نصوص أدبية

أَجرمتُ من فرط إِحساسي ومن فِكَري

وغـربتـــي بين قـــــومٍ لــيس كالبشــرِ

*

وتهمَـتي أَنّهــــــمْ نـامُــــوا وأَقـلقَهـــمْ

ضوئي، وأَزعجهـمْ من أَجلِهـم سهَــري

*

وتهمَـتي أَنَّ كـــلَّ الأَرضِ قـد لبـِســتْ

صخـراً، ومازال مُخضرَّاً لهـم شجـري

*

وتهمَـتي أَنّـني أَجـريـــتُ مـن قـلـقـــي

نهـــراً، لأُنقذَهـــمْ من قبضةِ الحجـَـــــرِ

*

وتهمَـتي أَنـّنـي أَدعـــو الـريـــــاحَ إلَى

رمـادِهـم ، وأَصبُّ الزيـتَ في الشَّــررِ

*

إِذا يقـولونَ: "مجنونٌ" فقـد صدقـوا

فيما يـقـولونَ عن رعدي وعن مطري

*

لا. لــنْ أُبــــدِّلَ أَشــــواكي بمِعلَفِـهـــــمْ

لكـي أعـيــشَ، ولا الآلآم بالخَـــــــدرِ

*

ولـنْ أُخفِّــضَ لـيْ جـنحــاً بعــاصفـــةٍ

ضدِّي ، ولـنْ أَرجوَ الإِفلاتَ مـن خَطـرِ

*

إِنّي لسـكـــرانُ مـن صحـويْ بمقـبـرةٍ

سُـدَّتْ، وسـكرانُ ممّا فِيَّ مـن ضَجَــرِ

*

أَكــــادُ أَدفــــــعُ عـن وعيٍ إلَـى جَـدَثٍ

جنــــازتي شـاطِـبَ الأَيــــام بالسَّفــــرِ

*

سُــلِّمـتُ عن والـــــدٍ كُـرهــاً أَمانتَــــه

لكــيْ أُســــلِّمَــهــا كُــرهــاً لمُنتَظـِـــــرِ

*

وهكـذا صخــرة الأعمــــــارِ تـدفـعُهــا

آمـــــالُ مُندَحِـــــرٍ وَهمـاً لمُندَحـِــــــرِ

***

شعر: عبدالإله الياسري

....................

* قصيدة قديمة في ١٩٦٨م

مهداة الى مجالسنا الثقافية ..

تعهدها الله تعالى بالإزدهار الدائم

***

إشــراقـةُ الـمجـالـس البَـهـيّـه

مَــدارِسٌ ، تُـعــزِّزُ الـهُـويـّـه

*

في صدرها اوْسِـمَةُ الثـقافـه

تَـفْخَرُ في أقلامها الصحافـه

*

أجـواؤها تـزْهو بعِطْرِ الأدبِ

تُــزوِّدُ الفِـكْـرَ بِـنـور الكــتُـبِ

*

فــي نهـجها الـوِئامُ والسـلامُ

مُزدهِـرٌ فـي رَوْضِها الكلامُ

*

يستأنِسُ الحاضرُ في أشعارهـا

يَسْتـلهِمُ العِـبْـرَةَ  مِـن أخبارهـا

*

طموحُها صَوْبَ خُطى الأجـدادِ

ومِــن سَــناهـا قَـبَـسُ الأحــفـادِ

*

أهدافها الـتـنْويرُ فـي الدِّراسَه

بَعـيـدَةً عــن محـوَرِ السـياسه

*

تَـسـودُها الأُلـفـةُ في المسِـيـرِ

ورِفْـعـةُ الآدابِ فـي التعبـيـرِ

*

مِنهاجُـهـا يـبْـعـَثُ فـي النـفـوسِ

أطايـبَ المَـوروثِ والـمَـدروسِ

*

مِن مِربَدِ الشعرِ، اسْتقتْ نكهتَها

ومِــن عُـكاظٍ ، وثّـقَـتْ بصمَتَها

*

مَـحْـفِـلُهـا ، يزهـو بــه اللقـاءُ

يـسُــودُه الـتوقـيـرُ، والـنـقــاءُ

*

يغيـبُ فيهــا الفخْرُ  بالمناصِبِ

ويَـحتَـفي الحضورُ بالمَـواهِـبِ

*

مَـناهِـلُ التـثـقـيـفِ فــي آدابِهــا

طُوبى لِمَن يسعى الى أعتابِهــا

*

فـمَـن عَـلا  كعْـبُه فــي الآدابِ

يـسْـمو عـلى أوْسِـمَة الأنـسابِ

***

(من الرجز)

شعرعدنان عبد النبي البلداوي

1- ارث

مرة توقف اللاوعي

لأن صمت النوافذ

لم يتسع حرارة السؤال

رحت أوثق عقدا شعرياَ مع الجسور المتباينة

أُعَبّر البذور الملقحة والارواح النابضة

نحو ضفة أكثر اخصابا من المطر

حين يعترضني فرض صلاة واجبة

أفك رموزها بلحن ملون

أسدد مكوناتي

عَبّارة تزف الوافدين

تفرش غيومها بين انامل تلاميذ الابتدائية

تضيء احلامهم وصفوفهم اشراقا وغضاضة

وتمنح العرسان أعشاشاً من قصائد

تظللهم

قبل سعير نشرات الاخبار

**

2- أرواح تنمو

لا تشاغب مساري

أرهقني تباين خطاي مع كيمياء ارصفة غير مألوفة

واعتداد كائنات صخرية بسيمائها

جئتك أيها المأوى حاملا محطاتي الستين

اذرفها لونا وحروفا حتى آخر قطرة

قُبالة وضاءة عتباتك

دع اتساع ابوابك تستوعب شكاوى أبناء الضفاف

إنّا جنوبيون كما يجب

مُحيّانا ليونة العشب ومسحة الطين

عندما نبش الخفافيش سجلاتنا

أفزعهم ذاك التكوين الحي

أرواح تنمو بفعل الحب

لذلك رَسَّبوا كل هذا الليل الشاسع على شُرُفاتك

فتقاسَمَتنا المنافي

***

عبد الستار جبار عبد النبي

أنا افكرُ بهبوبِ عطرِ الحدائقِ

أما زالَ يمضي كما هو

اما زالَ يحركُ تنانير الجميلاتِ

او يرسمُ لهنَ ظلاً يعطرُ الارضَ

أني أتقمصُ لي ناياً

أحلمُ بفمي أنهُ تدربَ العزفَ

وأحلمُ أني فوقَ مسرحٍ

أغني او أفكرُ

كلُّ ذلكَ ربما يذهبُ ادراجَ الريحِ

حينَ اتألمُ لبكاءِ طفلةٍ

أسكرتها أزمنةُ العذابِ

أنا لن أعودَ لكسلي المؤرقِ

ولستُ مكرهاً على قراءةِ

قصائدِ الندمِ وأستباحةِ الضميرِ

أعرفُ ثمةَ مَنْ يشدني اليه

بوثاقٍ أجبلَ أنْ يخنقني

مع طيبتي التي لم تشفعْ لي

فقد خانني نكراتُ الدنيا

وحين عدتُ لرسائلَ

أخفيتها، عاندتني الارضُ والريحُ

وسوءُ الحظِ

تناثرتْ بينَ اشلاءٍ مَزقتْ

أقانيمُ الحبِ التي صيرتني في تيهٍ

***

عبدالامير العبادي

(إذا الشعب جاع)

فجوعوا معه

ولا تخذلوه

بما أبدعه !!

ولا تصرفوه...

بلى.. وانصروه

على (الجعجعةْ)!

فقد أثقلتهُ...

وقد آلمتهُ...

وقد أشعلت وضعهُ

بالذي ضعضعهْ!

فماذا صنعتم له ياترى؟!

وهل تصدعون بما صدّعه؟!

وتحملوا عنه قليلاً...

وترفعوا عنه الذي (أدقعه)؟!

وتنفثوا في جيبه

كي تُعٍيذوهُ من فاقة ٍ

أقعدتهُ...

بوحشية ٍ فاجعةْ!

(إذا الشعب جاع)

فجوعوا معه

عسى تستجيبوا...

عسى أن تخوضوا لأجلهِ

ما يَنْفَعَهْ .

عسى أن تحسوا

بما يُوْجِعَهْ !

***

محمد ثابت السميعي

النهر يكتم أسراره، المشهد الأول (2)

حين هاتفهم قبل مجيئه إلى بغداد، كان ذلك قبل شهر من الآن، شعر بثقل الحنين يطغى على روحه مثل سحابة مضمّخة بالعتاب الجارح. سمع صوت والدته المثقل بالحزن، وهي تجهش بالبكاء وتدعو له بالسلامة، وتتمنى أن تراه وولده قبل أن يأخذها الموت. كان ذلك المساء نذيراً بهيجان شوق كُبت كل تلك السنين الخمس عشرة التي حسبها انطوت سراعاً، ليقف في هذه اللحظات مرتعشاً تملأ روحه الموجوعة موجة من غمّ ونكد، فترك لدموعه الفرصة لتمسح ما تستطيع من هموم. وفجأة وجد نفسه يقرر السفر إلى بغداد.

طالعته سماء بغداد وهو غير مصدق عينيه. كان الغبار يفصح عن دَكانة كئيبة تغطي بناياتها، ولكن نهر دجلة لا زال في مكانه راسخاً يتلوى مثل أفعى. رغم الجزر المغطاة بالحشائش التي رقـّعت وجهه، كان يتمايل هادئاً كسولاً ذاهباً نحو أقصى الجنوب باتجاه الخليج. أصابته الدهشة وهو يرى هذا المنظر المرقّع بألوانه الداكنة المختلطة بغير عناية، عبر نافذة الطائرة. حلقت الطائرة بدوران حلزوني فوق المطار ثم هبطت بحذر شديد فوق المدرج. عند هبوطه سلم الطائرة لفح وجهه هواء حار خالطته ذرات رمل لاسعة، فرفع منديلاً ورقياً ليضعه فوق أنفه، ولكنه وجد أن العملية ليست بالسهولة التي يظنها، ليرفع معها حقيبته وفي الوقت ذاته يحاذر التعثر والتدحرج من أعلى السلم.

 المفاجأة الأولى غير السارّة التي واجهته كانت عملية خروجه من المطار نحو بيت أهله في مدينة الكاظمية. فقد وجد صعوبة في الحصول على سيارة تقلـّه إلى هناك. وقف واجماً أمام الباب الواسع والعالي لمطار بغداد، لعله يجد من ينقله إلى هناك. انتبه لإشارة كان يلوّح بها صاحب سيارة حديثة فاتجه نحوه. حسم الأمر وقبل بالمبلغ الذي طلبه السائق. بعد بضعة كيلو مترات باتجاه المدينة أخبره السائق بأنه سوف يوصله عند نقطة عباس ابن فرناس القريبة، وهناك سيجد سيارات نقل كثيرة تذهب إلى جميع أحياء بغداد. حار بالإجابة، فالمبلغ الذي طلبه السائق ليس بالقليل، والسائق حسب الاتفاق استوفاه عن نقله إلى مدينة الكاظمية، وليس تركه في مكان  تحكمه سيطرة عسكرية، وعليه أن يستقل من هناك واسطة أخرى. لم يتركه السائق في حيرة من أمره، فأوضح له السبب معللاً الأمر بارتباطه بواجب في المطار وعليه العودة بسرعة. وأضاف أن السيطرة الموجودة في موقع عباس بن فرناس سوف تمنعه من العودة مرة أخرى إن خرج إلى المدينة. أراد مناقشة الأمر مع السائق ولكنه سهم وفكر، إن كانت الخسارات لا تتجاوز أكثر من هذه الخدعة، فهي لا تعني شيئاً، وليدع الأمر يسير دون انفعالات وضجيج، فربما يتطور الأمر إن ألح، وفي النهاية إلى مشاحنة وخصومة لا يعرف نتائجها، وسبق له أن سمع عن حوادث راح ضحيتها أشخاص دون وجود ما يبرر حدوثها. وزيارته لأهله  بعد كل تلك السنوات، مع ما يتوقعه من انفعالات الفرح والغبطة التي ترافق مثل هذا اللقاءات تجعله يهمل  ويرمي بعيداً أي تفكير بإثارة مشكلة عابرة، يمكن حلها بواسطة النقود، لذا اقتنع وقبل بما فرضه السائق عليه، واستقل سيارة أخرى من نقطة تفتيش عباس بن فرناس.

استدارت السيارة واقتربت من منعطف الشارع القريب من بيت أهله. طالع البيوت التي رُصّت جوار بعضها البعض، وبدت ألوانها كالحة وجدرانها تعرت وظهرت أحجارها المنداة كبقع كبيرة متباعدة. سار بخطوات متعثرة وقدماه تقودانه داخل الزقاق. شعر بأن الشارع بدا ضيقاً وليس كما عرفه سابقا. تردد بعض الشيء ووقف أمام باب دكان صغير نطت بوابته من أحد جدران البيوت. كانت البيوت واطئة أسدلت ستائر شبابيكها، فبدت وكأنها تغلق نفسها أمامه على صمت مبيّت. شعر وكأنه يسير إلى لا مكان، وحيدا يختم على قلبه بقوة، مانعاً  أكثر ذكرياته نشوة وفرحا من الطفح. حاول تشتيتها في تلك اللحظات المحرجة اللجوجة. اختلطت في رأسه أصوات عراك وقهقهات لصبية يختبئون خلف تلك الأبواب الموصدة. همس قوي رددته البيوت في وحشة تلك الأمسية الكالحة، فأحس بارتجاف جسده. ولكنه شعر ببعض طمأنينة حين أسكره عطر أشجار النارنج ورائحة الحشائش المنداة، ولون السماء بغيومها الرمادية التي تعكس ضوء الشمس الغاربة.

لم يخدع نفسه، فالشعور الذي أنتابه لم يكن إحساساً بعودة إلى وطن، فقد شعر بغربة قاحلة تلف روحه، وكأن قدميه تطآن المكان للمرة الأولى. كان الباب محافظاً على اللون الأخضر الفاقع ذاته، وكأن طلاءه قد جُدد حديثاً. ولكنه استغرب هبوط دكة الباب عن مستوى الشارع حيث بدا وكأن الدار برمتها قد غاصت نحو الأسفل. طرق الباب.

 لفته زحمة ضجيج وتلقفته أياد كثيرة. أقارب ومعارف ووجوه يراها للمرة الأولى. عجائز وشيوخ، شباب وصبية، قبلات واحتضان، عتب وبكاء، شجن وحسرات، وكانت أمه  قد تلقفته  ولم تترك جسده يفلت منها. كانت رغم قصر قامتها وجسدها الناحل الدقيق تتعلق برقبته وتتشبث بها، وكأنها تقاتل الجميع دفاعاً عن حصتها فيه.

لعدة أيام ظل جالساً في صالة الضيوف لا يفعل شيئاً سوى استقبال الأقارب ومجموعة الأصدقاء والجيران، ما كان يفعله غير مطالعة الوجوه التي ضجت بهم أيامه، وهو يبادلهم الابتسامات ويهز رأسه شاكراً حضورهم وحسن وفادتهم وحرارة ترحيبهم وسماع تعليقاتهم. وكانت أمه تتلمس جبينه بين الحين والأخر وكأنها تمسد وجه طفلها حديث الولادة. كانت أصواتهم وحكاياتهم أشبه بصفير مكتوم يثقب رأسه، تتراقص وجوههم أمامه، تتأرجح وهي تروي حكايات عن علاقاتهم به، أو عما كان يحبه أو يكرهه، عن مغامرات وأفعال شعر بسماجتها أو افتعالها. كان يقضم الطعام معهم ويبعث ابتسامات بليدة يرسلها بمشقة نحو عيون تطالعه طيلة الوقت لتفتش في تقاطيع جسده.

لقد هزل الجميع، وبرزت عظام وجوههم وتحددت بتجاعيد دقيقة. جميعهم، حتى الصغار منهم، هؤلاء الصغار الذين شابوا بسرعة مذهلة، ولم يتركوا له ما يستطيع الاستدلال للتعرف عليهم. تلك الفوضى التي سادت البيت، مع حضور كل تلك الأعداد من الناس، ذكـّرته ببريغيتا وكيف كان صوتها يبعث في رأسه صدىً مخنوقاً  لتجعل من المكان بيتاً  لمصح عقلي.

لمرات عديدة أحس بالقشعريرة والخوف وهو يسمع رشقات الرصاص ودويّ الانفجارات، بالرغم من وجودهم حوله. كان في حالة من الذهول الدائم لقرب تلك الأصوات من المنطقة. وكان يراقب بخوف شبابيك الغرفة وهي تهتز بقوة مع كل انفجار، ولعدة مرات وثب من مكانه وهو يتحفز لدرء الخطر المجهول. 

ما زال أمامه خمسة أيام. ومع مضي الأيام السابقات، استعاد بعض صحوته من صدمة ما شاهده وعرفه وسمع عنه، أشياء تبدو أكثر قرباً من الخيال. جاهد في الليالي الماضيات أن ينتزعها من رأسه دون جدوى. كان ينتظر، فمثل تلك الحكايات والأفكار والثرثرات، سوف تزول حتماً حين يجد نفسه قد عادت لتكون بينهم مثلما السابق، أو ليتعرف جيداً على طباعهم وحياتهم الجديدة ليتقبلها راضيا ثم يهضمها. إن مثل هذا الشيء يحتاج إلى وقت، وقبل ذلك إلى قناعة وهدوء وهو يمتلكهما حتماً، هكذا حاور نفسه.

كان يستيقظ كل ليلة ليسترق السمع في ذلك السكون الموبوء بنباح الكلاب وأصوات الصراصر، ورشقات الرصاص، وزعيق سيارات الشرطة والإسعاف، ليل يسمى ليلاً، ولكنه يخلو من كل علاقة بتلك التسمية، فيدس رأسه في الوسادة المتيبسة مبعداً روحه عن ذلك الجنون، يحاول جرجرتها نحو شقته في مدينته السويدية مولندال وابنه سالم، وحديث الشجر في غابته الجميلة.

البارحة كان ليلاً طويلاً مميزاً، فقد سهرت أمه معه حتى ساعة متأخرة. كانت قبلاتها عطشى وكان حضنها وسادته اللدنة المحببة. للمرة الأولى، يشعر بأنه يستعيد شيئاً من الطمأنينة والحنان ويبعد كلياً الخوف عن روحه. سمع أصوات ضجيج سيارات الشرطة وإلاطلاقات النارية واهتزاز الشبابيك، ولكنه لم يشعر بالرعب مثلما في الأيام السابقة.

 بتلميح ذكي نبهته أمه لزهراء. استدرجته في الحديث وهي تمسد شعره بأصابع يدها اللدنة، وكان هو يشم رائحة طفولته تلفع أنفه، متأتية من شالها الذي كلح لونه. ما زالت زهراء في خاطره، وهي قريبة من أمه بعد أن توفيت أمها. زهراء بنت خالته التي يكبرها بعامين، وكانا يتذاكران سوية أيام الدراسة، وكان قد لاحظ اهتمامها به، وتركيز نظراتها عليه. انتبه لذلك جيدا، وبدوره حفظ لها في قلبه ابتسامة بريئة طرية. ربما تعاد تلك الأيام، ولكن تمناها أن تكون على براءتها، شقاوة ومودة وأخوة بريئة. لا يدري ما تخبئه الأقدار. كان ذلك منذ ما قبل خمسة عشر عاماً مضين وأخذن معهن الكثير. هاهو قد جاوز الأربعين بتسعة أعوام، وهي ترملت مبكراً، عافها زوجها وذهب ضحية حرب لعينة، دون أن يترك لها ما يشيع في قلبها فرحا حتى ولو بسيطاً. أرملة وحيدة، وهي اليوم ذات سحنة سمراء داكنة بعض الشيء، منتفخة الجسد وعروق يدها ناتئة، وتبدو ذات بشرة مترهلة، رغم ما يظهر عليها من حيوية ونشاط، وما زالت تحتفظ ببقية من سحر شباب. ظن ذلك عند موعد الغداء،حين بادلها ابتسامة أوحت لأمه الكثير من الدلالات، فضغطت على ركبته، وتوشح وجهها بالرضا وابتسامة لها أكثر من مغزى. لذا كان حديث الليل طويلاً أقتصر على طباع زهراء وسجاياها.

في تلك الليلة شعر بأنه تعرف على ابنة خالته زهراء مرة أخرى. وجدها قريبة منه، ودودة، تعامله بفرح ومودة. كانت وكأنها عادت لتسأله المساعدة في شرح الدروس فيجيبها بعد مماطلة، ولكنها لم تكن لتيأس، وفي النهاية يقتنع فيشرح لها ما عصي عليها فهمه . كثيراً ما كان يصدق إحساسه، فبمجرد كلمة أو نظرة يجد أن ذلك ينطبع في قلبه وذهنه ليصدق الحال بعد ذلك دون جهد يذكر. زهراء بنظراتها تطلب منه ذلك، والآن فإن أمه تعرض عليه الأمر دون مقدمات. حين حديث أمه عن زهراء تحايل كثيراً وناور كي يغير الحديث الذي شعر بأنه غير مستعد للخوض فيه، أو إعطاء كلمة مناسبة في شأنه. ولكن أمه كانت امرأة صبورة لجوجة لا تتخلى عن هدفها بسهولة. كان يردد في سريرته لو أمكن صرف انتباهها إلى موضوع آخر، لكن إصرار الأم كان لا يتزعزع. لم يحر طويلاً بالأمر فبادرها بالسؤال:

ـ ألا يزال القارب عند الشاطئ.

ـ أي قارب؟

ـ قارب الصيد الذي كان لوالدي.

ـ أجل، مازال هناك وقد أهمله خالك منذ عام. و أظنه في المكان عينه . ما الذي تريده منه؟ 

ـ لا شيء .. أتتذكرين تلك الأيام حين كنت أشارك أبي في الصيد ثم أستخدمه في نزهاتي.

ـ أتذكر ذلك جيداً .. ولكن الظروف اختلفت يا ولدي .. حتى الصيد بات صعباً في ظل هذه الأوضاع.

ـ لا أريد أن أصطاد .. فقط أريد أن أعيد النزهة.. هذا الشيء بات غصّة في صدري. ما أجمل ما يعيد لي تلك الأيام.

ـ ولكن يا ولدي ليس من السهولة فعل ذلك..

ـ للمرة الأخيرة .. وليكن ذلك ذكراي العزيزة التي أحتفظ بها في غربتي.

ـ لست متأكدة، ولكن أسأل خالك عنه.. فربما لم يعد القارب صالحاً للاستعمال.

***

فرات المحسن

 

كان ألم الرحيل الابدي الأخير لخالي من هذه الدنيا، في مثل هذا اليوم قبل سنتين، مُضاعفًا، كون خالي هو آخر الرجال الكبار الراحلين واحدًا تلو الآخر في اسرتي الصغيرة المهجرة من قريتها سيرين، المقيمة حاليًا في الناصرة، وكونه كان دائم الحُلم ولم يقطع الرجاء بالعودة إلى قريته المنتظرة المسترخية على الروابي والتلال البعيدة، طوال أيام حياته، فجاء الموتُ ليضع حدًّا قاسيًا لهذا الحلم، ولينقله بالتالي إلى الابناء والاحفاد... من يعلم.

ولد خالي عوض عبد الكريم- سيدي- نسبة لوالدته، قبل 87 عاما في قريته الوادعة سيرن... حتى عام 1948. في هذه السنة، سنة النكبة، كان والداه قد رحلا عن هذا العالم، تاركين إياه هو وشقيقه الاصغر، محمد موسى عبد الكريم-سيدي، في عُهدة والديّ، وكان من الطبيعي أن يرافق خالاي حديثا السنّ في حينها والديّ ليتشرّدا في طول البلاد وعرضها، وليتنقّلا بالتالي من قرية إلى بلدة ومن بلدة.. إلى أن استقرّ بهم المقام في المدينة التي سأولد فيها وسأحبها حبي لأمي وأبي.. مدينتي الحبيبة الغالية الناصرة.

تنقّل خالاي برفقة أهلي في الناصرة من بيت مستأجر إلى آخر، وكنت أراهما، أنا الطفل حديث العهد بالحياة آنذاك، مثل وردتين تتفتّحان في حديقتنا الحزينة المتواضعة، وتكبران يومًا اثر يوم وسنةً بعد سنة. كان خالي الاصغر محمد الموسى حريصًا على الدنيا، خائفًا متوجّسًا منها ومن عقاربها اللسّاعة القتّالة، وقد كتبت عنه وعن رفيقة دربه خضراء حسين الفودي، في كتابي "حياض غثيم- سيرة ذاتية من خلال آخرين"، لذا أحيل من يُود معرفة المزيد عنه إلى هذه الكتابة، أما خالي عوض، موضوع كتابتي، حزني وألمي الآن، فقد كان لاهيًا معتزًا بنفسه، يهمه مظهرهُ الخارجي.. ارتداء الملابس الملائمة وتصفيفة الشعر، بصورة كبيرة ولا تقارن بتلك التي اتصف بها شقيقه الأصغر، وقد عمل خالي الراحل في مجال البناء طوال فترة عمله المركزية في الحياة، وعندما نضج ارتبط بابنة مهجرين مقرّبين من بلدتنا هي آمنة حسن عبد الغني العجاوي( 1941- 2009)، وانكبّ على عمله واصلًا الليلَ بالنهار، لإعالة أسرته الصغيرة التي كبرت سنة اثر سنة، وعقدًا بعد أخيه..، والغريب أنه كان يصرف كل ما يتقاضاه مقابل عمله، غير حاسب حسابًا لأيام يقلُّ فيه العملُ وتضيق فيه ذاتُ اليد، فأدخل نفسه في ديون ضيّقت عليه الحياة إلى أخريات أيامه. وقد قضى خالي في مهنته الشاقة هذه وقتًا مديدًا، تجاوز العشرات من السنين، إلى أن كبر وكان عليّ بعد كل ذلك السعي في مناكب الحياة، أن اقترح عليه عملًا آخر يريحه من معركة الاسمنت، الرمال والجير، فسألني عمّا يمكنه أن يفعله وقد كبر في العمر، فاقترحت عليه العمل في الخفارة- الحراسة، وقد عمل فيها حتى انتهاء فترة عمله وإحالته إلى التقاعد.

بعد رحيل زوجته، قبل أحد عشر عامًا، عام 2009، وانتقال كل من أبنائه ذكورًا واناثًا للإقامة إلى جانب أزواجهم وأزواجهن في بيوت مستقلة، عاف خالي بيته القديم في سوق الناصرة- البلدة القديمة، وانتقل للإقامة في بيت مستأجر في الحي الشرقي من المدينة، وكان هذا البيت يقع قريبًا من بيت آخر مستأجر أقامت فيه ابنته الصغرى- أفراح- برفقة زوجها عبد، لذا انتقل في السنة الاخيرة الماضية بعد أن نالت منه الشيخوخة والاعاقة الجسدية الطفيفة ( العرج)، للإقامة مع ابنته هذه، وكان ابّان هذه الفترة دائم التردّد على مسجد السلام القريب من مكان إقامته لأداء الصلوات والالتقاء بأناس ما لبث بعضٌ منهم أن تحوّل إلى صديق له يتقاسم معه تمرة الافطار في الايام الرمضانية، كما ذكر الشيخ فارس العابد في كلمة اختتامية له في يوم العزاء.

كان خالي رجلًا بسيطًا متواضعًا، وأكاد اقول درويشًا، أحب الناس فبادلوه الحب، وكان متسامحًا لا يحمل الضغينة والغلّ إلا لوقت قصير، ويغلب على ظني أنه ما إن كان يلتقي بمن اختلف معهم من الأقارب والمحيطين، حتى ينسى الخلاف ويمدّ يده لمصافحتهم، فاتحًا صفحة جديدة ملأى بالتسامح والمحبة، وقد شهد بيتُ العزاء على مدى محبة بُسطاء الناس، من رفاق الجامع والشارع أيضًا، لشخصه المُسامح الكريم. ومما أذكره بصدد الحديث عن شخصه الرقيق الطيب، أنني عندما كنت في سن الثالثة أو بعدها بقليل، عبّرت عن رغبتي في الحصول على ساعة يدوية، وكان أني حلُمت خلال نومي في بيته أنه يضع هذه الساعة في يدي، لاكتشف في الصباح الساعة حقيقة قائمة وتلتف حول يدي.. التفاف اسوارة حول معصم غالٍ .. اسوارة تساوي الكثير.

قبل سنتين.. في يوم اربعاء ماطر حزين، شيّعنا خالي إلى مرقده الاخير، في مقبرة الناصرة القديمة، القريبة من مستشفى الناصرة/ الانجليزي سابقًا، وآوبناه هناك إلى جانب زوجته آمنة حسن عبد الغني، بعد أن انتظره مدفنه ذاك أحد عشر عامًا، دون أن يشغله متوفىً آخر، رغم ضيق مساحة المقبرة.. بعد انتهاء التشييع وانفضاض الابناء والاحفاد.. ابتدأ المطر بالهمي رذاذًا.. رذاذًا ثم.. انهمر.

***

ناجي ظاهر

 

للمرة الألف، ولن أسأم، أقول لك: إن مكانك ليس على قارعة الطريق. ويدك لم يخلقها الله كي تكون في الموضع الأسفل. أنت رجل كرّم الله مقامك. فكيف تمد يدك متوسلا المارة من أجل قطعة نقود، يرميها لك المارة على عجل. كم من مرة هممت بركلك كما يركل الأطفال كرة مطاطية. كم تمنيت أن لا تراك عيني، وأنت محتب في تلك الزاوية النتنة، وروائح البول تزكم أنوف المارة. كنت شبيه كيس قمامة مهمل منذ أيام. تلتهم بنظراتك عيون الراجلين.

أحيانا كانت ترنو لي فكرة مفادها:

ـ إنّك تسيء للوطن والإنسانية جمعاء. لم يهدِ الشهداء أرواحهم من أجل أن تقبع أنت على قارعة الطريق تستجدي غيرك. أنت تجرد الإنسان من ذرات الكرامة والعزة.

آه منك، كلما مررت بذلك الشارع المزدحم، ألفيتك مغروسا في عين المكان كوتد خيمة نسيّه صاحبه لحظة الرحيل. فأشعر بوخزات في كامل جسدي. أكاد أصرخ في وجهك بكل قواي الصوتية:

- انهض يا خنزير، انهض.

ثم أستدير نحو المارة قائلا:

- هذا الإنسان محتال. لا تعطوه (دورو) * واحدا. إنّكم ترمون دنانيركم في بالوعة. أنتم تدقون وتد الفشل أكثر.

لكنني أتراجع عن ذلك. أتعرف لماذا أتراجع عن الصراخ في وجهك القذر، وأوجه المارة؟ لأنّ مشاعر الشفقة تغلبني. وكلما زاد إشفاقي، زاد حقدي عليك. وكلما ارتفع منسوب الحقد، ازداد إشفاقي. تلك معادلة عذبتني، وملأت دلوي حيرة. وجعلتني أرجوحة بينهما.

كان أجدر بك أن تحيا رجلا محترما ككل الرجال. أو على الأقل تحيا حياة امرأة مترجلة. يا لغرابة هذا الزمن. كيف أصبحت الرجولة عملة نادرة؟ كأن تكون فلاحا في مزارعنا القاحلة. أو معلما في مدارسنا المجانية التي تعلم أبناء الشعب الشعر الجاهلي. أو مهندسا في معاملنا المفلسة. ما أكثر الوظائف المفيدة، المنتجة وغير المنتجة. لو امتهنت الرقص في الكباريهات، أو لعبة كرة القدم، لكنت أشهر الناس وأغناهم. هذا زمن الحكمة في الأقدام لا في الرؤوس.

