نصوص أدبية

نصوص أدبية

سننتقم من الديك

وصياحه

وازعاجه نوم الزعيم

وأقلق راحة باله

وهو المهتم بشؤون الرعية واحوالها

*

سننتقم من الكلب

الذي نام بلا استئذان

وتخلى عن حراس الزعيم

وعرض امن قصر الرئاسة الى الخطر

*

سننتقم من النمل

الذي لم يدخر محصول السنة

وسبب في انهيار اقتصاد البلد

*

سننتقم من الظل

الذي دوما يختبئ وراء خيوط الشمس

ويحرم الزعيم من قيلولته اليومية

*

سننتقم من الرياح

التي تهب عكس التيار

وتترك تخت الزعيم يصارع الامواج

*

سننتقم من المواطن

الذي لم يعلق صورة الزعيم

على جدران كوخه البئيس

*

سننتقم من كل الشعراء الغاوون

الذين رفضوا اتباع الزعيم

في نزواته المجونية

*

سننتقم من ‘’اسرائيل’’

بالدعوات والسب والشتم

ونتفرج على الابادة الجماعية في فلسطين

*

واخيرا وليس آخرا

سننتقم من اي امرأة

لم تلد زعيما  يشبه الطاغية الوديع الوسيم

***

بن يونس ماجن

ليتنَا

نُصبحُ من فصيلةِ الأقزام

*

الزّهرةُ

في قامةِ النّخلة نَتسلّقُها

نجري معَ النّمل

يَسْبِقُنَا

السّلحفاةُ تمرّ مُسرعةً

نَمتطي صَهوتَها

*

أمّا عِمامةُ الحَلزون

ففي تلافيفِها ننامْ

خدًّا على خَدٍّ

ويا دُنيا

عليكِ السّلامْ…

***

سُوف عبيد ـ تونس

 

ما إن غربت شمس عام 1948، ورحل من رحل من الاهالي الفلسطينيين وبقي من بقي، حتى استجد وضع حافل بالحكايات والاقاصيص،.. وبات مساحة خصبة للأقوال والاقاويل. وقد انتشرت في تلك الفترة قصة الرجل الغول المرعب قاطع الاذن اليمنى، وكان هذا، كما تناقل الناس في تلك الفترة، قد تقدم الى سلطات الاحتلال المعنية، بطلب رخصة " جفت" انجليزي، لصيد الخنازير البرية، في الظاهر وللمواجهة اعداء له، طالما هددوه وتوعدوه بالقتل في ليلة معتمة لا قمر فيها، فما كان ممن  تقدم لهم الا ان احالوه.. من مسؤول حكومي الى اخر، الى ان توقف في غرفة ضيقة قبالة محقق ذي ملامح قاسية، واستمع اليه بنوع من الرهبة يقول له: سنعطيك رخصة جفت انجليزي وسوف نفتح امامك المجال واسعا لصيد ما تود اصطياده من الخنازير البرية، شريطة ان تتعاون معنا، في انهاء ظاهرة المهربين والقضاء عليها. عندها تصور الغول نفسه يتقلد الجفت ذا الخرطوش الرش، على كتفه ويعتلي جيبا المانيا مصلوبا على بوزه خنوص صغير، فاعجب بنفسه، وتوجه من فوره للمحقق قبالته بنوع من تصعير الخد والصلف.. سائلا اياه عما إذا كان بإمكانه ان يتمادى في طلب كرمه فيزوده بجيب يرتاد به الجبال وينزل الوديان بحثا عن المهربين. أيقن المحقق المنكح انه امام متعاون حقيقي، وانه بإمكانه ان يعتمد عليه، فأرسل نحوه نظرة غامضة، وهو يقول: وهو كذلك، فما كان من الغول الا ان سأله ليتأكد مما سمعته اذناه، هل انت محق بوعدك هذا؟ فرد المحقق بصلف أكبر: تعال غدا لتأخذ الجيب. احنا بنلعبش.

في صبيحة اليوم التالي المبكرة، وفد الغول الى مركز الشرطة في القشلة، وحاول ان يدخل ليأخذ الجيب الالماني الموعود، فما كان من حارس المركز الا ان رده مهددا اياه بإطلاق النار عليه، إذا ما تمادى وحاول الدخول بالقوة. ارتد الغول الى الوراء. وسوى منطقة استخرجت منها المناجذ عدة اكوام من التراب ونام عليها وهو يرسل انظاره المترقبة الى فروع شجرة الزنزلخت فوقه. استسلم الغول الى النوم، وحلم انه دخل الى مركز الشرطة ورأى الجيب ينتظره هناك، لكن ما إن اقترب منه ليضع يده عليه، حتى شعر بمحركه يدور بقوة، وبه ينطلق بعيدا.. كان ذاك كابوس، دفعه للنظر في ساعته ليلاحظ ان الوقت قد مضى وان الشمس قد تعالت.

حمل الغول نفسه ودخل الى مركز الشرطة، وتوجه هذه المرة الى غرفة المحقق ذاته، ليفاجئه هذا مرحبا ومهللا ومخبرا اياه ان رخصة الجفت الانجليزي والجيب الالماني حاضران. افترشت الابتسامة وجه الغول، وقال للمحقق قبالته، ما المطلوب مني؟ كيف على ان اتصرف؟ فنفر به المحقق قائلا: عليك ان تلاحق المهربين في كل مكان وموقع، وان تقتلهم بلا رحمة. وطلب منه ان يأتي اليه بالأذن اليمنى لمن يقتله منهم ليتأكد من انه قتله. وزيادة في الاقناع اردف المحقق يقول: انني اطلب منك هذا الطلب الصعب لسبب بسيط هو انه يوجد هناك من هو اعلى مني.. ومن حقه ان يتأكد أنك اديت واجبك على النحو المرجو والمنشود.

بعد وقت قصير تمنطق الغول بالجفت الانجليزي، وركب الجيب الالماني، وانطلق باتجاه بيته. هناك استقبله اهل بيته بالبِشر والسرور، وتوافدوا واحدا وراء الآخر لتهنئته بما صارت اليه احواله من راحة ونعيم. ومع هذا لم ينم جيدا، وتصور نفسه يطلق النار على مهرب هرب منه، فيسقط هذا ارضا ليقترب منه ويطلق مرة اخرى وسط استغاثته ودموعه، الا انه يبادر لتنفيذ المهمة المنوطة به.. يستل السكين المشحوذة جيدا ويقتطع اذنه اليمنى. عندما هاله ما تصوره خاطب نفسه قائلا" كل شيء في البداية يبدو صعبا".

وهكذا كان.. انطلق في اليوم التالي باتجاه الخط الحدودي، ولبد وراء صخرة كبيرة بانتظار صيده الاول.. ومضى الوقت دون ان يفد احد، وعندما اقترب المساء، اقنع نفسه انه لن يعثر على ما انتظره وترقب حضوره، وما إن تحرك في موقعه محاولا الانصراف، حتى احس بشبح يقترب من مكمنه مخترقا العتمة والاشجار.. فعاد وانكمش على نفسه. ما إن اقترب الشبح من مخبئه حتى صوّب جفته الى صدره واطلق، لينطلق الرصاص فيخترق صدر الجسم المقترب. تهاوى الشبح امامه صارخا" يمّا"، فاقترب منه، واطلق عليه مرة اخرى، بعدها استل سكينه الماضية، واقتطع اذنه اليمنى. ومضى في طريقه عائدا من حيث اتى ومتصورا ما سيناله من جوائز وهدايا سنية لقاء عمله البطولي.

تكرر في اليوم التالي ما وقع في اليوم الاول، اما في اليوم الثالث فقد اختلف الامر، فقد انتشر خبر قاطع الاذن اليمنى. الامر الذي جعل المهربين الفقراء يأخذون المزيد من الحيطة والحذر. عندها وجد الغول نفسه في مازق حقيقي، فمن اين يأتي بالأذان ليقدمها الى محقّقه؟.. وكان ان تفتق عقله المبدع الخلاق، عن فكرة ما لبث ان بادر الى تنفيذها. ارتدى ملابس مهرب فقير، وتوجه، بعد بحث وتنقيب، الى مهرب معروف، ليترافق هذا معه، في عملياته الخطرة، واتفق معه على ان يعطيه الربح الاكبر. المهرب فرح بعرض الغول، ومضى الاثنان باتجاه حي العرب. اشتريا ما ارادا تهريبه من سجائر وايشاربات، ومضيا عائدين عبر السهول الجبال والتلال. عندما تعب الاثنان استلقيا تحت شجرة قريبة من الحدود، ليرتاحا من وعثاء السفر، وعندما سمع الغول شخير المهرب. اقترب منه وغرس سكينه في قلبه، وعندما أحس ان روحه قد غادرت جسمه، أدني سكينه من اذنه اليمنى واقتطعها.

انتشر خبر مقتل هذا المهرب، فراح المهربون يحققون وينقبون الى ان توصلوا الى الحقيقة، الغول هو القاتل. والهدف هي اذن المهرب، وإلا اين ذهبت اذنه ومَن المستفيد منها؟ وكان ان اتخذ شيخ المهربين قرارا وقال بتصميم:" علينا ان نضع حدا لهذه المهزلة.. والا اكلنا الغول واحدا تلو الاخر".

قرار شيخ المهربين، سرى سريان النار في الهشيم اليابس، الحاضر للاشتعال، وكان ان اخذوا ينتظرون ان يفد الغول الى أحدهم لمرافقته الى حي العرب. وما إن خرج الغول من بيته متخفيا بزي مهرب، ودلّته حاسته الرهيبة المدربة على احد المهربين، حتى اقترب منه، وعقد معه صفقة، تقضي بان يترافق الاثنان في عملية تهريب كبيرة، يكون فيها نصيب المهرب اكبر. ابتسم المهرب وهو يستمع الى كلام الغول المتخفي، وقال له "تمام افندم".

عملية التهريب جرت بدقة واحكام، بالضبط كما خطط لها الاثنان، وعندما تعبا في طريق عودتهما، اخذ الغول في التثاؤب، في محاولة منه لان يدفع مرافقه الى النوم، فاخذ هذا في التثاؤب، وافتعل النوم، بل انه راح يرسل شخيرا شديدا.. عندها فتح الغول عينيه، استل سكينه بسرعة وما ان رفعها ليغرسها في صدر مرافقه المهرب، حتى شعر بشيء يخترق اضلاعه.. وضع يده متحسسا هذا الشيء.. واندفع الدم متدفقا غزيرا من صدره.. غامت الدنيا في عيني الغول.. فبادره المهرب بطعنة اخرى.. واعتلاه.. موجها سكينه الى اذنه اليمنى بالضبط.. ومجتثا اياها من مكانها. وضع المهرب اذن الغول في فمه.. وفي منتصف الليل قذف بها قبالة مركز الشرطة.. ومضى مختفيا في ظلام الشارع.. والاشجار.

***

قصة: ناجي ظاهر

عجبٌ عجبْ ..

تتهاوى كلماتُ من فسيح العبثِ

وتهفو بينَ عينيها

كرفيفِ الهدبْ..

ثم تمضي على خافقٍ من جليدٍ

يثيرُ الغضبْ..

**

فماذا تقولُ ، إذا ما الفؤادُ تلظى

وبانت شراينه كاللهبْ..؟

أتغرس رأسك

في رمالِ الزمانِ الكسيح

يدوس على ظهرك

كلُ من هبَ ودبْ..؟

**

تخاتلُ في وضوحِ النهار

وتشكو هموم الليالي القفار..

وتغمض جفنيك عندَ بلوغِ التعبْ..

ثم ، تصغي، كما لو تناءى إليك

نداءُ البقاءِ

وهمس الدعاءِ

وصخب العتب..؟

**

أراك تصرخ في العراءِ،

ولا من سببْ..

يعيد لك الصحو والعنفوان

وكأس النخبْ..

**

عجبٌ عجبْ

تحاول أن تطاول هذا الزمان الكئيب

بأنشودة قد طواها الخببْ..َ

**

دعوني أحاور هذا الكسيح

ومن دون أن أستبيح

هموم العذارى..

في زمان يشتكيه السكارى..

" سكارى وما هم بسكارى "

كلام يشاغله واقعاً

بينَ بينْ

بين القذى والشذى

واقعٌ مستباح بدون عمد..

يهز البيان

فكيفَ نُصلِحُ المِلحَ إذا الملح فسد؟

**

وإذا الكيلُ طفح

وإذا الويل جنح

وإذا السلم ذبح

كل نور في دياجير

السموات العجب..؟

* * *

د. جودت العاني

02/12/2023

صرخت وسقطت أرضا. غابت عن الوعي، اقتربت منها ابنتها نوال، حاولت اسعافها. ارتبكت، بحثت عن هاتفها، اتصلت بوالدها. هاتفه مقفول كالعادة. عندما يغادر البيت الى العمل أو المقهى، يقفل هاتفه ولا يهتم باحتجاج ابنته أو زوجته التي قالت له يوما في عز غضبها "أكيد سأموت بسببك. كيف سنتصل بك إذا كنا بحاجة اليك؟".

اتصلت نوال، بالإسعاف وهي ترتجف وتنام بين الغضب والخوف والحزن. كان لصراخها وخوفها على والدتها "نادين" الأثر القوي على ذلك الصمت الليلي الذي كان يخيم على المكان. سألتها جارتها: "أين والدك؟" احتارت في الإجابة، ونامت دمعة ثائرة بين مآقيها، وقالت محاولة تلميع صورته:" انه مسافر، لقد اتصلت به وسيحضر بعد قليل."

مكثت طوال الليل الى جانب والدتها نادين، تمسك يدها وتحضنها. وفي نفس الآن، تلقي نظرة على هاتفها ربما يحن والدها لصراخها الذي مزق هدوء ذلك الليل الصيفي. ظلت نادين، غائبة عن الوعي، لكن رفضت ابتسامتها التي لازمتها في أحلك أزماتها معه أن ترحل، كأنها حارسها الأبدي من كل مكروه. فتحت عينيها ببطء شديد، نوال ابنتها على جانب السرير وهاتفها بين يديها. مسحت بيدها على رأسها كأنها تقول لها، "أنا ما زلت معك، لا تخافي انني اقوى من غياب والدك."

كان يوما خاصا، لا يشبه باقي الأيام العادية بالنسبة لنادين. يوم التقت بزوجها أحمد. كانت تركض في الشارع وتصرخ بكل قوتها الى جانب باقي المتظاهرين رافضين التضييق على حرية التعبير. نادين، كانت تخطو ببطء في عالم الصحافة، تهتم كثيرا بكل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بالبلاد، وتحلل وتطرح الأسئلة كمن يبحث عن ابرة في قش. كانت ترفض أن يزج بها في الجريدة بخانة الطبخ وتموت كل طموحاتها السياسية والفكرية. الكتابة بالنسبة اليها كالهواء والماء، لا تستطيع أن تتنفس من دونهما. كانت تجري وترفع صوتها، يعلو في الفضاء كسهم محارب يدافع عن أرضه. أثناء المسيرة الاحتجاجية، اقترب منها شاب وسيم ويظهر على ملامحه الجدية والمسئولية. سلم عليها وقال لها" ان حرية التعبير هي عنوان تقدم الشعوب." ابتسمت وتابعت سيرها العنيف الذي يحمل رغبة شديدة في تغيير الوضع المأزوم. كانت تدك الأرض برجليها دكا، كأنها ترغب في اختراقها واخراج ما بباطنها حتى تختلط الأشياء وتولد البلد من جديد. لم تجبه، ظل ماشيا الى جوارها. وقال لها " أنا أيضا كنت من المؤيدين لهذه المسيرة الاحتجاجية."

طل يوم جديد على نادين وهي بالمصحة، نوال ابنتها نائمة الى جانبها على سرير آخر. فتحت عينيها وهي تتأمل أن تجده الى جوارها وتفرح بتلك الابتسامة التي أسرتها يوما. جالت بنظراتها داخل الغرفة، كأنها تبحث عن شيء مفقود منها. رمقت ابنتها، نائمة بشكل غير مريح، من شدة التعب والخوف. فهي لم تفارقها وكانت كالمجنونة تريد أن تفهم ماذا أصابها بتلك السرعة. مسحت الغرفة من جديد بنظراتها المتعبة ثم توقفت عند الباب، ربما سيطل بعد قليل، ويرتمي بين يديها ويقبلها ويطلب منها العفو لأنه كان مشغولا وكان هاتفه مقفلا.

