقيقة أو كي نخفيها من خلال ممارسة الكذب بإغفال أو بعفوية، أو للحصول على صداقة معينة وعدم فقدانها... نحن في الوقت نفسه فاعلون وضحايا ومتواطئون مع أكاذيبنا. لماذا نحن نكذب؟ أين ومع مَن تعلمنا الكذب؟ ما الغاية من أكاذيبنا؟ هل هي عوامل سلام أو مولدة نزاعات؟ هل نحن قادرون على كشفها وبأية وسائل؟ وهل نضع لأنفسنا حدوداً؟ ومن دون الحكم على الكذب أو شيطنته وأيضاً من دون تقييمه يجب التأمل حول ماهية الصدق، وما هي الحقيقة؟ ومَن هو الذي يمتلك الحقيقة؟ وما علاقة الكذب مع الأنا؟ ومتى نتوقف عن التمييز بين الواقع والكذب؟ إن إقامة سلسلة للكشف انطلاقاً من ثلاث فئات كبرى من الأكاذيب قد تفيدنا بوصفها إنذاراً من أجل فهم ما إذا تركنا عالم الكذب كي نحمي أنفسنا أو من أجل الغرق في رفض وجودنا».

***

د. حسن منصور الحاج

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنيةن يوم: نُشر: 20 ديسمبر 2023 م ـ 06 جمادي الآخر 1445 هـ

في كتابه الصادر مؤخراً بالفرنسية تحت عنوان «التاريخ العالمي للفلسفة»، يتناول الفيلسوف الشاب فنسان سيتوت الإشكالية المنهجية المألوفة في تاريخ الفلسفة، حيث يتم عادة التأرجح بين مقاربة داخلية نصية تحصر الفلسفة في الموروث اليوناني وتأويلاته وامتداداته اللاحقة، ومقاربة خارجية تربط الفلسفة بالسياقات الحضارية والاجتماعية وترى أنها رصيد مشترك بين الثقافات الإنسانية الكبرى.

من الواضح أن سيتوت يتبنى الرؤية الثانية، لكن من منظور جديد ومتميز. فلئن كان ينفي المركزية اليونانية الغربية في الفلسفة (أطروحة هيغل- هايدغر)، إلا أنه ينطلق في الآن نفسه من العلاقة المعقدة بين ثلاثة أنماط من التشكلات الثقافية الكبرى عرفتها كل الحضارات الأساسية وهي الدين والفلسفة والعلم. في هذا السياق، يقف المؤلف عند ثماني حضارات كبرى هي: اليونان والرومان والإسلام وأوروبا وروسيا والهند والصين واليابان، معتمداً معيارين أساسيين لانتقاء العوالم الحضارية التي عرفت الثلاثية المذكورة، وهما: الاستمرارية التاريخية والنوعية الكيفية.

فإذا كانت الحضارة اليونانية عرفت بالممارسة الفلسفية التي تكرس المنحى المفهومي وتربط الحقيقة بالبرهان العقلي والبناء المنطقي، إلا أن هذا التوجه لم يكن خاصاً بالثقافة اليونانية، بل هو نمط من النزوع النظري الذي عرفته الحضارات الأخرى. كل الحضارات طرحت أسئلة ثلاثة جوهرية هي: من ماذا يتشكل العالم؟ وما هو الخير والشر؟ وما هو المسلك الذي يجب على الإنسان اتباعه في طريق العيش؟

إن هذه الأسئلة الثلاث تحيل إلى مقاربات مختلفة هي الأنطولوجيا (مبحث الوجود) والأكسيولوجيا (مبحث الأخلاق) والباراكسيولوجيا (مبحث الممارسة).

وفي كل حضارة تبرز أنواع ثلاثة من الطرق المنهجية للرد على هذه الأسئلة: إما بالرجوع إلى التقاليد والمعتقدات والرواية المقدسة (الدين)، أو باعتماد مسلك الاستدلال البرهاني (الفلسفة)، أو باختيار طريقة التحقق التجريبي والصياغة الصورية (العلم).

ويبدو أن سيتوت يتبنى المنهج الوضعي التاريخي المعروف لدى أوغست كونت بقانون الحالات الثلاث، ولو من زاوية جديدة، معتبِراً أن كل حضارة تمر بثلاث مراحل متتابعة في المسار الفكري.

- المرحلة ما قبل الكلاسيكية: التي تهيمن فيها المعتقدات الدينية.

- المرحلة الكلاسيكية حيث تنفصل الفلسفة عن الخطاب الديني.

- المرحلة ما بعد الكلاسيكية التي يهيمن فيها العلم الصوري التجريبي على الحقل الثقافي.

وإذا كان يحسب لسيتوت خروجَه من المقاربة المركزية اليونانية الغربية في تصور الفلسفة وتاريخها، فإنه ظل سجين الرؤية الوضعية التاريخانية التي تفصل جذرياً بين الدين والفلسفة والعلم حتى ولو كانت جذور هذه التشكيلات الثقافية مشتركة. إن هذه الرؤية تنبع من المركزية الثقافية التي ينتقدها لكونها تعتبر الحالة الوضعية خط اكتمال المسار الحضاري، وترى في الفلسفة خط القطيعة مع الدين، في حين أن الأمر هنا يتعلق فقط بالحضارة الغربية وليس بثقافات كونية أخرى يقترن فيها المقدس بالمفهوم والأنساق الرياضية الطبيعية.

ولنكتفِ هنا بالإشارة إلى أعمال مروان راشد التي بينت أن مسار الفلسفة في التاريخ الإسلامي تقاطع مع المباحث الكلامية والممارسات العلمية التجريبية. لم تكن هذه العناصر الثلاثة متنافرة أو متعارضة، بل إن الحركة الفلسفية الحقيقية تمت من داخل الحوار الكثيف المتواصل مع الفكر الديني، بما ولد الإشكالات الخاصة بالفلسفة الإسلامية الوسيطة، سواء من داخل علم الكلام (علم الكلام الفلسفي الذي تحدث عنه ابن خلدون في مقدمته)، أو من داخل الفلسفة (الفلسفة الإلهية لدى ابن سينا وفلسفة الإشراق اللاحقة). كما أن نظريات اللغة والكلام في التقليد الإسلامي كانت وثيقة الصلة بالفكر الرياضي والعلمي (مثل ارتباط نظرية الجوهر الفرد في الطبيعيات أو الأحوال البهشمية بالجبر ونظريات الحركة والضوء).

بل إن مناهج كتابة تاريخ الفلسفة الغربية نفسها تخلت عن هذا الفصل الصارم بين الدين والفلسفة والعلم، باعتبار أن الأنساق الفلسفية الكبرى قديماً وحديثاً كانت في أغلبها صياغات برهانية لمضامين عقدية أو لاهوتية، كما أن حركة العلم تسبق عادة المقاربات الفلسفية، إلى حد أن دومنيك ديزانتي يقول إن كل فلسفة تستبطن علوم عصرها، وكل تحول كبير في النظر الفلسفي تم من داخل الثورات العلمية الكبرى.

وبقي السؤال التقليدي مطروحاً: هل تشكل تفكير فلسفي حقيقي خارج المسار اليوناني- العربي - الأوروبي عبر نصوص الحكمة والتأمل والتفكير الأخلاقي التي لا تخلو منها ثقافة إنسانية كبرى، أم أن الفلسفة كما كان يقول هايدغر تتحدث بلغة الوجود وتعتمد المفهوم والبرهان أداةً مميزة؟

سؤال نعود إليه لاحقاً.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 18 ديسمبر 2023

 

في القرن التاسع عشر عندما كان العثمانيون والعرب يريدون التقدم ويلتمسون سبيله كان الحديث عن أوروبا باعتبارها النموذج المبتغى من الحداثيين والإصلاحيين. وإنما كانت مشكلة المشاكل في هذا الوعي ذاته أنّ أوروبا كانت قارة الإغارة والاستعمار. وما أمكن الوصول إلى بعض التجاوز للمشكل إلاّ عندما ظهرت الحركات الاستقلالية التي تريد إخراج الأوروبيين من الديار بالقيم المستعارة من أوروبا نفسها! أمّا مصطلح أو مفهوم الغرب السياسي والحضاري فبدأ شيوعه في القرن العشرين عندما تدخلت الولايات المتحدة الأميركية لإنقاذ أوروبا مرتين في الحربين العالميتين الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945). وقد استند هذا الدعم إلى الهويتين النسبية والحضارية. فالأميركيون والكنديون والأوستراليون من أصولٍ أوروبية محفوظة ومراعاة وإن خاضوا صراعات ونزاعات للاستقلال السيادي والسياسي عن تلك الأصول. وعلى كثرة النقاشات في علاقة الأصل بالفرع الذي صار أهمَّ وأقوى بكثير؛ فإنّ استتباب المصطلح (=الغرب) بعد الحرب الثانية إلى جانب اعتبار الأصول، علته الضرورات الاستراتيجية حيث ما عادت أوروبا قادرة بمجموعها على الوقوف في وجه الاتحاد السوفياتي، كما لم تستطع من قبل الصمود في وجه ألمانيا النازية. رمسفيلد الوزير البارز في إدارة بوش الابن، ثم دونالد ترمب الرئيس الأميركي السابق سمّيا أوروبا القارة العجوز وهما يقصدان عدم القدرة على الدفاع عن النفس والحاجة إلى أميركا (الحلف الأطلسي) في ذلك، وفي الوقت نفسه يتجرأ بعض الأوروبيين على الخروج على إرادة الولايات المتحدة في مسألة مثل الحرب على العراق، ومثل بعض المواقف المتمايزة كما في النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني أو قضية الشرق الأوسط!.

قبل أربعة أشهر صدر للبروفسور ماك سويني كتاب نقدي عنوانه «الغرب - تاريخ الفكرة وتطوراتها». وفي الكتاب نقد كبير للتمييز الذي يمارسه «الغرب» تجاه الحضارات الأُخرى منذ عصورٍ وحتى اليوم. فحتى عندما كانت أوروبا مسيحية كانت تعتبر نفسها مميَّزةً دينياً وإثنياً على الصينيين والهنود والمسلمين. وفضلاً على أن كل حضارة تعتبر نفسها مميزة؛ فإنّ الحديث قبل الأزمنة الحديثة كان يدور حول «أوروبا» في الغالب وليس حول «الغرب». أما أوروبا باعتبارها «هوية» مميزة فقد بدأ التفكير فيها في زمن النهضة بعد القرن السادس عشر، والارتباط بالتراثين اليوناني والروماني. ويلفت المؤرخون للدولة القومية إلى أنّ فكرة أوروبا حتى باعتبارها «قومية» لقيت دفعاً مع حركة الاستقلال اليونانية عن الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن التاسع عشر وقد تطوع أوروبيون من مختلف البلدان (نموذج اللورد بايرون!) إصغاءً لنداءات الوحدة الأوروبية والهوية الأوروبية الواحدة والمستمرة منذ حضارة الإغريق!.

مسألة «الغرب» مختلفة، وتكونت في القرن العشرين، والعامل الرئيسي فيها الولايات المتحدة، وقد بدأت قرابية واستراتيجية ثم صارت في الحرب الباردة حضارية ومباراة في «التفوق الأخلاقي» على ما وراء الستار الحديدي بالحريات وبالديمقراطية وحتى بالنجاح الرأسمالي! ولا يزال الأمر يتطور حتى سقط الاتحاد السوفياتي - كما سقطت أسوار أريحا في العهد القديم -، وطوّر هنتنغتون فكرة الحضارة اليهودية - المسيحية التي تتبارى معها حضارات أخرى لن تلبث أن تنضمّ إليها حتى في القيم الحضارية باستثناء الإسلام الذي يملك تخوماً منبعةً مع الحضارة الغالبة مغمسةً بالدم!.

صورة «الغرب» المعاصر رغم تردّي الصورة في اصطدامها بالواقع، تلتقي مع الصورة الأوروبية عن الذات في ما بين زمان النهضة والأنوار وزمان الاستعمار. وكتاب سويني يذهب إلى أنّ الصورة متضمنة في نظام الفكر الأوروبي والغربي حتى اليوم. وصحيح أن الكاتب الألماني شتيفان فايدنر في كتابه «ما وراء الغرب»، يعالج مسألة التفوق والتمييز في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ لكنه يرى معالم باقية لذلك ظهرت حتى في الحرب الروسية - الأوكرانية!.

وما عدنا في حاجةٍ إلى تلمُّس معالم أو مضامين مستبطنة بعد الحرب بين إسرائيل و«حماس»؛ فقد ظهر ذلك بأجلى وضوح ولثلاث جهات: الاستثناء لإسرائيل واليهود باعتبارهم أقلية مهددة بالفناء أو الإفناء من أعداء السامية - والحضارة اليهودية - المسيحية التي ينبغي حفظ عاملها الأول - وحضارة التحرر والنضال والاستنارة والتي قادها اليهود ضد النازية وفي المدارس النقدية كما بدا في بيان يورغن هابرماس الفيلسوف الألماني البارز. وصحيح أنّ كثيرين غربيين من أنصار إسرائيل يبدأون أحاديثهم بمقولة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها؛ لكنهم ما يلبثون أن يقولوا إنهم يهود (بلينكن) أو صهاينة (الرئيس بايدن). وما قالت وزيرة خارجية ألمانيا في حديثٍ مع «العربية» إنها يهودية أو صهيونية، لكنها ما أنكرت أنّ إسرائيل استثناء وأن مدنييها هم بمعنًى من المعاني أغلى من مدنيي غزة وأطفالها. بيد أنّ الإعلاميين الدوليين والعاملين في المؤسسات الإنسانية العالمية بدوا مروَّعين أكثر بسبب الفيتو الأميركي على المشروع العربي في مجلس الأمن والذي يدعو إلى وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية!.

غوتيريش الأمين العام للأُمم المتحدة معني بوحدة المعايير في مجلس الأمن وفي القانون الدولي. وعندما حاول أحد الإعلاميين أن يلفت انتباهه إلى أنّ «حماس» هي التي بدأت الحرب، أدان غوتيريش ذلك بشدة وطالب «حماس» بإطلاق سراح المحتجزين. لكنه تابع قائلاً: لا يجوز التوقف عند هذا التصريح ضد هجوم «حماس»، بل لا بد من النظر في أحوال المدنيين بغزة في الشهرين الأخيرين، حيث تُزالُ كل آثار الحضارة وإنسانية الإنسان.

مسألة: «الحضارة» وهي عارضة في إجابة غوتيريش، تعيدنا إلى «الغرب» ومفاهيمه الحضارية والإنسانية والتي صارت قوانين نافذة في ميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان. لا يقبل غوتيريش ولا رئيس «الأونروا» ولا رئيس الصليب الأحمر ازدواجية المعايير. أما السياسيون «الغربيون» فلا يعتبرون هذه القوانين والتنظيمات ساريةً على قدم المساواة، وفي حسبانهم أنّ هذه القوانين نافذة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وشعبها، لكنْ لا يصح إنفاذها لدى الأطراف الأُخرى المتصارعة مع الكيان المحتلّ لأنهم لا ينتمون إلى الحضارة اليهودية - المسيحية أو حضارة الأمل والتحرر والتنوير. ولا يحتاج الأمر إلى تخمينٍ كثيرٍ فالاختلاف هنا في الحقيقة هو اختلافٌ في «القيمة الإنسانية» التي يتشارك فيها الغربيون مع شعب إسرائيل مهما احتلّ ومهما مارس، ولا يتشارك فيها مع الآخرين حتى لو كانوا أطفالاً لا يعرفون معنىً للنزاع كله.

حضارة الغرب شأنها في ذلك شأن حضارة أوروبا من قبل تبدو مقاييسها الآن ذاتية وليست عالمية أو إنسانية!

***

د. رضوان السيد

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 01 جمادي الآخر 1445 هـ - 15 ديسمبر 2023 م

 

صراعات الناس لا سيّما الحضاريّة منها لم تنبعث من الخواء

في أغلب الحروب التي أدمت وعيَ البشريّة في القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين يدّعي المتحاربون أنّهم يحاربون من أجل أسمى القضايا وأشرف القيَم. أشدُّ الحجج تأثيراً تلك التي تقترن بالهويّة الجماعيّة، وفي طليعتها صونُ الأرض، وحمايةُ العرض، والدفاعُ عن وجود الجماعة، والذودُ عن الدِّين. أمّا الحجج الأضعف فتلك التي تتعلّق بشرعيّة المصالح، وضرورات التوسّع، ومقتضيات الازدهار. ليس غريباً عن وضعيّتنا البشريّة الاقتتالُ في سبيل إعلاء الذات الجماعيّة، سواء على مستوى القضايا المقترنة بالهويّة الجماعيّة، أو على مستوى المسائل المرتبطة بشرعيّة المصالح. غير أنّ السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في مثل الأوضاع المأسَويّة هذه ينبثق من ضرورة التفكّر الهادئ في مسألة العنف: هل يجوز لنا أن نسوّغ العنف تسويغاً فلسفيّاً يجعلنا نرضى به سبيلاً وحيداً إلى فضّ الخلافات ومعالجة الاختلالات وتقويم الاعوجاجات وتهذيب أهواء النفس الغضبيّة الفرديّة والجماعيّة؟

تقاتل الناسُ في القديم من الأزمنة، وما برحوا يتقاتلون حتّى اليوم، وفي ظنّهم أنّ الاحتراب السبيلُ الوحيدُ الذي يُنقذ الكرامة الإنسانيّة ويفرض العدالة الكونيّة فرضاً مطلقاً. بيد أنّنا ندرك جميعاً في قرارة أنفسنا أنّ العنف لا يولّد سوى العنف. إن بعض الفلاسفة، وفي طليعتهم الفيلسوف الإغريقيّ هيراقليطُس الأفسُسيّ (القرن السادس قبل المسيح) عاينوا الاحترابيّة (polemos) في جميع مظاهر الحياة. فتصوّروا الوجودَ كلَّه مفطوراً على التصارع، وعاينوا في التناقض المضطرم انبعاثاً جديداً وبركةً كونيّةً تُعزّز فينا النموّ والابتكار والازدهار. كذلك سار على هذا النهج فلاسفةٌ معاصرون من أبرزهم هيغل (1770-1831) الذي جدل الواقعَ كلَّه جدلاً تشابكيّاً حيويّاً، فتَصوّر الكائنات كلَّها في تقابلٍ وتعارضٍ وتواجهٍ يُفضي إلى استيلاد أعظم الأمور فرادةً وتألّقاً وسموّاً.

لا أعتقد أنّ العنف الذي تناوله الفلاسفة على هذا النحو يشبه العنف الذي يرتكبه أهلُ الأرض حين يتقاتلون تقاتلَ الإفناء العبثيّ المقيت. بين عنف التناقض الخلّاق وعنف الاحتراب المهلِك بونٌ شاسعٌ أو مسافةٌ ضوئيّةٌ لا يجوز الاستخفاف بها. ذلك أنّ الاختلاف الشرعيّ بين الكائنات الإنسانيّة قد يُفضي إلى بعضٍ من التكامليّة المثمِرة. أمّا الخلافات الجسيمة التي تنبثق من تشنّجات الهويّة الجماعيّة وتضارب المصالح المنفعيّة، فتعيث في الأرض فساداً وإهلاكاً. لذلك آن الأوان لكي نتدبّر مظاهر العنف الاحترابيّ هذا تدبّراً عاقلاً يتيح لنا أن نستدلّ على مناهجَ أخرى من معالجة الخلافات الحادّة التي تنجم عن الواقع الجيوثقافيّ والجيوسياسيّ والجيواقتصاديّ الراهن.

لن أدخل في متاهات التنظير الآيديولوجيّ الذي يرسم خريطة الأرض رسماً استبداديّاً يعزّز لكلّ ذاتٍ جماعيّةٍ منعتَها وحقوقَها ومصالحَها الخاصّة، ويحرم الذات الجماعيّة الأخرى من أدنى مقوِّمات العيش الكريم. أصابتنا مثل هذه المحَن في القديم من الزمان، وما برحت تُصيبنا اليوم في جميع بقاع الأرض. قد يكون الصراع الفلسطينيّ - الإسرائيليّ من أخطر الأدلّة على انعدام سبيل المباحثة العقلانيّة الهادئة واستفحال النهج العنفيّ الإباديّ. ولكن إذا نظرنا في مسار الصراعات العالميّة، تَبيَّن لنا أنّ العنف غالباً ما يسبق التحاور والتفاوض والتسالم الرزين المبنيّ على الحكمة والعدالة. ومن ثمّ، يجدر بنا أن نناصر طريق الحكمة العقلانيّة قبل أن نؤيّد العنف الإهلاكيّ. حين يبلغ الظلم أشدّه في بعض الأوضاع، يُزيَّن لبعض الناس أنّ الحلّ الوحيد الاحترابُ الإفنائيُّ حتّى يخضع الظالمون، ويرتدع المعتدون، ويتوب الضالّون.

غير أنّ صراعات الناس، لا سيّما الحضاريّة منها، لم تنبعث من الخواء الزمنيّ والصفاء التاريخيّ. ثمّة أخطاء جسيمة وارتكابات مشينة وانتهاكات مقزّزة تغاضى عنها حكماءُ المسكونة، فأفضت بنا إلى الانحرافات والمظالم والأوبئة الأخلاقيّة المستشرية. إذا ثَبت أنّ الحروب لم تحلّ المشكلات العالقة، وأنّ العنف أذلَّ الناس المتحاربين إذلالاً كيانيّاً، وأنّ كلَّ صراعٍ سيُفضي عاجلاً أم آجلاً إلى الاسترخاء والتهادن والتفاوض والتبادل والتسالم، ولو في حدود المقدار التفاعليّ الحضاريّ الأدنى، فلماذا يستميت الناسُ في الاقتتال العبثيّ؟ ولماذا يهيّجون النفوس من أجل معاداة الآخرين وتكفيرهم وإسقاط كرامتهم الإنسانيّة اللصيقة بماهيّتهم الأصليّة؟ ولماذا نواظب على تسويغ شرعيّتنا الاستبداديّة بواسطة تأجيج التناقض المميت وإدامة الصراع المهلك وتأبيد الحقد الحضاريّ؟

أعتصم بالاستفسارات الفلسفيّة الجذريّة هذه، وأنا على يقينٍ من أنّ الأجوبة عسيرةُ المنال، إذ إنّنا نُتقن فنَّ التقيّة والتورية والحجب والإخفاء حتّى نُظهر ما لا نُضمر، ونُعلن ما لسنا به مقتنعين. أقولها بصراحةٍ وشفافيّةٍ: ما الأفضل والأجدى والأرقى؟ أن نكافح كفاحَ المقاومة اللاعنفيّة التي تستلهم قيَم الروح الإنسانيّ السامية، على طريقة غاندي ونيلسون مانديلا وأطفال انتفاضة الحجارة الفلسطينيّين؟ أم أن يَفني بعضنا بعضاً على نهج الإبادة العبثيّة التي تُزهق الكيان الإنسانيّ وتُفسد الحياة وتُعدم الرجاء الحضاريّ الكونيّ؟ هل يعتقد الناسُ حقّاً أنّ الرصاصة أشدُّ وقعاً في مسار التوبة الروحيّة الإنسانيّة من وداعة الاعتصام السلميّ وعزيمة الاحتجاج الفكريّ وحكمة المقاومة الثقافيّة الصابرة؟

لستُ على البراءة الساذجة التي تجعلني أنتظر ثمارَ النهج الاعتراضيّ السلميّ منذ المظاهرة الاحتجاجيّة الشارعيّة الجماعيّة الأولى. ولكنّ خبرة الحياة علّمتنا جميعاً أنّ ضحايا الاقتتال العبثيّ يُدفنون في تربة العقم الحضاريّ، في حين أنّ شهداء المقاومة السلميّة يُزرعون زرعاً في وعي البشريّة ويُثمرون رقيّاً بهيّاً في تضاعيف الزمن الآتي. ما دام الناس سيموتون موتاً من أجل الدفاع عن قضاياهم العادلة، فلماذا الموت العبثيّ؟ ولماذا الاقتتال الإفنائيّ الذي يُفسد الحسَّ الإنسانيَّ الحضاريَّ في المعسكرَين معاً؟ إذا كان لا بدّ من الموت بسببٍ من تعنّت الظالم، فليَمت الإنسانُ شهيدَ المقاومة السلميّة التي تهيّئ للناس أرقى سبُل التسالم الكونيّ المقبِل. أمّا موتُ الاقتتال الحاقد فلا يُفضي إلّا إلى تفاقم الاحتراب الإهلاكيّ.

لا سبيل إلى الانعتاق من حروب الهويّات المتشنّجة والمصالح المتضاربة إلّا بواسطة الارتداد الكيانيّ إلى فلسفة اللاعنف التي نادى بها عقلاءُ الأرض وحكماؤها، ومنهم الفيلسوف الفرنسيّ جان-ماري مُلِر (1939-2021) الذي ناصر نهج غاندي السلميّ، وبنى نظريّةً فلسفيّةً متناسقةً متكاملةً في تأصيل اللاعنف على جميع مستويات الحياة الإنسانيّة الفرديّة والجماعيّة، وأنشأ معهد البحث في حلّ الصراعات اللاعنفيّ (Institut de recherche sur la résolution non-violente des conflits)، وشارك في إنشاء المجلس العالميّ المشرف على أوّل جامعةٍ تُعنى بتدريس اللاعنف في العالم، ومركزها الأساسيّ في لبنان. في عرفه أنّ حكمة الحضارات الإنسانيّة تختزن كنوزاً لا ثمن لها من المبادئ والقيَم والمناهج والسبُل والخطط التي نستطيع أن نستثمرها في فضِّ أعتى الخلافات الكونيّة استعصاءً على الحلّ السلميّ.

وعليه، أعتقد أنّه من واجبنا أن نبحث بحثاً هادئاً عن الطريق السلميّ اللاعنفيّ الأمثل الذي يُفضي بنا إلى التفاوض الحازم من أجل فكّ عقَد التاريخ، وشفاء الوعي الجماعيّ الشقيّ من أسقامه الآيديولوجيّة المتراكمة. في مطلق الأحوال، يبقى التسالم الودود والتفاوض المستمرّ والتعاون الصادق من أفضل السبُل التي تتيح لنا أن نتوب عن معاصينا، ونهذّب أخلاقيّاتنا، ونصيب خصمنا بالعدوى الروحيّة الصالحة، ونرتقي معاً في معارج النضج الفرديّ والجماعيّ. حتّى لو لم نحصل كلُّنا على جميع المطالب التي نَعدّها من صميم حقّنا الحضاريّ الأسمى، فإنّ التسالم الراقي الذي نختبره مع خصمنا يفعل فيه فعلَه الاختماريّ البطيء حتّى يرتدّ ارتداداً جميلاً إلى سبيل المعيّة الحضاريّة البهيّة. ليس الزمن المتباطئ بالمعثرة المانعة، إذ إنّه من الأفضل لنا أن نطوي الأيّام مقاومين مقاومةً سلميّةً في سبيل ارتداد خصمنا الظالم، عوضاً عن ضياع الزمن عينه في احترابٍ إفنائيٍّ عبثيٍّ يُفسِد فينا جوهرَ إنسانيّتنا.

***

د. مشير باسيل عون

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 11 ديسمبر 2023 م ـ 27 جمادي الأول 1445 هـ

الحجاب والبرقع ما بين الديانات الثلاث

لقد ارتبط الحجاب والنِقاب في أذهان الأفراد بالدين الإسلامي، ويذهب الكثيرون إلى اعتبارهما أحد رموز التّطرف والمغالاة، ولهذا اقتُرنا بظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب خاصة بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001. لكن الحقائق التاريخية تكشف لنا ما يتم التعتيم عليه، وهو أن الحجاب سابقٌ للدين الإسلامي وأنه موروثٌ اجتماعي سابق للديانات التوحيدية في حدّ ذاتها، فنجده في منحوتات تعود لحضارات متعددة كالحضارة الآشورية، والأكادية، والسومرية، والهندية. لكن بالطبع دون أن نغفل اختلافه بين هاته الحضارات نظرا لاختلاف ثقافة اللباس من عصرٍ إلى عصرٍ ومن مجتمعٍ الى آخر.

ومن هنا سيفهم القارئ أن الحجاب هو موروثٌ اجتماعي مرادٌ به التمييز بين المرأة الحرة وغيرها من الغانيات والإماء، لكن السؤال المطروح هو، هل أن البُرقع أو النِقاب يُعد موروثا اجتماعيا أيضا؟

للإجابة عن هذا السؤال، نقول، إن الديانات التوحيدية الثلاث لم تخرج عن السياق الاجتماعي وأن وجوب ارتداء الحجاب هو ليس الا التزاما بالمعايير الاجتماعية لا الدينية، ولهذا سنوضح موقع الحجاب والنقاب في الأديان التوحيدية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام.

الحجاب والنقاب في الديانة اليهودية

يُعد الحجاب في الديانة اليهودية واجبا على النساء وقد جاء في الاصحاح 24 من سفر التكوين، وهو من أقدم الأسفار اليهودية، “أن امرأة سألت عبدا مَن هذا القادم، فقال لها سيدي، فأخذت الحجاب وتغطت”.

