 نصوص أدبية

خطوة كان بعيدًا أو أقلْ

مرَّ ما حيا ولا عني سألْ

*

قيلَ لي هذا حبيبٌ كاذبٌ

إذْ رآكِ راح يمشي في العجلْ

*

قلتُ: بل إنَّ الوفا من طبعهِ

حبُنا بين الفؤادين اكتملْ

*

كلما جاءَ ليبدي حبّهُ

ردّه عني ارتباك والخجلْ

*

قيل:صبرًا! قلت: والصبرُ جفا

ملَّ من طول اصطباري وارتحلْ

*

قيلَ: فالكتمانُ أمرٌ خيّرٌ

عذّبَ الكتمانُ قلبي واحتملْ

*

قد كتمتُ الحبَّ فيه إنما

باحَ بالسرِّ ضياءٌ في المُقلْ

*

قيلَ لي أن الهوى بي واضحٌ

قلتُ : هل يدري به قالوا أجلْ

*

كان يدري بالهوى قد حلَّ بي

ليس يدري بالهوى ما بي فعلْ

*

خِلْتُ أن الحب بحرٌ واسعٌ

كُسّرَتْ فيه مجاديفُ الأملْ

*

قاتلٌ للناس لم يسفكْ دما

ما عرفنا كم من الناس قتلْ

***

إسراء فرحان

من يرعب المحارب العربي؟

هل القمر المظلم

في ليلة عاصفة

ام فزاعة الطيور

في حقل ملغوم

ام الدمى الخشبية

في متحف الرعب

ام مطاردة مستمرة

في حلم بالكوابيس القاتلة

*

وهل فقد المحارب العربي

بوصلته الهادية

لتحرير القدس

آم عرقلته

امواج التطبيع العلني

*

اذن ليس الامر

كما يظن المحارب العربي

فاستراحته

تحت ظل صنوبر مبتئسة

وهو يتوسد

بندقيته العتيقة

تبعث على الاشمئزاز النفسي

وتوحي بغثيان

النفاق السياسي

*

هذا ليس امرا سهلا

كما يظنه بعض السفهاء

لا بد انه خسر حربا ما

او ربما لان ابواب الحرب

كانت مغلقة

بسبب الزمن العربي الرديء

والانتكاسات الدائمة

*

بالنسبة له هو محارب عادي

يدخل الحرب ويؤدي واجبه

ثم يغادر حيا او ميتا أو معطوبا

بل هناك امور خاصة

لا تقال له قط

مثل فضل الحرب على السلام

هو محارب بلا قضية

هكذا اوهموه

فسمه انت ما شئت

*

ان المحارب العربي

لا يتفاجأ البتة

ان لا يعرفه الناس

لا بالاسم ولا بالصورة

ولا بالرتبة العسكرية

فهو محارب وكفى

واترك لكم الرأي

***

بن يونس ماجن

 

أينَ انتَ يا صديقَ الشمسِ

ايها العازفُ بأوتارها سحنةَ السمارِ

يا مالكَ الشجنِ

أما حانَ انْ تحطَ الرحالَ

تفتحُ خيمتكَ لكلِ الجهاتِ

يا صديقي البدويَ

كمْ احسدكَ وانتَ تتضوعُ حرَّ اللهِ

وأحسدكَ حينَ تروضُ الافاعيَّ

نحنُ في المدنِ الصاخبةِ

استحالةُ ترويضِ ما تبقى من البشرِ

*

أنتَ تلعقُ بكفيكَ (ثريد) الرملِ

تغازلُ نفسكَ

تتندرُ على جحوظِ عيونِ نساءِ البوادي

وأنتَ الصقرُ العنيدُ

ياراسمَ خرائطِ الحبِ بأزميلِ الولهِ

أما تكفكفُ عن اشداقكَ كيَّ الجمرِ

طرزها بالقبلِ والشجنِ وطربِ الوجودِ

وحدكَ النقيُ تخزنُ الحبَ بينَ الرمالِ

يغدو جنتكَ أيها الحليمُ

*

أيها البدوي

دعْ عصاكَ تضربُ جانَ الصحارى

انتَ النبيُ والاميرُ والطاغيةُ

انتَ صانعُ العشقِ ووساداتٍ ونصلِ سيفٍ

وآنياتٍ يدغدغها عصفُ الريحِ

تغدو سقايةً للعابرينَ خلسةً وضياعاً

*

ايها البدويُ

يا حائكَ أغطيةِ احلامك سحراً

لكم روضتَ نبعَ نايكَ

امتشقتَ فنونَ العزفِ

تراقصتْ عليها كلَّ الحباري

*

أحسدُ عيونَ البدويةِ

لانها علمتني أصولَ العشقِ

كتبتُ بعينيها

(العشقَ الذي تبغيهِ لن يلدَ ياولدي)

تركتني أبحثُ عن حكايةٍ لنْ تنتهيَ

***

عبد الامير العبادي

 

قبل مجيء امراة النور إلى المكان

المتاخم للضباب

كان الرجل الجسور يعبر الجسر

العتيق

يسير وحيداً بعيدا عن بهاء الرخام

الجندي الجريح يسال عن وجاهة

المعركة

هنا التقى المتخاصمان

السيف والوردة

العاشق والعشيقة الباحثة عن عناق

لن يجيء

كم من الوقت يكفي لانتظار المدد

حروب هنا في الشرق القديم

ولا أحد يعرف متى يتلى البيان الأخير

امي التي اسمها آمنة تقول لي فجر كل يوم:

كن بعيدا عن سراب المدينة

كن قريباً من بهاء الكلام

حبرك الذهبي هو السند

حين يغيب عن البلد الرجل الجسور

كيف نسيت صوت فيروز ومارسيل

و لم تذهب سريعا إلى خيام العابرين

لا تخف من صلف الرعاع

صوتك العالي صادم للقابعين في الظلام

صمتك أعلى واعلى من ضجيجهم

في المقاهي

*

قادماً من مدن الثلج والرماد

تراه العيون لا يهاب لهيب العاصفة

ربما ارتوى من ماء الاساطير

واخذته خطاه إلى ينابيع الرؤى

فجأة يباغت حارس المقبرة بالسؤال:

لماذا يخافون من الاتي.....؟

واجسادهم غارقة في مياه الخوف

هنا التقى الصوت والصدى

الرحيل والبقاء

الذهول والانكسار

رخام القصور وذاكرة الانين

أطفال التخوم واللافتات

صوت خفي يخرج من الاسوار

والنشيد الذي تنشده الحناجر

لا تردده الافواه الباهتة

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

هنا بلاد وأحفاد ورايات

هنا امي تطعمني حليب الانحياز

صبيحة كل يوم تقول لي:

لا تخف من غيوم المكان القصي

ليس لك من سبيل سوى الرحيل

إلى بهاء الكلام

حرفك الذهبي هو البوصلة

واخضرار الجسد العليل

قبل ذهاب أولاد القرى الى الينابيع

خذ ما تبقي من ثمرات الفصول

والاغنيات العتيقة

امي لا تنام على رصبف الخوف

تقول لي فجر كل يوم:

أكتب يا ولدي ولا تلتفت للرعاع

صمتك أبهى من ضجبج القطيع

لا تخف من زيف هذا الزمن اللعين

أكتب ورقاتك الحبلى بالبهاء

ففي البدء كانت العاصفة

معك الله وذاكرة الأيام وانفتاح الحبر

على الاسوار

هنا بيادر ودفاتر وصيحات الحناجر

هنا تخرج الاصوات من النفق القديم

وترفع الرايات قبل الغروب

لنا ما ابقته الفصول

من ثمرات وحكم الاجداد

ولهم ضجيج الازقة وتيه المرحلة

***

البشير عبيد

شاعر وكاتب تونسي

05 جويلية/يوليو/تموز 2022

 

لَقَلْبِي يَتَيمٌ بَيْنَ أَمْسِي وَفِي غَدِي

إِذَا أَنْتِ لَمْ تَحْنِي بِبُسْتَانِكِ النَّدِي

فَجُودِي بِعَطْفٍ مِنْكِ يَا زَهْرَةَ الْعُلَا

وَسِيرِي مَعَ التَّيَّارِ فِي قَلْبِيَ الصَّدِي

*

وَزُفِّي إِلَيَّ الْخَيْرَ عِنْدَ طُلُوعِهِ

بِبَسْمَاتِ حُبٍّ فِي الطَّلِيعَةِ سَرْمَدِي

وَدَاوِي جِرَاحِي إِنَّ جُرْحِيَ غَائِرٌ

بِنُورِكِ يُمْحَى بَعْدَ طُولِ التَّنَهُّدِ

*

أَدِيرِي إِلَيَّ الطَّرْفَ أَسْعَدْ بِنَظْرَةٍ

فَمَا الْحُبُّ إِلَّا نَظْرَةُ الْمُتَوَحِّدِ

وَضُمِّي إِلَيَّ الْقَلْبَ أَسْعَدْ بِضَمَّةٍ

وَمَا هِيَ إِلَّا ضَمَّةُ الْمُتَوَجِّدِ

*

وَنَامِي عَلَى دَقَّاتِ قَلْبِي بِفَرْحَةٍ

تُطِيلُ لِقَاءَ الْعُمْرِ فِي خَيْرِ مَوْعِدِ

أَنَا الْعَاشِقُ الْوَلْهَانُ فِي الْحُبِّ بَسْمَتِي

تُحَاكِي دُمُوعَ الْعَاشِقِ الْمُتَوَقِّدِ

وَتُطْفِئُ نِيرَانَ الْهَوَى وَجَحِيمَهُ

فَأَسْقِيكِ مِنْ نَهْرِي بِأَعْذَبِ مَوْرِدِ

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

 

قوس قزح يتمدد

صوب اغصان

اشجار الحكمة

معانقا رؤى الطير

ورؤى الغزلان

والفراشات

في السهل الخصيب

مخضبا قمم الاشجار

والعشب الاخخضر

بندى الحب والعطاء

كنا فقط نعبر

عن حبنا للغزلان

وللفراشات

ولاسماك الزينة

وللنوارس في

الشاطيء

الحزين

فقومي قومي

لنمضي حيث

مدارات الينابيع الزرق

ومدارات الشفق الازرق

لنعانق شهقة

النوارس

وانين الاسماك

مانحين لللقلق الحزين

قوس قزح

وللاايل العاشق

لبلابا اخضرا

نرجسا واقحوان .

***

سالم الياس مدالو

 

ثـــلاثية...

وبدأت فينوس منتصبة...

الكراسي تنتظر لقاء العائدين

والطاولات تحتسي ملل المساء

في زاوية من مقهي المحطة

أنتظر

عاشقا على أحر من الموقد

قهوة من غير سكر أحتسي

شاردا بها خلف زجاج الترقب

أقبلت...

تباغتني قامة ظلها

تماما كالصورة وصلتني

قبلتين على خدها وضعت

جفلتْ !! ..

وكأن من خلفها تخشى القبيلة

جلست...

تستعيد عمق أنفاسها

عيونا حائرة رمت حولها

ترسم المكان

ببسمة انبهار على محياها

قهوة فرنسية لها طلبت

وقنينة ماء معدنية

شرعت تتأملني...

تفك إشارات قرأتها عني

بعصبية أنثوية قالت:

ـ أما زلت تخط كلمات لاتُفهم

دارجة مغربية كلغة صينية ؟..

سنة وأنا أقرأ لك

يعجنك وهمي

يطويك عقلي

يبسطك ذهني

العشق ما رماني اليك

أضمك بعيني

اسهر معك ليلي

من أجلك تحَديتُ العشيرة

مزقتُ الطوق و الوتيرة

ابتسمتُ للتعبير ترسمه شفتاها

أنهت قهوتها في رشفتين

صمتت...

اهتزاز الكوب بين أناملها

يفضح قلقها... خوفها ...

تبسمت، ويدي تنقد الكوب من يدها

في باقة متكاملة

بين بسمة وتقطيب حاجبيها

قالت:

ـ أتضحكُ مني أم عليَّ؟

قلتُ أتعمدُ ممازحَتها:

ـ أضحك من شفاه شرقية

تثير بإغراءات شهية

تعلنان العصيان

قلب بحيرة مغربية

ـ ألاننهض؟ !! ..

ـ هل أنتِ على عجل؟

ـ قطعتُ مسافات لألقاك

أحتضنُ حقيقتك بلا رقيب...

ونحن نلجُ باب البيت

بسملتْ ..

شددتُها الي..