بعد انتهاء المسيرة، كانا قد تبادلا رقمي هاتفيهما، وتواعدا على اللقاء. كثرت لقاءتهما وتعودا على بعض. و لا يمكن أن يمر يوم دون أن يلتقيا. استيقظت نوال مفزوعة على صوت الممرضة التي أتت تبلغ والدتها بأن حالتها قد تحسنت ومرحلة الخطر قد عدت. بكت كثيرا من فرحتها وقبلت أمها التي كانت بالأمس بين الحياة والموت. استسلمت نادين، من جديد الى حنين الأمس وتركت الحرية لنظراتها ترحل وتنتظر قرب باب الغرفة على أمل أن يظهر أحمد. ستغفر له كما عودته على كل هفواته وغياباته. ستغفر له صمته الطويل بالبيت وانزواءه بغرفة الجلوس مع هاتفه. ستغفر له اقفال هاتفه كلما غادر البيت كأنه يرغب في الانسحاب من حياتها والذوبان في عالم آخر. ستغفر له لأنه الحب كله بالنسبة اليها. وكان دائما يقترب منها ويحضنها ويهمس لها بين أنفاسها على انها هي الحب كله. وتبتسم وتبدأ صفحة جديدة كمن يولد لأول مرة ويرى الدنيا بعينين حالمتين باحثتين على الأمل والحياة. سألت نوال بصوت يحمل أثار الألم والحزن: "ألم يتصل والدك؟"

نظرات نوال قلقة لأنها كانت تتمنى أن تسمعها الجواب الذي ترغب فيه. لكنها حاولت ان تختار أحسن الكلام، حتى لا يكون صدمة قوية على روحها كمن سقطت عليه صخرة من أعلى قمة جبلية، وقالت لها "أكيد سيتصل يا ماما، أنت تعلمين أنه يقفل هاتفه كلما خرج من البيت. أكيد أن هاتفه مازال مقفلا."

لكن نادين كانت تدرك في قرارة نفسها بانه بالبيت. وبأنه سعيد هناك لوحده، وبأنه يعد طعامه لوحده، وبأنه يتنقل بين التلفاز وشاشة هاتفه. أو ربما فرح فرحة العمر لما ولج البيت ولم يجد من ستمطره بالأسئلة التي يكرهها ويعتبرها كاستنطاق بوليسي. أو أنه نائم كما تعود دائما، لما يعود في آخر الليل ويدلف داخل غرفته وينام. ظلت حبيسة أسئلتها وتكهناتها طوال اليوم. تحسنت حالتها وأمر لها الطبيب بمغادرة المصحة على أن تهتم بصحتها كثيرا وتبتعد عن كل الضغوطات.

كانت مستلقية على السرير في انتظار ابنتها، سافرت بذاكرتها خارج الغرفة، توالت المسيرات الاحتجاجية السلمية والرغبة في تغيير الحصار المفروض على حرية التعبير التي أصبح كالكمامة على الأفواه. كان هناك الى جانبها، هتافات ولافتات وحماس شعبي ترتعش له الأبدان والعقول. في لحظة جد مفاجئة، حوصروا برجال الأمن وتم القبض عليهما على أساس أنهما يساهمان في الفوضى والشغب. تم الافراج على نادين فيما بعد وظل أحمد محبوسا أسبوعا كاملا. تذكرت كيف كانت تقضي يومها وليلها في انتظار الافراج عنه. شاخت قدميها ودمت أصابعها من كثرة الوقوف والذهاب والإياب. لم تمل ولم تيأس لأنها كانت مؤمنة بقضيتهما وكانت مؤمنة أيضا أنهما يمارسان حقوقهما الدستورية ولم يساهما في أي شغب. بعد أسبوع، كانت هناك، تنتظره، وجدت عددا كبيرا من الناس فيهم الأب والأم والأخت والصديق، كل واحد جاء يحمل بين يديه قلبه في انتظار سماع خبر الافراج الجماعي. تجمهر كبير، حجب عليها الرؤيا، رؤوس تتمايل يمنة ويسرا، تتعالى في الفضاء، أيادي تنادي وأصوات تصرخ. اشتبكت الحناجر والأحاسيس واهتز المكان. كل واحد ينادي على قريب له. حالة من الذعر والفرح والدموع. كانت نادين في آخر الصف، تنتظر وتترقب كمن ينتظر نتيجة الامتحان. طل بقامته الطويلة وشعره المشعث، كانت تحب فيه هذه الفوضى المستوطنة لجسده، كان لا يهتم بتناسق الألوان في لباسه، ولا بتسريحة شعره، كان يعتبر كل هذا ترفا لا فائدة منه. كان يبحث بين الجموع عليها. سرت قشعريرة بين ضلوعها وارتفعت نبضات قلبها وانطلقت كالسهم تخترق الصفوف وتبحث عن منفذ يوصلها اليه. سمع صوتها، التفت، ارتمت بين أحضانه وتمنت ساعتها لو أن الزمن توقف حتى تعيش تلك اللحظة القوية وتختبئ بين ضلوعه. قبلها وقال لها" لم أكن أدرك أنني أحبك كل هذا الحب؟".

دلفت نوال داخل الغرفة، تساعد والدتها على جمع حاجياتها ومغادرة المصحة. سألتها من جديد، وصوتها يحمل كل الأمل " هل اتصل والدك؟" ترددت نوال في الإجابة، حاولت أن تغير دفة النقاش مستغلة وضعها الصحي وما قاله لها الطبيب. لكن صمتها أشعل النار بداخل قلبها المرهف، وأعادت السؤال على نوال. توقفا قليلا خارج باب المصحة، في انتظار سيارة أجرة. حضنت نوال والدتها وقبلتها وقالت لها" أعلم أنك تتألمين لغيابه الدائم وعدم اهتمامه بك أو بنا، لكن يا أمي، والدي حنون جدا وطيب جدا غير أنه له طبائع لا تحتمل. أرجوك، لا تهتمي. أنا معك"

كانت نوال تعلم أن الأمر ليس بهذه السهولة، فقد جعلت منها الأيام الماضية، شاهدة على صراع مستمر بين والديها وخصوصا غياب والدها المتكرر واقفاله لهاتفه كأنه يتحلل من كل مسئولية. لم تفهم سبب سلوكه حتى نبتت برأسها فكرة التجسس عليه. فهي تخاف من الغد الذي لا لون له، فأصعب شيء على النفس هو عدم معرفة المجهول الآتي. فهي تحب والديها وتخاف على أمها من الانهيار. وتكره كما يكره كل مظلوم أن يعاقب ظلما، أن يفترقا يوما وتعيش بين بيتين وعطلتين وحياتين، فبيت الأسرة هو وطنها الذي تعلمت فيه أولى خطوات الحياة، ونطق فمها أولى الحروف ولعبت فيه أولى لعبها. فهي ترفض بتاتا أن يهدم أو يبنى في مكانه بيتا آخر. "الوطن لا يموت "كانت تهمس دائما لروحها لما تكون تقتنص بعض لحظات الراحة والمتعة النفسية بعيدا عن كل ضجيج وصداع الرأس. لكن هذه الفكرة لم ترق لها، هل تحادثه في الموضوع حتى تفهم ما يجول بخاطره. ظلت حبيسة حيرة استوطنت عقلها وسلوكها، حتى وهي في المصحة مع والدتها، كانت الأفكار تطاردها كما يطارد المجرم من العدالة.

وصلتا الى البيت، والأسف يسكن ملامح نادين كأنها تتساءل كيف استطاعت ان تتعايش مع كل هذا الإهمال العاطفي كل هذه المدة دون أن تدري. كيف انساب الزمن من بين يديها حتى استحالت الى جسد يرتعش وتعلو حرارته وتنخفض، دلفتا الى الداخل، كان هناك، يتأهب للخروج. كأن شيئا لم يحدث. أو كأنه يعيش وحيدا. زارها هذا الإحساس لما كانت بالمصحة، فقط حاولت أن تغالط نفسها وتتمنى أن تعيش لحظة من لحظات الأمس. لم تفهم نادين كيف تحول الى شخص آخر يحمل كما كبيرا من العنف النفسي، فهاجمها بسيل من الأسئلة، ما استطاعت أن تتذكره من كثرة أسئلته التي تساقطت عليها كما تتساقط الأحجار من الجبال أثناء فصل شتاء قاسي. قال لهما "أين كنتما؟ تركتما البيت دون أي اخبار أو حتى ترك رسالة صوتية؟ ما هذا الاستهتار؟ أنا أرفض هذا السلوك ...؟" وخرج كالعادة، وأغلق هاتفه كالعادة .

***

أمينة شرادي

أحيــــــاناً

تغسلني الحُمَّى

بِذَنُوبٍ

من لغة عُظمى !

*

أحيــــــاناً

يَغمُرني ضبابُ:

أنت حُضورٌ

وهُمُ غيابُ

وحدكَ شَرَفٌ

وهُمُ قِحَابُ

تَزْني بالوجِهِ وقَاحَتُها

وبِعَوْرتِها

يزني غِــــرَابُ!

*

أحيــــــاناً

من دونِ شِبَاكْ

أسماكي

تَصْطادُ غَبَاكْ !

*

أحيــــــاناً

يَدُها تَطلُبني

مايعني :

سِرَّاً في العَلَنِ

على سُنَّةِ فَنِّي اليَمَنِي !

*

أحيــــــاناً

تَنْزِفهُ البَسْمَةْ

مُتَّشِحَاً

بِحَصِيرِ اللُقْمَةْ !

*

أحيــــــاناً

أَرَقي.. لا العِلَّةْ

يُسْهِرُني

وينامُ كـ(دولةْ)!

*

أحيــــــاناً

في الوقت الضائعْ

ينقلِبُ الوضع فظائعْ!

*

أحيــــــاناً

يكتُمُني غَيْظي!

*

أحيــــــاناً

يتآمر ضِدِّي

ظِلِّي...

وبقية جُنْدي!

*

أحيــــــاناً

صَمْتي مَدَاري

فيهِ أُديرُ...

فيهِ تُـــدَارُ

مهما لفُّوا

عَلَيَّ وداروا!

*

أحيــــــاناً

يُنْجِبُني يأسي :

(أَمَلاً)

لِخلاصِ المَنْسي!

*

أحيــــــاناً

تَنْبَسِطُ أمامي

أدواتي

من غير لِجَامِ

فأفِرُّ منها..وإليها

ويطولُ مُقامي

وكلامي!

*

أحيــــــاناً

باسْمي يَتَسَوَّلْ

مسؤولونَ

بِرُتْـــــــــبَةِ (أوَّلْ)!

*

أحيــــــاناً

تختبئُ الغُرْبَةْ

في جيبي

خوفاً من غُرْبةْ!

*

أحيــــــاناً

يَشْرَحُ لي الأبْــكَمْ

جملة إعرابٍ مُبْهمْ:

(زُعَمَاءٌ:

عَرْشٌ مرفوعٌ...

مُغٰتَصَبٌ...

مَبْنِي على الدَّمْ)!

*

أحيــــــاناً

تتلو

أحيــــــاناْ:

أثوابٌ:

تكسو عُريــــاناْ

مائدةٌ:

تُشْبِعُ جوعــــاناْ

ساقيةٌ :

تروي ظَمْــــــآناْ

سُنْبُلةٌ:

تَحْمِلُ (ذُخْرَاً)

يُكْمِلُ...

ماقد كانَ...وكانَ!

قافيةٌ:

تحمي أوطانا

إنســـاناً

من حيثُ تَرَانا

تهدينا سُبُلاً وأمانا

وتَدُوسُ عُروشَ زَنابيرْ

وأنوفَ مُـــــلوك زَنانِيرْ

ولِحى عُبَّـــــــاد دنانيرْ

وتُوَفِّرُ طَيْرَ أبابيلٍ

تَرميهم...

وتبيدُ كيانا!

*

أحيــــــاناً

تتلو

أحيــــــانا

***

محمد ثابت السُّمَيْعي - اليمن

كثيرة هي شظايا النفس خاصة عندما أتذكر صورتك التي كدت أحطمها في لحظة شك بأنك رجل تبحث عن الدفئ النفسي في غير صورة من العالم الذي بَنَيته من أجلك، لا ادري كيف تحولت من أنثى عاشقة الى إمراة نالت منها الغيرة والشك كداء الحصبة!؟ لا يفتئان يثيران الحساسية في نفسي فأعمد الى مراقبة تحركاتك، الهاتف الذي تحمله ، الملابس التي ترتديها، العطر الذي تضعه، حتى حلاقة ذقنك في غير مواعيدها كانت موضع شك، غدوت ما لم قد بدوت لك كالكابوس الذي يجثم على صدرك ليل نهار، لكنك كنت عكس كل ما توقعته منك هادئا، باردا، لا يثيرك كل ما أفعله حولك، لم تحاول ان تسألني عما افعله، حاولت مرارا أن أثير حنقك فقط كي استشف من عتابك او ردك علي بأن لا يوجد في حياتك أنثى غيري لكنك قلبت موازين غيرتي حولتي الى عبارات رثاء كنت اراها في عينيك وانت تتأسف الى تحولي المجنون.. حتى تلك الليلة التي وجدتك عازما على الرحيل وانت تمسك بحقيبة ثيابك وقد بلورت وأطرت مللك وجزعك بالقول بأنك ستسافر في رحلة عمل، كنت وقتها قد أدركت تماما أني جرحتك بعمق وغرت في لكز الجرح الذي تقرح ولم يعد تقيه او تشفيه كل أدوية العالم... جن جنوني فصرخت بعد امسكت بيدك كوة الباب لتخرج... ارجوك حبيبي اسمعني للمرة الأخيرة، عاملني مثل أحد المجانين في المركز النفسي الذي تعمل فيه فإن لم تقتنع بقصتي إرحل بسلام حتى لا اطلب منك ان تتراجع في قرارك بل لا تلتفت إلي، اعلم جيدا اني هتكت ستر ميثاق الثقة التي بيني وبينك، وأدرك أني قد زدت في الكيل بصواع الغيرة والشك حتى فاقت العير التي تحمل صبرك الى ان فاضت فصرخت دون صوت أنني نلت من كل موازين الثقة ومعايير التعامل الانساني، الكيل زاد وأثقلت كاهلك بترهات الشك، قبل ان تخرج أترك فسحة لي، تذكر من خلالها أنثاك التي أحببت ولا زلت تحب كما أحسب، ساعات كثيرة كنت دميتك وطفلتك المدللة، يا ليتني ما تبعت شيطان الشك في نفسي، اقسم لك لقد أغواني بوسوسته جعل صور الخيانة لوحات فان كوخ او رواية ألف ليلة وليلة حين يعمد شهريار الى نساء قصره، او كما الرشيد الذي ماجن عالم الحريم... رغم أني اعلم جيدا ان عالمك لا يشغله سوى المجانين او ذوي الحالات النفسية... لعلي تأثرت بهم كوني ظننت أنك تعاملني كاي احد المرضى الذين يرتادون المركز النفسي، جنون ما أقول أليس كذلك؟؟ لكن صدقني وانا اقف الان موقفي هذا اشعر بالخجل من نفسي، حتى اني حطمت مرآة زينتي لانها تعكس صورتي البشعة التي بت عليها لا لن أكون كذلك، سأغيرها سأعيد صورة أنثاك الأولى التي احببت حتى انا ونفسي اشتاق إليها، أمنحني الفرصة الأخيرة، ساير غيرتي لأنها من اجلك وأجلي فلا تنسى في بعض الاحيان الغيرة ملح العلاقة الزوجية غير ان اعلم قبل ان تلتفت او تجيب أني جعلت من حياتك مالحة الى حد انك لم تعد تطيقها، ارجوك اترك لي مساحة من العذر، والقي بضفاف مشاعرك على أنسانة هي انثاك، تقبلها على عيبها، عالجها بحنانك وعطفك، ضمها الى صدرك كي تشعرها بالامان والطمأنينة، من الاخير خذني على قدر عقلي فما تصرفت بغير عادتي فأنا إمرأة غيور على من تحب وتعشق، ها انا بحت مافي نفسي إليك وانت الان صاحب القرار إما ان تصعقني بردة فعلك وتكتب لي وصفة الحياة او أتركني فريسة ظنوني والشك ليأكلني حتى أتخلص نفسي الى الابد.

***

القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي

 

الرماديونْ ...

صفرُ الوجوهِ

سودُ القلوبِ

وعيونُهم آهِ العيونْ

مثقوبةٌ بمخالبٍ ومخارزٍ

ومثاقبٍ مسعورةٍ

ولذا فهُمْ لا يُبصرونْ

في مرايا الحقِّ

والأَقدارِ والأَسرارِ

ولا يَرونْ

في كتابِ الغيبِ

لا وجوهَهمْ

ولا قلوبَهم

ولا عقولَهم

الطاعنةِ في الشكوكِ

والصكوكِ والمآربِ والظنونْ

*

الرماديونْ...

دائماً غامضونْ

وحاقدونَ وكاذبونْ

وسارقونْ وخائنونْ

وليسَ لهُمْ علاقةٌ صِلَةٌ

بوطنٍ مُحْتَضِرٍ

وشعبٍ مُنكسِرٍ

ولا بأُمهاتٍ ولا أَخواتٍ

ولا بأَطفالٍ مرضى

ولا بآباءٍ فقراءٍ لايجدونْ

مايُطعمونَ بهِ بطونَ العائلةْ

في هذهِ الحياةِ العاطلةْ

وفي هذا العالمِ المجنونْ

*

والرماديونْ ...