كما نجد في نصّاً في التلمود مفاده “يغطي الرجال رؤوسهم أحيانا ويكشفونها أحيانا أخرى، ولكن النساء يغطين رؤوسهن دائما ولا يغطي البنات الصغار رؤوسهن البتّه”، كما وردت عبارة أخرى في التلمود تأمر النساء اليهوديات بارتداء الحجاب وهي كالآتي: “على بنات إسرائيل ألا يخرجن بشعر مكشوف”، هذا بالنسبة للحجاب.

أما بخصوص النقاب أو ما يسمى البُرقع، فإنه كان منتشرا أيضا في المجتمع اليهودي باعتباره شكلا من أشكال الحجاب السائدة آنذاك وكدليل على هذا نجد في نشيد الإنشاد الرابع لسليمان النبي نصّ مفاده: “لشدة ما أنت جميلة يا حبيبتي عيناك من وراء نقابك كحمامتين”.

أما في سفر التكوين فنجد: أن امرأة اسمها ” تامار” روت أن امرأة رأت رجلا جاء لجز الغنم فنزعت عنها ثياب ترملها و تبرقعت وتلفعت”، وهنا نستنتج أن الحجاب والنقاب في الديانة اليهودية كانا مفروضين على اليهوديات آنذاك وهناك من يعتبره من العادات القَبلية، أما اليوم فلا نجده إلا عند بعض الطوائف اليهودية المتشددة كجماعة “الحريديم” التي يطلق عليها “طالبان اليهود”، حيث تفرض هذه الجماعة على نسائهم ارتداء ” “الفرومكا” باعتباره نقاب اليهود العائد، كما أصدرت هذه الجماعة فتوى بمنع استعمال الهواتف أو بيع الألبسة القصيرة، أو تجوّل النساء عاريات الرأس، وقد أثارت هذه الفتوى الجدل بين من يساندها ويعتبر احتشام المرأة اليهودية من أساسيات التشريع اليهودي وبين من يعارضها ويعتبرها ضربا من ضروب الرجعية والعودة إلى المنطق القَبلي العشائري.

الحجاب في المسيحية

أما بالنسبة للحجاب في المسيحية فقد ورد ذكره ستّ مرات في الإنجيل، وهو لم يرد على لسان السيد المسيح لذلك لا يعتبره المسيحيون إلزاما من الناحية الدينية، بينما نجد في رسائل “بولس الرسول” عكس هذا، فقد وصف عدم تغطية المرأة لرأسها بالأمر المشين، كما ذكر في الإصحاح الحادي عشر في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، ” احكموا في أنفسكم: هل يليق بالمرأة أن تصلّي إلى الله وهي غير مغطاة”.

ولا يرى المسيحيون حرجا في عدم ارتداء النساء الحجاب لأن ذكره اقترن بوجوب ارتدائه في الصلاة وليس الحياة اليومية، بينما يعتبرونه إلزاما للبتوليات اللواتي يكرّسن أنفسهن لخدمة الكنيسة والصلاة اقتداء بالسيدة العذراء.

لكن ما لاحظناه وجود اختلاف بين المدارس الدينية المسيحية وهذا الاختلاف حالة طبيعية نظرا لتعدّد الطوائف والمراجع الدينية، ناهيك أيضا عن اختلاف التأويل فنجد مثلا: في كتاب الدسقولية، وهو يُعد أحد أهم المراجع التعبّدية والتشريعية والسلوكية للكنائس الأولى وللكنيستَين الأرثوذكسية المصرية، والأثيوبية أو الحبشية كما يطلق عليها، ويضم هذا الكتاب تعاليم رُسل المسيح الاثني عشر، وقد تضمّن من جملة الوصايا إلزام المرأة المسيحية الحجاب فقد ورد فيه القول التالي: “لا تتشبهن بهؤلاء النساء أيتها المسيحيات إذا أردتن أن تكن مؤمنات. اهتمي بزوجك لترضيه وحده. وإذا مشيت في الطريق فغطي رأسك بردائك فإنك إذا تغطيت بعفة تُصانين عن نظر الأشرار”.

وفي قول آخر نجد: “كون مشيكِ ووجهك ينظر إلى أسفل، وأنت مطرقة مغطاة من كلّ ناحية”، وهي نفس التعاليم التي وردت في المراسيم الرسولية، والمجموع الصفوي.

وهي بدورها من التعاليم الأرثوذكسية وهذا يمكن أن يفسّر سبب اختلاف حجاب راهبات الأرثوذكس عن راهبات باقي الطوائف، باعتبار أن أتباع الأرثوذكسية أكثر التزاما بتعاليم المسيحية وأكثر تشددا في تطبيقها، فنجد أن حجاب راهبات هذه الطائفة يتميز باللون الأسود واتساع الملابس تخاله لباس نساء الشيعة لو لا وجود الصليب على صدور الراهبات.

الحجاب في الإسلام

يعتبر العديد من المسلمين الحجاب فرض على النساء بموجب الآية 31 من سورة النور: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، لكن يذهب العديد أيضا إلى اعتبار أن الحجاب حتى وإن كان فرض فإن النّص الديني لم يعطِ شكلا واضحا له لأن الغرض من الآية الكريمة هو الاحتشام وتغطية الجسد بما يتماشى مع ثقافة اللباس في ذاك العصر، كما يرى البعض أن تحريم الألوان أو فرض الملابس الفضفاضة هو اجتهاد من العلماء.

لكن مع بداية الحداثة وانتشارها في العالم الإسلامي أصبح ارتداء الحجاب مؤشّراً لتخلّف المرأة، فعزفت النساء في أغلب المجتمعات الإسلامية إلى نزع الحجاب تماشيا مع الثقافة الجديدة التي سادت مجتمعاتهن، لكن مع أواخر سبعينات القرن الماضي ومع القيام الدولة الإيرانية بتوجهها المذهبي أصبح الحجاب فرضا ورمزاً للأصالة الدينية، وتحوّل في مرحلة متقدمة خاصة مع جماعات الإسلام السياسي سواء كان في تركيا أو في تونس أو في غيرها من المجتمعات التي برزت فيها حركات الإسلام السياسي رمزا للانتماء السياسي الجَمعي، كما أصبح الحجاب في عصرنا الحالي رمزا يبرز التمايز العرقي من خلال طريقة ارتداء الحجاب أو حتى شكله.

أما بالنسبة للنقاب فهو يُعد رمزا للإسلاموفوبيا سواء كان في المجتمعات الغربية، أو بعض المجتمعات التي لم تألف وجوده كثقافة للباس وارتبط سياق ظهوره بأسباب سياسية كما حصل في تونس، فالعديد من التونسيين رغم انفتاحهم وإيمانهم القطعي بحرية اللباس إلا أنه في مرحلة ما بعد الثورة واعتبروا النقاب وسيلة لتخفّي الإرهابيين كما حدث حين هرب الإرهابي “أبو عياض” من جامع الفتح في تونس، أو حينما فجرت منقّبة نفسها قرب دورية للشرطة في وسط العاصمة تونس، لذلك اعتبره التونسيون من المعيقات الأمنية والتواصلية في نسيجه الاجتماعي.

وأخيرا لا يمكن أن نربط الحجاب بالإسلام أو بغيره من الديانات نظرا لأنه اجتماعي بالأساس والأديان بصفة عامة لم تخرج عن السياق الثقافي للمجتمعات التي نشأت فيها، ويبقى شكل اللباس وتوارثه من صنع الإنسان في إطار تأسيسه لخصوصيته الثقافية.

***

صابرين الجلاصي

أستاذة وباحثة تونسية في علم اجتماع الأديان والانثروبولوجيا الدينية

عن موقع الحل، يوم الجمعة, 8 ديسمبر 2023

 

في المقالة الماضية عرجتُ على وجهة نظر الفيلسوف المعمّر إدغار موران حول «العقل المحطّم»، وبما أنه فيلسوف لم يوقفه العمر عن المثابرة في متابعة الأحداث، فإنه أدلى برأيه كغيره من الفلاسفة الآخرين في أحداث غزة مع إسرائيل الدائرة الآن.

قبل ذلك أبدأ بمادة نُشِرت قبل أيام في «بي بي سي» لخَّصت آراء 4 فلاسفة من تحرير جوي سليم حول الحرب في غزة نشرها موقع الوكالة.

البداية بموقف الفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر، إذ تصر على ضرورة أخذ تعبير «إبادة جماعية» على محمل الجد، لأنه يصف ما يحدث بالفعل؛ فالهجمات لا تستهدف المقاتلين فقط، وإنما تستهدف أيضاً السكّان والمدنيين في غزة، وهم يتعرضون للقصف والتهجير، وتُعدّ بتلر واحدة من عشرات الكتّاب والفنانين اليهود الأميركيين الذين وقّعوا رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأميركي جو بايدن يدعون فيها إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وهي أيضاً عضو في المجلس الاستشاري لمنظمة «الصوت اليهودي من أجل السلام». وكانت بتلر نشرت مقالاً في 13 أكتوبر (تشرين الأول) في «لوس أنجليس ريفيو بوكس»، تحدثت فيه عن أهمية وضع سياق تاريخي للأحداث الأخيرة، قاصدة بذلك هجمات «حماس» في السابع من أكتوبر. وقالت مؤلفة كتاب «قوة اللاعنف» إنه «لفهم كيفية وقوع حدث ما، أو ما هو معناه، يتعين علينا أن نتعلم من التاريخ. هذا يعني أنه يتعيّن علينا توسيع رؤيتنا إلى ما وراء اللحظة الحالية المروعة، من دون إنكار رعبها، في الوقت ذاته الذي نرفض فيه السماح لهذا الرعب بأن يختزل كل الرعب الموجود»، وأضافت بتلر أن «وسائل الإعلام المعاصرة، في معظمها، لا تفصّل الفظائع التي عاشها الشعب الفلسطيني لعقود من الزمن في شكل تفجيرات وهجمات تعسفية واعتقالات وقتل».

أما الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك؛ فقد تحدث بحفل افتتاح الدورة الخامسة والسبعين من «معرض فرانكفورت الدولي للكتاب»، واستغرب من الحضور أنه «في اللحظة التي يذكر فيها المرء الحاجة إلى تحليل الخلفية المعقدة للوضع، فإنه يُتهم، كقاعدة عامة، بدعم أو تبرير إرهاب (حماس)»، ومنذ بدء هجوم «طوفان الأقصى»، شبَّه الفيلسوف السلوفيني، المعروف بوصفه واحداً من أشهر المفكّرين المعاصرين الأحياء وأكثرهم تأثيراً، حركة «حماس»، باليمين الإسرائيلي الحاكم في الوقت الراهن (كل ذلك بحسب «بي بي سي»).

أما الفيلسوف الجنوب أفريقي ديفيد بيناتار، فانتقد ما سمّاه «لوم الضحية»، أي «تحميل إسرائيل مسؤولية هجمات (حماس)»، وقال إنه كان يجب «التفكير في العواقب المحتملة لعدم قيام إسرائيل بضرب حماس (أو ضربها بشكل غير كاف) رداً على المجزرة». ورأى مؤلف كتاب «الأفضل ألا نوجد إطلاقاً - الضَّرر الكامن في المجيء إلى الوجود»، أن «إسرائيل ليست مستعمرة لأي بلد ولم يتم إنشاؤها على هذا الأساس»، مضيفاً أن الإسرائيليين «لديهم روابط الأجداد مع هذه الأرض».

بينما على موقعه الإلكتروني، دوّن الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين نصّاً مقتضباً بعنوان «صمت غزة». وكتب أغامبين، الذي عُرف باهتمامه بموضوعات متنوعة تراوحت بين فلسفة اللغة وفلسفة الأخلاق والقانون والأدب: «أعلن علماء من كلّية علوم النبات في جامعة تل أبيب، بالأيام الأخيرة، أنهم سجلوا بميكروفونات خاصة حسّاسة بالموجات فوق الصوتية صرخات الألم التي تصدرها النباتات عند قطعها أو عندما تفتقر إلى الماء. في غزة لا توجد ميكروفونات!».

بينما نشرت الوكالات خلاصة الرسالة التي وقَّعها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، رفقة 3 آخرين، حول «التضامن المفهوم مع إسرائيل واليهود في ألمانيا»؛ أن «هجوم (حماس) مذبحة مع النية المعلنة للقضاء على الحياة اليهودية بشكل عام». يعلق السيد ولد أباه على هذا الموقف: «ورغم تشبث هابرماس بالنموذج التواصلي المفتوح القائم على التداول البرهاني الحر، فإنه في الحقيقة لم يسعَ يوماً إلى اكتشاف الثقافات الأخرى، بما يبرز جلياً في كتابه الأخير حول تاريخ الفلسفة الذي ينطلق فيه من مركزية اللاهوت الأوروبي في تشكّل المنظومات الفلسفية».

بينما بدا موقف إدغار موران أكثر حكمة، حين كتب خلاصته عمران عبد الله: «فيما يشبه وصايا الحكماء المعمرين، يواصل عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران (1921) دق جرس إنذار الأزمة التي تتخبط فيها حضارتنا»، منبهاً بشكل خاص إلى مخاطر تفاقم العنف والجهل على مصير البشرية، دعا المفكر الفرنسي - صاحب كتاب «هل نسير إلى الهاوية؟» - لاتخاذ موقف و«عدم نسيان القضايا العادلة»، مشيراً إلى أنه يتخذ موقفاً يتمثل في القلق الإنساني تجاه أولئك الذين يعانون «وفي الوقت الحالي هم في غزة، أن الأمر ربما لا يكون سهلاً؛ ففي الواقع ليس الجميع ضد الحرب، وهناك أوقات يجرفنا فيها التيار، ويطلب منا أن نختار جانباً ونتخذ موقفاً. أنا أتخذ موقفاً من قلق الإنسان. إننا نعيش في عالم من عدم اليقين، حيث مصير الإنسان أمر منسيّ تماماً»، وفسر ذلك بقوله «لم تتعرض الإنسانية قط لمثل هذا القدر من المخاطر، لأنه إذا انتشرت الحرب على نطاق واسع واستُخدمت الأسلحة النووية وغيرها، فإننا لا نعرف إلى أين نتجه؟ لأي تراجع، أو لأي انحطاط. إننا بحاجة لمواجهة هذا العالم الذي يبدو فوضوياً، الفوضى تحمل في طياتها قوى التدمير والإنشاء (التكوين)».

اللافت الذي يستحق التوقف أن موران دعا إلى «عدم كراهية العدو»، حين قال: «خضتُ الحرب (العالمية الثانية) من دون كراهية للألمان. كنت أكره النازية وآيديولوجيتها، لكنني أعتقد أن المسألة الحقيقية هي عدم الاستسلام لهذه العملية الحتمية التي تؤدي إليها الفكرة الخاطئة بأننا نواجه وحوشاً دائماً، أو أناساً من الطبقة السفلية، أو حيوانات».

الخلاصة أن مواقف هؤلاء الفلاسفة بقدر ما تتناقض، وبقدر ما يختار كل من أولئك موقعه من الطرفين، فإن ما يهمنا إرباك الحدث بوصفه خارج التحديد النهائي. إنه جزء من أزمة فوضى، وجذره أن القصّة التي أسست للحرب الدموية الدائرة الآن تتعلق بتاريخ مشحون بالعداوة والتطاحن بين «حماس» وإسرائيل. إن الحدث بمعنى آخر يرمز لفشل في المقاربة المتجاوزة، وآية ذلك أن الفيلسوف المعمّر موران يفضّ الاشتباك بين كراهية العدو وحربه، ويدلل على ذلك بتجربته لا الفلسفية فحسب، وإنما التاريخية في الحرب العالمية أيضاً. إن هذه الآراء توضح مستوى تشظّي الحدث وعدم اقتصاره على الصراع على الأرض ولا باستعمال السلاح، وإنما بجوانب الصراع المضمرة الأخرى بين المتحاربين المجترّين لخصومات التاريخ.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب وباحث سعودي

7 / 12 / 2023م

ليس كل مثقفي الغرب كتلة واحدة صماء بكماء عمياء

بداية دعونا نسجل الملحوظة الأساسية التالية: معظم مثقفي الغرب إن لم يكن كلهم أدانوا بشدة عملية «حماس» الترويعية التي فاجأت العالم ليلة 7 أكتوبر (تشرين الأول). ومعظم مثقفي العرب (مع بعض الاستثناءات القليلة) أشادوا بها وصفقوا لها وعدّوها نصراً مظفراً. وهنا يكمن انقسام حاد بين المثقفين العرب والمثقفين الغربيين من أميركان وأوروبيين. ولا أعرف كيف يمكن ردم الهوة بيننا وبينهم هذا إذا كان يمكن ردمها يوماً ما... بلى أعرف. أطمئنكم يمكن ردمها. والدليل على هذا ذلك البيان الرائع الذي أصدره أكثر من 100 مثقف أميركي وأوروبي رد فعل على بيان هابرماس وجماعته. فقد عدّوا بيانه متحيزاً أكثر من اللزوم لصالح إسرائيل. وهذا يعني أنه ليس كل مثقفي الغرب كتلة واحدة صماء، بكماء، عمياء. هناك تيارات ونقاشات خلافية ديمقراطية عديدة بينهم. هناك توجهات مختلفة ومشارب شتى. وبما أن حرية التعبير والتفكير متوافرة في بلدانهم فإنهم يستطيعون التعبير عن آرائهم دون أي خوف من التخوين أو التكفير أو حتى الاعتداءات الجسدية. وهذه نعمة كبيرة يتمتعون بها وتحسدهم عليها جميع شعوب الأرض. من المعلوم أن بيان هابرماس وجماعته صدر بتاريخ 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وأما البيان الذي رد عليه فقد صدر بعد عشرة أيام تقريباً، بالتحديد يوم 22 نوفمبر 2023. ماذا قال هؤلاء المثقفون في بيان الرد المهم والمحرج لفيلسوف الألمان الأكبر؟ قالوا ما معناه: إننا متفقون مع هابرماس على إدانة عملية القتل والخطف التي أصابت المدنيين الإسرائيليين من طرف «حماس» يوم 7 أكتوبر. ومتفقون معه كذلك على ضرورة حماية الحياة اليهودية في ألمانيا من موجة معاداة السامية التي أخذت تتصاعد مؤخراً. ونحن متفقون أيضاً على ضرورة حماية الكرامة الإنسانية أو البشرية للجميع باعتبار ذلك أحد المبادئ المركزية والأساسية الأخلاقية الديمقراطية التي تأسست عليها الجمهورية الاتحادية الألمانية. كل هذا نحن متفقون معه عليه.

ولكن ما يقلقنا في «إعلان مبادئ التضامن» الذي أصدره هابرماس وجماعته هو أنه حصر هذا التضامن (ظاهرياً على الأقل) بالإسرائيليين فقط. فالحرص على الكرامة الإنسانية التي عبر عنها البيان وبحق لا يمتد بالشكل الملائم لكي يشمل المدنيين الفلسطينيين في غزة بشكل متساوٍ مع المدنيين الإسرائيليين الذين أصابتهم واختطفتهم «حماس» في غزوتها «الإرهابية» المعروفة. لا ريب في أن بيان هابرماس مهتم بمصير الفلسطينيين، ولكن ليس بالشكل الكافي. فهو فيلسوف تنويري ولا يستطيع أن يخرج على مبادئ التنوير أكثر مما يجب. ينبغي على جميع المثقفين الاعتراف بأن فلسطينيي غزة معرضون الآن للموت والدمار.

ثم يردف البيان المضاد لبيان هابرماس قائلاً:

التضامن في نظرنا يعني أن مبدأ الكرامة البشرية واحد وينبغي أن يشمل الجميع أي سواء كانوا يهوداً أو عرباً، إسرائيليين أو فلسطينيين، لا فرق. كلهم بشر وبالتالي فكلهم متساوون في الحقوق والكرامة الإنسانية. وهذا مبدأ أساسي نصت عليه فلسفة الأنوار التي ترفض بشكل قاطع التمييزات الطائفية والعنصرية بين البشر. وهي الفلسفة التي يعتنقها هابرماس ذاته ويدافع عنها باستمرار. وهذا المبدأ الإنساني يجبرنا على التضامن مع جميع السكان المدنيين الذين تسقط على رأسهم غصباً عنهم كارثة الحروب وويلاتها عندما تندلع فجأة.

ثم يردف البيان قائلاً:

بيان هابرماس وجماعته ينص على ثلاثة مبادئ ينبغي أن تتحكم بالحروب: الأول هو مبدأ الرد بالمثل. وهذا يعني ألا يكون الرد فاحشاً جداً يتجاوز العدوان الأصلي بما لا يقاس. ولكننا نلاحظ أن رد إسرائيل الهمجي تجاوز فعلة «حماس» الهمجية أيضاً بأضعاف مضاعفة. والثاني هو تجنب الخسائر المدنية بقدر الإمكان. لكننا نلاحظ أن الكوارث المدنية التي نزلت على رأس أهل غزة كانت مرعبة بل وأكثر من مرعبة. والثالث هو أن يكون شن الحرب بغية تحقيق السلام في نهاية المطاف، وليس الحرب من أجل الحرب، أو القتل من أجل القتل، أو الانتقام من أجل الانتقام. ونحن متفقون معه على ذلك. ولكن ما يقلقنا هو أنه لا يلح بما فيه الكفاية على ضرورة احترام القانون الدولي الذي يمنع ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كالعقوبات الجماعية وتدمير البنى التحتية المدنية: كالمدارس، والمشافي، وأماكن العبادة. غزة كلها تحولت إلى أشلاء. من يستطيع أن يشاهد التلفزيون الآن؟ من يستطيع أن يشاهد تلك الأكفان والنعوش الصغيرة والأمهات؟

أكثر من 100 مثقف أميركي وأوروبي: التضامن في نظرنا يعني أن مبدأ الكرامة البشرية واحد وينبغي أن يشمل الجميع أي سواء كانوا يهوداً أو عرباً، إسرائيليين أو فلسطينيين، لا فرق. كلهم بشر

هذه هي المناقشة التي دارت بين هابرماس ومعارضيه من المثقفين الغربيين الآخرين. وأعتقد أن ردودهم عليه كانت أقوى من ردود معظم المثقفين العرب الذين فقدوا أعصابهم وراحوا يعدمونه بجرة قلم أو يكيلون له الشتائم. على هذا النحو نرجو أن نكون قد وضحنا إشكالية هابرماس بما فيه الكفاية. لم يخن الرجل مبادئ التنوير إلى الحد الذي نتصوره. فقد حجم الحملة الإسرائيلية على غزة وفرض عليها الشروط. ولكن ليس بالشكل الكافي. لا ريب في أنه بدا ميالاً أكثر من اللزوم لصالح إسرائيل التي يخشى عليها وحدها من الإبادة. ويعتقد البعض في أوروبا أن فيلسوف الألمان يفكر على النحو التالي: المسلمون كثيرون جداً ولا أحد يستطيع إزالتهم من الوجود على عكس اليهود. من يستطيع أن يبيد ملياراً ونصف المليار شخص؟ والعرب أنفسهم كثيرون: 500 مليون شخص. وبالتالي فهم راسخون رسوخ الجبال والمنطقة كلها لهم من المحيط إلى الخليج ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. ولكن اليهود قليلون جداً لا يتجاوز عددهم في العالم كله 15 مليون شخص. يضاف إلى ذلك أن هابرماس ملاحق بعقدة النازية. وبالتالي فلا يستطيع أن يكون موضوعياً ولا حيادياً تماماً، كما فعل جيل ديلوز أو مكسيم رودنسون في فرنسا مثلاً. وهذا ما يهمله المثقفون المحترمون الموقعون على البيان المذكور المعنون على النحو التالي: «الرد على بيان مبادئ التضامن لهابرماس وجماعته. نطالب بالكرامة الإنسانية للجميع». وعددهم يبلغ 107 بالضبط. ومعظمهم فلاسفة وأساتذة جامعات كبرى في أميركا وأوروبا كجامعة كولومبيا بنيويورك، وجامعة أكسفورد، وجامعة ييل... إلخ. الشيء الذي يذكر لهابرماس، الذي ينبغي أن نعترف له به هو أنه أدان العنصرية بشكل واضح وصريح في بيانه. لقد أدانها بشكل مطلق. وهذا يعني أنه لم يدن العنصرية الممارسة ضد اليهود فقط والمدعوة بمعاداة السامية. وإنما يعني كلامه ضمناً إدانة العنصرية الممارسة ضد جميع البشر الآخرين المقيمين في ألمانيا، ومن بينهم العرب والأتراك بطبيعة الحال. هابرماس لم يشرع العنصرية ضد العرب! ولا التمييز ضد المسلمين! هذا شيء لا يمكن أن يصدر عن فيلسوف تنويري كبير مثله. إنه ضد التشهير أو التشنيع بأي شخص لأسباب عنصرية أو طائفية. وكيف يمكنه ألا يكون كذلك؟ أليس هو فيلسوف التنوير الأول في هذا العصر؟ ومعلوم أن معركة التنوير الكبرى كانت ضد التمييز العنصري والطائفي بين البشر. قبل انتصار التنوير في أوروبا كانت الطائفية مشتعلة حتى داخل المسيحيين أنفسهم وليس فقط ضد الآخرين. كانت الأمور على النحو التالي: ويلٌ للبروتستانتي في البلدان الكاثوليكية، وويلٌ للكاثوليكي في البلدان البروتستانتية. أصلاً التنوير ظهر رد فعل على المجازر الطائفية التي كانت تحظى برضا ومباركة وتشجيع الأصوليين والإخوان المسيحيين. كان التكفير والتكفير المضاد في أوجه آنذاك بين المذهبين الأساسيين للمسيحية الأوروبية. وكان يشعل النفوس بالحساسيات المذهبية ويهيجهم على بعضهم البعض. هذه نقطة أساسية لا ينبغي أن تغيب عن بالنا. التنوير حسم مشكلة الطائفية في أوروبا وقضى عليها. وهذا الإنجاز العظيم هو الذي أتاح تشكيل الوحدة الوطنية المتراصة في فرنسا وإنجلترا وألمانيا إلخ. التنوير قدم أكبر خدمة للشعوب الأوروبية. التنوير أنقذها من براثن الحروب الأهلية والطائفية. وهو الذي أدى إلى تفوق أوروبا على جميع شعوب الأرض. التنوير ليس كلمة مجانية تلقى هكذا في الفراغ... التنوير ليس تسلية أو مزحة. التنوير حل مشكلة حقيقية وفتح الآفاق المسدودة المستعصية. التنوير أنقذ أوروبا من براثن المفهوم الظلامي والطائفي للدين. هل هذا قليل؟ وبالتالي فلا ينبغي أن نقسو على هابرماس أكثر من اللزوم. ويرى البعض أن هابرماس يفكر على النحو التالي:

هناك طبيعة خاصة جداً لتاريخ الشعب اليهودي تميزه عن جميع شعوب الأرض. وذلك لأنه كان دائماً مهدداً بالإبادة والمجازر على مدار التاريخ. كان دائماً أقلية محتقرة ومهانة تعيش في الغيتوهات المغلقة على ذاتها سواء في البلدان الأوروبية المسيحية أو في البلدان العربية الإسلامية. لهذا السبب يتوجس هابرماس ومعظم مثقفي الغرب خيفة من «حماس»، لأنها ليست فقط حركة مقاومة وإنما هي أيضاً وبالدرجة الأولى جماعة دينية تابعة للإخوان المسلمين. وهابرماس كمعظم مثقفي الغرب يعتقدون أن هذه الحركات تريد إبادة اليهود لأسباب دينية. هناك فتاوى لاهوتية عديدة تكفر اليهود وتبيح دمهم. لهذا السبب أيضاً لم يستطع هابرماس التضامن مع الشعب الفلسطيني بالشكل الذي كان مرجواً ومطلوباً من فيلسوف كبير مثله. وينبغي الاعتراف بأن قضية فلسطين التي هي قضية حق وعدل، وظلم وقهر، دفعت ثمناً باهظاً لكل التفجيرات التي ارتكبها الأصوليون منذ ضربة 11 سبتمبر (أيلول) الإجرامية الكبرى حتى اليوم.

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 6 ديسمبر 2023 م ـ 22 جمادي الأول 1445 هـ

كان الفيلسوف المسيحي غوتفريد فيلهلم فون لايبنتز (1646 - 1716) أكثر ارتباطاً بالفلاسفة الشكوكيين من أي فيلسوف آخر في نهاية القرن السابع عشر. ربطته علاقة شخصية بالثلاثة البارزين في ذلك الوقت؛ الأب سيمون فوشيه، والأسقف بيير دانييل هوييه، وبيير بايل. وككل الفلاسفة منذ أيام سقراط وأفلاطون، نشر كثيراً من كتبه المشهورة بوصفها إجابات عن أسئلة هؤلاء الشكوكيين أو للتعامل مع المشكلات التي أثاروها. وربما أشهر بيان عرض فيه لايبنتز آراءه الميتافيزيقية هي رسالة أرسلها في 1695 إلى فوشيه سماها «النظام الجديد».