أنصحك قبل أن تفلت مني أعصابي، وتذوي إنسانيتي نحوك. غادر هذا المكان الموبوء. لم يخلقك الله عالة على الناس، وعمودا على حافة الطريق تنخره الأرضة.

-2-

كدت لا أصدق بصري عندما رأيتك آخر مرة تعبر الشارع الرئيسي. ارتجف قلبي، وأحسست بقدميّ قد ابتلعتهما هوّة هوجاء. عقلتني الدهشة. تبعتك، خفت أن تضيع مني، هرولتُ خلفك، لحقتُ بك دون أن أشعرك بوجودي، راقبتك، تفحصت جزئيات جسدك. أدركت أنّك أنت. لا،لا، ليس أنت. هو شبيهك. كان حذاؤك أسود ملمعا بعناية. بدلتك الرمادية من صنع إيطاليّ على ما يبدو. ربطة عنق أرجوانية، وقميص أبيض، وتسريحة شعرك، كلها تنبيء بأنك رجل مهم، ذو مركز وجاه ومال. آه، لولا أنّي أعرفك شكلا ومضمونا، لصدقت عينيّ. لقد كنت في هيئة عريس في ليلة زفافه.

ساءلت نفسي والعجب موج أطلسيّ يغمرني:

- كيف يحدث هذا؟ هل تاب الرجل؟ كيف تحولت كومة القمامة – فجأة – إلى ربوة مزهرة خضراء؟

وتعقبتُ خطواتك، ولم أتعب. بل زادني فضول الاكتشاف نشوة كنشوة الكمين بعد النصر. ها أنا أمارس هواية جديدة لا أتقن أبجدياتها. والسبب، أنت الذي دفعتني إليها مكرها لا بطلا. أنا لست ممن يراقب الناس، كأولئك المقعدين، الفاشلين، التائهين بين المقاهي والأرصفة وأزقة الروائح الكريهة التي تزكم الأنوف. أعرف أنّ من راقب الناس مات هما وكمدا. وأنا لا أريد أن أكون كذلك من أجل كلب، بل خنزير بريّ مثلك.

ثم امتطيتَ سيارة فاخرة، سائقها شابة جميلة عمرها في حدود الثلاثين. وانطلقت بك. فاضطررتُ إلى ركوب سيارة أجرة لألحق بك.

قلت في سري:

- لا تهم الخسارة من أجل حضرتك. المهم معرفة نهاية الخيط.

لم تبارحني هواجس الغيرة والحسد، وأنا أراك تمتطي سيارة بسائقة أنيقة المظهر. كيف يحدث ذلك. هل تنكّر هذا الزمن لذوي القلوب الطيّبة، والنوايا الورديّة؟ وتبسّم لهذه الكومة الملتصقة طول النهار برصيف مشبع بالبول والبصاق.

توقفت بك السيارة الفخمة عند مدخل ملهى فاخر لا يدخله أمثالي. رأيتك تدلفه مختالا، بينما بقيت أنا مشدوها، حائرا بين نارين. أأقطع الخيط بيني وبينك وأضع حدا لهذه المغامرة الطفوليّة المجنونة، وأدع الأمر لصاحب الأمر؟ أم أواصل حتى النهاية؟ هل يعقل أن أدخل الملهى، وأنا الذي ما دخلته قط. أيسمح لي الحارس بالدخول بهذا اللباس غير المكوي والحذاء المغبر. ثم ماذا لو رآني معارفي داخلا أو خارجا من الملهى؟ وبأيّ وجه أقابلهم في الغد؟

أأقول لهم:

- كنت أطارد متسولا محتالا.

- وما حاجتك به؟

- أردت معرفة حقيقته.

- وهل أنت رجل أمن حتى تطارد الناس ليلا؟

- مجرد فضول.

- أنت على حافة الجنون على ما يبدو.

دنوتُ من باب الملهى، ووابل من القلق يغمرني. أيسمح لي ذلك الحارس بالولوج؟ أم يردّني خائب الأمل؟ ولحظتها سأنصرف، وأخمد في فراشي البارد بجانب زوجتي التي لا تكف عن الشخير، كأنّها بقرة هرمة في جوّ قائظ؟ أم أتكئ على حائط موشوم ببول السكارى وقيئهم؟ أم التصق بجذع شجرة إلى بزوغ الفجر؟ حينها ستخرج يا صاحبي وأنت تتمايل من أثر الشرب والرقص وأشياء أخرى.

و قررت أن أواصل مغامرتي معك حتى آخر خيط من ظلام تلك الليلة. كنت أعلم بأنّني سأخسر الكثير بسبب هذه الحماقة والرعونة. لن أفلت من الأسئلة البوليسية لزوجتي وملاحظاتها:

ـ أين كنت؟ ولماذا تأخرت حتى الفجر؟ ومع من كنت؟ ليس من عادتك التأخر إلى هذا الوقت. لا، لا، هذا أمر لن أسكت عنه. وووو

أأخبرها بكل برودة أعصاب، بأنّني كنت أتبعك أيّها المتسوّل. سترد عليّ بدهشة

و سخريّة وغضب:

- تتبع متسولا. أهاه، هل تريد تعلّم حرفة التسوّل ليلا حتى لا يراك أصدقاؤك؟

- لا، لا، ليس هذا هدفي.

- أم فقدت عقلك يا رجل؟

- لا، لا، عقلي مازال في رأسي.

وتشتدّ بيننا المحاورة. ينضب الكلام الزلال، الحلو، وتحل محله الألفاظ الحنظلية. تملأ العمارة صراخا، حتى تينع الشرفات والنوافذ برؤوس قاطنيها.

قال لي الحارس:

- أرني البطاقة والدعوة من فضلك.

و أفرحتني كلمة من (فضلك).

- أما البطاقة، فهاهي، وأمّا الدعوة فلا أملكها.

- آسف.

- لم أكن أعرف بأنّ الدخول إلى ملهى يحتاج إلى دعوة.

- يبدو أنّك جديد على عالمنا.

و قررت أن أكذب كذبة بيضاء في ليلة حالكة.

- لا، لست جديدا، من عادتي الدخول إلى الملاهي دون دعوة.

أدار رأسه يمنة ويسرة وردّد:

- تلك ملاهي غير محترمة إذن. أما هذا فهو ملهى محترم.

ـ3ـ

باءت كل توسلاتي بالفشل. فالحارس الذي أصبح فظا، أمرني بالانصراف أوالابتعاد، وإلاّ استدعى الشرطة. فاخترت المحافظة على سلامة عزّتي وكرامتي. وإلاّ قضيت بقيّة الليلة في مخفر الشرطة بتهمة الاعتداء على مرفق عام.

ومن أجل أن لا أعود خائبا، فارغ الدلو، كمن وقع بين مخالب الأسد هربا من الذئب. رحت أنتظر خروجك من ملهاك على كومة الجمر. نعم، أيها المتسول (المحترم). صرت أنت السيّد، وأنا العبد.

و تثاقلت خطى الليل، كأنّ نجومه قد أرهقتها وعورة الدروب وطولها. أو كأنّها قد كبّلتها الأغلال. كان رأسي يترنّح بين اليقظة والكرى. بينما كنت أنت غارقا في لهوك.

كانت أحيانا تعتريني أفكار ومشاعر:

- ماذا سأربح من ورائك؟ وجع الدماغ لا غير. أخشى أن يبلغ اهتمامي بك درجة الحقد.

و لم الحقد على متسوّل مثلك؟ لا،لا، أنت – في دائرة اهتمامي – لم تعد متسوّلا. بل أنت محتال. خطرك لا يقل درجة عن المرتشين ومختلسي أموال الشعب والناهبين وواضعي أيديهم في جيوب المساكين. ثم، ماذا سيكون ردّك لو عرضت عليك وظيفة ما؟ وقلت لك:

- دعك من التسول يا هذا. اليد العليا خير من اليد السفلى. العمل شرف وصون للوجه.

تمثلتك أمامي، وأنت تردد:

- هذا أيضا عمل. ألا ترى - يا صاحبي – أنّني أشقى طول النهار.

ألا تقولون أيّها النبهاء:

ـ أن عليّ كسب الرزق بعرق الجبين.

وها أنا أتصبب عرقا كل يوم، وفي كل الفصول. كم ستدر عليّ وظيفتك؟ أنا لا أقوى على تحمّل شتائم المدراء وطلباتهم الغريبة. أنا حر. متسوّل وأفتخر. لست ابن أَمة أو قنّ. لي قلب مثلك وضمير. لا أدعي العمل وأنا بطّال مُقَنّع. لا أستغلّ رزق الشعب لأجل مصلحتي الخاصة. لا أتاجر بالشعارات الثوريّة. لا أدعي المثالية.

قل لي بربك:

ـ ماذا تفعلون بأموالنا القارونية؟ متى يرفع الوطن رأسه من وحل التبعية؟

و صرخت في وجهك:

ـ كفى، كفى....

ما خطر على بالي يوما – ولو في الحلم – أنّك متسّول وفيلسوف. من وهبك كل هذه النباهة يا هذا؟ ألم أقل لك بأنّ الرصيف لا يليق بك؟

وبينما أنا أتخبط في أحلامي التي طوّقت رقبتي، لمحتك - فجأة – تخرج من الملهى رفقة تلك الحسناء. قفزت واقفا كأنّ عقربا لدغتني على حين غفلة. اتجهت نحوك. اقتربت منك. كانت آثار السهر بادية عليك.

رمقتني صديقتك المشبعة بروائح الخمر والماكياج والعطور الفاخرة، وقالت:

- أف، من هؤلاء المتسولين. كأن النهار لم يكفهم.

رمت لي قطعة نقود ورددت ثانية:

- هيا، اركب، يا حبيبي، ودعك من جنس المتسولين.

و غادرتما المكان على عجل. وتسمرت أنا في مكاني أجتر حيرتي. كنت – وأنا عائد إلى البيت – كجنديّ فرّ من معركة حاسمة قبل بدايتها. كانت مرارة الهزيمة لا تُطاق. أجرّ قدميّ، وفي حلقي غصص، كأنّ شوك الحمير ألقى بأنيابه فيه.

أقسمت بأغلظ الأيمان، بأنّني سأركلك هذه المرة أمام الملأ. لن أرحمك، سأفضحك، إن وجدتك في ذلك المكان. سأخبرهم بحقيقتك:

- هذا المخلوق محتال، لا تعطوه. اركلوه. ابصقوا في وجهه وكفيه.

(تمت)

***

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

......................

* دورو: أصل هذه العملة النقدية من الإسبانية، متداولة في عموم المغرب العربي الكبير. مقدارها خمسة (سنتيمات). duro

هذا الصباح يشبهني إلى حدٍ بعيدٍ...

يعيد إلي ملامحي القديمة ورهافة شعوري الخاطف ما بين ساقية قلمي وقلبي...

لا بد إنك متعجب مما أكتبه من كلمات منعشة في صباح تشرييني يوشك أن يزفر برداً ومكتمل البهاء وكأنه صباح مغسول بماء مطر طوال الليل ليصبح مبتل الزوايا كأنه مرآيا عاكسة لنبضه...

هل قلت لك يوماً إنني أخاف من العواصف الكتابية كخوفي من إنشطار البرق في السماء ومن صوت الرعد الذي يهبط على مسامعي بإنحدار مخيف....؟

أريد أن أستقيل من كتابة الجمل المقطوعة كنقطاع النفس ومن لهاث الأحرف التي تعبت وهي تحاول أن تلحق بمعزوفة لحن في سكة سطر عابرة.....

هذا الصباح أكثر الصباحات وضوحاً وأكثر الصباحات عمقاً كأنها قادرة على أن تخرجك من نفسك ومن إنشغالك لتتركك تمتلئ بالضوء المنبعث من النهارات لا الإنهيارات....

أفتقد جداً لهذه الصباحات الورقية التي تأتي بتواقيت مؤقتة كأنها إستثناءات تتسلل إلى مخادعنا كأنها تسابق تلك الصباحات الماطرة دون مطر إلا من رشقات حبر يخيل إلينا إنها فصل البكاء...

رغم كل هذه الرسائل التي نكتبها دون أن تقرأ وهي تجوب المحيطات. وهذا العالم المكتض بالأسرار والآمال والأوهام إلا إنني أجر قلمي ليترك أثراً على ظل الورق الأبيض دون أن أكترث للمصير الذي ينتظر الأحرف المغزولة بخيوط من الضوء الأصفر على جانب النوافذ الزجاجية....

***

مريم الشكيلية - سلطنة عُمان

 

 

 

مالي و ما للشِّعر يفرضُ أمرَهُ

في كلِّ وجدي كي أموسقَ شِعرَهُ

*

يأتي مدى الأيام مثلَ غريزةٍ

تدعو كياني أنْ يدوزِنَ فِكرَهُ

*

يأتي من الوجدان حين يهزُّني

شوقٌ من الأعماق يوقِظُ هَجْرَهُ

*

يأتي مع النِّيران حين يشبُّني

حتى يوجِّرَ في الحشَاشَةِ جَمْرَهُ

*

يغزو كما قد شاء .. دونَ مشيئتي

أسلا بهذا الغزو .. أَرغبُ أَسرَهُ

*

حتى إذاما غاب، كان أغاظني

إِعتَدَّتُ قيداً لا أحاولُ كَسْرَهُ

*

إنْ غابَ عني تستشيطُ دَواخلي

أَخشاهُ يمضي .. لا يعاودُ ذِكْرَهُ

*

آثرتُ أحيا في رُؤاهُ مُعَذَّباً

أو لا أعيش ؛ إذا إفارقُ سِرَّهُ

***

رعد الدخيلي

 

 

الاحتفال في ذروته او قريبًا منها، هيصة لم ترَ البلدةُ مثلها منذ عمر. المكان يعبق بشذى الحركة، هذا يروح وتلك تغدو، الجميع منهمكون كلّ بذاته. يهيمن ظل مديرة المدرسة على الاماكن دون أن يراها أحد. كلهم يحبونها ويحترمونها، لدقتها ومبادراتها الخيرية. شعور طاغ يجتاحني أنا المعلّم الضيف في المدرسة.. شعور يهمس في أذني ان الاحتفال أوشك على نهايته وانه من الافضل والاكمل لي أن انسحب قبل صمت النهاية. منذ وعيت على الاحتفالات اتخذت قرارًا بيني وبين نفسي هو ألا أنتظر حتى نهاية الحفل وأن أغادره وهو في الذروة بل إن رؤيتي هذه ابتدأت في التبلور مع مضي الوقت، فصرت أنتظر اللحظة العالية المرتفعة لأستعد للمغادرة، ولترك المحتفلين الثملين بأجواء الاحتفال يصلون معه إلى نهايته، فيخرجون يرافقهم إحساس بالنهاية، يدفعهم للثرثرة الجوفاء أو.. الصمت الرهيب.

أنسحب من ساحة البلدة أتعمّد ألا يراني أحد في محاولة مني لإغلاق باب التفسيرات الخاطئة، فأنا لم أغادر يا حضرة البيك لأن الاحتفال لم يعجبني، وإنما أنا أغادره لأنني امتلأت به ولا أريد أن أنتظر نهايته الصامتة. ليصلوا.. جميعهم.. إلى تلك النهاية أما أنا فإن لي شأنًا آخر. أسير في الطريق المؤدية إلى بيتي في راس الجبل. أمضى تلامس يدي الفرحة أغصان الاشجار المتكئة على الاسوار. ما أحلى بلدتي.. أما تلك الورود المجنونة فإنها تبهرني وتكاد تتربّع على عرش قلبي.

أشعر بسيارة تتوقّف إلى جانبي، أرسل النظر إلى داخلها أرى زملائي معلمي المدرسة الرسميين. يدعوني نائب المديرة لأن أرافقهم، إلى احتفال تكريمي تقيمه مدرستُنا احتفالًا بنجاح الحفل، تعال لن تخسر شيئًا، البيت لن يهرب.. ثم إنك واحد منّا ولا يصح أن يتم التكريم بدونك. أرسل نظرة إلى بيتي في راس الجبل، فيدرك النائب رغبتي في العودة إليه، إلى مكتبتي، ذكرياتي وأشيائي الصغيرة هناك. يقول لي مرفقًا كلماته بابتسامة ودّية. تعال البيت لن يهرب.. يفتح لي باب السيارة.. أتخذ مقعدي بين بقية المسافرين. وتنطلق السيارة. تنطلق إلى مرتفعات الجبال.. ما هذه الاماكن وأين تقع.. إنني أراها أول مرّة.. الله يستر.

ينزل الجميع من السيارة.. يلفت نظري أنهم جميعًا يرتدون القمصان البيضاء والبناطيل السوداء.. إلا أنا فإن ملابسي عادية.. عادية جدًا.. وصف أحد محبي ومحبي كتابتي حالتي فيها بـ" المهرجلة"، ينتظم جميع المعلمين، في صف واحد، أقترب منهم أشعر أنني الشكل الشاذ بينهم، لا مكان لك يا كاتبنا المحترم بين هؤلاء المنظمين المرتّبين. ابتعد عن صف المعلمين يبدأ الاحتفال.. أشعر بنفسي غريبًا.. يبدأ المغيبُ في الزحف إلى رؤوس الجبال تنازعني نفسي بالعودة إلى البيت.. أبتعد عن المحتفلين. أبحث عن طريق أعود عبرها إلى بيتي.. بيت ذكرياتي وأشيائي الحبيبات، أرسل نظرة إلى الجبال المحاذية الشاهقة، أنا لا استطيع أن أعبرها.. للعودة إلى بيتي.. مع هذا أمضي في الطريق المُفضية إليها. قبل أن أصل إلى حافة الجبال القريبة.. أكتشف أنني إنما أتوقّف قريبًا من هُوةٍ يفصلهُا سور يشبه سور الصين العظيم. أجلس هناك وأفكّر فيما عساي أفعل والمساء يقترب ولا أحد يشعر بي وبرغبتي في العودة إلى بيتي .. عالمي الدافئ الحنون.. يمضي الوقت ثقيلًا بطيئًا، أشعر بوقع قدمين رقيقتين تدنوان منّي حيث أجلس.. أشعر بأمل مشرق.. يقترب منّي.. أرى طفلًا ذا عينين لامعتين برّاقتين تشبهان عيني عندما كنت طفلًا صغيرًا، الطفل يقترب مني.. أساله أين طريق العودة.. يبتسم .. لا أعرف.. قد تكون كل الطرق إلا هذا.. ويشير إلى الجبال المنتصبة السامقة قُبالتنا. ما إن أشعر ببصيص أمل الطفولة يقترب مني حتى يبتعد.. يختفي الطفل من جاني.. أهتف أين ذهبت يا صغيري فتردّد الجبال البعيدة أين اختفيت يا صغيري.. لا صوت يُشبِهُ صوتي سوى صوت الجبال العالية. يلسعني بردُ المساء.. أغادر موقعي.. أبحث عن ذلك الطفل.. أرى كل الناس.. إلا هو.. لا أراه، أين اختفيت يا طفلي الحبيب.. أنت فقط من سيعيدني إلى ذلك البيت.. البعيد القريب.. أمشي في الطريق وحيدًا.. أوجّه السؤالَ ذاته إلى كل من أراهم، من نساء ورجال شيوخ وعجائز، أكتشف أن أحدًا منهم لا يعرف طريق العودة، وأن لديه سؤالًا يشبه سؤالي.. هم أيضًا يريدون العودة.. أين أنت أيها الطفل الغرير.. أين أنت أيها الامل المُنير.. عد إلي.. أهمس في أذن نفسي..

المساحات تتحوّل إلى متاهاتٍ أعرف بداياتها ولا أرى نهايتها.. أعرف هذه الاشجار وتلك الحيطان.. لكن أين رأيتها لا أتذكر.. أتوقّف قريبًا من ثلاث نوافذ متقاربة.. أطلُّ من النافذة القريبة الاولى.. أرى نائب المديرة.. يحرّك شفتيه.. ربّما كان يتحدّث إليها.. لكنني لا أسمع ما يقول.. أفهم أنه يدعوني للدخول.. إلا أنني لا أجد الباب.. يبتسم النائب.. يتركني ويعود إلى سيّدته المديرة و.. إلى زملائه المعلّمين.. القاعة تضج بالأفخاذ والطرب.. أما أنا في هذا الخلاء الرهيب.. فإنني الغريب الوحيد.. أنطلق في الساحات والشوارع أهرب من الحيطان العالية والاشجار المحدودبة على أسوارها.. أريد أن أرى أناسًا مثلي.. تقلّ الاطياف المارّة قريبًا منّي.. أستوقف عازفًا على آلة موسيقية قديمة.. أسأله هل تعرف طريق العودة فتهمي من عودة دمعة.. ليتني أعرف.. ها هو عمري قارب أعمار تلك الجبال ( ويشير نحو الجبال البعيدة)، وأنا أبحث عن الطريق.

أتخذ مجلسي فوق رابية تطلّ على المكان. قلبي يقول لي إن ذلك الطفل لن يتركني وسوف يعيدني إلى ذاتي المشتاقة.. إلى هناك.. حيث البيت.. بيتي.. وحيث ورداتي المجنونات الحنونات.. أجلس وأنتظر.. أغمض عينيّ فأراه مُقبلًا .. أفتحمها فيغيب.. يتأكّد لي مرة تلو مرة أن ذلك الطفل في الطريق إلي وأنه سيصل إلى حيث أنتظره فوق تلك الرابية.. شعور غامر يجتاحني.. إني أراه.. يركض باتجاهي.. ووراءه يركض رتل المعلمين تتقدّمهم مديرتُنا.. يركضون جميعهم بلباسهم الأبيض والأسود.. لكني.. لا أرى أحدًا.. سوى ذلك الطفل الشقي.. طفلي أنا..

***

قصة: ناجي ظاهر

الى شاعر عجوز

قبالة تلك المرآة

ذات الابعاد الثلاثية

التي تشبه شريحتك

لا تركز على خريطة تجاعيدك

ولا تراهن على مراهيم التجميل

فسوف تتيه بك

ذكريات الصبا والشباب

وكأنك تمشي

في طريق العمر

متأبطا شريط الايام

ما جدوى توديع العمر

وانت تهرول وراء الزمن المفقود

لا تحزم حقائبك

فقطار الشعر

لم يغادر محطتك بعد

حتما سترحل الى هناك

فيبكيك الشعراء والغاوون

اضف بعض الدقائق والثواني

الى ساعة جيبك

وتجنب المغازلة مع الساعة الرملية

الى ان يصل ذلك الوقت

فهذا زمن الحروب

وليس زمن الحب

لا تربك نفسك

باهوال القافية وتفعيلات العهد القديم

ولا ترهق نفسك بالخربشات التافهة

ولا تكلف نفسك بنشرها

على مواقع الكترونية

مرشحة للانقراض

أعد نظارتك السميكة

الى غمدها

وتنفس الصعداء بارتياح

وتحاشى الاحتكاك

بأي قصيدة نثرية

لم تكتبها بعد

لا تتذمر من تجاعيدك

فهي كبحور قصائدك الرديئة

ولا تبالغ في الخيال المفرط

لست منفردا

في ارض مزدحمة بالشعراء

يا ليتني كنت شاعرا مثلك

كثيرون هم الشعراء

الذين لم يفقهوا قولك

كنت تغني لهم

وهم يعزفون

لا تحاول ان تكون مهرجا

في حلبة سيرك الآخرين

فتنقظ عليك الخيول المذعورة

ولا تحاول العصيان على الشعر

هل فكرت يوما

في استمطار سحابة عاقرة؟

لا تراود نفسك

عن متاهات

كن انت وكفى

كفاك غرورا

كل ما قلته وما لم تقله

في منامك ويقضتك

سوى هرطقات خرساء

كم من مرة

كنت بصحبة قصيدة لا تعرفها

فعد الى صفوف الجماهير

واكتب وصيتك

على شاهدة قبرك:

هنا يرقد شاعر

كان يتحرش على الشعر

رفض الغاوون

ان يتبعونه

الى زراديب العبث

والهذيان...

***

بن يونس ماجن

 

 

يُناضِلُ حرفي

لأنَّ أباهُ كانَ يُناضِلْ

كانَ إذا شاءَ ثار

وقاد البراكينَ

أرغِفَةً...وسنابِلْ!

ولقَّنَ أرضهُ -سِلْمَاً -

دروس الزلازلْ!

وحُرَّاً طَليقاً

تَنَفَّسَهُ الكون حرفاً جديراً

بديع الشمائلْ

رقيق الخمائلْ

ثري المناهلْ

ينسابُ أوديةً...وجداولْ

*

واليوم حرفيَ حتماً

يُحَدِّقُ في (الثروةِ المعدنيةْ)!

كيف تُغَنِّي لهُ (الأولويةْ)!

وتُغْني سِواهُ بلَمْحِ (اللويةْ)!؟

وحَقَّهُ فيها التقدمَ...خ

والازد هارَ...

وفُسْحَةَ عَيْشٍ  كريمٍ

وماعدا ذلكَ باطلْ !

*

يُناضلُ حرفي

وحُقَّ لهُ أنْ يُناضلْ

وحتماً يُناضلْ

لأنَّ أيادي (العَمَالَةِ) تَعْمَلُ

والشعبُ عاطِلْ  !!

***

محمد ثابت السميعي - اليمن / تعز

كم نصحتك مرارا وتكرارا. دع عنك عاداتك القديمة. دع عنك مثلا: حب المصلحة العامة والحرص عليها. دع عنك التضحية والانضباط في أوقات العمل. دع عنك مثاليتك الأفلاطونية التي طالما سببت لك الحسد والكراهية والمكائد. دع عنك الالتزام والترفع عن كل عطاء مشبوه...

ألم أخبرك يا مغفل أنّك تنفخ قربة مهترئة الإهاب ؟  ستنفجر في وجهك  يوما. إنك تصطاد في بحر آسن، قروشه لا تعرف لغة الشبع. تمتص دماء ضحاياها، فلا تدع منها قطرة واحدة.  تلتهمها كالعفاريت....

لكن بدت لك نصائحي الأخوية الباطلة ـ والتي هي فعلا باطلة ـ تحريضا على الانحراف والخيانة. رميتها في سلة الذاكرة المهملة، أو ربما لم تتعد حافة السمع. وهذا حق من حقوقك الديمقراطية.

وكانت نصائحي الباطلة -  ومازالت -  مجرد كلمات رجل فقد جلّ قيّمه، واسودّت دفاتر أيامه. رجل فقد رجولته في زمن النخاسة الذكورية. رجل على أهبة الولوج إلى مملكة المجانين الرحبة.

و كم كنتُ أرمق في مآقيك قرارات الإدانة لي وأنت تردد في صمت بليغ:

- أنت رجل أنانيّ، إنتهازيّ، بلا قلب.

وكنتَ – ومازلتَ صادق الحكم – أنّني رجل من دهر غير دهرك. ومن طين غير طينتك. لكنني لا أكن لك حقدا، ولا حسدا، ولا نكاية.. ولا أخفيك، أنني مشفق عليك من هذا الزمن الذي رأسه  كرأس الأفعى .

أعرف أن مسارك المهني يثير الإعجاب، ونواياك بيضاء، ناصعة كثلج لم تمسسه يد إنس أو جن. وطنيتك لا غبار عليها. آراؤك هي عين الصواب. لكنني،  لطلما رددت في غيابك - وأنا على يقين - أن كلامي سخرية وغيبة ومضغ للحمك وتفتيت لعظمك مع سبق الإصرار:

- هه، يريد أن يصبح ملاكا وسط الشياطين. يتظاهر بالمثالية.كه..كه..كه..

انظر إليّ – مثلا- ودقّق النظر وتأمّل..

أنا موظف، صاحب مركز راق وشهرة ممدودة الأيدي والأرجل بين الناس. يتهافت عليّ  الكبراء من وجهاء الناس. ما كنت لأبلغ ما بلغت لولا اكتشافي لطريقي الحريريّ قبل فوات الأوان. لا وجه للمقارنة بيننا. كذب من قال أن الشهادة سبيل للمجد. هل أدركت ذلك أم طُمس على بصيرتك؟ انظر إلى أصحاب الشهادات. هم على الأرصفة واقفون، مبهوتون، حائرون، عيونهم معلقة في الضفة الأخرى من البحر، حالمون بـ(حرق) أمواجه تحت أجنحة الظلام. إنهم ملتصقون على الحيطان حتى صاروا ديكورا لها. بل قطعة منها. هم (الحيطست) يا صديقي بكل بساطة.

هل أدركت ـ يا صديقي ـ  أن الإكثار من التعلّم مآله نش الذباب، أو بيع السجائر والشمة

أو الكاكاو في أحسن الأحوال.

انظر إليّ  مثلا.  أنا لم أتجاوز المرحلة الإبتدائية.

قيل لأبي:

ـ ابنك تلميذ مشاغب، لايصلح للتعليم. لاينجز واجباته المنزلية. كثير الغياب ووووو

و في نهاية السنة وجدت نفسي خارج جدران المدرسة وقد كُتب لي في الكشف:

ـ   تلميذ مشاغب ومهمل. يُوجَه إلى الحياة العملية.

ملّ المعلمون من شغبي وإهمالي. ولمّا ذهبت أمي إلى الشوافة، قالت لها:

ـ ولدك  له مستقبل مشرق.  سيصبح (حاجة) كبيرة.

وابتسمت أمي وهي تدس في كفّ تلك الشوافة بعض ما ادخرت من الدراهم.

وأدخلني أبي الجامع. كان شيخنا رجلا فظا، أكولا، همه في بطنه، حريصا كل الحرص على حضور مآدب المآتم والأسبوع والأربعين والقراءة في المقابر وكتابة التمائم   ليملأ بطنه وجيبه. كان كلما نُعي أحد ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة، ودعا سرا:

- اللهم كثّر الأموات والمجانين.

ـ2ـ

عندما عرفت أنّك وراء القضبان، في ظلمة زنزانة نتنة لا حظ من دفء الشمس، وتسكنها الرطوبة  في عز الصيف، داهمني وابل مجنون من الغثيان. وقلت بتعجب وحسرة:

- هذا الذي كنت أخشاه عليه. ليته أصغى إلى بعض نصائحي. مسكين ذاك المكان لا يليق بأمثاله. آه من دهر لا يرحم الأوفياء وذوي القلوب الناصعة البياض.

لقد وصلتني حيثيات  تلك المحاكمة المحبوكة بحبال الخزي والعار.

قال لك القاضي:

- أنت متهم بعرقلة المصلحة العامة. ما ردّك؟

- هناك غش في الإنجاز سيدي القاضي.

- لكن معاينة اللجنة التقنية  تنفي ذلك، وتؤكد سلامة المشروع وخلوّه من النقائص.

كل حججك كانت باطلة في نظرهم . كانت أوهن من خيوط العنكبوت. كبلتك ـ يا مسكين ـ حبالهم. هزمتك أباطلهم.

كم قلت لك:

- دع عنك أكذوبة المصلحة العامة. ارحم نفسك وأبناءك الذين مازالوا أفراخا، زغب الحواصل.