هُمْ جاحدونَ وناكرونْ

ومُلحدونَ وكافرونْ

ولا يعرفونَ اللهَ والحقيقةَ

والملائكَ والرسالاتِ

ولا هُمْ يحزنونْ

لأَنَّهُم رماديونْ

***

سعد جاسم

 

نظرتُ إليكَ

بِعينٍ تُطالِعُ وجهَ القمَر

وفي هالَتيكَ تجلّى السَحَر

وأنتَ البعيدُ

وبينَنا شوقٌ طويلٌ

حملتُ على راحتيه

متاعَ السفَر

رسائلُ دمعي

تغنِّي إليكَ نشيدَ المطر

وفي كلّ سطرٍ حروفُ الفِراقِ

قوافٍ تناغي خميلَ الزَهر

فأنتَ الربيعُ البهيُّ الجميل

وأنتَ النسيمُ المهيبُ العليل

متى جنّ وجدي بلَيلِ

الشجون

ودونكَ ماذا تُراني

أكونْ؟

وبينَ ضلوعي صمتٌ حزين

تعالَ إليّ قُبيلَ الصباحِ

وقبلَ المساءِ

لأمسحَ بالحبِّ كلَّ الظنون

لترخي الليالي عليّ النجوم

ونعزفَ لحنَ هوانا القديم

بِناي الجنوبِ، بظلِّ النخيل

***

منتهى صالح السيفي...

أمير الخَلْقِ في خُلقٍ ودينِ

أتى بالوحي والخبرِ اليقينِ

*

بأنَّ الّلهَ ليسَ له شريكٌ

ولا زوجٌ تتوقُ إلى البنينِ

*

إذا ماشاءَ يخلقُ أيَّ شيءٍ

يكونُ الأمر ُفي كافٍ ونونِ

*

لقد خلق السماءَ وما تلاها

وأحْكَمَها بإتقانٍ رصينِ

*

وقد خلق الخلائقَ من فراغٍ

وآدمُ  صارَ من ماءٍ وطينِ

*

رسول رحمة للناس طرّاً

ويرشدُهم إلى الحقِّ المبينِ

*

بإنَّ عبادةَ الأصنامِ كفرٌ

وجهلٌ قد دَهَاهُمْ من سنينِ

*

ولم يطلبْ جزاءً أو شكوراً

ولا مُلْكاً يُسَوَّرُ بالحصونِ

*

فقالوا ما عهدنا منك زوْراً

تُكَنَّى بالصّدوقِ وبالأمينِ

*

ولدنا  هكذا الآباء كانوا

وأجدادٌ لنا عبرَ القرونِ

*

فكيف  نحيدُ عن عرفٍ تتالى

ونتبع ماأتيت من الظنون

*

فخُذْ  ماشئتَ من خيلٍ ومالِ

وكُنْ ملِكاً إلى وقتٍ وحينِ

*

فدعْ عنك الظنون وعُدْ إلينا

وعشْ ماشئت مرفوعَ الجبينِ

*

فقالَ لهم بإيمانٍ وعزمٍ

خذوا  أموالَكم هيّا اتركوني

*

فلو تضعونَ نجماً في شِمَالي

وشمساً لاتغيبُ على يمني

*

محالٌ أن أخالفَ أمرَ ربّي

وأتبع همْزشيطان لعينِ

*

سأمضي  في الهداية لا أبالي

ولو كان البديلُ لها وَتِينيى

***

عبد الناصر عليوي

 

أصافحُ ليلكَ نجمةً نَجمةً

وقَمري لا ينطفِئُ

إلاَّ بينَ وطني

أتماهَى مع روحِكَ..

عطراً.. عطراً

ينسابُ  شَلَّالُ  وَردٍ

مِنْ وجنَتيكَ..

أُغازلُ الأملَ فجراً.. فجراً

يبزغُ  يَمامَة  ضوء..

مِن عينيكَ

تَستَديرُ أيقونةُ القِيامَة

تشهدُ انبعاثَ العِشق

وعودةَ قَيس إلى لَيْلَاه

سأُجَنُّ بِكِ: قال

قُلتُ:

ما أحوجَ الأرضَ لِشَمس ِالمَجانين

***

سلوى فرح - كندا

 

(تطويع شعري لقصيدة لوركا)

لا أنسى خِصْرُكِ حينَ أطوقه

لا أنسى صَوْتُكِ عبرَ مسافاتِ

الزمنِ المسحوقْ..

لا أنسى أبداً حُلُمي المشنوقْ..

في زحمةِ ساعاتِ الليلِ

حينَ تخونُ عيوني النومَ

أحاولُ أنْ أجمِعَ ذاكرتي

فوقَ العشبِ

وفوقَ رصيفِ الشارعِ

في المقهى

ما بينَ الرملِ وأمواجَ البحرِ

لا أشعرُ أني في هذي الدنيا معتوقْ..

**

شيءٌ يرميني في غيهبِ أفكاري

يسترجعُ أطياف نهاري

لكني، أكتمُ صوتي

حينَ أحدقُ في هذا الوهمْ

لا  أنتِ

ولا خِصْرُكِ

لا صَوْتُكِ

يشفي جموحي ،

ويضيء متاهات حبوري..

ليتسعُ الصمتَ بأرجائي

**

بينَ يدي وحناياك

يتسعُ الكون

كما لو كانَ وداعا

بينَ القمةِ والسفحْ ..

كما هي حفنة ملحْ

في عيني تحرمني النومْ

**

ثلاثةُ أشياءٌ تشقيني

صمتٌ يجتاحُ جموحي

وفراغُ القمة من حولي وسفوحي

ووداعٌ قد يفضي صوبَ المجهول

لكن ، هل يشفي قلباً قد ماتْ..؟

وهل يمكنُ وقفَ الغيمةُ

حينَ تعاجل،

أنْ تذرفَ فوقي زخاتْ..؟

***

د. جودت العاني

04/11/2023

كنّا ننتظر بفارغ الصبر ارتفاع صوت شخير جدتي، وانشغال والدتي بأعمال المنزل كي نتسلل خلسة إلى صالة الضيوف، وهي أكبر غرف المنزل مساحة، متشوقين إلى الدخول إليها، للّعب والاختباء خلف طقم كراسيها الفارهة والمزيّنة بتيجان طليت باللون الذهبي، ونقوش حفرت بدقة عالية. حذرين من الاقتراب منها والجلوس عليها، تجنباً لغضب والدتي وتحذيراتها المستمرة وتوبيخها لنا، وهي تردد قائلة: إنه طقمٌ (أسيوطي) نادر. لم يكن وحده نادراً فحسب، بل كانت هناك تحف ثمينة من الكريستال حُفظت داخل (فاترينة)، وهي خزانة من الزجاج لها أربعة أرجل من خشب الصاج، يمنحك شكلها وأنت تقف أمامها شعوراً بأنك داخل أحد المتاحف، لا ينقصها لتبدو كذلك سوى لوحة تحذير تُوضع بجانبها ويُكتب عليها ممنوع اللمس. كما تحتوي الصالة أيضاً على صورة كبيرة لجدّي تتوسّط إحدى جدرانها، وهو يعتلي صهوة جواد أبيض بزيه العربي وكأنه أحد رجال ثورة العشرين. وأكثر ما كان يجذبنا في هذه الصالة هو تمثال مصنوع من الجبس يقف منتصباً في إحدى زوايا الصالة لامرأة تحمل فوق رأسها جرّة من الخزف، نُحت جسدها بشكل أبرز جمال صدرها النافر وخصرها النحيل وانسيابيتة،  تقف ممسكة بيدها أحد طرفي ثوبها الطويل ليكشف عن جمال ساقين ممتلئتين مبرومتين بعناية، وحين تنظر إلى وجهها ترى عينين رُسمتا بدقة عالية تحدّقان في كلّ من ينظر إليها طويلاً. ربطت والدتي تمثال المرأة بشريط ٍ لفّته حول خصرها بجانبِ أحد الكراسي، خوفاً عليها من الكسرِ! أو ربما خوفاً من أن تتسلل إلى غرفة والدي وتضاجعه ليلاً!! كنت أنا وأخي طوال الوقت نرقب باب الصالة، كي نقوم بالاقتراب منها ولمس ثدييها وساقها المكشوف المثير، والنشوة تغمرنا. (ما هو غير ذي حاجة عند غيرك قد يكون ذا حاجة مهمة عندك)، كانت نظرتها الصامتة تجذبنا، بل تغوينا وكأنها تدعونا إلى الرقص معها، كان ذلك حلمَ كلّ واحد فينا، فكرتُ في ذلك كثيراً، وقررتُ حلّ الوثاق المربوط حول خصرها، فربما يتحقق حلمي وتقوم بالرقص معي أنا فحسب. كانت تلك الرغبة ملحة لدي، ربما لأنني أكبر من أخي سناً، لكن فجأة تلاشى ذلك الحلم وتبخّر سريعاً، حين قدِمت عمّتي وحلّت ضيفة عندنا، وشغلت صالة الضيوف طوال الوقت تقريباً، إذ كانت تقضي نهارها في الصلاة والتسبيح محوّلة تلك الصالة إلى صومعةٍ للعبادة، وفي الليل تنام في الصالة فوق فراش وضعته لها والدتي وتريح جسدها النحيل.

تبادلنا أنا وأخي نظراتٍ حيرى بعد أن طال مكوث عمّتي، وارتفعت مناسيب الكآبة عندنا، متمنّين مغادرتها في أقرب وقت ممكن، كي نتسلل كالسابق إلى الصالة ونكون بالقرب من ذلك التمثال. وفي أحد الأيام وقد أثقل الأرقّ نومي وبقيتُ مستيقظاً حتى وقت متأخر، تناهى إلى سمعي صوت صرخة آتية من صالة الضيوف!! وكأنه صوت عمّتي، نهضتُ وهرعتُ مذعوراً نحو غرفة والدتي بالكاد تحملني قدماي، طرقت الباب طرقاً خفيفاً، فتحت والدتي الباب ورأت الخوف في عيني، تقدّمت نحوي كي تضمّني إليها محاولة تهدئتي!! قبل أن تسألني، سبقتها بالقول: اطمئني أنا بخير، حينها سمعنا صوت صرخةٍ آتية من غرفة الضيوف، أظنّ أن الصوت صوت عمّتي. أسرعت ووالدتي إلى الغرفة لنجد عمّتي فاغرة فاها مشدوهة لا تقوى على الحراك والكلام ولا حتّى الصراخ، صدمني ما رأيت! تراجعت عدّة خطوات إلى الخلف حتّى التصق جسدي بالجدار وأنا مصدوم ممّا رأيت، وقع نظري فوق التمثال، كانت نظرات عمّتي صامتة لكنها تحمل صخب الدنيا وما فيها، أسرت خوفاً في جسدي على إثره، وأسرعت إلى غرفتي، وأنا أرتعد فوق سريري من الخوف متكوراً كجنين تحت غطائي، ولم أعلم ما حصل لعمّتي فأنا لم أغادر غرفتي حتى الصباح. نهضتُ متجهاً إلى غرفة عمّتي للاطمئنان عليها بعد أن سمعت صوت أمّي وهي تتحدّث إليها. كنت واقفاً أنظر فحسب، منتظراً ما سترويه عمّتي بعد أن تحسّن حالها بعض الشيء. بدأت بالتحدّث بنبرة غير مستقرة، قائلة: بدأ قدم التمثال يتحرّك ويتقدّم نحوي، فركت عينيّ لاستيعاب أنّي لم أكن أحلم، لكن ما أكّد ذلك بأن تمثال المرأة اقترب أكثر مني، ومالت بجرّتها نحوي وسكبت الماء على وجهي، صرختُ، وشعرتُ بأني أغرق، على إثرها غبتُ عن الوعي ولم أشعر بشيء. صمتت والدتي بعض الوقت ثم أسرعت إلى غرفة الضيوف وكأنها تتفقد شيئاً قد نسيته، ثم عادت وأمارات الغضب تعلو وجهها قائلة بصوت مرتفع وهي تكرر: مَن حلّ الرباط الموضوع حول خصر ذلك التمثال؟ مَن؟

مِن يومها وذلك الحدث يتردّد في مخيلتي باستمرار، ويعود بي إلى وعي طفوليٍّ غابرٍ يتساءل ولا يجد جواباً عن سؤاله.

***

نضال البدري / العراق

دخل جنود محتلون على قرية آمنة، فعاثوا فيها فساداً وفجورا.. واغتصبوا كلَّ نسائها الاّ واحدة منهنّ تمكنت من مقاومة الجندي الذي جاهد لهتك عرضها، فباغتته بخنجرها، حتى أردته قتيلاً، ثم قطعت رأسه بهستيريا حتى تتغلب على خوفها من العواقب، فاحتفظت به كدليل على أنها صانت عرضها ، وقد أكسبتها كرامتها طاقة هائلة سرعان ما خارت بفعل التعب الذي داهمها بعد أن دفعت الشر عن نفسها؛ لكنها تنفست الصعداء وهي مرتاحة الضمير.

وبعد ان أنهى الجنود مهمتهم ورجعوا لثكناتهم ومعسكراتهم، وألسنتهم تلعق بقايا عسل دفعت النسوة ثمنه من قديد شرفهن المنتهك، خرجت كل النساء من بيوتهن يلملمن ملابسهن الممزقه ويبكينَ بحرقةٍ شرفَهنّ المهدور؛ الا الحرّة التي دافعت عن عرضها بإباء!

فقد خرجت من بيتها مشرئبة الرأس بملابسها الممزقة وشعرها المنتفش المغبر ووجها المليء بالكدمات والسججات، وأنفاسها المتعبة كأنها تكابد مشقة الصعود لقمة الشرف، لا تنحني للرياح الهوجاء وهي تعوي في الأزقة ناثرة عجيج البيوت المنتهكة في الوجوه المكفهرة المهزومة التي تبحث عن ملاذ، مغطية على الأسئلة المحرمة التي داستها أقدامُ نسوةٍ قصدن بيتَ المختار للاسترشاد بحكمة زوجته المشهورة بالدهاء، فتفاجأن وهن في الطريق بالحرة الأبية حاملةً رٲسَ الجنديِّ المعتدي بين يديهاُ وكلّ نظراتها عزة نفس واحتقار للواتي استسلمن للمعتدي أو شجعن على ذلك.

وصدمهنّ ما تفوهت به الحرّة معاتبة:

هل كنتنّ تظنّنّ بأنني ساترك المعتدي يغتصبني ثم أعد له فنجان قهوة دون أن أقتله، وقد نمى إليّ ما فعلت زوجة المختار حينما هيأت لقائدهم الملتقى حتى نال منها وطره من باب الرضوخ للأمر الواقع! وأعطت خادمتها الأمان كي تشهد على عفتها! خيبكن الله من صاغرات!.

تبادلت نساء القرية نظرات الخوف والاستنكار، بينما كنّ في بيت زوجة المختار التي استشاطت غضباً إزاء ما نقل عن الحرة التي أبت على نفسها الرضوخ للمعتدي.. وقررت أنه يجب قتلها حتى لا تتعالى عليهن بشرفها؛ وتفشي أخبارهن المشينة لأزواجهنّ المغبونين عند الإياب، وآخر كلمات ضمائرهن تتردد في عقولهن المسلوبة كطرق الشواكيش:

"لماذا لم تقاومن المعتدي مثل هذه الحرّة العفيفة!"

أثار الأمر قلوبهن الواجفة، وتمردن على ضمائرهن المنهارة، فَهَجَمْنَ على الحرّة بتحريض من الشيطان الذي أخذ يعربد في عقولهن وأردينها قتيلة على حين غرّة.

وبعد عودة الرجال أكلوا الطعم، فقد قُلِبَتِ الحقائق، وقلنَ بأنَّ من تدّعي بأنها حرة هي الوحيدة التي استسلمت للمعتدي، خلاف ما فعلن.

فاحتفى الرجال بالشرف المصان وساهموا في نشر حكاية من قتلها العار؛ لتدفن خارج القرية.

ليس هذا فحسب، بل نُكّلَ بزوجها المغدور، حينما تصدى للمضللين، واتهم زوجة المختار بالتحريض على قتلها، واصفاً زوجته بالشهيدة.

ولكن هل يقاوم الكف المخرز؟

إذ هوجم بقسوة، فيما أخذ يجر أذيال الخيبة والذهول يأكل رأسه، وقد داهمه الشك في رواية النسوة اللواتي حوّلن زوجته إلى مضرب للمثل في الخيانة.

وقرر أنه سينتقم من عدوه ذات يوم وفي نظره أن دائرة الجناة تتسع كل يوم.

***

قصة قصيرة: بكر السباتين

14 مارس 2024.

 

تبتلعني آخر التهويمات فأركن رغباتي في الأصيل المنثور في البعيد خلف الفاو. يتلاشى الهواء الفسيح فتختفي أبعاد الكون. يخرج نصل الخوف حاداً لماعاً يحز الصدر فينفر الدم، يختلط بالماء ثم يغطي وجه الشط. يلتصق عند جرف مدينتي فتذلني الساعة وأنا أنتظر موعداً طال أجله، غبش حلمت بـه. اهتياجات مؤجلة وأطياف ليلية حلوة.. أشحذ البصر في الظلمة باحثاً عن مدينتي وحبيبتي، والساعة هي الساعة كل يوم دون حراك.. ولكن أية التماعات مرجانية في أصيلك اليوم !؟ أيّ همس ينسل من جدرانك؟! أسراب الطيور ترحل اليوم من أقاصي الشطآن لتدخل ضياع سمائك الهلامية. عصافير فاضت دهشتها وهي تنفض زغبها فوق حواف شطك. تجدله وتتزين به.. أعرف نداءك ولم يخنّي قلبي قط، فتحت رماده نبض دفاق يسحبني نحوك فينتشي الجسد، فلا أسمع سوى هسيس سعفك المتكسر وارتطام الماء بشطآنك.