همستُ في أذنيها كلمات

زمَّت شفتيها

تاركا لها ابتلاع الاجابة شهقات

قالت:

أنا خائفة

ضممتها

ـ انك في محمية عاطفية

خارج الخوف العربي..

من جمال ببيتنا استغربت

تكثيف الزخرفة

ألوان الافرشة

ونقوش الارائك الخشبية

ـ كأني في احدى القصور الاندلسية

ـ لو اسمعك موشحا فهل ترقصين لي ؟

فاجأها طلبي

فاجأني حياؤها

بخجل أجابت:

كيف ترقص امرأة بين الرجال؟

ربما لديكم تحرر وعندنا فاحشة

وبما يضاهي حياء أنوثتها قلت:

ـ جمالك اليوم لي ..هات يدك

قامت ..

أزحتُ معطفها

ناولتها قفطانا مغربيا

على خصرها شددت

منديلا حريريا

بدأ جسدُها يتهادى

تتلوى وعيونها تقطر من غزل

اسكرني جمالها

معطرا بفتنة شرقية

يكسوها بهاء مغربي

جثوت على ركبتي

أَنختُ خدي متمسحا

جمال السواري المرمرية

*

وبدأت فينوس منتصبة

تواصل انتعال غبطتها

قالت: كفاني

وعلى صدري ارتمت

**

عراقية ... تعشق التوابل الأصيلة

هل تعلمتَ

كيف تقضي أيامك

تُنجز

باقات من زهرات الكلمات؟

عن ظهر قلب

كنت أحفظ كلماتك

ثم أقص ورقها زهرات ..

في اصيص اجمعها ..

ثم على شط الفرات أسقيها دمعات

افر بها من عيون الرقابة

وبطش الطائفية

وقلوب النفاق

على اديم الماء ارميها

كما ترمى الورود

لجثث من سموهم شهداء

بكل احتفاء

كنت أبعثر كلماتك زهورا

هل كان الفرات مؤتمنا على زهراتي ؟

لا أدري...

ربما كما يُؤتمن قارئ

على كتاب

إن حبا نلملم كلماته

هو حب

لم يعد موجودا

وحبا نبدد كلماته

زهرات

ليس سوى عشق

ننشره بين الأنام

كنت مسحورة بك

قبلتي بوصلة ندائك

وتلك الصور ...

طوقتني

تلعق رقبتي

صخب منها الصدر

يصرخ للشهوات

بحرقة الأنثى بكت

وبحرقة الرجال

أسقطت دمعاتي

ما رأيت امرأة مثلها

تحفظُ فجائعي

تحتضن

كل منعطفات عمري

كما تحتضن صراع بني قومها

بكائيات ..

قتل ..وطائفية

وعقل نخرته الخرافة

منسوجة من زمن الخلافة

بلا نهايات ..

حاولت

أن أردع نزعات بكائي

كما لجمت مع العمر

جرعات حزني

اتكأت على نكتة أحكيها

اخفف وقع أحزانها

تربعت غمازة يمنى

على خدها

بللنا شفاهنا

شكَت

جوع بطنها

وأصرت على الخروج

اهرع بها

الى( طاجين) المدينة

عراقية

تعشق التوابل الأصيلة

**

قدري أن أحيا حبك في عبور

كأني امتلكتك بالتقسيط

ربحتك ساعات والآن تذهبين

وطن آخر في انتظار

كيف أتملكك

بتدمير كخسارة؟

طائرتك على وشك الإقلاع

وأنا أتهيأ

كبطل إغريقي مشوه

أعود للوحدة مع أحزاني

أكتب كلماتي

مشهد عبثي أن أشرب نخب زوربا

أعود لأعيش أعزلا من الزمن

سيان اشتغلت ساعتي

أم تعطلت

فلن تصنع غير رفات العمر

لما تملكتك ساعات

ما كنت معنيا بالزمن

فالأبدية وجه آخر للعدم

ها أنذا دخلت منطقة الألوان

ذاهبة !!..

تعيدين تفصيل كلماتي زهرات

وعائد

أهتك الذكرى في أستاري

بقيت خلفك

في فكري ترقصين

"جذلى يلفك السنا"

توقعين ضحكاتك

على منتجعاتنا السياحية

ـ ما أروع بلادك !! ..

يعيش الناس فيها بلا أسماء

ولا ألقاب ولا طائفية

هكذا قلتِ ..وقد انذهلت ِ

من طقوسنا المغربية

أنى حللت

سيدة وطني كنتِ،

ضحكتِ

رقصتِ

استمتعتِ

كما خُلقتِ عربدتِ

على روابينا المخملية

وبين خلجات الحب

وتعثرات الضحكات

صحتِ في هستيرية:

ـ حبيبي

قدري أن أحيا حبك في عبور

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب 

في مُلْتَقَى الإِنْسَانِ بالشَّيْطَانِ،

شُلَّ مُعْجَمُ الإِنْسَانِ،

دِيْسَ نَصُّهُ،

وضَادُهُ تَنَاثَرَتْ...

باتَ النَّبِيْلُ تَنْبـَلا!

*

في مُلْتَقَى الشَّيْطَانِ بِالإِنْسَانِ،

وَقْتِيْ وَاقِفٌ يَبِيْعُنِـيْ،

وساعَتِيْ تَدُوْرُ في عَكْسِ اتِّجاهِيْ،

والغُـرُوْبُ مُؤْذِنٌ أَنْ يَصْهَلا!

*

في مُلْتَقَى الإِنْسَانِ بالشَّيْطَانِ،

يَسْعَى ثَعْلَبٌ بَيْنَ الكُرُوْمِ

ساحِبًا ذَيْلَ اللَّيالِـيْ الأَلْـيَلا!

*

في مُلْتَقَى الشَّيْطَانِ بِالإِنْسَانِ،

لا أَنا أَنا،

لا أَنْتَ أَنْتَ،

لا هُمُ هُمُ،

ولا البِلادُ تَقْرَأُ الكِتَابَ،

دِيْمَةً مِنَ العَبِـيْرِ في الصُّدُوْرِ، مُنْزَلا!

*

في مُلْتَقَى الإِنْسَانِ بالشَّيْطَانِ

نَجْمٌ طالِعٌ،

رُغْمَ المَدَى:

إِلَيْكَ فَجْرًا، في العُيُوْنِ كالعُيُوْنِ،

يَسْتَفِيْـقُ أَجْمَلا!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

في شارع ترقص فيه

شارات المرور

وتنام الأشجار عن ظلها

ليستحم بالضوء

وقفت على مسافة

من الواقع

بقدر نهار

يسكت فيه الضجيج

الا من صوتك

كنت وقتها

انظر بعين الحب

للوردي الذي

يغمرني من غيمة

ربيعية نسيتها

السماء في ظروف

استثنائية

لم أنتبه إلى أن الساق الواحدة

ليست بالضرورة سبباً

لعدم الرقص

وأن قدر الوقوف حتى الموت

فكرة قابلة لأخذ استراحة

من جمود الحتمية

انتبهت فقط

لظلك يلازمني

منذ الميلاد

والريح التي تحمل عطرك

وتختار اذكاء الحريق

عوضاً عن اطفاء

شمعة الوعد

في خاطر المقبل من الأيام

وكنت أحترق !

نعم حبيبي

كالفراشة لا تتفك

تقدم نفسها

قرباناً في كل مرة

لتحلق احلامها

مع نثر الرماد

لتهديها آلهة الحب

حياة أخرى

فلربما حياة واحدة

ليست كافية

لأقص عليك

تفاصيل تبرعمك

في سنوات العمر

اخضراراً بلمعان الفيروز

ولا لأصلي راجية

المغفرة لأجل

ليلات تكحلت

نجومها لقمر

يعري ظلك

على رمال شاطيء

يتوضأ بالعطش بجوار

نهر شرب ماءهُ

أفترشها وحدي

في ساعات السحر

أحتسي خديعة المجاز

ارقب رقصك على قدم واحدة

بجوار شجرة نائمة

يروادها حلم خادش

لظل عار

فتتلذذ بالنوم أكثر

الى أن تكف الشمس

عن مغازلتنا بالضوء !

***

أريج محمد احمد

 

قصي الشيخ عسكرهو اليوم الرابع يمرّ ولم تطل علي تيدي

لقد كتبت عبر الماسنجر إلى مديرة الشغل الخاص بذوي الاحتياجات أسالهم عنها منذ غيابها المفاجئ لكن يبدو ألا جواب..

ازددت قلقا

وتلاعبت بي هواجس وشكوك.تيدي بالنسبة لي ليست كأيّة موظفة تدخل بيتي تؤدي واجبها ثمّ تغادر.

رسالة تبعتها أخرى وإلحاح في الطلب.حاولت مرارا اتصل بها عبر هاتفها النقال فوجدته مغلقا خلال تلك الأيام الأربعة وها هو اليوم الرابع يطل وأكاد أسمع طرقات على الباب ظننتها هي زياراتها لي..الإثنين والأربعاء والخميس.. اليوم جمعة.. خمنت أن أمراً طارئاً وقع لها

حادث سير

تصادم

شككت في أن علاقتي مع تيدي انكشفت لدائرة العمل وأن مبيتها عندي أصبح خروجا عن لائحة الشروط التي تلزم بها

 السيدة مديرة المكتب فتمنع موظفيها أن يقبلوا هدية من أيّبيت يعملون فيه أو يأخذوا طعاما

لكن من أخبر الإدارة بما حدث بيننا؟

هواجس كثيرة راودتني وأنا في طريقي إلى الباب:

من هناك

Police

فاجأني شرطي بملامح غامضة وتبعه آخر نحيف لم يتجاوز العشرين من عمره بسطت يدي ولم أنطق بحرف..

صدمة أو مفاجأة.

شئ ما لا أفهمه وقد حصلت على الإقامة وامتيازات أخرى موظفات يأتين لخدمتي وأخيرا استقر رأيي على تيدي الطالبة ذات الخمسة وعشرين عاما التي تدرس في الجامعة وتتعلم السياقة ودرست العلاج الطبيعي

كانت شعلة من النشاط

جاءت قبلها موظفات ارتحت لبعضهن ولم أنسجم مع أخريات غابت عني أسماؤهن آخرهن كانت من أفريقيا جلست في أول زيارة لها على الأريكة المقابلة لي سألتها إن كانت قد اشتغلت من قبل مع غيري فامتعضت ولم تجب..تجاهلتني ثم طلبت منها رقم هاتفها وبعضا عن حياتها وهل تسكن قريبا من (ميدوز) حيث أعيش انفجرت غاضبة واستنكرت قالت ما من حقك تسألني مثل هذه الأسئلة فتنمرت وقلت بل من حقي أنت تعرفين عني كل شئ :

إصابتي

 عوقي..

رقم هاتف البيت

 إذا كنت مستاءة فيمكنك الانصراف لن أجبر أحدا على أن يبقى معي.اقتنعت تماما أننا نحن الأجانب نتغير سريعا نكذب ونتذلل نبدو أليفين نتبع أية وسيلة حتى نصل أوروبا وعندما يتحقق حلمنا نبدأ نتنمر على بعضنا

كتبت للمسؤلة عن التشغيل فبعثوا لي تيدي التي اختفت منذ أربعة أيام،ظننتها في إجازة وكان عليها بعد العلاقة الأخيرة أن تخبرني بإجازتها.أدرك تماما أن هؤلاء الذين يعملون معنا نحن ذوي الاحتياجات الخاصة يتصرفون بحدود مسؤوليتهم يحضرون يساعدون في التسوق مرافقة المعاق في جولة..تنظيف البيت أو الطبخ لا أكثر يبتسمون يلاطفون في الظاهر باحاسيس أم من غير إحساس

Robot

لايهمّ

وكان لتيدي وضع آخر يفلت من دائرة الروتين

بدت لي من خلال اسلوبها..حركة يديها..ابتسامتها شخصيتها المميزة التي تختلف عن كل من حضرن لخدمتي بدت المستقبل الطبيعي الذي حلمت به فحققته لي

أم كانت تنتقم

لا أدري

دخل الشرطي الأول ذو الملامح الغامضة ووقف وسط الصالة ثم اندفع الآخر الشاب وقد خيّل إلي- بعد أن انتبهت إلى نفسي- أنه من إفريقيا أو أمريكا اللاتينية اندفع من غير أن يستاذن في التجول داخل المنزل دخل المطبخ وغرفة النوم وتمعن بالسقف

بسطت يدي فشكرني الشرطي الأكبر سنا وقال

هل أقدر أن آخذ بعض وقتك

بلا شك سيدي

منذ متى تعرف الآنسة تيدي

مركز مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة بعثها لي قبل ستة أشهر.