تأكد يا بن الناس بأنّك ستحيا متعبا منهوك القوى، لن تشفع لك شهادتك، ولا ذكاؤك، ولا دماثة خلقك، ولا مبادراتك الرائعة. لن تنال ترقية. سيرمى ملفك المهني في درج المغضوب عليهم. لأنّك رجل لا مكان لك في هذا الزمن. كأنّ روحا خرافية، قديمة، حلّت بجسدك.آه، متى يستقيم ظلّك؟

كم حدثتك عن مساري المهني. ألم أخبرك بأنّني لا شيء يشغل بالي سوى مركزي. أنا مغرم بنبتة اللبلاب. أعشقها منذ بلغت الفطام. وتعجبني الحرباء لأنّها تتقن فنّ العيش في

شتى الظروف. إذا ضحك مديري تضاحكت. إذا غضب  غضبت له. إذا أغلظ لي الكلام ابتسمت له ولمت نفسي. أنت تعلم أنّه كلما علا مركز المدير، ازداد تأنيبه، وتلونت ألفاظه بشتى أنواع الشتائم. كقوله:

ـ  يا كلب القمامة. يا حمار الدوار. يا واحد الرخيص. يلعن أبوك، يلعن أمّك..  وووووو.

كنت دوما موظفا طائعا. مطأطأ الهامة.أسعى إلى إرضاء مديري بكل جوارحي. لا تهمني نفسي. أزوده بالأخبار. وأعترف له بأنه قدوتي في السر والعلن.

ألم أخبرك بأنّني جهويّ حتى النخاع ؟  إن كان مديري من الشرق  شتمت الثلث الباقي من الوطن. وإن كان من الغرب شتمت ثلث الوطن الآخر.و هكذا دواليك. أوقر وليّ نعمتي. ولا ضير في الكذب والنميمة وخطف الرشاوي. لا أخالف له رأيا. لا أعرف منطق الرفض.أبوح له بأسراري. لا أدعي أمامه بالإيمان والتقوى. لا أضيّع وقت العمل في الوضوء والصلاة.و أحيانا أسعى له عند المومسات الجميلات. وأشتري له من مالي الخاص زجاجات الروج والويسكي. وهاأنا كما ترى أقفز من مركز إلى آخر بكل سلاسة.

آه يا أعزّ الأصدقاء، في زمن تناسل الأعداء كالجرذان في بالوعات المدن المتّسخة. ألم أنصحك ـ قبل سقطتك ـ بالحذر من  أن تواجه التيار وحدك؟  لن تغيّر البلد بمفردك. التيار قويّ. كنت تهرول عكسه حتى جرفك نحو قاعه دونما رحمة أو شفقة.

قال لك القاضي:

- أنت متهم بتهديد النظام العام. ما ردّك؟

- أنا لست سياسيا، أو مجرما. لم أختلس مالا من  بنك. لم آخذ رشوة. لم أتسبب في إفلاس شركة.

- لكن لو ألغت البلدية هذه السكنات بحجة عدم المطابقة والصلاحية، سيخرج المواطنون إلى الشارع محتجين، وتحدث الفوضى.

- وهل يُعقل أن توزع البلدية للمواطنين الأبرياء مساكن مآلها الانهيار العاجل؟

- ومن فوّضك للكلام باسم المواطنين؟

- ضميري.

- لكن المواطنين في حاجة إلى سكنات يا صاحب الضمير.

- هذه السكنات مغشوشة.

- هل يُعقل إلغاؤها  وقد كلفت الخزينة الملايير؟ كيف يمكن حلّ أزمة السكن؟

- حياة المواطن أغلى من الملايير.

ولم تنقذك كل حججك من مصيرك المظلم. رفضوا تقريرك، ثبّنوا تهمتك. صنفوا قضيتك في سلم المؤامرة السياسية التي تهدد النظام العام. ولمّحوا إلى فرضية الأيدي الأجنبية . ومن سوء حظك أنّ قضيتك تزامنت مع اندلاع نيران الربيع العربي.

وللمرة الألف بل المليون، أقول لك بلغتي  الخالية من المجازات والمقدمات، أنك رجل لا تصلح لهذا الزمن الموبوء. أنت في عصر غير عصرك. عشت عفيف النفس واليد

واللسان. لم تقرب حراما بيّنا. ولا أغرتك الشبهات يوما. وكم رأيت بطونا انتفخت من السحت والربا والرشوة والاختلاس والهدايا المسمومة. وكم وكم وكم....

و لا أخفيك سرا إن قلت لك:

ـ  إنك رجل مقهور في زمن صارت فيه الرجولة رعونة وتهورا وغباوة. أنت نكرة بين المعارف والغرباء . أرأيت يا صديقي كيف صار الناس ينعتونك؟  إنك تدعي الطهارة،

وتهوى التميّز طلبا للمدح. رجل ليس له ذكاء دنياويّ.

كلما تذكرت موضعك الذي أنت فيه قلت بألم وحرقة:

ـ أخشى عليك ـ يا صديقي ـ  من النمل والدود. ليتك تتطهر من طهارتك، ومن أدران التعنّت والتحجّر. آه لو تصبح نورانيا وعصرانيا وتتجرد من عاداتك التي سلبتك حريتك. انظر بعين المستقبل والرحمة إلى زوجتك وأبنائك....

(تمت)

***

قصة قصيرة بقلم الناقد والروائي:

علي فضيل العربي – الجزائر

النهر يكتم أسراره / المشهد الأول - 1

كان موعد سفره إلى بغداد يقترب، ومعه تزداد نسب القلق والارتباك.أربع سنوات مضت على سقوط الصنم، وللمرة الأولى يفكر بالسفر إلى هناك بعد غربة جاوزت الخمسة عشر عاما.  جهّز كل شيء بسرعة وعناية شديدين. وضع حاجياته الخاصة في حقيبة جلدية صغيرة سوداء، وفكر أن لا يحمل معه من الملابس الكثير، وما سوف يحتاجه يمكن شراؤه من بغداد.ملابس جديدة وكثيرة انتقاها من مخازن البيع في المدينة وابتاع لها حقيبة كبيرة. دقق كثيراً بنوعية الملابس واختارها بأحجام مختلفة لعلها تناسب جميع من سوف يلتقيهم، صغاراً كانوا أم كباراً. في الأسبوع ما قبل يوم السفر واجهته المشكلة التي اعتاد مواجهتها خلال السنوات الخمس التي مضت منذ انفصاله عن بريغيتا.

 بريغيتا مطلقته الفنلندية التي أذاقته الأمرين لثلاثة أعوام، وما زالت تلاحقه لعنتها لحد الآن. بين الفينة والأخرى يجد في صندوق بريده ورقة استدعاء من سلطة البلدية، وفي النهاية يجد أن الأمر لا يعدو كونه وشاية أو شكوى من بريغيتا.

 ذهب إلى الطابق الثالث من مبنى البلدية عند العجوز روزماري، فأجلسته قبالتها وطالعته بعيون صقرية، ولكن وجهها كان يحمل ابتسامة ظاهرة. دون مقدمات، أخبرته بشكوى طليقته. كونه ولشهر كامل، لم يعتن بطفلهما ولم يصطحبه للتنزّه. شعر بالحرج ولكنه وجد في سفره إلى العاصمة ستوكهولم ضمن إيفاد من دائرته لفترة أسبوعين ماضيين، عذراً مقنعاً، قدمه  للعجوز روزماري ذات العيون الصفراء الجاحظة. شعر بالرضا بعد أن أحس باقتناعها.واضطر لإخبارها بأمر سفره إلى العراق، كي لا يجد ما يحرجه من شكاوى جديدة، من الممكن أن تقدمها طليقته بريغيتا خلال فترة سفره، متحججة بقرارات المحكمة عند انفصالهما.

لا يدري إلى متى سوف تلاحقه سفاهات بريغيتا وتنكد عليه حياته. إلى متى تفتعل هذه الشكاوى والوشايات.ولولا تعلقه بابنه سام، لرحل بعيدا عنها نحو أقاصي الكون. حبه  وتعلقه بسام كان يمنعه من ذلك. كان يلذ له أن يطلق عليه تسمية سالم، ويشعر بأن سام يتقبل اسمه العربي بفرح وسعادة. حتى هذا الشأن كان مصدر خلاف كبير بينه وبين بريغيتا. وهو اليوم متيقن بأن شكوى بريغيتا هذه وادعاءها حول عدم العناية بسالم، جاءت إثر معرفتها بسفره القريب إلى بغداد. فهي تتسقط أخباره من زملائه في العمل.

حين تعرّف عليها، كانت بريغيتا ذات الشعر الكستنائي والعينين العسليتين الواسعتين، شابة جميلة رقيقة ذكية. وأحبها أيما حبّ. ولكنه وبعد مضي الزمن شعر بأنه خـُدع بها أيما خدعة. فبعد العام الأول، ومع ولادة سالم، بدت وكأنها لم تكن على قناعة أبداً بنمط الحياة التي يعيشانها. وبدأ الملل يتسرب لحياتهما والمشاحنات تنغص عليه حياته. أشياء تافهة وبسيطة تتحول إلى معارك لا هوادة فيها. وأبدت في الكثير من الأوقات غروراً وفظاظة عجيبين، ومع الأيام كانت تنفر وتظهر احتقاراً لجميع معارفه وأصدقائه، لا بل راحت وفي أحيان كثيرة توغل في تحقيره والسخرية منه. وكانت تجيد توجيه إلاهانات له وللآخرين. تختفي من البيت حين يدعو أصحابه، وتحسن صنيع العبث كي تجعله وضيوفه ينفرون من الفوضى العارمة التي يجدونها قد عّمت الدار.

 يتذكر ذلك اليوم، كان يوماً شتائياً عاصفاً حين التقاها عند تقاطع الشارع المؤدي للسكن. طالعها بمودّة، وبادلته النظرات، بعد ذلك عرف أنها تسكن الطابق الرابع من البناية المجاورة.عدة لقاءات عابرة كانت كافية للتعبير عن مشاعر متوافقة ورغبة بالحديث الذي بادرت هي به، بسلام صباحي وابتسامة مشرقة. بعدها تعمّد اصطياد أوقات خروجها ليلتقيها وجهاً لوجه عند موقف الحافلة. لم تمض غير أيام قليلة حتى بادرته بالسؤال عن الطقس، وتحدثا عن العواصف الثلجية التي تكررت بشكل غير طبيعي ذلك العام. ثم استقّلا واسطة النقل وجلسا جنباً إلى جنب. ومع الأيام تكرر الأمر وتطور معه الحديث متخذاً طابعاً ودوداً وشيقاً.

لم يكن ليستطيع الغور بعيداً لمعرفة دوافع حب بريغيتا له. ولكنه علل ذلك بأن لا حدود أو عوائق ومصدات إن أراد الأوربيون اجتراح الحب وممارسته. وليس هناك غير القناعة الذاتية والرغبات الحقيقية التي تدفعهم في خياراتهم. وربما رأت فيه غير ما يرى الآخرون. فلم يكن يمتاز بأية صفة تجعل فتاة بجمال بريغيتا تنجذب إليه، سوى طباعه الطيبة السمحة وجديته وكياسته، كما يتحدث عنها الأصدقاء، عدا ذلك لم يكن يتميز بشيء أخر يتفوق به عن حال الآخرين.علاوة على ذلك كان يحمل ندبة عميقة تخترق جبهته بشكل ظاهر. كما أن ثلاثة أصابع من يده اليسرى معطلة ومتيبسة. وتلك كانت آثاراً حملها من مشاركته في الحرب العراقية الإيرانية. وحين كان يحدثها عن تلك الأيام المفزعة التي دارت فيها رحى الحرب المجنونة، ويصف لها كيف كان الموت يحصد الشباب دون رحمة، كان يرى عينيها تغرورقان بالدمع وحشرجة البكاء تنكسر في صدرها.كان يضمها لصدره فيبدوان كمن يتبادلان المواساة.

ما الذي حدث؟ ما الذي غيرها على تلك الصورة المفزعة. بقي يلوك التساؤلات دون الوصول لحل معقول. من الجائز أن يحدث تغيير في طباع النساء مباشرة بعد الولادة، ولكن ما حدث مع بريغيتا كان جد مختلف، ولم يقتصر على فترة ما يسمى بحمى الولادة أو هشاشة الأعصاب التي تتعرض لها المرأة أثناء الولادة وبعدها، ولا يمكنه الاقتناع بأن مثل هذه الحالات تتعدى الثلاثة أشهر في الغالب، هذا ما قرأ عنه في أحد الكتب العلمية. ولكن أن تتحول بريغيتا إلى نمر شرس وطباع فاسدة وإهمال متعمد.هذا ما جعله يظن أن في الأمر سراً كبيراً. وبعد مضي السنة الثالثة ما عاد يطيق وجودها وأصبح كل شيء تقوم به أو تفتعله منفراً ومضجراً وكريها.

 كان ابنه سالم هو الشعرة الوحيدة التي تمسكه وتمنعه من إنهاء علاقتهما. ولكن في أحد الأيام وجدها تطلب منه الطلاق، وكان الشرر يتطاير من عينيها، ووجهها يكتسي غيظاً وعبوساً. حسم أمره ووافقها بشكل سريع دون تردد أو نقاش، وكأنما كان ينتظر هذه اللحظة واستعد لها زمناً طويلاً. عندها كان يطالع ابنه سالم وهو يخربش رسومه فوق ورقة بيضاء في الزاوية البعيدة من غرفة الضيوف، التي بُعثرت في جميع جوانبها ملابس وأدوات طبخ وكثير من أوراق ومظاريف رسائل ومجلات وجرائد.

***

فرات المحسن

 

 

امرأةٌ تركضُ في الريحْ

تتعثَّرُ بعبائتِها السوداءْ

لكنَّها أَبداً لاتطيحْ

وكانتْ تلهثُ

في قلبِ العاصفةِ الصفراءْ

وتقاومُ كلَّ ذئابِ الوقتِ

ومن فرطِ القَهْرِ تصيحْ :

-أَنا لستُ خائفةً

لأَني لستُ مُذْنبَةً

وإنَّما أُريدُ البحثَ

عن ولدي الجريحْ

الذي أُخْتطفَ من بيتهِ

ومن أَحضانِ زوجتهِ

وأطفالهِ النائمينْ

في ظُلْمَةِ البلدِ الحزينْ

*

الظلامـــيـــــــــــــونْ

والعَسسُ الغامضونْ

والقَتَلةُ الدمــويـــونْ

وأَبناءُ المليونِ كلبٍ

وأَفعى ، وثعلبٍ مجنونْ

هُمُ الذي إخْتطفوهْ

وضَمّوهُ وغيّبوهْ

وها هو إخْتَفى

في أَيِّ جُبٍّ صَفى

وأَينَ هُمْ ضَيَّعوهْ ؟

فنَحْنُ لا ندري

وقَدْ يكونونْ

يا كَبدي قَتَلوهْ

وفي متاهةِ المقابرِ الرهيبةِ

قدْ كانوا غَيَّبوهْ

يبووووووووهْ

يبوووووهْ

ي

ب

و

هْ

عليكَ ياولدي

يبوووووووهْ

عليكَ

يا

ع

ر

ا

قْ

***

سعد جاسم

2022 -10 -10

أنشودة وحكاية للأطفال

في بَيتِنا

قِط ٌ جَبانْ

يَخشى العِراكْ

يَهوى الأمانْ

أراهُ يُحِبُ النومَ

يَلوذ ُ دوما

في الأركانْ

**

يَعرف ُ.. يَعرفُ

دَربَه ُ في الحَديقة ْ

لا يَهابُ الثلجَ

ولا حَتى الصّقيعْ

ويَفرَحُ .. يَفرَحُ

لِقدوم  الرّبيعْ

**

لكنه يا أصدقائي

يَهابُ أبناءَ قومِهِ

ومن كان على

صُورَتِهِ وَشكلِهِ

**

ربّما يا أصدقائي

هكذا فهِمَ هِرّنا

ما  قد  جاءَ

في كلام أمِّهِ.

**

كم أخشى عَليْهِ

من صِعابِ الدّهِرْ

**

كم أخشى عَليْهِ

من صِعابِ الدّهِر.

****

أنشودة بقلم إسماعيل مكارم

روسيا الإتحادية. 2018

......................

حكاية الذئب والكلب

للكاتب الروسي الكبير ليون تولستوي

قمت بنقلها إلى العربية من النص الروسي.

إليكم الحكاية:

بينما كان الذئب النحيف يجول على أطراف إحدى القرى التقى كلبا سمينا.

سألَ الذئبُ الكلبَ قائلا:

− قل لي أيها الكلب من أين أنتم معشر الكلاب تحصلون على الطعام؟

أجاب الكلبُ:

− الناسُ يقدمون لنا الطعامَ.

− نعم، أنتم معشرُ الكلاب تقدمون للناس خدمة صعبة وشاقة!!!

قال الكلبُ:

− لا، لا أبدا الخدمة ليست شاقة، مهمتنا تنحصر في  حراسة الدار ليلا.

− فقط بفضل ذلك يقدمون لكم الطعامَ . تابع الذئب  مُستغربا.

− هذا يجعلني أفكر الآن بالذهاب معك كي أقوم بخدمة الناس،

كوننا نحن معشر الذئاب لا أحد يقدم الطعام لنا..

وتحصيلنا لقوتنا شاق وصعب.

أجابه الكلبُ:

− نعم، نعم بإمكانك أن تأتي الآن معي، إذ أنّ صاحب البيت سوف يقدم لك الطعام أيضا.

دخل السرور إلى صدر الذئب ومشى مع الكلب بغرض  خدمة الناس، بينما كان الذئب يستعد لعبور بوابة الدار، لفت نظره

أمر في رقبة الكلب، حيث فقد شريطا من الشعر، فسأله قائلا:

− وهذا حول رقبتك أيها الكلبُ بسبب ماذا؟

− أمر بسيط.

− ما تقصد بالأمر البسيط؟

− هذا من الرّباط والسلسلة المعدنية، إذ أنّ صاحب الدار

يشدني أثناء النهار إلى الرباط من رقبتي، لذا هنا يتساقط الشعر.

− هكذا إذن..إلى اللقاء أيها الكلب.

أجابه الذئب، وأضاف:

− لن أذهب معك بغرض خدمة الناس، لنقل أنني لست

سمينا، كما ترى، ولكني أعيش في رحاب الحرية.*

***

هوامش ومصادر:

* راجع مؤلفات ليون تولستوي.

 

بِجَفْنَيْكِ أُبْصِرُ تِلكَ الْحَيَاةْ

 هَوَايَ يُوَافِقُ صَبًّا هَوَاهْ

*

بِجَفْنَيْكِ أَكْتُبُ قِصَّةَ حُبٍّ

 تَكِيدُ الْعُدَاةَ وَتُرْدِي الطُّغَاةْ

*

بِجَفْنَيْكِ طَابَ الْهَوَى يَا حَيَاتِي

  عَبَرْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُنْتَهَاهْ

*

بِجَفْنَيْكِ عِشْتُ طَوِيلاً أُغَنِّي

  وَأَكْتُبُ شِعْرَ الْهَوَى فِي أَنَاةْ

*

بِجَفْنَيْكِ طِبْتِ وَطَابَ لِقَاكِ

  وَطَابَ مَسَاءٌ يَفِيضُ بَهَاهْ

*

بِجَفْنَيْكِ دَوْحَةُ حُبٍّ كَبِيرٍ

 تَلَاقَتْ ثِمَارُ الْهَوَى فِي عُلَاهْ

*

بِجَفْنَيْكِ هَمِّي يَزُولُ وَأُعْطِي

  بِفِكْرٍ نَقِيٍّ يَطُولُ مَدَاهْ

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

يرحلون بإتجاه الغيم الآتي

من ذاكرة القرى الهاربة من التيه

يحملون حقيبة تلو أخرى ذاهلين

من جدار عتيق تداعى

واحلام فتية تبعثرت في الروابي

لم تكن الشفاه جاهزة للهمسات

في الخامس من تشرين تاخذنا الخطى

إلى ينابيع الظلال

و الشيخ الضرير يباغتهم بالحكمة الباذخة:

باقون هنا كالشجر السامق في الجنوب

لاحفادنا بهاء الفكرة وكبرياء المعنى

العشاق لا تهمهم حرب هنا وعاصفة هناك

تلتقي الأجساد والأرواح  في الضفة الأخرى

من ذاكرة النور

إنتصف الليل ولم يأتي المدد

لا خوف لي من الأفق البعيد

الأحداق

الكوابيس

عشق الفتى للورقات المكتوبة بحبر

الانحياز

ذهاب العسكر الى حروب عبثية

خروج الشبيبة من حدود بلاد غابت عنها

اقواس الحقيقة

يرحلون إلى زمن تداعت فيه المرايا

و صارت نوافذ الضوء ملاذا

للعابرين

ربما نسيت أو تناست إمرأة النور

كيف تحكي لاولاد الزقاق العتيق

ملحمة الأجداد قبل هطول المطر الغزير

و انسحاب الغزاة الشقر من لهيب

المعركة

يرحلون إلى مدن غابت عنها الينابيع

لم يكونوا فرسانا للكلام

أو عشاقا لانفلات الحبر في مدح النور الطالع

من قبو قديم

فرادى يعبرون الجسر قبل مرور العاصفة

لم ينسوا ذاكرة القرى

حقيبة الشيخ الضرير

موسيقى الجاز

ثمار الحديقة المنسية

وصايا الأم للطفل الشريد

حكايا الصبايا في ليلة ماطرة

إنتصف الليل ولم يكتمل العناق الطويل

طلع النهار ولم يأتي المدد

ربما صار الجسد الهزيل مزارا

لمن ناموا في العراء

هنا ذاكرة المرايا وانفتاح الأقاليم

على الشجر الحزين والينابيع

لعبور الجسر مباهج

و لاخضرار الروح طقوس وهواجس

فتيان القرى المنسية ٫كانوا وراء التلال

يحملون حقيبة تلو أخرى

لا شيء على الأكتاف

سوى حنين الأجساد للزقاق القديم

ذاكرة الأيام

هروب الفتية من صقيع الضواحي

كانهم جاؤوا من زمن بعيد

و ارتماء الجسد في اليم العتيق

كان لزاما على الفتيان ان يعبروا الجسر

فرادى

هناك حذو العربات القديمة

تتعالى الأصوات

ترتبك الأصابع

تكتب الأنامل النشيد المشاكس

هنا قرب الشيخ الضرير٫تمر القوافل

معلنة ذهاب الكلام الذهبي إلى ضفة الرؤيا

إنتصف الليل ولم يكتمل العناق الطويل

صارت الأجساد كفاكهة الشتاء

وامطار زمن المماليك

سريعا تاتي العواصف

قبل عبور أولاد القرى الجسر المتاخم

للانين

ومتاهة المشهد

لا خوف للفتية من ضباع الشوارع

لا خوف للبلاد من ضباب مباغت......

***

البشير عبيد – تونس

 2022/11/23

 

نِيرانٌ حاقِدةٌ بَغِيضَةٌ تَلتَهِمُ أَمالَ وَعَقلَ سَلمان     

كانت السَّاعة تُقاربُ العاشِرةَ صباحاً، وصل الضيوف بالوقت المحدد لمكان اللقاءِ في (مَقهى الأيمان) حيث كان(سَلام) يقف أَمام واجهة المقهى بانتظارهم ، بناءاً عَلَى طلبهم، أجلسَ (سَلام) ضيوفه (الثلاثة) في أحد أركان المقهى الشَّعبي، وطلبَ لهم ما يودون تناوله من المشروبات، الحارة أو الباردة، والمعلوم أن في مثل هذا الوقتِ تقل فيها حركة رواد المَقهى، الضيوف (مجموعة من المدونين) المهتمة بتوثيق بعض من مآسٍ ومعاناة لا حصر لها لأكبر مدينة في (بغداد) والتي يرافقها منذ تأسيسها الجور والفقر والخراب، المدينة التي أطلق عليها في بداية أنشاؤها (مدينة الثورة) والتي بنيت في فترة العهد الجمهوري الأول (1958- 1963م) لإسكان آلاف العوائل العراقية النازحة من مختلف مناطق جنوب العراق للعاصمة بغداد والتي كانت تعيش في مجمعات عشوائية كبيرة جداً في(صرائف) بيوت بدائية تشيد من القصب وسعف النخيل والطين.  

عدلَ(سَلام) من جلسته عندما طلب منه أحد(المدونين) أن يلتقط لهم صورة جماعيَّة، قبل بدأ الحديث.

وَابتدأ حديثه مرحباً بضيوفه: أصدقائي الأعزاء ألف أهلاً وسهلاً بكم دعوتكم في هذا اليوم بالذات لمرور سبعة أيام فقط على مأساة عائلة (سَلمان) صديقي وزميلي وَ جاري وَ ورفيق عمري لقرابةِ نصف قرن؛ سأقص لكم شيئاً عن أهم محطات ومعاناة هذه العائلة التي مزقتها و شردتها وأحرقتها السنون العجاف، الحروب والحصار وفوضى الانتصار.

 بُرهَةَ صمتٍ ثُمَّ باشر (سَلام) حديثه مُجدداً: بيت عائلة صديقي (سَلمان) يبعد عن هذا المكان حوالي (50) متراً، بعد انتهاء جلستنا، سآخذكم بجولة لمشاهدة الدار التي أصبحت(حطاماً وَركاماً).

 هذه(المقهى الشعبية) التي نجلس فيها قديمة الآن عمرها أكثر من سنين عمري تعد من أشهر مقاهي الحي الذي نسكنه، كنا أنا وَ(سَلمان) نتردد عليها بأستمرار ، فنحن قد ولدنا معاً بهذا الحي.

أخرجَ (سَلام) صورة قديمة من محفظته تجمعه بصديقه (سَلمان) بحركةٍ توحي بأهمية الصورة وضع بعناية الصورة أمامهم على الطاولة، في الصورة (شابان اسمران رشيقان) بطول متوسط وملابس انيقة بشعرهما الطويل الأسود، وبابتسامة مرحة راح يحدثهم : هذه الصورة عندما كُنا في سن المراهقة، في الصورة (سَلمان يحمل بيده مجموعة من الكتب المدرسيَّة) كنا في مرحلة الدراسة الثانوية التي لم يتمكن (سَلمان) من اتمامها، لكنه تميز بمجموعة من الصفات كان ودوداً، كريماً، هادئ الطباع، قليل الكلام، متزن اللسان محباً كثيراً للمطالعة وخصوصاً للأدب مولع بقصص وروايات (نَجيب مَحفوظ).

وأستطرد بحديثه: بَعْدَ أن أنهى(سَلمان) خدمته العسكريَّة الإلزاميَّة والتي امتدتْ لما يقارب مِن عشر سنوات، مشاركاً رغم أنفه بالحروبِ المدمرةِ التي خاضها سُلطان البلاد، ليتلقفه بعدها حصار اقتصادي ثقافي اجتماعي سياسي، لا تقل وطأته وقسوته ومدته من سنوات الحروب الماضية.

عندما بلغ سن (الأربعين) من العمر كان (أباه وأمه) يلحان عليه كثيراً بضرورة الزواج، فهو أبنهما الوحيد المتبقي إذ قتل أو فقد أو وقع بالأسر، شقيقه الأكبر(قاسم) خلال سنوات الحرب المنسية كما كانت تسميها وسائل الإعلام العالمية، في أحدى المعارك الطاحنة من عام (1987) بمنطقة (نهر جاسم). لِمْ يتم العثور عَلَى جثته، أو عَلَى أي دليل يوثق أسره أو وفاته، حتى بعد انتهاء الحرب، لَمْ تحسمْ قضية الأسرى،ولمْ يعرفْ بشكل صحيح أعدادهم وأسماؤهم، وكذلك لم تتمكن السلطات من دخول المنطقة - التي دار بها القتال- المليئة بآلاف من جثث القتلى من الطرفين المتقاتلين، لكون المنطقة مزروعة بآلاف الألغام، رغم أن السلطات آنذاك أخبرتهم انه (شهيد) في إحدى ساحاتِ القتال، لكن بقيت العائلة تتأمل عودته، بعد أن علموا علم اليقين أن عدة (آلاف) من الجنود قد وقعوا بالأسر.

عام(2000) رتب حاله ورمم داره وتزوج، كان عمره (أربعين) عاماً، بقيَّ يعمل عامل بناء، مهنة شاقة وتتطلب منه قوة بدنية، لكنه كان صبوراً لم يفت اليأس عضده، يعيش مع أهله في بيتهم المتواضع المتكون من غرفتين ومطبخ وحمام ومرافق صحية، وباحة صغيرة فيها التنور وقن للدجاج. رغم صغر الدار وقدمها لكنه كان فخوراً (بوالديه) فقد تمكّنا من تشييد هذه الدار، في هذه المدينة العجيبة، وسط العاصمة.

يضحك(سلام) ويتوقف لحظة من الحديث، ويعدل نظارته الطبية، ثم يعاود حديثه:

نعم أنها حقاً مدينة (عجيبة) كما كان يحلو لرفيق عمري(سَلمان) أن يسميها، فالمدينة يتبدل اسمها وكثير من معالمها كلما تغير نظام للحكم في البلد، المدينة مترامية الأطراف مهملة بائسة مكتظة بالبناءِ وَالسكان، لكنها كثيرة العطاء و منبع لا ينضب للطاقات والمبدعين،يالها من مدينة!

ثم يعاود الحديث عن صديقة وعائلته:

 رزق(سلمان) بطفلين الأول بنت والأخر ولد، الولد يشبه أباه كثيراً ، عندما سمع أن الله رزقه بولد، طار من الفرح، ونقل البشرى بلهفة إلى (والده) وهو مسرور فرحان سعيد، في الحال أطلق عليه جده (أبو قاسم) أسم (فرحان) والدته وهي بمنتهى الغبطة وزعت الحلوى على الجيران.

ولادة الطفل (فرحان) زادت من متاعبه وهمومه، جاء الطفل إلى الدنيا وهو عليل، لفَ فيه الأطباء والمستشفيات، كان الجواب دائماً أملاً ضعيفاً في شفائه؛ فيما نصحه بعض الأطباء بعد كثرة مراجعات وتوسلات بأن ابنه الصغير، لا يوجد له علاج يشفيه من مرضه في الوطن؛ لكن يمكن معالجته في خارج العراق، فالبلاد تمر بحصار دولي، وعلى مضض أقتنع بذلك.

كان يردد مع نفسه وكلما التقيتُ به:

- من أين ليَّ المال؟

- كيفَ أجمعه؟

- كمْ أحتاج من المال للسفر والعلاج؟

- من يعيل عائلتي عندما أسافر؟

 أصبح هذا الهم الجديد شغله الشاغل واخذ كل تفكيره.

عام (2003) سقط نظام الحكم، في قمة الاضطرابات و الفوضى التي تجتاح البلد و بعد السقوط المدوي بشهر واحد، توفي والده (أبو قاسم) وهو بعمر يتجاوز الـ (70) عاماً تقريباً بعد أن أعياه المرض وهم التفكير بعودة أبنه المفقود(قاسم)!

زاد صديقي (سَلمان) من عزيمته وساعات عمله، بعد أن طور من مهنته فقد أصبح (بناء) أَو كما يقال في اللغة الدارجة (خَلفة) أَو (أسطة) وليس عامل بناء، كي يحاول جاهداً أن يجمع مبلغاً من المال ليعالج به طفله؛ زوجته هي الأخرى قررت أن تعمل كي تساعده و تجمع معه المال؛ حيث أفتتحت من سياج الدار باباً أخرى على الشارع وعملتْ منها شيئاً يشبه الدكان تبيع منه الخضار وما يحتاجه الصغار مِنْ الأطفال من حلوى.

الجدة والدته(أم قاسم) رغم كبر سنها تكبت أوجاعها و تحاول مساعدتهم في رعاية الأطفال والطبخ.