ـ ما الذي تفعله الساعة يا رجل..؟

ـ أناجيها.. أريد أن تحتمل أشواقي وفورة دمي.

ـ من هذه؟ ما الذي تخرف بـه !! اذهب وخذ قسطاً من النوم فلم يتبقَّ سوى ساعات.

ـ إذهب ونم أنت فلا علاقة لنجواي بحربكم هذه.

ساعات.. ساعات. دهور مسفوحة مثل زئبق ثقيل. ساعات يا إلهي، من أين يبدأ العائد إلى بيته، يبكي، يصمت، يمرغ وجهه بتراب البيت، يصرخ في الأزقة مع لحظة الوهج وسطوعها. ولكن ما الذي يكون بعدها؟. انفجار لقهر ركد طويلاً.. انبثاق لطيف ألوان فاقعة في الروح توالدت من صرخة مدوية كتمت في صدر هابيل وهو يستكين لحز سكين أخيه؟. أم هو صوت الفجيعة يتكسر في صدر قابيل؟

أحقاً إنها ساعات، فكيف ينام من يعد الدقائق الملتاثة دهوراً؟ يحسبها مثل أحجار ملساء صقيلة تنفلت من بين الأصابع. إذن فلأنتظر النوم كي ينام، لأسهد متوجعاً في التياعاتي، استمع لأصوات الهوام،الضفادع، دبيب الحشرات بين جذوع النخل وطيات الحشائش. طيور مذعورة. أسراب السمك وطرطشة الماء في الجداول. انفلات الجرذان من جحورها.

السماء مطرزة تتوهج نجومها في البعيد. تومض بين الحين والآخر انفلاقات القنابل ليختفي التماع الأنجم الأليف. مثل أسراب الجراد تحز الشظايا صدر الهواء، ثم توغل حديدها الساخن بين السبخ والماء والحشائش. تنغرز بارتجاف بين جذوع النخل والغرين باحثة عن شواء مستطاب. لحم يتوسلها بألم مدرار وذعر وخوف. انطفاء ضوء ثم صمت يرتحل نحو الانكفاء.

الساعة الآن هي فيض الله.. مثلما أولج الفاو الطرية بالخضرة بين السبخ والماء، تولد الآن ساعة مسفوحة فوق الدهور ترتج من هولها آكام النخل، وتتوقف رعباً المناجاة بين هوام الأرض. آلاف الأصوات المزمجرة توقظ هابيل من رقدته الأبدية لينزع عنه صوتاً كتمه طويلاً.

ـ آدم.. آدم إني ابنك المذبوح باسم الحقد والخوف والحسد والأنانية والصلف. باسم الخيبات والخديعة. باسم اللاشيء.. آدم.. إن بديع صنعك يحز رقبة ابنك الجميل.

صرخات تدوي وأقدام تضغط فوق انتفاخات السبخ الإسفنجية. ساعة الصفر تنفلت من زمنها المكبل المخبول. يتوفز فيها كل يباس الأرض ليعب الغمر المترامي، يشفط السبخ شبراً شبراً، ينتزعه عنوة ثم يمتد منتشياً مثل أخطبوط. لا يوقف زحفه ساتر ملغوم أو امتدادات الأسلاك الشائكة أو أرض مغمورة. الساعة، تأتي الريح محملة بماء الملح ليرش فوق الجباه، فيتقدم صراخ الخوف. يتناطح الشواء برهبة الموت. تتدافع الصدور جارفة أمامها كل شيء.

في فضاء شفيف من يوم قائظ من أيام الفاو خلت سماؤها من النوارس التي وقفت بعيداً في الأفق ترفّ بأجنحتها مثل رايات سود، تنظر كيف تتناطح الأجساد. كيف يطأ الجنود بأحذيتهم الثقيلة أكتاف السواتر لتتشظى أسرار الربّ وينتهك جبروت صنعته. أبناؤه، زهراته التي صنعها من تراب يدسّها إخوتهم في السبخ المرّ. أيّ ذئب استساغ طعم لحمك يا يوسف؟

أتقدم نحو مدينة فتحت ذراعيها خفية لطفلها الذي كبر في حضنها وغاب عنها زمناً. ينهمر الدمع ويدر ثدياها حليبا دافئا.

ثم..ثم يا إلهي، اقتربنا. تتلألأ ماسة حبي من بعيد فتتصاعد في الروح نشوة.. تراتيل تخرج من نور مبهر. روائح عبقة تغمر الأفق فتتهادى الروح بين نسائمها. آلهة موشحة بالورد الأبيض مكللة بالزمرد تتراقص في الأفق تناديني.

ـ ألا أيها العاشق اقترب فموعدك الساعة.

حزمة من حناء تنثر أوراقها فوق السبخ فيصطبغ بلون أحمر مشع. مباركة حناء الفاو تتعبد بها الطرق، فتنموا حشائش يدثرها الندى.

ـ ليس وقت المناجاة و الدموع يا رجل.. عليك تحاشي مصادر النيران فإنها الحرب وليس تهويمات أحلام.

ـ إخلع نعليك فأنت في الوادي المقدس.

ـ دع تخريفاتك الآن فلا وقت للهلوسة.. آه.. ألم أقل لك تحاشى مصادر النيران. انتظر مكانك..انتظر فصيل الإخلاء..أنت تنزف..

ـ مقدسة دروبك يا مدينتي..

ـ ابق مكانك.

ـ لا.. إنها تنتظرني، تملأ طبقها بخبز حار. سوف نعدّ القارب وشباك الصيد سوية. إنها تنتظر فكيف لي أن أتوقف.

ـ ولكن.. إنك تنزف بشدة.

دروب الضوء تستفز، وتلملم شتات بيوت الفاو المهدمة. الدم الحار الوقاد يبلل صدري ويختلط بتراب دروبك. أحس طعم ثمر البمبر الصمغي يغلي في جوفي. أدلك شعر صدري لتثب في جسدي روائح العشب وطراوة الماء عند السواقي في بساتينك. في أزقتك التي كبرت مع الفراق وتيبس فيها صوتي وهمسك. كريات لدم مشع تصعد في تجاويف نافذتك. سرب طيور حلـّق فوق رأسي، فأضاء الفضاء والشط. دفعت جسدي بقوة وركضت، وكانت تتملكني اشراقات صوتك وارتعاشات الهواء الخفيفة، والنوارس ترفع بأجنحتها جسدي الواهن.. لم يبق في مدينتي سوى أقدام صبية مرسومة فوق أديم الأرض. أجري بين الخرائب وأقترب من همسك، من مناجاتك.

ـ تعال يا حبيبي.. تعال.. إنك في الوادي المقدس.

ـ قادم أنا يا زينب.. مدي كفيك واحتضني وجهي. مسّدي شعري. شدّيه، فساعة الفرح مثل أجنحة العصافير المبللة برذاذ الماء. كل شيء الآن قابل للمزاح. فرح ينثال من السماء ملوّن بأشعة مبهرة تلتمع بين آكام الشجر وفوق حافة الشط. أنصتي.. اسمعي آلاف السفن تمخر عباب النهر. أصواتها تصم الآذان، وأسراب النوارس تغشى السماء مثل سحابات بيضاء. تتقاسم فتات الخبز، لا تدعه يسقط نحو الأرض. أصائل تختلط تتجمع، تنبسط. وتبر الأرض يلتمع عند حافة النافذة. اسمعي..اسمعي أصوات المجاذيف. رنينها الدافئ يملأ المدينة بأنغامه. سطع زعانف السمك يرف فوق حافات شباك الصيد، والكرب الراقص فوق سطح الماء. مدّي ذراعيك وتلمسي جرحي. رشيه وعفريه بعرق يديك. أشبكي أناملك بين أصابعي، فطرطشة الماء تغمر صدري الآن. يسحبني السمك الملون نحو العمق وسرب عصافير يلهو فوق كتفي… إنه فرح صباحات الفاو يرش صوته في ثغر الكون. إني أذوي سعادة فتعالي جواري. يشبكني (السعد) نحو برودة الطين فتلسعني طيبته. أتفتت، أنزلق عند (السرسيحة) فتضمني ذراعاك. أتأرجح مثل كتلة رخوة. أتلمس رقبتك، أشم ضوع أنفاسك، فأدس أنفي بين طيات (شيلتك) وأرغو فتتهدل السعفات تحت وطأة أقدام البلابل وهي تفرش أعشاشها بالريش الأصفر. التماع الصدف يغطي ظلام المدينة. إني أرغو بين أناملك، أبكي فضميني لصدرك. مدي دثاري في واديك المقدس.

***

فرات المحسن

 

نَكْهةُ الصِدقِ فــي القَوافي دليـلُ

انَ قــلباً صــوْبَ النـقـاءِ يـمـيـلُ

*

واذا العينُ أفْصَحتْ عن رِضاها

فـكـــلامٌ فــي المُـقـلَـتيــن يَجُـولُ

*

كُــلُ لـفْـظٍ  إنْ زوَّقـتْـهُ النـَـوايــا

دون إذنٍ مِــن الأصولِ ، ثـقـيـلُ

*

غـيـرُ مُجْــدٍ، تـصنُّعٌ فيــه وَهْــمٌ

عمْرُه الزيف فــي الحـياةِ ذلـيــلُ

*

بعدَ حينٍ، ضوْءُ الحقيقـةِ يـَروي

ما نَوى السوءُ والوِصالُ العـليلُ

*

لا تنامُ العيونُ فـي رأسِ شَهْــم

إنْ رأَتْ صارِما، بظُلمٍ يصـولُ

*

حِكمـةُ القولِ (في التأني سـلامٌ)

وخُطـى العِــزِّ، أفْـقُها التـفـعـيـلُ

*

إنْ خَطا ذو الحِجـا بعِـفـّةِ نَـفْـسٍ

يـشرقُ الأمْـنُ ، والظلامُ يـزولُ

*

سُـؤدَدُ الجهْـدِ ، في صفاءِ النوايا

وسُـموُ الـنُـفـوسِ ، إرثٌ أصيــلُ

*

رُبَّ بـيـنَ السطور، لَـمْحُ قضايـا

في نصوصٍ قــد ابدعَتْها العقـولُ

*

فيـها بُـعْـدٌ ، مـن البلاغـةِ يـروي

ما انطوى فــيـه والـبـديـعُ جميـلٌ

*

صـورٌ لـلـبــيـانِ ، فـيـهـا بــريــقٌ

يُــرْسِلُ الضوءَ ، والـنسيـمُ كـفيـلُ

*

واذا طافَ في المضامـينِ عِـطْـرٌ

مِـنْ سَـنا عِـفَـةٍ ، يَـدومُ الوِصـالُ

*

وبه الحُــبُّ يَسْـتَـقي خيرَ غَـرْسٍ

لِـنـماءٍ ، فـيـــه الـتـعـفـفُ جِـيـلُ

***

(من الخفيف)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

ليتها يوماً..دونَ عذابْ

تَجْمَعُني بحبيبٍ غابْ

*

بِزعيــــمٍ لا يَعملُ أبداً

(سوَّا قاً) عند الأغرابْ

*

بمَلاكٍ يُنحِلُني وطناً

خالٍ من بُؤَرِ الإرهابْ

*

مِنْ فِرَق ٍ شتّى..أو أحزابٍ

تسعى لخرابٍ ..وخرابْ

*

ليتها يوماً ..دون سِواها

تَرسِلُني عَبْرَ الأهدابْ

*

لقلوبٍ  تدعو  بسلامٍ

لسلامٍ..والحُب جوابْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي - اليمن

24/2/2017 م

 

كانت نوال تجهل زوجها، وتجهل نفسها أيضاً، فزوجها الذي لا تكاد تعرفه، لا يأنس إليها، ويتحدث معها ويطيل الحديث، إلا حينما يود أن يضللها، ويصرفها عن علاقته الآثمة بجاراتها الثلاث، فما يروعه ويشفق منه، أن تحس هي شيئاً تجاه علاقته المشبوهة بجاراتها، فقد دأب يزعم في غلو وشطط، أنه لا يعرف من أمرهن شيئاً، كلما حدثته هي عنهن، و نوال لا تدري أن "الأشجار الضخام الطوال" جاراتها، هن سبب دعة منير ورضاه، فهو لا يأتي إلى بيتها إلا بعد أن يكون قد طاف بهن جميعاً، وتهالك عليهن جميعا،  وأشفى حاجته من جمالهن جميعاً.

كانت نوال تحتار في أمر جارتها"نجوى" التي استحال بيتها فجأة من الطين إلى الرخام، رغم أن زوج نجوى ما زال يعمل في نفس الوظيفة التي يعمل فيها، ويتقاضي نفس الراتب الذي لا يكاد يسد رمقهم إلا في جهاد وعنف، نوال تجهل أن"نجوى" هذه يحبها زوجها إلى أبعد آماد الحب، وأنه ينتظر في شوق، وترقب، ولهفة، خروج زوج نجوي إلى النادي الذي لا يعود منه إلا عندما ينتصف الليل، واعتاد منير أن ينتهز هذه الفرص، ويستغل هذا الوقت الذي يمضيه زوج نجوى في النادي رفقة أصحابه،  فما أن يبسط الليل أستاره الكثيفة على الكون، حتى يتسلل منير في خفة ورشاقة إلى بيتها، ويمضي إلى غرفتها في "إخلاص وتفان"، فنجوى خليقة فعلاً أن يمنحها من الوقت أكثر من رفيقاتها، لأنها بخلاف اللذة تمنحة ألواناً من الغناء، وضروباً من الموسيقى، وتبعث في نفسه اللاغبة المنهكة فنوناً من الجمال، لأجل ذلك يحبها ويكلف بها، ويود أن ينتزعها من زوجها منصور انتزاعا.

إذاً نوال تنكر هذا التغيير الذي طرأ على حياة جارتها " نجوى" الفاتنة الحسناء، فهي تجد شيئاً من السعادة عندما تتحدث عن ثراها الفاحش، وعن سبائك الذهب التي لا سابق عهد لها بمعصمها الريان، تتحدث نوال في هذا الحديث وتطنب فيه، ويسرف منير بالمقابل في عدم الاكتراث به، و الزهد فيه، ظل منير لا يظهر شيئاً، ولا يقول شيئاً، وهو يرمق وجه زوجته الدقيق الملامح، وفمها الذي يهضب بالحديث في سرعة وانفعال، كان كل شيء فيها يوحي بأنها مضطربة مذعورة، وكأن هذا  التحول الذي طاف بحياة نجوى قد أضناها، وفي الحق أن نوال تجهل فعلاً زوجها منير، فهو كغيره من الذئاب التي تثير في نفسك الهلع، وتبعث في قلبك الخوف، إذا عرفتها على حقيقتها،   فمنير الذي ينكر معرفته ودرايته بجارات زوجته المسكينة، هو في الحق ملم بأدق تفاصيل حياتهن، وهو السبب في هذا الغنى والثراء الذي لحق بهن مؤخرا، لقد أيقن منير أنه قد أحاط بخصائص الراحة والانسجام، وأن "نجوى"، و"منى"، و"سلوى" جديرات بهذا الترف الذي أضافه إليهن، فقد ذاق منهن ألوانا من نعيم الدنيا لم يذقها قط مع زوجته نوال.

 سعت نوال أن تستثمر هذه العودة  المبكرة لزوجها، ففي العادة  يبطئ منير في عودته للمنزل، فالرجل يدير عدداً من الشركات دون أن يظفر بمدير لها، فهو سيء الظن  بالناس، ولا يثق في أحد، ولا يطمئن إلى أحد، و قد قاده حظه العاثر اليوم، أن يعود مبكراً إلى منزله، فما عالج باب الدار حتى فتحه، وتقدم حتى انتهى إلى صالة فسيحة الأركان، أبصر فيها نوال التي يزدريها،  ويمقتها رغم جمالها الخلاب، لأنها ساذجة موغلة في السذاجة، ولأنها نحيفة، ممعنة في النحف، ومنير لا يشتد سخطه إلا على المرأة النحيفة، ولا يعتد بأن النحافة مقياساً لسحر المرأة وجاذبيتها، وعبثاً سعى أن يطلق زوجته نوال ليستأنف حياته مع  أخرى "خدبجة رقراقة"، ولكن والده كان يمنعه في حسم، لأنها بنت أخيه، ولأنها قد أنجنبت له أحفاداً لا يجد والده متعته وراحته إلا في مشاهدتهم، وفي الحديث معهم، كان "الزين" والد منير، لا يرى نحافة نوال وضعفها، وهزالها، عقبة في سبيل السعادة الزوجية لابنه، فبنت أخيه جميلة ممشوقة القوام، قد ضمر بطنها، ودق خصرها، وطال جيدها ودعجت عيناها.