نعم

لكن لماذا هذا السؤال

تغيرت ملامح الشرطي وفال ببرود قاتل:

فقط أجب على أسئلتي

لكني أحب أن أعرف فهي أفضل لنك ويركر قابلتها

متى كان آخر لقاء لك بها

لم أدخل في تفاصيل أخرى.تجاهلت انفصالها عن خطيبها وأخفيت أنها أخبرتني عن عودة أبيها المفاجئة:

قبل أربعة أيام

هل لاحظت شيئا تغير عليها في الآونة الأخيرة؟

من أية ناحية؟

السلوك التصرف..did she look calm?

في هذه الأثناء التفت إلى الشرطي الذي دخل غرفة النوم مرة أخرى ثم خرج حاملا اللحاف وقاطع

هناك شعرة طويلة

سنأخذه معنا

لحد الآن لم أفهم ماذا يجري

لم يلتفت الشرطي إلى سؤالي :

هل حدث بينكما علاقة

فغرقت في الضحك مستغلا حالتي الأولى قبل تدخل تيدي

يا سيدي أنا عاجز التقارير الطبية تثبت ذلك

لم يكن أمامي إلا الكذب كنت عاجزا حقا ثم جاءت تيدي...أول يوم بعدما طردت الأفريقية الصلفة سحرتني شخصيتها..لم تمانع أن تكتب لي رقم تلفونها انلقال..لم نتحدث كثيرا كانت تعرف ماتعمله.نظفت البيت.سألتها

هل اطلعت على ملفي

لا أبدا بل أخبروني فقط أنك تعرضت لحادث في ظهرك وتعاني من ألم في رجلك

occupational therapy بمرور الأيام عرفت أن لها صديقا وأنها تحضر للجامعة وتدرس..

خرجت معها للتسوق وشاهدنا مباراة هوكي الجليد.. كانت تأتي من داربي للدراسة والعمل..

سهلة

جميلة

حديثها ناعم

وأنا ميت الإحساس

متبلد المشاعر

هل أقول لها إني سقطت ذات يوم في البصرة من الدراجة النارية على رجلي اليمنى وشعرت بآلام قاسية في ظهري لكن تبقى هناك أمور خاصة لا تقال قط،كنت أراها ذات ملامح مختلفة تماما إنكليزية بِسِمَةٍ أخرى.نكهة تختلف، بياض مشوب بسمرة وعينان خضراوان.،لو كان معي ابن عمتي المرحوم لعرفها بفطرته وخبرته من خلال التهريب بوقت أقصر من الوقت الذي قضيته معها في الحديث والثرثرة حتى خرجت عن التزامها الصارم بلوحة العمل فتناولت الطعام معي وقبلت مني بعض الهدايا ربما أصبت بإحباط شديد حين عرفت أن لها صديقا في داربي تبيت عنده تشاركه بارتنر ولا تعيش مع أخواتها الثلاث وأمها بل تزورهن أيام العطل

لا أدري لم انزعجت

أنا عاجز وهي موظفة تخدمني

موظفة شأنها شأن الأخريات الائي جئن وذهبن لسبب ما

أو

من دون سبب

شعرت بضيق،قبل أن أستعيد حيويتي فأكون رجلا ،من صديقها الذي كما بدا لي تمارس معه كل ليلة وأنا العاجز الذي لا يفعل شيئا

وحدي في الليل أظن بعض الأشرطة تجعلني أستعيد حيوتي

لقطات مثيرة وقبل أن أغلق التلفاز يسألني الشرطي

هل فقدت شيئا من لوازم منزلك؟

سؤال مثير فأقول جازما

كلا

وأروح بعد أن خرج الشرطيان أستطلع البيت،ألقي نظرة على غرفة النوم،وأخرى سريعة على المطبخ.

من حسن حظي شأني شأن كل المعاقين أني اسكن باتيو فيمكنني أن أستطلع من نافذة غرفة الضيافة العريضة المشهد العام للحارة وموقف السيارات أزحت الستارة قليلا فرأيت سيارة الشرطة.هناك سائق في انتظار الشرطيين اللذين حمل أحدهما كيسا يضم اللحاف ذاالشعرة من غرفتي وقد وعداني بأن يعيداه لي في أقرب وقت.

 كانت السيارة

تختفي فازداد قلقي على تيدي لاشك هناك أمرا ما لا أرغب في تخيله فانصرفت إلى بريدي الألكتروني أستفسر فيه من المسؤولة عن العمل عنها!

لا أنكر أن الجواب صعقني

قد تكون في المشفى تعاني من إصابة ما،وربما داهمها عبثيون رعاع حالما خرجت من بيتي لم أقل للشرطي أنها تبيت عندي وأنها نجحت قبل اختفائها معي قبل أن يبدأ معي طبيب المركز الصحي.وانصرف ذهني عن قضية اللحاف والشعرة التي وجدها الشرطي عالقة به...أمور غامضة واضحة تثير قلقي على تيدي لا خوفي على نفسي.

كانت في البداية متحفظة معي ثم خدمني الحظّ فانفتحت بصراحة غير معهودة معي ذلك السلوك دفعني إلى أن أفضي لها بخصوصياتي السابقة.

قبل ثلاثة أشهر،بعد أعياد راس السنة غابت عن الحضور وقضاء الساعات المخصصة لها في العمل عندي. في آخر ساعة اعتذرت.استلمت منها رسالة فبقيتُ طول النهار في البيت ،وفي اليوم التالي حضرت.

بدت بشكل آخر

عينان لا بريق فيهما

والشرطي يسألني من جديد

هل أخذت من البيت شيئا؟

هنا حالما سمعت ذلك بدأت هواجسي تدور حول حادث سرقة:

محال هي أنبل من أن تمتد يدها لسلعة ما من بيوت مستخدميها

في البداية وهذا ما أخفيته عن الشرطة مثلما أخفيت خبر سكنها معي ارتحت لها وسألتها بتحفظ.لم تكن شرسة جافة مثل الإفريقية التي رفضتها:

هل تسكنين في نوتنغهام؟

لا في داربي أنتقل إلى هنا بالحافلة.

هل أنت متفرغة

أعمل ساعات لأسدد نفقات الجامعة ودروس قيادة السيارة.

أعتقد أنك تعرفين عني كل المعلومات من خلال مكتب العمل الخاص.

معلومات عامة

إنك تعاني من إصابات في ظهرك ناتجة عن سقوطك من الدراجة

ماذا بعد"

هل هناك من شئ؟.

بالضبط كما أخبروك.

وصمتت لم تزد،ياترى هل ثبتوا في الملف قضية عجزي. التي لا علاقة لها بالحادث ؟هل تعرف أني عاجز عن معاشرة النساء.قبل سقوطي؟الأطباء في البصرة أكدوا أنه عرضي عجز تأتى عن ضيق الشرايين.يوم بلغت أو اكتشفت أني في سن البلوغ شعرت بشئ ما ،لذة غير كاملة ،ولم أخبر أحدا.

خجلت

تراكم الخجل بمرور الأيام

لا أريد أن يصفني أحد بأني مخنث.

سيخترعون قصصا أخرى:أحمل أعضاء ذكر وأنثى معا.مخنث يأتيني الرجال.ممكن أن أقابل بنظرة احتقار.وكنت حريصا على أن أخفي الخبر عن ابن عمتي القبطان أقرب الناس إلي الذي اشتغلت معه زمن الحصار.

هل تعيشين وحدك في داربي.

مع أمي وأختيّ وصديقي في نوتنغهام.

صديق..مرّ الخبر عابرا.لم يثرني في البداية.هي مثل الأخريات قد تاتي اياما وشهورا تخدمني ثم بعد أن تلتحق بالجامعة تتركني فيبحث مكتب العمل عن موظفة أخرى لنك ويركر

وماذا تدرسين في الجامعة؟

Occupational therapy

حسنا آمل أن ترتاحي للعمل معي

ونهضت وأنا أقول :

أتحبين أن تشربي شيئا؟

Thank you I am ok

أضافت:

أنا قدمت لا عمل لك الطعام وأنظف المنزل وقد أخرج معك إلى أماكن تختارها

هذا أول يوم لك معي لا تشغلي نفسك

كنا نجلس نتحاور في المنزل نلعب الشطرنج ونراقب التلفاز وجدتها تطرد الوحدة والملل عني أكثر مما أنا بحاجة إليها في عمل الطعام وتنظيف البيت.

أصبحنا صديقين يثق أحدنا بالآخر

رافقتني في أحدى المرات إلى مركز العلاج الطبيعي راقبتني مع المدربة وأنا أستند إلى الحائط وأثني رجلي إلى الخلف كي أمرن عضلات الظهر،وأرقد على ظهري فتعبث بظهري وعصعصي المدربة حيث مكان السقطة والإنزلاق فأشعر براحة تامة.

تؤكد تيدي أن المساج في مثل هذه الحالة ضروري لكني لم أعترف للمحقق اعترافا كاملا،وإن كان الموضوع بعيدا عن مرض العنة الذي أصبت به مبكرا.

قلت بعد سقوط النظام داهمتني إحدى العصابات طاردتني ثلاثة عجلات فاختل توازني حين رأوني أسقط تركوني.

أنا متأكد أني كنت أكذب وإني سقطت بعد بضعة أيام من وفاة ابن عمتي الذي علمني قيادة الدراجة

فهل أكذب عليها ؟

هناك علاقة تخص حياتي بين عجزي الجنسي العنة والمدرسة وأضيف إلى ذلك اللغة الإنكليزية ومدرسها المرح صالح الجابر يوم كتب على اللوحة كلمات وطلب من كل تلميذ أن يضع كلمة في جملة مفيدة:

Car..book..bottle…horse

 صالح نجيب غانم...وحين جاء دوري كانت كلمة:

Fan

I bought a fan

Good very good

في الوقت نفسه تحدث خالد جمعة أو خالد فرايدي كما يلقبه مدرس الإنكلزية الأستاذ حميد عن اكتشافه الجديد.كنا في الصف الأول المتوسط من جيل واحد من عمر واحد.بدأ في الليل تحت اللحاف يستخدم يده هي المرة الأولى فوصل إلى انتشاء غامر وتدفق سائل لزج،فشعرت أن من حقي أن أصبح مثله.

أصير رجلا كاملا وإن لم ينبت مثله شاربي ،فأزهو بهما وأدخن مثلما يفعل الكبار.

حاولت

لاشئ

 تعبت يدي

ورأيت أني لم أبلغ بعد

هكذا ظننت

بين فترة وأخرى فأخفق.

لا لذة ولا إحساس.

حتى لو اتفقت مع بنت هوى لا أظنني أقدر.

أصبحت أنزوي عن التلاميذ

وأكره الحديث عن الفتيات

قيد كبير يمنعني من أن أسال أحدا عن حالتي الغريبة.

أمي

إخواني الثلاثة

أبي..أختي

سيقرفون مني

أما الآخرون فسيرون فيّ مخنثا

لم أكتب كلّ شئ في التحقيق.قضية عجزي أخفيتها لئلا يطلع عليها المترجم فيشيع الخبر وأصبح حديث العراقيين في بريطانيا.أنا متأكّد من أنهم سوف ينسون مجريات السياسة ومشاكل الاقتصاد وأزمات الساعة ولا حديث لهم سوى عجزي.

سيدي بكل صراحة طاردتني عصابة من العصابات الجديدة.ميليشيا مسلحة.سمها ماشئت.

هل أنت محسوب على النظام السابق.

كل من لم ينضم اليهم ويتفاعل معهم ويدفع لهم رشوة يحسب على النظام السابق أو يعدونه من الأرهابيين.

لا أريد أن أستبق الأحداث.ومن سوء حظّي أو من حسن الحظ أنّ قصة عجزي سبقت سقطتي من على الدراجة النارية.كان زملائي في المدرسة يتفاخرون باكتشاف فحولتهم ويتباهون.أحدهم وأظنه نجيب الذي وضع كلمة زجاجة في جملة مفيدة يدعي أنه يقدر أن يملأ زجاجة فارغة بحجم زجاجة البيبسي كولا من سائله المنوي.وحده غانم حامد تحدى الجميع قال لا تتعبوا لن تصلوا قط إلى همّة الحمار الذي أعطاه الله سلاحا لم يعطه لنبي أو ولي من أوليائه الصالحين،أمّا تيدي الرائعة بعد أن حدثت الثقة بيننا فتأخذ التقرير المتعلق بحالتي ونتيجة الفحص من الطبيب الجراح إلى الجامعة فتجري عليه تطبيقاتها.