لا شك أبداً في أن لايبنتز لم يكن شكوكياً، ومع ذلك فقد عدّه المشككون في عصره صديقاً أقرب من كل الميتافيزيقيين في تلك الفترة. وبينما هاجم فوشيه وهوييه وبايل الديكارتية وآراء مالبرانش وسبينوزا ولوك، فإنهم تعاملوا مع ميتافيزيقا لايبنتز بدرجة من الاحترام وضبط النفس لم تحدث قط في تعامل الشكوكيين مع رؤى الفلاسفة الدوغمائيين، وربما يرجع هذا إلى أسلوبه الدبلوماسي، وهو الدبلوماسي الكبير، في التعامل مع الناس، ومعهم خصوصاً.

وفي حين تعاهد آرنولد ومالبرانش وبيركلي على محاولة تدمير خطر الشكوكيين الذي يطارد الفلسفة الأوروبية، كان لايبنتز شديد الهدوء في معالجته التحديات التي تواجه العقلانية. وفي حين كان كثيرون لا يرون في حجج الشكوكيين سوى أنها خطرة للغاية، أو أنها ستقلب كل اليقين في المعرفة الطبيعية والموحى بها، وأنهم لم يستطيعوا رؤية الشكوكيين إلا بوصفهم شخصيات شيطانية عازمة على تدمير كل الثقة في النظرية المسيحية، وجد لايبنتز قيمة كبيرة وإلهاماً نافعاً في شكوك أصدقائه، وكان يرى فيهم أفضل نقاد فلسفته، وأن شكوكهم لن تتسبب في تدمير العالم العقلاني والديني، بل يمكن أن تؤدي إلى اكتشاف أعمق المبادئ الأساسية للفلسفة والدين.

في ذلك الزمن، تعرض الشكوكيون للهجوم من جميع الأطراف، بوصفهم شياطين لا يستحقون المناصب التي شغلوها، واضطهد الكالفينيون الفرنسيون بايل في هولندا، وحاول المتعصبون مثل آرنولد فضح ما عدّوه الخطر الخبيث في دعاوى هوييه. في مقابل هذا، كان لايبنتز يعاملهم كأعز أصدقائه، وعندما أدان قاضي روتردام بايل وعزله من منصبه، سعى لايبنتز إلى إيجاد وظيفة جديدة له في ألمانيا.

تعرَّف لايبنتز على مشكلات الشكوكية مبكراً، فقد كتب أحد أساتذته ونشر بحثاً يرد به على فرنشيسكو سانشيز، كما أنه نشر هجوم سانشيز الشكوكي على الرياضيات. ويبدو أن لايبنتز قد أخذ بعض هذه النقاط الشكوكية على محمل الجد واستمر في مناقشتها مع علماء الرياضيات طوال حياته. وقد انغمس حقاً في عالم الشكوكيين عندما ذهب إلى باريس في مهمة دبلوماسية ابتداء من عام 1672.

لم تثر صداقة لايبنتز مع هوييه أي جدل، فكل واحد منهما كان يكنّ احتراماً كبيراً للآخر، ويفرح بموافقة الآخر له على آرائه. يبدو أن لايبنتز قد عدّ هوييه رجلاً يتمتع بسعة الاطلاع الهائلة في المسائل المتعلقة بتاريخ الدين. كما أنه يثمن بشدة نقد صديقه للديكارتية، ولذا دعمه بأدلة جديدة لاستخدامها في طبعة جديدة من كتابه «الرقابة على الديكارتية»، فقد كان ينظر لمناوشاته مع الديكارتية بوصفها عملاً مكملاً لجهد هوييه. ثم عاد ونشر بصورة مستقلة في تسعينات القرن السابع عشر بعضاً من هجماته على فلسفة ديكارت بناءً على اقتراح هوييه وتشجيعه. وبعد أن تقاعد هوييه وطواه النسيان وأهمل ذكره بقي لايبنتز يتذكره ويجلّه.

ومع كل هذا، كان بايل هو المؤثر الأعمق في لايبنتز، ومعه تبادل الأفكار الأكثر حيوية وأهمية عبر الرسائل، مع أن هناك شكاً كبيراً في أنهما قد التقيا فعلاً. ويبدو أن أول اتصال بينهما كان عام 1687، عندما أرسل إلى بايل رسالة حول كتاب للأخير كان بعنوان «أخبار جمهورية الرسائل» ويظهر من المراسلات أن لايبنتز كان حريصاً على أن يسمع من بايل رأيه في مشاكساته ضد الديكارتية، بغرض تطويرها.

مع صدور قاموس بايل بدأت مرحلة جديدة في علاقة الرجلين، فبعد سنوات من محاولة إقناع فلاسفة من مثل مالبرانش ولوك بالنظر في فلسفته الجديدة، وجد لايبنتز الاعتراف والتأييد من قبل بايل الذي عدّه واحداً من أبرز العلماء الميتافيزيقيين في ذلك العصر. وفي مقالة بايل عن أرواح الحيوانات كتب يقول: «ثمة صعوبات تنطوي عليها فرضية لايبنتز، إلا إنها تشير إلى مدى عمق عبقريته». لم يمنعه التقدير من انتقاد نظرية لايبنتز، كما أعلن أنه لم يكن جاهزاً بعد لتفضيل نظرية لايبنتز على نظرية مالبرانش؛ لأنه كان يريد أن ينتظر حتى يُحكِم لايبنتز عمله. فكتب لايبنتز ليجيب عن النقاط التي انتقده بايل بسببها، ثم جلس ينتظر الرد بفارغ الصبر، وكان بايل سعيداً بأن اعتراضاته قد دفعت لايبنتز إلى تطوير آرائه، وكتب معلقاً: «أنا الآن أعتبر هذه النظرية الجديدة فتحاً مهماً سيكون من شأنه توسيع حدود الفلسفة». هذا تعليق مهم يدل على وعي هؤلاء العظماء بدور الشكوك في تطور المعرفة.

إنه لأمر يثير الدهشة حقاً حين ننظر في المناقشات بين لايبنتز والشكوكيين فنجد الحوار الراقي السلمي، بعكس النقاشات الحادة المختلفة بين رجال الدين وفلاسفة القرن السابع عشر، مثل تلك التي جرت بين ديكارت وغاسندي، أو مالبرانش وآرنولد. لقد بذل لايبنتز وأصدقاؤه الشكوكيون قصارى جهدهم ليكونوا لطفاء، بعضهم مع بعض، وليقدموا صورة مشرفة للحوار الحضاري الخالي تماماً من التجريح، حتى في المراسلات الثنائية. يصعب أن نتصور أن مثل هذين؛ السلام والهدوء، ومثل هذا الإعجاب المتبادل والنيات الحسنة، يمكن أن توجد في ذلك العصر، والفضل في ذلك، فيما يظهر، يعود إلى لايبنتز ونفوره من الصدام.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 4 ديسمبر 2023 م ـ 20 جمادي الأول 1445 هـ

النقطة الوحيدة التي تحسب له هو أنه كان أكبر مفكك للأصولية والظلامية

بداية دعونا نطرح السؤال التالي: كيف حوّل المثقفون الفرنسيون من أمثال فوكو وديلوز ودريدا، نيتشه، إلى مفكر يساري تقدمي؟ هذا ما يكاد يجنن جاك بوفريس ويطير عقله. ومعه الحق. نيتشه يعلن نهاراً جهاراً على المكشوف أنه ضد قيم الحداثة: كالديمقراطية، والاشتراكية، والتقدم الاجتماعي، والمساواة بين البشر، بما في ذلك المساواة بين الرجل والمرأة. وكان مضاداً لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية 1789، والذي يعد مفخرة فرنسا عالمياً حتى الآن. لهذا السبب كان حاقداً على جان جاك روسو الذي كانت كتاباته تعد بمثابة إنجيل الثورة الفرنسية. نيتشه كان مفكراً رجعياً حقيقياً. كان مدافعاً عن النزعة الأرستقراطية الراديكالية التي لا تعترف بمبدأ المساواة بين البشر؛ هذا المبدأ الغالي على قلب جان جاك روسو ومعظم فلاسفة الأنوار. ما هي العقيدة السياسية لفريدريك نيتشه؟ إنها تتمثل فيما يلي: هناك النخبة الأرستقراطية من الرجال الاستثنائيون الموجودون على رأس المجتمع أو الهرم الاجتماعي، وهناك جماهير الشعب الموجودة في أسفل الهرم. وهذا هو النظام الطبيعي الذي ينبغي أن يسود ولا اعتراض عليه أبدأ. ومهمة الجماهير هو الكدح والتعب والشغل والطاعة الكاملة العمياء للنخب المثقفة. ينبغي أن تخدم هذه الجماهير الغفيرة النخبة الأرستقراطية لكي تستطيع التفرغ للقيادة والحرية والخلق والإبداع. هذا هو نيتشه الحقيقي.

النقطة الوحيدة التي تحسب له هو أنه كان أكبر مفكك للأصولية المسيحية والظلامية الدينية. هنا تكمن عبقريته. وكان أكبر محطم للأصنام والمعبودات والشخصيات التي نعتقد أنها مثالية قداسية في حين أنها كانت بشرية عادية بل وأكثر من عادية. انظر لتكالب بعض رجال الدين على الأموال والأرزاق والوجاهات في كلتا الجهتين الإسلامية كما المسيحية... ولكن العامة يتعلقون بهم ويقبلون يدهم ويقدسونهم تقديساً. انظر لقصص بعض البابوات الفاسدين المنحلين في القرون السابقة كالبابا ألكسندر بورجيا الذي كان أبعد ما يكون عن المبادئ الدينية والفضائل الإنجيلية. وقد اشترى بابويته بالفلوس التي انهمرت مدراراً على الكرادلة لكي ينتخبوه. وخلف وراءه عشرة أولاد وثلاث بنات من عشيقات مختلفات. وقد عيّنهم في مناصب عليا في المجتمع الإيطالي بعد انتخابه. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن البابا يوليوس الثاني الذي خلفه عام 1503 فقد كان مستبداً دموياً مولعاً بشن الحروب. لقد خان المبادئ الإنجيلية كلياً، ومع ذلك فقد ظلت عامة المتدينين تقدسه كالصنم المعبود. وقل الأمر ذاته عن بعض الدعاة الكبار الذين أصبحوا أغنياء جداً عندنا، بل ومليونيريين بفضل المتاجرة بالدين. لا داعي لذكر الأسماء... نعم لقد ساعدنا نيتشه بمطرقته الفلسفية على التحرر من هيبة شيوخ التزمت والتقعر والإكراه في الدين. يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر. يدعونك إلى الزهد في الحياة الدنيا وعينهم على الشهوات والملذات والأموال التي يتكالبون عليها تكالباً. كل هذا كشف القناع عنه فيلسوف الألمان وحررنا منه. من هذه الناحية كان تنويرياً كبيراً. لتسقط الأصنام والأوثان التراثية إذن ولنتحرر منها كلياً ولنتنفس الصعداء لأول مرة في حياتنا. لنتجرأ على أن نفكر بأنفسنا دون أي وصاية لاهوتية أو كهنوتية فوق رؤوسنا. هذه هي وصية كانط لنا. هذا أول مبدأ من مبادئ فلسفة التنوير. فالله زودنا بعقول لكي نشغلها لا لكي نلغيها أمام شيوخ الفضائيات وجماعات الإسلام السياسي الذين يعرفون كيف يستغلون الدين وهيبته وقداسته. إنهم بارعون في ذلك إلى أقصى حد ممكن. ولكن لعبتهم انكشفت بعد سقوط ما يدعى «الربيع العربي». لكأن الربيع يمكن أن يكون أصولياً ظلامياً. الربيع سيكون تنويرياً، أو أنه لن يكون!

أنا مدين لنيتشه بأشياء عبقرية كثيرة. يضاف إلى ذلك أن أسلوبه في الكتابة بركاني، عبقري، متفجر، لا يضاهى. أنا أدوخ، أخرج عن طوري عندما أقرأ نيتشه. أكاد أقوم وأقعد. لا أستطيع أن أبقى هادئاً. حقا إن من البيان لسحراً. وربما كان أكبر كاتب في اللغة الألمانية. ولكني لا أستطيع الاتفاق معه على هذه النزعة النخبوية والاستعلائية الكاسحة. لا أستطيع القبول بإدانته للحداثة ومنجزات الحداثة جملةً وتفصيلاً. هنا أقول له ستوب، قف: خط أحمر! فقد رفض رفضاً قاطعاً المثل العليا للحداثة كحقوق الإنسان والمساواة بين البشر وحق التصويت العام للشعب، ومشروع المدرسة للجميع، والسعادة والرفاهية للجميع، إلخ. ورفض كل السياسات التضامنية مع الفقراء والمنبوذين والمستضعفين. ووصل به الأمر إلى حد القول: ينبغي أن نحمي الأقوياء من الضعفاء وليس العكس. وعلى هذا المنوال يمكن أن نقول: ينبغي أن نحمي الأغنياء من الفقراء الذين يحسدونهم ويكادون ينهشونهم نهشاً. لماذا لا نصرخ: يا إلهي ما أجمل الأغنياء وما أبشع الفقراء؟ عيب! ثم صعد نيتشه من لهجته إلى حد القول: «لينقرض الضعفاء والفاشلون! هذا أول مبدأ من مبادئ فلسفتنا الإنسانية المحبة للبشر! بل وينبغي أن نساعدهم على هذا الانقراض»... وهذا يشبه ما فعله النازيون عندما قضوا على المرضى والمقعدين والمعاقين، وعدّوهم عالة على المجتمع. ثم يضيف: «ما هي أسوأ النقائص أياً تكون؟ الشفقة على الفاشلين والضعفاء: عنيت المسيحية». ويحك! هكذا نلاحظ أن أفضل ما جاءت به المسيحية كدين محبة وشفقة ورحمة يدينه ويعده نقيصة. هنا تكمن خطورة نيتشه. إننا نفهم هجومه على الأصولية المسيحية التي كانت لا تزال قوية في عصره وقادرة على الضرب والقمع، والإكراه والقسر. وذلك على عكس ما هي عليه الآن، حيث لم يعد لها وجود في أوروبا، وحيث أصبحت هي الخائفة لا المخيفة. ولكننا لا نفهم أن يدين أفضل ما جاءت به المسيحية وكذلك الإسلام: أي الشفقة والرحمة على الضعفاء والفقراء واليتامى والمحتاجين وابن السبيل... هنا لا نستطيع أن نمشي معه خطوة واحدة إلى الأمام. هنا نفضل أن نكون مع مفكر عملاق آخر هو جان جاك روسو الذي كان يذوب ذوباناً في أحضان الشعب الطيب الفقير الذي يكدح كل نهاره لتأمين لقمة العيش له ولأطفاله.

ليس غريباً إذن أن تكون النازية قد وجدت ضالتها فيه واتخذته هادياً مرشداً لها ولآيديولوجيتها. ليس غريباً أن يكون النازيون قد رأوا في نيتشه «أيقونة العهد الجديد» الذي أرادوا إقامته وترسيخه في ألمانيا. ليس غريباً أن يكونوا قد اتخذوه قدوةً ومثالاً لكي يحتموا في ظله ويضربوا بسيفه. نقول ذلك وبخاصة أن شهرته كانت قد أصبحت أسطورية. لقد اندلعت بعد موته كالرعد القاصف واكتسحت السماء المكفهرة للبشرية الأوروبية. كانت كتبه خصوصاً «هكذا تكلم زرادشت» تباع بالملايين. لقد أصبح الإنجيل الخامس كما توقع هو شخصياً. وكانت شبيبة ألمانيا تعبده عبادة في حين أنه لم يلق في حياته أي اهتمام ولم يبع من كتبه أكثر من عشر نسخ! من يصدق ذلك؟ كل هذا النجاح الباهر حصل بعد موته عام 1900 بالضبط. ولهذا السبب قال عبارته الشهيرة: «هناك أشخاص يولدون بعد موتهم». كان يعرف أن لحظته آتية لا ريب فيها. وهذا السطو من قبل هتلر على نيتشه وفكره ما كان لينجح تماماً لولا تعاون أخته إليزابيث التي كانت عضواً في الحزب النازي منذ عام 1930. ومعلوم أن هتلر زار متحف نيتشه الذي يضم أرشيفاته ومحفوظاته في مدينة فايمار عام 1933: أي بعد توليه السلطة مباشرة تقريباً. وهناك انحنى أمام أخته إليزابيث كما تشهد الصورة على ذلك. وقد أهدته عصا الفيلسوف لكي يتبرك بها أو يتعكز عليها في نزهاته اليومية إذا شاء. وفي عام 1934 ترأست إليزابيث هذه بحضور هتلر الاحتفالات بالذكرى التسعين لولادة أخيها الفيلسوف الشهير. ومعلوم أن النظام الهتلري نظم احتفالات ضخمة بهذه المناسبة وبحضور كبار القادة النازيين. وعندما توفيت إليزابيث نيتشه في العام التالي عن عمر مديد حضر هتلر شخصياً تشييع جنازتها.

هذا الكلام لا يعني أن كل فلسفة نيتشه نازية من أولها إلى آخرها! لا، لا، أبداً، أبداً. ما إلى هذا قصدت. وإلا لما بقيت على مدار الأجيال ولكانت قد ماتت في أرضها. وذلك لأن فلسفته ضخمة، واسعة، متشعبة لا يمكن حصرها بهذا الجانب فقط. فلسفته تحتوي على إضاءات عبقرية عديدة كما أسلفنا. ولكن لا يمكن إنكار هذا الجانب المتطرف واللامسؤول من فكره. لماذا اعتمد هتلر على نيتشه كمنظر آيديولوجي أكبر للنازية، ولم يعتمد على كانط أو هيغل مثلاً؟ وهما من أعظم العقول الفلسفية التي أنجبتها ألمانيا. سؤال لا يمكن تحاشيه. والواقع أننا عندما نقارن بين انفجارات نيتشه الفكرية والأسلوبية الخارقة وبين هيجانات هتلر وخطبه النارية المشتعلة التي كهربت الشعب الألماني كهربة نلاحظ وجود أوجه تشابه عديدة. ونكاد نقول هذه من تلك!

على أي حال لا يمكن اعتبار نيتشه مفكراً حريصاً على المساواة بين البشر ولا على النزعة الإنسانية اللهم إلا إذا كنا من «جماعة العميان»، كما يقول جاك بوفريس. من هنا حملته الشديدة على فوكو وديلوز ودريدا الذين حولوه في ستينات وسبعينات القرن الماضي إلى مفكر يساري تقدمي غصباً عنه! هذا في حين أنه كان مفكراً نخبوياً، أرستقراطياً، استعلائياً، محضاً. كان يحلق في الأعالي أو أعلى الأعالي. كان يفكر «والناس تحته على مسافة ستة آلاف قدم» كما يقول هو شخصياً. هو من فوق وكل البشرية تحته! كل العنجهية الأرستقراطية تجسدت في شخصه، كما أن كل العنجهية الآرية الألمانية تجسدت في شخص هتلر.

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 3 ديسمبر 2023 م ـ 19 جمادي الأول 1445 هـ

إن وضعت بعض المكرونة في الماء وغليتها، ثم صفيت الماء وأضفت إليه علبة صوص جاهزة فمبارك؛ لقد طبخت. وإن ذهبت مع أصدقائك إلى ملعب مستأجر، وانقسمتم فريقين متنافسين، فمبارك؛ لقد لعبت كرة قدم. لكن النشاط الأول لا يجعل منك طباخاً، والثاني لا يجعل منك لاعباً محترفاً. ثم إن الاحتراف نفسه لن يجعل منك بالضرورة فناناً في أي منهما. هناك مسافة شاسعة بين الفعل وبين فن الفعل. وفي هذه المسافة تكمن إنجازات الإنسان. تكمن قدرة عينة عشوائية من أفراده على إبداع يشبه الإعجاز.

المساحة بين الفعل وفنه ليست فراغاً. مليئة بمستويات متدرجة من المهارة. من لاعب عادي في نادٍ مغمور إلى لاعب في «البريميرليغ»، إلى ميسي ورونالدو ومارادونا وبيليه.

والفروق المهارية التي لا تخطئها عين سببها فروق بسيطة للغاية من الناحية الجينية. يشترك الإنسان مع الشمبانزي في 98.8 في المائة من الـ «دي إن إيه (DNA)». كل هذه الفروق الشكلية والحضارية والعقلية، كل الهندسة والطب والبيولوجي والجيولوجي والمعمار وعلوم الفضاء والتفاضل والتكامل، أحدثها اختلاف أكبر قليلاً من 1 في المائة من جيناتنا.

أما بين البشر، فالفروق أدق. أي شخصين يتشابهان في نحو 99.9 في المائة من «الدي إن إيه». بمعنى أن الفروق بين البشر في المواهب والقدرات والقوة العضلية والتفوق الذهني، كل هذه المعجزات في الفنون، والموسيقى والشطرنج، سببها اختلاف لن يتعدى 0.1 في المائة بيننا. لو تخيلنا أن الشخص منا مُكَوَّنٌ طبيعياً من 1000 عنصر، فأنت وأنا ونيوتن وأينشتاين متشابهون في 999 عنصراً منها، ومختلفون فقط في عنصر واحد بين الألف.

في المفارق، وفي الأزمات، وفي المهمات الجسام، وتحت الضغط، يعظم تأثير هذا العنصر البسيط، وتختلف مسارات الأمم، وتتباين إنجازات الأفراد. وبهذا الفارق البسيط بين رؤية ورؤية تتغير الحياة. فلا تستهن بالفروق الضئيلة، وبالتغيير البسيط في عاداتك، أو الاختلاف البسيط في وجهات النظر التي تستمع إليها.

من عادة المجتمعات التقليدية أن تعيد إنتاج آرائها، مرة بعد مرة. وأن يكتفي المتميزون فيها بالاحتماء بالكتلة الصلبة الموروثة من طرح العقول. في حين أنها لن تتطور إلا بفضل الرؤى التي تبحث عن مسار جديد، ولو في واحد من ألف من عناصره.

إن استمعت إلى رأي ووجدت أنك سمعته من قبل كما هو، بكل عناصره، في الموضوع نفسه. فاعلم أن عقلك لا يرى هذا الرأي، يكدسه ويملأ به الخزانة، لكن إن ارتداه فلن يميزه، كزي عمال موحد في بلد شيوعي. مصير هذا الرأي سيكون كمصير سابقه. إن خسرت بسبب المسار السابق خطوة، فستخسر بسبب تكراره خطوة أخرى على الأقل، وغالباً أكثر، لأنك تقف على الرصيف نفسه، ربما في انتظار غودو، بينما الحياة تمضي.

في كثير من جوانب الحياة في منطقتنا، في الاقتصاد وفي السياسة وفي العلاقة مع العالم، تقرأ رأياً مكتوباً منذ 50 عاماً، وتقرأ رأياً حديثاً يحظى بالتأييد، فلا تجد بينهما اختلافاً. كائن الرأي لم يتطور. يزيد الأمر سوءاً أن البيئة من حوله تطورت. ومن لا يتكيف مع تطور البيئة ينتهي. حتى صارت الثقافة الغالبة لا تكاد تحتفي بصاحب رأي على قيد الحياة، ولا ترى الفارق بين الأصالة والتقليد، بل تحتفي بآراء قديمة مُحَنَّطة، وتحتضن من يعيد إنتاجها مرة بعد مرة.

وصنعة الرأي موجودة في كل الحرف، ومُشَخَّصة في حرفة المقال أو النقاش الإعلامي، موجودة في حرفة كرة القدم، حيث خطة اللعب رأي، والتشخيص الطبي رأي، والأحمال التدريبية رأي.

من الصعب افتراض أن ما يجري على الرأي السياسي والاقتصادي من جمود لا يجري على قرارات التخطيط والتنمية، ولا يجري على قطاعات الحياة الأخرى. وأن هذا هو السبب الحقيقي في قلة المواهب البارزة بالنظر إلى حجم الإمكانات المادية والبشرية والجغرافية الموجودة في المنطقة.

يحتاج الموهوب لكي يصل إلى مستوى الفنان في حرفته إلى أن يشتغل على نفسه، وأن ينمي صنعته، ويحتاج أيضاً إلى مستويات موازية من التراكم المهاري في محيطه، تطور خططه، وتنمي أحماله التدريبية، وتشخص مشكلاته بما استحدث العالم من معرفة. هذا ما يجعل لاعباً موهوباً التحق بأكاديمية برشلونة صغيراً يصير ميسي، بينما مواهب أخرى دُفنت في تربة ريف ناءٍ، أو ضاعت في زحام حضر عشوائي منفلت كأعصاب الأحمق، تسبق أفعالُه أفكارَه.

***

خالد البري

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، يوم:

الثلاثاء، 28 نوفمبر 2023 - 13 جمادي الأول 1445 هـ

 

قد تبدو الفلسفة في المجاميع الشعبية وبالصيغ العمومية حتى التعليمي منها غير مرحب بها، وأظن أن مرد ذلك لسببين أولهما: تشتيت الثبات الذي تحدثه. وثانياً: لعدم إيمان من يتلقاها بأهمية الأسئلة الفلسفية على واقعنا.

ثمة تشويه مرده إلى سذاجةٍ تعتورها غير أن انتشار ذلك التشويه والتشنيع حد الفجور بالخصومة يجعلنا أمام دفاعٍ عن الفلسفة، بوصفها النشاط العلمي الأكثر تماساً بالإنسان ووجوده. يمكن قراءة الحداثة كأثر من آثار الفلسفة، ذلك أن الفلسفة كانت هي محتوى الحداثة، فتلازم مسار الفلسفة بمسار الحداثة شديد الإلحاح، أو على حد وصف هيغل: «يستحيل التوصل إلى المفهوم الذي تدرك به الفلسفة ذاتها، خارج مفهوم الحداثة».

بمعنى أن الحداثة بمواضيعها لم تكن مجرد نقْلة ضيقة للحياة، فالحداثة لم تكن نقلة تقنية، بل غدت «التقنية» – ذاتها – موضوعاً للحداثة، وصعوبة رصد ثمار معدودة لأثر الفلسفة على الواقع، يأتي من كون كل نظرية فلسفية مهمة أنتجت دينامية مختلفة للحياة، إذ يمكن الرجوع إلى النظريات الحديثة، وربطها بنتائجها، ومن ثم اعتبارها ضمن الآثار التي رسختها الطروحات الفلسفية وجادت بها على العالم، ويمكنني هنا التذكير بإسهامات فلسفية أساسية.

من أبرز إسهامات الفلسفة أنها حوّلت الإنسان إلى موضوع للدراسة، وإذا كان «فوكو» كتب عن «كانط»: «ما كان يهم كانط هو الإصلاح الفكري والثقافي وتمكين جمهور المواطنين من قسط من الحرية يُسمح لهم بأن يفكروا بتلقائية»، فإن الفلسفة بالنسبة له لم تكن مجرد موضوع تأملي، خصوصاً إذا وافقنا «هيغل» بأن فلسفة كانط هي: «بؤرة العالم، ونوع من التأويل الذاتي له، وأن عصر الأنوار ينعكس في فلسفة كانط».

صحيح أن الوعي الفلسفي بالحداثة تجلى بوضوح لدى «هيغل»، لكن ما يميز فلسفة «كانط» – بحسب فوكو – أنه وضع الإنسان «موضوعاً للدراسة»، كما أنه – وفق فوكو أيضاً – «أول فيلسوف يتخذ من عصره وحاضره موضوعاً للتفكير».

أسهمت الفلسفة في ترسيخ مبدأ الذاتية، وهو مفهوم متعدد الدلالات، لكنه ارتبط فلسفياً بمفعولات النزعة الإنسانية، فهو بالمعنى العام يعني مركزية ومرجعية الذات الإنسانية، وحريتها وشفافيتها، ومبدأ الذاتية يضم وفق «هيغل» الحياة الدينية والدولة، والمجتمع، والعلم والأخلاق، والفن، كل تلك الفروع تبدو جميعها تجسيداً لمبدأ الذاتية.

من إسهامات الفلسفة الأساسية أيضاً تدشين الفضاء العلماني، إذ يرى «لوك فيري» أن «كانط» هو الذي دشن فضاء الفكر العلماني في الغرب، ويكتب «هابرماس»: «إن فلسفة كانط كانت ضمن مخاض الحداثة، باعتبارها عصراً كان في طور الانفلات النهائي من كل الإيحاءات المعيارية لنماذج الماضي، وبصدد إعداد مشروعيته الخاصة واستمداد معياريته وضماناته الخاصة من ذاته، فتلك الانفلاتات والانبثاقات ولدت تمايزات واستقلالات على مستوى المؤسسات والبنيات الاجتماعية، وعلى مستوى الثقافة «علم، أخلاق، فن»، ما جعلها منطلق دينامية حداثة فكرية لم تتوقف عن التجدد حول قضايا التناهي، والعلمانية، والذاتية والعقل والنقد».

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

28 نوفمبر 2023

لا أدري، هل أصبح الإنسان رخيصاً إلى هذه الدرجة في دنيا العرب ومعتقداتنا السائدة؟ نعم، لقد أصبح الإنسان، ذاك الذي كرّمه الخالق في الأزل، وفضّله على كثير من خلقه تفضيلاً، والذي قال فيه سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم: “لأن تُهدم الكعبة حجراً حجراً، خير عند الله من أن يُهدر دم مُسلم”، مهاناً متهماً في كل سلوك أو فكر يتبناه، من رجال ومؤسسات وأحزاب وميليشيات نصبت نفسها وكلاء لله في أرضه، لا يعرف مقاصد الرحمن إلا هي، ولا يُمكن الوصول إلى علم العليم أو دخول جنته إلا من خلالها وما يقول رجالها، مع أن الإسلام دين فطرة وبساطة وتيسير وعلاقة مباشرة بين الإنسان وخالقه، حرامه أقل من القليل، وحلاله هو الأصل في الأمور، ولكن العلة تكمن في الرجال، وفي المؤسسات، وفي الأحزاب والميليشيات، حين تجعل من نفسها وسيطاً فيما لا يحتاج إلى وسيط، ومفسراً لما لا يحتاج إلى تفسير.