وجد منير زوجته نوال منهمكة كعادتها في حديث عذب ماتع مع  "ماجد ومجدي وأمجد" أبنائها الذين يدرسون في جامعات عدة من جامعات الولايات المتحدة، وقد لاح خاطر في ذهن منير، ومضى فيه عازماً حازماً، لقد اقترح الشقي على زوجته أن تسافر هي إلى الولايات المتحدة، وتقضي عطلة الجامعة بمعية أولادها، بدل أن يأتوا هم إليها، أراد منير أن يغتنم خلو منزله من زوجته الثرثارة، وخادمتها الجميلة" سكينة" تلك المرأة التي تدس أنفها في كل شيء، والتي سعى كثيراً أن يقيلها ويمنعها عن بيته، ولكن والده كان يمنعه و يصده عن هذه الرغبة أيضاً، كانت سكينة تستمع لهذا الحوار الهادئ الرزين الذي يدور بين منير ونوال، وهي تبتسم في فتور، وتبدو على قسمات وجهها الجميل، أنها غير غير حافلة لما تسمع، ولا مكترثة لما ترى، وعندما طلبت منها نوال أن تستعد للسفر معها اعتذرت بحجة أنها تود أن تزور أمها المريضة، وأن تقضي هذه المدة معها، وخضعت نوال لرغبتها، وتركتها وشأنها، وما هي أيام حتى بدأت رغائب منير تمضي، تمضي، في اتساعها، وظلت حاجته إلى نجوى لا تتعدى نطاقها، بعد أن سافرت مع زوجها إلى القاهرة، ظل منير لأكثر من شهر يمضي وقته في غبطة، وبهجة، ونعيم، وظلت "منى" شبه مقيمة معه في منزله، لأن زوجها يعمل في أحد حقول البترول التي يعمل فيها شهر ويغيب عنها شهر آخر، و"منى" هذه كما يقول أحد أدباء العربية، كل شيء فيها خامد هامد، وكل شيء جامد راكد، عدا فمها، الذي لا يسئم من غث الحديث وسقيمه، ومنير يعشقها ويكلف بها، لأنها لا تتضجر من أن تمكث معه ساعة أو ساعات، و"شيمة صبرها" هذه خليقة عند منير بالشكر والثناء، ومنى في هذه الخصلة على النقيض من سلوى التي تكثر من  البكاء والشكاة، من الحاح منير الذي ينثر عليها أحاديثه العذبة، وسلوى غير شغوفة بالعبث، فما أن تصيب حاجتها منه، حتى تنتزع نفسها من أكتاف منير، وتمضي مغادرة غير مبالية بتوسلاته، واستعطافه لها بأن يستأنف أحاديثه معها، حديثه اللذيذ الماجن، كانت سلوى تأنف منه، وسلوى الغضة البضة، كانت كثيراً ما تعصم نفسها عن منير، وتزوّر عنه، واعتاد منير أن تطاوله سلوى وتماطله، فلا تأتي إليه إلا بعد أن يسرف في استعطافها، ويجزل من نواله، إذن مسار منير مع سلوى يحتاج إلى تصحيح، ولكن منير غير قادر على اقامة هذا التصحيح، لأن سحر سلوى أقوى منه، ولأن شخصيتة الضعيفة الفاترة، تتخاذل أمام شخصية سلوى الطاغية، و"نجوى" التي مضت متثاقلة مع زوجها إلى مصر من أجل الترويح، هي وحدها التي تؤثر منير بالعاطفة والحب، وهي وحدها التي أنفقت كل ما يعطيه منير لها من مال إلى زوجها منصور، حتى تصرفه شؤون التجارة عنها، فتقضي ساعات في مضجعه مع منير وهي وادعة مطمئنة، ولكن حظها العاثر هو ما جعل منصور يطلب، ويلح في الطلب، بأن تذهب معه حتى ترضي حبه، وترضي شوقه، ويظهر لها امتنانه وتقديره، فلولا "تحويشة العمر" التي منحته اياها، لكانت حياته معها عادية تقليدية مسرفة في التقليد.

و"منى" التي نعيبها، ونغض منها، هي التي بقيت مع منير، وهي التي صار أحبّ شيئاً إليه أن يعود إلى مضجعه فيجدها قد سبقته إليه، لقد امتزجت حياة منير بهذه الغثاء التي خضع له وأفنى نفسه فيه، ومثل هذه الحياة الناضبة التي نزدريها فيما بيننا وبين أنفسنا أشد الازدراء، لا يطفئ جذوتها إلا استقامة تخرجها عن الزيغ والضلال، أو عاقبة وخيمة يتردى فيها صاحب هذه العواطف الحادة الثائرة، والشهوات المضطربة الهادرة، ومنير مضى في رحلته الماجنة الداعرة حتى انتهى بها إلى محطتها الأخيرة، مضت حياة منير على ذلك المنوال، الأيام تتلوها الأيام، والليالي تتبعها الليالي، إلى أن عاد "عادل" زوج منى من موقع عمله، ولم يمضي شهره كاملاً كما جرت العادة، عاد هو وطائفة من الناس بسبب الحروب والنزاعات التي اندلعت في تلك المنطقة، وما أن وصل وبحث عن زوجته داخل منزله، فلم يجدها، دار في خلده أنها مع أحد جاراتها، فطرق أبوابهن كلها سائلاً مستفسراً، إلى أن انتهى إلى بيت فتحت بابه امرأة "طاعنة في السن"، والنساء "الهرمات" لا تعوزهن الصراحة والوضوح كما نعلم، لقد أخبرته الحاجة "ست الجيل" في سفور وجلاء إنها منعت بنتها من مصاحبة تلك المرأة لأنها زانية متهتكة، لا ترعى لزوجها إلاً ولا ذمة، فغر عادل فمه من الدهشة، وبحث عن صوته فلم يجده إلا بعد مشقة وعسر، فسألها في ضراعة مع من تخونه؟ فقالت له وما يعنيك أنت، كان الله في عون زوجها الذي يكدح من أجلها ويرمي بنفسه في غياهب الفناء، حتى يوجد لها الحياة التي تتمناها كل امرأة، أيقن عادل أن الحاجة "ست الجيل" لم تتعرف عليه بسبب نظرها الكليل، أخذ عادل يغالب دموعه، ويلوح بيديه في الهواء، ولا يكف عن ترديد "يا بنت الكلب" هكذا تجلب البنات الساقطات الاهانة لأبائهن، جلس عادل في قارعة الطريق بعد أن عجزت قدميه على حمل جسده الضئيل، وأخذ يحاور نفسه ويداورها، مع من تخونه منى؟، ولم يدعه المارة الذين يكثرون من تأدية السلام لأن يخلو إلى نفسه، ويفرغ لخواطره، التي أخبرته في جموح وإيغال، أن يغسل عاره الذي ورطته فيه "منى" بقتلها، واستراح عادل لهذه الخواطر التي منحته قوةً وأيداً، وبعد أن ارتقى مع تلك الخواطر إلى أبعد ما يمكن أن يرتقي، ذهب إلى منزله في سرعة وعجل، وقصد خزانة ملابسه، فطافت بها يديه في عصبية واضطراب، ولم تهدأ حركتهما إلا بعد أن وجد ضالته الصغيرة، فدساها في جيب بنطاله، بعد أن وضع فيها كمية من البارود يكفي لحصد أرواح عائلة بأكملها،  كانت أول وجهة لعادل هو" شوقي" صاحب المتجر الحافل بكل شيء في حارتهم، والذي لا تخفى عليه خافية في منطقتهم، سأل عادل شوقي بصوته الهادئ العذب، بعد أن ألقى عليه تحية مخدجة غير كاملة، مع من تخونني زوجتي؟، لم يأبه عادل للرجال ولا للنساء الذين جاءوا لشراء ما يحتاجونه، ولما طال صمت شوقي وانخزل عن الجواب، أخرج عادل مسدسه الصغير من جيبه في خفة، وألصقه بجبين شوقي وأعاد عليه سؤاله السابق بصوته الهادئ الرزين، وهدده أن سيضغط على الزناد إذا لم يتلقى اجابة شافية تشفي غليله، وهنا تكفل صبي أوشك أن يناهز الحلم بالجواب،  وأخبر عادل بصوت حافل ندي، أن منى تخونه مع الملياردير منير، وأنها تمضي سائر يومها معه في بيته، ولا تأتي إلا على فترات متفاوته، وما أن سمع عادل شهادة الصبي حتى أطلق ساقيه إلى الريح، وبلغ منزل منير في ثوان، وتسلق شجرة سامقة وارفة الظلال، دلف منها إلى بيت عشيق زوجته، وفي خطوات خافتة سريعة عبر حديقة المنزل، ثم وجد باب الصالة مفتوحا على مصرعيه، فسار بجسده النحيل السلم الرخامي المرصع بالنجوم والتواشيح، فأقله هذا السلم إلى غرف واسعة فسيحة، بحث فيها كلها فلم يجد غريمه اللدود، وهنا تناهى إلى سمعه صوت ضحكات مجلجلة في الطابق العلوي، ضحكات يعرفها جيداً، لطالما كان يأنس لسماع هذه الضحكات، ويهيم بمن كانت تطلقها في غنج ودلال، ضحكات زوجته منى، هي في الحق آخر ضحكات تطلقها في فضاء هذا الكون، فلن يسعفها القدر أن تضحك أو تسرف في هذا الضحك مرة أخرى، صعد عادل إلى الطابق العلوي، ووجد زوجته ترتدي ملابس رقيقة شفافة تظهر جميع مفاتنها، وهي تشرب من أقداح كأس مصطخب تكاد أمواجه العاتية تصل إلى سقف البيت، فعلاجها بطلقة استقرت في قلبها، وأخرى أصاب بها رأس منير، لقد أنهى عادل بهذه الطلقة الرشيقة، شهوة جامحة كانت تدفع صاحبها دوماً إلى النزق والطيش، وبعد أن تأكد عادل من رحيلهم عن هذه الدنيا وأن أرواحهم النتنة تصعد الآن إلى عنان السماء، فتح ثلاجة منير التي كان معبأة بكل أنواع الخمور الغالية الثمن، وأخذ عادل الذي لا يعاقر إلا الخمور البلدية الرديئة، يشرب في نهم وهدوء وصمت، لقد فعل عادل ما أراد، أو ما استطاع أن يفعل، هو كان يريد أن يدفع بهم إلى أهوال لا يحبونها، أهوال يفضلون الموت على أن يظلوا يعانون من مضها وايلامها، وطفق عادل يشرب ويشرب حتى سمع أصوات هذه الكائنات التي تستقصى كل شيء، وتريد أن تلم بخبيئة كل شيء، "أهل الفضول" تعالت أصواتهم تحذر عادل أن الشرطة في طريقها إليه، فعليه أن يسرع في الخروج من منزل هذا الرجل الثري، بعد أن أرداه قتيلا، ويتجنب أن يقضي ما تبقى من عمره في أنين وشكاة، ولكن تغافل عادل عن هذه الأصوات، وألقاها دبر أذنه، ومضى يتهالك على أفاويق "الخندريس والسلاف"، حتى حضرت الشرطة ووضعت الأغلال في يديه.

  وبعد أيام خفت الصوت، وتتضاءل ذكر هذه القصة، وحضر الزين والد منير، مع سكينة الباذخة الجميلة، وهي تضع يدها المكتنزة فوق معصم الزين، وتطلب منه في خفوت أن يبيع هذا القصر الرائع الذي حتماً سيصيبهم منه مكروه إن هم بقوا فيه، ورضخ الزين لرغبتها، فباع القصر وطلب من نوال زوجة ولده الراحل أن تبقى مع أولادها في الولايات المتحدة، وتزوج من سكينة تلك المرأة اليقظة الحافلة بالجمال، عجز الزمان أن يخضع ملامحها للابتذال، ولقد التفت الزين إليها وهي خليقة بالالتفات، منذ أن حضرت إلى منزل زوجته "ماجدة" قبل عشرات السنين، وبدأت في خدمتها، سكينة هي المرأة التي أضعفت فؤاد الزين وشبابه عن الوفاء لزوجته "ماجدة" والدة ابنه الوحيد منير، الذي التأمت عليه الأرض وطوته الغبراء قبل أيام قلائل، وظل طوال هذه السنين يتهالك عليها، ويعشقها عشقاً لا حد له، وكان أكثر ما يأسره فيها طيبتها، وبساطتها، وجمالها الطبيعي، واخلاصها له، فهي لم تتزوج مطلقاً،أو تتخذ غيره خدنا لها، وأبقت على علاقتها الآثمة به، واحتملت أعبائها الثقال، علاقة فيها أعظم نصيب من الحرام والباطل، وأدنى مرتبة من الحق والحلال، ولكنها اعتزمت  رغم كرور الأيام، أن تقوم من اعوجاج هذه العلاقة، خاصة بعد أن انتفت كل الأسباب، فرضخ الزين المتدله الولهان في حبها، وآلت إليها كل الأصول والأملاك، وعادت يوماً، فإذا الأسرة كلها مجتمعة، فقد أرسلت إلى نوال تدعوها أن تحضر هي وأبنائها، فهم لم يلتقوا منذ سنوات، واحتفت هي وزوجها الزين بمقدمهم، وبعد أيام أخذت تُبْصّر كل فرد منهم بحقه في الميراث، وتبث في دواخله الثقة والطمأنينة، وتعده بأنها لن تكون السبب في شقائه، وقد صدقت سكينة في وعدها، لصدق مشاعرها تجاه أبناء منير، فقد كبروا تحت كنفها ورعايتها، لأجل ذلك هي تحمل لهم هذا الفيض من المشاعر الذي يشابه لحد كبير مشاعر الأم تجاه أولادها، لقد أحبّ أبناء منير سكينة ولم يكرهوها، لأنها كانت تخلي بينهم وبين ما يحبون، ولأنها تغدق عليهم من المال ما جعل تصرفاتهم تخرج عن الرصانة والرزانة، لقد انتهج الأبناء نهج منير أباهم، وصاروا رهباناً في معابد اللذة والمجون، لقد أظهرت جينات والدهم طبيعتهم ومزاجهم كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج.

***

د. الطيب النقر

 

تَـعَــرّبَ مَـنْ تَـغــرّبَ بـالـعـقـالِ

وغـالــوا وهــو زيــفٌ بـالـمـقـالِ

فـهُمْ اهـلُ الـكرامـةِ حين تـدعو

ذويـهـا للـمــواقــفِ والـصــيـالِ

*

وهُـمْ شـرف الـعـروبةِ لو تـبارى

ذوو الـشرفِ الـعـريقِ من الرجالِ

*

وها هُـمْ حـين جَـدّ الـجَـدُّ بـانـوا

كـحُـــكّــامٍ أذلَّ مـن الــنِـــــعــالِ

*

تـشابهـتِ الـقـلوبُ فـهُمْ سـواءٌ

وهُـمْ وجـهـانِ إلّا في الـخـصـالِ

*

صهـايـنـةٌ هُـمُ غـطّى عـلـيهمْ

ريـــاءٌ في الـتـأسْـلُـمِ  وانـتِـحــالِ

*

وصارَ الـديـنُ مـدخـلَـمْ فـفـيهِ

حِـمـايَـتُـهُمْ وهُـمْ صُـهُـبُ الـسِـبالِ*

*

وفـيهِ حـرّفـوا وعـلـيهِ شـادوا

حُـكـومَـتَـهمْ وسـاسـوا بـاحـتـيـالِ

*

فـتـخريبُ الـمـبادئ كان نـهجًا

بـأفـكــارٍ تَـجَـــلّـتْ عـن ضـلالِ

*

فـها هُـمْ اذرُعَ الطاغوتِ صاروا

وآلَ الآلُ صـهـيــــونـي الـمـآلِ

*

فـهـذي غــزّةُ الابطـالِ عَـرّتْ

حـقـيـقـتَهمْ  وبــانــوا بـالـفِــعـالِ

*

فـغـزّةُ أفـرزتْ مـا كانَ يـخـفى

لأعــرابٍ هُــمُ ثُــفْــلُ الــثِــفــالِ**

*

وغــزةُ أفـرزتْ وجَـلَـتْ غُـثـاءً

وبــاتَ الـعــارُ في لِـبـسِ الـعــقـالِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الـدنمارك / كوبنهاجن

الثلاثاء في 12 آذار 2024

..........................

* هم صُهُبً السبال: أي هم الأعداء  

 ** ثُــفُـلُ الثُفال: الساقط من الرَحى من الحَبِّ

 

دفعتها نشأتها في بيت صاخب لان تفكر بطريقة تخرجها منه اولا وتعطيها ما يرجوه كل انسان عاقل في هذه الحياة.. الرضا.. ثانيا. رحلتها على طريق الالف ميل نحو الوجود والرضا، ابتدأت بعد ان جابت البلدة طولا وعرضا، وكانت البداية عندما رات احدى صديقاتها تطلب منها ان ترافقها لشراء الالوان. فسألتها عن سبب شرائها هذا، فأجابتها صديقتها، لأرسم. استثارها الموضوع فعادت تسال صديقتها ما اذا كان بإمكانها ان تريها بعضا من رسوماتها فانفرجت اسارير صديقتها مرحبة بالزائرة الاولى لمعرضها البيتي. اصطحبتها من فورها وتوجهت الى بيتها لتريها ما جادت به قريحتها من اشكال والوان. تمعنت الرسومات قبالتها. واضمرت بينها وبين نفسها امرا.. شعرت لتوها انه قد يغير حياتها ويثبت لامها دائمة اللوم لها ولإخوتها الثلاثة دائمي التحفز للانقضاض عليها واشباعها لكما، بسبب وبدون سبب، انها جديرة.. وانه بإمكانها ان تصبح رسامة فنانة يشار اليها بالبنان خلال ذرعها شوارع بلدتها.