لقد وجدت متنفسا في عرض ابن عمتي عدنان وبفضلة جمعت مبلغا كبيرا يمكن أن يجعلني وقتها من الأثرياء.

.كان لايرغب في أن يكمل دراسته وفضل أن يلتحق بعد شهادة المتوسطة بالبحرية يتدرب على قيادة السفن الصغيرة التي تنقل السمن ونسميها (دوبا).استغله كبار المسؤولين زمن الحصار فكانت (دوبته)ترسو في مرفأ (أبو فلوس) فتعبأ بالديزل وهي ترفع العلم الإيراني.وفي حالات لا أعرفها علم الإمارات.

فترسو في عبادان.كل شئ واضح.راتب ابن عمتي 1000 دولار.كان يسخر من الذين حوله.يقول لي راتب أستاذ الجامعة عشر دولارات وأنا ألف فهل تشتغل معي؟

هل أرافقك على متن الدوبة إلى عبادان؟

لا بل توزع لي

سأعطيك غصنا أنا أوزع في العشار وأنت في التنومة

وجدتها فرصة مواتية لاتخلص من المدرسة وأبيع المرح في زمن الحصار القاسي.هذا أفضل :

لادواء

لاسكر

لارز

لابندورة

لا كهرباء...

من حقنا أن نبيع السعادة حين لنجد معظم الأشياء مفقودة

كان ابن عمتي يحذرني من التدخين قال لي أنت تبيع ويجب أن تكون صاحيا.

لا تخف

في غضون شهور بل أيام تصبح غنيا

وجدتها فرصة في أن أذهب إلى الطبيب وأشتري الدواء من دون أن يدري أحد،أبي لم يبال قط بتركي المدرسة على الرغم من أني كنت أنجح كل عام.والدتي تذمرت شأنها كلما قمت بعمل لايرضيها وقابلتني بإهانة لم أرد عليها.إنسان مستهتر.

عاق.

بدوت غير مبال

أهلي اقتنعوا

الوظيفة لا تنفع

الدراسة عبث

حالما أصبح المال في يدي سارعت إلى طبيب جراح.كانت الابتسامة ماتزال غائبة عن وجهي.هناك أمل وقنوط،التحاليل والفحصوات أكدت عنتي

عجزي

هل أضع نفسي في خانة اليأس

دواء وحصار

وعجز

لا دواء هنا ولا علاج

الناس يفكرون بأكلهم والشراب ولو عرف الآخرون لسخروا مني وقالوا بخبث انا بطران افكر بعضوي التناسلي والناس يموتون جوعا

أما الامل الذي زرعه في نفسي الطبيب الجراح فإن ضيق الشرايين وضعف الخصيتين سبب العنة عندي.يمكن أن أتعافى،وربما تنفع في حالتي حبوب الفياغرا.

هل حقا أنا بشع لأن الآخرين يفكرون بالغذاء والدواء لأطفالهم وأنا أفكر بعورتي؟

كان ابن عمتي يبحر بالدوبة مرتين في الاسبوع يسلم الديزل يأتي بربح الحزبيين ويعبر بطريقته الذكية من مرفأ ابو فلوس ولا أحد يعترضه

رجل من رجال الدولة

يدخل عملة صعبة

فاروح إلى التنومة أصرف البضاعة ويظل هو في العشار والزبير يمرر بضاعته

يؤكد الطبيب أن الدواء هنا غير متوفر وأن فترة علاجي تطول،ومادمنا في الحصار فلن يتحقق الشفاء لمرض أخفيه مرغما عن الآخرين خشية من أن تنتهك رجولتي،بيع الحشيش من القبطان ابن عمتي مهرب الديزل إلى عبادان يسهل مهمتي وحماية المسؤولين له تضعني بعيدا عن الأنظار.

كان المال يتجمع ولي وجهة نظر أخرى

سأفر ذات يوم مثلما يفعل الآخرون

دول كثيرة في ذهني

السويد

النروج

كندا

بريطانيا

في آخر لقاء لقاء لي معه،قال لي ابن عمتي لم يعد الوقت مثلما عهدناه. الجماعة القدامى تغيروا بعد السقوط فقدوا سطوتهم وامتيازاتهم،انقلبوا مع الأحزاب الجديدة والميليشيات توقف تهريب الديزل إلى عبادان وانقلب الزمن من توريد الحشيش إلى الحبوب عالم آخر نجهل دهاليزه وفنونه.،هناك غيرنا من يتولى الأمر.كان قد أعطاني آخر غصن ثم فارقني لأجد أنني اصبحت أملك عشرين ألف دولار،الناس في فوضى عارمة،من يعرف منا رأسه من رجليه ويميّز بين الخطأ والصح؟يمكن أن أسافر إلى إيران أو تركيا أعالج نفسي،غاب عن ذهني ما الذي يمكن أن أعمل بعد ما تغيّرت الأوضاع تغيرا مفاجئا ولابد من أغتنم بعض الفرص الجديدة التي لاحت في الأفق.

لا شرطة

لاجيش

لا رقابة

كنت في المنزل وقد فرغت قبل بضع ساعات من بيع معظم الغصن الذي عندي وبقيت منه كسرة صغيرة ،في هذه اللحظة بالذات ورد نعي ابن عمتي.

مات في حادث سير!

يقال طارده مسلحون فاندفع إلى الشارع فصدمته شاحنة

كان الخبر صدمة لي

شئ لا أعقله أو أتصوّره

غير أني احتفظت مع حزني عليه بثمن الغصن الذي بعته.كان يمكن أن أعطيه لأمّه أو زوج عمتي فأدعي أنه دين له بذمتي.

بكيت

ابتسمت

صفنت

وخطر في ذهنبي أن أدخن للمرة الأولى.كسرة الحشيش الأخيرة ستكون من نصيبي،الأوضاع تغيرت ولا أعرف الآخرين الذين تعامل معهم ابن عمتي من حزبيين ورجل أمن.

لن أغامر قط

بيتنا في ضحيج وصخب

وأنا أخرج وأنزوي بعيدا أدخن اللفافة

في المدرسة مع التلاميذ جربت التدخين وحده

سعلت وشعرت بدوار

خفنا من المدرسين والعقوبة.بعضنا واصل فأصبح مدخنا مدمنا ولم أعاود الكرة

ثم وسط الغيبوبة الشفافة

ويداي

والخدر

والحزن العميق

وبعض النشوة والفرح رحت أقود دراجتي إلى بيت عمتي،كيف وصلت لا أدري..سرادق العزاء ينتصب أمامي مثل بعير قديم.سرادق الرجال،الكراسي،أقاربي الواقفون ،المروحة التي تدور،أصوات البكاء،ويطالعني من غير أن أحتسب تسجيل لتلاوة آيات من القرآن مراسم أعرفها عايشتها لمعارف أو اصدقاء.الآن تبدو لي بشكل آخر.

في تلك اللحظة وسط الضجة وتقبل التعازي،تهادى إلي صوت التلاوة.عن اليمبن والشمال جنتان...بأيّ آلاء ربكما تكذبان...كل من عليها فان

Put fan in good sentence

في جملة مفيدة..ما الذي جاء بها هنا؟

I bought fan

افتخرت في البيت أني الفت جملة باللغة الإنكليزية

 استفزني الصوت الذي أعرفه وأخشع له.. إنها مروحة ما الذي جاء بها هنا والدليل هذه المروحة التي على المنضدة تدور بين المدرسة وسرادق العزاء..عدة مراوح عبد الباسط الحصري... هذا المقرئ المزدوج..لا بدّ من أن أضحك وأبكي أبكي واضحك..أصرخ مروحة استغرق في بكاء طويل وضحك هستيري ثم تعلو اصوات حقه والله من حقه إنه يكاد يصاب بالجنون كان المرحوم أقرب الناس إليه...ابن عمته حبيبه..الحقوه لئلا يفعل بنفسه ضررا ما

لكنني

اندفع إلى دراجتي النارية

فأنطلق في رمشة عين باتجاه الشارع العام

غشاوة تعلو وجهي

لا أدري لم فعلت التلاوة بي كل ذلك

أهي المروحة أم صوت المقرئ

عند المنعطف استدرت فاختل توازني فارتجفت وسقطت على رجلي اليسرى واصبت إصابة قوية في ظهري!

***

رواية مهجرية قصيرة

د. قصي الشيخ عسكر

السماء

فراغٌ، فراغٌ، فراغْ

وعلى الأرض

يزهقُ دمُ

لأجلك يا عدمُ

*

نرى ما نريد؟

نرى ما رأى الأولون

لا أكثرَ منهُمُ أو أقلْ

هم أصلُ الأصلِ

ونحن ظلُّ الظلْ

*

بكل حرّية

اخترنا أن نكون عبيد السماء

واشرأبت أعناقنا للفراغ

بانتظار موتٍ

نحيا فيه خالدين

*

حيٌّ أكثرَ منّا

يتنفس هواءنا

معتقلون نحنُ

حياتنا الجدرانُ

نحن السجنُ والسجناءُ والسجّانُ

تاريخنا حاضرٌ نابضٌ حياةُ

ونحن خلفهُ جثثٌ محنطةٌ وأمواتُ

*

أنتم

أبناء الله والأنبياء والفقهاء

أبناء الخرافة والتراتيل تحرسها الكهوفُ

ونحن هنا ضيوفُ

فإن أخطأت الحياةُ وعانقتنا

تُقَوِّمُها الحجارةُ والسيوف

***

أحمد عمر زعبار

شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن

ضرغام عباسما وراء المطر خلف سياج الوضوح - في قلب المعجزة يتبخرُ الليلُ بحرقِ سنبلةْ و ولادةُ مائة فزاعة.

أنت تصحو، كل النوافذ معتمة- سقفٌ باكٍ والصحون الفضية تملؤها الدموع.

أنت تصحو- عيون مهرولة تحاول النفاذ عبر الظلام أن لا تدهس يدًا، رأسًا، قضيبًا أن تكون أكثر وضوحًا من كثافة الظلام.

 آه، إنه الليل المليء بالمطر في قلب الغرفة؛ غرفة صغيرة وضيقة تُغلفُ خمسة نهارات وديكًا عاطلًا.

 أُمي مثل وردةٍ تحت المطر تُقلبُ آخر ما تبقى من قربان الأمس: (المثرودة)*.

لم تنتبه لأُختيَّ الطازجة وهي تُقشر جسدها العذريّ خلسة عن الذباب للربِ أعينٌ كالذباب. بينما أبي يوقد فتيل الفجر بالدُعاء أحترقت أُختي ! اضاءة كـفوهةِ تنور، آهٍ يا نور، هل وَجَبَ أن تكوني نديمة مريم في الإنجاب لو ان الرب تأخر قليلًا، بقول (نعم). أيّ حماقة هو القربان. أوّاه - أُختاه ماذا حل بكِ الآن تحت هذا المطر الساديّ مطر النار، والشهوةِ، والدّم، فلتصمدِ: ما الأمر إلا فجرٌ يُولد وصليبٌ ينتظر ...

***

ضرغام عباس

......................

* المثرودة: اكلة عراقية شعبية، عبارة عن خبز و ماء.

فؤاد الجشيكان الرّجل في غاية السّعادة عندما تحدّث عن زوجته، إنّها المرة الأولى التي أراه مع صديقي أحمد، قلبٌ سعيد وأفقٌ بعيد. ورغم السنين السبعين، ما زالت علامات الشباب تملأ وجهه بين الحديث الجميل، سمع الجميع في أنحاء المطعم أغنية عيد الميلاد في الطاولة الأخرى، صفّق الجميع بعد الانتهاء، اشتعل قلبه حديثًا مع المناسبة التي حدثت قبل قليل.

كنّا يومًا نحتفل بذكرى ميلاد زوجتي حنان، بعد زواج دام أربعين سنة، اقترحت سلمى البنت البكر إحياء ميلاد أمّها في الصالة الكبرى، فانتشرت روائح الورد والبخور في أنحاء البيت، وحضر الأولاد الخمسة مع أطفالهم. أحضرت عفاف مستلزمات الحفل من بالونات وأشرطة ذهبية وملصقات، بينما رجاء أحضرت قوالب الكيك والشموع. أما باسمة فقامت بتنسيق البوفيه من مأكولات ومشروبات، وضع الابن خالد جميع الهدايا على الطاولة التي تم إحضارها بهذه المناسبة.