لقد آمن الأعرابي القديم بالإسلام ومارسه من دون حاجة الى وسيط ومفسر لما هو واضح، والحديث الصحيح عن ذاك النجدي ثائر الشعر “الذي نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول”، والذي تعهد بأن لا تزيد عبادته عن الأركان الخمسة، حيث علق الرسول قائلاً: ” أفلح إن صدق”، خير برهان على بساطة الإسلام، ناهيك عن حديث أبي ذر الصحيح، الذي يؤكد فيه نبي الرحمة أن من شهد أن لا إله إلا الله، دخل الجنة، وإن زنى أو سرق، برغم أنف أبي ذر، وفق ما ورد في الحديث على لسان الرسول الأكرم، ولكن المعضلة تكون حين يتحول الدين البسيط إلى مؤسسة معقدة (خصوصاً إذا كانت المؤسسة حزباً أو ميليشيا مسلحة)، ينتمي إليها أفراد يأسرهم خطاب المؤسسة وفكرها وأهدافها، ويعيدون بدورهم إنتاج هذا الخطاب، على أساس أن المؤسسة وحدها هي من يمثل الدين الصحيح، وغيرها فيه خروج عن المحجة البيضاء. فحين تتحول الأديان إلى مؤسسات ذات أهداف وغايات ومناهج موضوعة، ليس من الضروري أن تكون متسقة مع جوهر الدين، فحينها لا يعود الدين ديناً، وإنما يتحول إلى أداة تتحكم بالأبدان وتوجه العقول وتحكم السلوكيات، وتُنسى الروح والقلب في خضم هذا التعقيد لما هو بسيط، اللذان هما محل الإيمان أولاً وآخراً، ومن ثم تكون بقية الأشياء.

لم تكن دعوة المسيح، عليه السلام، مثلاً إلا دعوة أخلاقية وإرشاد روحي، هدفه صقل الروح الإنسانية كي تصل إلى درجات عليا من الرقي والسمو، ولكنها تحولت على أيدي الرجال إلى مؤسسات ذات مال ونفوذ وتسلط على البلاد ورقاب العباد، فعانت أوروبا القروسطية القمع والقتل وسفك الدماء والتفتيش عما في الصدور، باسم المسيح ودين المسيح، والمسيح وتعاليمه من كل ذلك براء، بل هي المؤسسة ورجالها، الذين اتخذوا من دين المسيح مطية نحو المال والسلطة والنفوذ، وجعلوا من أنفسهم طبقة من رجال دين (اكليروس)، لا ينتقدهم أحد، ولا يقترب من ساحتهم أحد، ولا يُسألون عما يفعلون، فلحومهم مسمومة بسم زعاف، ومن يفعل ذلك، فمآله النار وبئس القرار في الآخرة، وعذاب الويل في الدنيا، وبذلك جعلوا من رب العباد أداة في أيديهم، لتحقيق مآرب لا علاقة للرحيم بها، والعياذ بالله. فالمسيح يقول مثلاً: “أحبوا أعداءكم”، ورجال المؤسسة كرهوا الناس جميعاً، وخلقوا الأعداء حين لم يوجودوا، وسفكوا دماءهم. ويقول المسيح أيضاً: “من كان منكم بلا خطيئة، فليرجمها بحجر”، كتعبير عن التسامح في أقصى درجاته، ولكن المدعين بحماية دينه كانوا يبحثون عمن يرجمونه بالحجارة، ويحرقونه بالنار، فعُلقت النساء في محاكم التفتيش من الأثداء، وحُرقت ساحرات لم يكن بالساحرات. وخشيتي اليوم في دنيا العرب والمسلمين من طبقة من رجال الدين تنتمي إلى أحزاب وميليشبات تزعم أنها تمثل الدين الصحيح، كما تمثل الكنيسة وكهنتها دين المسيح، لا يجوز المساس بهم، فلحومهم سم زعاف، ولحوم بقية الخلق لحم حلال لذة للطاعمين. فالدين الذي يُبشر بالرحمة، ويبشر بأن بغياً دخلت الجنة لكلب سقته بخفها، كما دخلت النار امرأة لهرة حبستها، كما ورد في حديث سيد الخلق، هو الدين نفسه الذي تحول عند البعض إلى خطاب نقمة وخوف ووعيد، ومنادياً بسفك الدماء وجز الرقاب، حين تحول إلى مؤسسة، وتحكمت فيه أهواء الرجال وغاياتهم ومحدودية أفهامهم. نعم.. ليس في الإسلام رجال دين أو كهنوت أو اكليروس، كما لم يكن في المسيحية الصافية، أو يهودية موسى عليهم السلام جميعاً، أو حتى في تعاليم “المستنير” بوذا، أو المعلم كونفشيوس، ولكن حين يتحكم الرجال في الدين، ويُختزل ما هو خطاب مفتوح إلى القلوب، إلى خطاب ضبط مغلق مُنفر للقلوب، فإن الدين لا يعود ديناً، بل هو شيء آخر يمكن وصفه بأي صفة، ما عدا صفة الدين.

بناءً على هذا المنظور، نستطيع أن نفهم تلك الفتاوى “الغريبة ” التي تصدر عن أحزاب وميليشيات وشيوخ يقولون بأن من يتعرض لهم بالنقد أو المعارضة، فهو يعترض على الدين، أي أنهم طبقة لا يجوز المساس بها (اكليروس، كهنوت)، بينما كان فقهاء الماضي التليد، يمشون في الأسواق، ويتكسبون من عرق جبينهم، ويرفضون الأعطيات وما لم يكسبوه بجهدهم، ويناقشون الناس ويناقشونهم، ويسعون لليسر لا للعسر فيما يفتون به، بعد تردد وخشية وتفكير عميق، ويعترفون بالخطأ إن أخطأوا ولسان حالهم مقولة مالك: “كل يؤخذ منه ويرد، إلا صاحب هذا القبر”، أو مقولة الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.

إن هؤلاء الشيوخ في الحقيقة منسجمون مع أنفسهم، ومع الفكر الذي يحملون، والخطاب الذي يعلنون، ولكن انسجامهم مع أنفسهم يجب أن لا يكون على حساب الإنسان، وحياة الإنسان وكرامته وحريته، ولا على حساب مصير وطن ومواطن… وهذه الفتاوى الغريبة ستستمر في الصدور والذيوع في دنيا العرب والمسلمين، طالما تحول الدين إلى مؤسسات وأحزاب وميليشيات، تحاول أن تحشر ما هو عصي على التحديد، بعلم أو من دون علم لا فرق، في قالب ضيق محدود.

لقد ابتلينا في هذا العصر بخطاب ديني يبشر، باسم الله والعياذ به، بالعنف والدمار وسفك الدماء، وخطاب ديني آخر ينبذ ذاك الخطاب، ولكن كلا الخطابين في النهاية يشتركان في جذر فكري واحد، ومن هنا تكون فتاوى العنف المكشوف في الخطاب الأول، وخطاب العنف المستتر في الخطاب الآخر، ومسلم هذا العصر ضائع بين الرحمة والقسوة، التسامح والاقصاء، في عالم أصبح يخشانا، وأناس أصبحوا لنا من الكارهين، ونحن فيه من الهائمين، ولدين الله غير مستوعبين، ولرسالة محمد غير واعين.. اللهم لطفك.. اللهم لطفك.. اللهم لطفك.

***

تركي الحمد – مفكر سعودي

عن صحيفة لبنان الكبير، يوم: 25 / 11 / 2023.

حرب أوكرانيا كشفت عن ظاهرة ثقافية بأن الإنسان أصبح كائناً سياسياً وبصيغة عالمية، وكل حدث يحدث في هذا العالم الذي نعيشه يتحول لخبر حي على الشاشات تستقبله كل العيون ثم يتلوه تفاعل حي على منصة (X)، ويشترك البشر كلهم في التفاعل لدرجة أن ترى من يظهر تذمره في المنصات من سيطرة خبر ما على تغريدات الحسابات، وهو تذمر يكشف تعمق الظاهرة لدرجة الإدمان وهي تشكل حيويةً تفاعلية تظهر فيها الآراء والتوجهات وتكشف عن المخزون الثقافي والتوجه السياسي والاجتماعي لكل مغرد ومغردة.

والعالم أصبح اليوم على (كف شاشة) وهو التعبير الذي أطلقته في كتابي (ثقافة تويتر)، وهذه ثقافة تتجه مع ما سماه «ديريدا» بالحداثة الفرنسية التي تجمع بين الفلسفة والأدب والسياسة، وهذا وصف لا يخص فرنسا بل نجده في معظم ثقافات العالم الجديد، عالم ما بعد الاستعمار، مذ تشكل الوعي الوطني المقاوم للمستعمر وتركزت اهتمامات جميع طبقات المجتمع البشري على دور السياسة في صناعة الأحداث، بما في ذلك الخبر الذي أصبح سياسياً بالضرورة، وعلامة ذلك هي شيوع نشرات الأخبار على كل فضائيات العالم، وكلها خطابات سياسية بتوجهات وتوجيه سياسي، مع مشاهدات لا حصر لها مما سيس الفضاء البصري والسمعي، وجعل الكرة الأرضية كلها تتكلم سياسة ً وتفكر سياسةً، ومن ثم تشعر سياسة وقد تدرجت البشرية من المذياع إلى الجريدة إلى التلفزيون إلى الفضائيات ثم إلى فرص التفاعل الحر، وكلها عوامل أسهمت لجعل الناس تتسيس فيتحرك حس الفضول في البشر لمعرفة الخبر وقد أصبح ذلك سهلاً ومتنوع المصادر ثم تغريهم مواقف غيرهم لكي يدخلوا معهم في مبارزة ذهنية في تفسير الحدث ووصفه بصفات تتسق مع ميول المتحدث.

ولا ينافس السياسة إلا الاقتصاد ثم المناخ، خاصةً بعد الأحداث الكبرى في الفواجع المناخية وتقلبات الحال في أوروبا صيفياً بين شدة الحرارة مقابل أيام تقع فيها فيضانات، وهذه أيضاً تتحول لأخبار سياسية إذ تعزو ذلك لأخطاء السياسيين في سياساتهم المناخية، ومن ثم أصبح كل حدث يفهم وفق النظر السياسي.

وما لبثت أن وقعت أحداث غزة فيما بعد السابع من أكتوبر 2023، لتزيح أوكرانيا عن تصدر الشاشات الفضائية وتجلب معها تاريخ سبعة عقود من صراع كوني لم تستطع البشرية حسمه رغم التوافق على أن «حل الدولتين»، هو الحل الذي ليس في الأفق غيره. ورغم القناعات حول هذا الحل لكنه يظل بعيداً مما يعزز استمرار الصراع والتصعيد المتصل، ويعزز فكرة تسييس الإنسان والثقافة ويعزز فكرة الاستقطاب الذي يجعل الحل في حال تأجيل مطلق.

وفي النهاية تتم برمجة التفكير العام والحر على نظريات التأويل السياسي ونظريات الاستقطاب الذي لا يقوم على العدالة ولا على الحقوق، وإنما يقوم على الغلبة والإكراه الذهني مع تحويل الحقيقة من كونها شرطاً للحل إلى كونها تسليماً بواقع مفروض، ويظل المعنى السياسي هو المرجعية الأولية حتى في تصويت مجلس الأمن الذي يتصرف دون حس أو مخافة من مشاهدة العالم على الألاعيب السياسية.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب ومفكر سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 24 نوفمبر 2023 23:38

يتميز الكاتب والمفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي بانشغاله بفكر الاختلاف؛ فعليه تتأسس ممارسته الفلسفية، كما انشغل بسؤال الكتابة، مُعلياً من شأن التأمل والنقد والشك، ما جعله مقروءاً بشكل أوسع. ترجم لعشرات المفكرين والمبدعين والفلاسفة؛ منهم بورديو، وبارت، ودولوز، والعروي، مواصلاً شغفه بالفلسفة وتجريب مفعولها في اللغة. في كل هذا لا ينطلق بنعبد العالي من مسلَّمات، ولا يريد أن ينتهي إلى خلاصات وإجابات، بل غايته طرح الأسئلة، وهو ما تبلور في كتابيْه «ما لم يُقَل بعد»، و«ما يتعذّر قوله». فاز بـ«جائزة العويس»، هذا العام، في الدراسات الفلسفية... هنا حوار معه حول هموم الفلسفة والكتابة والأوهام المعاصرة التي ينادي بمقاومتها.

* يرى بعض الدارسين أنك أخرجت الفلسفة من خطابها المتعالي المنشغل بالمقولات الكبرى، وأنت تتحدث عن الفلسفة وكرة القدم، والطبخ والنحافة والموضة والموبايل والكذب وغيره... فهل تتفق معهم على ذلك؟

- ربما ينبغي أن ننطلق من ملاحظة أولى؛ وهي أن الفلسفة لم تكن دوماً تحيا «في برج عاجي». لا نحتاج إلى التذكير هنا بشخصية سقراط، الذي كان يجوب أنحاء «المدينة»، ولا يبرح أغوار أثينا كي يحاور الشباب و«يزعجهم»، بل يُحرجهم، وليواجه أفراداً احترفوا «فن الكلام». قد يقال إن هذا لم يكن ممكناً إلا لأن الفلسفة ترعرعت في مخاض «التجربة السياسية» عند الإغريق. صحيح، ولكن ينبغي ألا ننسى أنها لم تكن غائبة، حتى في غمار «التجربة الطبيعية»، والتي فيها نتصور الفيلسوف مشاركاً، معنيّاً بالتحولات الكبرى التي ستُفتَح أمام المعرفة وأشكالها التقنية (ولا أقول تطبيقاتها؛ لأن التقنية ليست مجرد تطبيق لنظرية). فيلسوف مثل ديكارت، لم يكن غائباً عما سيؤسس للحداثة العلمية، ومن ثم للحداثة الفلسفية. قد يردّ علينا بأن الفلسفة سرعان ما انعزلت، فغدا الفيلسوف «أستاذ جامعة». الشيء الذي سيترسخ مع الفلسفة الألمانية، لكن، حتى ها هنا ينبغي ألا نتصور الفلسفة غائبة عن التحولات الكبرى، والطفرات الصناعية والعلمية والسياسية، فهؤلاء الفلاسفة الذين نقول عنهم إنهم كانوا منحصرين داخل أسوار الجامعة، كانوا في علاقة وطيدة وعميقة مع ما يجري، لستُ مضطراً إلى أن أعطي مثال ماركس، بل أكتفي بأن أسوق من نعتوا بـ«المثاليين» كحال كانط وهيجل.

هذا ليس فقط دفاعاً عن الفلسفة، وإنما هو فحص لما انتقل إلى مدارسنا وأصبح يدرَّس كـ«مادة الفلسفة». لا داعي لأن أعدِّد المعوقات التي واجهت هذا الانتقال، فأشير إلى خصوصية الممارسة الفلسفية في العالم العربي، وما تعرفه من صعوبات تتمثل أساساً في غياب الدرس الفلسفي في كثير من معاهدنا التعليمية، وعدم مواكبة برامجنا لمستجدّات ذلك الدرس، فضلاً عن عدم التوفر الكافي لأمهات النصوص بلغة متيسرة، الأمر الذي يضع عراقيل في وجه ممارسة الفلسفة تفكيراً وتدريساً، وربما كتابة وتأليفاً.

هذا ما جعلني أختط مساراً «يقترب من الممارسة الفلسفية بالابتعاد عنها»، لا لإخراجها من الدرس المدرسي والجامعي فحسب، بل لإضفاء نوع من التشويق على لغتها وموضوعاتها، ومحاولة إخراج السؤال الفلسفي إلى الساحة العمومية، والانشغال اليومي.3972 عبد السلام بنعبد العالي

* هل هي دمقرطة لفعل التفكير...؟

- لنقل دمقرطة السؤال، بينما يبقى الفكر، كما تُعرِّفه الحداثة الفلسفية بأنه «أعدل الأشياء قسمة بين الناس».

* ومع ذلك تقع الفلسفة على جبهة الرفض، باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة والممانعة «ضد الراهن»، كيف للفكر أن ينفصل عن الراهن الذي تُغرقنا فيه وسائل ووسائط الإعلام مثلاً، بينما يستدرجه الراهن إليه، وإن اقترب منه نقدياً؟

-قال فوكو مرة عن الأيديولوجيا إنها ستدخل من النافذة إن أنت طردتها من الباب، فعندما كنا نقابل بين الفلسفة والأيديولوجيا، كنا نفترض مقدّمات أساسية؛ أولها أنه ليس هناك كوجيتو أيديولوجي. لا تقدّم لك الأيدولوجيا نفسها على أنها كذلك. لا تقول: أنا أيديولوجيا، إنها تتخذ دوماً صيغة اتهام للآخر: أنت أيديولوجيا، لذلك فحتى في حال فضحها كأيديولوجيا، سرعان ما تتقنع وتتخفّى، لذلك فهي محتاجة إلى فضح لا يكلّ، أو، كما تقول، ممانعة غير مهادنة. أما عندما دخلت الوسائط الجديدة على الساحة، ولم يعد الصراع الفكري يقتصر على أوهام الأيديولوجيا، فإن الأمور «تشبكت» مع الشبكة العنكبوتية، التي تجعل من الواقع واقعاً فائقاً، كما بيّن بودريار.

* ألّف جاك دريدا كتاباً بعنوان «أن تفكر هو أن تقول لا». وقد استعرتَ هذا العنوان لتجعله عنواناً لمقالة جديدة لك، لكنك استحضرت هذا المبدأ الفلسفي «التفكيكي» منذ عقود، وأنت تجعل من الفلسفة فكراً للاختلاف والانفصال بدل الاتصال. لكن، كيف يمكن لفكر الاختلاف والانفصال أن يحافظ على استمرارية التراكم الفلسفي والفكري، أم أنك تقول لا للتراكم نفسه، وعلى الفلسفة التي تنادي بها أن تقول لا للفلسفة نفسها؟

- ستسمح لي بأن أطيل في الجواب عن هذه النقطة، وربما على حساب غيرها، وذلك استبعاداً لمفهوم ساذج عن الاختلاف يجعله مجرد تبعثر. أعتقد أن علينا أن نستحضر أولاً وقبل كل شيء، المعاني المتعددة التي كان مفهوم الاختلاف يعنيها عندما غدا «مفهوماً» فلسفياً على يد أبي الجدلية هيغل. لتوضيح مفهومه عن الاختلاف، يبدأ هيغل باستبعاد موقف رائج يدعوه هو «الموقف الساذج عن الاختلاف» أو «الموقف الاختباري». يرى هذا الموقف أن الأشياء المتباينة تختلف عن بعضها اختلافاً بحيث لا يبالي أحدها بالآخر indifférente، ما دام كل منها مطابقاً لذاته مكتفياً بها. ما «يقف» عنده الموقف الاختباري من الاختلاف هو التنوّع. في هذا «الاختلاف الساذج» يغدو الكائن مُجزّأً إلى عناصر متعددة، وأطراف مبعثرة (خارج) بعضها عن بعض. إن هذا الاختلاف لا يرقى، حتى إلى مستوى التعارض، وبالأحرى التناقض. فالتنوع والتبعثر لا ينتعش إلا إذا تلقت الأشياء التي تشكّله السلب أو النفي، الذي هو سرّ الحركة التلقائية عند هيغل. والسلب لا يكون إلا (بجرّ المخالف نحو آخره لا بإبعاده عنه). هذا الجرّ هو ما يميز الاختلاف الأنطولوجي عن مجرد «التباين الساذج».

ينبغي إذن أن نميز بين مجرد «التباين الساذج» وبين «الاختلاف». الاختلاف يضعنا أمام متخالفين مُبعداً أحدهما عن الآخر، (مقرّباً بينهما في الوقت نفسه)، أما «التباين الساذج» فإنه يَعرضهما منفصلين متباينين، بينهما تباين وبَوْن. الاختلاف يقوم «في» الهوية، أما التباين فيحصل بين «هويات» متباعدة وكيانات منفصلة. الاختلاف «مفهوم» أنطولوجي، وليس مجرد مفهوم أنثروبولوجي إناسي، إنه ما بفضله يتحدد الكائن بوصفه زماناً وحركة، وما يصبح به التعدّد خاصية الهوية، والانفتاح سمة الفكر وسمة الوجود.

ما أريد أن أستخلصه من كل هذا هو أن القول بالانفصال لا يعني التبعثر، كما أن التفكيك لا يعني العدمية. أكاد أذهب عكس ذلك وأقول: هناك ضرورة للتفكيك؛ لأن هناك فيضاً من الحقائق، وربما أكثر مما يلزم.3973 عبد السلام بنعبد العالي

* كتبتَ عن الكتابة، اشتغلتَ على فعلها نفسه، مطوراً ما أسّس له رولان بارت ودريدا وموريس بلانشو وكيليطو، وآخرون في هذا الباب، هل يمكن القول إنها دعوة إلى التفكير في التفكير نفسه، نقداً وتفكيكاً له، بعدما ظل التفكير الفلسفي، ردحاً من الأزمنة واثقاً في خطاباته ومفهوماته ومقولاته، انطلاقاً من اعتقاد مفرط في المقدمات النظرية والصرامة المنهجية.

- ربما لا يسمح المقام ولا المجال لتفصيل هذه النقطة، والحديث عن علاقة الفلسفة بالأدب، أو، كما تقول مع بارت، علاقتها بالكتابة. ما دمت قد تحدثتَ عن التفكيك، فيمكن أن نقول باختصار إن مجال الكتابة يسمح لنا بأن «نمارس الفلسفة» ونفكك كثيراً من الثنائيات الميتافيزيقية، لعل أهمها ثنائيات معنى/مبنى، حقيقة/مجاز، أصل/مشتق. ولا أخفيك هنا أن اهتمامي بقضايا الترجمة ربما مكّنني من الانكباب على بعض تلك الثنائيات، وثنائية أصل/نسخة، على وجه الخصوص، فلست أهتم بالترجمة بحثاً عن «نظرية في الترجمة»، وإنما ممارسة للفلسفة، وتفكيكاً لأزواج الميتافيزيقا.

* عن مستقبل التفكير، هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينوب عنا في التفكير. وعموماً، ينسى الذين ينكرون على الذكاء الاصطناعي ذلك أنه مِن صنع الفكر الإنساني نفسه، وهو مبرمج من لدن هذا الإنسان، وكأنه يدعوه إلى التفكير بدلاً منه ونيابة عنه؟

- إن كان لا مفر من أن يقارن الإنسان نفسه بمنتوجاته، فأنا أشعر بأنني متفوق على هذا الذكاء (الذي أستفيد منه وأستخدمه)، لا لأنني أكثر ذكاء منه ولا أغزر منه معرفة، وإنما فقط لأنني أتميّز عنه بقدرتي على النسيان.

* الفلسفة عندك فن، فن للعيش، كما ناديت بذلك. دعْني أطرح السؤال مقلوباً: كيف يمكن أن نعيش هذا الفن، أن نحيا فلسفياً على الأرض؟

- كي لا أتجاوز المساحة التي حددتها لي للإجابة عن أسئلتك، أقول باختصار شديد: أن نعيش بصحبة الشك.

* من كونديرا، استعرتَ مفهوماً آخر هو «البلاهة» لتوصيف ما يطبع عالم اليوم وخطاباته. هل مردُّ ذلك إلى تكرار الخطابات الجاهزة والمسكوكة فقط، أم لأنه يردد اليقينيات والمسلَّمات والمصادرات... بينما الفكر عندك خطاب غير جاهز وغير نهائي، منطلق وغير مطلق، منسرح ومتوثب؟

- تحدثنا عن علاقة الفلسفة بالأيديولوجيا. الفلسفة اليوم لم تعد تكتفي بمقاومة الأوهام ومكرها، وإنما تنصبّ على ما يدعوه دولوز الترهات والحماقات وأشكال البلاهة La bêtise، مقاومة أشكال البلاهة ربما لا تكفيهما رصانة العقل الديكارتي، ولا حتى صرامة النقد الأيديولوجي وشراسته، وإنما تحتاج، ولنقل فضلاً عن ذلك، لعقلانية ساخرة تقف عند ومضات الحياة المعاصرة، لا لتترصد أخطاء المعارف، ولا لتكتفي بفضح أوهام الأيديولوجيات، وإنما لترصد «منطق الخلل» الذي يهيمن على تلك الحياة ويطبعها، ولتفضح اللافكر الذي يتخفى من ورائها.

* أخيراً، ماذا عن مفكر اسمه عبد السلام بنعبد العالي؟

- لنقل إنني لا أنفكُّ أبتعد عنه، ربما اقتراباً منه.

***

المغرب : مخلص الصغير

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 20 نوفمبر 2023 م ـ 06 جمادي الأول 1445 هـ

 

عبر التاريخ استفادت العلوم الإنسانية من ورش الصراعات السياسية، وأثرت الحروب والثورات وتشظّياتها بإنتاج مذاهب متفرّعة متجاوزة.

وإذا خصصنا الحديث عن الفلسفة، فإن الواقع له أثره في تثوير التيارات المتضاربة، وشهد تاريخها صراعاتٍ مريرة وصلت حد العته بالهجوم الشخصي المتبادل بين فلاسفة كبار؛ مثل خلاف شبنهور وهيغل، والأخير المسؤول عن لجنة الامتحان خلفاً لفيخته، واختلفا بشكلٍ عنيف حتى وصف شبنهور هيغل بـ«المشعوذ» وبأوصاف أخرى تنظر بمقدمة كتابه «نقد الفلسفة الكانطية».

ساحات النقاش بكل أشكالها تسهم حتى من دون ترتيب في إنتاجٍ مختلف، وحين تخاصم طويلاً «دريدا» و«هابرماس»، لم يلتقيا إلا بعد لأي، وأثمر اللقاء عن كتابٍ مشترك حول «الفلسفة والإرهاب» بمبادرة من الباحثة جيوفانا بورادوري.

لم يكن الفيلسوف الفرنسي والرئيس السابق لقسم الفلسفة في المدرسة العليا للأساتذة «آلان باديو» على وفاقٍ مع الفيلسوف الفرنسي «جيل دلوز»، والسبب ألخصّه من روايته. لقد شهدت فترة الستينيات انتشار «المراهقة السارترية» و «لاكان جاك»، وهو المحلل النفسي الفرنسي، والمنطق الرياضي. و«جيل دلوز» لم يكن متصلاً بمرجعيات تلك الموجة، انشغل بأفلاطون، و«ديفيد هيوم« و«نيتشه»، و«هنري برغسون»، بينما «باديو» لديه مراجعه أفلاطون، هيغل، والفيلسوف الألماني إدموند هوسرل. وبالنسبة لباديو، فإن «دلوز»، كان ذوقه أميل إلى حساب التفاضل، كان ينهل منها الاستعارات. وباديو يرى في «دلوز» الملهم الفلسفي لظاهرة «الفوضويين» العدوَ اللدود، ثم يفصح عن تأسيسه لعصابة هجوم على درسه الأشهر في المنابر الجامعية آنذاك، إنها قصّة خلاف منهجي طويلة، انتهت أوائل التسعينيات من القرن العشرين.

حين تواصل «باديو» مع «دلوز»، وذلك بعد وفاة زميله «غيتاري»، طالباً منه البدء بتراسلٍ مستمر، هدفه تسليط الضوء على «دقة الوضوح، أو تميّزه المبهم» لتدوين كتابٍ حول فلسفة «دلوز» التي عاد إليها «باديو» بعد مقاومة لها امتدت لثلاثة عقود، لقد جاء إليه متأخراً إذ داهمته حينها حالة مرضية، ومزاجه ليس على ما يرام، وبعد عددٍ من الرسائل بينهما مزّق الورق كله وبشكلٍ فظ وأرسل بغضب: «لا أريد نشر هذه الأوراق»… عاد باديو إلى مقرّه ليدوّن كتابه «دلوز صخب الكينونة»، وضمّن مقدمة الكتاب هذه القصة المختصرة.

لقد جاء الكتاب كما يروي باديو «نتيجة صداقة صراعيّة بقيت، بمعنى معين، من قبيل الممتنع أن يحدث».

والكتاب يشبه «دلوز» أكثر من «باديو»، متجاوزاً للمنهج التسلسلي؛ كل فصلٍ منه هو قصيدة أو لوحة أو رسمة لمفهوم يتخيّله، يتناول بشاعرية فلسفية «مفهوم الواحد، تواطؤ الكينونة، الجدلية المضادة، مسار الحدس، في أساسٍ يعاود تفكّره، العود الأبدي والاتفاق، الخارج والطيّة، ومفهوم الطيّة»، المفهوم الذي سبب عودة باديو لدلوز؛ يصفه بابن القرن العشرين على الإطلاق. التفكير فرقٌ وتعرّف إلى الفروق. الأنطولوجيا تتطابق مع تواطؤ الكينونة. الأثر الذي لا يقوم على تراتبية هو تكثّف تكيانات، وتآينُ أحداث. منهج دلوز يرفض الاستناد إلى التوسيطات، منهج مضاد للجدلية".