(سَلمان) لا يهدأ يعمل ويجمع التقارير ويحاول إنجاز معاملات السفر ويتصل بالمنظمات الإنسانية والطبية، العراقيل والمعوقات والمراجعات اصبح عددها كثير جداً بعد سقوط النظام، ألتجأ إلى الوساطات بين المعارف والأقارب علها تعينه على بلواه، لكن دون جدوى؛ لكنه لمْ ييأسْ، وَلَمْ يفقد الأمل.

بَعْدَ مُراجعات مضنية قاربتْ السنة تمكن من الحصول عَلَى جواز السفر الجديد، له ولطفله العليل، إحدى المنظمات تكفلتْ بتزويده بمجموعة من التقارير الطبية، ووعدته بمساعدته بعلاج طفله خارج القطر، لكنْ يتطلب الأمر ان يكون في الدَّور" الطابور" فقبله مجاميع كثيرة تشبه حالة (ابنه) وقد راجعتْ وتنتظر دورها هي الأخرى؛ طلبوا منه أن يعطيهم رقم هاتفه، أعطاهم رقم هاتفه النقال" الموبايل"، أخبروه أنهم سوف يتصلون به عندما يحين موعده، بعد أن أكملوا له الفحوصات والتقارير الطبية.

وَما هيَّ إلا أشهر قلائل حتى دَخلتْ البلاد في أتون حرب أهلية دمويَّة طاحنة، مستعرة يغذيها عديمو الضمير بالمال والسلاح والخداع والكذب والنفاق، من مافيات الأحقاد والانتقام والتصفيات، أريقتْ فيها الدماء بالشوارع، وشلتْ الحياة بالبلاد وخصوصا في (العاصمة بغداد).

 ذات صباح من خريف عام (2006) رنَ هاتفه النقال، نظر إلى الرقم وفتح الموبايل بلهفة هيَّ نفسها المنظمة الإنسانية التي سوف تنقذ فلذة كبده، كان ينتظر هذه المكالمة على نارٍ أحرِ من الجمرِ فهيَّ أمل العائلة الوحيد:

- ألو، نَعَمْ أنا سَلمان

- حدثوه بلطفٍ وطلبوا منه التريث والانتظار إلى أن تنفرج الأَزمة التي تعصف في البلاد.

- عندما أخبرني (سَلمان) بذلك كانتْ عيناه تغرقان بالدموع.

- واخبرني كذلك أن (زوجته) قد أغميَّ عليها ونقلتْ إلى المستشفى، عند سماعها ما دار بالمكالمةِ، وضرورة التريث.

في ربيع عام (2008) لمْ يَزَلْ البلد يغلي والاضطرابات مستمرة كما المد والجزر تهدأ ساعة و تزداد ساعات أخرى، المعاناة والمشاكل والفوضى تعم البلد، تتراكم الهموم عَلَى الهموم، أعلن الإنذار في المدينة، المدينة محاصرة، أصوات المدفعيَّة وأزيز الرصاص يسمع ليل نهار، قصف عشوائي، وقتل عشوائي، الطيران يجوب السماء القصف لا عَلَى التعين، الجميع في حالةِ هلعٍ وَ خوفٍ، أحدى المنازل التي بالقرب مِنْ دارهم وفي نفسِ شارعهم، في أحدى زخات القصف سقطتْ عَلَى دارهم قذيفة مدفع، هدمت الدار على مَنْ فيها، كانوا (خمسة) ضحايا جميع افراد الأسرة الزوج وزوجته وثلاثة أطفال، أخرجتْ أشلاؤهم من تحت الأنقاض.

كنت شاهد (عيان) عما حدث بهذا اليوم الدموي، في مساء ذات اليوم زرت بيت صديقي (سَلمان)، للاطمئنان عليهم، والحديث معه عن أخر الأخبار، أستقبلتني (أم قاسم) بأبتسامتها وكلماتها المعهودة (هله يمه، كل الهلا بسلام)، كركرات الأطفال وصخبهم يبدد الخوف المحيط بالمكان.

كانت في الدار ثلاثة (فوانيس) نفطية موزعة في البيت، تبدد عتمة الظلام وَتخفف من الرعب الرعب، يجلسون كالمذعورين بالقرب من طباخٍ نفطيٍّ صغير، ينفثُ (القدر) الذي فوقه بخار حساء العشاء؛ في هذه اللحظة رن الهاتف النقال ألتقط (سَلمان) التلفون وفتح (مكبر الصوت الجميع في البيت يسمع ما يدور من حديث) المكالمة من قريب له في طرف المدينة الأخر، من أبن عمه (جبار) أخبره أن حريقاً هائلاً يضرب الأسواق والمخازن وأسواق الجملة قرب منطقتهم التجارية، فيما هو يهاتف قريبه؛ صوت انفجار مدوي هائل يقتلع الأبواب والشبابيك، تتهاوى أجزاءٌ من البيت، تعيق الحركة، حاول عبثاً إنقاذ (زوجته وأمه) بعد ان تمكن من إنقاذ طفليه، الحريق أمتد ليلتهم عدة أجزاء من الدار، تجمهرت الناس في محاولة لإنقاذ العائلة المنكوبة مثل ما يحدث في مثل هذه الظروف التي تحتاج الغيرة والنخوة العراقية، وما هي إلا دقائق حتى أخرجوا (زوجته) وهي تصرخ بهستريا وأثار الحروق على وجهها... لكن للأسف الشديد رغم المحاولات التي بذلها الجيران لإخماد الحرائق والإتصال بسيارات الإطفاء لكن دون جدوى فخط مديرية الدفاع المدني/ الاطفاء(مغلق) فالمدينة ساحة حرب محاصرة منذ ثلاثة أيام والقصف على أشده عليها.

(أم قاسم) بقيت محاصرة داخل البيت تصرخ وتتوسل وتستغيث لنجدتها؛ فقد حاصرتها النيران، وَالجدران المتهاوية التي راحت تضيق الخناق عَلَى تلك المرأة المنكوبة سلفاً، رويداً رويداً خفتَ صوتُ استغاثتها وَتوسلاتها، ثمَ تلاشى صوتها الخارج من تحت ركام الغرفة المتهاوية المحترقة، بعد ساعتين من محاولات نجدتها، أخرجت من تحت الانقاض جثة هامدة تشوهها الحروق المتفحّمة، صراخ وبكاء وعويل الجمهرة الكبيرة من رجال الحي وشبابها وأطفالها ونسوتها يشق عنان السماء، وهو يختلط مع أصوات الإنفجارات و أزيز الرصاص ونباح الكلاب المذعورة هي الأخرى.

وقف(سَلمان) مذهولِاً، مذعوراً، عيناه تذرفان دماً بدل الدموع، وأحتبس لسانه فأصبح لا يجيب الناس عن استفساراتها وأسئلتها الكثيرة، كأنه يَعيش في عالمٍ أخر لكنه لا ينقطع عن الحديثِ بصوتٍ مسموعٍ يناجي به ربه، يداه وساعداه مفتوحتان مرفوعتان في الهواء بتجاه السَّماء وهو يردد نفس العبارات:

{رَباه لِمَ كلُّ هذا العذاب

 أيّ ذنب اقترفناه

اِحترق البيت

اِحترق كلُّ ما في البيتِ أحلامنا، أمالنا،

المال الذي جمعناه

جوازات السَّفر الأوراق الثبوتيَّة

التَّقارير الطبيَّة

زَوجتي،

 حَتى أُمي

رَباه ما هذا البلاء،

رَباه ماذا أبقيتَ لَنا}

لَمْ نستطعْ تهدئته، بقيَّ يُردد نفس العبارات كأنها ترانيم درويش صوفيّ في محراب، يحفظها عَلَى ظهرِ قلب، إلى ان بزغتْ أول أنوار الفجر، فَبانَ وجهه شاحباً معفراً بالتُّرابِ وَالسُّخام وَبشعرٍ أشعثٍ مَشُوبٍ بالشَّيب، وهو يترنَح ذات اليمين وذات الشمال كمن أثمله الإسراف في شربِ الخَمر؛ حتى سَقط أرضاً مغمياً عليه...

سادَ الصمت، ورانَ الحزن والألم عَلَى الجميع، وَبصوتٍ خافتٍ متهدجٍ حزينٍ أختتم (سَلام) حديثه: لقد أنظمَ(سَلمان) إلى قافلةِ الضحايا الطويلة ... لَقَدْ أحترقتْ أَحلامَهُ، وَلَمْ يَعد يشعر بشيء.

***

يَحيَى غَازِي الأَميريّ

كتبتْ في نيسان/أبريل 2008

مالمو ــ مملكة السويد

 

في المطار، وقبل أن يأتي موعد طائرتي فكرت أنه قد يحصل لي، كما في الأفلام، تلك التي يتعرف فيها ضائع وحزين ما، بفتاة من نوعه مختلفة، جميلة وغامضة وعميقة العينين. كان هناك وقت كاف، ثمة ثلاث ساعات  تفصلني عن موعد رحلتي، وأنا هنا وحيد، مع حقيبة سفر، وحلم جامح ورغبة في الحديث والضحك ومشاركة الطعام معها، تلك التي ستأتي، كما رسمها كتّاب الروايات والقصص. ربما في البدء ستمرُّ بشكلٍ عابر، تسألني عن مكانٍ ما في هذا المطار الكبير، بعدها تتشكّل الكلمات والأفكار لتنتج حديثا، سأنبهرُ بعينيها السوادين، ويديها وصوتها، وألمح حزنا وحكايات خلف حديثها المقتضب وصوتها ذي البحّة العذبة.

ستكون تلك الساعات القليلة، مفعمة بحديث عابري السبل، عندما تجمعهما محطات السفر، حيث يشجعهما كونهما غريبين على البوح والشكوى والتذمر وحتى البكاء، فهما أحرار من صِلات القرابة وتبعاتها.

على مقعدي في زاوية من المطار البارد ذي المساحة الشاسعة ومع حركة المسافرين الدائبة، الراحلين والعائدين، الحزينين الذين يلوحون بأكف الوداع، والفرحين بحلاوة اللقاء والعناق، كنت هناك، أنتظرها، تماما كما في الأفلام، حين تجيء مثل حُلم لتشرق شمس كانت قد أفلت في قلب البطل، البطل مثلي، على مقعده يشعر بالخذلان، مثلي أنا الآن في هذا المكان، مع هذا الكتاب الممل والحقيبة المحشوة بأمتعة تافهة، ومظلة لم تعد تجد في المطر إغراءً. انا بائس جدا مثل بطلٍ في روايةٍ  لكافكا، يرسمُ كيف سيطرق سمعه وقعَ كعب حذائها على البلاط الصقيل، وتغشاه نفحة من عطرها، ليحصل ما يحصل. حيث سنتحدث حتى سماع النداء  بالتوجه للطائرة، وعندما نفترق، يحدث أن أمسّ يدها، فتتشبث بي، ومن يدري قد يحصل أنها تغير وجهة سفرها كما يحصل في الكتب تماما.  مثلما  تمنيت واشتهت روحي المثقلة بحنين لا يوصف.

مع أن نصف ساعةٍ مرّت دون أن تظهر، لكن المشهد أمامي شديد الوضوح والألق حيث تلتقي عيوننا وتشتبك نظراتنا التي تنتظر لحظة، قد تكون هي اللحظة الأهم في العمر. ومن حولي وجوه  أصدقائي الذين لطالما ظنوا أنني خائب في الحب، وأمي التي توقعت دائما أني سيء الحظ وزوجتي التي تركتني بحجة عزلتي وغرابة اطواري وهوسي بالقراءة، جميعهم أمامي الآن حزينون لأن حلمي يضيع، وابتسامة مرة صفراء على وجوههم التي تُظهِر العطف. وتتهمني بالسذاجة، كدت أصدق أنا الآخر، لولا أن عطرها غمرني، وخطواتها على البلاط طرقت سمعي، تماما كما في خيالي. اقتربت مني، صارت بمحاذاتي. رأيت وجوه اصدقائي وأمي وزوجتي تبتسم مرة أخرى بسخرية، لكن تلك الإبتسامة اختفت عندما التفتت نحوي وسألت عن مكان ما.  إبتسامتها كانت أجمل بكثير من تلك التي رسمها خيالي. لا أعرف إلى أي حد كانت عيناي مفضوحتين، فقد قرأتُ في عينيها أنها تفهم كلّ شيء، كانوا هم حولي فاغري الأفواه، ينتظرون إن كانت ستجلس أم تمضي في طريقها غير آبهة. لكنها  لمحت عنوان كتابي، فقالت بفرح (عجبا .. منذ مدة وأنا أبحث عن رواية 'الوشم" كيف حصلت عليها)، قلت لها فورا إنني أهديها لها، ترددت قليلا (لا يمكن ذلك إنه كتابك)

- لقد قرأته..ويسرني أن تقبليه مني

- شكرا.

لقد تصفحت الكتاب وهي جالسة على المقعد قريبة مني، بيديها اللتين اعرفهما كما اعرف جزءا مني. فيما بعد تكلمنا عن أبطال الرواية وأحداثها، للحظة نسيت أين أنا وماذا انتظر وأين كنت أنوي الذهاب، حتى الوجوه المحدِقة بي، تلاشت، ولم تبق سوى رموشها وهي تومض مثل قنديل في قرية نائية. وقفت فجأة، وقد عدلت من وضع حقيبتها متوسطة الحجم، كان موعد رحلتها قد حان. لم أرد أن تمضي أبدا، كانت فاتنة ورقيقة وتحب القراءة مثلي، ماذا لو جميع الكتاب وضعوا نهايات سعيدة لقصصهم؟ كنت أسير معها وقد اقتربت لحظة الرحيل.  مددت يدي في جيبي، ثمة علكة بطعم النعناع، أخذتْها مني ضاحكة. لقد رغبت في حصول شيء مهم، شيء خطر قد يحول دون سفرها، في هذا البلد تحصل دائما أشياء سيئة، كنت أفكر فقط لكني لم أقصد حقا أن ينشب حريق في إحدى صالات المطار، لقد ارتبك الجميع، وعمت الفوضى، وحده قلبي كان سعيدا، محلقا، يمسك بيدها ويركض، كان الدخان كثيفا وسقط كثيرون وارتبكت حركة الطائرات، وتناثرت بعض الحقائب، ودوت أصوات سيارات الدفاع المدني والإسعاف، لكني كنت مطمئنا..هادئا جدا،  أمسك بيدها الصغيرة  وأخبرها أن كلّ شيء سيكون بخير.

***

تماضر  كريم

 

عام 1963

تدنو منه أمه في الغرفة الجديدة، ماذا تفعل هنا؟ أقرأ، يقول لها، ماذا تقرأ؟ تسأله، يرسل نظرة صامتة إليها، ويتابع القراءة. تسأله أمه وهي مولّية ألا تريد أن تتناول الطعام؟ بعد قليل يا أمي، بعد قليل.

تنصرف أمه، يواصل القراءة في كتاب " الأم" يطوي الصفحة تلو الصفحة، يتوقّف عند بعض الكلمات يعيد قراءتها لا سيما تلك التي تتحدث عن صمود الأم وثباتها على أرض لا تميد، أم مكسيم جوركي تشبه أمه من العديد من الجوانب، الاثنتان مناضلتان في هذه الحياة، الفرق بينهما أن المجال اتسع أمام أم جوركي وضاق أمام أمه، أمه جاءت مع أبيه وأخويه الأكبرين من قرية سيرين بعد أن طردهم منها اليهود، كم من مرة حكت له عن كفاحها من أجل أن تحافظ على ما تبقى من الحياة.

يواصل القراءة، كم هو معجب بما يقرؤه، يشعر بقدمي أمه تدبان بين الغرفتين، يفتعل عدم رؤيته لها، تدنو منه تضع يدها على رأسه بحنو لا حدود له، ألا تريد أن تتناول الطعام يا ولدي؟ بعد قليل يا أمي، بعد قليل. الساعة متأخرة يا ولدي أخشى أن أنام دون أن أضع لك الطعام، لا تخافي يا أمي لا تخافي، بعد قليل أعدك أن أفرغ من القراءة، وأن آتي إليك.

يبقى وحده في الغرفة لا يشعر إلا بحركة الحياة تنبعث من الكتاب بين يديه، المقارنات تتواصل، الناس عند جوركي يقاومون الظلم، الناس حوله مستسلمون له، لا حول بيدهم ولا قوة، أبوه يعمل بعيدًا عن البيت وأمه تحاول أن تسد الغيبة، أحيانًا تعمل في أراضي اليهود، اليهود أخذوا البلد وأخذوا معها راحة البال، لم يخلّفوا وراءهم سوى الشقاء.

الليل يمضي متقدمًا دون أن يشعر بأنه في ليل، الكائنات في كل مكان صامتة إلا هو هناك في غرفته هو يقرأ الصفحة تلو الصفحة، حالمًا بامتلاك عالم ما يقرؤه.

يواصل القراءة. تهل تباشير الفجر، تستيقظ أمه من نومها، يشعر من حركتها تدب في ساحة البيت، تدنو منه مرة أخرى، أما زلت تقرأ منذ مساء أمس؟ لماذا تفعل هذا كله؟ أريد أن أكون كاتبًا، يرد عليها بشمم، أريد أن أكتب القصص عنكم وعن عذابكم مع الأيام. تنظر إليه أمه كمن لم يفهم، ماذا تقول ستكتب القصص؟

عام 1968

يكتب قصته الحقيقية الأولى، قبلها كتب الكثير من القصص، ما إن كتب تلك القصة حتى شعر أنه وضع قدمه على بداية الطريق، ليس مُهمًا ما يقوله آخرون، المهم ما نقوله نحن عن أنفسنا، هو شعر بنفسه أصبح كاتبًا، أخيرًا تمكن من الكتابة عن أمه ومدينته، بل عن حبيبته المتخيّلة، لكن ماذا عليه أن يفعل كي يتأكد من أنه أصبح كاتبًا؟ الكثيرون من أصدقائه القلائل آمنوا به قالوا له أنك كاتب بالفطرة، قرؤوا كتاباته بانبهار، أنت مولود لتكون كاتبًا، هو يعرف أنه أصبح كاتبًا لكن كيف يتأكد؟ كيف يعرف أن ما يسمعه من أصدقائه لا يعدو كونه شفقة ورأفة بولد مهجّر ابن مهجّر؟

ظل يفكر إلى أن توصل إلى تحد ليس سهلًا، ما لبث أن بادر إلى خوضه، فإما يكون أو لا يكون، إما أن يواجه فشله وإما أن يضع قدمه في خطوتها الأولى على طريق المجد (كان متأثرًا فعلا بكتاب" طريق المجد للشباب لسلامة موسى).

طوى القصة عدة طيات وضعها في مغلف اشتراه من المكتبة خصيصًا، كتب عليه عنوان مجلة" الجديد" المجلة الأهم في بلاده تلك الفترة، وأودعها صندوق البريد الأحمر القريب جدًا من بناية البريد في الناصرة، أودعه هناك إبعادًا لأي سبب قد يحول دون وصول الرسالة إلى عنوانها.

في نهاية الشهر اشترى مجلته المقدسة، ليفاجأ بقصته منشورة فيها، حمل المجلة كأنما هو عرف أنه يمكنه أن يفعل شيئًا للمرة الأولى في حياته، وركض إلى بيته، كان فرحًا يريد أن يشارك الإنسان الأعز على قلبه فرحه بقصته.

اقترب من أمه احتضنها، لقد أصبحت كاتبًا، أصبحت كاتبًا يا أمي. أمه ترسل نظرة مستفسرة، ماذا تقول؟ أصبحت كاتبًا؟ يعني ستكتب الرسائل لمن لا يعرف كتابتها ستعمل قبالة المسكوبية؟ كلا يا أمي، انتظري ها هي أهم مجلة في البلاد نشرت واحدة من قصصي. ماذا يعني هذا يا ولدي أنا لا افهم عليك، هذا يعني أنني أصبحت كاتبًا يا أمي، سأملأ الدنيا قصصًا عنكم وعما ذقتموه من عذاب. لا أفهم لا أفهم يا ولدي، على كل حال " على الله يطلع من بيت هالمطبلين مزمر"، سأزمر يا أمي سأزمر، سأكون كاتبًا، سأكتب أجمل القصص.

عام2006

تأتيه أمه في منامه، تقترب منه، هو ما زال يقرأ الكتاب تلو الكتاب، أما زلت تقرأ الكتب يا ولدي؟ نعم يا أمي، الكُتّاب لا يتوقفون عن قراءة الكتب، إلا في واحد من أمرين حينما يرحلون من هذه الدنيا، أو حينما يفقدون أبصارهم، ويستدرك حتى حينما يفقدون أبصارهم فإنهم يبحثون عمن يقرأ لهم الكتب.

تتمعّن والدته في ملابسه، لماذا أراك تزداد فقرًا يا ولدي؟ لقد أصبحت كهلًا وبعد قليل تصبح رجلًا مُسنًا، وأنت كما أنت ما زلت فقيرًا، إلى متى ستبقى فقيرًا يا ولدي، ألا يفيدك أنك أصبحت كاتبًا؟ لست فقيرًا إلى هذا الحد يا أمي، ثم إنني لا أعرف ماذا يخبئ لي الغد، كم كنت أود لو أنك بقيت إلى جانبي في عالمي الفاني هذا لنقطف ثمرة أحببت أن نقطفها معًا. تتمعن أمه في ملابسه، لكن لماذا ترتدي هذه الملابس الرثة يا ولدي؟ يحاول أن يشرح لها أن يقول لها إن الإنسان الجميل يبدأ من الداخل إلى الخارج، وليس العكس، وإن من يبدؤون من الخارج إنما هم أناس تعساء، يشرح ويشرح ويشرح، إلى أن تستوقفه أمه بإشارة من يدها لا أفهم ما تقوله يا ولدي، أنت تعرف أنني أميّة لا اقرأ ولا اكتب، إلا أنني افهم أن الواحد منا نحن بني البشر إنما يحاول أن يحسّن حياته. أنا أحاول أن أحسن حياتي يا أمي، لا تقلقي، أرجوك لا تقلقي، طريق الكُتّاب كثيرًا ما تكون طويلة، أطول من أعمارهم، لهذا هم يعيشون أحيانا بعد رحيلهم، لا أفهم عليك يا ولدي، ما افهمه انك ينبغي أن تعيش حياة أفضل من هذه، وماذا تقترحين يا أمي؟ أقترح عليك أن تبحث عن عمل آخر يمكنك من أن ترتدي أفضل الملابس، لن ابحث يا أمي، قلت سأكون كاتبًا، يعني سأكون كاتبًا.. ولن أتنازل عن حلمي.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

كُلما مرَّ يومٌ عليكَ

إزددتَ حباً وعذابا

وترنحتْ أحلامك التائهات

على الدربِ اضطرابا

نحتتكَ الريحُ طفلاً

حجراً يبكي انتحابا

عزفتْ في قلبكِ الأوهام

آمالاً عراضاً وارتيابا

فرنوتَ عن بعد لأفقٍ

كي تدنو بعينيكَ اقترابا

ضمِئاً فارقتَ أماً

باحثاً في ماءِ عينيها شرابا

وتمنيتَ إذ هرِمتَ أخيراً

أنْ تعد فتىً ، بالعمرِ شابا

لا تمني النفسَ في أملٍ

كاذبٍ، كان وهماً وسرابا

وتذكرتَ حين فاتَ الأوانُ

أنَّ في الغربةِ كرباً واكتِآبا

كمداً فيها، يموت الشعراءُ

من علةِ الشوقِ إغترابا

شرِبوا من كأسِها الأمرينِ

كما شرِبَ  المظفرُ النوابا

يا أبتِ المرفوع الهامة أبدا

سأُقبله إن عدتُ اليكَ إيابا

لم أجحدْ يوما أنك للأبناء

خيرُ الأباءِ فضلاً واحتسابا

أهديتُ وطني قصيدةَ حبٍ

بأكفِ دموعٍ تطرقُ الأبوابا

وسلامٌ على ابناءِكَ الأوفياء

طيفاً في الحلمِ، أتاهم غيابا

تغربتُ  لا أهلاً سواكَ حللتُ

ولا سهلاً كأرضكَ، نزلتُ رغابا

وأنا على عهدي ذاك  محبا

واتخذتك في صلاتي محرابا

علقتك في عنقي، قلائد شعر

شمساً ساطعةً، نخيلاً وقبابا

وشربتُ حُبكَ ماءَ الرافدينِ

فكانَ عذب المذاقِ رضابا

آليت يا وطني إنْ متُ غريبا

لأعودنَّ اليك ترابا

***

صالح البياتي

أستراليا / سدني

20 / 6 / 2022

كان يريد الانعطاف يمينًا إلى الجسر البحري متجهًا إلى منزله، عندما سمع صوت المنبّه (الهورن) والأنوار المتكرّرة العالية (الفلاشات) الصادرة من السيارة التي كانت خلفه، إذ وقفت بصورة جنونية جعلته يفقد إيقاعه الطبيعي. أخذ نظرة سريعة لا تتجاوز الثواني في المرآة الخلفية، قفز خوفًا ورعبًا إلى خارج السيارة. أشار بيده اليمنى رافضًا ومستنكرًا الموقف السّلبي الذي حدث.

سمع صوتها وهي تصرخ بطريقة هستيرية: "أنت الغلطان"، تضرب بكلتا يديها على مقود سيارتها على بُعدِ خمسين مترًا، مشفوعة بتلك الألفاظ النابية القبيحة، من شتم ولعن وتهديد.

أرخى الليل سدوله، فحال ذلك دون رؤيتها بوضوح، شعر بالخزي والعار والألم وسقوط هيبته أمام نفسه، من شابة مجرّدة من الأخلاق، وهو رجل تجاوز الستين عامًا. ثمة ما يدعوه إلى مواجهتها وردّ الصّاع صاعين، لكنّه فَطِنَ إلى أنّها امرأة لا تستطيع كبح جماح غضبها تجاه أسهل المواقف، فكيف بها أمام موقف قويٍّ كانت سببًا فيه، وترك أثرًا سيّئًا على طرفي النزاع.

فكان لا بُدّ له من ضبط النفس، وحتى يفوّت على الفضوليين فرصة توثيق المواجهة الدامية، حيث كانوا بالمرصاد حاملين كاميرات رصد الأحداث الساخنة بُغية نشرها على أوسع نطاق. انعطف نحو الجسر، والتزم المسار الأوسط يقود سيارته. مزاميره المزعجة أحدثت ضجيجًا قويًّا، تحت تأثير ألم حادّ يضغط على حلقه، متبوعًا بشعور بالاختناق والاحتقان، بعد أن أعطته جرعة لا تتناسب مع مبادئه وتاريخه الأخلاقي.

تداعت الصور التي يحملها في ذهنه عن المرأة قديمًا وحديثًا، فتملّكه شعور جارف يدفعه لأن يكون قاتلاً هذه الليلة؛ بسبب الاضطهاد النفسي واللفظي الذي يشعر به، يُسائل نفسه ما إذا كان موقفه الليلة أهو من الحكمة في شيءٍ أم هو خوف من مواجهة فتاة؟

ربما الحكمة لم تكتمل بعد عندما تبعته بسيارتها الفارهة، تحدّق في شابة أخرى، حاولت ترويعه في دفعه بسيارتها خارج المسار قليلاً، لكنّه بقي في المسار دون انحراف. نظر سريعاً في المرآة الخلفية، تأكّد من عدم وجود سيارات أخرى قريبة.

جاءه النبأ الأعمى، أشعل سيجارته يفكر في الخطوة التالية، تذكر مارك عن قولته الشهيرة "تحرّك سريعاً وحطّم الأشياء". مشهد الانتقام، أخذ في مجاراتها، حاول أن يدفعها خارج الجسر بعيدًا إلى البحر، ولسان حاله: لم تعد الأشياء كما هي ممثلة بألوانها الأبيض والأسود".

في حياة كلّ إنسان لحظة لا يعود فيها كما كان، المغفرة والتسامح، أصبحت كلمات لا قيمة لها، والانتصار على النفس توقف حتى إشعار آخر! يقول كيف يتحول رجل حضاري مثلي إلى شخص متجرّد من الإنسانية، لديه رغبة الانتقام والقتل، بسبب امرأة لا يستطيع أن يغفر لها أو يتجاوز الحدث بكلّ تفاصيله!.

حين يصفعك القدر بشدّة على وجهك تصرخ أمام تلك المكالمة الهاتفية، إنّها والدته، لم يرد عليها، توقف عن القرار قبل البدء في دفعها خارج الجسر، تجاوز طابور السيارات بشكل متهوّر من الأمام والخلف، أخذت المسار الأوسط وحافظت على تتبعه حتى تجاوز الجميع الإشارة الخضراء.

الخوف في التوقف والحديث معها، كان مقدارًا من المجازفة في تكرار الصّراخ والتجاوز أمام الناس في قصة مفبركة، تأثيرها على وضعه الاجتماعي والثقافي، بسبب المكانة المكتسبة، الفكرة التالية الدخول في الأحياء القديمة الضيقة، ما زالت تتبعه، انعطافه داخل الحيّ عبر الأزقة الضيّقة، والممرّات التي قد لا تساعد سيارتها الفارهة استيعابها، مع ذروة أحد المنعطفات وجدت نفسها غير قادرة في الاستمرار.

اختفت فجأة من المرآة، لم يكن سعيداً بذلك؛ بسبب محاولته استدراجها إلى المزارع المظلمة، هناك سوف يكون الغرور والكبرياء، أمام تلك المرأة التي لا يتذكر ملامحها. بدأ طريق الظلام يتغلغل في المكان أمام غضبه الذي لم يتوقف. إنّها الليلة التي لا يلد فيها الإنسان إلّا مرة واحدة. تأنّى في قيادته حتى أصبحت أنوار المدينة نجوماً صغيرة، بدأ طريق الظلام يتغلغل في المكان، إلّا من ضوء شحيح يصله ميتًا بين منعرجات الطريق.

أغلق مصباح السيارة، ووقف أمام منبع العين (الزراعية) الحارة الدافئة المتبخرة في فصل الشتاء البارد في بدايته، يتأمل الماء، ذكريات الطفولة البريئة، المليئة بالذكريات والقصص المضحكة المبكية والحزينة في بعضها.

أشعل تلك السيجارة في هدوء قاتل، ينفخ بشفتيه، يتذكر إهانتها بتلك الطريقة الوقحة، لكمة قوية كانت وليست مجرّد صفعة كفٍّ، تركت له جُرحًا ينزف. كلمات الوقاحة والشتائم (العضوية) المتنوعة التي احتدّت بها تجاهه، أصبح الأمر مخيفًا أمامه في بعض سلوك النساء أثناء القيادة، حتى أصبحت ثرثرة الرجال في المجالس المختلفة توازي ثرثرة النساء.

شعر بالرعب يجتاح جسده، فجأة أطلقت صرخة مدوّية من خلف رأسه، لا تتحرّك أيّها الكلب، المسدّس الذي بيدي يستطيع قتلك في أقلّ من ثانية، حافظ على وقوفك، استدارتك سوف تكون نهايتك.  

تذكر البيت القديم، بين الخيال أو الحقيقة التي يراها من النافذة، الظلام احتكر المكان، شخصٌ ما ينظر إليه، ذهب إلى جدّه يخبره بذلك الشبح الذي يراه، نهض جدّه خارج المنزل، أمام النافذة، نظر جدّه: هل ترى شيئاً؟، ابتسمَ، اِسمع "يا بابا"، لا تخف، الخوف لا يمنع من الموت ولكنّه يمنع الحياة.