عاد الأب من الخارج بثوب جديد وحلاقة ناعمة وعطر فواح. ظهرت الأم حنان فجأة من الغرفة الرئيسية بكامل صفاتها وزينتها، ضحكت القلوب آسرة عندما رأوا والدتهم بأناقتها العالية، ملاحم هادئة وعينان صافيتان متزيّنة بالحلي الذهبية الجميلة، ارتبك أحمد كأنه للمرة الأولى يرى زوجته بهذه الصورة، ذلك الجمال الذي ارتبط بالحب والمشاعر الحقيقة، تذكر رؤيتها عندما رآها أول مرة، قبّل جبينها ثم احتضنها مع أبنائه، ارتبكت الأم حنان وهي تبتسم، من نظرات الجميع وهم في دفء حضنها وسعادتها.

جلست الأم على الأريكة الخاصة بها، تنظر أن ينتهي الجميع من الانتهاء من ترتيب بعض الأشياء، جلس الأب أحمد يلعب مع أحفاده، بينما خالد يحرص على توثيق المناسبة بواسطة كاميرا الفيديو، وصل بعدسته إليها وهي تبتسم متوسّدة ذراعيها الدافقتين بالحنان تنظر إلى كلّ الأشياء، جلس الأب أحمد بجانبها لالتقاط الصورة الأخيرة، أمسك بذراعيها، قبّل كفّها، بعدما تأكّد أنّها فارقت الحياة، قائلاً: سنلتقي مرّة أخرى.

***

فؤاد الجشي

مِن نجمةِ صبحٍ ورْديّةْ،

توقِظُني ..

في قارورةِ عطرِكَ

تنْثرني ..

و َتُغازلُني شمساً

يا جلجامِشْ ..

ورْدي الأحمرُ يُزْهِرُ فيكْ

وأنوثةُ تاريخي الكَونيِّ

تَلألَأُ

في عُشْبَتُكَ الأبَديّةْ..

هيّا اعزفْني

سيمفونيّةَ عِشْقٍ

واسكُنْ مرآتي السِّحريّةْ ..

فشَفافيّةُ روحِكَ،

ضَوءٌ لِخُطايْ...

لكنَّ النّارَ خُطايَ

تُراوِدُني جَمْراً

تَهْمي كلُّ فراشاتي بيدَيكْ ..

ونَصيرُ فضاءً مفتوحاً..

فشِراعُ سَماءٍ يحملُنا

وَصهيلُ الريح يسابِقُنا

**

يا تَمّوزَ الحُلُمِ الأنْضَرْ

يا قَمَرَ العشْقِ الأخْضَرْ،

كَيفَ تجيءُ إلينا؟

و القلبُ بنارِ الحَرْبِ تَضوّرْ!..

موعِدُنا الآتي

بين شَقائقِ نُعْمانٍ

تتفتَّحُ فينا

كَي نولَدَ ثانيةً مِنْ قَمَرَينْ،

ونُبارِكَ بعضَ جنونٍ فينا

أوْ أكْثَرَ... أكْثَرْ! ..

***

شِعر: إباء اسماعيل

الليلةُ يا طولَ الليلةْ

أحلامي حولي مخذولةْ

*

أحزاني لا تُحصى عددًا

مَن نام الليلةَ يا ويلهْ

*

يتقلبُ مِن ألمٍ بعضي

لا يُدركُ عصفوري نيلَهْ

*

الظلمةُ تطوي مبسمَنا

فضيائي يرثي قنديلهْ

*

وحبيبي يبدو منْشغِلاً

في بيتٍ أحكمَ تفصيلَهْ

*

في بيتٍ كان مع السلوى

نهراً والغبطةُ جندولهْ

*

لكنَّ حبيبي لا ينْسى

قلبي الموجوعُ بلا حيْلهْ

*

أمُّك يا ولدي ما برحتْ

بنحيبِ المأتمِ مشغولةْ

*

تغْفو تصْحو تصْحو تغْفو

لا تعرفُ للصبرِ وسيلةْ

*

تترنمُ في ولدٍ غضٍّ

ما عافتْ يوماً تقبيلَهْ

*

لكنَّ الموتَ بلا عدلٍ

يترصدُ من نهوى غيلةْ

*

قد حرْنا في الموتِ كلغزٍ

لا نعرفُ يوماً تأويلَهْ

*

يتخيَّر أغلى ما نهوى

ويقضُّ مضاجعنا غِيلةْ

***

د. جاسم الخالدي

 

أين أنتِ

أبْحَثُ عنكِ

في مَدينتِنا

في البيتِ ، في الشارع ِ

في حَدائِق ِ المَدينةِ .

أنّى مَشيْتُ أسألُ عنكِ

أسألُ أوراقَ الخريف

أسألُ ليالي الشتاءْ.

صارتِ الدروبُ كلها

دُروبَ قهرٍ..

وقد أغلِقتْ أمامي

كلّ ُ الأبوابِ

ولمْ أرَ عَينيك

ولا هُما ابتسَمَتا

وصارَ نهاري مُظلِماًً

بعدَ أن غادَرَني وجْهُكِ.

أحَدّ قُ في وجوه الصّبايا

ولكنّ ابتسامَتكِ لم تشرقْ أمامي.

**

الوَقتُ يَمضي ظالِماً

بتعاقبِ الليلِ ِ والنهار..

ها هو الخَريفُ

قد انقضى

وحلّ بَعدَه ُ فصْلُ الشتاءْ.

الأشياءُ هنا

قد اختلفَ شكلُها

وأصبَحَتْ باردة

لم تبقَ لها تلكَ الألوانُ الجَميلة ُ

التي  طالما ذكرَتني

بذاك المُحَيّا

وذلك الشعر الكسْتنائِيّ الحَريرْ .

**

أتوق ُ إليكِ

كما تتوقُ الصّحراء ُ

إلى زخّاتِ المَطرْ

أتوق ُ إليكِ

مثلما الطفلُ ينتظِرُ وَجْهَ أمّهِ.

ها أنا أبحَثُ عَنكِ

مُنذ ُ ساعاتِ الصّباح

وقبلَ حُلولِ ِ المَساءْ

فتشت ُطويلا .. ولم يبق لي أملٌ

في أيّ طريق ٍ مَشيْتْ

ولم أجدْ إلى الطمأنينةِ

بَعْدُ أيَّ سَبيلْ

وغادَرَتِ السّكينة ُ روحي.

**

أين أنتِ يا غاليتي؟

كلَّ مَساء أشعلُ قناديلي وشموعي

وأنسجُ حلميَ الواعِدَ بعودتِكِ

فهل سيخصبُ خيالي

وتقطفُ عيناي لحظاتِ عودةِ  الحَبيب

وتخضرُّ دارُنا ، وتمتلئ

بعبق الضوء والحنان ؟

ها أنا  قد أصبحتُ اليَومَ

مكسورَ الجناح...

بلا وطن ٍ، بلا أحِبَّة.

حين كنتِ بيننا

كان بيتنا خيمة من حرير

ها هو بعد فراقِكِ

أصبَحَ أرضاً  إقفارا

تذروها الرِّياح.

**

تسألُ عنكِ دفاترُكِ والأقلام

والشجَنُ والحُزنُ يَسكنان ِغرفتكْ

والمرآةُ حزينة هناكْ

لم تعُدْ ترى

من يَتزيّنَ أمامَها في الصّباحْ.

العَصافيرُ ، التي كانت في حَديقةِ البَيتِ

ترعى صغارَها في كل مَوسمْ

هاجَرتْ.. ولم تعُدْ

ربّما قد أخافها

خريفُ وجهي

وحزني المُعشقُ بالدّموع .

أتذكّرُ أيامَ طفولتِكِ

حين كنتِ كالعُصفور الصَّغير

تملئينَ البَيتَ

بَهجَةً ً ومَرَحا.

**

ويبقى  في خَلدِي

السُؤالُ .. يُؤرّقني

يَجْرَحُ فؤاديْ

- أينَ أنتِ ؟

- بل كيْفَ إليكِ الوُصُولْ؟

أراكِ...

قد اِخترتِ دَروبَ الغرْبَِة ِ

الإنتظارُ صارَ لي قدَراً

وَصارغِيابُكِ دائِمَ الوجودْ.

- أين أنتِ الآنَ ؟ أينْ ؟

عودي إليَّ بنيَّتي

قبل أن يُحَضّرَ الدَّهرُ حقائبي

ويسألني الرّحيلَ.

***

بقلم: الدكتور اسماعيل مكارم

كراسنودار – روسيا.

شتاء 2020    

 

ذاتُ صباحٍ نورانيٍّ

يشبهُ يومَنا الأرضيَّ هذا

وإحتفاءً بسنواتي المريرة

والجميلةِ واللذيذةِ

والقاسية والعجيبةِ والموجعة

وفي الثناءِ على حياتي

التي تشبهُ سفينةَ نوح

التي كان فيها من كل شيءٍ:

حزنانِ وقهران

قبرانِ وموتان

طيرانِ وجناحان

وبذرتانِ مضيئتان

كانتا هما: أنا وأنتِ

والماءُ اوّلُنا الوحيد

وها انا وفي يوم ميلادي السعيدِ

والبسيطِ والمُهملِ والمنسي

قررتُ ان ازرعَكِ بذرةَ حُبٍّ

في واحةِ جسدي الخصبة

وأنتظرَكِ …

على جمرةِ الوقتِ

وغبطةِ الأملِ

وموسيقى الرغباتْ

انتظرُكِ …

بلهفةِ عاشقٍ كلاسيكيٍّ

كي تكوني وردةَ العمرِ

والقلبِ والبلاد الجريحة

وسأرعاكِ وأُدللُكِ

وأسقيكِ ماءَ العينِ

حتى تُزهري عاطرةً وماطرةً

وريّانةّ ونشوانةً ومُشتهاةْ

وبحضوركِ الربّاني الباذخ

تنشرينَ العبيرَ والعبقَ

والعطورَ الفردوسية

في هذا الكونِ الذابل

وفي هذهِ الكُرةِ المُمزقةِ

التي ندعوها: أرضَ اللهْ

وفي هذه المتاهةِ الغامضةِ

التي نُسمّيها: حياةْ

***

سعد جاسم

اوتاوا- 3-6-2022

يا نداء الشعر في روح البرايا

إنَّ ميلاد الهوى ميلاد مايا

يا قميص العشق في قدّ الخطايا

إنَّ ميلاد الرضا ميلاد مايا

يا عبور اليمّ في صندوق حبٍّ

إنَّ ميلاد المدى ميلاد مايا

يا صلاة الأرض في أحكام عرفٍ

يوم إطلاق الصدى ميلاد مايا

يا جوار الوحي في غار الخبايا

يوم إمطار السما ميلاد مايا

يا سطوع النجم في ليل السبايا

فجر إقصاء الجوى ميلاد مايا

يا بلوغ البدر في قلب المرايا

طفلُ ميلاد الصبا ميلادُ مايا

مشطُ فرعون الذي رشّ المنايا

فرّ خوفاً مُذْ بدا ميلاد مايا

في عصا الأكوان موسى قد تجلَّى

من  عطاء الحبِّ يا ميلاد مايا

إنَّ تمّوز الذي فيه العطايا

شهرُ ميلاد الهوى ميلاد مايا

***

الشاعر: ياسين الرزوق زيوس

روسيا موسكو

يا سماسرة الوطن..

إنا ها هنا ماكثون،

ثابتون..

مرابطون..

على قناعاتنا محافظون

فإن كان من راحل..

فأنتم الراحلون.. !!

قد شَربنا الوطن،

وفي دمائنا كأس للألم،

وطاساتٌ من فرح ..

و قد أكلتنا الأوقات،

وصار في عيوننا طيفٌ

للغدِ الهروب..

مُشعٌّ كالقمر في عيون العاشقين.. !!

يَدحو سديم الليل،

تُطارده أشلاءُ السّهر .

ارحلوا جميعا..

إنّا ها هُنا واقفون..

نَرقب انفلات الصبح الغائِرِ فينا

مُنذ بدء الخليقةِ

إلى مُنتهى السفر..

ارحلوا جميعا..

نحن هنا في انتظار المطر.. !!

فامطري يا سماء،

وارقصي يا رياح ..