تلك السجالات الأبدية أو الطارئة تحدث زخماً علمياً، ولكن الساحة العربية اليوم تفتقر لمناخات مماثلة من السجال الحيوي، وإن بَعُد مدى الاختلاف، لكنه ينتج تفجرات متعددة لتحفر مساراتٍ جديدة.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الامارتية، يوم: 21 نوفمبر 2023

الشعوب القديمة اختبرت ضروباً شتّى من الأخلاقيّات والروحانيّات

حين يعاين المرءُ مسلكَ الأمَم والشعوب والمجتمعات، يدرك أنّ العلاقة الناشطة بين الأخلاق والمعرفة تخضع لعواملَ شتّى من التفاعل الجدليّ. الأغلبُ في التحليل الناشط أن نربط رقيَّ الوعي الأخلاقيّ بترسُّخ المكتسبات العلميّة وتطوّر المدارك المعرفيّة. غير أنّ الأمور في واقع التاريخ الإنسانيّ ليست على هذا الوضوح؛ إذ تَبيَّن لنا أنّ فهم الوجود فهماً علميّاً متقدّماً لا يُفضي في الغالب إلى التخلّق بأخلاق الرفعة الإنسانيّة. ومن ثمّ، لا بدّ لنا من أن نسأل: هل ترتقي الأخلاقُ الإنسانيّةُ بارتقاء المعارف العلميّة؟ هل يواكب الرقيُّ الأخلاقيُّ حتماً التقدّمَ العلميَّ؟ بتعبيرٍ آخر: هل يستحيل تهذيبُ الأخلاق إذا تَعطّل في مسلك الشعوب إنتاجُ المعرفة العلميّة المحض؟

مِن عِبَر التاريخ أنّ الشعوب القديمة اختبرت ضروباً شتّى من الأخلاقيّات والروحانيّات جعلتها تهذّب بعضاً من وعيها ومسلكها، ولو أنّ مقدار مكتسباتها المعرفيّة كان ضئيلاً. غير أنّنا نعاين اليوم تطوّراً مذهلاً في المعارف العلميّة يوشك أن يوهمنا برقيٍّ استثنائيٍّ في الأخلاق. والحال أنّ المجتمعات المتقدّمة معرفيّاً وعلميّاً وتقنيّاً ما برحت تخضع لأهواء الاحتراب والاقتتال، في حين أنّ أفرادها ما فتئوا يعانون في وجدانهم الصراعَ المريرَ بين الخير والشرّ، بين منافع الذات الأنانيّة ومصالح الجماعة، بين مقتضيات رعاية الكيان الذاتيّ وضرورات صون الاجتماع الإنسانيّ والطبيعة والبيئة.

أعتقد أنّ المسألة تتعلّق بطبيعة الإنسان المفطور على التنازع الجوّانيّ بين قيَم الرقيّ ومسالك الانحطاط، وبطبيعة الدولة المبنيّة على رعاية تملّك الأرض ومواردها والحفاظ على وجود الأفراد والجماعة وتدبير شؤون المعيّة في المدينة الإنسانيّة الواحدة. ذلك بأنّه ليس من اليسر تدبيرُ حياة الناس على الأرض في مقاطعاتٍ شبهِ متجانسةٍ تحوّلت شيئاً فشيئاً إلى دوَلٍ مستقلّةٍ ترعى مصالحَها، سواءٌ بالتفاوض الفطن أو بالتصارع العنفيّ. لا ريب في أنّ جميع الوقائع التاريخيّة هذه تدلّنا على أنّ الرقيّ الأخلاقيّ أضحى مسألةً شديدةَ التعقيد والإرباك، إذ لم يَعد الأمرُ يقتصر على حسن النيّة وسوئها، أو صلاح الضمير وفساده، بل أمست بنى الاجتماع الإنسانيّ المعقّدة ومتطلّباتها المتشابكة المتدافعة في منزلة العائق الأخطر الذي يعطّل الالتزام الأخلاقيّ السويّ.

لا بدّ أيضاً من التأمّل في حقيقةٍ إنتروبولوجيّةٍ أخرى استجلى عناصرَها عالمُ الإتنولوجيا الفرنسيُّ كلود - لِڤي ستروس (1908 - 2009) الذي انتقد تصنيفَ الشعوب بحسب مراتب تطوّرها المعرفيّ. اعتمد ستروس على منهجيّة الإنتروبولوجيا البنيويّة التي تخالف التعليل الذي تسوقه المذاهب التطوّريّة والثقافويّة والوظائفيّة وسواها، فأكبّ يشرح طبيعة الاجتماع الإنسانيّ وتجلّياته الثقافيّة التاريخيّة، وقد تصوَّره في هيئة البنية الكلّيّة الشاملة التي تنطوي على نظامٍ تماسكيٍّ ذاتيِّ الانضباط يتجاوز قدرةَ وعي الأفراد على الإمساك به والتأثير فيه. ومن ثمّ، أخذ يبيّن لنا في كتابه الفكر البرّيّ أنّ التمييز بين المجتمعات القديمة والمجتمعات الحديثة لا يستقيم على الوجه الذي نعرفه؛ إذ إنّ الفكر البدائيّ يتّصف بالمهارة العمليّة الإصلاحيّة الفطنة ويربط الأحداث بالبنى السائدة، في حين أنّ الفكر الحديث يتميّز بالحذق الإبداعيّ الذي يستند إلى البنى فيتجاوزها تجاوزاً يؤهّله لابتكار الحدث الفذّ.

وعليه، لا يجوز لنا أن نحكم على المجتمعات البدائيّة بالتخلّف أو بالعجز عن إدراك تعقيدات الظواهر التاريخيّة المتشابكة. كذلك لا يليق بنا علميّاً أن نمنح المجتمعات الحديثة مقامَ الصدارة من جرّاء امتلاكها وسائلَ المعرفة المتقدّمة. ذلك بأنّ جميع المجتمعات الإنسانيّة، بمعزلٍ عن زمنيّتها المعرفيّة، تمتلك القدرةَ عينَها على تدبّر الواقع الحيّ وتصنيفه وترتيبه. الاختلاف الوحيد يكمن في الطريقة أو في المنهج، لا في القدرة أو في الملَكة المعرفيّة. الثابت أنّ الناس في جميع المجتمعات يمتلكون القدرات الذهنيّة والفهميّة ذاتها بمعزلٍ عن مرتبتهم الحضاريّة أو لنقلْ عن اختبارهم الحضاريّ الخاصّ. لذلك يجب أن نحفظ للمجتمعات البدائيّة الفضلَ الذي اكتسبته في إحراز العلوم إحرازاً مقترناً بمنهجيّتها الخاصّة المستندة إلى المعاينة الحسّيّة الإمبيريقيّة، في حين أنّ منهجيّة العلوم الحديثة تقوم على التجربة التي لا تلبث أن تزدان بالنظر التجريديّ والبناء الأفهوميّ.

إذا كان العِلمُ أعدلَ الأمور قسمةً بين المجتمعات، فإنّ الأخلاق أيضاً تشترك في الشموليّة الحضاريّة هذه، ولكن من غير أن تقترن بطبيعة المعرفة العلميّة السائدة. في الأزمنة الحديثة والمعاصرة فاز الإنسانُ الغربيُّ بإدراكٍ معرفيٍّ جليلٍ أهّله للسيطرة النسبيّة على بعض عناصر الطبيعة الفيزيائيّة والكيميائيّة. ولكن هل ردعنا اكتشافُ القنبلة النوويّة عن استخدام القوّة المفرطة في إبادة أعدائنا؟ هل أسعفنا إحصاءُ خلايا الدماغ ورسمُ خريطة الجسم الإنسانيّ الجينيّة في ضبط غَضبتنا المؤذية وتهذيب مسلكنا اليوميّ؟ هل ساعدتنا المراصدُ الفضائيّةُ الضخمةُ المستقصيةُ مجرّاتِ الفضاء الأرحب وكواكبَه ونجومَه في كبح جماح هيمنتنا على الطبيعة وزجرنا عن إهانتها وتلويثها وتشويهها؟

ما من إجابةٍ مُقنعةٍ عن الأسئلة الخطيرة هذه إلّا تلك التي تُفضي بنا إلى التأمّل في الطبيعة الالتباسيّة الانعطابيّة التي انفطر عليه الكائنُ الإنسانيُّ، وقد تنوّعت تجلّياتُه الحضاريّةُ في مجتمعات المسكونة قاطبةً. أعلم علمَ اليقين أنّ الذين كانوا يأكلون لحم البشر لم يكونوا على درجةٍ عاليةٍ من التدبّر المعرفيّ والتبصّر العلميّ والفهم الحضاريّ. ولكنّ البنية المعياريّة الأخلاقيّة البدائيّة التي كانت تضبط علاقاتهم ومعاملاتهم ومسالكهم تُشبه، في وجهٍ من الوجوه، البنية الحديثة التي تنتظم بها أحوالُ معيّتنا الإنسانيّة المعاصرة. ذلك بأنّ شرعة حقوق الإنسان المعتمَدة في القرن العشرين لم تنشأ في الفراغ الحضاريّ المطلق. جميع الحضارات الإنسانيّة اهتدت بالتلمسّ البطيء إلى اختبارٍ تشريعيٍّ أوّليٍّ جعلها تتحسّس ضرورةَ الانتظام الأخلاقيّ في معترك الاجتماع الإنسانيّ الناشئ.

أمّا اليوم، فإنّنا بلغنا شأواً بعيداً في اكتساب المعارف المتقدّمة التي تؤهّلنا لأفضل ضروب الوعي الحضاريّ المتراكم. بيد أنّنا ما برحنا نتخاصم ونتصارع ونتحارب ونتقاتل ونُبيد بعضنا بعضاً من جرّاء استفحال أنانيّاتنا الفرديّة والجماعيّة، حتّى إنّ المتشائمين يعتقدون اعتقاداً راسخاً أنّ العنف بين الناس اشتدّت وطأته بسببٍ من تطوّر أساليب العنف المستخدَم في الإبادة الجماعيّة. إذا قارن المرءُ حروب الأحصنة والسيوف بحروب الأشعّة النوويّة والاستئصال الجرثوميّ، جزم أنّ أخلاقيّات الاحتراب البدائيّة أرقى حضاريّاً من خبث السياسات الدوليّة الإفنائيّة المعاصرة. يبقى لنا أن نسأل: كيف نستطيع اليوم أن نربط تقدّمَ العلوم الإنسانيّة والوضعيّة بتهذيب الأخلاق الفرديّة والجماعيّة؟ إذا كان الاختلافُ الثقافيُّ بين البدائيّين والمتمدّنين مقتصراً، بحسب العالم الفرنسيّ ستروس، على المنهجيّة المعتمَدة، وَجَب علينا أن نراعي أخلاقيّات الهنود والأفارقة والعرب والآسيويّين والأُوروبّيّين الأوائل الذين ساروا في معاملاتهم الإنسانيّة على هدي البنيان المضيء في الفطرة الطبيعيّة، فقمعوا ميولَهم الرديئة ونوازعَهم السيّئة ورذائلَهم القبيحة، وأكبّوا يطلبون الفضيلة في مساعيهم الحضاريّة المتواضعة. أمّا الشرّ الكامن في الطبيعة الإنسانيّة، فلم يملك عصرَ ذاك أن ينفجر إهلاكاً وإبادةً على نحو ما نعاينه اليوم في مجتمعاتنا المعاصرة. لا تكون المعرفة بركةً للناس إلّا حين تقترن بمكارم الأخلاق. في غير ذلك علّمتنا خبراتُ التاريخ أنّ العقل الأداتيّ الاستنفاعيّ الاستغلاليّ هدّامٌ في فتوحاته المنعتقة من كلّ هدايةٍ أخلاقيّةٍ. من الضروريّ أن يكتشف الإنسانُ بالمعرفة واقعَ الأحوال حتّى يُشرّع تشريعاً صائباً. غير أنّ المعرفة وحدها لا تكفي من أجل إقناع الإنسان بانتهاج سبيل شرعة حقوق الإنسان الكونيّة الأرقى.

***

د. مشير باسيل عون

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 12 نوفمبر 2023 م ـ 28 ربيع الثاني 1445 هـ

صدر مؤخراً كتاب قيم للأديب اللبناني وأمين السر الدائم للأكاديمية الفرنسية أمين معلوف، عن دار النشر الفرنسية العريقة «كراسييه»، بعنوان «متاهة الحائرين – الغرب وخصومه»؛ ويرجع بنا هذا الكتاب عن طريق استحضار عوامل من التاريخ إلى تجليات المواجهة الحالية بين الغرب وخصومه من خلال تقصي مسار أربع دول عظمى: اليابان الأولى في عصر ميجي، وتعرف اليوم تطوراً صناعياً أبهر العالم أجمع، وروسيا السوفياتية التي شكلت لمدة ثلاثة أرباع قرن من الزمان تهديداً كبيراً للغرب قبل أن تنهار، ثم الصين التي تمثل في هذا القرن الـ21 التحدي الرئيسي لتفوق الغرب بتنميتها متعددة الجوانب وثقلها الديمغرافي وآيديولوجيتها المختلفة، وأخيراً الولايات المتحدة الأميركية التي وقفت في وجه الخصوم الذين تحدوها وهي التي أصبحت الدركي الكبير والقوة العظمى الأولى على كوكب الأرض.

وفي هذا السياق، حق لأمين معلوف أن يتساءل: «هل هناك حقاً تراجع غربي؟» يجيب الكاتب منذ مقدمة الكتاب بنعم؛ فالسقوط حقيقي، ويأخذ في بعض الأحيان مظهر الإفلاس السياسي والأخلاقي، ولكن من يحاربون الغرب ويتحدون تفوقه لأسباب جيدة أو سيئة يواجهون هم أيضاً فشلاً أخطر من فشله، لأنه لا الغربيون ولا خصومهم قادرون اليوم على إخراج البشرية من المتاهة التي يقبعون فيها، وبالتالي لا بد من إعادة التفكير في الميكانزمات والطرق التي يُحكم ويسير بها عالمنا من أجل بناء مستقبل أكثر أماناً للأجيال المقبلة وإيصالهم إلى بر من الأمان يكون خالياً من الحروب الباردة أو الساخنة، ومن صراعات لا نهاية لها من أجل الهيمنة.

ويبدأ أمين معلوف كتابه بقناعة ويختم بها مفادها أننا نتبع طريقاً معوجاً وخاطئاً عندما نظن أن البشرية لا بد أن تكون لها قوة مهيمنة على رأسها، وأن تكون هاته القوة الأقل سوءاً أي تلك التي لا يجب أن تهضم الآخرين... فلا أحد يستحق أن يتبوأ هذا الموقف الساحق، لا الصين ولا أميركا ولا روسيا ولا الهند ولا إنجلترا ولا ألمانيا ولا فرنسا ولا حتى أوروبا الموحدة، إذ إن الجميع بلا استثناء سيصبحون متعجرفين ومفترسين وطغاة ومكروهين، إذا وجدوا أنفسهم قادرين على كل شيء، حتى لو كانوا حاملين لأنبل المبادئ، لأن هذا هو الدرس العظيم الذي يقدمه لنا التاريخ، وإذا فقهنا ذلك جيداً سيكون ذلك أساساً لحلول مرضية للبشرية.

نتمنى كلنا ذلك، ولكن المشكلة في نظري أكبر من ذلك؛ لأن النظام العالمي أصبح أولاً موسوماً بالغموض والمجهول وعدم اليقين وصعوبة التنبؤ بما سيقع، ثم ثانياً أضحى الفاعلون فيه في ازدياد مستمر، فنحن إذا نظرنا من زاوية سوسيولوجيا العلاقات الدولية سنخرج بقناعة أن القوة كانت في النظام القديم موزعة بنمط يشبه لعبة شطرنج معقدة ثلاثية الأبعاد؛ فعلى رقعة الشطرنج العليا، نجد القوة العسكرية أحادية القطب إلى حد كبير، واحتفظت أميركا بتفوقها في ذلك، فإلى حدود الساعة أميركا هي الدولة الوحيدة التي يمكن أن ترسل قوات رادعة إلى مناطق مختلفة في العالم، أما على رقعة الشطرنج الوسطى، فقد ظلت القوة الاقتصادية متعددة الأقطاب طوال أكثر من عقد هي المحددة، واللاعبون الرئيسيون هم بالخصوص الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين، إلى جانب آخرين لهم أهمية آخذة في التزايد، وأما رقعة الشطرنج السفلى، فهي مجال العلاقات العابرة للحدود الوطنية، وهي تشمل أطرافاً فاعلين ليسوا دولاً، كالمصرفيين الذين يحولون الأموال إلكترونياً، والإرهابيين، والمتسللين (القراصنة) الذين يهددون الأمن الإلكتروني، والتحديات التي تعد من قبيل الأوبئة وتغير المناخ إلى غير ذلك.

ونظرية أمين معلوف تحيلنا إلى فكرة أخرى كان قد طورها في كتاب سبق وأن ألّفه سماه «غرق الحضارات»... فهناك في نظره أمم ناشئة أو وليدة، تظهر وبقوة الآن على الساحة الدولية التي يسيطر عليها سباق التسلح، ويفرض نفسه على الجميع، فضلاً عن التهديدات الخطيرة المتعلقة بالمناخ والبيئة والصحة، وهي تهديدات تلقي بظلالها على الكوكب، وبالتالي «لن نتمكن من مجابهتها إلا بالتضامن الشامل الذي يجب أن نتحلى به، لأنه يمثل السبيل الوحيدة أمامنا للخلاص من التهديدات المحدقة بنا»، وفي الوقت نفسه يعزز الكاتب أطروحته «غرق الحضارات» بالتأكيد على حالة التحولات الكبرى التي تعرفها الساحة الدولية وتنعكس أيما انعكاس على الحضارات، فالولايات المتحدة الأميركية تعرف تغييرات جذرية على الساحة الدولية كما أنها تتجه إلى فقدان مصداقيتها الأخلاقية في العالم، بما يؤثر سلباً على صورتها الذهنية. وفيما يتعلق بالقارة الأوروبية التي كانت «تتشدق في السابق أمام مواطنيها بالمبادئ الإنسانية والأخلاقية»، يرى المؤلف أنها تعرف اليوم تبني سياسات عمومية هي نقيضة تلكم المبادئ، في الوقت الذي ينغمس فيه العالم العربي والإسلامي في قلب أزمة عميقة تتفاقم رويداً رويداً...

ولكن إذا سمح لنا بتشريح مستوفٍ للساحة الدولية عبر العصور سنخرج بقناعة أن التناقضات لم تتوقف يوماً من الأيام بل كانت في بعض الأحيان أكبر مما هي عليه اليوم وتجعلنا نقول إن الحضارات باقية باقية ولن تغرق ما دامت الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي مكونات الحضارة، مستمرة؛ ولكن الذي سيقع هو أن الصراع في النظام العالمي سيبقى محتداً وسيكون هناك تراجع نسبي للولايات المتحدة في النظام العالمي، وتراجع هيبتها؛ وسيسطع نجم دول أخرى مثل الصين ودول أخرى لن تكون لها الهيمنة كما كانت لأميركا طيلة عقود، ولكنها ستكون مؤثرة اقتصادياً وصناعياً وستقود تحالفات عسكرية لا غربية، لأنها استطاعت فهم العولمة والارتماء في قواعدها بذكاء ونجاح، وهي تقول مثلاً لأي دولة تتعامل معها تجارياً أن أي نجاح اقتصادي تحققه دولة، لا يعني بالضرورة فشل الآخر أو حمله على الفشل في إطار ثنائية «صديق - عدو»، وإنما في إطار «رابح - رابح» win - win.

***

د. عبد الحق عزوزي

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأحد 12 نوفمبر 2023 - 27 ربيع الثاني 1445 هـ.

 

بقلم: نيك هاسلام

ترجمة: مصطفى عطية جمعة

***

تتنوع التحيزات وتتعدد مذاق نكهاتها أكثر من نكهات آيس كريم باسكن روبنز، فهناك تحيزات معروفة تعود إلى الجنس والعرق والعمر والطبقة وأيضا للوزن وللوسائط Media، التي يمكنها – بالكاد- خدش السطح الظاهر لوعينا.

ومعلوم أن علماء النفس يصنفون التحيزات ضمن مباحث الإدراك المتأخر والاستبصار، والانتباه والذاكرة، والتفكير والحدس، بالإضافة إلى سلسلة من الأوهام العقلية، والمغالطات والإهمال (لأمور بعينها) إلى جانب الفجوات (المعرفية والفكرية) والنفور(من أشياء ونقاط بعينها). حتى إن هناك ما يسمى النقطة العمياء للتحيز، التي نؤمن فيها إيمانا خاطئا بأننا أقل تحيزا من الآخرين، وهناك ما يطلق عليه «تحيز التحيز» ويعني الميل إلى استخدام مفهوم التحيز بحرية كبيرة عند النظر وإصدار الحكم.

إن المفهوم الأساسي القائل إن التفكير البشري غير معصوم من الخطأ هو السبب وراء انتشار التحيزات الخطأ؛ فنحن نقع فريسة لأخطاء عدة تسحبنا وتدفعنا بعيدا عن المُثُل العليا كالعقلانية والإنصاف، فإذا كان ابتعادنا عن التفكير الجيد والعمل الصحيح نابعا من مثل هذه التحيزات والأخطاء؛ فإن تحديدها ومعالجتها تعد أمورا مهمة، وملحة وواجبة.

ويُعَدُّ كتاب «نهاية التحيز: كيف نغير عقولنا» The End of Bias How We Change Our Minds للمؤلفة جيسيكا نوردل Jessica Nordell» تعبيرا قويا عن وجهة النظر القائلة إن التحيز هو أصل العديد من الانقسامات الاجتماعية وعدم المساواة، وبدلا من مجرد الاكتفاء بهذا التشخيص؛ تقدم نوردل حجة قوية مفادها أن التحيز يمكن اقتلاعه.

ويشكّل كتابها مراجعة علمية جيدة على صعيد علم التحيز، خاصة في كيفية تطبيق الدروس المستفادة منه في تعزيز التغيير الاجتماعي التقدمي. وفي سبيل ذلك، تبدأ نوردل دراستها العميقة بفحص منظور علم النفس الاجتماعي الحديث للتحيز، إدراكا منها باستمرارية العنصرية والتمييز على أساس الجنس، مع أنماط تحيزات أخرى. فعلى الرغم من انخفاض ظاهرة التعصب الصريح، إلا أن علماء النفس توصلوا إلى وجهة نظر مفادها أن العديد من التحيزات الاجتماعية تلقائية أو غير واعية أو معتادة، حيث يمكننا الإعلان بصدق عن التزامنا بقيم المساواة، لكننا لا نزال نميّز ونتحيز في أفعالنا، أو في ردود أفعالنا، في مواقف أو آراء بعينها.

في الفصول الأولى من كتابها نهاية التحيز، تستكشف نوردل سيكولوجية أشكال التمييز، حيث تعرّف القارئ على المفاهيم الحديثة للقوالب النمطية Stereotyping، وعملية التهيئة Priming، وهي التحفيز التلقائي للجمعيات العقلية، وعملية الإدراك خارج الوعي. وتوضح نوردل كيف يمكن أن يكون التمييز خفيا بطبيعته، لكنه قوي في الواقع، وأن أجزاءه تتراكم بمرور الوقت في النفس. وعلى المستوى الطبي، يمكن أن تؤدي التحيزات غير المعترف بها من قبل الأطباء المعالجين، إلى حجب أدوية الألم عن المجموعات المصنفة على أنها عاطفية أو عديمة الشعور، وقد أشارت إحدى الدراسات الحديثة إلى أن بعض المتدربين من الأطباء البيض يعتقدون أن المرضى السود لديهم جلد أكثر سُمكا من المرضى البيض، وفي السياق الطبي أيضا، يمكن أن يؤدي هذا الوعي، إلى فقدان التشخيص الدقيق، وإلى قرارات العلاج القاسية أو الرافضة. على جانب آخر، يمكن للتحيزات اللاواعية أن تدفع ضباط الشرطة (في الولايات المتحدة الأمريكية) إلى المبالغة في تقدير التهديد الجسدي الذي يشكله المشتبه فيهم من السود، ما يدفعهم إلى التعامل المباشر بالسلاح معهم، متوهمين النية العدائية إزاءهم عن طريق الخطأ، وغالبا ما يحدث ذلك، وينتج عواقب مأساوية.

وتجادل نوردل بأن التحيزات اللاواعية تقف وراء الفشل في البيئات المدرسية، في النظر إلى طلاب الأقليات على أنهم غير موهوبين (أو غير أذكياء نابهين)؛ وكذلك في الاستخدام غير المتكافئ في عملية الانضباط المدرسي والصفي، بل إن التحيزات ذات الصلة تعرقل توظيف المجموعات غير الممثلة في الجامعات والمؤسسات الأخرى، وتحدّ من تقدمها في سُلّمها المهني أو الوظيفي. ومن أجل تغيير السلوكيات المتحيزة في العقول والقلوب؛ علينا الأخذ في الحسبان أن التحيز يبدأ بالعلاج في علم النفس، لكن يجب ألا نهمل الأبعاد النظامية والمؤسسية والثقافية لقضية التمييز وعدم المساواة، وفي ذلك، لا تقلل نوردل من التحيز الفردي قياسا على البنية الاجتماعية، بل إنها تناقش كيفية تعزيز التحيزات العقلية (لدى الفرد) والممارسات المجتمعية بعضها للبعض الآخر، ذلك أن نفي اللامساواة لن يحدث بعقد بعض الندوات التوعوية المتنوعة، فالحلول من أعلى إلى أسفل لا يمكن نجاحها دون تغييرات في القلوب والعقول.

هذا التركيز المجسم Stereoscopic focus – من قِبل نوردل – على التفكير الفردي والأنظمة الاجتماعية الأوسع؛ يساهم في إيضاح كيفية التغلب على التحيز، حيث تنصب طروحاتها في كتابها على سبل التدخلات الناجحة في الواقع، عبر تبني برامج متعددة كورش العمل التي تستهدف الأفراد؛ وتجارب الاتصال بين المجموعات، كالفصول الدراسيةJigsaw classrooms ، وما يمكن أن تقدمه للطلاب من ألعاب عديدة، مثل ترتيب الصور وتركيبها، وكذلك المسابقات الرياضية المتكاملة، كما تولي عنايتها إلى التحولات في العمليات المؤسسية والأعراف الاجتماعية. كما تنظر نوردل للتعليم قبل المدرسي، من أجل إزالة كل التحيزات المتعلقة بنوع الجنس، وكذلك التدريب الذهني Mindfulness training لضباط الشرطة، وأهمية وجود نماذج يحتذى بها للنساء العالمات في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وكذلك في مبادرات الشرطة المجتمعية، فبلا شك، يمكن إحداث تغيير عن طريق تعديلات وتنبيهات بسيطة، وأيضا عن طريق التحولات الشاملة للثقافة التنظيمية. فثمة ذخيرة من التدخلات الواعدة الكثيرة والمتنامية، على الرغم من اعتراف نوردل بأن هذه الإجراءات على فعاليتها غالبا ما تكون محدودة، وأن بعض التدخلات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية.

وهي تؤكد أن عملية النهوض بالوعي نادرا ما تكون كافية، فإذا كان التحيز في كثير من الأحيان اعتياديا وتلقائيا، فإن الإدراك والنية الحسنة لن يتغلبا عليه. وبالمثل، فعلى الرغم من أن ميلنا لرؤية بعضنا البعض من خلال العدسة المشوهة للصور النمطية الجماعية؛ قد تغرينا بالتخلص من التركيز على الفئات الاجتماعية، فإن نوردل تجادل بأن ذلك ليس خيارا مرغوبا فيه، فعمى الألوان لن يكون طموحا واقعيا في عالم يرى العرق مُهما، بمعنى أنه لا يمكن التغاضي عن لون البشرة في عالم يصدر أحكامه بناء على النظرة العرقية. إن دراسات الحالة التي أوردتها نوردل تأتي من كوسوفو ورواندا والسويد، لكن مرجعها الرئيسي هو الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص الانقسامات العرقية، فهذا الكتاب يخاطب الجمهور الأمريكي بشكل صريح، على الرغم من أن الكثير من رسائله يمكن ترجمتها في سياقات أخرى. ويبقى التقييم الحقيقي لما طرحته نوردل للتغلب على التحيز أنه في نهاية الأمر حالة عاطفية، قد تبدو مقنعة في كثير من الأحيان، لكن لها حدودها، في أحيان أخرى، حيث تبالغ في التأكيد على صرامة الأدلة التي يبنى عليها علم التحيز. والمثال على ذلك، أن الادعاءات المبكرة التي تدّعي القدرة التنبؤية لفهم مقاييس التحيز اللاواعي مسبقا؛ واجهت تحديات وانتقادات جمّة، فكيف يمكن أن نفسر معنى مثل هذه التحيزات الظاهرة في التصرفات المباشرة في مواقف بعينها؟ هل ينبغي معاملتها على أنها علامات على التحيز التلقائي لشخص ما، أم أنها مجرد دليل على تعرضه للغمط في مجتمع غير متكافئ؟ وبالمثل، فهناك تحفظ على إشارات نوردل إلى «تهديد الصورة النمطية Stereotype threat» التي تعني أداء الأشخاص الضعيف وخشيتهم من أن يتم الحكم عليهم سلبيا؛ بناء على الصورة النمطية للمجموعة التي ينتمون إليها، حيث تتغاضى نوردل عن ذكر التحديات الكبيرة التي تواجه هذه الظاهرة المستشرية.