في احدى جلساتها الانتيمية مع صديقتها، سألتها عن كيفية وضعها خطوتها الاولى على طريق الفن، الصعب.. حسبما سمعت من الكثيرين. فما كان من صديقتها الا ان هوّنت عليها قائلة ان كل ما تحتاجين اليه هو ان تشتري الالوان وان تشرعي بالرسم، وزادت في تشجيعها لها قائلة ان الفن الحقيقي كما سمعت من الكثيرين، لا يحتاج الا الى موهبة وقلب قوي.

ما ان استمعت الى هذه الدُرر تخرج من فم صديقتها، حتى بادرت الى صندوق مدخراتها الصغير واخرجت منه كل ما احتواه من نقود وتوجهت الى حانوت بيع الالوان. اشترت الالوان بمحتوى قوس قزح قائلة لنفسها:" وهل يوجد في العالم كله اكثر من هذه الالوان"، وعادت الى بيتها لترسم صديقتها، الرسامة، ما ان فرغت من الرسمة حتى حملتها وطارت بها الى صديقتها لتطلعها على ابداع قريحتها. صديقتها كادت تطير من شدة فرحها انه وجد هناك في بلدتها الجاحدة، من يعرف قيمتها ويقوم برسمها كمان، وكان ان وطدت هذه الرسمة العلاقة بين الاثنتين، ومع انها توقعت ان تكون صديقتها مرشدتها الى فن الرسم، فقد فوجئت بها تدير لها ظهرها وتتوقف عن اسداء النصح لها، تخوفا من ان تعرف اكثر منها في عالم الفن والفنانين.. تحديدا. زاد في تصميم صديقتها ادارة ظهرها لها، انها والحق يقال كانت اجمل منها وربما اكثر جرأة على الهجوم والمطالبة بما تريد ويروق لها.

هكذا وجدت نفسها بحاجة الى من يأخذ بيدها ويرشدها الى ضالتها في طريق الفن المخلص. وكان ان وجدت طريقها هذه المرة بسهولة اكثر يسرا، كان ذلك بعد ان علمت من صديقة اخرى لها، ان هناك معرضا للفن التشكيلي، يقام ليلة الخميس في مركز بلدتها الجماهيري. قضت اليومين السابقين ليوم الخميس في تهيئة نفسها لزيارة المعرض الموعود، ففتحت صندوق مدخراتها مرة اخرى مُثقّلةً يدها هذه المرة واشترت ملابس تليق بامرأة طامحة.. في الثلاثين من عمرها. ارتدت ملابسها الجديدة ووقفت قبالة مرآتها، اطلقت ابتسامة من اعماق حبورها، وراحت تتأمل في تقاطيع جسدها وتكوراته الناضجة.. المكتملة، وهمست لنفسها "ان فناني هذه البلدة لا يرون جيدا"، واضافت بإصرار وتصميم:" اما انا سوف ارغمهم على ان يروا".

في الساعة السابعة من مساء الخميس، حملت نفسها وانطلقت باتجاه مركز بلدتها الجماهيري، كانت اول الواصلات. توقفت في مدخل المركز وسوّت ملابسها الجديدة مُرتبة اياها بحيث تبدو في كامل بهائها ورونقها ، ووضعت خطوتها الثلاثينية على مدخل الجالري. دخلت وعلى وجهها ابتسامة خبأتها للحظة الحاجة، وفوجئت هناك بان المعرض لفنان ذكر. الفنان رحب بها ودعاها لان تكون اول زوار معرضه. توقفت عند لوحة لفتت نظرها وسالته عما قصد بها، فراح يشرح لها بحماس من لا يعرف شيئا، ما اكد لها ما اعتقدته عنه من قلة دراية ومعرفة. هكذا تنقل الاثنان، الفنان وزائرته الاولى، بين لوحات المعرض، وقبل ان يتوقف الاثنان قبالة اللوحة الاخيرة، دخلت صديقتها ومرشدتها الفنية الاولى،.. فاقترب منها صاحب المعرض مرحبا مهللا بفنانتنا المبدعة.

اغمضت عينيها وفتحتهما واغتنمت اول فرصة لتأخذ عنوان الفنان صاحب المعرض. وحرصت على ان تنصرف بسرعة برقية، تمهيدا لأمر اضمرته في نفسها.

بعد اسبوع، هي مدة انتهاء المعرض، فتحت صندوق مدخراتها مرة اخرى وتوجهت الى سوق بلدتها الشعبية، اشترت من هناك اجمل الملابس بأبخس الاسعار. عادت الى بيتها لترتديها ولتضع وردة وراء اذنها. لاحظت امها ما فعلته فحذرتها من ان أيا من اخوتها الثلاثة لن يصمت اذا ما راها تضع وردة وراء اذنها. ربتت على كتف امها وازالت وردتها السحرية من وراء اذنها. ابتسمت امها لانصياع ابنتها لها ودعت لها بالتوفيق. لكن.. ما ان خرجت الابنة الفنانة من بيتها وابتعدت عنه بضعة خطوات، حتى تلفتت حولها وعندما رأت الشارع خاليا. اعادت الوردة الى مكانها الآمن المريح، ومضت في طريقها باتجاه بيت الفنان. لم يطل بحثها فقد كانت تعرف بلدتها بالشبر وربما بالفتر.

طرقت باب الفنان ففتح لها الباب بسرعة كأنما هو كان ينتظر زيارتها هذه بفارغ الصبر، "مَن يعلم ربما كان يتلصص من وراء نافذته"، قالت لنفسها.. ودخلت البيت الرائع بيت فنانها المبجّل والمعروف ايضا. جلس الاثنان احدهما قبالة الآخر، ولم تدر كيف ومن اين جاءت غلاية القهوة الصغيرة والى جانبها فنجانان صغيران. تناول كل منهما هما الاثنان.. فنجان قهوته بيدٍ من فن وراح يرتشف منه.

تحدث الاثنان عن الفن والفنانين في هذه البلدة وتوسعا للتحدت عن الفن في البلاد عامة، وعن الموانع الاخلاقية التي تحد من ابداع الفنان، وما ان هز الفنان قبالتها راسه موافقا وباصمًا على ان ما دار بينهما من حديث.. لامس كبد الحقيقة، حتى افتر ثغرها عن ابتسامة حافلة بالإغراء. عندما لمست منه رغبة في المزيد من الاغراء، اقترحت عليه ان يرسمها عارية، ما ان خلعت ملابسها ووقفت قبالته بتكوراتها الجسدية الرهيبة، حتى نسي الفنان نفسه وراح يتمعن جسدها كأنما هو يتعلم درسا في التشريح. وعندما لاحظت انه اقترب منها اكثر مما حدّدت له، ابتعدت وهي تقول ان الشرط توقف عند الرسم وليس عند سواه.

بعد ثلاث ساعات انتهت الزيارة تاركة وراءها رسمة لامرأة عارية ومغادرة بيت فنانها.. تاركة وراءها زفرات وحسرات على عصفور حط على فنن الفن لكنه ما لبث ان طار عائدا من حيث اتى.

وضع الفنان المكلوم يده على خده وراح يتأمل رسمة المرأة العارية قبالته، "انها غاية في الجمال والاغراء"، قال، وتابع: " لا بد من ان اطالها". هي من جاء الى فخ الرسم بقدمها ولم ادعها".

انتظر الفنان ان تعيد فناته زيارتها الى مرسمه الا انها اطالت الغيبة، وعندما اتصل بها بعد تردد وسألها عن سبب انقطاعها فاجأته بكلمات لم تخطر له على بال، قالت له انها تود ان ترسم رجلا عاريا، فسالها عما تقصد فما كان منها الا ان اخبرته انه كان من الواجب عليه ان يتيح لها امكانية اتخاذه موديلا تقوم هي برسمه. ضحك الفنان ملء شدقيه، ولم يتوقف عن الضحك الا عندما دعاها الى مرسمه، ليفاجئها بمبادرة افدح مما توقعت. مدت يدها الى اكرة الباب لينفتح بسهولة ويسر، ارسلت نظرها في كل مناحي الشقة، وراحت تتأملها واحدة تلو الاخرى، الى ان فاجأها قافزا من وراء باب شقته عاريا.. كما نزل من بين قدمي امه.

تقافزت فناتنا الثلاثينية في طول الشقة وعرضها، وعادت الى حيث وقفت في الامس عارية ورسمها لتقوم هي بدورها برسمه عاريا.

شهدت الفترة التالية ما لم يكن بالحسبان، فقد اعتاد كل من الفنانين، الفنانة وفناها، على ان يرسم كل منهما الآخر عاريا وبوضعية مختلفة عن سابقتها. عندما امتلأت الشقة بالرسومات العارية. فاض كيل الفنان المنتظر، فاقترب من فنانته الحلوة الجريئة، وحاول ان يقترب منها الا انها ابتعدت عنه تنفيذا لخطة رسمتها في مخيلتها الفنية. تحلب ريق الفنان، وجن جنونه فهجم عليها في محاولة يائسة منه لإطفاء نار شهوته، الا انه فوجئ بها تسحب سكينا خبأته لمثل تلك الهجمة المتوقعة. توقف الفنان. وادرك انه ليس امام امرأة سهلة.. كما خيل له بعد معاودتها التعري  قبالته.

لم ينم الفنان خلال الليالي التالية وراح يغط في نوم نهاري. استعدادا لما طرق باب شقته من قلق فني وربما ناري مختلط بجسد احسنَ الخالقُ في تكويره. نسي الفنان كل اجساد ما سبق ولامسه من فنانات، نسي انه كان قد قرر الا يرتبط باي من الفنانات الزائرات الرخيصات، وانصب خياله عليها.. على تلك الفنانة السهلة، لكن العصية.

بعد حوالي الشهر من القلق والرغبة والاشتعال، لم يكن امام الفنان الهُمام من مفر الا ان يعرض على فنانته ان يرتبط بها بالرباط المقدس.. اما هي فقد ابتسمت وهي تقول له:" هكذا اريدك". وكانت تفكر في المعرض المشترك التي ستقيمه برفقة فنانها المعروف.. المشهور.

***

قصة: ناجي ظاهر

الجارات مجتمعات في منزلك، يبتسمن لك مهنئآت على سلامتك، وقد أحضرنَ معهن الحلويات، واشتركن بإقامة احتفال يليق بك.

سميرة الملاصقة لمنزلك عادت معك من المستشفى بعد أن صحبتك لتجبير ساقك وقدمك بعد السقوط الأليم، تساعدك في تغيير ملابسك، وتستندين عليها في القيام والسير:

- لاتهتمي بشيء، نحن أهلك وعشيرتك، سأهيئ لك كل ما تريدين.

- أتعبتك معي جارتنا العزيزة..

- نحن جارات وأخوات

كنت مسرعة، لا تكاد الأرضُ تحملك من شدّة الفرح، ابتسمت لك الدنيا وزالت المتاعبُ، وحلّت أيامُ السرور، وولت ساعات الشقاء إلى غير رجعة، أنت وحدك من يستحق الثناء في هذا اليوم، وان يكافأ على تعبه واجتهاده، طيلة السنوات الماضية، بذلت الجهدَ والتعب وآن لك أن تجني ثمرات اجتهادك ونضالك، درست وتعلمت وحصلت على أرقى الشهادات العلمية ومن حقك أن تفتح لك أبواب الحياة على مصاريعها وان يستقبلوك بالورود والياسمين، ألم تصلي الى مبتغاك، وتحققي مرادك، وتنجحي في جعل أحلامك حقيقة ناصعة ؟ حققت الدرجة النهائية، وقد كرموك وأثنوا على عزيمتك القوية،وتصميمك الرائع وتحديك الكبير للصعاب، ومواجهتك الثابتة للعراقيل،التي كثيرا ما توضع في طريف الناجحين، كثيرون لم تجديهم يفرحون لفرحك، وآلمهم أنك تصلين إلى الموقع الكبير، الذي لم يستطيعوا الوصول إليه لأنهم ليسوا مثلك، ولم يتصفوا بمثل إصرارك على النجاح، وثباتك على تحقيق الهدف، ما شأنك بهم الآن ؟ وقد حققت الأحلام ووصلت إلى الأهداف..

تسيرين مرفوعة الرأس، وكأنك تعانقين النجوم، وتبتسمين محيية القمر، وتعانقين الأنوار، وترسلين رسائل محبة وإعجاب،إلى العنادل الجميلة وهي تعود إلى أفيائها بعد نضال النهار الطويل، سوف تتحقق كل أمانيك، وتبتسم أيامك بعد عبوس طال أمده، فقد أبدل الله عسر نهاراتك وظلام لياليك، إلى نجاح هنأك عليه جميع معارفك، من يحب لك الخير، ومن يجد انه الأحق منك بالنجاح، ولكنه افتعل الفرح:

- مبارك لك النجاح بشرى، فرحتنا كبيرة بك.

جارتك سميرة لم تبالي بها يوما، ولم تلتفتي إليها، كنت تصادفين وجودها في سلّم العمارة أو قربَ الباب، فلا تعيرينها انتباها، وتكتفين بهز رأسك وابتسامة باهتة ترتسم على محياك:

- صباح الخير جارتنا العزيزة

- صباح النور

حتى لم تردي التحية بمثلها، واكتفيت بكلمات قليلة، وتسارعين إلى المغادرة وكأنك تهربين ، ولكن لماذا تجول مثل هذه الأمور برأسك،في يوم فرحك وتحقيق نجاحك الكبير؟ لماذا تقللّين من شأن هذا الانتصار الرائع، الذي حققته بجهودك، ولماذا تتذكرين من يؤلمه سرورك، ويشجيه ابتهاجك؟ ويجعله حبورك ملتاع القلب مبتئسا، يفكر في الأسباب التي حققت لك الانتصار وحرمته منها..

تصممين على إبعاد الأفكار السوداء،فلا جدوى من الاقتراب منها في هذا اليوم البهيج.

تسيرين تُهيْمنُ عليك البهجةُ وتودين لو كنت في منزلك لرقصت على أضواء النجوم فرحة جذلى.

تسيرين من مكان إلى آخر، والفرحة تملأ قلبك وتستوطنُ أعضاء جسمك وتغرس في روحك، تهبطين السلالم بسرعة، تنزلين درجتين درجتين من شدة السرور..

لا تنتبهين إلى الدرجة المكسورة، فتقعين على الأرض وتكسر قدمك..

***

صبيحة شبر

7 ابريل 2010

 

أيتها الإيقونة الشقيه ..

تضاجعين الليلَ والنهارَ

بالشجارِ

والمكر والتقيه ..

أيتها اليافعة الباسقة النديه،

أراكِ تمرحين كالرياح في البريه ..

وترشفين قطرة المطر

في زحمة العطاء والنذور

كالطيور،

عندما تواجه النسور ..

حين يبزغ الضياء

وتسبح الغيوم في السماء

تحت رحمة المطر،

يظل هاجس السفر..

يطارد العيون والقلوب

كأنه إنشودة القدر ..

**

يامرأة،

تضاجعين في النهار والصباح

مرتين ..

وتشعلين جمرتين ..

تداعب الوطر

ومن ورائها تجاهر

العيون والجفون والشفاه بالخطر ..

فأين مرتع السحر؟

حين ينزوي الفؤاد تحت رحمة القهر ..

وعند مطلع الضياء

ومهبط المساء

أراكَ جمرة تموت في الرماد ..

أيها السهاد

ألم يكف عبقها يعم في الوهاد؟

ألم يجف دمعها على الوساد؟

***

د. جودت العاني

الأحد 21 / كانون الثاني 2024

 

عندما التقيتك أول مرة في ذاك اليوم الربيعي الهادئ على الجانب الآخر من المنعطف المقابل للمدينة على ناصية الرصيف الورقي كنت من الدهشة حين نبت أول حرف لك على سطر حبري فارغ، وجاء برائحة الندى الصباحي يحط كالسنون على رسائل هاتفي المكتظة.

كان لقاؤنا الحبري غريباً جاء مختلفاً محملاً بالكثير من الهطول الكتابية الذي أحدث ضجيجاً في فراغات  الأقلام المعتكفة قرابة الشهر، وملأ الصدى بزحام الأحرف المتدفقة كالنبع.

جاء بعد صوم حبري على طول الأيام الباردة، والجامدة التي علقت في جلابيب صوتي ككتلة ثلج تكبر شيء فشيء، وتتدحرج حتى الأطراف.

هذا اللقاء جاء شاملاً لتلك الأحرف الصماء التي كانت عصية حتى الرمق الأخير من البوح.

الآن ، وبعد هذه المدة تصادف توقف المطر مع انفراجة بصيصة لقلم وهو يستيقظ ببطء على سرير الورق.

ربما أفسح السيل لتلك الأحرف الكتابية أن تتفتح في حقل السطر بعد هطول تناوب بين الحضور المبهر، وبين الغياب الخافت.....

إن السعادة التي تأتي بها الأبجدية بعد اعتكافها الغامض ليس بالشيء البسيط؛ ربما يتعين علي أن أبتهج على هيئة كتابة رسالة إليك.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عُمان

أنت أولـــــــــــــى الوجهتين

وثالث الحرفين الشريفين!

*

فــــاتنة من نــــــار...

ولا سبعين حورية

من. جنَّتِــــــــــهِمْ!

*

البحر الذي

أغرق محبوبته بالعشق

نجا قاربها بأعجوبة!