وأتينا بالخبـر.،

فقد عَزَّ الطلبُ وعزّ العطاء،

وعَـزّ المطـــــــــر.. !!

***

محمد المهدي ـ تاوريرت

المغرب 28/06/2022

سَأَكْتُبُ اِسْمَكِ فِي كُلِّ بَابْ

 وَأَمْسَحُ كُلَّ السِّنِينَ الْهِبَابْ

*

وَأُسْكِنُكِ الْقَصْرِ يَا حُبَّ عُمْرِي

 وَأَكْسُوكِ أَحْلَى وَأَغْلَى الثِّيَابْ

*

فَلَا تَحْزَنِي يَا مَلَاكَ الْجَمَالِ

 إِذَا ذُقْتِ بُؤْساً بِدَارِ الْخَرَابْ

*

تَعَالَيْ بِحِضْنِي أَضُمُّكِ حُبِّي

 وَسَوْفَ تَمُرُّ ثَوَانِي الْعَذَابْ

*

فَأَنْتِ بِقَلْبِي مَنَارٌ بِدَرْبِي

 حَبِيبَةَ عُمْرِي ذِهَابَ إِيَابْ

*

وَحَقٌّ عَلَيَّ أُدَاوِي الْجِرَاحَ

 وأَمْحُو هُمُومَكِ بَعْدَ اقْتِرَابْ

*

وَأَمْسَحُ مَا قَدْ تَرَاءَى بِقَلْبٍ

 نَقِيٍّ جَمِيلٍ بِأَحْلَى شَرَابْ

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

 

نبيل عودةأعددت مفاجأة لزوجتي. قلت لها ان لا تعد هذا المساء أي لون من الطعام، فانا سأدعوها الى مطعم فرنسي فاخر. سألتني باستغراب لا يخلو من استهجان:

- هل فزت في الياناصيب الذي تصرف علية ربع معاشك؟

نفيت أي فوز وأخبرتها انها مفاجأة.

نحن متزوجان منذ عقدين كاملين، وحان الوقت لإجراء تغيير ما يبعث التجديد في حياتنا. يشعرها انها ما زالت زوجة مرغوبة، لعل ذلك ينسيها مغامراتي المجنونة.

كانت المناسبة عيد زواجنا، ولكن لكثرة ما مرت من سنوات دون ان نتذكره، استقر في مكان ما، منسي، داخل الذاكرة.

لم تفهم سر طلبي ان ترتدي بشكل جميل. يبدو انها حاولت جاهدة ان تكشف هذا التغيير في تصرفاتي.

وصلنا المطعم، الجو شاعري ولطيف، وضوء أحمر خفيف يلون جو المطعم، على خلفية الستائر السوداء التي تتدلّى من جميع الحيطان، حتى السقف مدهون بالأسود، لأول مرة أكتشف ان هذا اللون، الأسود، ليس لون حزن فقط، انما لون يبعث على الكثير من الشعور بالاسترخاء، الذي يكسره الضوء الأحمر الخافت بخلق الإحساس بجو شاعري..

 كانت الطاولات مشغولة، بمعظمها، أجلسنا مدير الاستقبال في زاوية هادئة، وصوت موسيقى هادئ ينطلق من السماعات دون ان يزعج، بل يترك جوا مشبعا بالراحة والاسترخاء.

- ما المناسبة لهذا الكرم الطائي؟

- ما هو تاريخ اليوم؟

- ما العلاقة؟

- هل ضعفت ذاكرتك؟

بعد برهة من التفكير انتشرت ابتسامة عريضة على شفتيها:

- يوم زواجنا.. كدت أنسى، عقدان لم نحتفل بهذا اليوم، كيف تذكرته؟

- يجب ان نبدأ بالاحتفال، الأولاد كبروا، والآن يجب ان نتمتع ببعض ما نقدر عليه.

اقترب منا سفرجي، مبتسما بشكل اصطناعي:

- تفضلوا.. ماذا تطلبون؟

- اريد أولا زجاجة نبيذ، بماذا تنصحنا؟

- والمناسبة؟

- عيد زواجنا.

اتسعت ابتسامته كثيرا وسأل:

- حسنا، قل لي أولا، هل جئتم للإحتفال ام للنسيان؟

 عبستْ، ولكن زوجتي انفجرت بالضحك الشديد!!

 ***

نبيل عودة

قالتْ لا تقْرُبْ من نارٍ تصلاها

قَفّلتَ وأخفيتَ المفتاحا

ماذا أبقى شيطانُكَ في رأسكَ من بؤسِ

أو نجمُ الغُربةِ من أثرٍ في شقِّ البرْقِ

عُدْ أدراجِكَ واشرحْ صَدْرا

سرٌّ في الرأسِ المُندسِّ

أني المطعونُ بخاصرةٍ تَدمى بالذكرى

أتمرّغُ بالآجرِّ المُصفرِّ ونارِ التنورِ

تشجُرُهُ فجراً أُمّي

ويلَ الأمِّ إذا ناحتْ أو أنّتْ

دقّتْ في بيتٍ أجراسَ الأقدارِ

وتدلّى من بئرٍ في العينِ شريطُ دماءِ

يسألُ في ثوبِ حِدادٍ مُنشَقِّ

هل بعدَ الغيبةِ يأتي أهلي ؟

الآنَ أُواجهُ شكّاً جازَ الحدَّ الأقصى

في أنَّ الدربَ قصيرُ

[ يا حاديَ عيسِ ] الظمآنِ تقدّمْ

أُنشرْ شكواكَ على أهدابِ الحبلِ الرملي

لا توقظْ من نومٍ أمواتا

دَققْ في الأمرِ مَليّا

لا ترفعْ أعلى من رأسي سوطا

محكومٌ أنْ أَرقُدَ في عينِ الذيبِ السهرانِ

هَرَباً من بطشٍ مُستشرِ

جفني يتفصّدُ دمْعا

أتوانى حتّى ينأى خوفي منّي

وأُقوّمُ نهجَ الساقطِ في سوءِ الظَنِّ

فالخيبةُ أجنحةٌ تتساقطُ في بابلَ أبراجا

تتبرجُّ بالكُحلةِ في دمعِ الأهلِ

قالتْ سُبحانكَ لا ترفعْ من قَدْري إكليلا

يأسي تاجٌ في رأسي

يعزفُ للنائمِ أبواقا.

***

دكتور عدنان الظاهر

حُزيران 2022

لا يفوتني أنْ أسأُلكِ

عمّا جعلَ فِتنة مَنْ أحبّكِ

ككل التماثيل التي تلوّح للهواء

ناسيا أحزانَ عمره، وما شعّثَ قلبه

واستأصل بريق عينيه

هل أنتِ الهواء الذي هزمَ ما رأيت؟

أحرقَ القناديل التي أُحبها

لفظها خارج البيوت والكتب والدنيا

أوجعَ الموسيقى

هزّ خطاياها فواصلتْ أسفها

شتمَ الأمل  الذي  زرعته الحكمة جهرا

عند بياض نواصيه

عند خزائن رئتيه

به كانت تتنزّه الغمائم والأطيار

يغازلُ رشاقة النهر وهو يحملُ غبش حلمكِ

فيفيض..

ثم يفيض كلما تمرّى القمر فيه

يفيض..

بلحنِ كلام النجم

به تعافتْ آثامي العليلة.

**

مَنْ أحبكِ غيري

وتعقّل إصغاءً لمفاتنكِ؟

مَنْ غفى على ابتسامتكِ الثريّة وهي ترفرفُ

لتخلّصه من قاع اللامبالاة !

سألتُ كحلكِ الجامح وراء ما يحدثُ للفصولِ

وهي تنفّرجُ لمزاجِ الحديقةِ

لعلّ الأيام التي أقبلتْ وهي تُطفىءُ الوقت

لم تذقْ لحظة من شفتيكِ !

أبصرتُ بها أنا كل العالم

وهو يتشكّل كموسيقى.

***

زياد كامل السامرائي

مـِــن ثــنايا القلب اشــواقي تُراسِـلْ

ورَفِــيــفُ العـين يَـشْدو  ويـُواصِل

*

كــلّ خَــطْـوٍ صَوْبَ تــعـزيــز الـلِقا

مِن حَفيفِ الوَجْد يَستوحي التواصل

*

يرســــم الآمـالَ فـــي شــوْقٍ الــى

سُـــلّـم الـعِــزِ، وعــليـاء الــمَـنازِل

*

عِـــفّــةُ الــقولِ ، لـهــا غَــرْسٌ  بـه

نَـــسَــغُ الصـدق يُــصاول ويُــجادِل

*

عـَـبَـقُ الذِكـرى ، نَــشِيدٌ في الكَرَى

دائــمُ الــعَــزْفِ ،  بأوتــارٍ تـُـغازِل

*

كــلُّ حُــبٍ تَــوّجَ الـوَصْــلَ سَـــنـاً

بــأمــا نٍ ، ووِدادٍ  لا يـُــــجــامِــل

*

بَــتْـلَــةُ الإخــلاصِ ، يَروي جَذرَهـا

طــاهِـرُ المَــوْرِدِ ، مِن انقى المناهِل

*

كــلُّ تــزْويــقٍ ،  لِــتعزيـز الهـَـوى

يَــتَلاشــى فــي اخــتبارات المَراحِلْ

*

وحروف النقد فــــي تهذيبها

لهزيل القول ، تبني وتساجل

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

هشموا مرايا

الامل والحكمة

ومضوا مضوا

زارعين في

طرقات

الحب والعطاء

شوكا

عوسجا

وحنظلا

غير مبالين بغضب

البرق الريح

والمطر

حينذاك قلنا

سنحتمي بقرص الشمس

بقوس قزح الصباح

وبالشفق الازرق

ونطرز ا احلامنا

امالنا

ورؤانا

بشعاع

من نور التصميم

الازرق

فهشموا هشموا

مرايا الامل

الحب والحكمة

واختباوا خلف

جدر اسفلت

الاقاويل

غير مبالين

بالمطر .

***

سالم الياس مدالو

 

اسماعيل مكارموهي حكاية للأطفال مستوحاة من التراث الشعبي.

يا إخوتي الصغار، قد انقضى النهارْ، وحط الليلُ في كل مكان، فلنسمع الحكايةْ، وإليكم البداية ْ.

كان في قديم الزمان، في دولةِ هندوستان رجلٌ يدعى ُسليمانْ، وله زوجة ٌ تدعى زهرالبان، وبنتٌ جميلة ٌ يعجز عن وصفها اللسانْ، اسمها قمر نيسانْ، وابن اسمه نعمانْ.

لم يكن لدى سليمانَ الكثير من المالْ، لكنَّ أسرته لم تعرف الحزنَ، ولا انشغال البالْ، عاشوا بهدوءٍ وأمانْ، يعبدون ربهم ويحترمون، زعيمَ قومهم، وكانوا يسكنون بالدار ذات البستان . ومرت سنوات عجافْ، عم فيها القحطُ والجفافْ، وساءت الأوضاعْ، وانتشر الأشرارُ والرّعاعْ، والطّاعونُ والأوباء.

ومرضت زهرالبان، وتوفيتْ بعد فقدان الأملِ بتحسّنِ الحالْ، وبكى عليها زوجها والأولاد، وجاء الحزنُ إلى الدار.

ومرت الأيام.. وقضِيَ على نشاط الرّعاع، وعادتِ الأرضُ إلى العطاء، وُسمِعت الأفراحُ  في قصور هندوستان، ولكنَّ الفرحَ لم يعرفْ طريقه إلى دارِ سُليمان.

وقالتِ البنتُ يوماً لوالِدِها:

أراكَ ياوالدي قاطبَ الجبينْ، لا تكذبني ولا تحلف اليمينْ.

وفاة ُ أمي إرادة ُ ربّ العالمينْ. أنصحُكَ أن تختارَ بنتَ حَلالْ، لِتشرِفَ على العيالْ،  وتصلحَ في البيتِ الحالْ.

فسمعَ الوالدُ نصيحة َ ابنتِهِ  قمر نيسانْ. ولم يمضِ وقت طويلْ، حتى جاءت إلى البيتْ آمرأة ٌ غريبة في ثيابها البرّاقة ْ وعينيها، الصّغيرتينْ وقدميها الطّويلتينْ.