أيضا، يجب استكشاف مفهوم العدوان الدقيق Microaggression، الذي هو مصطلح تمت صياغته لوصف الأشكال الضمنية أو اللاواعية للسلوك التمييزي، دون نقد له، ودون الاعتراف بإشكالية تعريفه ومواضع استخدامه، أو إذا كان هو بالفعل طريقة مفيدة لفهم الحقيقة التي لا شك فيها عن التحيز الدقيق. وبشكل عام، قد نتساءل عما إذا كان للتحيز مفهوم قوي بما يكفي لتحمل المقصد الذي تقدمه نوردل، فالمشكلة عندها أنه لم يتم تعريف ما يعدّ تحيزا أبدا، إنها تعمل كفكرة لتجميع الأغراض التي يمكن أن تمتد لتغطية أي ظاهرة اجتماعية تقريبا. ففي الواقع، فإن للتحيز نقاط ضعف عديدة، بوصفه حسابا لعدم المساواة الاجتماعية؛ إنه يعني ضمنا أن التحيزات ترتكز على اللاعقلانية، وتعكس في كثير من الأحيان اختلافات حقيقية في المصالح والقيم والموارد المادية. فلا يمكن اختزال هذه الاختلافات إلى أخطاء عقلية من جانب واحد، كما أن مفهوم «تحيز التحيز» قد يبدو ظاهريا خطأ إدراكيا، حيث تأخذه نوردل أحيانا إلى أقصى الحدود، فتصور التحيزات على أنها فواصل شاملة مع الواقع، وتصفها أحيانا بمصطلحات نفسية. وهي تشير أيضا إلى «الذهان الأبيض» وتذكر: أن «هناك، في العقل المتميز، وهمٌ مستمر» فالأفراد المنحازون – في تصور نوردل- «لا يرون شخصا ما، إنهم يرون أحلام يقظة على شكل شخص».

هذه النظرة إلى التحيز تجعله أشبه بالعمى والجنون والخيال والوهم، ناهيك عن الإيحاء بأن هذا التحيز مقتصر (وموجه) على بعض الجماعات أو الأفراد، فهو خروج صارخ عن سيكولوجية التحيز التي يبدأ بها الكتاب. (أي خروج عن الروح العلمية وتصبح النظرة أقرب إلى النمطية). أيضا، فإن التحيز له مشاكل إضافية تتعلق بالمفهوم الأساسي لفهم أوجه الظلم الاجتماعي التي قد تحدث؛ فالميول والأنماط المنهجية تظهر بشكل مجمل وعام وغير محدد، وسيكون من الصعب جدا إرجاع حدوث المظالم الاجتماعية إلى التحيزات، فمثلا من الصعب أن يكون أثر عامل خطير، متعلق بمرض ما بوصفه سببا لحالة شخص معين، وما يحدث غالبا أنه يتم عزو أحداث ونتائج معينة- في الظلم الاجتماعي- إلى التحيز، ويتم هذا بعجلة كبيرة وثقة، قد تكون هناك عوامل أخرى، تقف وراء هذا الظلم، وليس التحيز في أساسه. فعادة ما تكون التحيزات عرضة لتفسيرات بديلة ولعوامل مركبة، فهناك جدل مستمر حول مدى تفسير بعض التحيزات المتعلقة بالعرق على الأقل جزئيا بواسطة الطبقة الاجتماعية والاقتصادية. فمثلا، فإن نسبة كبيرة من فجوة الأجور بين الجنسين، قد تكون بسبب عواقب الأمومة وليس الجنس نفسه.

إذا كانت هذه التفسيرات البديلة لها ميزة، فإن بعض التحيزات المفترضة للعرق والجنس قد لا تتعلق – في الواقع- بشكل أساسي بالعرق والجنس إطلاقا، مثل عدم اليقين حول إمكانية تفسير التحيزات الظاهرة من خلال عوامل أخرى، بما يمثل مشكلة كبيرة لمنظور التحيز أولا. وعلى العموم، فإن التحيز في النهاية يتم طرحه بحماسة كبيرة بوصفه قضية أخلاقية، لذا، ففي بعض الأحيان، يتم استخدام الدين كطريقة لتخليص المرء من تحيزاته (السلبية) وهو ما يبدو غريبا – مثلا- على آذان الأستراليين، بأن يصبح الدين مسعى روحيا أو طريقا للهداية من التحيز، ثم يكتمل بالاعترافات والبوح والتطهير. وقد كتبت نوردل: ربما تكون «هشاشة اللون الأبيض» أو «هشاشة الذكور.. هي في الواقع ذات صلة محسوسة بضرر أخلاقي قديم، ارتُكِبَ من قبل أسلاف المرء» بأن يتم ربط هذه الظاهرة مع تحليلها، باستقطاب مفهوم التحيز، بوصفه عملية ذهان (هوس) غير مستنير The psychosis of the unenlightened، وهو الذي يذكرنا بعالم الملائكة والشياطين، بما يجعل نهاية التحيز ملونة بالتدين الأمريكي.

وختاما يمكن الجزم بأن نوردل تقدم في كتابها صورة متفائلة، توضح قدرتنا – نحن البشر- المتزايدة على تقليل التحيز، حيث استهلّت كتابها بمقدمة قيمة وواضحة عن دور علم النفس الاجتماعي ضد التحيز، وكذلك أنهت كتابها؛ مما سيُعزز التزام بعض القراء بمكافحة التحيز، وقد يتقاعس البعض الآخر عن كيفية تأطير تلك المعركة، لكن الجميع سيتعلمون دون شك.

جيسيكا نورديل

***

عن صحيفة القدس العربي، يوم: 19 - أكتوبر - 2023

هناك العديد من القصص المثيرة القابعة في محيط تاريخ الفلسفة، والغوص إلى القاع واستخراج تلك اللؤلؤ يستحق التعب، لأن قصة حياة الفكر هي القصة الحقيقية، وما سواها هي قصص أكل وشرب. من القصص التي يمكن اعتبارها إرهاصات لزمن الحداثة وانهيار النظام الكهنوتي القديم والانقلاب الراديكالي في الحياة الأوروبية، ما حفظته كتب التاريخ عن بيير دانيال أُويت. كان فيلسوفا وكاهنا كاثوليكيا فرنسيا، ولد في 1630 في "كاين" بفرنسا، وتوفي في 1721 بباريس، مع أنه ارتبط بالإيمانية المناهضة للعقل وهي حركة فكرية ترى أن العقل والإيمان خصمان لا يلتقيان، وإن الوصول إلى الاعتقاد بالدين يجب أن يكون عبر شيء متجاوز للعقل يقوم على التسليم لا المُحاجّة. هذه الأطروحة الإيمانية ذات علاقة تاريخية ببعض أشكال البروتستانتية، بينما ترفضها الكنيسة الكاثوليكية باعتبارها كفرا وهرطقة.

عندما بلغ أُويت الأربعين قرّر أن يصبح راهبا وسرعان ما جرى قبوله وترقى في السلم الوظيفي الديني، إلا أن أبرشيته شكّت بأنه كان مشغولا عن رعايتها بكثرة القراءة، ومع ذلك، لم يلبث أن أصبح من ذوي الحظوة في زمن الملك لويس الرابع عشر، بسبب جهوده التاريخية والفلسفية.

في زمانه، كان يُنظر إليه كأحد أفضل من يقدّمون شخصية الشكوكي المؤمن، وتظهر إشارة إلى طبيعة شكوك أُويت وإيمانه في قصة أطروحة كتبها أحد اليسوعيين في "كاين"، حيث تبنّى هذا اليسوعي الأطروحة القائلة بأنه لا يوجد دليل على حقيقة المسيحية. وهذه القضية أثارت الناس، وطولب الأسقف أُويت بالتحقيق في القضية، فالتقى اليسوعي واتفق معه على كل شيء تقريبا، وأن المسيحية تقوم على الإيمان وحده، وبالتالي لا ينبغي أن نبحث عن دليل عقلي على وجود الله. أبلغ أُويت عن كل هذا بهدوء شديد وصرّح بموافقته على كل ما قيل. وفي ملاحظة له على باسكال، قرّر أُويت أن إيمانيات "الخواطر" عقلانية فقط بسبب حجة الرهان، وقرّر أن باسكال متعصّب، فالدين مسألة إيمان، لا أكثر.

أكثر أعمال أُويت تأثيرا هو "براهين إنجيلية"، وقد كتبه على الطريقة الهندسية، مقلدا سبينوزا في "الأخلاق"، وفيه تظهر بعض الإشارات إلى مواقفه الليبرالية والتجريبية حول الدين. كان عملا واسعا يُظهر الخصائص المشتركة للتقاليد اليهودية/المسيحية وعديد من الثقافات المختلفة، ويميل إلى إبراز أوجه التشابه كدليل مقنع على أن الوحي كان معروفا لجميع الثقافات، ولا يميل إلى ردّ هذا الشبه إلى التفسير الطبيعي الذي جاء فيما بعد.

وقرر أن الأنبياء معروفون في كل ديانة، قديمة وحديثة، وشدّدت كتاباته اللاهوتية على النظرية الإيمانية للمسيحية، وهي مسيحية تقوم على التشكيك في اليقين في كل مجال. بالنسبة إلى أُويت، لا يمكن أن يكون هناك يقين مطلق في علم الرياضيات ولا في اللاهوت، وفيما بعد، حاول تأسيس الحقيقة الدينية بشكل استقرائي من خلال دراسات الدين المقارنة التي بدأت في الظهور في أيامه.

في الأمور الدينية كان يميل إلى دعم الأنشطة الدينية الإنسانية، بغض النظر عن تفاصيل العقيدة. وسعى إلى إظهار العناصر المشتركة في جميع الأديان. ومن الجدير بالذكر أنه خلال كل من حياته السياسية والكنسية، بدا أنه الشخصية الفرنسية الرئيسية الوحيدة التي لم تشارك بأي نشاط في الاضطهاد الذي وقع على الكالفينية، على الرغم من قربه من الملك لويس الرابع عشر، بل وساعد أعدادا غفيرة من البروتستانت على تجنب العقاب. ويبدو أيضا أنه كان محبوبا عند اليهود، وكان منفتحا على النقاش مع الحاخامات والكهنة والقساوسة والناس العاديين. هنا اختلف عن أعظم الشكوكيين المؤمنين في تلك الفترة، بيير بايل، الذي كان عاش مقاتلا طوال حياته. بينما كانت مساهمة أُويت الكنسية الرئيسية، مع صديقه لايبنتز، هي السعي لإعادة توحيد جميع الكنائس وإزالة نقاط الخلاف من جوهر المسيحية.

ما حدث بعد وفاته كان صدمة كبيرة، وإن كانت نزعته البيرونية المسيحية قد تجلّت في فترة مبكرة، واستياء معاصري أُويت منه كان موجودا، ومنهم من رأى فيه تهديدا خطيرا للكنيسة، وحاول بعض خصومه في السوربون وفي البلاط منع طباعة أعماله اللاهوتية.

غير أن الصدمة لم تحدث إلا بعد نشر أشهر أعماله "رسالة فلسفية عن ضعف النفس البشرية" بعد وفاته، وفيه تقدّم مسيحيته البيرونية في أوضح صورها، وقوبل هذا الكتاب باستنكار هائل. أصر أصدقاؤه اليسوعيون على أن النص مزوّر لتشويه سمعة الكاثوليكية، وهاجموا واستنكروا الفلسفة واللاهوت المتضمّنين فيه، خصوصا أنه عانى لفترة طويلة من ضعف الذاكرة والعجز عن التركيز. ولم يكن لدى أولئك الذين كانوا يعتنون به طوال العشرين عاما الأخيرة من حياته أي فكرة عن إمكان كتابته لمثل هذا العمل. إلا أن دعوى التزوير لم تقف على رجلين، لأن العديد من العلماء قد شهدوا بأنهم رأوا مخطوطة الكتاب مرّات عديدة في يده لمدة تقارب الثلاثين سنة، فقد كتبه سنة 1690 ولم ينشر إلا في سنة 1723 بعد موته.

في رسالته الفلسفية، شرح الموقف البيروني كما هو في نصوص سيكستوس أمبريكوس، وأبرز نقاطه المركزية بطريقة واضحة للغاية، ثم جمع الانتقادات الم.فصلة في العصور القديمة والحديثة، وفنّد كل تلك الانتقادات، وأوضح أن الشكوكية نجحت في هدم الدوغمائيات الجديدة، مثل دوغمائية ديكارت، كما نجحت في هدم الدوغمائيات القديمة. وأوصى بتقدير الشك الحميد في العصور القديمة، باعتباره الفلسفة الدائمة التي مُنحت كنعمة للبشرية. الشك عند أُويت، هو الحكمة القديمة التي ظهرت في الشخصيات التوراتية، وفي المفكرين اليونانيين القدماء، وفي قادة الفلاسفة واللاهوتيين في العصور الوسطى، من مثل أبي الوليد ابن رشد وابن ميمون وتوما الإكويني، وكان يرى هذه المنحة في زمانه لدى كبار المفكرين من مثل مونتين وشارون وغاسندي وغيرهم، وخلُص إلى الشك في قدرة البشر على المعرفة الحقيقية للعالم الحقيقي.

لقد رأى العلم التجريبي الذي مثله خير تمثيل "المجتمع الملكي" في بريطانيا باعتباره الموقف المناسب للشكوكي، مع الإبقاء على الإيمان. الوسيلة الوحيدة لاكتشاف شيء عن الله أو الطبيعة أو الإنسان ليست نظرة ديكارت المتعجرفة الأمية المنتحلة، بل كانت فلسفة المجتمع الملكي، التي وجدها الأقرب إلى نفسه. ولم يشعر أُويت بأن عليه أن يدافع عن أفكار الشكوكيين وأفعالهم، لأنه يفرّق بين التفلسف والمعيش، وهو قد عاش مثل أي شخص آخر، وفقا للفهم المشترك والآراء العادية، لكنه لم يعش دوغمائيا.

***

خالد الغنامي

عن المجلة السعودية، يوم: 04 أكتوبر 2023

كل تناولٍ لمجالٍ من دون إدراك أسسه، وفلسفته يعد عملاً فكرياً ناقصاً، ما يمتّن ويجوّد الدرس والقول/النظرية يكمن في التوجه نحو أصل المجال وفلسفته وتاريخه وظروف تكوّنه، ومن ذلك التناول السياسي، فالفلسفة السياسية أساسية لفهم الحدث وأثره وتشظّيه.

من الصعب فهم الإجراءات السياسية من دون ردّها إلى جذرها. بل يعد الفيلسوف هارفي ك. مانسفيلد الفلسفة السياسية أكثر مجالات الفلسفة حسماً ولكن هذا لا يعني أنها المجال الأعظم في الفلسفة، فمهمة الفلسفة السياسية تتعلق بمعرفة الذات، حيث لا يمكنك التفكير بشكلٍ كامل من دون التفكير في ظروف التفكير، ويعد مهمة الفلسفة السياسية أن تربط بين الفلاسفة وغير الفلاسفة، بين ما هو معقول في الفكر، وما هو غير معقول، أو ما هو مميز أو سامٍ في الإنسان، وبشكلٍ عام أكثر بين ما هو مشترك لدى الأدنى من الإنسان، بهذا المدخل يجيب عن أسئلة مجلة «هارفارد» من أجل توضيح وجهة نظره حول نزعته السياسية المحافظة، راداً انتماءه إليها إلى تحليل فلسفي منظّم. (الحوار طبع ضمن كتاب: «حوارات فلسفية» عناية: جميلة حنيفي).

عادةً ما يتم تداول النزعة المحافظة باعتبارها حليفة التقليد، وبأن الليبرالي المحافظ ذو نزعة ارتكاسية ماضوية، لكنه يتناول هذه الدعاوى بكثيرٍ من التفصيل، صحيح أنه لا يرفض وصف «المحافظ» conservative لكنه غير راضٍ عنه. وتسبيبه أن هذا التصنيف ذو بعد سياسي، إذ يمكنه وهو محافظ أن يكون ليبرالياً، ولكن يقرّ بأنه سيواجه هنا معضلتين:

الأولى: أن المرء إذا كان محافظاً فهذا يعني أنه متمسكٌ بالتقاليد، وعادةً ما يحتوي التقليد على عناصر متناقضة. ما يستوجب على المرء أن يكون انتقائياً وليس مجرد محافظ.

والثانية: تتعلق بمسألة التكتيك، هل يجب على المرء أن يسير ببطء أو يعود أدراجه؟ السير ببطء يعني الحفاظ على ما تم إنجازه وإبطاءه عند المستوى قيد الإنجاز، ما يعني الحفاظ على وشيجة بين الماضي والحاضر، فالعودة إلى الوراء تعني «إحداث قطيعة» في تلك الوشيجة، وبالتالي عدم الحفاظ عليها. يضرب المثال برونالد ريغان الذي يناصر التمسك بالماضي، بينما جورج بوش اختار السير بتأنٍّ، ثم يطرح مفارقة خلاصتها: «أن المحافظين معتادون على تبجيل المؤسسين، وهذا صائبٌ تماماً، لكن التأسيس فعلٌ غير محافظ، من المستحيل أن تكون محافظاً بشكلٍ دائم ومعقول».

لا يعد هارفي ك. مانسفيلد الفلسفة الشتراوسية محافظة بالضرورة، لأن ليو شتراوس نفسه قال إن رائحة السياسة المحافظة لدى أولئك الذين يتبعونني في التفكير، ومع أن معظم الشتراوسيين محافظون فإن فيهم بعض الليبراليين، تتعلق بالمهمة بإحياء الفلسفة السياسية وليس بتغيير أميركا، نعم كون المرء شتراوسياً قد يجعله محافظاً ولكن ليس بالضرورة.

يثير الانتباه تأكيد مانسفيلد على أن الفلسفة السياسية تتيح جواً من التفكير السياسي، وليس مجموعةً من المبادئ يستخلص منها المرء السياسات بسهولة؛ إن السياسات نوعية جداً بالنسبة إلى الموقف. ينتقد الديمقراطية ويدعو للاحتمالات البديلة، لكن حتى ظهور البديل لا مناص منها. لا يعدها أفضل تنظيم سياسي على الإطلاق، ولكن على المرء أن يحتفظ في ذهنه الخاص بالولاء لأفضل نظام. ويختلف مع حتمية فرنسيس فوكوياما الهيغلية التي استعارها من كوجيف حول التطوّر المجتمعي المتحرّك بلا هوادة، لأن حتمية فوكوياما منقوضة بالاتجاهات التي حدثت بالفعل وبالإمكانات الموجودة حالياً. لا بديل عملي عن الديمقراطية، حتى الأصولية الإسلامية ليست بديلاً عملياً لأنها تفقد إيمانها بسرعة كبيرة، ولأنها تعتمد على العلوم والاقتصاديات الغربية فهذه التبعية تؤثر عليها بالضرورة.

أوضح تيارين ناصبا الديمقراطية بالعداء هما التيار الشيوعي وتسبيبهم أن الديمقراطية الليبرالية «أنانية للغاية وغير مكترثة بجميع الناس»، بينما الفاشية تعيب على الديمقراطية الليبرالية أنها لا تحقق تمام الطبيعة البشرية ولا كمالها، لكنها من الناحية العملية قد يتحوّل الأفضل إلى أسوأ، كما حدث مع الشيوعية والفاشية، ولكن يضيف مانسفيلد: «الناس كثيراً ما تغريهم المحاولة».

في عام 1978 طرح مانسفيلد كتابه «روح الليبرالية»، يعد مهمة كتابه تقديم نفسه كصديقٍ لليبرالية، ولكن من النوع الذي يخضعها ومناصريها للنقد مما جعلهم ينفرون منه وينقضّون عليه. هذا الكتاب هو نقطة انطلاق مانسفيلد نحو «النزعة المحافظة الصريحة» لكن ما مهمته الفلسفية كفيلسوف ليبرالي محافظ؟!

يجيب: «أعتقد أن على المرء أن يحدد المهمة الرئيسية للنزعة المحافظة اليوم، في أنها تكمن في محاولة جعل الليبرالية تلتزم بمبادئها الخاصة، وذلك في نواحٍ عدة، في علم الاقتصاد تلتزم بالسوق والملكية الخاصة، في الثقافة تلتزم بالمعايير العليا للجامعات، في القانون الدستوري تلتزم بحقوق الدستور وبالمؤسسات التي أنشأها». وينبّه مانسفيلد بأن سبب فقدان الليبرالية لجاذبيتها أن أتباعها انصرفوا عن الأشياء التي كانت جذّابة فيها، حدث هذا منذ أواخر الستينات، الحقبة التي يصفها بمسببة الأذى الكبير.

مانسفيلد سينتقد زميله في جامعة هارفارد الفيلسوف جون راولز؛ الذي كتب عنه مقالاً ونشره في كتابه آنف الذكر، يعده ممن حاول جعل ليبراليته تتلاءم مع كلا الاتجاهين، إذ يفضّل إيمانويل كانط على جون لوك، لأن كانط لديه سمو أخلاقي معيّن، ولا يؤسس حجته على الحفاظ على الملكية، وينتقد راولز بأنه لا يعلق على التدابير السياسية والأخلاقية التي اقترحها كانط في كتابه «ميتافيزيقا الأخلاق»، لذا فهو يعود أدراجه صوب جون لوك ليخلّص نفسه من صرامة كانط الأخلاقية، ويضيف: «أعتقد أنه استبدال غير متناسق بين الرغبة في أن يكون المرء أخلاقياً، والرغبة بأن يكون رحيماً»، صحيح أن راولز دعا إلى مستوى من إعادة التوزيع؛ حيث لا يولي الاستحقاق اعتباره الكافي، غير أن هذا يعد مستوى من الأخلاقية وفي ذلك تطلع إلى الحفاظ على الجماعة، أو الحفاظ الذاتي على الجماعة؛ ما يسميه راولز: «النظرية المخففة للخير»، ويعلق على هذا الوصف مانسفيلد: «يا له من توصيف رهيب للكانطية».

راولز على النقيض من مانسفيلد يحذّر من صرامة المبادئ: «من الخطأ أن نطبّق مبادئنا الخاصة في كل وقت؛ نحن في حاجةٍ إلى فحص الأشياء بمعزلٍ عنها، وإلا فإننا نخاطر بأن نصبح آيديولوجيين».

الخلاصة؛ أن مسألة النزعة المحافظة لم يطرحها مانسفيلد كنقيضٍ لليبرالية، ولا بوصفها حليفة التقليد ورهينة الماضي؛ بل المحافظة يمكنها أن تؤسس لانتقادات حيويّة ربما تسهم في إعادة الليبرالية لجاذبيتها الأصليّة، كما يمكن للمحافظة أن تسرّع من تجاوز الديمقراطية نحو ما يسميه «الاحتمالات البديلة»، مع أن الفلسفة السياسية لم تنجح في ابتكار البديل، لكن النزعة المحافظة يمكنها أن تكون مصلاً مقاوماً لنمط الليبرالية، أو تجربة النظم الديمقراطية.

***

فهد سليمان الشقيران

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس، 9 نوفمبر 2023 - 25 ربيع الثاني 1445 هـ

الوعي هو قوة المجتمع الذاتية والكامنة بداخله، التي تحميه وتحمي أفراده من أي خلل، وتُعدّ معارك استهداف الوعي من أخطر المعارك وأشرسها في القرن الـ20 وحتى الآن، والوعي المجتمعي، في تعريف علماء الاجتماع، هو: مجموع الأفكار والنظريات والآراء والمشاعر الاجتماعية والعادات والتقاليد التي توجد لدى الناس، والتي تعكس واقعهم الموضوعي، ويمكن القول: إنّ وعي المصريين بذاتهم في العصر الحديث تشكّل في منتصف القرن الـ19، بعد الحملة الفرنسية على مصر، وما تبعها من نمو للروح الوطنية وإدراك المصريين مدى تخلف الفكر السائد عن العالم، هذا الوعي نشأ بعد سلسلة من التفاعلات مع أحداث وأفكار القرن الـ19، تمثلت تلك الأفكار في وجدان العامّة بعبارات راجت على ألسنتهم رسمت إلى حد بعيد منظورهم لأنفسهم وللآخر وللدين وللدولة، مثل عبارة "الدين لله والوطن للجميع"؛ أي الوعي المجتمعي أيقن أنّ اختلاف العقيدة أمر مرجعه إلى الله وليس إلى الناس، وأنّ الدين علاقة بين الفرد وربّه، لا مكان ولا دخل للآخرين فيه، وأنّ جميع الناس باختلاف عقائدهم مشتركون في الوطن بدرجة واحدة ومتساوية.

أيضاً في عبارة "الدين المعاملة" التي لخصت حقيقة الدين في منظور الوعي المجتمعي، واعتبرت أنّ تجلي الدين الحقيقي في تعامل البشر فيما بينهم، وأنّ قيمة التدين الحقيقي والالتزام تكمن في تحقيق العدل والاحترام والحرّية وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والعكس صحيح، وكشفت أيضاً أنّ الطقوس والعادات والشعائر هي من شكليات الدين المزينة له، ولا تُعدّ أساساً له بأيّ شكل من الأشكال، على هذه الركائز تأسست مرحلة وعي مجتمعي تحديثية، وكانت واعدة.

غير أنّ ثمّة تغيّراً حدث بالمجتمع المصري أدّى إلى انتكاسة وعيه بشدّة، ففي الثلث الأول من القرن الـ20 انتشرت الجمعيات الدينية، مثل؛ الجمعية الشرعية، وجماعة أنصار السنّة المحمدية، وجماعة الإخوان المسلمين، وجماعة مصر الفتاة، وجمعية النهضة الإسلامية، وجمعية الحضارة، وغيرها الكثير، ظهرت هذه الجمعيات لأسباب متعددة؛ منها العمل كحائط صد أمام الأفكار السياسية والاقتصادية التي كانت تجتاح العالم في مطلع القرن الـ20، ولم يكن مرحباً بها من قبل السلطات الحاكمة وقتها، وحتى تقوم تلك الجمعيات بوظيفتها رفعت شعار العودة إلى الإسلام، وهي فكرة سطحية للغاية، تقوم على افتراض أنّ ما يعيشه المسلم المعاصر وما يمارسه من سلوكيات هي ضدّ الدين، وربطوا واقعه المهزوم وحياته الاقتصادية بابتعاده عن الدين، وقدّموا الحلّ في أنّ العودة إلى الدين هي النجاة، وقد انتشرت تلك الفكرة في صفوف العوام نظراً لحالة الارتباك التي أصابتهم من جرّاء استخدام الصفوة لمفاهيم حديثة مثل مفهوم الدولة والسلطات الـ3 (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وكذلك مفهوم الفصل بين هذه السلطات، ولم يستطع أصحاب خطاب الإسلام الرسمي تقريب تلك  المصطلحات إلى العوام، وإقناعهم بأنها امتداد طبيعي للتجمع الإنساني، وقد استغلت الجمعيات الدينية هذه الثغرة، ونفذت منها مستهدفة وعي المجتمع بذاته وعلاقته بمحيطه العربي والإسلامي والإنساني.

ثمّ قاد عناصر تلك الجماعات حملة لتشتيت الوعي المجتمعي، خلال العقود التالية حتى الآن، تقودهم جماعة الإخوان المسلمين بما لها من توغل في صفوف الجماهير، استهدفوا الوعي عبر 3 محاور:

الأوّل: غرس فكرة "المؤامرة الكونية على الإسلام والمسلمين" في وجدان المصريين، وروّج الوعاظ من تلك الجمعيات للمؤامرة مستخدمين كلّ وسائلهم لإثبات أنّ الغرب نجح في تحويل المسلمين إلى مسلمين بالاسم فقط دون المضمون، وسرعان ما وجد هذا الخطاب جماهير تستمع له وتؤمن به، فانتقل من جدران اللقاءات السرّية إلى ساحات المساجد الرسمية الكلاسيكية، وأصبح من سمات الخطاب الديني، حتى كاد يكون من أهمّ مكوّنات الوعي الزائف الحالي.