- أنتِ تعلمين لم أفعل شيئاً يؤذيك.

- اِخرس، أيّها اللعين، أنا امرأة لم أخطئ يوماً في حياتي.

لا تحرّك رأسك، مصيرك بيدي هذه الليلة، اعتقدت أنك ذكي، لا أحد يستطيع الوصول إليك أيتها المرأة، توقفي عن جنونك، قلت لك لا تحرّك رأسك، أعدك بأنه سوف ينفجر.

شعر بأنّ الموت أفصح عن نفسه مع هذه المجنونة، كيف يتحول الإنسان من الشعور الطبيعي، إلى قاتل في الدفاع عن النفس! توقفت عن الانفعال فجأة، لكنّ هناك شيئاً يدعو للقلق والخوف.

- لا تحاول الالتفاف أو النظر إلى الخلف!

- أنا أكرهك، لماذا تكرهينني؟ لم يسبق أن التقينا.

- اِجلس على الأرض، لقد بحثت عنك طوال ثلاثين سنة، أنت اليوم بين يدي، أريد قتلك ثم تقطيعك إرباً للكلاب الضالة التي تسمع صوتها.

- أنتِ مخطئة فيما تقولين.

- اِسمك راشد عبدالله، تبلغ من العمر ستين عامًا. غادرت البلاد للدراسة لسنوات طويلة.

بدأت بعض الفلاشات تبرز شيئاً من ذكرياته تحت طقوس الظلام والوجع، همست في أذنه بصوت رخيم عابق مخملي في شهوة الجنس، لا شك أنك سمعت هذا الصوت من قبل؟

استأذن منها أن يذهب إلى السيارة لإضاءة المصابيح لرؤية وجهها، حتى يتذكرها جيّداً، لكنّه أدار ظهره سريعاً. ضربها على رأسها بواسطة الحجر الذي التقطه أثناء جلوسه على الأرض. صرخت ثم استوى على جسدها، ولما انتهى من قراءة ملامحها، كان الشتاء قد تدحرج في مفصله يُنذر بقدوم المطر.

 أيّها اللعين، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، قالت: المسدس ليس حقيقيًّا، أنا شهرزاد التي أحببتها، الفتاة التي كانت تصرخ ابنتك.

قبل أن يبكي جاءته الطلقة الحقيقية في رأسه، ارتفعت الستارة، وصفّق الجمهور في رحلة البحث عن القاتل.   

***

فؤاد الجشي - البحرين  

 

شُحٌ ...شح

إلا من ذكر الله.

شحَّ الماء،

الضوء،

حتى

أصواتُ العصافير،

أعشاشُ البلابل

في وطني.

آهٍ وطني

سرقوا الضحكة

من أفواهِ الصِبية

وجدائلَ شقرٍ

من قرنفلِةٍ غَضَّة.

شحَ رغيفُ الخبزِ ،

وطبشورُ الصفِّ.

أما انا

فالبؤسُ

نصيبي منه

قضمةُ جًمرٍ،

وكسرةُ خَوف.

وأنا كمن يغرسُ

الجَلَدَ ليِثمر.

**

كامل فرحان حسوني - العراق

 

هذا الشتاءُ أطل علينا

بثوب ٍيُقرِّبنا للإذاعة ِزلفى

ويلعنُ رأس شؤون ِالقنابلْ

يخلعُ ناب التحرُّش ِبالوقت ِ

يطحنُ ضرسَ المواجعْ

بأقدامِه ِالعَشْر

يشربُ نَخْبَ (النشامى) اللذيذْ !

هذا الشتاءُ..

يُزَوِّجُ عاميِّة البَدْو

بالحَضَر ِالمُجْد ِبينْ !

يُعَبِّرُ فيمايقلْ

عن ثلاث لغات ٍتَدُعُّ النبيذْ !

له ُرغبةٌ كضيوف ِ المطاعِمْ

يَطلبُ صحن كلام ٍ قديم ٍ..

ووصْلة حُمَّى..

ورُبْع مزاج ٍمُعافى..

ومنفضةٍ تتحلى بطَبْع ِالمُحَاسِب

نادِلها المُسْتَطابْ !

هذا الشتاءُ..

يُتاجِرُ بالغيم ِفي نشوة الاحتِفاءْ

يُلِحُّ علينا

أن نُجريْ بحثاً على شاربيه ْ

وندرس قهوتهُ في المساءْ

ونشرقُ من كل ثلج ٍ حكيم ٍ

ونعطي الندى إصبعاً ذات خَصْر ٍ

ووجه ٍ على رأسِه ِألف عام ْ !

هذا الشتاءُ..

يجيد السباحة في كل معنى

يُمَلِّسُ لحيتهُ بالرصاص الرجيم

يُفضَِلُّ كأس النصيب ِ

وثوب الضباب ِالعتيق

وذاكرة العندليب ِ

له ُروح فن ٍّ

يُحَمِّلها ماتناسل من أدب التقنياتْ !

هذا الشتاءُ..

يُعَلِّقُ شارته ُ STOP

في وجْنَتيهْ

فلن يصنع الشِّعر ديوانهُ المصرفيُّ..

ولن ينضج الخبز في راحتيهْ !!

***

محمد ثابت السميعي - اليمن / تعز

2009

قلت لك:

تَصُدِين أروقة السلام .....

تَسِرين في دروب الحرب

أرجلك حافية يا أنتٍ .....

أرضك كلها شوك وزجاج

هنا أفعى تنتظر الغفلة.....

هنا قطيع من الهلاك

ما بك يا أنت .....

ما دهاك.......

امشي رويدا ....

لا تجعلي بصرك في قفاك ...

سار متعجلا لم يتأنى

لم ينل ما يتمنى

غدا الفرج جميل

ما بقي إلا القليل

غدا تجري رياحك بما تشتهي

ويصير الضيق فضاء

والألم شفاء

**

هنا الجزائر

أنا هنا

ألفا تحمل ألفا من السنين

قلبي كرحابة التراب

وانتفاضة البحر الثائر في كل حين

نصبت خيمتي

زرعت بذرتي

أحرقت المتسللين

نحن لا نستكين

خائن نزل بلا موعد

بلا قامة.. بلا هامة

ليمحي ذاكرتي

هنا ساحتي

أرواح لا تموت

مليون شهيد، تعقبه الملايين

هنا القائم والمقام

هنا الحرب والسلام

هنا صرير الأقلام

هنا أشجار باسقات

وقطوف دنيات

هنا الجبال الشامخات

لا تسعى لكيد

فيبيدك زئير الراجمات

**

لفلسطين الحبيبة

صوت الجرافة يلعن السائق

النية خبيثة

يقلع ألف شجرة زيتون

يزرع مستوطنة جديدة في طريق الوريد

ستموت التلة مع شهداء التين والزيتون

ينتظر العربي عهدا جديدا

ينتظر ملاد بقرة صفراء

نضرب الجذع على رصيف المدينة

تقوم الشجرة من جديد

من قتلك

قتلني عربي رضي بالتطبيع والسلام

من قناة إلى قناة

أنهى المهمة واستلم اللعنة

مات العقرب في ظل المهملات

في قصور قاصرة

في ملهى الطواحين وطائرة

قرار كخوار بقرة

مشاعر نهضة حائرة

تخلف في آخر القاطرة

مرابط الخيل ننتظر

نربي صغارنا جوارح

نغني أغنية العرس

وأخرى للحرب

وثالثة للنصر

وندفن شهيدا ثم شهيدا

موعد للعودة

موعد أكيد

اقتلعوا شجرة أخرى هدا الصباح

نما برعم جديد

***

الشاعر: رابح بلحمدي - الجزائر

من ديواني في ظلال أشجار الزيتون

 

قالَتْ لهُ:

لَوْ لَمْ أكنْ معكْ

منذُ سنينٍ، عندما

كنتَ تروغُ كلّما

عن وِجهةِ المسيرِ أسألَكْ

لكنتَ قَدْ

ضيّعْتَ مسلَكَكْ

و كانَ قَدْ

تِاهَ و تيّهَكْ

في دربِكَ السّرابْ

لَوْلايَ ..! لَوْ ..!

لا ينتهي العتابْ

**

قال لها : لَوْ  لَمْ نكنْ معاً

أكنتِ تعرفينَ ماذا خبّأ الزمنْ

في دربِنا المحفوفِ بالشجنْ؟

و ما الذي اِخْتَزَنْ

لدربِ كلِّ واحدٍ

منّا، وما اِرْتَهَنْ

لَوْلايَ ..! لَوْ ..!

هل ينتهي الكلامْ؟

**

و اِفترقا

صارا على اِنفرادْ

تذكّرا كل الذي قالاهْ

فراحَ كلٌّ مِنْهما

يقولُ نادِما:

لو كنتُ لَمْ أقُلْ

كلَّ الذي قَدْ قُلْتْ

لو أُذُني  لَمْ تَسْتَمِعْ

لكلِّ ما سَمِعتْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

كم ضاق صدري؛ ولولا الفيس ما سلما

قلبي من الغيظ .. حتى ينشرَ السَّأما

*

مما نعانيه في الدُّنيا ؛ على أملٍ

يستوعبُ النّاس ما أعني أنا و لما

*

لكنْ أعودُ إلى الأدراج منتكِساً

فلم أرَ الكلَّ ما أعنيه قد فهما !!

*

هم يحلمون بأشياءٍ تخالفني

أدريهم اليومَ شاءوا الظَّنَّ و الحُلُما

*

هم يحلمون بأشياءٍ تباعدهمْ

عمّنْ يرى العُمْرَ طالَ الشَّيبَ و الهَرَما

*

هم يحلمون بآفاقٍ تناغمهم

ما بين في البال .. لا هذا الذي نُظِما

*

هم يعشقون رباباتٍ تموسقُهم

فيطربون إذا أهدتْ لهم نغَما

*

هم يفرحون إذا يوماً تبشِّرهم

بأنَّ لا شيءَ يبدي الحزن و الألما

*

هم يحلمون بأحلامٍ بلا كُرَبٍ

فيها البلابلُ تصحي الغصنَ مبتسما

*

لا يحلمون بأشياءٍ تؤرِّقهم

مثلي و مثلك .. إذ أعطى و إذ قسما

*

لذا ترى الجيلَ لم يقرأْ رسائلنا

بمثل ما نحن ندريها ، و ما علما

*

لذا نويتُ بأنْ أبقي لنافذتي

ماذا أشاء .. ولا أأبه بمن سئما !

*

أقولُ رأيي .. أبثُّ الشِّعرَ مبتهجاً

و كلُّ مرءٍ له أنْ يطلقَ الكَلِما

*

حُرّاً .. كما كان .. لن تخبو ذبالتُهُ

في كلِّ عتمٍ أوار النَّار قد ضرما

*

كي يستضيء ظلامَ اللَّيل في زمنٍ

قد أسدرَ التيهُ فيه العتمَ و الظُّلما

*

كي تستقيمَ حياةُ الوعي في ألقٍ

تزيحُ ما غامَ في الآفاق محتدما

***

رعدالدخيلي - العراق

 

 

قلبك أيها الميت

ترك دمعتين على طاولة التشريج.

**

كان يرضع حليب المسدسات

بدلا من حليب الأم.

لذلك أمسى قناصا

من البلكونة

يفتح النار على ظلال المشائين.

**

قبل موتها بثلاث سنوات

أنا وأمي وكرسيها المتحرك

كنا مثل إخوان الصفا

نتأمل الفراغ الذي يمشي مقلوبا على رأسه

تحت قدميها المتجمدتين.

حيث تتبدى الساعات الطوال

مثل أحجار كريمة.

والندم كلب أسود

ينبح في باحة البيت.

**

موتي خسارة لا تقدر بثمن

لأني منذ ستين سنة

عيناي مسمرتان إلى أعلى

لعل الله يمضي مسرعا من هناك.

**

النهار وحش قذر

الناس سيئون للغاية

وغير جديرين بفاكهة العناية الإلاهية.

بينما العزلة تملأ خزانتي بالذهب.

**

قدري أن أمثل دور الأبله

في هذا المسرح العبثي.

**

قلت للسماء: أنت لاشيء.

سأطردك بعكازة الفيلسوف

لأنك كذبت علي سبعين ألف مرة.

**

المرأة فراشة

هشة وقصيرة النظر

مكلفة جدا جدا

ومغرية حد الإغماء.

**

في المبغى

المومسة تطعم الجسد

لفيفا من السراخس

مثل أرنب بري.

**

جن في المنفى

لم يجد زهرة  تشيعه

إلى بستان العائلة.

**

أنت تعاملين قلبي

مثل سيدة فرعونية مطلقة

ترغبين في تحنيطه

لإكسابه معنى أبديا

وإخفائه في مكان سري

داخل إهرامات (الجيزة)

مثل كنز ثمين من كنوز توت عنخ أمون.

قلبي لا جىء فلسطيني عالق في معبر (رفح)

لا يهمه غير شميم عرق الأسرى.

أنا يا سيدتي

ليس لي متسع من الفقد

لأحدق في تابوت العلاقات المحنطة.

**

أنا ممزق جدا يا سيدتي

لعبة الكوريدا لم تتوقف أبدا

في الحلبة اللامتناهية.

عقلي ثور جامح

بقرنين من البرونز الخالص

يهاجم دائرة الضوء الأحمر

وقلبي مصارع ثيران

مشبع بأنساغ الميتافيزيقا.

الحرب دائرة على قدم وساق

وأنا بحجم ألف ضحية في اليوم.

**

كأي مهاجر  غير شرعي

أبحث عن إمرأة جيدة

بقامة سبعين موجة

لتنتشل حياتي البائسة من الغرق

في الوحل والجنون والماليخوليا.

**

الشتاء قادم على مهل

وكهوف قلبي مشرعة تماما

مليئة بأسماك السلمون

بمياه النوستالجيا الحار

في انتظارك يا دببة أفكاري المتوحشة.

في انتظار قيامتي الأثيرة

***

فتحي مهذب - تونس

 

 

(فصل من حكاية طويلة)

على ذلك الكرسي المنزوي وبعد أن أخذ قسطا من الراحة، وجد الضيف نفسه في معنويات عالية جدا وعلى إستعداد كامل للصبر والتحمل فترة أطول، بل حتى بات لا يفكر كثيرا في عودة مُضيفه الذي إضطر على تركه وحيدا، إثر نداء من والدته ولأسباب تتعلق بشؤون البيت على الأرجح، وسوف لن يغيب طويلا كما وعده. وبعد تأكده من خلو الطريق من المارة، وإذ به يمدٌ بناظريه بعيداً وعبر نافذة الغرفة المطلة على البستان، ماسحا ما بان منها وما خفي قدر ما يستطيع. شدَّ إنتباهه ومن بين صفوف متراصة من النخيل ومثلها من أشجار البرتقال وما يدخل في صنفها شيئا ما أو حركة لم يستطع بداية الأمر من تمييزها أو إستجلائها على وجه الدقة. لذا وبدافع لا يخلو من الفضول ومن قبلها الرغبة في معرفة ما يجري راح محدقا وبتركيز عالٍ ولبرهة من الوقت حتى إنجلت أمامه الصورة على نحو واضح، انه أحدهم، ملامحه من بعيد أو بالأحرى ملابسه لا تشير الى ذات الشخص الذي مرَّ قبل قليل بالقرب من النافذة.

تابعَ  الضيف ما كان يقوم به ذلك الرجل وشيء من القلق بات ينتابه: كاد أن يهوى وهو لما يصل بعد منتصف ساق النخلة التي يروم بلوغ قمتها، وأعتقد بل أجزم بأنه سيتمكن منها في نهاية الأمر، ولكن عليه تجاوز تلك اللحظة الحرجة التي يمر بها الآن، ولابد له في بادئ اﻷمر من السيطرة على آلة التسلق البدائية التي يستعين بها والموروثة أباً عن جد، حيث تحيط وتمسك بوسطه وبجذع النخلة كذلك، كي يعيد توازنه ويواصل مشواره. انها عملية ليست بالسهلة، فساق النخلة التي اختارها نحيفا جدا وخلا جذعها من أية نتوءات بارزة، يستعين بها، من أجل التثبت والصعود الى غرتها بتأنٍ وسلام، كل ذلك ضاعف من صعوبة تسلقها.

هكذا بدت الصورة للضيف من بعيد، عازما على متابعتها ورصدها بدقة، واضعا نفسه على أهبة الإستعداد لأي طارئ، فإذا ما ساء الحال وحدث ما لا يحمد عقباه وبات المتسلق في وضع حرج، سيكون عند ذاك رهن اشارته وتصرفه وأول المعينين له، حتى لو إستدعى الأمر الخروج من النافذة بإعتباره أقصر الطرق للوصول الى البستاني. وسوف لن يعير اهتماما إن تجاوز وضرب عرض الحائط كل الوصايا والتعليمات المتعلقة بشروط الضيافة، والتي ما انفكت تصدر من مضيفه ووالدته وكلما قام بزيارتهم.

لبضعة دقائق، إنتابته حالة من القلق، ولم تغادره الاّ بعد أن تأكد من نجاح المتسلق إجتياز أصعب العقد التي واجهته أثناء صعوده الى القمة، وليتنفس معها الصعداء. وفي تعليقه على ذلك قال: على ما اعتقد فإنه سوف لن يتراجع الا بعد أن يكون قد بلغ غرة النخلة، ويكون حينها قد إستغرق في شم عطرها والإطمئنان أيضاً على ما تحمله من ثمار طيبة، دون أن يفوته  تحسس مذاقها. هي لا تشبه أي ثمرة بل هي مَنْ تفرَّد خالقها وبضعة من أشجار أخر من أخواتها في مباركتها، موصيا بها، مودعها تحت رحمة ورعاية تلك الأيادي الطيبة التي تليق بها، داعيا كذلك الى حمايتها من كل ما يصيبها من عين حسود.

لم يكتفٍ الضيف بهذا القدر من الدهشة وإبداء الإستعداد لكل مكروه وطارئ، بل لا زال في جعبته الكثير من الكلام، لِمَ لا وقد أعجبته تلك الصورة أو لنسميها تلك اللوحة أيما إعجاب، لذا راح يضيف وبلغة ستبدو لمن كان يصغي اليه لحظتها، كما الذي خرجَ تواً من مشاهدة شريط سينمائي مشوق وبأحداث متسارعة لم تخلُ من مفاجئات ومصاعب. وسيتوقف كذلك ولوقت ليس بالقصير عند بعض اللقطات المهمة، والتي كان قد استقاها مما رأته عيناه، ليلقي الضوء عليها: ملامح الشخص المتسلق بدت تتضح شيئاً فشيئا حتى أكاد أجزم بأنها إكتملت.

إنه كهل ربما قارب الستين من العمر، أي أصغر من عمر النخلة التي يتسلقها بمقدار الضعف على أقل تقدير، هذا ما تنبئ به بُطء حركته ودقته وتأنيه، ولا أظنكم ستستبعدون أو تستغربون إحتمالا كهذا، فأفضل متسلقي النخيل هم من كبار السن، وأعتقد ان رأيا كهذا لهو أمر مفروغ منه ومُدعماً بالكثير من الأدلة والبراهين، هل تريدون التثبت من ذلك، طيب، لذاسآتيكم بمثال بسيط وسريع، فإذا نظرتم الى الرجل وحين ملامسته للثمرة وعثوقها النضدة وكيف يتعامل معها، لرأيتم كم هو مشفق عليها وكم هو أنيق في صلته بها ومحب لها. إنها أمّكم وعمّتكم النخلة، هذا ما تعلمَّه من اﻷسبقين وما أراد إيصاله لنا، نحن الذين ما فتئنا نجحد في بركات ثمار تلك الشجرة المباركة.

حين وصل غرتها طاب له المقام وراح يشدو ما يحلو له من المواويل والعتابا، ربما أراد بذلك تمهيد طريق عودته، والتي سوف لن تقل صعوبة عن صعوده، خاصة وإن النخلة التي اختارها للتسلق تبدو الأطول والأنحف كذلك في بستانه بالقياس الى ما جاورها من النخيل. هناك أمر آخر، علينا أن لا نغفل عنه والذي سيضاعف بكل تأكيد من صعوبة نزوله، فالرجل بات الآن يحمل معه بعض من عثوق تلك الثمرة، حيث قام بتعبئتها في سلة صنعت خصيصا من سعف النخيل، اختار لها أن تكون لصيقة بظهره، ومنذ أن بدأ التسلق وما إنفكت ترافقه حتى اللحظة، رغم ما لاقاه من مصاعب. انها ثقيلة الوزن بكل تأكيد بسبب ما احتوته من تلك الثمرة الطيبة، حتى أوشكت أن تسقط أرضا لولا فطنته وخبرته وحسن تصرفه عند المنعطفات الحرجة.

في هذه الأثناء وبينما كان الضيف منغمسا في رصده للمشهد، وصل مسامعه صوت نباح أحد الكلاب، غير انه لم يتفاجأ بذلك فهو من بداهة الحال فكثيرا ما تعج البساتين بالأليفة منها والحارسة بل وحتى الضالة، ما يعنينا هنا ان هذا الصوت لم يدفعه الى التوقف بل تجده مستمرءا لعبة الوصف إن لم تزده حماسا: إنَّ الرجل المتسلق وعلى ما تراه عيني ومن المكان الذي أقف عنده بدا كما الذي غطّى رقبته بشالٍ رحب الحركة، هفهافاً، فضفاض. يبدو وعلى ما أرى بأنه حافي القدمين وأظنه حسنا  فعلإ فسيساعده ذلك ومن خلال أصابع قدميه بتحسس وتمييز تلك المناطق الآمنة من الجذع عن غيرها.  أما ما يرتديه فهو عبارة عن جلباب بسيط، بانت شقوقه رغم عمليات الرتق العديدة التي أجريت له، وكي لا تظنوه بخيلا فقد كان حريصا على إستبدالها كلما دعت الضرورة، ولما بلغ به اليأس مبلغا ومع تقدمه في السن فقد قرر إرتداءذات الجلباب رغم العيوب الظاهرة عليه.

أمّا إذا شئنا التحدث عن بشرته فأظنها بيضاء اللون في الأصل إن لم أكن مخطئاً، هذا ما أنبأت به إنكشاف ساقيه وما بان منها من غضون وتجلد، غير ان سطوع الشمس ولفحتها وبقاء الرجل فترة طويلة تحت تأثيرها ووهجها ولعقود من الزمن، جعلت من لون بشرته يميل الى السمرة. إنظروا الى قمة رأسه فها هو يعتمر قلنسوة ذات قياس مناسب جدا، مخططة باللونين، الأبيض والأصفر الفاتح، هذا ما أخمنه فهي شائعة الإستخدام لدى العامة من الناس القاطنة في تلك المناطق، طيب إن لم يكن هذا لونها ولم تتفقوا معي فلنقل هي حائلة إذن، لذلك ستجدونها متماهية مع محيطها.

وقبل أن ننسى أمراً آخر على صلة بموضوع التسلق، فحين وضع الرجل رجليه على ساق النخلة ومن أول لحظة، إنتبه الى أمر في غاية اﻷهمية، انهما خفّيه فعليه خلعهما قبل الشروع بعملية التسلق، فأصابع قدميه ومع تزايد خبرته باتتا أكثر تحسسا للمواضع الآمنة منها وغير اﻵمنة. المهم أرجو أن لا تتوقفوا طويلا عند هذه الجزيئات الصغيرة التي جئنا على ذكرها توا فهي ليست بتلك الأهمية، فما يعنينا في هذه اللحظات هي حركة الرجل المتسلق وقلقنا عليه، لاسيما وانه أخذ بالترنح، تارة نحو اليسار وتارة نحو اليمين، مما يدلل الى أنه بدأ يواجه صعوبة حقيقية في التحكم والسيطرة على حركته. إن قلبي معه وكل تمنياتي وتمنياتكم أيضا له بالتوفيق والنجاح، ولكن لا تنسوا فأنا بإنتظار تلك الثمرة التي سيأتيني بشيء منها على ما أأمل،  فليباركه الرب ويحميه من كل مكروه.

للأسف فالقصة لم تنتهِ عند هذا الحد، والقلب لم يطمئن بعد. فبعد أن بانت على الرجل بعض المؤشرات التي تدعو للقلق، كالقيام ببعض الحركات التي لا تخلو من خطورة، وكذلك في إستغراق خطواته التي يتوجب عليه القيام بها وقتا أطول مما تستحق،وما رافقها من تصبب للعرق على ما بدا من جبينه وصدغيه وحتى الرقبة، كل ذلك سيلقى من لدن مَنْ يرصده تأثيرا سلبيا، سيجد له إنعكاسا في اللغة التي سيستخدمها في وصفه للمشهد الشاخص أمامه، وفي طريقة تناوله لما يحدث للرجل إذ تجده معلقا: بسبب ما يلاقيه من صعوبات لم تكن متوقعة، إضطر الرجل المتسلق التوقف لمرات عديدة عن مواصلة مشواره. ولكي يستعيد سيطرته وبعد استراحة قصيرة شرع بترتيب شاله الهفهاف الذي بدا معرقلا لحركته بعد أن مسح قطرات العرق المتصببة وبشكل خاص من على وجهه، ثم قام بعد ذلك بإعادة النظر بغطاء رأسه من جديد، مبتدأً بإعادته الى مكانه الصحيح أولاً ثم الضغط عليه بقوة من أجل تثبيته، مخافة تعرضه مرة اخرى الى أي مكروه، فَجُروح وتخدشات الأسبوع الماضي التي كان قد تعرَّض لها أثناء تسلقه أيضاً لإحدى النخلات الفارعات الطول، لا زالت طرية وأمر إندمالها سيأخذ بعض الوقت.

مَنْ تَخَبَّرَ بلغة النخيل سيقول عنها بأنها سيصعب عليها التكيّف وإستقبال كائن مَنْ كان، وبشكل خاص أولئك الذين تنقصهم خبرة التعامل معها. وفي تفسيرهم لهذه الظاهرة وعلى ما يراه البستانيون فإنها تُعد من  الوسائل التي تتوفر عليها وتستعين بها من أجل الدفاع عن نفسها، على الرغم مما هو معروف عنها بالتواضع والبساطة والغفران كذلك إن استطاعت اليه سبيلا. أما إذا لم يُحسن أحدكم التعامل معها فستبقى عصية الطوع، أبية الإنحناء. وبتلك الصفات الآنفة، ستشبه والى حد بعيد الكثير من الأشجار السخية المعطاءة والحذرة في آن، وربما يكمن في ذلك سر قوتها وصمودها وبقاءها شامخة، رغم تبدل العصور والأزمنة وما حِيكَ ويحاك، وما يبيت لها من بعض المتربصين، الذين لا يريدون لها الخيرا.

لعبة الوصف هذه راقت للضيف، فراح مستكملا ما تراه عيناه في البستاني، ليسرح ويمرح  وبما يشاء ويحلو له من الإنطباعات وبشكل مفصل ودقيق، خاصة حين اختار التوقَّف طويلاً عند اللحظة التي تُظهر الرجل المتسلق وهو في حالة حرجة جدا، عندما بدا كما المعلق بين السماء والأرض، ليقول عنها: من المؤكد انه قد وصل الى منتصف المسافة الواقعة بين جذع النخلة الثابت على اﻷرض والممتد الى باطنها والمجاور لإحدى الفسائل، وبين غرتها. وقبل أن يواصل البستاني طريق العودة، وبسبب ما يلاقيه من صعوبات فقد قرر الإستراحة مرة أخرى، مستثمرا الوقت لأمر في غاية الأهمية بالنسبة له، لذا راح مخرجاً من جيب جلبابه الأيمن علبة مستطيلة الشكل، فضية اللون،ذات معدن لماع، يبلغ حجمها ما يغطي كف يده أو أقل بقليل. قام بفتحها، مستلا منها عدد قليل من ورق البافرة المحلي الصنع والخاص بلف التبغ ( لعل الأمر الوحيد الذي لم يتأكد الراصد من إحصاءه بدقة هو عدد أوراق البافرة التي أستلها من العلبة) وليس أي نوع أخر من التبغ كما تعتقدون، بل هو ذلك الصنف القادم من شمال الوطن تحديدا، بإعتباره من أجود انواع التبوغ والذي يفوق في مواصفاته ذلك المستورد والمهرب كذلك من خارج الحدود.

وبحركة أصابع رشيقة، سريعة، تنم عن خبرة طويلة، لم تأخذ من وقته سوى دقيقة أو أكثر قليلا، استطاع أن يهيأ من عدته البسيطة تلك والتي يحملها معه أينما حل وارتحل، سيكارة أنيقة صلبة، ذات قوام نحيف كنحافة الشجرة التي يتسلقها، تقارب في طولها أحد أصابع يده. تلى ذلك أن تذكر بأنه كان قد اشترى قبل يومين بلسماً جميل الشكل لم يدشنه بعد وها قد حان موعده، ليضع سيكارته فيه لتبدو الصورة للرائي على نحو من الأناقة التي تليق به وباللحظة التي هو عليها.(كيف استطاع المتابع ومن بعيد تمييز لون العلبة وحجمها ونوع الورق المستخدم في لف السيكارة وما أرفق بها من حركة، هذا لعمري أمر محير، ولكن لِمَ الغرابة فالقصة حتى الآن لم تخرج بعيدا عن تلك المخيلة التي يتمتع بهاصاحبنا).

بعدها أخرج الرجل المتسلق والمحلق في فضاء الله ومن جيب جلبابه الأيسر إحدى القداحات الأثيرة والقريبة الى قلبه، والتي يعود تأريخ صناعتها الى أكثر من عقدين من الزمن، حيث بقي متمسكا بها رغم كل العروض السخية التي قدمت له من أجل مقايضتها بالأجمل والأحدث منها. وبقدحة خاطفة، بان وهجها من بعيد وكاد صوت قدحتها أن يصل مسامعي. هذا ما زعمه الراصد، ساحبا منها البستاني ما راق له من نكهة ومذاق، شاعرا بنشوتها وليست كأي نشوة حيث تصاعدت معها رغبة شديدة على قضاء فترة أطول هناك، متطلعا ومن ذلك الإرتفاع الذي  قد يصل الى منتصف ساق النخلة التي يعتليها، الى ما بان من البيوت التي باتت تحت مرمى ناظريه، والى ذلك النهر الصغير وبضعة من صبية الحي، يعومون وهم في كامل عنفوانهم وفي أقصى درجات المرح واللهو، ليعود من جديد الى محاولاته، مبتدءاً بتثبيت قدمه اليمنى على ساق الشجرة الباسقة، غير انه للأسف وكما يتضح قد فشل حتى اللحظة، ربما سيحاول إيجاد موطئا لقدمه اليسرى كبديل عن ذلك، وهذا ما أتأمله وأتمناه، فليس من المعقول أن يستسلم وتَفل عزيمته ويتراجع، خاصة وأنه قد قطع مسافة لابأس بها، تجاوز معها كل الصعاب التي إعترت طريقه في ذهابه وإيابه ولم يبق لإستكمال مهمته الا بضع خطى.