ولكنَّ هذه الخالة ْ ومن الساعاتِ الأولى صارت في عيون، الأطفال كأنها الغولة ْ. وأخذت البنتُ منها الحَذرْ ولم تستسلِم، للقدرْ. وفهمت البنتُ البريئة ْ أنَّ هناكَ خطيئة ْ. وأخذت الزوجة ُ، الشّرّيرة ُ السّاحِرة ْ تلعَبُ لعبتها الماكرة ْ، فهيَ للزّوجِ خاتم لبيكْ، عبدك بينَ يديكْ... بينما هي للأطفالِ الجنّيّة ُ بنتُ الجنيّاتْ، تحرمُ من تشاء الحياة.

وذاتَ يومٍ أرادت الخالة  أن تتخَلّصَ من الولدِ نعمان كي تعيشَ بنعمَة ٍ

وأمان، فأمَرَتِ البنت َقائلة:

قومي يا قمرية ْ، يابنتَ الدّهرية ْ، واستدعي لي على جناحِ السرعَة ِ

نعمانْ، لكنْ لا تُخبريهِ أنّي في المكان.

ويحدثنا الولدُ نعمان كيفَ نادتهُ أخته:

ونادتني أختي تعالَ ولا تأتِ. الدّارُ تدعوكَ ولا تدعوكْ،

الزّمَنُ ينتظِركَ ولا ينتظرُكْ. خالتي غائبة، خالتي حاضرة.

الحيزبون وراء الجدارْ، مرّاً لنا سيكون الحِوارْ.

قالتْ ليَ أختي تعالَ ولا تأتِ، شملكان غائبة، شملكان حاضرة

آذانها سامعة وعيونها ناظرة.

وجاء الطّفلُ.

وفرحت زبعبقْ لأملها المشرقْ(*). وقامت زبعبق

في جحرها المغلق بفعلتها المشؤومة ْ.

وتوفي الولدُ نعمان، وعمّ الحزنُ في المكانْ. وغادرتِ

البنتُ دارَ أبيها، وقلبها من الحزنِ ذليلْ، ومشت والحزنُ

رفيقها بقلبها الكسيرْ... حاملة ً جثمانَ أخيها. وراحت تسألُ

الوديانَ والآبارْ- من يستطيعُ إعادة َ النهارْ  بإحياء أخيها.

وسمع الماء في البئر وجاءَ صوت ٌ من الأعماق:

أنا البيرْ أنا البيرْ، إذا أعطيتِني جثمانَ إخيكِ طيرا أخضَرَ

سَيصيرْ. وفعلتِ البنتُ ذلك، وفهمت معنى الكلام، وبقدرة

الله  حصلتِ المعجزة ْ بعد ثلاثةِ أيامْ.

وما أن حطّ الطيرُ الأخضرُ على شجَرَةِ الرّمان، في

آخرِ البستانْ، حتى ماتت شملكانْ، وانكسرت كالفنجانْ،

وذهبَ سحرها وشرّها إلى غير مكانْ. وحلَّ في البيتِ

الدّفء والأمانْ، وزهّرَ البستانْ بعودةِ نعمانْ. وسلامتكم

كفاية ْ، وهذه النهاية ْ.

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

أكتوبر 1999 -  روسيا، كراسنودار

..................

هوامش:

*) زبعبق: عند أبي منصور الثعالبي تعني المرأة سيئة

الأخلاق، حيزبون: لقب اخترته لهذه الزوجة- الخالة،

شملكان: اسمها، ستي: جدتي.

هذه الحكاية لمن هم في سن مابعد الثانية عشرة من العمر.

كما لا يعلم الكثير انني مصاب بمرض السكري

ربما يذكرني بالايام الحلوة

وينام في شراييني دسم جاثم

ربما يذكرني في سنواتي السمان

وبعد ان تجاوزت سن الحكمة.. وهبتني الحياة "دسكين" في ظهري

لان الحروب تريد ان تحسدني على بقائي منتصبا الى هذه الساعة

كل هذه الاوجاع وانا أسير فوق أرض الله بأثنين ولا أتوكأ

**

لديّ من الصبوات ما يعيدني الى صوابي ..

ومن السورات ما يخلط الماء على زيتي الطافي فوق ماء البئر

هناك فقط يعصر "النرجسيون" وجوههم ويذهبون الى فراشهم بآدمية ملساء

من يرى من؟

**

أدمنت أمراضي

قال الحكيم: إن تكن سعيدا فلا تبارح الألم ..

وأن فاضت الايام من يديك، فدع الحكمة تسيرُ بك

**

وكما لا يعلم الاصدقاء.. انني لا اتوب كطفل مفطوم من الثدي

ولا أنحني للعصا كي تلتهم قوامي

ويعلم الزمن أيضا، انني لم أستبح الايام سبايا

أنا أتفقد صرة دوائي، وأقيس ضغط الدم لاتجنب المالح من القول

**

أوجاعي تعرفني

وأنا أرسمها طريقا

أعلُّم نفسي: الاوجاع مسرة.

كي أدّخر للحكمة كبريا ءها

وأعلمّ نفسي: أن السنوات البالغة البياض قد أفسدها الملح

**

ربما يعرف الاصدقاء، أن ثلاجتي يتقاسمها الغذاء والدواء

وأنا أكابر لابطال الاشاعة ..

ولَديّ هناك وشما على الروح

وولدي هنا يحط على كتفي كطير سعدي

من يرى من ؟؟

**

أتذكر أيامي الحلوة

وأضع إبهامي في فمي ..

لا اعرف:

هل هو الندم أم عودة لطفولة كاملة الدسم

اضع يدي على ظهري

لا أدري انني اتفحص تأريخي أم أدلل الصبوات الرائبة في قوامي

**

أيامي منتصبة والزمن نول

اريد أن أتحسس التقويم

اضع شارة الدخول

من حلو الايام الى زبدها الطافي

من عصا الزمن الى قيافة اليوم

سأغزل سجادة من العيون، وعصا من المأرب، وزمنا من الخطايا ..

سأفترش الاصدقاء والخبر

والسكري والكوليسترول وضغط الدم

ثلاثية لإشاعة .. تناسب الحروب والقدور الفائرة على ثلاث ..كي تطفيء حسدها أمام عللي وغلاتي

ثلاثية الحب، كي لا يطير ولدي في الهناك

او يدمن ولدي النقر على شفتي هنا

ثلاثية ... كي أموت وانا أفقأ دماملي وأوجاعي

العالية الهمة تماما

***

وديع شامخ

استراليا – سيدني

يَقُومُ الْقِطَارُ الْجَمِيلُ سَرِيعَا

وَيَحْكِي لَنَا عَنْ هَوَاهُ رَبِيعَا

*

وَيَطْوِي الْمَسَافَاتِ وَالْبُعْدَ طَيًّا

وَيُبْدِعُ بِالْحُبِّ رَسْماً بَدِيعَا

*

فَهَلْ يَا تُرَى أَلْتَقِي بِحَبِيبِي

وَقَصْرُ الْمَحَبَّةِ نَادَى الْجَمِيعَا؟!!!

***

سَأَلْتُكَ يَا مُلْتَقَى الْعَاشِقِينَ

تُجَفِّفُ فِي مُلْتَقَانَا الدُّمُوعَا

*

وَتَأْخُذُنِي طَائِراً لِحَبِيبِي

وَتَسْقِي بِنَبْعِ هَنَانَا الضُّلُوعَا

*

فَمَا الْعُمْرُ إِلَّا لُحَيْظَاتُ حُبٍّ

كَبِيرٍ يُؤَصِّلُ فِينَا الْخُضُوعَا

*

لِقَلْبِ الْحَبِيبِ بِأَحْلَى انْدِمَاجٍ

فَرِيدٍ وَيُوقِدُ فِينَا الشُّمُوعَا

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

محمد الدرقاويالتفصل الثالث والأخير من قصة إنغماس

أن تهاتفه يطو رغم علمها بعزمه على السفر، بعد أن قضيا أمس يوما ممتعا معا، أمر يوحي بالقلق خصوصا ويطو متعودة أن تبعث له رسالة على الوات ساب قبل استعمال الهاتف..

أتاه صوتها خافتا متثاقلا كهمسات الأنين، تجاهد على تبليغ ماتريد..

ــ مابك يطو؟

بسرعة ترد: لا شيء، فقط كنت نائمة، أنا بخير..

لفته بعض السكينة وهو يرد رغم ما ظل يسري في نفسه من هواجس:

ـ خيران شاء الله، ناديا بخير؟

ـ فقط اشتقت اليك، واليك تملكتني رغبة في غذاء معك.. لكن تذكرت سفرتك؛ المهم تسافر وتعود الي بالسلامة..

ـ بسرعة حبيبتي نصف ساعة وأكون عندك، أجدك بالباب..

ـ لا، لا، سفرك أولا اذا كان أكيدا؟..

ـ أنت أوكد من سفري أؤخره الى غد..

بعد عشر دقائق تصله رسالة على الواط ساب:ناديا تصر على ان تكون معي، ألا يقلقك هذا؟

كتب ردا: ناديا حفيدتنا بضعة منا، كيف اقلق؟ !!..

رسالة أخرى من ناديا تصله: فضلت أن أترك عملي وآتي مع جدة، فقد قضت ليلة سيئة وحالها لا يطمئن(بيني وبينك )..

كانت يطو في المقعد الخلفي داخل سيارة ناديا، وقد أسندت ظهرها بتراخ وكأنها ترتاح من تعب، أركن سيارته، وبادر اليها بطلب من ناديا التي شرعت مازحة تقلد صوت فقيه:

ـ اركب معنا فلن تكون من السائقين..

ارتمت عليه يطو وكأنها مأخوذة بلهفة غياب قد طال ، وجه ممتقع يكسوه التعب:

ـ مابك يطو؟ طمنيني !!..

ـ لا شيء، توحشتك وصافي..

أرخت راسها على كتفه وطوقته بذراعيها، فضل أن يصمت، لثم جبهتها؛كانت باردة تنز بعرق خفيف، وضع يده على خدها فبادرت الى تقبيل يده..

"ترى ما بها؟تركها أمس بخير فأي شيء داهمها"؟ بسرعة شرعت تتنفس كأنها قد غفت، هم أن يسأل ناديا لكنه فضل الصمت بعد اشارة منها...

وصلوا مطعما على الشاطئ تعودوا الأكل فيه، كان النوم قد استغرق يطو متوسدة صدره ففضل ألايتحرك حتى لا تصحو، شرع يسترجع كلمات ناديا في رسالتها أن جدتها قد قضت ليلة سيئة..

همست له ناديا من مقعدها:

عاودتها أزمة قلبها ليلا، اتصلت بطبيبها فأوصاني الاكتفاء بما لديها من دواء واستعمال بخاخة التنفس.. تصر ألا أخبرك بمرضها..

بعد نصف ساعة تقريبا، تصحو يطو ومحياها مشرق ببسمة ساحرة ، قبلته وقالت:

الحمد لله !!.. ارتحت، كنت في حاجة الى نومة بقربك..

وهم يغادرون السيارة الى المطعم رن هاتف ناديا تدعوها مساعدتها لزبناء في العيادة، تركتهما وعادت..

فضل أن يتمشى مع يطو قليلا على الشاطئ قبل الغذاء، مستغلا راحتها بعد نومة السيارة. تتشبث بذراعه كشابة في العشرين، تلتصق به جذلى يغمرها السنا والحبور، وكأنها أسقطت عن نفسها وقار أنثى تجاوزت الستين، وللحقيقة كان يغبطها على سلوكها، فالتي معه لم تعد الأنثى التي تتوجس نظرات الفضوليين، كان ينتشي بهذا السلوك من أنثى مزقت طوق التقاليد، صانت حبا وعنه ذادت أزيد من خمسين عاما بلا كلل ولا محاولة تغيير قناعاتها، كل خطوة وهو يتمشي ملتصقا بها، يلف عقله في دوائر حلزونية، مسترجعا كيف قطع أبوها حبل علاقته بها؟ كيف انسلت من جمراته، قاومت وصمدت تتحدى الزمان والناس، فنجحت فيما فشل هو فيه، فتزوج وأنجب، ورغم ذلك لم يسمع منها عند اللقاء عتابا، فلحظة اللقاء والعودة كانت لديها لحظة اشراق تعيد لها شبابها، وتطوي عن عقلها كل معاناة قاستها ولا تحب ان تجترها حتى لا تحسسه بالذنب او تلومه، كانت تؤمن أن ما مر مجرد زمن لم يستطع فيه أي منهما أن ينفلت من حِجره أو يتحكم في أسوار حياته، اذ لم يكن يعيشا نفس ما يحييانه اليوم من حرية واستقلالية، وغير قليل من التحدي؛ وهي تعتز بما تحرك منه في بطنها لأنه نفسه تحدٍّ ولحمة رابطة هي السبب الذي اعادهما لبعضهما..