*

بَسْمَتها:

تلميذةٌ

في وصفها الأولى

الاسم: (بشرى)

والعمر: سبع مدارس!

*

كيف ستُعَبِّرينَ

عن حبكِ لي

إذا أكل القط لسانك!

*

الفتاة التي

أحْرَقَتْ شفتيها

بقُبْلتِكَ الطائشة

تَحَدَّتْ العالَم!

*

تعرفينهم بشبقهم ...

يرفضونك (سته) بالعربي...

ويؤيدونك بشدة (6) بالإنجليزي!

*

يغرقني البحر بكَرَمِه ِ

يترحَّم عليّ

ويقرأ الفــــــــــــــاتحة

على روح (حــــــــاتم)!

***

محمد ثابت السميعي - اليمن

 

لا أتفرس في الوجوه

ولا أمعن النظر في معالم الطريق

أحب أن يكون مروري في هذه الحياة

خفيفاً

لا أحب التعلق ولا أطيق ارتداء معالم الغير

لبعض الوقت

اتأسى معهم وأحاول تفكيك

تكشيرة تلازم أيامهم

أو

أفرح معهم

فقط

لأني أعرف تماماً

إن الفرح قليل

لا يحتمل

أن أقاسمهم لحظاته العابرة ...

*

أذكر إنني عندما تعلمت

انه بالإمكان أن تعشق مدينة

وتحملها في داخلك

بشوارعها ورائحتها

بلياليها وبرد تشرين

بنهاراتها وعبق الياسمين في حزيران

سرقتها مني الحرب

ودعتها ومازلت

اتمشى في شوارعها بداخلي

خفية مني

ومن الوعد الذي قطعته ...

*

كل المدن بعيدة عنا

بمقدار خيانة

أو حرب

بمقدار جوع

أو قهر

وأسى البعاد يكبر

باقترابنا منها وهي التي تغربنا أكثر

اذ لا مفر من البقاء ...

*

لا تفكروا كالشعراء

ولا تعولوا كثيراً

على الارتباط

تعلموا التحرر من كل شيء

اليوم هنا

وغدا هناك

لافرق

سنلتقي وجوهاً أخرى

وسنمتطي شوارعاً أخرى

من دون أوجاع

أو ذكريات

سنكتب قصائدَ

جديدة على صفحات الهواء

يتردد صداها في البعيد

ربما ستسمعها مدينةٌ ما

وتذكرنا

تذكر

كم مرة بكينا وضحكنا

على أبواب فصولها

كم مرة رقصنا عراة

على مرأى من

حضنها الوثير

وتمنعت وسلمتنا

للاشتياق

فإن لم تفعل

ولن تفعل

ستدركنا الفجيعة

كم كُنا أغبياء ...

***

أريج محمدأحمد - السودان

17/7/2022

 

ـ تنتظرين يا زينب.. تعدين الأيام.. موسم لصيد السمك. موسم للترقيد.. موسم لجمع الثمار، مواسم.. أم ماذا؟

موج شفاف وجهك يلتهم فسحات وريقات الآس في (بقجة*) جدي الأثيرة. ملاءة حرير تلف اشراقاتي وأصائلي. النشوة في صوتك تغطي قرقعة السلاح وهدير سرف الناقلات ودوي المدافع. وجهك يرزح فوق أرض الله التي نتنقل فيها ونحشر أجسادنا في شقوقها. يداهمني الموت فأنهش من أحشائه وهج الحنين لوجه أمي وقلبك. تتراءى لي بساتين الصبا المعشوشبة بالطمأنينة، فأفلت مئات المرات من جمرات الموت.. ينز من جسدي تعب التجوال فأريحه عند دكة بابكم في رؤى غريبة وهلوسات أغرب. مثل الذبيحة أصارع زمني. تتوالد في روحي كل لحظة سهوب وصحارى قاحلة. جبال ورودها مشعة ووديان مظلمة سحيقة. وأنا أوطن روحي في ذكرى همسك وابتسامتك التي بقيت تتمجد أبداً في شقوق أرض الفاو. في صخب مدينتنا عند الصباح وضجيج أصوات السفن والتياع القوارب من ثقل السمك في الأغباش. الزبد و اللبن والخبز والشاي وطرطشة الجسد المستطابة في الماء الممتد مثل بساط مضبب يلتصق بزرقة السماء، يتماس معها بلزوجة شبقة. ونحن عشبة تتراقص فوق سطحه.

كنا وكانت أيام قواربنا وصوت (فليح) مثقل بالحزن يحز صدر الصباح المورق فوق الشط. رجع لوجع وألفة البيوت والأزقة الفرحة بترابها حين تجيسه أقدام العاشقين والأطفال الحفاة. ونسوة يهذرن بتأريخ مدينة تشتعل كجمرة في قلب الغمر ذاك. شجرة آس بين السبخ والماء باركها الرب بحنوه، فانتصبت ملتقى الخير والتجارة وطيب النخل. تورق فوق خدودها الحناء. شعاع صباحاتها ينبلج ساطعاً حاداً وآصالها تقارب شطها باستحياء.

كل المدن لها نكهتها الخاصة، ولكن مدن الطفولة لها ضوع و شذا آخر. عطر يتكسر ضوعه عند حواف القلب، فينقبض بغصة من فرح غير مكتمل أبداً.

أكافح مخالب الرعب وهي تنهش صدري. تطأني كوابيس من دم ووحل وصراخ وأطراف مجزوزة.. أقاومها برعشة وخوف لكي لاتهرسني الحرب غيلة. لكي لا أنساك وأنسى أديم أرض مدينتنا وشطآنها.. أنسل في الأغباش مثل جرذ بللته الخيبات. تنهض في روحي غصة حين أستيقظ دون رجة كف جدي. أستيقظ لأرى سقف الملجأ يطبق بثقله فوق صدري. فأزرع وردة للصباح حين يقترب وجهك مني وتندس أصابعك بين طيات شعري.

ـ أنسيت فاونا يا زينب؟.. أتتذكرين..؟

ـ ………..

ـ هل استطاعوا خلعها من قلبك..؟

ـ .......

ـ جليل.. تهيأوا للحركة.

ـ الى أين..؟ إلى أين..؟؟

ـ البصرة.. حبيبتك، أليست تلك أمنيتك؟

ـ صــ..صح.. صحيح ….

تنسدل في الحنجرة ستارة شفافة تحجب إباحة الفرح المتوقد في الروح. أقترب منك يا فاو..؟ أقترب منك يا زينب..؟ ما الذي جرى لدوران الكون الخامد كل هذه السنين.. تعرى ستر السماء وعليَّ أن أحبو نحوك مثل رضيع نهم.

آلاف الساعات ما شابهت ساعة من زمن دفء ثياب الأم المطرزة برائحة الحناء..مئات الساعات ما قربت من صدري غير رائحة حشائش البساتين في يوم مرطب.

ما زال الفجر يخالط الليل عندما أيقظت أفراد حظيرتي. همست في آذانهم فرداً فرداً أن استيقظوا، استيقظوا واسمعوا وجيف القلب. لملموا أغراضكم.. انتظاراتكم، جنونكم، حبكم، أجسادكم، فإن النوارس في عجالة من أمرها. أنظروا لوهج الأصداف قبل أن تفلت لحظتها.

بدأت نثارات الدهشة والتساؤل تنفلت من مسام الروح عبر العيون المتقيحة من السهد. حركات الأيادي العجولة تشدُّ وتضغط، ثم تنبسط متناغمة مع التقاط الأشياء ووضعها في أماكنها المحددة عند ظهر الشاحنة.

 كانت ملامح الفجر تنسل هاربة، وطيور أضلت الطريق لازالت تحوم، حين أكملنا تهيُئنا للرحيل. تراصت أجسادنا بين أكداس الأمتعة والعتاد، وهدأت بانتظار موعدها مع الرحيل نحو بقعة الكون المضيئة. نحو بهجة مثل غلة الله تفيض من بين الأصابع فتملأ جحور الهوام وأفواه البشر.

تتلألأ دروب الجنوب بأعشابها و تتناغم خضرة البساتين مع اهتزازات السيارة العسكرية. الهواء الرطب البارد لازال يوغل أصابعه في صدر نيسان الوهاج، فتنتشي الأجساد المرمية بين العفش والعتاد. الاقتراب من الحبيبة يجعل الروح مورقة فتنطلق الحناجر بغناء مرتبك وبحشرجات فزعة. نستنشق بلذة يخالطها الخوف روائح البساتين وزفرة الشط المستطابة.

القرنة ، الدير، الهارثة.. إذن إنها طيبة الرب تفيض وضحى جديد ينبثق من حواس الروح فيملأ القلب ببروق فواحة تسحب الجسد الثقيل وتحيله إلى كتلة هلامية رخوة.. طفل يتلمس بكفيه الطريتين صدر أمه، رقبتها وزنديها. يشم بأنفه الرخو (شيلتها*) فتتورد وجنتاه، وتحلو لـه الكركرة بين طياتها.

ابتعدنا عن جسر محمد القاسم. إنها مسافة أقرب لهمس الحبيبة. أهناك جسر آخر نولج أرواحنا منه لنمر نحو جوف البصرة وأحيائها؟. يستمر السير. ليس بعد ذلك ثمة ما يخفى، فلا معبر للأرتال بعد ساحة سعد، ولا قبلة لها سوى أرض مدينتي.

آه يا طباق الله السبع..آه يا أكوان الله السبع.. آه يا أرض الفاو الملونة بالحناء وبفرح الناس وغنائهم…آه ياليل الصب، يا شباكي المفضض بالنحيب.

يحاذيني صوت (فليح) نحيب ينغرز في نخاع العظم، شفاف وحاد. رجع لألتماع الماء والأعشاب. حطام الروح في وجع الشوق. عذابات مضاءة في ليل بحر موحش. تكوينات غريبة لسعال من ريح تعوي لتداهم مراكب بائسة تتقاذفها الأمواج بحدة. يُنثر صوت (فليح) مدرارا عند حواف الحافلة، فوق إسفلت الشارع المتوهج من ضحى الشمس وجفافها. التماع السبخ المتولد من ماء المطر والتراب والرطوبة يصعق الروح عند اقترابها من رائحة الهواء المتأتي من مدينتي.

التعاوني رقم (26) تجتازه سيارتنا بتثاقل. إنها بساتين ناحية البحار. جارتك. معبر الرب لقربك يا حلوتي. نحن بالجوار يا ألفة الروح وشوقها، قريب منك يا ماسة الكون. أتضرع أن لا تسمعي نحيبي. أن لا تنظري شحوبي، دمعتي. أن لا تسمعي ضجيج دمي فيجفل قلبك المكلوم.

***

فرات المحسن

 

قراءة الاحزان ... في ليل الدهشة والسكون

كذا كان عنوان الفصل ما قبل الاخير

من شمس لم تمر على الحقول

حجب القمر نوره و تلاشت النجوم...

مع ومضة القدر....وشهقة المكتوب

لم تعثر الاحلام على دليل

يقودها نحو اسرة مفعمة بالارق

تتوسل الليل الفحمي امنية

غير مبتورة

تنير عتمة مساء قدد  الدمع عيونه

حتى صارت التناهيد

تراتيل انكسار

*

هو ذا زمن الوجع يتواثب

في ثوب عرس

في اعياد تقايض الانزواء بالعتاب

النفي بهدايا اغتراب

هربا من فراغ قارس

قصم ظهر الصبر

فاضحى البين ضفة امان

*

ثمة ما تبقى من ليل الرحيل

وردة خجلى ...تحف الدروب

وقصيد ... بحروف شاردة

حول مدام الأطوار يطوف

حاملا نعش الحكاية

واسرارا تحاول الانفلات

من جوف العبارة

كلما مسدها كف الامس

انفرط عقد الصمت

وسالت اللحظات نزيفا

يروي جفاف البداية

وقد تعرى طينها بعدما

اقتلع الجفا عشب النهاية

*

يخجل الورد

حين يشاكس الحلم العجوز

في عيد اليتم /عيد المراة /

والروح المأسورة تدرك

ان: ما من ابجدية تداوي

جرح الجسد المسفوح

في الهوة السحيقة

بين حدائق الامنيات

والفجاج الوعرة

تتشرنق الحقيقة

غيمة تسترخي زخاتها

على الحجر الصقيل

والروح  تفرد جناحيها

للطلقة الاخيرة

***

مالكة حبرشيد - المغرب

 

أرتشف غركان ما تبقى في القدح من ماء وأخذ نفسا عميقا لكي يسر د على جبر ما حصل له وللآخرين في المسلخ العمومي قائلا: (بعد أن تم سلخ جلود جميع من دخل القبو انطلق الصوت الأجش يصدرا أمرا جديدا مفاده: (التوجه إلى أحواض تطهير الذنوب)!

اقتيد كل واحد منا من قبل قوة الصوت الأجش المدججين بالسلاح إلى أمكنة تلك الأحواض وما أن وصلنا إلى هناك حتى شاهدنا رقعة كتب عليها عبارة (أدخلوها بسلام آمنين)!

لقد كانت تنبعث من تلك الأحواض رائحة نفاذة تزكم الأنوف وتبعث على الغثيان مما جعلت كل فرد منا لا يشعر بما يدور حوله وكل ما كنا نشعر فيه في تلك اللحظة هو ملامسة الماء النفاذ وهو يلامس لحوم أجسادنا التي سلخت عنها الجلود!

تصور يا أخي جبر حالتنا تلك عندما أخرجنا من تلك الأحواض, لم نكن حينها من معرفة أحدنا للآخر فقد كانت وجوهنا مسلوخة وخالية من كل أثر للقسمات وعندها ضاع علينا الإحساس بالعالم والوجود وسيطرت علينا حالة من النسيان ,النسيان الذي جعلنا نفكر من نحن ومن نكون؟

أصابت جبر حالة من الذهول والخوف وكعادته تماسك وطلب من غركان أن يستمر.

أستمر غركان بسرد وقائع ذلك الحدث الرهيب قائلا:

لقد تم نقل جلودنا التي سبق أن علقت على الحائط بخطافات حديدية إلى مكان أطلق عليه تسمية (المدبغة) تدار من قبل مجموعة مختصة بشأن الدباغة وبمواد خاصة تجعل تلك الجلود تتحمل الصدمات والتغيرات المناخية كالعواصف الترابية وارتفاع درجات حرارة الجو حتى لو وصلت إلى أكثر من ستين درجة فهرنهايت.

لقد جرى توزيع الجلود علينا ولكن الغريب في الأمر أن توزيعها قد جرى عشوائيا ودون تمييز بين جلد طويل وآخر قصير أوبين أسمر وأبيض!

إنني سأسرد لك خبرا يتناقله الناس بينهم وهو: أن المجموعة المشرفة على المسلخ العمومي قد أقامت لها فروعا منعددة في كل أنحاء البلاد وحسب مناطقها يشرف على كل فرع منها شخص مسؤول يحمل عنوان (مسلخ فرع).

تم نصب ماكنة السلخ في كل فرع من تلك الفروع الغرض منها شمول أكبر عدد من الناس بسلخ جلودهم.

لقد تسنى لجماعة الصوت الأجش وأعضاء الفروع انجاز مهمتهم حسب التعليمات الصادرة اليهم من جهات الدنيا الأربعة وإن مهمتهم تلك تنفذ  لقاء ما يحصلوا عليه من عيش رغيد ومرفه في قصور مشيدة محاطة بأسوار عالية وبحراسات مشددة لا يمكن اختراقها من أحد خاصة  ممن سلخت جلودهم!!

لقد خطر ببال جبر سؤال سرعان ما طرحه على جليسه غركان مفاده:

كيف استمرت حياتكم بعد هذا التغيير الذي جرى على كيانكم ومعالم وجوههم التي أصحبت متشابهة ولا يمكن التمييز بين الواحد والآخر وأصعب ما فيها هي الأسماء لآن تلك الحالة تلغي الأسماء أيضا فكيف يستدل على من هو أحمد أو علي أوعثمان أو محيبس أو آزاد؟.

نعم يا أخي جبر إن هذا التغيير قد عقد حياتنا وخلق لنا مشاكل عديدة لا يمكن حلها بسهولة وكما قيل في الأمثال (وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟)

أضاف غركان: وهو يطلق حسرة مصحوبة بألم:

إن أخطر ما انتجه هذا التغيير هو انشار حالات القتل والخطف والسرقة وانتحال الشخصيات وارتفاع معدلات الخلافات الزوجية بسبب عدم معرفة الزوجة لزوجها أو الأبناء لآبيهم حتى الممتلكات والعقارات فقد تم الاستيلاء عليها من غير أصحابها وعند المطالبة فيها من شخص سلخ جلده لا يمكنه من تقديم أي أثبات لآن هويته الشخصية التي يمتلكها وصورته المثبتة فيها لا تنطبق وحالته تلك .

أضاف غركان قائلا: عليك أن تكتشف يا صديقي أمورا أخرى خلقتها حالة التغيير المريب لآن كل الحالات والحوادث التي وقعت تم تسجيلها ضد مجهول أو على طرف ثالث خفي!!