ثم عاد الضيف ليقول: أجزم بأن بلوغ القمة أي قمة ليس بالأمر السهل، وطريقها ليس معبداً بالورود أو بالنوايا الحسنة، إذ هما لا يكفيان، فالرجل وكما يظهر أمامي في ورطة حقيقية، وقد يسقط من عليٍ بعد أن بدت تظهر عليه بعض من مؤشرات ضعف السيطرة بل ها هو الآن يترنح. لا تلوموه فله كل الحق، فجذع النخلة وعلى امتداد طولها وكما ذكرنا سابقا يبدو مسطحاً بشكله العام، وهذا واضح من حركة ساقيه وتنقلهما، ويعد هذا دليلا قاطعا على عدم إستقرارهما على نقطة أو ركيزة بعينها. أي بمعنى آخر وإذا ما أراد العودة الآمنة وإستكمال مشواره ومن حيث إنطلق، سيتوجب عليه والحالة هذه بذل مجهود مضاعف كي يجد ضالته ويعثر على النتوءات البارزة بالرغم من ندرتها، ثم عليه أن يقوم بعد ذلك بتثبيت قدمه عليها والتشبث بها بقوة، لتساعده على مواصلة طريقه، وأعتقد انه سيفعلها وينجح. ألم أقل لكم ان الصعود الى القمة ليس بالأمر السهل؟ فمهما بذلت من جهد وطاقة وعلى الرغم من أهميتهما، اﻻّ انهما لا يكفيان ولا كفيلان لبلوغ ما تبتغيه إن لم تَشفعهما بطرق تفكير منطقية وصحيحة.

هنا يستحضرني سؤال، يقول الضيف، فالرجل وقبل شروعه بالتسلق، ِلمَ لَمْ يقم بهز جذع النخلة ويجنب نفسه شر المغامرة وتوابعها، فمن غير المستبعد إذ ذاك أن ينجح في إسقاط ثمرها، أو إن شاء وفي موسم آخر يمكنه القيام بتلقيحها، غير انَّه تنبَّهَ سريعا الى ما صدر منه ومعاتبا اياها في ذات الوقت: ما بك يا رجل، فالفكرة قد لا تتوقف عند رغبة البستاني في الحصول على الثمرة فحسب، فقد تكون أبعد وأعمق من ذلك بكثير، وهو في حلٍ عن الكشف بما يخطط له وما ينتوي القيام به. ناهيك عن أن موسم التلقيح وتوقيته لا يتزامنان بل لا يلتقيان مع موسم الحصاد وقطف الثمار، وهز جذع النخلة قد لا يضمن تلقيحها، وساعة ذاك سوف لن تأتي النتائج وفق ما أرادَ لها.

وحتى لا يمر هذا الأمر بعجالة فأصحاب هذه المهنة النبيلة يقولون والعهدة عليهم، بأنَّ عملية التلقيح الذاتي قد تنجح مع هبوب الرياح وبالتظافر مع عوامل أخرى، أمّا أنا المعلم في مدرسة الإبتدائية، فلست على علم كافٍ بذلك ولا أستطيع القطع برأي كهذا، فعلاقتي بحرفة الزراعة وما يتصل بها تكاد أن تنعدم، غير ان ما يمكن القول هنا بأن الرجل البستاني وأكاد أجزم قد تعذَّرَ عليه هز جذع النخلة، فقد بلغ أو تجاوز الستين من العمر، فَفعْلٌ كهذا يتطلب قوة مضاعفة كما أسلفنا الذكر. وبسبب من تعذر إنجاز مهمته وتعذرها لحد اﻵن، كان  من الأجدى والأجدر به تكليف أحد أولاده وممن يعتمد عليهم، من أجل القيام بالمهمة ويكفيه شر المغامرة وما يمكن أن يترتب عليها.

في هذه الحالة والقول لا زال للراصد، سيبرز تساؤلاً مهما آخر، لا ينبغي لنا إهماله أو تجاهله، فالرجل ربما لا زال عازباً!. وإذا ما كان الأمر كذلك فيمكن أن يعطى العذر، ولبدا  طبيعياً ويمكن تفهمه، فهناك الكثير من الناس ومن كلا الجنسين ممن فاتهم العمر، اختاروا أن يبقوا عزابا، مفضلين الوحدة على التوائم والإتفاق مع الآخر. وستلتحق بهذه الشريحة فيما بعد وبما لا يدع مجالا للشك جمهرة من المطلقين والمطلقات، ممن زهقت أرواحهم بهذه العلاقة والوثاق الذي أريد له أن يكون أبديا ومحفوظا باللوح المكتوب، وسيحاسب عليه في حالة إختلاله يوم قيام الساعة.

لذا ولِما فات ذكره، لا أجد مجالا لإلقاء الملامة على الرجل إذ ربما حسبها على نحوصحيح، وسنضع هذا الرأي في خانة الإفتراض وعلى أساسه سنصل الى سيناريو آخر، سيقوم على النحو التالي: إذا ما كان قد تورط وإقتنع بفكرة الزواج ومنذ بواكير حياته ومضى فيها وأرتضى بإحداهن قرينة له، عند ذاك كان سيتحول حكماً وبفعل المعاشرة الطويلة وما سيتخللها من أحداث ومشاكل وتداخلات، الى رجل مكبل اليدين والرجلين والصدغين وما يعتليهما، هذا إن بقي من رجولته شيئ يذكر، إذن في هذه الحالة مَنْ سيقوم بتسلق النخلة وَمَنْ سيرعاها؟.

وكي لا يُتهم الضيف بالإنحياز لطرف دون الآخر، أو يعتقد أحدهما بأنه على حق واﻵخر على خطأ، فقد ختم تصوراته عن الرجل المتسلق وعن فكرة الزواج عموما بالقول: إن الحديث موجه لكلا الجنسين، للذكر والأنثى على حد سواء. أما لماذا غاص صاحبنا عميقا في هذا الموضوع، فعلى ما أعتقد بأنه قد أراد الإتكاء على بعض الذرائع والحجج التي سيجد من خلالها أسباباً مشروعة، تبرر له عزوفه عن الزواج، ناسيا ما كان قد إفترضه وتمناه في تذوق حلاوة التمر، والتي ستأتيه على يد متسلق النخلة الباسقة.

***

حاتم جعفر - السويد / مالمو

 

رسالة الى روح فقيد الشعر العربي

مرثية كتبت على أثر رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير

سميح القاسم*

***

وصلتنا رسائلك الطويلة

وصلتنا قصائدك الجميلة

إلا أننا قصّرنا ونمنا

معتمدين على الرياض والدوحة ومدن الجزيره

علها تبني لنا جيلا رائعا يقوم بمهام التحدي والبناء والمقاومة

غير أننا  صُدِمنا

وفهمنا أخيرا أننا قد بلعنا الطعم

وصار الجُرحُ مؤلما وداميا وقاتلاً !

اليك هناك في بلد التحدي

اليك هناك في زمن التحدي

اليك هناك في الوطن المقاوم

اليك هناك، حيث السجن والسجان

والقهر والحرمان

والسياسي المساوم

اليك  هناك في قيعان الأسى الصلبة

اليكْ

اليك اعتذارنا

اليك قرارنا :

ألا نبكي

وأن ننهض من كبوتنا ونفيق من غفوتنا

فقد فهمنا

أن طائر الرعد قد صَبرْ

وأن طائر الرعد قد انتصرْ.

صباحُ الخير

يا نسرا

قد رحل عنا

ولكنه لم يرحلْ....

***

د. اسماعيل مكارم

31/آب / 2014

...................

يا نسرا سيعود يوما الى ذرى الكرمل والجليل، الى شواطئ غزة، الى بيت لحم، والى أبواب القدس القديمة.

عفوا منك يا صاحب الكلمة، يا من زرع للعروبة غراسا جميلة، وبنى في ديار فلسطين بيوتا للتحدي وليس للندب والنواح.

يامن رفع سيف المقاومة والتحدي ومشى يقارع ألوية الزيف وفرق النفاق الصهيونية التي كانت ولا تزال تنشر النفاق التاريخي وتكذب وتندب ذاك الماضي المزيف.

عفوا – نقول لروحك الطاهرة - رغم الجراح، ورغم  الظلمة القاتلة التي طالما امتدت من  شواطئ الأطلسي غربا الى دجلة والفرات شرقا.

عفوا نقولها لك معتذرين عن تقصيرنا هنا في منافينا في مدن الاغتراب، في دول البحث عن المدينة الفاضلة !

نعتذر منك عن قصر رماحنا وطول انتظارنا، نعتذر عن سيوفنا التي صدأت قبل أن يتم استعمالنا لها !

أقدم اعتذار جيل الستينيات والسبعينيات على تقصيرنا في بناء جيل يهزم الهزيمة، جيل ينحو الى المعرفة والبناء والتحدي!

فجاءت (داعش) و(النصرة) و(ألوية التوحيد) و(القعقاع) وغيرها من الأسماء التي عملت على تزوير منظومة القيم لدينا: في تاريخنا وتراثنا وحتى في وجداننا !!!

أقاليم

البهجة الخضراء

شوهتها

شوهتها العناكب

الثعالب

والذئاب

والقت بازهار

ألقها الازرق

بعيدا

بعيدا

في وديان

الألم والنسيان

غير مبالية

بهالة الشفق

الازرق

وبقوس قزح

الصباح

كانت تلك الايام

مضيئة

وذبذبات اصباحها

بنفسجية

وحينذاك حينذاك

كانت الغزلان

تقايض الخوف

بالطمانينة

والهم بالابتهاج

اقاليم

أقاليم البهجة

الخضراء

تعشقها صغار

الغزلان

القطا

واطيار الحمام .

***

سالم الياس مدالو

 

 

كانت تحتاج في كل لحظة ضيق إلى حضن يحتويها تشكو له همومها وأن تسند رأسها إلى كتف تبكي عليه انهزامها من ماضي تريد أن تفلت من أسره ومن العار الذي وصم عائلتها، لم يكن الأمر سهلا أن تتهرب " نادية" من بعض ماضيها، لقد وجدت نفسها منذ طفولتها بين أحضان مدينة " ليون" الفرنسية  فيها عاشت يوميات صباها وعثرات مراهقتها وأحلام شبابها، كان العرب المقيمين بالبلدة يتذكرون خلال لقاءاتهم موطنهم الأصلي بكل تفاصيله الجميلة بكل اعتزاز لكن لأسفها الشديد أن ماضي والدها كان يخذلها بعدما خان الوطن ولم يكن أمامه بعد افتضاح أمره إلا أن يجمع أسرته ومتاعه ويتركه لأجل غير مسمى، ولم يمنع هذا أن يلحقهم العار مع القادمين  الجدد إلى "ليون" وتعرفوا عليه  . في منزل نادية يعيش أفراد أسرتها غرباء عن بعضهم، التواصل منعدم  بينهم، أصبح البيت مكانا للنوم فقط، والشيء الوحيد الذي كان يلهيها وينسيها كتلة الهموم التي تطبق عليها هي مدرسة الرقص التي تهرب إليها وتقضي فيها معظم ساعات يومها خاصة بعد هروب أختها من البيت مع ذلك الأفريقي الذي زاد الوضع سوءا. هي لطالما حلمت أن تسبق مكانها وزمانها بخطوة لكن الحياة لقنتها درسا تتجرع فيه لوعة الموت ولا تموت، أسئلة كثيرة تشغلها وتستقر كبيرة في أعماقها المدمرة وتحرك فيها شعورا يدفعها لتدفن نفسها كل يوم في الوحل والرماد  ويقضي على كل بادرة أحساس جميل بالسعادة المفقودة.

ذهبت كعادتها للمدرسة، وجدت في استقبالها الزملاء والزميلات يحاولون معها جاهدين كعادتهم إزالة مسحة الحزن التي تلازم وجهها ولا تفارقها طوال الوقت، ارتاحت نادية بعض الشيء بعدما علمت أن مدرب الرقص الفرنسي قد ترك العمل بالمدرسة إذ كان يعاملها بعنصرية مقيتة وحل محله المدرب الروسي " أليكس" الذي ارتاحت إلى معاملته ومحاولته جاهدا أن يمحو علامات الأسى التي تهيمن على جوارحها وأن يخرجها من أسر السجون المظلمة التي حبست نفسها فيها، ترجع إلى البيت متأخرة وتجد أمها قلقة تنتظرها ولكنها تبادرها هذه المرة باللوم العنيف، كيف ائتمنت نفسها لإنسان غدر بأهل بلدته وخان وطنه؟ وبأي وجه يمكن أن يعودوا إلى بلادهم ويقبلون ترابها بعدما طعنها أبوهم في ظهرها ؟ صاحت : إننا ندفع ثمن ذنب لم نرتكبه، مللنا حياة الغربة والفراق، العائلة تشتت هربا من العار الذي ستتحمله أجيال قادمة، كم تمنت لو أن غزارة الأحداث ومستجدات الحياة ومتغيرات العيش يمكن أن تنسي الآخرين عارهم ليعيشوا يوما واحدا في سلام بعيدا عن نظرات الاحتقار والشعور بالذل والمهانة، طأطأت الأم رأسها وبكلمات خافتة مقهورة أكدت لها أنها لا ذنب لها في ما حدث، كانت مجبرة على البقاء لأجلهم وحمايتهم قدر استطاعتها، ولكن اتضح لها أنهم مجرد أشجار لا تطرح إلا الكآبة والإنكسار، تنهدت نادية بعمق ما تحمله من آهات، نظرت إلى أمها نظرة أسف وحزن يصفع وجهها ويتجمد .

أحبت نادية الذهاب إلى مدرسة الرقص، وأحبت أكثر مدربها " أليكس" الذي يجيد الإنصات إليها ويطمئنها أن الحياة لا تتوقف عند مشكلة أو حادث يمر بحياتنا، ومع مرور الأيام توطدت العلاقة بينهما أكثر وأصبح كلا منهما يلازم الآخر ويشاركه همومه، حتى فاجأها ذات يوم بأنه يريد الارتباط بها لأنها أصبحت جزءا منه، ترددت وخافت أن يكون مصيرها مثل مصير شقيقتها التي اضطرت أن تهرب من البيت، وعدته أنها ستتصرف بحكمة خاصة أن والدها يعد أيامه الأخيرة بعد إصابته بمرض يفتك به يوما بعد يوم. دخلت مبكرة المستشفى لزيارته، اقتربت من السرير والسكون يلسعها كتيار يبعث الحياة في جهاز هامد  ألفت نادية بكاءه ودموعه المنهمرة التي تستبق الألم، اقتربت منه أكثر فارتمى في حضنها رمية التائه الذي وجد ضالته وانتحب طويلا وهو يبحر في الذاكرة، أمسك على وهنه بيدها وبصوت خافت ضعيف سألها هل سيعود إلى بلدته، وهل سيجد من يبكي عليه هناك، هل تقبل تربة بلده أن يتوسدها ؟ إنها أيام عمره تساقطت وتقطع خيطها . مرت بضعة أيام صارت خلالها نادية أكثر صمتا، ذهبت لزيارة أبيها رفقة " أليكس" الذي نوى طلب يدها منه، وفي صياح أخرس غادر الحياة ورحل عن عائلته وبيته الذي غاب عنه الدفء طويلا تاركا ذاكرة العار وبيع الشرف .. والأحزان، وهناك في مقبرة بعيدة بضواحي مدينة " ليون" المكتظة دفن وهو يحمل حنينا وشوقا للوطن، وجدت نادية فيمن اختارته شريكها في الحياة ملاذا لها من الذاكرة المحشوة بكل المتاهات التي لا  فرار منها سوى أن تنثر همومها على مسارح رقص الباليه على أمل أن يدفن الماضي مع أجيال قادمة وأن تتوسد تربة بلدها في نومها الأخير.

***

قصة قصيرة

بقلم صبحة بغورة

شُكْراً{لِرَبِّي}قَدْ أَجَابَ دُعَائِي

فِي غَمْضَةٍ لِلْعَيْنِ فِي إِيمَائِي

*

اَلْحَمْدُ{لِلَّهِ}{الْمُحِيطِ بِكَوْنَهِ}

سَمِعَ الدُّعَاءَ أَجَابَ كُلَّ نِدَائِي

*

سَمِعَ{الْإِلَهُ}مِنَ الْمُنَادِي صَوْتَهُ

وَهُوَ{الْعَلِيمُ}بِعَبْدِهِ بِالدَّاءِ

*

يَا{رَبِّ}أَنْتَ{الْحَقُّ}جَلَّ جَلَالُهُ

أَنْجَيْتَنِي يَا{صَاحِبَ الْعَلْيَاءِ}

**

أَنْتَ{الْمُهَيْمِنُ}يَا{حَكِيمُ}تُعِينُنَا

وَتُمِدُّنَا بِالْعَوْنِ فِي الْبَلْوَاءِ

*

يَا{عَالِماً}بِالنَّاسِ{يَا رَبَّ الْوَرَى}

حَقِّقْ{إِلَهِي}أَمْنَنَا بِرَجَائِي

*

يَا{رَبِّ}إِنَّ الْحُزْنَ أَضْحَى صَاحِبِي

فَأَعِدْ-{إِلَهِي}-بَهْجَتِي وَرُوَائِي

*

يَا{رَبِّ}فَلْتُعِدِ السَّعَادَةَ وَالْهَنَا

لِلْقَلْبِ إِنَّ الْقَلْبَ فِي غَلْوَاءِ

**

اَلْقَلْبُ قَدْ نَادَاكَ يَا{رَبَّ الْوَرَى}

أَسْعِدْ-بِفَضْلِكَ-أَنْفُسَ الْحُكَمَاءِ

*

يَا{رَبِّ} إِنِّي قَدْ دَعَوْتُكَ فَلْتُجِبْ

أَعِدِ النَّعِيمَ وَفَرْحَتِي وَصَفَائِي

*

مَاذَا نُرِيدُ مِنَ الدُّنَا يَا{رَبَّنَا}

إِلَّا رِضَاكَ بِطَاعَةِ الْعُقَلَاءِ؟!!!

*

يَا{رَبِّ} إِنِّي قَدْ مَرِضْتُ فَعَافِنِي

 أَنْتَ{الطَّبِيبُ}تُمِدُّنِي بِدَوَائِي

**

يَا{رَبِّ}..هَلْ آنَ الْأَوَانْ لِبَائِسٍ

أَنْ يَسْتَرِيحَ بِقَاعَةِ السُّعَدَاءِ؟!!!

*

يَا{رَبَّنَا}إِنَّ النُّوَاحَ أَحَاطَ بِي

 يَا رَبِّ..فَاكْشِفْ غُمَّتِي وَبَلَائِي

*

يَا{رَبَّنَا}إِنَّ الْحُقُوقَ قَدِ انْتَهَتْ

ضَاعَتْ وَأَمْسَتْ فِي يَدِ الْجُبَنَاءِ

*

إِنَّ الْقُلُوبَ تَوَجَّهَتْ يَا{رَبَّنَا}

لَكَ يَا إِلَهَ النَّاسِ كُلَّ مَسَاءِ

**

أَنْ تُسْعِدَ الْمَنْكُوبَ تَحْمِيَ حَقَّهُ

وَتُعِيدَهُ يَا{رَبَّ كُلِّ نَمَاءِ}

*

ضَاعَتْ حُقُوقِي يَا{إِلَهِي}فَلْتُعِدْ

مَا ضَاعَ مِنِّي قَدْ غَدَا لِتَنَاءِ

*

يَا{رَبِّ}..قَدْ مَالَ الْجَمِيعُ بِوَجْهِهِمْ

عَنِّي وَصَارَ الْكُلُّ فِي خَيَلَاءِ

*

يَا{رَبِّ}..مَاذَا قَدْ جَنَيْتُ لِأَكْتَوِي

بِالْبُعْدِ أُلْقَى مِنْهُمُ بِجَفَاءِ

**

أَلِأَنَّنِي ضَاعَتْ حُقُوقِي فَجْأَةً

هُمْ أَوْدَعُوهَا قَدْ غَدَتْ لِمِرَاءِ؟!!!

*

أَلِأَنَّنِي عَبْدٌ ضَعِيفٌ لَيْسَ لِي

إِلَّا{الْمُهَيْمِنُ}سَبَّبُوا إِبْكَائِي؟!!!

*

{اَللَّهُ}لِي {اَللَّهُ}عَوْنِي فِي غَدِي

حَسْبِي{إِلَهِي}قَدْ يُعِيدُ غِنَائِي

*

يَا{رَبِّ}..عَوِّضْنِي فَأَنْتَ مُعَوِّضٌ

عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْ غَدَا لِهَبَاءِ

**

إِنَّ الذِّئَابَ قَدِ اغْتَدَتْ فِي أَمْنِهَا

بَعْدَ افْتِرَاسِي بَعْدَ سَلْبِ بَهَائِي

*

قَتَلُوا الْقَتِيلَ لِضَعْفِهِ يَا{رَبَّنَا}

هُمْ أَوْدَعُوهُ مُخَضَّباً بِدِمَاءِ

*

وَتَقَدَّمُوا يَا{رَبَّنَا}لِجَنَازَةٍ

لِيُشَيِّعُوهُ بِأَخْذِ بَعْضِ عَزَاءِ

*

مَا ضَاعَ حَقٌّ وَالْمُحِقُّ مُطَالِبٌ

بِحُقُوقِهِ مِنْ قَبْضَةِ النُّزَلَاءِ

**

إِنَّ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا سَتَعُودُ فِي

أَبْهَى تَأَلُّقِهَا إِلَى الْبُسَطَاءِ

*

إِنَّ{الْمُجِيبَ}هُوَ الْكَفِيلُ بِحَقِّنَا

سَيُعِيدُهُ وَيُعِيدُ كُلَّ ضِيَاءِ

*

وَسَيَسْحَقُ الظُّلْمَ الْمَهِينَ بِعَزْمِنَا

وَالذِّئْبُ يُمْسِي نَهْبَ كُلِّ عُوَاءِ

*

وَالْبَاطِلُ الْمَلْعُونُ سَوْفَ نُبِيدُهُ

وَنُعِيدُ قَطْعاً بَسْمَةَ التُّعَسَاءِ

**

وَنَقُولُ:-وَالْجَمْعُ السَّعِيدُ بِحَفْلِنَا-

"زَهَقَتْ قُوَاهُ هَوَى مِنَ الْإِعْيَاءِ"

*

وَنُعِيدُ صَفْوَ الْحُبِّ يَا أَحْبَابَنَا

جَاءَ الْأَمَانُ لِمَحْوِ كُلِّ شَقَاءِ

*

وَالْكُلُّ قَدْ شَكَرَ{الْإِلَهَ}بِقَلْبِهِ

قَدْ هَلَّلُوا قَدْ كَبَّرُوا لِلِقَائِي

*

قَدْ كُنْتُ أُلْفِي الظُّلْمَ فِي كُلِّ الدُّنَا

لَكِنْ عَدَالَةُ{رَبِّنَا}كَالْمَاءِ

**

حَمْداً..إِلَهِي قَدْ أَعَدْتَ حُقُوقَنَا

وَجَعَلْتَنِي فِي بَهْجَتِي بِهَوَاءِ

*

لِلَّهِ شُكْرٌ خَالِصٌ مِنْ دَهْرِنَا

 شُكْراً{لِرَبِّي}مُنْجِدِ الضُّعَفَاءِ

***

أ. د. محسن  عبد المعطي - شاعر وروائي مصري

صورةٌ تتكلمُ، وطيرٌ يترصَّدُ، فماذا عساكَ تقول؟

تَعِسَتْ تلكَ الساعة

طيرٌ يَتَرَصَّدُني في السَّحَرِ

أَتَأمَّلُ فيهِ عَذاباتِ الحاضرِ والماضي

أسْتَلْقي،  تَنْداحُ عَلَيَّ هُمومٌ حَرّى

أجْلِسُ،  تَسّاقَطُ  فوقي حِمَمٌ أُخرى

أُطرِقُ رأْسي، تَتَكاثفُ كلُّ الأحزانِ

تُمَزِّقُني

وَتَظَلُّ الصورةُ سهْمًا جُرِّدَ من وَتَرِ

*

يا تِلكَ الصورةُ يا صَمْتًا يَشْتُمُني

يخْزُرُني حينًا، ويُعاتِبُني

يَصْفَعُني، يَغرِسُ في جسدي المُنهارِ

أصابِعَهُ

لا أقوى!

يمْسحُ ما بلَّلَهُ الدَّمعُ .... يُداعِبُني

إبْتَعِدي يا تلكَ الصورة

فَحُضورُك يا صورةُ أتْعَبَني

*

وتقولُ زرَعْتَ القلبَ وُرودا

ما أندى وردًا يُزْرَعُ في القلبِ

يُغَذّيهِ القلبُ

لكِنَّكَ أرْدَيْتَ القلبَ فكيفَ الوردُ؟

ثمّ تلاشتْ

أينَ تلاشتْ؟  لا أدري

ورجعتُ حَسيرًا أنشُدُ طيري

لكنَّ الطيرَ تَوارى

حتى الطيرُ تَوارى

أين تَوارى؟

لا أدري

أهُما اتَّفَقا أن أُتْرَكَ وَحدي؟

آهٍ

ما أشْنَعَ أن يُقْتَلَ طفلٌ في المهدِ

*

وَسَألتُ سَألتُ

أينَ الطيرُ وأينَ الصورةْ

الصُّبحُ تَنَفَّسَ ينشرُ نورَهْ

نادَيْتُ تَرَصَّدْ - فأنا راضٍ - يا طيرُ،

اقْترِبي  يا صورةُ،

واسْتَمِعا،

لِدوامِ الصَّفْوِ سأَتْلو سورةْ

***

شعر: عبد يونس لافي

 

 

كانت تتوقع رؤيته في شقة خولة ما أن تفتح لها الباب، ربما تكون صديقته، أو عشيقته، ربما تكون جاسوسته لدى مؤسسة كمال ياسين، وربما كمال ذاته يعرف ويتركها لتنقل لرجل المخابرات ما يريد أن تصله من معلومات، وربما وربما...

 لا بد لها أن تعلم، أن تتأكد، أن تعثر على خيط يقين عبر تلبية دعوة الغداء في عطلة نهاية الأسبوع من قبَل صديقتها التي شعرت بفتور علاقتهما تدريجيًا، تجرأت أخيرًا وسألتها عن علاقتها بعمّار عسى أن تتحرر من شبكة الخداع والظنون التي تحتويها أينما ذهبت، فتأسرها بلا أسرٍ واضح ومحدد المعالم.

انتفضت خولة من السؤال غير المتوقع، فسألتها بدورها: ومن هو عمّار الذي أوصل له أسرار سيادتك؟

 تلعثمت هالة، لا تدري ما يمكنها أن تقول عنه وعن حكايتهما منذ بدئها وكيف صاغ حياتها مثل نقشٍ يتفنن في نحته، تكلمتْ، تكلمت كثيرًأ، متفلتة من سطوة الخجل المداخلة نبرات صوتها لئلا تجبرها على معاودة الكتمان، ولمّا أجهدت العودة سنوات إلى الوراء أنفاسها دوّت في أذنيها ضحكة خولة المجلجلة والطويلة فظنت إنها لن تنتهي منها أبدًا، والقهقهة تنقر أعصابها، ثم صمتت وكأن هناك من ألزمها بالتوقف.

انتظرت هالة أن تسمع منها أي رد يمزع القلق المثقل أيامها، كما لو كانت تترقب النطق بحكمٍ غير قابل للنقض، حتى بدأت خولة الكلام: أنتِ مجنونة أو على وشك، كلامك هذا لا يصدقه عقل، حبيبك أو صديقك السابق يخطط لك حياتك من العراق إلى هنا؟ ربما الفراغ الذي سكن زواجك منذ البداية أوهمك بوجوده (الشبحي)، محاولة جيدة للتعويض، لكن لا تتركيها تسيطر على تفكيرك إلى هذا الحد وإلا سببت لكِ مشاكل كثيرة.

هالة: ماذا تقولين؟ أنا لست مجنونة لأتوهم كل هذا.

ـ وأنا لا أعمل لصالح المخابرات العراقية التي فرغت من كل مهامها وانصرفت إلى مطاردة فتيات الماضي في كل مكان، ولست قوّادة لأنقل له أخبارك فأسّهل له طريق وصوله إليكِ، ادخلي وفتشي الشقة، ربما تجدينه ينتظرك في غرفة النوم.

ردت في خجل: أنا لم أقصد هذا.

ـ لا، قصدتِ هذا وأكثر يا فتاة الجامعة الهاربة من عشق رجل الدولة المهم.

دمعت عيناها وقالت: لا أعرف ماذا أفعل، منذ فترة وأنا أريد أن أخبرك، لكنني خفت أن يحصل مثل هذا الموقف بيننا، صمتت للحظات متوترة ثم أردفت: أريد أن أرتاح من كل الوساوس التي توقضني فزعة من النوم، ربما أجن فعلًا.

ـ خذي من حبوب زوجك، يمكن أن تريحك.

ـ تسخرين مني؟

ـ لا أسخر ولا قدرة لدي على الكلام المخبول، كل ما سنقوله سيجرَّحنا أكثر، وأنا كبرت على مثل هذه المراهقة والخيالات، وحياتي فيها الكثير من المشاكل التي لا أحب أن أتكلم عنها، إلا مع عمتي نوال أحيانًا.

ـ لكنه خابرني وأنا عندك بعد الإجهاض مباشرةً، ولما رأيته وسألته قال إنه علم منكِ بشكلٍ غير مباشر، أريد أن أعرف أمام من تكلمتِ عن حملي و...

قاطعتها في حدة: أف... اخرجي يا هالة، لعلكِ تجدين عشيقكِ القديم في انتظارك عند باب العمارة، ما دام يتتبع كل تحركاتك بهذه الدقة المخابراتية، لترتاحا من أشواقكما التي تسيطر على عقلك، لكن بالتأكيد ليس عندي.

صفعة قوية تلقتها وكان عليها تحمل وجعها في صمت لازم خروجها من الشقة ومشيها الوئيد من شارعٍ إلى آخر حتى أدركها الوهن، عادت إلى شقتها الموحشة وكلام خولة يواصل طنينه في رأسها، فقالت، وكأنها تسأل الجدران: "يمكن أن يكون كل هذا وهمًا؟"

 اتصلت بها نوال بعد عدة أيام وطلبت منها زيارتها، توقعت أن تكون خولة قد أخبرتها عن الحجارة المتناثرة التي قذفتها كل منهما نحو الأخرى وخدّشت صداقتهما، إن لم تهشمها تمامًا، فأعدت نفسها لمحاكمة وتأنيب عليها تجرع مرارتهما، لكنها لن تقبل أبدًا التشكيك في قواها العقلية والانصياع للغو الوهم الذي أوجد عمّارًا أمامها بعد ترك زوجها الشقة والبحث عن استقلاليته بمنأى عنها.

 استقبلتها ابتسامة نوال المشعة حنانًا، بعثت فيها الطمأنية بعض الشيء، في الصالة كانت تجلس خولة بوجهٍ عابس، بالكاد ردت التحية، كما صارت تفعل كلما تقابل وجهاهما صدفة في المؤسسة، وقريبًا منها كان يجلس زياد، حياها بأدب وعيناه تلمحان علامات الاستغراب البادية عليها من وجوده بينهم، رمت نظراتها المستفسرة نحو خولة، إن كانت قد قررت تعريتها أمامه أيضًا، ولمَ هو بالذات، فما شأنه بها وبحكايتها القديمة مع عمّار أو غيره!

 ابتدأ زياد الكلام قائلاً إنه عندما سمع اسم رجل المخابرات في سياق كلام خولة ونوال أراد أن يتأكد إن كان هو ذاته الشخص الذي يعرفه، فطلب منهما أن يراها كي توضح له الأمر.