المحور الثاني: التشكيك في أنظمة المجتمع (النظام السياسي والاجتماعي والفكري والتربوي)، وبعد إيمان البسطاء بفكرة المؤامرة، يقومون بالتشكيك في صوابية الأفكار والنظريات الاجتماعية السائدة، مثل (الوطنية ـ القومية ـ الديمقراطية ـ الحرّية... إلخ)، واتهام تلك النظريات بأنها لا تتوافق مع الشرع الإسلامي، وأنها وافدة من الغرب الذي يتآمر على الإسلام والمسلمين، فروّجوا أنّ الديمقراطية يمكنها أن تقرّ أمراً لم يشرّعه الله، لهذا هي باطلة، وأنّ الوطنية هي شعوبية مذمومة من الرسول، وأنها من دعاوى الجاهلية، وأنّ الحرّية فساد، وأنّ الليبرالية أن تسمح لأمّك أن تسير عارية، وأن تعاشر من تشاء بغير زواج، وغيرها من النظريات، ثم إذا سأل سائل: ما البديل؟ ينتقلون إلى المحور الثالث بطرح أفكار ونظريات زعموا أنها إسلامية، وأنها هي التي ستنقذ البشرية من الضلال إلى الهدى، ومن الظلام إلى النور، منها ما يخصّ الإسلام، ومنها ما يخصّ الدولة والحكومة ومؤسساتها، فنشروا أفكاراً، منها على سبيل المثال "الإسلام دين ودولة"، والحق أنّ الإسلام دين وعقيدة،  وأنّ على المسلم أن يقيم دولة لكلّ المسلمين، وهذا لم يتحقق، ولن يتحقق، على الحكومة أن تكون إسلامية، وعلى الدولة أن تكون إسلامية، وعلى المجتمع أن يكون إسلامياً، وعلى الأفراد أن يكونوا إسلاميين، وغيرها من الأفكار السطحية التي لاقت رواجاً نظراً لتدثرها بلباس الدين، فنشأ وعي جديد، لكنه متهافت وزائف تمكّن فقط من التشويش على الوعي الحقيقي، ولم يستطع أن يضع أفكاراً ونظريات ونظماً اجتماعية وسياسية حقيقية، تلبي حاجات الفرد والمجتمع وتؤسس لدولة جديدة، لهذا أطلق البعض عليه "بلاهة الوعي" أو "الوعي الزائف".

وبدأ طريق الوعي الزائف بالتشكيك في الهوية الوطنية، وطرح بديل لها، وهي الهوية الإسلامية، وخطورة هذا الطرح الزجّ بالمجتمع في صراعات لا تنتهي بين مكوّناته بعضها بعضاً، ولا يتيح له فهم وترتيب أولوياته، فالهوية البديلة تعني رفض مشاركة الآخر في الوطن؛ بزعم أنه "ذمّي" ليس له حقوق المواطنة كاملة، وتأتي إجابة مرشد جماعة الإخوان مصطفى مشهور، حين أفتى في العام 1997 بإبعاد المسيحيين عن الالتحاق بالجيش المصري، وبرّر موقفه وقتها بضرورة "أن يكون أفراد الجيش في الدولة الإسلامية من أصحاب العقيدة ذاتها، وليس من أصحاب عقيدة أخرى، حتى يتمكنوا من مواجهة أيّ عدو يحاول الاعتداء على الدولة الإسلامية، وفي ظلّ وجود عناصر مسيحية في جيشها يمكن أن يجعل هذه العناصر تمالئ العدو وتسهل له"، صحيح أنّ هذه الهوية لم تترسخ بشكل جدّي في المجتمع نظراً لاستحالتها، إلّا أنّ هناك من يزعم أنّ تمام الوعي هو أن تؤمن بضرورة قيام الدولة الإسلامية.

 غالباً ما تدفع الهوية البديلة الزائفة المجتمع للانشغال بمشكلات مجتمعات أخرى، بزعم أنّ هذا من أولويات المسلم، ما يؤدي حتماً للانصراف عن الاهتمام بمشكلات الوطن الحقيقية، ويمكننا القول: إنّ هذا وقع بشكل جزئي عاطفي عندما انشغل المصريون وكثير من العرب والمسلمين في نهاية السبعينيات وطوال عقد الثمانينبات بمشكلة أفغانستان، وتقاطرت الوفود للانضمام إلى ما يُسمّى "الجهاد"، تحت الزعم بواجب نصرة المسلمين هناك، وهو السبب ذاته الذي دفع بعض المسلمين في أوروبا للانضمام إلى داعش.

وأخيراً استهدف الوعي المواطن المسلم نفسه، بإعطائه صورة غير حقيقية عن دوره في المجتمع، وتصوّره عن نفسه، فبدلاً من دفعه إلى الاعتزاز بهويته الوطنية، صوّروا له أنّ هذا الاعتزاز "وضيع" ولا يصحّ في حقّ المسلم، وأنّه لا اعتزاز إلّا بالدين، فنشأ صراع بين الهوية الوطنية والدين  كعقيدة، هذا الصراع المقلق جعل المجتمعات دائماً في حيرة، ولا يقين لديها، وتنكبت عن طريق التنمية والاستقرار والتحضر، وفقدت السلام الاجتماعي، وتفسخت العلاقات المجتمعية، وأصبح الجميع جاهزين للاحتراب الداخلي.

تفاوتت وسائل الإسلاميين عبر كلّ عصر، ففي البداية استخدموا الخطب المنبرية وكلمات الوعظ، ثمّ استخدموا المجلات والصحف الإسلامية، ثمّ الكتب ودور النشر، وأخيراً  صفحات السوشيال ميديا، وفي كلّ الأحوال كان هناك العنصر الإخواني القادر على نقل تلك الأفكار إلى محيطه بالمجتمع، سواء العائلة أو العمل أو الأصدقاء والمعارف، والمطالع لتلك الصفحات ولتلك الأفكار التي تمّ ضخها في عقول ووجدان الكثير من فئات المجتمع الطبقية والعمرية، يكتشف أنها تدور في هذه الدوائر، إمّا التشكيك في إسلام المسلم، وإمّا التشكيك في حقيقة الوطن ومؤسساته، وإمّا الدعوة لنظريات إسلامية  في الحكم والاجتماع، ومعظمها عند الاختبار جاءت بنتائج كارثية.

نحن اليوم في أمسّ الحاجة لترميم ما أفسده المتطرّفون والمتشدّدون في مكوّنات الوعي الاجتماعي، فهل لدينا القدرة على إدراك ذاتنا الحقيقية ووعينا السليم الذي شوّشه  الإسلامويون؟ أزعم أنّ فشل الإسلام السياسي أتاح فرصة ذهبية لاستعادة الوعي الحقيقي، بتكاتف الأطراف كافة، مثل؛ مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات المعنية بنشر الثقافة والتربية والتعليم، وتحت إشراف علماء الاجتماع المعاصرين، عبر تدشين مشروع قومي ووطني، يقوم أوّلاً بكشف أساليبهم في نشر الوعي الزائف، وتحديد ماهية الأفكار التي بثوها في المجتمع، ومن ثمّ هشّمت الوعي، ويقوم ثانياً بطرح أفكار ونظريات اجتماعية حديثة بشكل هادئ تعيدنا إلى مرحلة تقبّل الآخر، والفصل بين السلطات، وإلى حقيقة الدين كمعاملات بين البشر، مع توقع قيام معركة مع حرّاس الوعي الزائف، من غير عناصر الجماعات المتطرفة والذين لا يدركون أنهم واقعون تحت تأثير وعيهم الفاسد، الذين - بحسن نيّة - يعيقون مسيرة الوعي الحقيقي، وفي حالة فوات الفرصة أتوقع أن يعاود الإسلامويون هجمتهم على وعينا بضراوة، ما يصعب معه ترميم ما أفسدوه هذه المرّة... والله أعلم.

***

د. طارق أبو السعد - كاتب مصري

عن موقع حفريات، يوم: 26/10/2023

في كتابه الأخير الصادر بـ«الفرنسية» بعنوان «كتابات كوفيد»، يتساءل المفكر المغربي عبد الله العروي حول أهمية سبينوزا بالنسبة لأوضاع المجتمعات العربية المعاصرة، بالمقارنة مع مونتسكيو وروسو اللذين ترجم العروي بعض نصوصهما الأساسية. لا يتردد العروي في القول إن إشكالية سبينوزا غريبة عنا في سياقاتها الفلسفية والمجتمعية، ولا مكان لها في واقعنا الراهن.

ويبدو أن العروي قد اطلع على ما يسمى لدى المتخصصين بالتأويلات الراديكالية لفلسفة سبينوزا التي ترجع إلى الثالوث الماركسي لويس التوسير وجيل دلوز وتوني نغري، وهي قراءات تركز على مفاهيم الجمهور والقوة والمادة والرغبة.. في انطولوجيا سبينوزا وتصوراته السياسية.

وبطبيعة الحال تختلف هذه التأويلات عن مقاربات معروفة، من بينها القراءة الليبرالية التي تقرّب فكر سبينوزا من نظرية العقد الاجتماعي ومعايير الديمقراطية التمثيلية، والقراءة المحافظة التي اشتهرت لدى ليو شتراوس. إلا أن القراءات الراديكالية قد تأثرت بالعمل الشهير لـ«يوناتان إسرائيل» حول «التنوير الراديكالي لسبينوزا»، مقابل نمطين آخرين من التنوير هما: التنوير المعتدل لدى لوك ولايبنتز، حيث تمتزج العقلانية النقدية بالتصورات الدينية الإصلاحية، والتنوير المحافظ لدى مونتسكيو وفولتير وادمون بورك الذي لا يدعو للثورة والتغيير الجذري بل يتبنى التكيفَ مع الواقع القائم. لا يهمنا التعليق على هذا التصنيف الذي أصبح شائعاً في دراسات التنوير الأوروبي، لكن ما نريد أن نبينه هو أن سبينوزا، على عكس ما يوحي به كلام العروي، قد يكون أقرب فلاسفة الحداثة والتنوير إلينا.

لندع جانباً الأعمال التي حاولت الكشف عن الجذور الإسلامية العربية في فكر سبينوزا، الفيلسوف اليهودي الهولندي الذي ترجع أصوله إلى البلاد الإيبرية، والذي لا شك في أنه اطلع على الترجمات العبرية للفلاسفة العرب، وإن كان لا يذكرهم في نصوصه، كما أن علاقته بموسى ابن ميمون تلميذ ابن رشد معروفة للجميع. ويمكن أن نحيل هنا إلى دراسات المستشرقين من أمثال هاري ولفسون وروجيه أرنالديز.. إلخ، التي تحدثت عن التماثل بين أفكار فلاسفة الإسلام من قبيل ابن سينا وابن رشد وآراء سبينوزا، وفي كتابات الفيلسوف الهولندي ما يعزز هذا الانطباع.

بل إن مخطط كتاب سبينوزا الأساسي «الأخلاق» ومفاهيمه المحورية ومصطلحاته المستخدمة تتشابه بصفة جلية مع التقليد الكلامي الإسلامي، كما هو شأن كتابه «رسالة في اللاهوت والسياسة» الذي يتوزع على طريقة الكلام الاعتزالي إلى بابي التوحيد والعدل، وفي الباب الأول من كتاب الأخلاق الذي يتحدث فيه عن الإله نجد العبارات نفسها الكلامية: الذات والصفات والأحوال ونرى التمييز السينوي الشهير بين واجب الوجود وممكن الوجود.

إن هذه السمات المنهجية والاصطلاحية هي التي حدت بهيغل إلى اعتباره «فليسوفاً شرقياً»، وأدت إلى تجاهله كلياً في نصوص هايدغر رغم تناوله المستفيض لكل فصول الفلسفة الغربية. وعلى الرغم من النقاش المعروف حول طبيعة موقف سبينوزا من الدين واعتباره لدى البعض فيلسوفاً مادياً يقف عند وحدة الطبيعة (وإن كان يراه آخرون صوفياً مؤمناً بوحدة الوجود)، فإن بعض كبار الباحثين (مثل أحمد العلمي ومروان راشد) بيَّنوا أوجه الشبه بين أطروحة الوجود السبينوزية وانطولوجيا الحال في المدرسة الجبَّائية الاعتزالية.

قد لا تكون هذه الجوانب الميتافيزيقية هي ما يهم الفكر العربي المعاصر في فلسفة سبينوزا، بل إن التركيز يمكن أن يكون على جوانب التأويلية النقدية والتنوير السياسي والاجتماعي. ولا شك في أن المفكر المصري الراحل حسن حنفي قد أسهم إسهاماً كبيراً في التعريف بهذه الجوانب من فلسفة سبينوزا من خلال ترجمته لكتاب «رسالة في اللاهوت والسياسة» عام 1971 مع كتابة مقدمة طويلة ووافية للنسخة المعرَّبة.

لقد اعتبر حنفي أن الفكر العربي قادر على الاستفادة من المنهج التأويلي السبينوزي الذي ينطلق من معايير العقلانية والقانون الطبيعي والحكمة الإنسانية في قراءة النصوص المقدسة، وهو منهج رشدي أصيل في تراثنا الإسلامي. كما أنه بحاجة إلى سبينوزا في الدفاع عن حرية التفكير وحرية التعبير والولاء للدولة الوطنية المعبِّرة عن التوافق الاجتماعي والقادرة على ضمان السلم الأهلي والمدني.

لا مناص من موافقة العروي في أن اهتمامات سبينوزا مختلفة عن سياقنا الراهن، وإشكاليته مغايرة لوضعنا المعرفي والفكري، لكن سبينوزا يظل في نهاية المطاف أقرب فلاسفة الحداثة الأوربية لنا، وإن كان يتعين علينا أن ننقل مفاهيمه وتصوراته إلى حقلنا الدلالي دون وثوقية أو تعصب.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

5 نوفمبر 2023 23:45

شعلة من الفرح والغرور كانت تتقد بداخل الواحد منّا، عندما يحاط بالمدح، إذ يستشعر بتفرد شخصه مقارنة بغيره. ولو تذكرنا طفولتنا بدقة لوقفنا على العديد من هذه المشاعر إزاء ما يتردد على ألسنة والدينا عندما يصفوننا بالذكاء أو النشاط أو العقل!

ربما كانت تشدنا آنذاك صفات الحصافة والفطنة، ومعلوم كم تعني جملة «فلان عاقل»، لدى الطفل، فهي عبارة موجودة في العديد من اللهجات، يتداولها العوام غالباً للإشارة إلى حسن سلوك الفرد ورزانة شخصيته وابتعاده عن الطيش التهور فعلاً وقولاً.

وإذا وسَّعنا دائرةَ العقل قليلاً، فهل يتشابه كل العقلاء في إمكاناتهم الذهنية، وهل يتشابهون في استخداماتهم للعقل نفسه؟ انطلق غالبية الفلاسفة والمفكرين والعلماء من أرضيات منهجية متباينة في تفسير العقل وماهيته، وجاء في المعجم الفلسفي أنه إما أن يكون دالاً على الوقار، فهو إذن صفة ظاهرة في سلوك الإنسان عامةً، وإما أن يدل على المكتسب من المعاني والأحكام الكلية، فيترجم من خلال اختياراته للأغراض والمصالح، وإما أن يكون دالاً على ما يوافق الفطرة فيحسن الإنسان التمييز بين الغث والسمين.

وفي سبيل الحصول على صورة مكتملة حول ماهية العقل، وبخاصة في الفلسفة الإسلامية، لا بد من الإمعان في فلسفة الفارابي الذي خصص جهداً وفيراً في هذا المجال، سعياً منه إلى كشف الطرق الرئيسة للتفكير، وصولاً لفكرة سليمة يمكن الأخذ بها من خلال «قوة الذهن» التي تعين على إدراك الصواب وتمييزه من غيره. ولعل هذا ما نجد ترجمته في العديد من كتب التنمية البشرية التي تعين الإنسان على الاقتراب أكثر فأكثر من ترشيد تفكيره وإكسابه التسلسل المنطقي.

ويبني الفارابي نظريتَه حول العقل على أربعة مستويات رئيسة؛ أولها العقل بالقوة (العقل الهيولاني)، ويدل على التهيؤ والاستعداد العقلي لقبول كل ما يوافق المعقول والمنطقي، من خلال صور الأشياء وماهيتها الموجودة في الطبيعة، وبالتالي فالطبيعة تتحد بقوة وجودها مع العقل.

وأما النوع الثاني فهو «العقل بالفعل»، والذي يعبر عن انعكاس صورته في النوع الأول، مما يعني أن هيئته مترجمة كفعل معاش، مما يدل على ارتقاء العقل الإنساني متجهاً نحو إدراك شيء وليس التوقف على التعرف عليه وحسب. وفي التدرج المنطقي، وإمعان العقل الإنساني بحذق، يأتي نوع آخر من العقل، هو «العقل المستفاد»، إذ يبني على استيعابه للمعقول، وصيرورته الوظيفية لمستوى الإدراك الذي يتدرج بتناغم ومنطقية.

مما يعني أن تسلسل هذه الأنواع هو تعبير تصاعدي عن تكوين «عملية الإدراك»، التي تسمو وتتصاعد إزاء المحسوسات، فكلما زاد إدراك الإنسان ابتعد عن ملاحظة المادة واقترب لما وراء المحسوس.

وما يزال الإنسان يعتبر مصدراً للدهشة الذي يسببها لنفسه، من خلال التفكر والتدبر في هذه الكينونة المغمورة، حتى وصفها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالقول: «وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر»!

وربما تعبّر كل الشروحات والإيضاحات السابقة عن مستويات تدرج التفكير الإنساني وحسب، أما ما يتممها فيبدو أنه النوع الرابع من العقل، الذي ينتقل بالإنسان من طور الاستعداد للمعرفة إلى الإدراك الفعلي، أي «العقل الفعال»، وهو الذي يتربع على قمة الهرم في نظرية العقل الفارابية، مستغنياً عن الجمود في المادة المجردة، ومرتقياً عن ما دونه من مستويات.

ومع ذلك يبقى العقل مدار التفكير والتصوير، فلا توضع لبنة «العقل الفعال» في القمة إلا ويعلوها شيء آخر، إذ يبقى كل هذا التطور والتسلسل في حدود «سلم الموجودات»، الذي يستظل بالمرتبة الأولى، والعليا التي لا تكون إلا للخالق سبحانه وتعالى.

إن العقول الأربعة (العقل بالقوة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والعقل الفعال)، تبقى حجةً على ذات الإنسان فيما يستطيع أن يسمو به ويتطور، وفيما يمكنه أن يضيف عليه إضافةً نوعية، وفي الآن ذاته يمثل هذا التدرج ككل شاهداً على الإنسان ومدى حاجته الدائمة للارتواء من أعلى مراتب المعرفة، من خلال السمو في العلاقة مع الخالق عز وجل، ونزع تراتبية التطور والحداثة المعرفية المنحصرة في سياق الولادة الفلسفية، والاستحداث المنهجي، والثبات وراء «هلامية» المادة منزوعة الروح. وهكذا يبدو الانعتاق من تراكمات المعارف، وإملاءات الطبيعة، هو السبيل الحكيم لفهم غاية المعرفة.

***

د. محمد البشاري

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 31 أكتوبر 2023 23:51

في كتابه الصادر مؤخراً باللغة الفرنسية تحت عنوان «متاهة الضائعين»، يتناول الكاتب والأديب الفرنسي اللبناني أمين معلوف واقعَ العالم الراهن، من منظور الصدام القائم بين الغرب والقوى المناوئة له. في هذا الكتاب يقف معلوف عند نماذج ثلاثة حاولت في العصور الحاضرة تحدي الهيمنة الغربية وإلحاق الهزيمة بها، وهي: اليابان في عهد الميجي، وروسيا السوفييتية، والصين الشعبية الحالية. كما يتناول القوة الغربية الكبرى التي وقفت ضد هذه التهديدات وهي الولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذا السياق، يرى معلوف أن اليابان التي حققت نهضةً فائقةَ السرعة والحيوية استطاعت أن تهزم قوة عسكرية أوروبية كبرى هي روسيا في بداية القرن العشرين، لكنها دخلت في معارك خاسرة مدمرة بدايةً من عدوانها على الصين قبل أن تتعرض للضربة النووية الأميركية الماحقة التي أنهت أحلامها في القوة والهيمنة. أما روسيا الشيوعية فقد استطاعت بناء إمبراطورية أوروآسيوية كبرى، انحاز لها نصف أوروبا ودول كثيرة في آسيا وأميركا اللاتينية، ودافعت عن أنبل قضية وهي مواجهة الاستغلال الطبقي والسيطرة الاستعمارية.. لكنها انهارت نتيجة لفساد نظامها السياسي وفشل سياساتها الاقتصادية.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية مرة أخرى هي المنتصر في هذا الصدام الأيديولوجي الاستراتيجي. أما الصين الحالية، فهي اليوم حاملة لواء مواجهة الغرب، وقد استطاعت بالفعل أن تكون المنافسَ الحقيقي لأميركا اقتصادياً وتقنياً وسياسياً، وتعول على مشروعها الطموح لإحياء طرق الحرير من أجل السيطرة على منافذ ومراكز التجارة الدولية.

ولئن كانت مآلات الصراع الصيني مع الولايات المتحدة غير محسومة مسبقاً، إلا أن المؤلفَ يرى أن القيادة الجديدة الحاكمة في بكين انتقلت من خطاب الإصلاح الداخلي والحياد المرن في الساحة الدولية إلى خطاب التعبئة والمواجهة الذي يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى هزيمة مشروع الريادة الصينية. بيد أن القوة الغربية الكبرى التي ورثت أوروبا سياسياً وثقافياً ودافعت عن النموذج الغربي طيلة قرن كامل ليست في أحسن أحوالها حسب معلوف. فالولايات المتحدة الأميركية عانت بعد انتصارها في الحرب الباردة من نفس الثغرة التي عانت منها اليابان والاتحاد السوفييتي سابقاً، أي أوهام القوة التي لا تقهر والتدخل غير الموزون في الصراعات الدولية، بما يفسر المصاعب التي واجهتها على أكثر من صعيد في السنوات الأخيرة.

وهكذا يخلص أمين معلوف إلى أن النموذج الغربي في ورطة حقيقية اليوم وقد فقد الكثيرَ من وهجه وقدراته التعبوية والاستقطابية، لكن النماذج المنافسة له ليست في وضع أحسن، وليست قادرة على تقديم البديل الناجع، ومن هنا يمكن القول بأن الكل ضائع في متاهة لا مخرج منها. لا يبتعد معلوف في كتابه الأخير عن أطروحته السابقة حول انهيار الحضارات، وإن كان يستند في العمل الجديد إلى معطيات تاريخية مكثفة ودقيقة.

ما نريد التعرض له هنا هو مفهوم «الغرب» نفسه الذي نعتقد أنه بُني على منطلقات واهية لا يمكن الدفاع عنها. فحين يتم الحديث عن الغرب، تكون الإحالة إما إلى خلفية حضارية تاريخية عادة ما يحصرها الباحثون في ثلاثية الفلسفة اليونانية والقانون الروماني والنهضة الأوروبية الحديثة، أو تتم الإحالة إلى المعطيات الجيوسياسية التي تتشكل من ثلاثية الرأسمالية الصناعية والديمقراطية الليبرالية والمنظومة العسكرية الأطلسية.

بالمعنى الأول، نرى أن الغرب صناعة نظرية متأخرة، لكون الثقافة اليونانية والتقاليد الرومانية تشكلت في الشرق الآسيوي وتفاعلت بعمق واتساع مع المجال الحضاري والفكري العربي الإسلامي ولا يمكن ربطها عضوياً بما يسمى الغرب الحديث.

وبالمعنى الثاني، نرى أن الغرب ليس مفهوماً حضارياً بل هو مجرد رابطة جيوسياسية تنتمي إليها أمم وبلدان لا تنتمي إلى السياق الأوروبي الأميركي، كما هو شأن اليابان وكوريا الجنوبية، في حين أن عدداً من البلدان الآسيوية واللاتينية الأميركية والأفريقية تستجيب لمعايير الرأسمالية الحرة والديمقراطية الليبرالية دون أن تصنف في الخانة الغربية.

ما نريد أن نخلص إليه هو أن النماذج الثلاثة التي تحدث عنها معلوف تعبِّر في حقيقتها عن توتر داخلي في المثال الغربي نفسه، وليست موجهة بالصدام مع الغرب ذاته من حيث هو ثقافة وحضارة ومسلك حياة. ولذا فالسؤال المطروح اليوم على نطاق واسع في بلدان كثيرة من العالم ليس: كيف يهزم الغرب ويقضى على هيمنته؟ بل هو: كيف يسمح الغرب باستيعاب الطامحين إلى ولوج ناديه المغلق؟

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الإمارتية، يوم: 30 أكتوبر 2023

مع كل احتدامٍ بين الشرق والغرب، بين المسيحية أو اليهودية والإسلام، بين التقاليد الشرقية والأخرى الغربية، يبدو ماثلاً أمام المتابع أن صراع القيم هذا لن يوصل إلا إلى المزيد من الكراهية، ولن ينتج سوى كثير من الحروب. مع أن أسس التسامح وأفكار الاعتدال مطروحة ومدعومة من قبل الحكومات المعتدلة بالعالم، ولكن لا تستطيع المؤسسات السيطرة على مكنونات الشعوب. وآية ذلك أن الحدث المدوّي يعيد المجتمعات إلى المربع الأول، وكأن تلك الجهود ذهبت سدى. والعبء على الحكومات كبير، وهي معذورة في هذا المجال، لأن إصلاح إرثٍ طويل من السجال والتناحر والتنافر بين البشر بشتى انتماءاتهم يحتاج إلى أجيالٍ متعاقبة. الفيديوهات المتداولة اليوم بين اليهود والمسلمين تبيّن مستوى التناحر، كما حدث من قبل بين المسلمين والمسيحيين مع أحداث الإرهاب من جهة، أو حماقات إحراق المصاحف من قبل بعض المعاتيه من جهة أخرى. إنها هيمنة العوام على السجال الحضاري، ونفوذ الشعبوية على الإشكالات القيمية الكبرى.

وسؤال القيم والهوية والالتقاء الثقافي والحضاري أرَّق كثيراً من الفلاسفة الكبار، ومن بينهم داريوش شايغان الذي عكف على مثل هذه الأسئلة لسنواتٍ طوال. قد عدتُ إلى كتاباته بعد الأزمات المستجدة الحالية، ولفتني في كتابه المهم: «الهوية والوجود: العقلانية التنويرية والموروث الديني» أحد الفصول بعنوان: «القيم الكونية في عالم النسبية الثقافية»، لكن ما مقاربته لهذه الإشكالات شبه المستعصية؟!

يرى شايغان أننا حيث نعيش؛ فلكل ثقافة مطالبها الخاصة: طريقتها في رؤية العالم، وطريقتها في تقويم حقوق الإنسان، وطريقتها في تعريف استقلالية الشعوب وحقوق المواطنين. فالبعض يطالب بقيمٍ آسيوية، وآخرون بانكفاءٍ إلى الذات في رؤية منغلقة للعلاقات الإنسانية، والبعض الآخر يرى أن أي سلطة سياسية إنما تنبع من مصدرٍ إلهي. تنضوي هذه الخطابات جميعاً على تحدٍّ للغرب وللحداثة التي تكمن خلفه، ولسان حالها يقول: لستم وحدكم مَن يبتّ في الأمر، ولم يخولكم أحد فرض قيمكم علينا من جانبٍ واحد. وفوق كل هذا وذاك، يأتي ناشطو التعددية الثقافية ليضموا أصواتهم إلى هذه الاحتجاجات، فيتحدثون عن «الإرهاب الأبيض»، وعن الأضرار الجسيمة التي تتسبب فيها النزعة المركزية الأوروبية التي تعمل، في رأيهم، وفق تعارضات ثنائية. في سياق هذا التعارض يُعطى الامتياز للمصطلح الأول الوارد في هذه الثنائيات. هكذا تميل التعددية الثقافية إلى أن تصبح نوعاً من السياسة الهوياتية حيث يختلط مفهوم الثقافة، ولا بد، بالهوية العرقية، الأمر الذي من شأنه أن يتسبب في إضفاء صبغة ماهوية على الثقافة؛ بالإفراط في تحديد تمايزاتها.

ويخبرنا جورج شتاينر George Steiner كيف أن اللغويات الجديدة تُثبِت أهميتها الكبيرة في ملتقى الفلسفة وعلم النفس. توجد في الواقع علاقات متعددة بين الفكر، واللغة، والواقع.

ثمة مكتسبات بشرية (يشير شايغان) غير أن بعض الثقافات ترفض هذه المكتسبات جملة وتفصيلاً باسم القيم العرقية والدينية، وتبحث عن طرق وبدائل التفافية، لكنها لن تعثر على قيم بديلة لتغير نوعي يخصها أيضاً مثلما يخص غيرها، لأن ذلك يعني التشكيك فيما أصبح جزءاً لا يتجزأ منها. علينا دائماً أن نقيم مواقفنا الخاصة، وفق هذا المقياس؛ ذلك أن هذا الحضور، وهذه الضرورة الملحَّة للحالة الجديدة، هو الذي يدفع طغاة العالم الثالث إلى تقليد صوري هزيل لحقوق الإنسان. إن هذه القيم الكونية والمحايدة آيديولوجياً الخالية من أي انتماء طائفي، تُشكل في ذاتها هوية جديدة؛ لا هي عرقية ولا دينية، كما أنها ليست وطنية تماماً، لكنها تنتمي إلى ذلك العقل الذي من المفترض أن يسهم فيه، بلا تحفظ، وبمعزل عن انتماءاتهم الثقافية، جميعُ البشر ممن يدركون أنهم يعيشون في بداية القرن الحادي والعشرين. وإن كنا نعني بـ«كوني» قيماً تتخطى الحدود والانقسامات العرقية والارتدادات الوطنية والقطيعات التاريخية، فإن هذه القيم كونية بالفعل. يمكننا أن نرفضها وأن نختبئ داخل هوامات هوياتية، ويمكننا أن نسعى بالطرق شتى إلى إيجاد بديلٍ يُريحنا ووهم جميل، لكننا لن نستطيع أن نضعها جانباً ونواصل دربنا الصغير في العيش كأن شيئاً لم يحدث، لأن ذلك سيقودنا ببساطة تامة إلى الانغلاق، بل إلى ما هو أسوأ من ذلك؛ إلى يباس هوياتي.