اثناء الغذاء قالت له: تصور لو أنتَ التقيت بناديا ولم أكن على قيد الحياة، ألا تأخذك شهقة شوق وغصة الم؟

أحس كأنها تريد أن تقول:"غصة ألم وشهقة ندم "ناولها قطعة سمك في فمها وهو يقول: أنا مبروك يطو، وقد أراد الله الا أموت واعماقي تغلي باحساس الذنب نحوك، كيف انجرفنا في زمن قيم الظلام؟.فأنت الأنثى التي لم أحاول أن أنتزعها من عقلي ووجداني، وهو ما تجلى من أول لقائي بناديا..

قريبا منهما كان زوجان شابان يتناولان غذاءهما، يختلسان اليهما النظر ثم يتضاحكان، فشيخ وعجوز لايجوز لهما ان يعيشا الحياة بنفس الرومانسية التي يعيشها الشباب، وكأن الرومانسية ليست بنتا للنفس البشرية لاتعترف بالأعمار..

وهما يشربان قهوة، وصلته رسالة من ناديا على الوات ساب " متى أحببتما الرجوع فاخبراني "

لها كتب: لا تقلقي نفسك، سنأخذ تاكسي الا اذا أحببت أن يكون العشاء والسهرة على حسابك..

تبادره برد: لا تغامر، يطو جد تعبة، يلزم ان تعودا باكرا الى البيت خصوصا اذا صعد الضباب كليلة أمس..

بين حين وآخركان نوع من الذهول يتلبس يطو فتشرد، وكأن أمرا ما يبدد فكرها، تعلو صفرة وجهها ثم لا تلبث ان تستعيد صفاءها فتضحك في وجهه..

ـ مابك يطو؟ يفاجئها !!..

ترخي راسها على كتفه، تقبل عنقه وتتمسك بذراعه:

ـ لا تقلق، مجرد ألم بسيط بين كتفي، يبدو أني أخذت ضربة برد بعد حمام أمس..

ـ هل نعود؟ ما رأيك؟

تزداد به التصاقا كأنها تريد أن تخترق جزيئاته:

هل شبعت مني؟

ـ حرام عليك !..أشبع من كل لحظة قد تبعدني عنك..

في طريق عودتهما بدأت يطو تئن، ومالبثت أن شهقت شهقة كادت تسلب روحه من صدره، ثم أخذتها غيبوبة بعد أن وضعت راحتيها على فكيها تشكو ألما شديدا، بسرعة طلب من سائق الطاكسي أن يغير الطريق الى عيادة طبيبها، بادر الى ناديا بهاتف أن تلحق بهما فهي على اطلاع واف بحالة يطو وتستطيع ان تتفاهم مع الطبيب حول مايلزم فعله باستعجال..

خمسة أيام ويطو تلازم العيادة تحت المراقبة والخضوع للأشعة والتحاليل، كانت ناديا ملفوفة في قلق ابعدها حتى عن عيادتها مما أكد له الحالة الحرجة التي توجد عليها يطو..

أصرت يطو أن تنتقل الى البيت لمتابعة علاجها، فصار لا يغادر بيتها، أنثى تنغرس في أنسجته، منطعنا بآدميتها..نظراتها، نبرات صوتها تجعله عاجزا عن التخلي لحظة عنها، لا ينتقل الى بيته الا بعد أن تكون ناديا حاضرة، ورغم ذلك يحاصره ظلها كضباب رخيم لا يلبث أن يحرضه على العودة اليها..

حكت له ناديا الكثير مما عانته يطو:

ـ مذ وعيتُ، كانت تباغثني بلحظات من هستيرية تتلبسها، تتلظى بلوعاتِ فَقدٍ لا أحد كان يعرف من المفقود..

تصمت كأنها تسترجع أحداثا كم لفتها باثر بليغ:

ـ كانت تنجذب لكل من يذكر اسم فاس وأهل فاس بانتباه فتشرد أو تغيب، ويلزمها وقت طويل حتى تضبط انتباهها من جديد..

قلت لها يوما وأنا طالبة بالثانوي: الزمن جراح عظيم جدة فكيف لم يعالج ذكرياتك؟

كانت تحدق في وجهي طويلا ووجهها يتلون بصفرة: ـ تربيت بين الأمر والسوط، وعشت وانا أرى القهر يمارس على خالتي، تُسجن ويمنع عنها الزاد والماء، ويتم تهديد أمي بالطلاق اذا لم ترغم خالتي على الزواج بلا ارادتها ولا رغبتها من جندي ذميم وهي الجميلة، أغرى أبي بأرض مقابل صفقة زواجه بخالتي.. كان ابي ـ غفر الله له ـ جمرة حارقة لا يصفو له خاطر حتى يحول كل من في بيتنا القروي الى رماد، أمي رماد بضعفها وخوفها، وخالتي رماد لانه هو من رباها وينفق عليها رغم أن من خير ابيها كسب في القبيلة جمره وسطوته ، وكنت أنا في الطريق لأصير رمادا لوما إصراري على الدراسة، وحرص السلطة على تعليم إجباري لبنات القرى ولو كن كبيرات..

كانت يطو تحتاط من كل ما هو بدوي حتى ولو كان مثقفا، لان العرق دساس كما كانت تقول، والتربية تحفر بنقش؛ بعد تخرجي أتى لخطبتي شاب تاجر متعلم وميسور من نواحي أغادير، كان لطيفا أعجبني فوافقت، لكنها اعترضت قبل أن تتركني لاختياري وقالت لي: تحملي مسؤوليتك، انت راشدة وواعية.. حين سألتها ما يخيفها: لم تكشف عن الحقيقة وقالت: لو أنك جلست لحظات مع المايستروـ وكانت تقصدك ـ، يسمعك كلمات الحب وينقر على جسدك بايقاع الإحساس واللطف والتقدير لادركت معنى أن يكون الانسان متحضرا واعيا يتذوق المرأة ويعي قيمتها التي تصير بين يديه..فادركت السبب، وقد صدق حدسها من الشهور الأولى، فقد شرع يمارس سطوته فطلبت الطلاق..من يومها آمنت أن الزواج اغتيال لحرية المرأة، وحبائل من الرجل للايقاع بها، وما عاشت يطو بعزيمة المقاومة والحفاظ على أناقتها وجمالها الا لأنها كانت تحيا بحب رجل لا يعايشها، هكذا فكرت لاني لم أكن اعرفك فاقدرك مثل ما أقدرك الآن، وتقدرك جدتي...

كانت يطو لا تخجل من صراحتها رغم انها كانت لا تفصح عن الكثير، لكن جميع سلوكاتها كانت تشهد انها كانت أنثى عاشقة متيمة، دموعها اذا فاضت تصير بحيرة أوجاع حسرة على الانسان الذي هامت به ومنها ضاع.. مرّة هي الذكريات ومتوحشة حين كانت تطبق على صدرها فتمنعها عن النوم والأكل، لاترتاح الا على صورة جماعية مع تلميذات وتلاميذ القسم وهي في الوسط ضاحكة قريبة من معشوقها المايسترو كما كانت تسميك..

كانت في كندا تقتل نفسها في عملها، تصرف كل اوجاعها في ابداع كيف تجعل من العجزة أيادي فاعلة واقداما متحركة، وعقولا لا تشيخ ولا تموت، كانت تشجع كل علاقة صداقة وحب يربطها هِرم بعجوز، علاقة توثقها الإنسانية بلا مذاهب أو اعتبارات غير إنسانية ؛ كان اسم يطو على كل لسان لان صدرها كان يسع الكون بلا تمييز، فحصدت بذلك الكثيرمما حقق لنا الكرامة والعيش الرغيد، لكن في عقلها وتفكيرها لم يندثر وطن ولامات أهله، كان ذكر فاس، وأصالة فاس نبضها الحي الذي ربتني على حبه والاعتراف به، رغم أن أول لقاء لها بفاس لم يتحقق الا بعد عودتنا من كندا، قضينا أسبوعا هناك، كم تجولنا بين الدروب والأزقة، بين المساجد والآثار، بين الأولياء والأضرحة، في عقل يطو شيء ما كانت تبحث عنه باصرار دون أن تفصح أو تشرح، أما أغادير فقد كانت أملا به تعلقت، ذكرى من حديث مع حبيب قلبها، أنت يعني وقد قلتَ لها يوما: يتحدثون عن اغادير بعد الزلزال أنها صارت جنة، مارأيك نتزوج ثم أطلب الانتقال اليها، وهناك نتابع حياتنا.. حدس ظل يحرك دواخلها الى ان تحقق بلقائك من جديد، وعلى يدي في أغادير.

كان حديث ناديا شريطا ناطقا يستعيده بالمكان والزمان وحتى الرائحة، فيهز نفسه بذكرى حية وحفقان يحرك صدره وكان يطو بين أحضانة تناجيه برأي ولهفة الى أن تحيا العمر معه..

مرة أخرى تنتقل يطو الى العيادة في سيارة اسعاف على استعجال..وقد فقدت القدرة على الحركة والنطق.. فجزء من عضلة قلبها قد ضعفت..

في ليلة ظلماء، تموت يطو، تغادرالحاج في وداع أبدي ومنها لم يشبع من نظر، كانت أجمل أحلامه، أكثر من خمسين سنة وصورتها محفورة في سويدائه، نبلا ووفاء وحبا لم يبل ولم يتوان، ولم يتضبب له اثر..

وصارت ناديا تلاطم الحياة من حولها بخوف وتوجس:

ـ كيف أعيش بدونك جدة؟ من يحميني، يوجهني، ينير دروبي؟..

صار كلما احتضن ناديا وهي بضعة منه كجد الا وتبكي فقد يطو من حولها:

ـ موتها باغتني، فقلب موازيني بلا استعداد قبلي..

قال لها مرة: ألا أكفيك جدا لم تحلمي به من قبل؟

ترد: أنت قارب النجاة الذي باغتني برحمة، فاياك أن تبتعد عني يوما والا خنت عهود يطو، وعشق يطولك !!

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

 

مَنْ يعطيني مدينةً بلا رمالٍ

أو يمنحني ما تبقى لسلاسلِ الاسرى

يحرقُ غرفَ السجناءِ

يحرمُ التسولُ في مدنِ السوادِ

يدونُ فوقَ الأشجار ِ

بما تبقى من الضحايا

ذكرياتٍ لضيمٍ تاهَ في ليالي السحرِ

*

لي مرسمٌ أشاكسُ فيهِ

تقلبُ ريشتي أطوعها

أأسرها لترسمَ  أجملَ وجوهِ النساءِ

أهٍ من أمراةٍ عصيةٍ على الخيالِ

عصيةٍ في البوحِ

لا تتوضأ بمحرابِ الحبِ

*

تلكَ البتولُ

تجدلُ خيوطَ شعرها

وأنا الحبيسُ فوقَ وسادتي

في أقفاصٍ ما خلقتْ لي

ارفعُ شعاراتِ الحريةِ للعوانسِ

قلبي يرفعُ يافطاتٍ، يشتري بالحبِ

عتقهنَ يبللهُ بضبابِ العشقِ الجميلِ

*

أنا متيمٌ بغزالاتِ البراري

أرفعُ بندقيتي أفتشُ عن ذئابٍ

تمزقُ لوحاتِ الجمالِ

لا يهمني ذاكَ الدجى المقيتُ

أستجيرُ باشلاءِ الأشجارِ

التي خسرتْ معاركها معَ الريحِ

لتتركَ الطيورَ ضحايا تائهةً

في عوالمِ الأسفارِ

*

يا نسوةَ الجمرِ

هذه مظلتي  وتلكَ نوافذي

أنا من قوافلِ النساكِ

لقد حفظتُ من الألواحِ فيضاً

إياكَ ولمعانَ البراري

دعْ مقلةَ الليلِ تغفو

وأنتَ حارسٌ لِاحلامها

*

قصائدُ الغرامِ مَنْ يوقفُ زحفها

لكم من الآهاتِ أيقظتنا

أعدُ الفصولَ الأربعةَ

أجدكِ الفصلَ الخامسَ

ثورةً من الحبِ أمميةَ الوجودِ

***

عبدالامير العبادي

العدد: 5783 المصادف: الاربعاء 06 - 07 - 2022م