استفزها سؤاله، فأجابت بكلمات سريعة: أي أمر تريد أن أوضحه لك، ولماذا؟ هذا موضوع يخصني وحدي وليس من حق أي شخص أن يسألني عنه، نظرت إلى خولة في غضب وأكملت: مهما كان زعلك مني فعيب أن تشّهري بي بهذه الطريقة، وأمام شخص غريب، لا هو زوجي ولا أخي ولا قريبي حتى.

نوال: هدئي نفسك يا هالة، لا نقصد أبدًا إهانتك، كما أني أعرف الناس جيدًا وأحببتك مثل ابنتي، زياد يريد أن يعرف أكثر معلومات ممكنة عن عمّار هذا، وفي نفس الوقت هي فرصة لتجدي من يسمعك، أو حتى يحميكِ إن كنتِ في حاجة للحماية، في الغربة نحن عائلة واحدة، واحدنا يخاف على الآخر.

ـ أستاذ زياد، أرجوك لا تدخلني في مشاكلك وحروبك مع أي شخص، أنا غادرت العراق لأرتاح من كل هذا القلق الملعون، عمّار لا أعرف عنه شيئًا، وأتمنى ألا أراه أبدًا، لكني أشعر أنه يراقبني باستمرار وفي كل مكان، ربما هو الأن يعلم إنني هنا، في بيت طليقة الأستاذ كمال الذي تجمعه به علاقة عمل، رغم أن كلًا منهما في جانب يتوّعد الآخر بالفناء، صمتت لتخفف من اضطراب أنفاسها المتسارعة ثم أكملت: خولة سخرت مني وقالت إني أتوهم أوهام المراهقات، وجهت نظراتها الحانقة نحو خولة: إن كان كل هذا من وحي خيالي، فما سبب اهتمامك بنقل هذياني؟ كان الأحسن أن تخبري صحف المعارضة والفضائيات،

 طفر الدمع من عينيها ولم يفطن إليه انفعالها، تعسر عليها النطق بمزيدٍ من الكلمات المسترسلة دون انقطاع، فانحنت للصمت والعيون تنصب عليها بنظرات دهشة لم تود الإجابة على تساؤلاتها الملقية عنها ثوب الاتهام الذي انساقت إلى ارتدائه على عجل وفرض عليها الدفاع عن نفسها بضراوة كمن يواجه خطر حكم الإعدام.

نهضتْ وهمّت بالمغادرة، فاستوقفتها نوال وطلبت منها البقاء بحنو أمها البعيدة.

 أجابت: أنا قلت ما عندي رغم أني غير مجبرة على أي تبرير، هذه حياتي وليس من حق أي أحد التدخل فيها، وليتدبر كل منا حماية نفسه أولًا، الخطر يلاحقنا جميعًا وفي كل مكان، التفتت إلى زياد وقالت: اليس كذلك؟ تحب إن قابلته مرة أخرى أن أخبرك، أم أنقل إليك ما أسمعه منه ويمكن أن يفيدك لتحمي نفسك مما يمكن أن يدبره اك؟

 أحنى زياد رأسه ولم يجب، وغزه تهكمها المبطن كأنها تهدهد مخاوف طفل، تطمئنه على حياةٍ لم يستطع ضمان سلامتها أبدًا، نظراتها ذات نظرات زوجته السابقة قبل انهيارها رعبًا عليه، تركمه بأحجار العجز أكثر فأكثر، لم يتمكن من تخطيه عبر كل ما نشر ويعد لنشره، فيضعه في مواجهة جديدة مع عمّار أو سواه، وكما تتوقع مراقبته أو أحد رجاله لها، لا يستبعد رصاصة خفية تستقر في جسده أو سيارة تنتظر عبوره الشارع لتدهسه بسرعةٍ خاطفة لدى خروجه من بيت نوال، خاصة بعد اتصال عمّار به وسؤاله عن قراره بشأن الصفقة التي عرضها عليه فأتى بذات الرد، يصفع الباب أمام إغراء جَزَرته وعليه الاستعداد لتلقي ضرب عصاه، لا يدري متى وأين وبأي شكل أو طريقة ستصيبه هذه المرة، ربما تكون الرصاصة الأخيرة المخترقة أوراقه، تنثرها في كل مكان أقام فيه أو عبره واللهاث يدوّي في صدره، دون أن يحذوه رجاء في إعادة لملمتها.

 ركب سيارته، وقبل أن يشغِل المحرك نظر بعينين اعتادتا الريبة إلى الشارع علّهما تبصران ما يثير الانتباه، ففطن إليها وهي تمشي على الرصيف بخطوات متمهلة تحتار أي اتجاهٍ تسلك، أوقف السيارة بمحاذاتها وطلب منها الركوب كي يوصلها دون أن يعلم إلى أين تريد الذهاب، ركبت إلى جانبه بعد تردد، مـتأهبة للرد بقوة على أي كلمةٍ تصدر عنه وتستشعر منها الإساءة.

سألها بجرأةٍ استغربتها، دون أي مقدمات، عن مدى عمق العلاقة التي ربطتها بعمّار في بغداد.

ردت هالة بعصبيةٍ: أنت وقح، كيف تسمح لنفسك أن تسألني مثل هذا السؤال؟ مع الأسف، عندما سمعت حكايتك من الخالة نوال احترمتك كثيرًا رغم نفوري من هذي الأجواء البطولية التي تذوقت مراراتها وخيباتها كل عمري.

ـ أنا لم أقصد أن أجرحك، ربما سألت بطريقة غبية، أعتذر.

ـ لا تهم الطريقة، المعنى واضح مهما زينته بأسلوب الكاتب الهمام.

ـ أنا اعتذرت، وأنتِ لم تقصّري بالرد.

ـ ولن أعتذر، أقصد ما قلته، أوقف السيارة، سأنزل، أحسن من النزول إلى هذا المستوى.

حاول تدارك خجله بالضحك، وقال: أنتِ الآن الكاتبة، تعرفين التلاعب بالكلمات.

ـ أنا لا أتلاعب بشيء، واضحة وصريحة وطموحي أبسط بكثير مما تسعى إليه من أحلام جربها كثيرًا جيل والدي ووالدك وهذه هي النتيجة، صرنا مشردين في بلاد الدنيا، اكتب عن هذا في مقالٍ جديد، ربما يفرح به من يبحث عن الكلام المنمق لتخدير أوجاع غربته الممتدة إلى ما شاء الله.

 أوقف السيارة إلى جانب الرصيف، أدار رأسه نحوها، وجد في ملامح وجهها الهادئة، رغم لهب الانفعال  المتحفز لجلده، جمالًا نقيًا يحمل نسائم من بلاده ومدينته المغترب عنهما "إلى ما شاء الله" على حد قولها، يلملم مشاق أسفاره في لمحاتٍ (جورية) محببة، عبء ما عاش وعايش من حروبٍ وفقدان وأخطار يواجه مخالبها كل حين، لكنها لم تعطه فرصة لانسياب تأملاته المخضبة بالحنين، نزلت من السيارة في صمت، وخطت مبتعدة عنه، فيما ظل يرقب تهاديها حتى غابت عن ناظريه.

 استغربتْ تلك النظرات المسترسلة من عينيه فجأة إثر موجةٍ الغضب المجتاحة كلامها، تخللت مسام ظنونها المثارة باستمرار، كادت ترجع إليه ليعلو صراخها في وجهه، تنبهه إنها لسيت في متناول كل من تهفو شهوته إليها كما يظن، تصفع كل فكرةٍ مهووسة لديه بشأنها وماضيها الذي لا يخصه بشيء، وكلام كثير كانت تريد صبه كالماء المغلي فوق رأسه في انجراف ساخط لا يحد تدفقه أي حاجز، إلا أنها مضت في طريقها متكتمة على زوبعة حنق كان سينوشها عصفها أكثر منه، وشطرٌ من تفكيرها يجنح نحو عمّار.

 راحت تتوقع اتصاله في ذلك الوقت بالذات، قد يحنو على قلق أسئلتها، يهدهد توترها ولو بعض الشيء من بعد أن تسبب في فضح سرها الذي نجحت في اخفائه عن الجميع في بغداد، رغم مخاطر لقاءاتهما في ذات منطقة سكناها، وقد تستعلم منه أي خبر عن زوجها أيضًا، وإن أصر على إنكار أي علاقةٍ له برحيله عنها إلى حيث لا تدري بالضبط، وكم سيطول ذلك الرحيل، وأي خيبة جديدة ستكلل عودته التي صارت تتوقعها كل يومٍ وساعة، أوَ يكون صاحبها القديم قد أخبره بكل شيء عنهما فازداد انكسارًا وخيبة أخفياه من دنياها تمامًا هذه المرة، دون أن يجد في انعدام ثقته بنفسه ما يدفعه للتمسك بحبيبته التي عشق منذ أمدٍ لم تكن تدري عنه شيئًا؟

 تنعته في سرها بالغبي لأنه لم يدرك مدى احتياجها إليه ولا قدرته على تحقيق الطمانينة التي تمكِنها من تحدِ عمّار، خاصةً وأن رجل المخابرات لا سلطة لديه يمكن أن يلوّح بها هنا، ولو على نحوٍ غير مباشر، ليته عرض عليها بدء حياة جديدة (أخرى) معه في مانسشتر أو أي مكانٍ آخر، لعله كان سيمدها بعزم تركها العمل والعالم الذي أُقحِمت فيه دون إرادةٍ منها ولا حق في الاختيار.

***

أحمد غانم عبد الجليل - قاص وروائي عراقي

......................

* من رواية "عصفورة الكَواليس" غير المنشورة

يا جسرَ (بغداد) كم مرّتْ بكَ الغُرَبا

لكنْ بقيتَ طوالَ الدَّهرِ منتصِبا

*

تغفو على النهر .. لم تخضع لأوَّلِهم

ولم تحِد لحظةً مُذْ صِرتَ مُقْتَرَبا

*

ما بين (كرخٍ) بهِ يهوى أحبَّتُنا

وجهَ (الرُّصافةِ) ؛ كلٌّ ودَّ وانتسبا

*

فكان من كان يهوى العشقَ في ولهٍ

يمشي عليكَ .. يداوي النفسَ و العَصَبا

*

من أهلِ (بغدادَ) .. آنَ الخيرِ في زمنٍ

هم يعبرونَ لكي يهدوا لنا الرُّطَبا

*

وهم يجولونَ مثل النحلِ في شغفٍ

رهنَ العطاء .. وما منهم ضحىً تَعِبا

*

وكم تجلّى عليكَ البدرُ في أُفُقٍ

في الليلِ .. حتى أزاحَ العتمَ و السُّحُبا

*

وكم بقيتَ حديدياً بكَ اشتبكتْ

أقسى المعاول ؛ لكنْ شُلَّ مَنْ ضَرَبَا

*

راحوا جميعاً فلن يبقَوا على بلدٍ

فيهِ البطولاتُ .. كلٌّ طاحَ أو هَرَبا

*

تزهو بقيتَ على الشَّطَّين مبتهجاً

تستقطبُ الكُردَ و الأتراكَ و العَرَبا

*

لمّا أتاكَ (مغولُ) السُّحتِ في شَرَهٍ

لمّوا الدنانيرَ و النفطاتِ و الذَّهَبا

*

لمّا مشيتُ عليكَ اليومَ في أملٍ

أنْ ألتقيكَ ؛ رأيتُ العُجْبَ و العَجَبا

*

فما وجدتُ برأسِ الجسرِ من عشقوا

وما وجدتُ بنيناً يسندونَ أبَا

*

ولا وجدتُ على الأمواجِ نورسةً

تُحَلِّقُ الظُّهْرَ .. إلّا أُذعِبَتْ رَهَبا

*

ولا وجدتُ عيونَ الغيدِ ناظرةً

إلّا بكتكَ .. فجاشَ الجسرُ مُنتَحِبا :

*

قد ضيَّعوني ؛ فما ذنبي إذا اختلفوا

كيما يهدّونَ جسراً مشفقاً حَدِبا !؟

*

كم كنتُ لحناً رقيقَ العزفِ أُسمِعُهمْ

حتى أماتوا بيَ الإحساسَ و الطَرَبا

*

وكان يأتي من الشُّطآنِ في سَحَرٍ

صوتُ الرباباتِ ممهوراً بمن طَرِبا

*

وكان يسري غناءُ العشقِ مُنسَرِبا

مِنْ لوعةِ القلب منساباً و منسكِبا

*

ليوقظَ الشَّوقَ في أنياطِ سامعِهِ

فلا ينامُ .. فيأتي الصُّبحُ مُلتَهِبا

*

فتطلعُ الشَّمسُ بالإشراقِ ضاحكةً

لمّا ترَ الناسَ ذاتَ الناسِ مُذْ غَرُبا ..

*

أمسُ الأصيلِ على أفقٍ بهِ اجتمعا

العاشقانِ برأسِ الجسرِ و اقترَبا

*

تفجَّرَ الجسرُ وانهارتْ قوائمُهُ

لكنْ أعادوهُ في بغدادَ مُنتَصِبا

*

كيما يعودُ لنا ليلٌ يسامِرُنا

و يُرجِعُ الحُبُّ و الأحبابُ ما سُلِبا

*

وكلَّ مَنْ كانَ فوقَ الجسرِ نُرجِعُهُ

من عادَ بالحُبِّ مشتاقاً ومَنْ ذَهَبا

***

رعد الدخيلي

 

 

 

من الشعر السرياني المعاصر

قصائد قصيرة في حقيبة السفر

***

حين تهتزُ غيمةُ في السماءِ وهي حبلى بدموعي ...

ودمائي ...

تمطر مطرا أحمر

ولان هذه الدموع

وهذه الدماء مني

لذا تراها تستقرُ من جديد فيَ

فتملتئ عيناي من جديد

لتفيض خلفي بعد كلِ رحيل

لتبعدَ عني الشرَ

-2-

ولأن وطني هو في قلب الزلازل

ولأن أرضي حبلى بآلاف الجثث

وقادتي!!

ما أن يستفيقوا من نومهم حتى يذهبون

الى مفتاحِ القنابل ليهزوا المهود والأرض

لذا ترى سماء وطني في كل هزةٍ

تمطر أشلاءً ودماء

مرة يكون المطرُ أسود

وفي الآخرِ أحمر

وفي الثالث ... فآه من لونه الأصفر

دعونا نطلب من الله الرحمة

-3-

أيتها الأرضُ التي دارت مرة وشلت

لماذا لاتدوري لتعيدي الي الربيعَ

ألم يكونَ الربيعُ ربيعي

وتموز إلاهي

دوري ...

ليعيش شعبيَ كبشر

بعيد عن الحروبِ والتهجير

-4-

رغم إن الأرضَ أرضي

والتاريخُ يعبرُ من خلالي الى الحاضرِ

إلا أني اليوم بلا وطنٍ

فبيتي مبنيُ على الغيومِ

ولأن الغيومُ لا تشتهي السكون

لذا تراني حشرتُ قلبي وأحشائي في حقيبةِ سفر

معلقةُ بذيلِ الغيوم وهي تسير

وبنيتُ لنفسيَ بيتاً من المكعباتِ لاغيرَ شكلهُ

ليكن كشكل لساني مجرد أداة وصل

***

نزار حنا الديراني

ما ان ترجلت من الباص قرب الميناء، حتى امتلأت أذني بالمواء. كان المواء حزينًا. نساني ما أنا قادم لعمله من بلدتي الناصرة إلى مدينة حيفا.

أمضي في طريقي باتجاه بيت أختي هناك في أعماق حيفا القديمة. أغذ الخطى أريد أن أبثها خبر سرقة هزت أركاني. لم يتبق لي في هذه الحياة غير تلك الاخت الحنون الغريبة المقيمة في حيفا مع زوجها وأبنائها منذ أكثر من ثلاثين عامًا. يوم تقدم إليها من سيصبح زوجها، ابن مدينة حيفا، في تلك السنوات البعيدة عارضت زواجها منه قلت لها أنا لا أحب السفر. وإنني لن أتمكّن من زيارتها إلا في المناسبات والاعياد. في بداية حياتها هناك زرتها عددًا من المرات في هذه المناسبة أو تلك. بعدها توقفت عن زيارتها في المناسبات، وتوقفت زياراتي لها على الاعياد. في السنوات الاخيرة توقفت عن زيارتها كليًا تقريبًا. وها أنذا آتي إليها اليوم لأخبرها بما حصل لي سأقول لها إنني ادخرت مبلغًا من المال لإنهاء قصة التشرّد التي ابتدأت عام النكبة حين تشرد أهلي من قريتهم سيرين، سأخبرها انني ادخرت مبلغًا محترمًا من المال وخبأته بين أوراقي وكتبي. وسوف ألقي بجسدي المتعب هناك على أريكة قريبة منها. سأضع راسي بين يدي وسوف تسألني عمّا حلّ بي عندها سأنفجر في البكاء، سأنسى أنني أصبحت في الخمسين وسوف أقول لها بعينين تملؤهما الدموع.. لقد سرقوا ثمن البيت وانني سأحتاج إلى خمسين عامًا أخرى لادخر مثله، كي أستقر في بيت حلمت به طوال سنواتي الماضية وعندما اقتربت منه ولّى فارًا من بين يدي ومنسربًا كما تنسرب الآمال أحيانا من بين أيدينا دون أن ندري.. أفكار جنونية تلاحقني.. ترى كيف ستستقبلني أختي؟ وهل ستغفر لي نسيانها شبه التام في غربتها؟

أغذ السير باتجاه البلدة القديمة. المواء يلاحقني. الشوارع تتحوّل إلى مواء. كل شيء في هذه البلدة يموء.. روحي تموء والاشجار تموء وحتى أشرعة السفن الراسية في ميناء حيفا تموء. أتوقف عن السير باتجاه بيت أختي في حيفا القديمة. أتخذ قرارًا جنونيًا أنا يجب أن أتابع المواء.. يجب أن أصل إلى مكانه حتى لو كلّفني ذلك العودة إلى بلدتي حاملًا أحزاني وأشجاني.

أتسلّل على رؤوس أصابعي إلى مكان قصيّ هناك في عمق البلدة القديمة.. أصيخ السمع لذاك المواء.. إنني أقترب منه.. أقترب إلى مصدر ذلك المواء الحارق الحزين. أدنو من جبل من الاطارات المهملة. أقترب منه.. المواء يقترب من أذني. يقترب يقترب.. أشعر أنني وصلت إلى مصدره. يقينًا أنك وصلت إلى سرّ الاسرار إلى عُمق أحزان ذلك المواء الباكي.

أرسل نظرة إلى عمق جبل الاطارات المطاطية المهملة.. أرى هناك فروة سوداء تتحرّك ببطء. أنعم النظر يعلو المواء. أتأكد بحاستي الجيّاشة وعينيّ الثاقبتين أنني وصلت إلى عمق المواء. أراها.. إنها قطة وحيدة.. مؤكد أن أهلها تركوها هنا وحيدة تبكي حظها التعس في هذه الحياة. من تكون هذه القطة؟ ألا يمكن أن تكون قد هُجّرت من قريتها في عام النكبة لتبقى هنا وحيدة هي ودموعها؟ ألا يمكن أن تكون قد ادخرت مبلغًا من المال لوضع حدّ لقصة تهجيرها من قريتها، وعندما وجدت البيت المتمنّى توجهت إلى حيث خبأت مدخراتها فلم تجدها؟. أرسل نظرة حانية إلى عيني تلك القطة الصغيرة فأراها ترسل نظرة موازية إنها تشعر بمثل ما أشعر. ترى ماذا بإمكاني أن أفعل؟ ماذا بإمكاني أن افعل لها وأنا الغريب في هذه المدينة الغريبة؟

أتخذ من إطار وحيد غريب وجد ذاته ملقى بعيدًا عن إخوانه في الجبل.. أتخذ مقعدًا لي.. يخفت مواء تلك القطة هناك في أعماق الجبل يدخل عميقًا عميقًا في أغوار أعماقي.. تلوح لي عيناها الدامعتان تحدقان في عيني.. أنا لا يمكن أن أتركها هنا في هذا الجبل الموحش وحيدة وحزينة.. سآخذها معي.. إلى أين ستأخذها؟ وأنت لا بيت لك؟، سآخذها يعني سآخذها.. دعها هنا تواجه قدرها كما تركتك يد التشرد تواجهه.. لن أدعها، سآخذها يعني سآخذها.

أنتصب فجأة أشدد قبضة يدي أصرّ على ما تبقى لي من أسنان.. أصغّر جفون عيني وأوسعهما.. أندفع باتجاه الجبل الموحش. أهاجمه بشراسة أين اختفت تلك القطة الصغيرة.. اخذ في تناول الاطارات واحدًا تلو الآخر القيها بعيدًا في فضاء الميناء.. أين تراها تلك القطة اختفت؟ أواصل القاء الاطارات في كلّ الاتجاهات.. أنقل جبلها من مكانه إلى مكان آخر إلا أنني لا أعثر على تلك القطة.. لقد اختفت ابتلعتها الأرض.. لم يعد لها وجود هل كنت أتوهم؟ هل كانت تلك القطة الصغيرة الوحيدة الغريبة هي أعماقي الدامعة؟ يتوقف المواء لحظة ويعود ليملأ فضاء حيفا القديمة.. أتوجه نحو بيت أختي هناك في عمق أعماق حيفا.. في البداية أمشي بهدوء بعدها تخطر لي خاطرة غريبة فأركض باتجاه بيتها أركض أركض أركض.. ويركض ورائي المواء.. أركض أركض فمن يعلم قد أجد قطتي الحزينة الوحيدة هناك.. في بيت أختي.. وربّما في حضنها.

***

قصة: ناجي ظاهر

ها قد قرُبَ العام الثاني

ما زلنا في البيت نعاني

*

نيراني تصلي  جذوتها

تتصاعد من كل مكان

*

ما زال الدمعُ  يؤانسُنا

لو شـاءتْ أنساً عينانِ

*

هل كان مصيري يا ولدي

أن تمضي في غير أوان

*

أحلامي ماتت في صدري

ودمي قد جفَّ بشرياني

*

أبكيكَ العمرَ ولا عجبٌ

لو قرَّحَ دمعي أجفاني

*

قد أزرى بسروري موتٌ

صيّرني غابة أحزانِ

*

بابي موصود يا ولدي

ما ليَ بعدكَ من خلاّنِ

*

ابكيك  وأبكي إنساني

ابكي من عاش بوجداني

*

هل تذكر في يوم كنا

نتهاتف في أحلى شان

*

قد كان البشر يكللنا

نتطاير في روض حنان

*

قلبي يترنم في طيرٍ

لم يبرح يوما أفناني

*

عامٌ مرَّ وجاءَ الثاني

حطباً ليُضاعفَ نيراني

***

د. جاسم الخالدي

 

أَشـرعـــتُ جـنـحي لــريـاحِ القــدَرْ

طيــراً جـريـحــاً يَتحـدَّى الخطــــرْ

*

وصنـتُ عُــودي لـــمْ أُهـنْ لحنَــــه

حين أَهــــــانَ العازفــــونَ الوتــــرْ

*

عاشــــقُ جـمــرٍ. لا أَرَى تــركَـــــه

ولأَحتــرِقْ عِشـقـاً بفـيـضِ الشَّــررْ

*

وأَيُّ مجنـــونٍ أَنــا؟ لــــــمْ أَلــِـــنْ

ولــــمْ تُروِّضْني قيـــــــودُ التتـــــرْ

*

وليَكثـُــــرِ اللـُــــوَّامُ. لــــنْ أَنحنــــيْ

إِذا انحنَى منـهــــمْ لــــــواءُ الكِبـــرْ

*

مُختـلـــفُ المـضمــونِ عمَّـنْ معي

وإنْ تَوافقْنـــا بشكـــلِ الصــــــــورْ

*

لاتَفهمُ الأَحجـــــــــارُ عطـري،ولا

تَفهــمُ أَزهــــاري الذي في الحجـرْ

*

تَعبــتُ مـن سـيــري بـدربٍ سدىً

أَبحـثُ عن خَطـوٍ ، ومـا مِن أَثـــرْ

*

أَبـكيْ على قــومي ونفـسي، وفي

قلبـي بكـــــاءٌ لغـــدٍ مُدَّخـــــــــــرْ

*

لاأَقبــــــلُ العيشَ بـــــلا موقـــفٍ

إنّي أَمــوت واقفــــاً كالشجــــــــرْ

*

كـــمْ غائــبٍ حضـــــورُه جثَّـــــةٌ

وحاضــــــــرٍ جثمانــُـــه مُسـتتَـرْ

*

أَتَــزدهي برعــــــدِها غيمـــــــةٌ

لـم تَنفجـــرْ بروقُهــا عن مطــــرْ

*

أَمْ تَــــزدهي بالظـلِّ صفصـافــةٌ

ليـس بهــا لجائــــعٍ من ثمــــــرْ؟

*

لاطــالَ ليْ عمــــرٌ إذا لــم يكـنْ

ليْ فيــه معنىً في كتــابِ البشـرْ

***

عبدالإله الياسريّ

كُتبتْ في بغداد ــ العـراق،

في عام 1969م.

هل تصدق أنني التقيتك اليوم؟!  كان ذلك اللقاء في رأسي، لكنه بدا حقيقيا لدرجة أني قفزت من النشوة، كنتَ قريبا... أقرب حتى مما قد يحدث في الأحلام!  كدتَ تختفي في انعطافة الممر لولا أني قمعت بقايا خجلي الملاصقة لي مثل عاهة، لأناديك. للحظة خشيت أن يضيع صوتي ويتلاشى في الفراغ، لكنك عندما التفتَ نحوي وتلاقت أعيننا عرفت أني لازلت قادرة على تلوين أحلامي ونزع غلالة الضباب عنها.

هل تدري! تماما كما تخيلتك، بشعرك الأبيض وقامتك الملفتة وخطواتك المتثاقلة قليلا، ثم عندما اقتربت أيقنت أني أجيد رسم التفاصيل، حيث كان حاجباك الكثيفان معقودين وأسنانك الصغيرة منتظمة  ولون عينيك يصعب تحديده، وابتسامتك ودودة. غمرني صوتك ذو النبرة العالية قليلا( نعم تفضلي) لم أنزعج لأنك لم تعرفني، فأنت داخل في رأسي بلا إرادة ٍ أو قرار ٍ منك، لقد جئتُ بك إليّ، والآن انت ضائع هنا، بين هذه الخلايا المتصارعة والحواس المتوثبة والشرايين الضاجة.. المحتدمة. ستشعر بالضياع قليلا لكنك ستجدني وسأجدك، هذا ما أنا متأكدة بشأنه.

حسنا ..أنا من النوع الذي لا يجيد تقديم نفسه، لا أتذكر كيف أخبرتك إنها أنا و ماذا قلت لك تحديدا؟  لكني أتذكر أني كنت فرحة جدا، بالتأكيد لاحظتَ ذلك، فقد ابتسمت مندهشا عندما عرفت أنها أنا، للحظة شعرتُ أنك على وشك أن تعانقني، هكذا تجذبني إلى صدرك طويلا، حتى إن نبضات قلبك تدق في رأسي، و عطرك يملأ أنفي.

لقد كانت لحظة مربكة، لكنها مرت ثم هدأنا، سألتني عن حالي، و أثنيت على عملي في تدقيق أشعارك، ثم بابتسامة ذات مغزى أخبرتني أنني أجمل من الصور، لم أجعلك تشعر كم أحببت إطرائك، هكذا تظاهرت بعدم الإهتمام. قلت لنفسي سأشكره عندما نجلس لشرب الشاي، ونتحدث عن رسائلنا وأعمالنا وأحاديثنا عبر الإنترنت، سنأتي على ذكر كلّ شيء.

لا اعرف كم وقفنا في نهاية الممر، بدا الزمن جامدا. فيما بعد، لم اعرف ماذا أفعل؟  بدوتَ محرجا وهممتَ بالذهاب. أدركتُ بحدسي أنني على وشك الإفاقة من حلمي، قاومت بقوة.  في الحقيقة قد لا يكون هذا حلما ابدا، كيف اعرف ما إذا كانت الحقيقة هذه اللحظة أو تلك؟ ما إذا كنت أنت هنا أو هناك؟  مددتُ يدي نحو وجهك، مررت أصابعي على عينيك، بدتا واقعيتين، عرفت ذلك من دهشتك، وتراجعك خطوتين.   

(ابق معي) هذا كل ما أردت قوله لك، وإن كلفني أن أستمر في الغياب عن نفسي. لكنك لم تقل لي تعالي نمشي حتى التعب، أو تعالي نقرأ الشعر ونشرب الشاي وندخن ونضجر معا، في الحقيقة لم تقل شيئا ابدا، آه لو كنت أحلم حقا، لأخذتني من يدي وسرنا هناك وأخبرتني كلاما جميلا..جميلا جدا، فأنا أرسم كلّ شيء في رأسي، كأن تجلس قبالتي وتضع فمك على فمي طويلا، تتأملني بصمت وتخبرني أن لا أفيق، لكنك كنت على عجالة، اكتفيت بابتسامة وبضعة كلمات وابتعدت قليلا، آه ..هذا يعني أني أفقت، أو ربما لم أنم أصلا!  عندما استدرت أنا الأخرى ومضيت وحيدة، سمعت صوتك، كانت نبرته العالية التي أحبها توقظ جميع الحنين الراكد في الروح و تحرك ما تراكم عليه من غبار السأم.  لقد اقتربت من جديد وأوشكت المسافة على التلاشي، قلت لي تعالي نخرج نتسكع على غير وجهة، يااااه لو تعرف كم فرحت، و أمسكت بيدك الكبيرة فورا، حينها لم أفكر بصراحة إن كنت أحلم أو لا؟!