لذلك، بحسب شايغان، لا مناص من الالتقاء الثقافي والحضاري، ومن دون ذلك لا يمكن الحفاظ على قيم الأنوار، بل رأى أن جميع الدول التي توهمت العثور على طريق ثالثة مخالفة لوجهة مكتسبات الإنسان الحديث حصدت إخفاقات مدوية. والقول إن مكتسبات عصر الأنوار تعمل على تجميل إمبريالية الغرب وهيمنته الشاذة لا يُغير شيئاً من المشكلة. على ثقافات الكوكب كافة أن تكون طوع بنان هذه المكتسبات، وأن تمتثل لها، لئلا تنعزل في عالم متمركز حول ذاتها؛ فتبقى وحيدة على قارعة الطريق، فضلاً عن أنه لا وجود لقيم بديلة. نستطيع دائماً أن نُلوح بالحقوق الدينية - المسيحية والهندوسية والإسلامية ونحوها - لكننا بذلك سنبقى عالقين بلا أمل في مجالٍ وهمي للأماني غير القابلة للتحقق. أضف إلى ذلك أنه إذا ما أمكن للأديان أن تتقلد زمام السلطة، فإنها ستغير طبيعتها وتخضع لسيرورة أدلجة لا محالة. فالتنوع الثقافي، رغم كل الزركشة والجاذبية اللتين تسِمانه، لا يمكن إلا لوعي تفكري ومزدوج وموسوط أن يعترف به. داخل هذا السياق تكتسي هويتنا الحداثية أهميتها، لأنها وحدها من دون غيرها تتمتع بملكية نقدية قادرة بفضل ذاكرتها الإجمالية أن تُبرز للمفارقة المستويات القديمة والمتأخرة تاريخياً عن الثقافات الأخرى، وتمنحها مساحة للوجود، وتعزز تمفصلاتها المتعددة، أي بعبارة أخرى: تستطيع أن تربط بين عوالم تعيش في عصور مختلفة، من دون إسهام الوعي التفكري والنقدي لهويتنا الحديثة.

من الواضح أن تصاعد التنافر بين أتباع الأديان وسكان تاريخ الحضارات سيزيد من احتمالات العنف، وسيفضي إلى مزيدٍ من الحروب. من الصعب وضع صفة سحرية للنجاة من هذا التلاعن الحضاري والديني، لكن يمكن للعقلاء وضع اقتراحاتٍ فلسفية وعلمية حيوية متجددة تستطيع أن تقبض على الشيطان الكامن المحرض على العداوة بين بني البشر، رغم إجماع الفلاسفة والمفكرين على أن ما يجمع بين البشر أكثر مما يفرقهم، ولكن الخطر كل الخطر في المخزون الثقافي الموروث الذي يجعل الشر المحض جزءاً أصيلاً من تكوين الآخر الديني والثقافي.

***

فهد سليمان الشقيران

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 11 ربيع الثاني 1445 هـ - 26 أكتوبر 2023 م

يرتبط "الفكر الأنواري" في الوعي العربي بدلالة سمو القيم الانسانية، لكننا نعاين اليوم هذا الغرب ما بعد الحداثي يغتصب ما كان دومًا يحرص على عدم انتهاكه، مما دفع عددًا من المفكّرين العرب لتبنّي نوع من الاستغراب الافتراضي ردًا على استنكارهم ممارسات الغرب تجاه ما يحصل في فلسطين، إذ هذا الغرب الحداثي الذي حطم حسبهم جلّ المحاضرات والدروس الأنوارية، اتضح أنه مجرد خدعة.

لكن أليس ربط مجازر فلسطين بالفكر الأنواري الغربي مجرّد تبسيط وتقزيم لا يرتكز على أسُس عقلية جادة تتغافل خصوصية الوضع السياسي الفلسطيني المركّب والمعقّد الذي يتداخل فيه عدة جوانب منها الجانب السياسي الاقتصادي والثقافي الديني؟ أليست عملية الربط بالأساس هي خلط بين الغرب السياسي والغرب الثقافي؟.

يجوز لنا هنا أن نشبّه هذه الردة الثقافية على الحداثة الغربية التي خلقتها أحداث الحرب المرعبة على فلسطين عند عدد من النخب المثقفة العربية بردة جيل المشككين من مفكّري الغرب إبان الأزمنة السياسية العالمية لمنتصف القرن العشرين، إثر صعود الحركات الشمولية والنازية والفاشية للحكم، مفكّرين عاشوا تجربة الحرب والتهجير والتقتيل من طرف النازية، نذكر هنا نموذج لتلميذ هايدغر المفكّر اليهودي الألماني الهارب من النازية وصاحب كتاب "التاريخ والخلاص"، ردة جعلته يربط الحداثة ومفاهيمها بالإرث اليهودي المسيحي، ساحبًا بشكل كلّي أصالة وكذا جدة الأزمنة الحديثة ما دامت لم تحقّق ما كان مأمولًا ومنتظرًا، أي اضمحلال/القضاء على الشر وتفوّق الخير بالنهاية، إلى جانب كارل شميث الذي اعتبر السياسة مجرّد علمنة للإرث الثيولوجي، لكن ما يُميّز هذه الردة فعاليتها الفكرية إذ راكمت عددًا من الأطروحات المتميّزة التي أعادت تقييم الأزمنة الحديثة وخلقت بالمقابل أفقًا ما بعد حداثي لا زال يمارس تأثيره في السياق الفكري المعاصر.

تفوّق الغرب في قيادة الدفة الإعلامية ساهم في توجيه الوعي الغربي نحو غايات سياسية لا تخضع للقيم الأخلاقية. نعاين اليوم الأمر عينه عند بعض نخبنا الذين سارعوا لارتداء جبة الاستغراب الافتراضي القائم على تخليهم عن الفكر الحداثي، إذ اعتبروه مجرّد خدعة غربية، مختزلين الأزمنة الحديثة في كلّيتها بما يجري من ظلم وتقتيل وتهجير وتطهير في فلسطين، فهل يستقيم هذا الربط أم إنه مجرّد رد فعل أمام هول الحدث وعجز عن الفعل؟ فهل كنا فعلًا نُمجّد فكرًا أنواريًا مزيّفًا؟ لما نتفنّن في لعب دور الضحية المخدوعة من طرف قوى غربية؟ ألا نتحمّل جزءًا من المسؤولية فيما يجري؟

إنها عملية اختزالية تبرهن على قصور في استيعاب الأمر أو تغليب كفة الجانب الانفعالي غير القادر على مواكبة الأمر بشكل فاعل، إذ ينبغي الفصل بين الغرب السياسي والغرب الثقافي، لأنّ عملية لمّ الشمل الغربي في سلّة الكلّ الإيديولوجي توضح عجزًا هوياتيًا في مقارعة الراهن، راهن يبرز تفوّق الغرب في قيادة الدفة الإعلامية والسياسية وكذا الاقتصادية، مما ساهم في توجيه الوعي الغربي نحو غايات سياسية لا تخضع لمعايير القيم الأخلاقية كما نتأمّلها في وعينا العاجز عن المشاركة الفاعلة، ربما لأننا نتقمص دور الضحية المستهدَفة التي يجب على الآخر المتفوّق بذل مجهود للكشف عن مظلوميّتها.

 إننا في حرب تُستباح فيها كل الأشياء... والطهرانية الأخلاقية في صورتها الحداثية لا يمثّلها لا الغرب ولا الشرق

نلمس هنا نوعًا من الفكر المتكئ على اللافعل، على خلاف سياق دور الضحية الذي تلعبه إسرائيل، مستغلةً نوستالجيا الهولوكوست التي تعرضت لها، فالأولى ترتكن لركن المظلومية كأنه أمر معروف وبديهي ولا يحتاج لمجهود لتعريفه؛ أما الثاني، فإنه يخلق مظلوميته ويعمل بشتى الوسائل على تسويقها فنصير أمام قلب للمعادلة، ما يجب التنبيه عليه أنّ سيطرة القوى الغربية هي سيطرة مُمَأسسة ومُهيكلة وعَمَلية، إذ تخصّص القوى الغربية بالأخص إسرائيل مثلًا عددًا من الهيئات الخاصة المتخصصة والمتتبعة على الدوام النشاط الافتراضي قصد المساهمة في توجيهه، إننا في حرب حيث تُستباح فيها كل الأشياء أوّلها الحرب الإعلامية التي لا تخضع بالضرورة لمبدأ القيم الأخلاقية، بل لمبدأ الغاية السياسية طبعًا التي قد يكون وراءها عدة محركات، دينية وثقافية واقتصادية.

إنّ الغرب لا يُمثّل القيم الأخلاقية التي بشّر بها خلال الأزمنة الحديثة لنحاكمه بها، القيم تظل دومًا في إطار ما ينبغي أن يكون، ما يجب أن تسمو وتبلغه الانسانية، أما مطلب الطهرانية الأخلاقية في صورتها الحداثية فلا يمثّلها لا الغرب ولا الشرق، إذ كلاهما يرفعان لافتة حقوق الإنسان، لكن واقع الأمر يخضع لأمور أكثر تعقيدًا.

***

د. نزهة بوعزة

نقلا عن موقع "عروبة 22"، يوم: الأربعاء 25 تشرين الأول 2023

تمر قرون على سقوط غرناطة، كان ذلك في الثاني من يناير (كانون الثاني) عام 1492، ولا يزال المسلمون يتباكون على الأندلس وعلى أيامهم فيها في قصائد الشعر حره ونثره وعموده، وفي الخطب السياسية اليمينية واليسارية والوسطية، وعلى منابر المساجد في خطب الأعياد والجمعات، وفي دروس التاريخ المطبوعة في كتب الأطفال والكبار أيضاً، وفي الروايات وفي الأغاني والموشحات، هذا التباكي من المسلمين عربهم وأمازيغهم يصل بهم إلى حد نوستالجيا العودة لهناك، الجنة المفقودة، عرب وأمازيغ من طنجة إلى دمشق لم يستطيعوا بناء أندلس على أرضهم الطبيعية والشرعية ويحنون إليها في أوهامهم وأحلامهم منتهية الصلاحية.

قرأنا جميعنا أو بعضنا في الأقل كتاب "العمدة" لابن رشيق و"التوابع والزوابع" لابن شهيد، وقرأنا "الفتوحات المكية" لابن عربي وكتب ابن باجة و"طوق الحمامة" لابن حزم، وقرأنا بعضاً من تصوف ابن سبعين وابن المرأة وشعر ابن قزمان وابن زيدون وولادة بنت المستكفي ولسان الدين ابن الخطيب وأبو إسحاق الإلبيري وابن خفاجة وابن زمرك، وقرأنا كتب ابن رشد وفصول معركته الفكرية مع الغزالي، وقرأنا كتب ابن ميمون. كانت الحياة كبيرة وسماء الإبداع عالية على رغم ما كان يشوبها بين الحين والآخر من تضييق على الرأي كما حدث مع ابن رشد ومع ابن حزم وابن عربي، ولكن على رغم ذلك كان "الخير" أكبر من "الشر" والعمل أكبر من الكسل والاجتهاد أعظم من النقل.

فحين كانت الأندلس تحت حكم العرب والأمازيغ كانت الحياة فيها بديعة، كان الموسيقيون الفقهاء، كان المغنون والمؤذنون ومجودو القرآن، أماكن العبادة إلى جانب أماكن اللهو، كانت المساجد العامرة وكانت الكنائس المسيحية والكنيس اليهودي، وكانت فضاءات الطب والفلك عامرة بطلاب العلم.

وكانت للمرأة المسلمة الأندلسية مكانتها، ولها حضورها الفاعل في كل ميادين الحياة من قرارات قصر الرئاسة إلى الوزارة إلى الدبلوماسية إلى الشعر والفقه والفلسفة والموسيقى.

ولكن مع ذلك، لم تكن الأندلس كلها بستان ورد وعناقيد سعادة كما يتصورها كثيرون، كان الصراع السياسي والأسري مشتعلاً حول السلطة، وهو أمر طبيعي أيضاً، تقاسم الأمراء المدن والقرى والضواحي والنواحي، وخرج الابن ضد أبيه أو عمه في حرب وقودها شهوة الحكم.

حين كان المسلمون بعربهم وأمازيغهم في السلطة العليا بالأندلس وعلى رغم صراعاتهم، إلا أنهم بنوا تحفاً معمارية مدهشة وخالدة لا تزال شاهدة حتى اليوم على الدرجة العالية للحس الجمالي السامي وعلى الذوق الاستثنائي الذي كان يسود، شيدوا القصور الخرافية السحرية والمساجد العظمى، وأقاموا الأحياء السكنية على تخطيط عمراني محكم يتماشى وطبيعة الثقافة الإسلامية وغير الإسلامية من أهل العقائد الأخرى كاليهود والمسيحيين الذين كانوا متعايشين في سلام وتنافع، احترموا الماء والمطر والطير فوق الشجر، لم يتركوا أمراً للإهمال أو للنسيان أو التفريط، كانت الحياة تمشي على سكة الرقي والفنون وسلطة العقل والسعي وراء المال وتبادل المصالح.

اليوم من يرغب في دراسة تاريخ فن العمارة الإسلامية البربرية والعربية على أصولها وقيمها الحقيقية، كالمساجد والقصور والحمامات وتنظيم الأحياء وفن البستنة عليه أن يشد الرحال إلى الأندلس الإسبانية، فهي المكان الأصيل لمثل هذه الدراسات، بدلاً من الذهاب إلى مدن أو حواضر عريقة في بلدان شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط، ففي هذه البلدان كل شيء مسخ وتم تشويهه أو القضاء عليه، في حين حافظ الإسبان على هذا الإرث وجعلوا منه كنزاً سياحياً لا ينافس.

جاءت لحظة سقوط غرناطة وسقطت ورحل العرب والبربر بمسلميهم ويهودييهم، فرادى وجماعات، واستقروا في كثير من الحواضر والقرى في شمال أفريقيا من طنجة وتطوان مروراً بتلمسان وتنس وقسنطينة وتونس وبرقة والقاهرة وغيرها من المدن، خرج القادة والتجار والمعماريون والشعراء والفلاسفة والمتصوفة والفقهاء، خرج الرجال والنساء والأطفال، غادروا منازلهم وقصورهم ومزارعهم ومكتباتهم وتجارتهم ومصانعهم وعواطفهم وذكرياتهم بالأندلس.

استقروا في أراض لا تختلف كثيراً عن التي غادروها، أو هجروا منها، وشكلوا مجموعات بشرية حيثما نزلوا، لكنهم لم يستطيعوا حمل عبقريتهم معهم، فما السبب يا ترى؟ لم يتمكنوا من نقل ذلك الذكاء الجمعي، ولا شعلة الحياة التي كانت بالأندلس إلى أماكن إقامتهم الجديدة في بلادهم الأصلية، فما السبب يا ترى؟

ما الفرق يا ترى بين الضفة الشمالية للبحر الأبض المتوسط والضفة الجنوبية؟ ماء البحر هو هو، ومنسوب الملح فيه هو هو، والموج في علوه أو انبساطه هو هو؟ فما السبب يا ترى في أن يبدع المسلم حين يكون في الشمال ويخبو أو ينطفئ حين يكون في الجنوب؟

لا فرق بين سماء تغطي غرناطة وأخرى تغطي تلمسان، الزرقة هي هي والغيم هو هو، فما السبب في أن ينجح المسلم حين يكون هناك ويخفق حين يكون هنا؟

لا فرق بين شجرة زيتون تنبت في إشبيلية وأخرى تنبت في بساتين فاس أو تونس، فما السبب في أن يكون للزيتون والعنب والرمان طعم هناك وكثرة وجودة وفي الجنوب يفقد كل بهجة وكل متعة؟

ما الفرق بين سواعد مسلمة بنت ورفعت عماد قصر الحمراء أو مسجد قرطبة الأعظم، وأخرى لم تستطع رفع سقف بيت بسيط يحميها من الريح والمطر والتشرد والخوف في مراكش أو طرابلس أو وهران أو دمشق أو الإسكندرية، فما السبب يا ترى في أن هذا المسلم نجح في إبداع حضارة ها هناك وأخفق حين عاد لبلاده الطبيعية والأصلية؟

إن المسلم حين أبدع في الأندلس كان يعيش مع الآخر، مع المختلف عنه، كان يتعايش مع اليهودي والمسيحي وغير الديني، يتعايش معهم بسلام وفي تنافس وتنافع وتبادل للمصالح الدنيوية من دون التكفير ولا التخوين ولا احتقار الديانات الأخرى.

إن التعددية في كل شيء، في العقائد والثقافات واللغات، هي من يحرر المسلم المعاصر من أوهام التطرف، وحضور الأجنبي بثقافته في الفضاء الإسلامي يجعل المقايسة مسألة مركزية، هذا الحضور ينهي وهماً مركزياً فيها وهو أننا "أفضل أمة"، ويعيدنا لـ"الجد" والمنافسة السليمة والسلمية في الصناعة والعلم والفلاحة والأدب والأخلاق.

يوم تتحقق التعددية الشاملة في البلدان العربية والمغاربية، ويتجول المسلم في شوارع المدن إلى جانب اليهودي والمسيحي والبوذي واللاديني، آنذاك سيعود المسلم في بلده للإبداع في فن العمارة وسيدرك قيمة احترام التراب والأرض والشجرة والحصان والبحر والصديق والجار والمرأة.

إن نوستالجيا "الأندلس الضائعة" التي هي إحساس جمعي ومرضي لا ينتهي إلا بخلق أندلس أخرى في الجزائر وتونس والمغرب وليبيا ومصر والشام واليمن والسودان، حنين استعادة الأندلس هو جرح لا يبرأ منه المسلم إلا إذا أدرك بأن عليه أن يفكر قبل "استعادة الأندلس"، التي هي فكرة استعمارية أساساً، إلى التفكير في استعادة "أرضه" الأصلية الثرية والغنية والواسعة التي يأكلها الكسل والفساد والنهب والخراب، في كل مكان من هذه الأرض من طنجة إلى حلب يمكن أن تنبت مئات "الأندلس"، حين يفهم المسلم قيمة العمل وقيمة الاختلاف وقيمة وضرورة التعايش بسلام.

إن المسلم الذي يفكر في "استعادة الأندلس"، ولا يعلم بأنه، في الوقت نفسه، يخرب أندلسه الحقيقية في بغداد وصنعاء والخرطوم ودمشق وبرقة.

***

أمين الزاوي - كاتب ومفكر

عن صحيفة الاندبيندت، يوم: الخميس 26 أكتوبر 2023

في عام 1929، وبالتحديد بين 17 مارس (آذار) و6 أبريل (نيسان) جرت واحدة من أكبر المناظرات الفلسفية وأكثرها إثارة في القرن العشرين. كان ذلك في فندق دافوس الشهير الواقع في أعالي جبال سويسرا الخلابة، حيث يجتمع قادة العالم حالياً كل سنة. وقد جرت بين تصورين مختلفين للفلسفة: التصور التنويري العقلاني الكانطي الذي يمثله إرنست كاسيرر، والتصور النيتشوي البركاني الهائج الذي يمثله هيدغر. كان هيدغر وقتها في عز شبابه (40 سنة) في حين أن كاسيرر كان كهلاً قد تجاوز الخامسة والخمسين. وقد دارت المناظرة حول الفلسفة الكانطية وكيفية فهمها وتفسيرها. وزعم هيدغر أن أحداً قبله لم يفهم كتاب كانط الشهير: «نقد العقل الخالص». وهو واحد من أعقد وأصعب أربعة أو خمسة كتب فلسفية في تاريخ البشرية... وشخصياً لا أتجرأ على فتحه مجرد فتح، رغم أنه موجود على الرّف عندي منذ أكثر من ثلاثين سنة؛ لأني بصراحة عاجز عن قراءته مباشرة وفهمه. هناك شروحات رائعة عنه للفيلسوف لوك فيري، أحد كبار المختصين الفرنسيين بالفلسفة الكانطية. ثم قال هيدغر: إن كانط على عكس ما يظن الجميع لم يكن يعتقد أن المعرفة ناتجة من العقل وإنما عن الخيال الابتكاري الخلاق. فالخيال هو الذي يسبق العقل ويؤسسه وليس العكس. والقدرة الخيالية الخلاقة هي التي تشكل خصوصية الإنسان وجوهره.

الإنسان ليس عقلاً في البداية وإنما خيالات وشطحات وأساطير بهيجة. وهذا يعني أن الشعر يسبق الفلسفة وليس العكس. الإنسان شاعر قبل أن يكون فيلسوفاً. وهذه الفكرة تقلب رأساً على عقب الصورة التي قد نشكلها عن الإنسان والطبيعة البشرية. فإذا كان الخيال هو الذي يسبق العقل فهذا يعني أن الإنسان شاعر قبل أن يكون عالماً، وحالم قبل أن يكون مفكراً. ثم يضيف هيدغر: الإنسان غني بالعالم في حين أن الحيوان فقير بالعالم؛ لأنه محروم من ملكة الخيال والتفكير. وهذه الملكة الخيالية هي التي تجعل من الإنسان صانعاً للمستقبل وراسماً لخريطة العالم.

بعد أن انتهى هيدغر من كلامه المزلزل للقناعات الراسخة صُعق الحاضرون، ذهلوا، داخوا... ويقال بأنهم صفقوا للفيلسوف الصاعد وقوفاً. عندئذ شعر الحاضرون أن الفكر الأوروبي انعطف انعطافة حادة مع هذا المفكر الشاب الواثق من نفسه إلى حد الغطرسة والغرور. على هذا النحو انتصر الهيجان النيتشوي على العقلانية الكانطية. في الواقع أن الظروف العامة السائدة آنذاك ساعدته، كانت تمشي في اتجاهه. ينبغي العلم أن هتلر وصل إلى سدة السلطة بعد أربع سنوات فقط من حصول هذه المناظرة الشهيرة (1929 - 1933). وبوصوله إلى عرش الرايخ لم يعد لصوت العقل الراجح والمنطق الرصين مكانة في ألمانيا. بل ويمكن القول بأن أوروبا كلها دخلت في مرحلة الهيجانات الجنونية. وسوف تكون أكبر مجزرة في التاريخ: 55 مليون ضحية. من سيستمع إلى صوت العقل والمنطق والتنوير في مثل هذا الجو؟

على هذا النحو حصلت تلك المناطحة الفلسفية الكبرى بين هيدغر النيتشوي - وكاسيرر الكانطي. ويبدو أن هيدغر انتصر في خاتمتها بالضربة القاضية إذا جاز التعبير. وكان ذلك إيذاناً بصعود القوى اللاعقلانية الجامحة في ألمانيا. ربما كان ذلك تبسيطاً لمناظرة فلسفية من هذا الحجم الضخم والعلو الشاهق. وهو حتماً تبسيط. ولكن لا يمكن إهمال السياق السياسي والمناخ النفسي العام الذي جرت فيه المناظرة.

ينبغي العلم بأن دافوس، هذه القرية السويسرية الصغيرة القابعة في رؤوس الجبال، كانت ملتقى مشاهير الأنتلغنسيا الأوروبية قبل أن تصبح لاحقاً ذلك الملتقى العالمي الضخم الذي نعرفه حالياً والذي يجتمع فيه كبار قادة العالم من ملوك ورؤساء وشخصيات رأسمالية وعولمية تقرر مصير العالم. وكانت منتجعاً للصحة والعلاج، حيث الهواء النقي والمياه العذبة المتدفقة... وهل هناك أجمل من مناظر سويسرا؟ متى سأعود إلى مشاويري الصباحية على ضفاف بحيرة «نيوشاتيل» هناك، حيث التجأ جان جاك روسو يوماً ما هارباً من ملاحقيه الأشاوس الذين حرقوا أنفاسه حرقاً. لحسن حظه أنه لم يكن يوجد إنترنت في وقته وإلا لكانوا قد اخترقوا جهازه الإلكتروني وقرأوا «إيميلاته» يومياً مثلما يقرأها هو أو حتى قبل أن يقرأها! ثم يتصرفون على هذا الأساس. شيء مخيف. شيء مرعب. جُنت الناس. هاجت الوحوش الضاريات. خرجت من جحرها فجأة دفعة واحدة. لكن، تبقى دافوس التي في ظلالها كتب توماس مان روايته الشهيرة: «الجبل السحري»، وجاء إليها ألبرت أينشتاين لكي يشرح للمثقفين الأوروبيين معنى نظرية النسبية التي دوخت العالم؟ وهل نعلم بأن فكرة «العود الأبدي أو التكرار الأبدي للشيء ذاته» خطرت على بال نيتشه في تلك الجبال الشاهقات كالإلهام الصاعق فقصمت ظهره وطرحته أرضاً؟

هذا، وقد تنادت الصحافة الألمانية والأوروبية من كل الجهات لحضور ذلك اليوم المشهود: يوم المصارعة الفلسفية الحرة بين هيدغر - وكاسيرر. وقد يدهشنا ذلك الآن إذا ما علمنا أن موضوع المناظرة كان ناشفاً متقشفاً إلى أقصى الحدود: «ميتافيزيقا كانط أو الميتافيزيقا الكانطية».

يضاف إلى ذلك، أن كلا المتصارعين كان نجماً من نجوم الفكر الألماني آنذاك. فإرنست كاسيرر (1874 - 1945) غير المعروف كثيراً في العالم العربي كان سيداً من أسياد الفكر. وكانت تحيط به هالة من العظمة والمجد نظراً لمكانته الأكاديمية العالية في الجامعات الألمانية. وعلى وجه الخصوص لمؤلفاته الكبرى. كان إرنست كاسيرر كانطياً عقلانياً تنويرياً بشكل محض. كان يمثل فلسفة الأنوار في أعلى ذراها تألقاً. كان زعيماً لمدرسة ماربورغ: وهو تيار فلسفي يمثل الفلسفة الكانطية الجديدة. كان كاسيرر من أتباع النزعة الإنسانية، ومن أنصار الفلسفة الهادفة إلى تغليب سلطة العقل ولغة المنطق. أما هيدغر فكان نيتشوياً متفجراً يتحدث بلغة الجبال الشاهقات والوديان السحيقات. بل كان يقول بأن الإنسان شاعر قبل أن يكون عالماً أو فيلسوفاً. ابتدأ كاسيرر الأكبر سناً المناظرة بروح منفتحة، متسامحة، متصالحة. أما هيدغر فرد عليه فوراً بلغة صارمة، قاطعة، متغطرسة. وربما لهذا السبب انتصر عليه في ختام المناظرة. وهو انتصار لم يقم منه كاسيرر بسهولة. لقد تأثر نفسياً وانكسر. أصابه الهم والغم. كانت هزيمة فلسفية كبرى أمام الناس كلهم. لقد صرعه هيدغر بالضربة القاضية. نقول ذلك وبخاصة أن المناظرة جرت أمام نخبة النخبة وصفوة الصفوة من كبار مثقفي سويسرا وفرنسا وألمانيا، بل وأوروبا كلها. هل يمكن القول بأن عهد العقل المتوازن الرصين انتهى وابتدأ عهد الخيال الجنوني الجامح الذي ينتهك المحرمات؟ ربما. يكفي أن ننظر إلى هتلر وهو يخطب بكل عصبية وهيجان جنوني لكي نتأكد من ذلك. فهل سبقت فلسفة هيدغر صعود هتلر؟ هل رافقتها ومهّدت لها الطريق؟ سؤال لا يمكن تحاشيه. ولكن من الظلم أن نختزل فلسفة مفكر ضخم كهيدغر إلى مجرد البعد النازي. فأكبر فيلسوف في القرن العشرين كان أعمق من ذلك وأكبر بكثير.

أخيراً، يمكن القول إن كاسيرر وهيدغر، كانا على حق. فالتصوران اللذان قدماهما عن الإنسان والعالم متكاملان في الواقع لا متعارضان. لأن الإنسان شخص منقسم على نفسه، منشق على ذاته. إنه مشكل في أعماقه من تيار المنطق المتوازن، وتيار الخيال الخلاق، من تيار العقل وتيار الجنون، من تيار الشعر وتيار النثر. والسؤال المطروح الآن هو: هل يمكن أن يعقل العالم قبل أن يشبع جنوناً؟ هل يمكن أن يهدأ قبل أن يقذف بكل ما في أحشائه من أحقاد تاريخية؟ هل يمكن أن تسكن لواعج التاريخ قبل أن يصفي حساباته ومظلومياته وعذاباته؟ هل يمكن أن تهدأ قبل أن تتحقق عدالاته؟ هذه هي الأسئلة المطروحة على العالم حالياً. والجواب عليها لن تجدوه عند هيدغر ولا عند كاسيرر ولا حتى عند كانط. الجواب موجود عند هيغل وكتابه الشهير: دروس حول فلسفة التاريخ!.

***

د. هاشم صالح

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 25 أكتوبر 2023 م ـ 10 ربيع الثاني 1445 هـ

الصفحة 3 من 7

في المثقف اليوم