***

تماضر عبد الكريم

بَجْدَةُ المَعْنى تَسامى فِعْلُها

بفؤادي فأبانَتْ كُنْهَها

*

وإذا النَجْوى لروحي أوْلعَتْ

تَتَهادى وأنيْني رَجْعُها

*

مَبْعَثُ الأشواقِ يَنبوعٌ حَوى

فيْضَ إيمانٍ فأحْيا وَعْيَها

*

يا إلهي وسَناءٌ ضَمّني

مُهْجَتي تاقَتْ لقاءً يُحْيِها

*

يا ضِياءً في ثَنايا نَبْضَتي

هذه الروحُ كهَمْسٍ شَدْوها

*

وفؤادي في هُيامٍ دافِقٍ

ورحيلٍ لسماءٍ ودَّها

*

إنّما الدُنيا جِراحاً أوْرَثتْ

هَلْ أتَيْنا مِنْ ترابٍ نَحْوَها؟

*

بترابٍ بَعْدَ حيْنٍ مَكْثُنا

فببَيْنٍ قدْ أزالتْ سِتْرَها

*

يا لظى الأيامِ يا عَيْنَ الأنا

أخمَدَ النيرانَ نارٌ ضُدّها

*

فَتَعالتْ صَيْحةٌ بينَ الوَرى

واسْتَعارَتْ مِنْ بَرايا حَتْفَها

*

دورةٌ ما أفْصَحَتْ عَنْ خالدٍ

مِثلُ بَرْقٍ أو وَميضٍ سِفْرُها

*

وكذا الأعْمارُ جَفَّتْ وانْتَهَتْ

وتَداعى في حَفيرٍ خَلقُها

*

ووفودٌ مِنْ بَعيدٍ قَدِمَتْ

ومَضَتْ صَرْعى رَغيْبٍ هَدَّها

*

دارَتِ الأيّامُ واليَومُ اعْتَدى

ونفوسٌ في ضِرامٍ حَفَّها

*

إنّها الدُنيا كتابٌ مُبْهَمٌ

بزُلالِ الماءِ خُطَّتْ سَطرُها

*

فاحْفظِ المَكتوبَ في صَدْرِ المُنى

وتَعَلّمْ كيْفَ تَرقى فوْقَها

*

أيّها الساعونَ في سِفْرِ الضَنى

ما أكادَتْ بَلْ أجابَتْ سُؤْلها

*

أنْتَ مولايَ وحَتفٌ قادِمٌ

وبنا الأعْمارُ ألقتْ حِمْلها

*

وعلى الجُرْفِ نداءٌ مُؤْلمٌ

وصُراخٌ لصُخورٍ فتّها

*

وأرى الطفلَ رَضيْعاً وانْضَوى

بَيْنَ أحْضانِ رَميْمٍ وانْتَهى

*

وبها الأغْصانُ عَزْفٌ ساجِعٌ

مِنْ قلوبٍ إسْتذاقَتْ مُرَّها

*

وعلى يُبْسٍ سَبوغٍ غاضِبٍ

دارَتِ الأجْيالُ أشْقَتْ بَعْضَها

*

وتَوارَتْ بَعْدَ حيْنٍ واخْتفتْ

أكلَ الخَصْمُ خليقاً قبلها

*

هلْ تناءَتْ عَنْ هَواها وارْعَوَتْ

أمْ تَمادَتْ بلذيذٍ قدّها؟

*

يا هُدانا في دروبٍ أوْغَلتْ

بمَتاهٍ فأضاعَتْ رُشدَها

*

لحَياةٍ هَلْ قدِمْنا عُنوةً

وإذا الكلُّ لنَفسٍ عَبْدُها

*

أنْتَ مَوْلاي فباركْ خُطْوَتي

واجْعَلِ النورَ بروحي كَوْنها

*

واطْعِمِ النفسَ نَسيْماً طيِّباً

وعَبيقاً يَتَهادى قرْبَها

*

وامْنحِ النَبْضَ انْسِجاماً وادِعاً

وحَفيفاً إرْتوى مِنْ سِحْرِها

*

وبلَحْنٍ مِنْ بَديعاتِ الجَوى

رَقصَتْ روحي وزارتْ ذاتَها

*

أنْتَ مَوْلاي ونُشْدي والمُنى

والبرايا ما أصابَتْ نُشْدَها!!

*

مِنْ تُرابٍ مَعْدَنُ الخَلقِ الذي

قد تَمادى مُسْتبيْحاً ديْنَها!!

***

د. صادق السامرائي

23\10\2021

......................

* البَجْدَة: حقيقة الأمر وباطنه

نصٌ عن  بيروت المنكوبة تحت عنوان:

حذار ِ من الصَّهاينَةِ الجُدُدْ

***

حذار من الصَّهاينةِ الجُدُدْ

أنزلوا الرّايات ِ

أنزلوها

واغسِلوها

بدمُوع ِ القاصِراتْ

بدموع ِ الأمّهاتْ

مَن يُنقذ ُ الأحياءَ

في نكبةِ بيروتَ:

(الميناءُ، والحريقُ، وألسنة ُ اللهبْ)

مَن يُصَلي على أرواح ِ الأمواتْ؟

مَن يَمسحُ الدّموعَ عن وجوهِ نساء ِ بيروتَ؟ مَن؟

مَن يُعيد للأطفال

بُيوتهم المُدمّرَة؟

مَن يُعيدُ لهُمُ الإبتِسامَه؟

**

نكبة بيروتَ تذكّرنا  بعام ما بعدَ الأربعين

تعيدُ الى الذاكرة تلك السّنين العِجافْ

تعيدُ صورَ كفرقاسم.

لحَظاتٌ...

وأحاطتْ بنا ألسنة ُ اللّهَبِ

والدّمارُ، والقهْرُ، والضّياعُ، وفقدانُ الأحِبّة...

ليهنأ أولادُ الغولْ

لتهنأ البومَة

ليهنأ أحفادُ أبي لهَبٍ.

**

ثكالى  بيروتَ

نِساءُ بيروتَ

يبكينَ في الليل ِ

يَتضرعن إلى الخالقْ

يُضمِدْنَ الجراحْ.

**

أفعى الحَريقِ ِ

طالت شوارعَكِ يا بيروتُ

ضربَتْ فيكِ

الخمائِلَ

والحَدائِقَ

والأشجارَ

والحَجَرْ.

آهٍ.. يا بيروتُ

لا يَنفعُ الندَمُ.

باعوكِ يا بيروتُ !

بالدّينار، والدّولار

ورَنين ِ الذهَبْ

قدّموك للتنين ِ ضَحيّة !

باعوا الجَمال َ في عَينيك الجَميلتين

باعوا زرْقة َ البَحر في الصّباح

باعوا لياليكِ الجَميلهْ

باعوا الكحلَ في عيون ِ العَذارى.

**

خزّنوا الحِقدَ في الميناء

خزّنوا أدواتِ المَوتِ أطنانا !!!

ماذا نقولُ .. يا بيروتُ ؟

والحزنُ يُخيّم ُ

في المنازلِ .. في الحاراتِ

وفي عيون القديساتْ.

من  كانَ يُفكر.. يا بيروتُ !

أنّ الذئابَ... سَتعتدي على سِتّ البيتْ !!

من كانَ يُفكّرْ !!

**

الإفرنجُ، وأحفادُ يهوذا،

، والعثمانيون الجُد دْ   والأعرابْ

دفعوا الأجْرَة سَلفا

إلى أحفادِ أبي لهبْ.

لا ينفعُ الندَمُ يا بيروتُ

لا ينفعُ الندَمُ !

لمْلِمِي جراحَك يا أختاه

وحذار .. حذار

من الصّهاينة الجُدُدْ !

حذار يا بيروتُ

من الصّهاينةِ الجُدُدْ !!

**

إلهَ الشرّ، والتشريد ِ، والتخريب ِ، والتكفير!

منكَ التقتيلُ، والعُنفُ، والحِصارُ.

ومنّنا فقدانُ الأحِبّةِ، والعَوَزُ، والعريّ، والجُوعُ

لكنْ يا عدوّ الشمس ِ!

والله

لن نركعَ

لن نسْتَسْلِمَ

لن نتعَبَ.

" من الآلام ِ تولدُ القيامَة ُ "

فلتغضَبْ.

إلهَ الشرّ !

إنّ الله والانسان على العَهد ِ.

سَمعتُ صوتَ الجُدودِ ينادينا:

تخيّروا أيها الأحفادُ:

طريقَ العِزّ، تسَيِّجُه ُ

جَثامينُ الأبطال ِ رفاقا على الدربِ

طريقَ الذ ّلِّ مَفتوحٌ في كلِّ الأوقات

مُكللا بالخُنوعْ ...

ولكنْ ...

إرادة ُ الإنسان ِ

مهما طالَ المُحال

لا تنسى، لا تهزَمُ، ولا تقهَرْ *.

**

حذار.. يا بيروتُ !

من الصّهاينَة الجُدُدْ !

حذار..

من سَماسِرَةِ المَوتْ !.

***

بقلم إسماعيل مكارم

.......................

* كتبت في نهاية شهر آب 2020

* الافعالُ الثلاثة هنا مبنية للمجهول (بضم التاء).

* قيل الكثير عن باخرة الأمونيوم، التي فرغت حمولتها في مستودعات مرفأ بيروت، هذه الحمولة، التي انفجرت في أحد مستودعات المرفأ  يوم الرابع من آب عام 2020 وأدت إلى كارثة، حيث راح عدد كبير من الناس الأبرياء ضحايا هذا  الإنفجار. هذه الحمولة جاءت لصالح قوى الإرهاب التي كانت تقتل، وتدمر في سورية، والعراق، كل ذلك بإيعاز وتعليمات من قبل الغرف السوداء في العواصم الغربية، وجهات خاصة في الإقليم. هذا إستنتاج سياسي، مبني على عدة أمور..مثل هذه الباخرة ينطبق على قصة الباخرة التي كانت قادمة من أحد مرافئ ليبيا محملة بالسلاح إلى أحد مرافي لبنان، باخرة (لطف الله 2)، واكتشفت وانفضح أمرها، أما السلاح فكان طريقه نحو عرسال ومن هناك إلى الأراضي السورية، أي من أجل تسليح قوى الإرهاب - أدوات الغرب. من يريد أن يقرأ قصة باخرة (لطف الله 2 ) فليقرأ عنها في النت....إذا كانت قوى الإرهاب قد استعملت هذا النوع من الأسمدة لصنع العبوات الناسفة، وإذا كانت في لبنان قوى تدعم قطعان الإرهاب يصبح واضحا لصالح من وصلت هذه الباخرة إلى مرفأ بيروت منذ سنين قبل إنفجارها.

 

حقا أجد أنني وحيد الآن.

ربما يحدث ذلك بسبب هوايتي الغريبة. منذ الطفولة وأنا معتاد على جمع الظلال.حالما يقع بصري على ظل ألتقطه من دون أن يلحظني صاحبه ثم ينزلق من يدي  إلى علبة من الكتان.

هناك العديد من الحالات الكبيرة في منزلي لأشياء مختلفة: بشر وأشجار وحيوانات وحجارة وبيوت وسيارات وقطارات.

لاحقًا ، كشفت شيئًا ما ، لاحظت أن الأشياء الحقيقية تختفي في نفس اللحظة التي ألتقط فيها الظل المسكين.

كانت هواية خطيرة للغاية!

ومع ذلك أستمر.. حقًا لا يمكنني كبح جماح إرادتي في جمع الظلال حتى أجد نفسي في معضلة كبيرة.

ذات يوم ، أجد، أنا فقط، على الأرض وظلي. لا يوجد أشخاص ولا سيارات ولا أشجار ولا حيوانات وحشرات ، أنا فقط على الأرض مع ظلي ، في تلك اللحظة أفقد شجاعتي لالتقاط ظلي لأنني لا أحب أن أكون حبيسا مع ظلال الأشياء والآخرين في كيس من الكتان.

خامرني هاجس ما فهرعت إمن دون تردد لى الظلال فجعلتها تنزلق ثانية من الكيس إلى الخارج.

***

قصة لمحة: قصي الشيخ عسكر

....................

*هذه القصة كنت قد ترجمتها إلى الإنكليزية قبل سنوات تقريبا عام 2005 من ضمن بعض الأعمال الشعرية والنثرية التي ترجمتها لي وأظن أن نسخة من المخطوط عند صديقي المبدع القدير د. صالح رزوق البارحة قلبت مصادفة المخطوط واخترت منه هذه القصة بالنصين العربي والإنكليزي.

...............

The shades collector

Really I find I’m alone now.

Maybe that happens as a result of my hobby. Since childhood I am used to collecting shadows. I just find a shadow quickly I pick it up then it will be slipped into a linen case.

There are many big cases in my house for various things: human beings, trees, animals, stones, houses, cars and trains.

Later I reveal something, I spot that real things disappear at the same moment I capture the poor shadow.

It was a very dangerous hobby!

Even so I go on; really I can’t restrain my will for collecting shadows until I find my self in big dilemma.

One day, I find, only me, on the earth and my shadow. There are no people, no cars, no trees no animals and insects, only me on earth with my own shadow, at that moment I lose my courage to pick up my shadow for I don’t like to be nothing, soon, without hesitation , I rush towards the shadows  sending them free.

***

اِضربي بسوط الغياب

وأوجعي

واحرقي بالهجر

زوايا مرتعي

دون الحطب

تموج النار به

صرخات روح

عجَّ بها مسمعي

شربتُ الفراق

بكأس الصمت

اجرعه وحيدًا

والنفس لم تكن معي

اقتات بصدفةٍ

الوذُ بها

من بؤس وداعٍ

مِن مَصنعي

سئمتُ حرفًا

باكيا حزِنا

نبذت السطر

هجرتُ مضجعي

وصرت اجول

في كل شارع

ثمل الخُطى

سيّال مدمعي

ساقني الدرب

الى حيث اللقى

الفيته قفر

مؤنسه النَعي

عدتُ الى داري

اعرج الخُطى

عدتُ الى الحرف

أُكمِلْ مطلعي

لأسطر اماطلْ

في اكمالها

إن كملت حينها

يُعلَن مصرعي

***

إيهاب عنان سنجاري

كان مجرّد حلم معسول بعد منتصف الليل. لا يمتّ للحقيقة والواقع بأيّ صلة أو قرابة. الحمد لله أن وهبنا الله تعالى فسحة يأخذنا فيها النوم تارة إغفاء وتارة اخرى سباتا، لكي نغتسل من درن اليقظة ونحلم أحلاما معسولة وأخرى كوابيس مرعبة.

في ليلة من ليالي الخريف، بينا كان قادة جامعة الدول العربيّة، ونوابهم يمارسون هواياتهم (السياسويّة) في القمّة الواحدة والثلاثين في أحضان الجزائر البيضاء وكعبة الثوار. وما أكثر قمم العرب، قمم.. قمم.. قمم، على قول مظفّر النواب رحمه الله وطيّب ثراه.

رأيت، فيما رأيت، نفسي سائحا في بلاد العرب من البحرين إلى مراكش، على دراجة هوائيّة من صنع محليّ شرقا وغربا، كما يرتحل بعض المغامرين الهوّاة - من قارة إلى أخرى - على دراجاتهم الهوائيّة، لإثبات شجاعتهم وقوّة تحمّلهم ولفت رأي الرأي العام. كانت دراجتي سريعة، كأنّها بساط على كاهل الريح الذي، كالذي امتطاه فريد الأطرش ووصفه في أغنيته الشهيرة.

و كم كانت سعادتي – معذرة إذا قصّرت في وصفها – عظيمة، ودهشتي لا حدود لها، وأنا أجوب بلادي العربيّة، حرّا، طليقا كالطائر المهاجر، دون جواز سفر، ودون تأشيرة. لم تعترضني أسلاك شائكة، قديمة أو جديدة، ولا حراس حدود، في عيونهم شكوك وريّب في نواياي، ولا رجال جمارك في قلوبهم طمع.

وجدت أنّ الحدود قد زالت، والأسلاك والبوابات قد أزيلت عن بكرة أبيها. وعندما سألت أحد الرعاة، وهو سارح بقطيعه في أرض كانت مشطورة بين دولتين زمن الحدود:

أين الحدود التي كانت هنا؟

أجابني مبتسما:

ولم الحدود يا أخي؟ - وكم زلزلتني كلمة أخي، وكدت أن أبتلع لساني - نحن أمّة واحدة ؛ سلالتنا واحدة، وديننا واحد، وقبلتنا واحدة، ولغتنا واحدة وآلامنا واحدة، وآمالنا واحدة. وكل شيء فينا واحد أحد وعدوّنا واحد. لقد توحدنا، بعد فرقة استمرّت عدّة قرون.

واستمرّ حلمي المعسول، وكان شبيها بفسحة ربيعيّة بين الخمائل الجداول في فردوس الأندلس.

ورأيت في طريقي العجب العجاب. لافتات، كُتب عليها ( الجمهوريّة العربيّة المتّحدة). فسألت عن عاصمتها: فقيل لي: مكّة المكرّمة. وكان كلّما سألت عن اسم المكان الذي نزلت فيه، قيل لي: لا تقلق، أنت في الجمهوريّة العربيّة المتحدة، وعاصمتها مكة المكرّمة.

واستهللت رحلتي من طنجة الساحرة، وأزجت رياح الشوق دراجتي الهوائيّة، فبلغت مراكش الحمراء، كقصر غرناطة، ثم توجّهت إلى بلد المليون شاعر، في شنقيط (نواكشط)، تناولت ألذ السمك، وأعذب سمعت قصائد الشعر الأصيل..

واصلت رحلتي نحو الشرق الفسيح، الساحر، شرق الأنبياء والرسل والكتب المنزلة. فعبرت حاضرة القيروان، وسلكت الطريق التي وفد خلالها عقبة بن نافع وأصحابه، وصليت صلاة وسطى في الزيتونة، ثم يممت جهة الجبل الأخضر، موطن البطولة والشهامة، وقلعة المجاهد الشهيد عمر المختار ورفاقه، ووجدت في أهله المكارم والعزائم، ولمّا اجتزت صحراء أم الدنيا، فتحت لي القاهرة ذراعيها دخلتها آمنا، مطمئنا، كما دخلها المعز لدين الله الفاطمي والقائد جوهر الصقلّي وابن هانيء الأندلسي وابن خلدون. وبعد قاهرة المعز ومحمد علي باشا والعز بن عبد السلام، وجّهت دراجتي جهة الشام، عبر سيناء، ولم أجد للمعابر أثرا ولا ذكرا، وصلت غزة الأبيّة، ووجدت أهلها في أحسن حال، وقد زال عنهم الحصار الجائر، وعاد إليهم بحرهم وفضاؤهم. ولمّا عرفوا أنّني قادم شماليّ إفريقيّ من بني جلدتهم، ابتهجوا واحتضنوني، كأنّني ابنهم العائد من غربة طويلة، وسندبادهم.

قال لي أحدهم: أنت يا أخ من بلاد المغرب الكبير، أليس كذلك؟ قلت: أجل. أنا ممن قالوا، نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة. وساروا بي إلى مدينة القدس، ودلتها رفقتهم من باب المغاربة. وصليت الجمعة في المسجد الأقصى مع خلق كثير. وخلال مقامي في القدس لم أر جنديا إسرائيليا أو جندية إسرائيليّة. ما عدا جماعة من اليهود المسالمين يمارسون شعائرهم التلموديّة في ديرهم، جماعة من النصارى المسالمين، يحيون طقوسهم الإنجيليّة في كنائسهم. لقد كانت حمائم السلام في مدينة الأديان والعيش في كنف السلام والوئام والتسامح. ولمّا فرغت زيارتي إلى الشام، ومسجدها الأموي العظيم، وجّهت دراجتي الهوائيّة ناحية العراق، وأخذني الحنين دار السلام، بغداد هارون الرشيد والمعتصم بالله، وإلى دجلة والفرات وكربلاء والبصرة والكوفة، وتذكّرت قصيدة ابن الرومي في رثاء البصرة، حين خرّبها الزنج ( العبيد) فوجدتها كما لو يمسسها أحد بسوء. ثم واصلت رحلتي، فعبرت الخليج العربي كلّه، الذي أراده الفرس فارسيّا، لكن هيهات. ومن اليمن السعيد، عدت بحذاء المحيط، فالبحر الأحمر، فالبحر الأبيض المتوسط، إلى أن رست بي دراجتي الهوائيّة أمام بيتي المعلّق في أعالي القصبة العتيقة.

قال لي أحدهم:

لقد انتهى عصر التفرّق والتشرذم والخصام بين العرب. لم نعد أمّة واحدة باللسان والتنظير فقط، بل بالفعل والتطبيق. ها قد عدنا إلى سواء السبيل. أمّة واحدة، لا تفرّقها الأهواء والشهوات والأطماع والكراسي وووو. حدودنا، فقط، مع العجم والإفرنج، لا بيننا. طهّرنا أرضنا ـ التي قصمت ظهرها الحدود من الأسلاك الشائكة ومن الحراس الغلاظ الشداد ـ من تمائم الشياطين. وها نحن - وأعجبني حديثه بصيغة الجماعة – نسافر ونرتحل ونتواصل دون قيود أو عقبات أو تفتيش الجيوب والحقائب والنوايا..

و عندما استيقظت من حلمي المعسول..

رأيت أمة، قد جزأتها وفرقتها الأهواء والشيع، وضحكت من جهلها الأمم، على قول المتنبي. أمّة تحوّلت إلى شعوب وقبائل، بينها عداوات وحدود ونمائم وتنابز بالألقاب ودسائس، مجهولها أعظم من معلومها. أمّة لا تنقحها غير النوايا الحسنة والإرادات والعزائم، التي تأتي على قدر أهل العزم، على قول المتنبي. أمّة تملك ثروات طائلة من المال وكنوزا من العقول النيّرة والمعادن السائلة والصلبة، وسواعد الشباب وملايين من هكتارات الأراضي الشاسعة، الخصبة، والتي بمقدرها إطعام الكرة الأرضية. بالمختصر المفيد، أمّة غنيّة إلى درجة الترف والبذخ.

و أنظر إلى أوربا، التي توحدت في منظومة ( الاتحاد الأوربي )، فيأخذني العجب، ويغمرني الأسى، ويستولي عليّ الهمّ. قارة توحدت دولها المختلفة في شيء، لا تتمتّع بمقوّمات الوحدة السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والثقافيّة والدينيّة، رغم تعدّد لغاتها وعملاتها وأصولها وكنائسها، وبينها أحقاد قديمة، وحروب طاحنة، ابتداء من حروب أثينا وروما وحروب القرون الوسطى، وصولا إلى الحربين العالميتين والحرب الروسية الأوكرانيّة الحالية.

إنّه لأمر عجيب، يدمي القلب، ويحيّر النفس الأمّارة بالوحدة. أن تنجح أوربا في تحقيق اتّحاد بين دولها وشعوبها، حتى أضحت، كما جاء في الحديث النبوي الشريف (كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

بينا أمّة الحق والتوحيد، غارقة حتى النخاع، في عوالم الفرقة والشتات والنميمة والتباغض والتنابز بالألقاب. وتمزّق الجسد الواحد إلى أشلاء متناثرة، متنافرة، إذا اشتكى منه عضو، لم تأبه له بقيّة الأعضاء، أو ضحكت منه، أو كادت له المكائد بليل. كلّ حاكم من حكام شعوبها النائمة، يغرد خارج سرب الوحدة والوفاق. وكأنّ أمتنا العربيّة، تحوّلت إلى نسخة لآل داحس والغبراء ؛ عبس وذبيان.

لقد نجح الغرب في توسيع الهوّة بين الأنظمة العربيّة، وذلك بخلق أزمات وهميّة بين سياسييها، وإحياء النعرات الجهويّة الخامدة. وإثارة النزعات الطائفيّة والعرقيّة ودعم الحركات الانفصالية المسلّحة في بعض البلاد العربيّة مثل، السودان واليمن، وتشجيع الحركات العلمانيّة الراديكالية والتطرّف الديني، من أجل خلق حزمة من " الفوبيّات " في المجتمعات العربيّة. فوبيا دينيّة إسلامويّة، فوبيا إيديولوجيّة، فوبيا عرقيّة، انطلاقا من بوابة الديمقراطيّة الليبراليّة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل وحريّة العقيدة والجنس والمثليّة. وكلّ هذا وغيره، هو جزء من المؤامرة الدنيئة، التي حبكت منذ اتفاقية سايكس بيكو المصادق عليها في 16 مايو (أيار) 1916 م. والقاضية بتقسيم البلاد العربيّة بين فرنسا وبريطانيا، وبمباركة روسيا وإيطاليا.

أه، ليت ذلك الحلم، كان حقيقة، ولم يكن حلما، لكن لا بأس قد يتحوّل الحلم المعسول، يوما ما، إلى بلسم شافٍ.

***

خاطرة بقلم الناقد والروائي:

علي فضيل العربي – الجزائر

 

كل شيء موجود في مكانه

ثمة تفصيلة واحدة

مفقودة

تحدث بداخلي

شعوراً

يشبه سيطرة الفراغ

على الروح

يشبه شمعة مطفأة

عبثاً يحاول الحرف إشعالها

يحاول بث الاشراق من جديد

في صباحاتي الباهتة

التي يسكنها

صوت الغروب

ويلونها بفرشاة

مغمسة في الملح

مفتونة أنا

ببث البهجة على الورق

يكلفني ذلك الكثير من الأرق

أبدو نضرة

وداخلي

يسكنه الذبول

فالقصيدة تشرب

ولا ترتوي

وأنا ضيعني الإلهام

فراشة من دون سرب

عجز النور عن اخماد عتمتي

وأجنحتي تكبر من

بعد كل سطر

أرهقتُ المسافات

ولم أصل

أبعد عن الواقع بقصيدة

وأقترب من الحلم بكلمة

لي وشوشة الزهر

بساط من أمنيات

لي زقزقة العصافير

مزامير الرحيل

لي تفصيلتي الناقصة

سفر بلا انتهاء

على خارطة الداخل

وشمعة تنتظر ...

-***

أريج محمد أحمد

 

 

الى: صديقي الذي قال يوماً في منشور:

سيجف هذا النفط الملعون على جلودنا،

أقول:

***

نعمْ أيُّها الحالِمونْ

بحياةِ..

مجردُ حياةٍ في هذا الوَطنْ

برقعةِ أرضٍ قَـدْ تحفَـظُ الكرامَة

يقولونِ..

أنَّها تصْلحُ للسَكنْ بِلا ندامَة

الطامِعونَ ب (شِـبْـرٍ) من شارعٍ مُعَـبّدٍ

يصْلحُ لسيرِ المُتعكزينَ على أحلامِهم المُتعـثرِة

الحالمونَ منْ زمنٍ بعـيدٍ.. بعيد جداً

الذين صاروا يتمنونَ

يوماً..

أو لحظةً..

من حياةٍ (هـنيّة)!

قطـرةِ ماءٍ نقـيّة!

من نهرٍ عظيمٍ كدجلةَ أو الفُـراتْ

مُجردُ أحلامٍ وأمنياتْ

مغروسةٍ في رحَمِ الواقعِ الذي بقـينا فيه كلَّ عَـصرِ النفـطِ

خرافاً نُقادُ كقطيع

عقـودٌ منْ عـُمرِ النفـطِ تتراكمُ فوقَ بَعضِها

سنةٌ تصدأُ بعدَ أخرى

سنةٌ تأكلُ بِجنونٍ أخرى

وأهلُنا كعادَتهِم يقـولونَ بِعفـويةٍ ساذِجَة: (ماكو أحدْ ينامْ منْ غـيرْ عَـشا)

أو ينَبريَ أحدهُم فيقول: (ماكو أحدْ يموتْ منْ الجوعْ)

يا لَها مِنْ قناعةٍ عجيبةٍ موْبوءةٍ بالعَـوزْ!

لقـدْ ماتَ مَلايينُ النّاسِ منَ الجُوعْ

(وكلَّ عامٍ ــــــ حينَ يعشبُ الثَرى ـــــــ نَجوعْ

ما مـرَّ عامٌ والعـراقُ ليسَ فيهِ جوعْ)(1)

ونحنُ في البَلاءْ

ننتظر تلكَ الجِمالِ التي على التّـلِّ

حتّى المَساءْ

الذي يُغلّفهُ ليلٌ بظلامٍ دامسْ

ينتظرُ صباحُهُ الذي لم يَأتِ بعْـدُ

والسؤالُ حتى الّلحظةِ يلفُّ حـيْرتَـنا: الى متى يَبقى البعـيرُ على التلِّ؟

وفي لحْظةٍ خَـرساءَ بغْـتةً

تُداهمُنا طفولَـتُـنا الجُنونيةِ

تُذكّـرُنا ببراءةٍ ب (القِـراءةِ) الخُلدونيةِ

وذاكَ البُلبلُ الفَـتّانْ

كيفَ تسنّى لهُ كلَ ذلكَ الوقتِ

وكُلَّ تلكَ الحروب

أن يَبْـقى يُغني على الأغْصانْ

بأعْـذَبِ الألحانْ؟

وذاكَ الراعي الّذي ما انفَـكَ يُنادي على أهلِ القَـريةِ

كذِباً!

حتى أكلتْ خِرافَهُ الكِلابُ قَـبلَ الذِّئاب!

ولَطالَما ظلَّ (قَـدّوري) يدقُّ بابَنا ولا أحدَ يُجيبهُ!

إذْ (لا حياةَ لمنْ تُنادي)(2)..

لا أحدَ يعرف الى متى سَيبقى (قـدّوري) مُنتظِراً؟!

والى مَتى يَبقى البعيرُ على التّلِ؟!

والى مَتى يَبْقى البُلبُلُ الفتّانُ يُغنّي بِأَعذَبِ الألْحانْ؟!

نعمْ يا صَديقي

بعدَ سِنينٍ مِنَ الفـقْـرِ والقَحطْ

برائِحَـتهِ النَتِنةِ فوقَ جُلودِنا

سيَجفُّ هذا المَلعونُ النِفـطْ

وسَنودِّعُ حتْماً السبعَ السِّمانْ

الى آخـرِ أيامِ هذا الزّمانْ

بعدَ سقوطِ أولَ قطْرةٍ منْ ذِكرياتِنا باللّونِ الأحمرْ

ويظلُّ مَقـطوعاً معَ الحَياة شِريانُنا الأبْهـرْ

ويحينُ موعِـدَ اللّقاءِ بألفٍ منَ العِجافْ

عِندَها لنْ يَنفَعنا النَّدمَ

ولَنْ يُفيدُنا كُلُّ ذاكَ الصخب والهتافْ

وسَنبْقى..

نَعيشُ على ما تبقّى منَ الماضي

ونتّكأُ على القـلْبِ!

الذي سيَبقى يحِنُّ الى الأيامِ الخواليَ في المُستنْصِريةِ

حينَما كانتْ السّنواتُ سِماناً

وأيامَنا أكـثرُ بهاءً وأماناً

كانتْ زاهـيةً بالتسامحِ والحُبِّ

بَعيداً عنْ ذاكَ (الّـَريْع) المليءِ بِاللعْـنة

هذا النفطُ الملعونُ الذي صارَ علينا نقْـمَة

منذُ انبجـسَ أولَ مرةٍ بِلحْظةٍ فارِقَةً منْ بِداياتِ القَـرنِ العِشرينْ

ظلتْ نارُهُ الأزليةُ

تحرِقُ أرواحَـنا المُنهكة

أكثرُ منْ تِسعينَ سنةٍ يُزّينُ المكانَ بالجوعْ

ويملأُ تدفقاتَهُ..

بالكوابيـسِ والحُروبْ

بِالطُغاة والحُفاة

بِالأغْـنياء والفُـقـراء

الأصحّاءِ حدَّ التُخمة

والمَرضى حدَّ القَـبْرِ

العاجِزونَ حدَّ الصَبْرِ

يشمونَ رائحةَ براميلَهُ العفِـنةِ

بيْنَما يبقى أهـلُـنا يُقـدّمونَ النُذورْ

أمَلاً في يومٍ فيهِ الدُّنيا قد تدورْ

والنفط ُمنْ حولهِمْ في كلِّ مكانٍ

بملياراتِ الدولاراتِ يفـورُ، يفورْ

ليسَ لهم فيها (لا ناقةٌ ولا جملْ)

بعد أن تفضلَ أصحابُ المعالي والسِيادة

الغارقونَ حَدَّ الغَثيانِ بالرفاهِيةَ والسّعادة

بسَرقةِ (الجملِ بما حملْ)

وخسرَ الحالِمونَ حتى أحلامَهم

ظلّوا في العّشْوائياتِ مُشتَّـتونْ

بلا ملامِحَ يعيشونْ!

خارجَ خرائِطَ التخطيطِ العُـمْراني

وبالشِّعاراتِ والأحلامْ يحْتمونْ!

لكنْ!

في الزمانِ الخطأِ المليءِ بالأوهامْ

***

د. ستار البياتي - بغداد

في 29/5/2020

.........................

1. من قصيدة وديوان (أنشودة المطر) للشاعر الكبير بدر شاكر السياب.

2. هو تعبير في اللغة العربية يُستعمل للدلالة على أن الشخص الذي يُوجه له النداء، لا يُعير الموضوع أي اهتمام، وعادة ما يُستعمل هذا التعبير عند العامة العرب للتعبير عن السخط الحاصل تجاه شخصية مؤثرة. ويُنسب الى الشاعر عمرو بن معد يكرب بن ربيعة الزبيدي، حيث قال:

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً          ولكن لا حياة لمن تُـنادي

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م