ترك جبر العايش العنان لمخيلته أن تسرح وعاد بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه المسلخ العمومي مخدوعا مثل الآخرين وتمكنه من أن ينفذ بجلده لكنه أضاف:

ما الفائدة من خلاصي وخلاص الآخرين ممن لم تصيبهم تلك المصيبة بعد أن تحول البلد إلى مسرح للفوضى وعدم الاستقرار حتى أخذ كل فرد فيه يأكل لحم وعظم وجلد أخيه دون حسيب أو رقيب!!3531 لوحة لطفي شفيق

لطفي شفيق سعيد

مدينة رالي التاسع من آذار 2024

كتابة ما بعد التسعين

 

فــي  شعاراتٍ العربْ

دائــماً تَــلقى الــعجبْ

*

رُبّما  المقصودُ عكسٌ

لستُ أدري ما السببْ

*

فــالــحكوماتُ تــفانتْ

شــبَّعَتْ بعضَ النُّخبْ

*

لــم  يَــعُدْ لــلشّعبِ همٌّ

غــيرَ  تشجيعِ الطربْ

*

أبــدعتْ  في مُنجزاتٍ

كــانَ أقــواها الخُطبْ

*

وجــهازُ الأمــنِ ضَبْعٌ

إنْ أتى الشّعبُ ارتعبْ

*

يجعلُ الأخرسَ يَحكي

بــلــسانٍ مِــنْ خَــشبْ

*

فــي أســاليبِ التّرَجِّي

عــلَّــمَ  الــناسَ الأدبْ

*

إنْ نَــطَقْتَ الحقَّ تغدو

جاحداً   وَدَّ  الشغبْ

*

والــعِــمَاماتُ ســتــارٌ

يــختفي  فــيها الأربْ

*

تــحــتها يــجثمُ لــصٌّ

وعــلى الــناسِ نصبْ

*

اجــعلِ الــقدسَ شعاراً

وتَــصَــنّعْ  بــالغضبْ

*

وارْتَــكِبْ كــلَّ شــنيعٍ

عــنكَ مــرفوعُ العتبْ

*

إنَّــما الــتاريخُ كِــذْبٌ

صــاغَهُ مَــنْ قدْ كتبْ

*

فــطريقُ  الــقدسِ حقاً

مــرَّ يــوماً فــي حلبْ

*

وإلــى  مصرَ عروجا

مــاسحاً  عنها الجربْ

*

نــازعاً نــابَ الأفاعي

بــعدها النصـرُ اقتربْ

*

أيُّــهــا  الأنـــذالُ تـــباً

يــا مـجاهيلَ الــنَّــسبْ

*

قـــد تــورَّطتُمْ بــذنـبٍ

و غَــطَــسْتُمْ لــلرَُكَـبْ

*

كــلُّــكمْ عَــبْدٌ ومــولى

عــندَ أصحـابِ الرُّتَـبْ

*

دَورُكُــمْ مِــثْلَ المطايا

حُــمِّلَتْ  بعضَ القُرَبْ

*

كــلُّــكــمْ زوجٌ لأروى

حَــمَلَتْ  يــوماً حطـبْ

*

فــلها  فــي الجِّيدِ حبلٌ

ولــكــمْ  مــليونُ تــبْ

*

لا يــظنُّ الــعِلْـجُ إنِّــي

مُــســتهينٌ بــالــعربْ

*

إنَّــما الــعُرْبُ رؤوسٌ

ارتــقــى فــيهم ذنــبْ

*

قد  يعاني الرأسُ يوماً

مِــنْ صُــداعٍ ووَصَـبْ

*

عــندما يَــشْفى ستلقى

كــلَّ فــأرٍ قـــد هــربْ

***

عبد الناصرعليوي العبيدي

 

تعـــــــــــــــــــال يا قمري

نتلو آيــــــــــــاتك:

آنـــــــــــــــــــــــاء العشق..

وأطرااااااااااااف الغــــرام !

*

دكان بَسْمَتي مفتوحاً...

وسِلْعَتي

ينقصها الكلمة !

*

بالأمس – وأنا - في ضيافة

(غالب بن صعصعة)...

بال (الفرزدق) على

بنطلوني الحديث الموضة

كبراً

وغروراً

وتعالياً

فَغَسَلتُهُ بــ(الدامِغة)!

*

تنوين اصطيادي

بصنَّارة ِعينيك ِ

ما (الطُعْم ُ) إذنْ !

*

ضيقي بضيقِ الضيقِ

أضيقُ من مضيقٍ

ضاقَ من ضيقٍ

يضيقُ بهِ الممرْ !

***

محمد ثابت السميعي - اليمن

 

حالة

حين اقتربت منه،

لاحظ (الميكاريوف) على وسطها،

أخفى الوردة،

وتشاغل بتنظيف البندقية.

*

امرأة

استشهد زوجها،

كبحت جوعها،

واكتفت برسائله.

أكلتها، ورقة، ورقة،

حتى صارت شجرة.

*

وصية أم

كانت أمي توصيني دوما:

يا ولدي، أحذر ... أحذر

لا تعط ظهرك للريح،

أسنده إلى صخرة أو كتف رفيق.

تحية

لعيني رفيقة، ودعتني وهمست:

ـ كن حذرا، يجب أن تعود لنا!

سأطلق نصف رصاصاتي.

*

تشابه

البنا ...  ت

والبنا... دق

يتشابهن ...

في استدارة العيون ودقة التسديد!

*

أمنية

لو تدرين أميرتي ما أريد؟

آه لو تدرين...

أن نعود صغارا، حفاة،

يد بيد، نطرق أبواب المدينة،

و(ماجينه .. يا ماجينه)

من النوافذ نهرب،

تتلقفنا المقمرات الليالي،

و(يا حوته يا منحوته،

هدي كمرنا العالي).

***

يوسف أبو الفوز – كردستان

١٩٨٢ ـ ١٩٨٨

 

عندما ولد ابنه الاول والوحيد، حمله فرحُهُ الى نافذة غرفة الولادة، وبينما هو ينظر الى العالم الفرح البسام، جاءه صوت زوجته من ورائه:

- ماذا سنسميه؟

ارسل نظره الى المناظر الغناء المحيطة بالمستشفى، متابعا بنظره هناك عددا من الخيول تنعم بالحياة وسط الاعشاب الخضراء، توقف نظره عند حصان اسود غطس، فرد على زوجته دون ان يلتفت نحوها:

- ادهم.. سنسميه ادهم الغيهبي.

حمل المولود اسم الغيهبي، بعد يوم او يومين.. توجه به والداه الى بيتهما هناك نعم بالحياة السعيدة في غرفته المزينة الفريدة،.. وكان اول سؤال وجهه الى والديه، والدِه بالتحّديد، عن معنى اسمه، وعندما اجابه ابوه انه الحصان الاسود شديد السواد، لمعت عينا الصغير، وراح يمشي في الشارع مثل مهر حديث عهد بالحياة. ما لفت الانظار اليه وعزز في ثقته بنفسه، وجعله يحب الخيول، خاصة العربية الاصيلة، حبا يستعصي على الوصف، وكثيرا ما كان الغيهبي يحلم في الليالي الغافية حول سريره، بانه يعيش بين الخيول، ويركض وراء حصان اسود، يمسك بلجامه ويمتطيه جائبا الدنيا به طولا وعرضا. وكان الوالدان كلما لمسا ما في قلب ابنهما من مدى هذا الحب للخيول، لمعت عيونهما وارسل كل منهما نحو الاخر نظرة رضا ومحبة.

كبر حب الغيهبي للخيول ساعة اثر ساعة، يوما بعد يوم وسنة تلو سنة، وعندما بلغ السابعة من عمره، حدث ان تواجد مع والديه خلال لقائهما بصاحب حظيرة للخيول، فابتعد الغيهبي عن الجميع، واقترب من حصان اسود، ناسيا المحيطين به ومركزا في بؤرة باتت محط امله وطموحه. في الحصان. في هذه الاثناء اقترب الوالد من ابنه بخفة من لا يريد ان يقلق من قبالته، وسال ابنه:

-الى هذا الحد تحب الخيول؟

فرد الغيهبي وهو يركز نظره في الحصان وراء حاجز الحظيرة قبالته:

-هل يسمح لي صاحبه ان المسه؟

لمعت عينا الوالد فرحا بوليده، وتوجه الى صاحب الحظيرة ليطلعه على رغبة ابنه، ابتسم صاحب الحظيرة وهو يفتح الحاجز ليدخل جوان وليقترب من الحصان الاسود بخطى ولي عهد حظي بالعرش للتو، وراح يلامس الحصان بخفة مُحب يود ان يشبع من ملمس محبوبه.

في طريق العودة الى البيت، ظهر اهتمام الغيهبي الجنوني بالحصان الاسود واضحا جليا، فما كان من والده الا ان نوى ان يصطحبه في نهاية الاسبوع الى بلدة مجاورة ليتعلم هناك ركوب الخيل. وفي نهاية الاسبوع كان ابناء الاسرة الصغيرة الثلاثة، الغيهبي ووالده ووالدته، في حظيرة تأجير الخيول، وما ان اتفق الوالد مع صاحب الحظيرة على ان يستأجر الحصان الاسود مدة قصيرة من الوقت، حتى امسك الغيهبي بلجام الحصان وركض، به محاولا ان يمتطيه، فعل هذا وسط اندهاش والديه وصراخهما المكتوم، وحصل ما توقعه الوالدان، الحصان جمح راكضا ولم يتمكن الغيهبي من امتطائه ربما لقلة خبرته.. وربما لرغبته الجامحة المجنونة. بعد عدد من المحاولات، تمكن الغيهبي من امتطاء الحصان الاسود، وانطلق في المدى المفتوح امامه ما جعل الوالدين يمتلئان فرحا وحبورا، غير ان فرحهما توقف فجأة ليريا الحصان وقد اطلق صهلة غريبة.. انتصب على قائمتيه الخلفيتين واوقع فارسه.

النتيجة كانت ان يد الغيهبي قد كسرت، في اول فعل حصانيّ له، غير انه ما ان تشافى وتعافى، حتى نسي ما حدث، وتمكن من اقناع والديه المحبين ان ما حدث، ما هو الا امر طبيعي، بل انه استعمل كل ذكائه في اقناعهما بما قاله لهما، متوسلا حينا بوعي وآخر بغير وعي، بقصص واقعية واخرى متخيلة وقعت لأناس عرفهم حينا واخرين تخيلهم حينا اخر، كسرت أيديهم او ارجلهم خلال امتطائهم الاول للأحصنة.

مضت السنوات، بطيئة لدى الغيهبي، وسريعة لدى والده المشغول بتوفير الحياة السعيدة له ولابني اسرته الصغيرة، الغيهبي  وامه، الى ان روى الغيهبي حكاية اختلقها من بنات خياله، وقرر ان تكون نافذته الى ما اراده وتمناه منذ اليوم الاول لتفتح وعيه، حتى بلغ الثالثة عشرة من عمره. خلال احدى سهرات الشتاء الطويلة، روى الغيهبي لأبيه وامه خلال مداعبة الكرى لعيونهما، حكاية مفادها ان اثنين من اترابه عشاق الخيول العربية الاصيلة، تمكنا بمساعدة اهلهما من شراء حصانين رائعين، وهنا انتبه الوالد من غفلته وسال ابنه ما اذا كان يود ان يكون ثالث الاثنين المشار اليهما.. فهز الغيهبي راسه ان نعم. فما كان من العالم حول ابناء الاسرة الصغيرة، الا ان اهتز قليلا فمن اين يأتون بثمن الحصان، لا سيما ان الاحصنة خاصة عربية الاصل لها سوق.. وباهظة الثمن؟ غير ان العالم ما لبث ان عاد الى هدأته السابقة، كان ذلك عندما رسم الاب خطة مالية محكمة لشراء الحصان الاسود لابنه الغيهبي، ووقف في مركز هذه الخطة سؤال مركزي وجهه الوالد لنفسه ولابني اسرته الصغيرة، الغيهبي وامه، مفاد هذا السؤال هو اننا سنعيش في السنوات المقبلة حالة استنفار بانتظار ان نحقق حلم ابننا وحامل اسمنا الغيهبي.. بماذا يستطيع كل مما نحن ابناء الاسرة الصغيرة ان يساهم من اجل انجاز شراء الحصان الاسود.. وعندما ادلى كل من ابناء الاسرة بما يمكنه التنازل عنه: الاب سيتوقف عن التدخين وشراء السجائر مرتفعة الثمن، الام ستدخر كل ما بإمكانها ادخاره عبر خطة تدبير منزلية صارمة، الغيهبي سيكتفي بربع مصروفه اليومي.. عندما توصل ابناء الاسرة الصغيرة الى هذا الاتفاق، انتشرت الابتسامات الحقيقية على الوجوه.. لا سيما على وجه الغيهبي.

ابتدأ الجميع بتنفيذ هذه الخطة، وكانوا يجتمعون في نهاية كل سنة متسائلين عما توفر لديهم من المال لشراء الحصان الاسود الموعود. في نهاية السنة السادسة زف الوالد لأبناء اسرته انه تمكن من ادخار مبلغ اقل بقليل من المبلغ المطلوب لشراء الحصان، فساله ابنه الغيهبي عما ينوي فعله؟ فما كان من الاب الا ان قضى الليل مفتحا عينيه.. ضاربا الاخماس العربية بأختها الاسداس..، وتوصل الاب قبل صياح الديك، الى انه سيزور من فوره حظيرة الخيول وسوف يطلب من صاحبها ان يُقسّط له ما تبقى من ثمن الحصان الاسود. ما ان وصل الاب الى حظيرة الخيول حتى شرع صاحبها بالترحيب المبالغ به. وكان ان اتفق الاثنان، على ان يدفع الوالد ما ادخره من مال ثمنا للحصان الاسود على ان يقسط المبلغ المتبقي مدة سنة.

اقتاد الوالد الحصان الاسود وسار باتجاه بيته، في محاولة رائدة لمفاجأة ابنه الغيهبي بحلم حياته. عندما اشرف الوالد المبتهج على الوصول الى بيته، فوجئ بابنه الغيهبي بانتظاره خارج البيت. احتفل الاثنان بإنجاز حلمهما المشترك الكبير، بعد لحظات امتطى الغيهبي حصانه وانطلق به في الفضاء الرحب. تاركا والده وراءه يكاد يطير من شدة فرحه بابنه الفارس العربي الهمام.

انطلق الغيهبي بحصانه تاركا لها الحبل على الغارب، لتصل الى ما تحب وتود من امكنة، وراح الحصان يسابق الريح، فيما يملأ الفرحُ قلبَ فارسه ويفيضُ من عينيه.. وفجأة ظهر له جناحان فحلق بهما طائرا الى ان هبط قريبا من حظيرة تقبع في ظلام رومانسي شحيح..، توقف هناك الحصان، ليقترب من فرس تشبهه بصورة لم تركب على عقل صاحبه الغيهبي، حتى انه تساءل، من اين جاء كل هذا الشبه بين حصاني وتلك الفرس. دخل الغيهبي وحصانه الى حظيرة الفرس المحظوظة، لينعما بأجمل اللحظات بعيدا عن العالم وما فيه، وبعيدا عن الجميع.. بمن فيهم والداه المحبان.. المتيمان عشقا.

***

قصة: ناجي ظاهر

خرج متثاقلاً من بيت الشراب بعد أن أنفق فيه كعادته كلما يملك، وسار بخطى متعثرة في تلك العشش المجدبة التي لا توجد بها بيوتاً قائمة، أو شوارع منظمة، نحو بيته المتداعي الخرب الذي يسكن فيه وحده، في أحد أحياء مدينة "الدمازين" البائسة، كان إدمان "محمد عبد الوهاب" الشهير "ببرينسة" على شرب "العرقي" آفة من ضمن الآفات الكثيرة التي تضطرب بها حياته، ولقد زادت هذه الآفات على مرّ الأيام بشاعة ونكرا، وأكبر الظن أن هذه الآفات قد سايرته في حياته منذ أن غاب عنها شبح تلك الجميلة، النحيفة، الضئيلة، التي رفض والدها أن يزوجه إياها، لقد عذبته هذه العاطفة عذاباً شديداً، وأصطلى بنارها المحرقة، وأضناه هذا الصد الذي انتهى به إلى طرق شائكة يحفها الشوك، لقد كان ينتظر من والدها الذي أمضى ربع عمره في الحبشة، شيئاً آخر غير هذا الصد، والشيء الذي نرجحه ونوشك أن نقطع به، أن "برينسة" لم يطوف في ذهنه أبداً أن يرفض "عصام سراج" والد" خدوج" زواجه منها، لأن "برينسة" تغاضى عن حقه في الميراث، فعمه "عصام" قد استأثر بكل نصيب والده، وبدده في نزواته التي لم يتطهر بعد من أوضارها وأدرانها، ولأن "برينسة" طيلة فترة غياب عمه في الحبشة، كان هو الذي ينفق على عائلته في سخاء واسراف، و"خدوج" الطفلة العذبة الجميلة التي كبرت أمام مقلتيه، والتي كانت تؤثره بحبها دون غيره من الناس، والتي كان يتضاءل قوامها السمهري ويتقاصر، أمام عنفوانه الجامح في خلواتهما، التي كانا ينفقان فيها بقية الليل كما أنفقا أوله في لثم، وعناق، وضم، هاهي "خدوج" ترفضه وتغالي في رفضه، وتقسو عليه، وتمعن في هذه القسوة حتى تبلغ بها أقصى غاياتها، لتقسم جهد أيمانها أنها لن تتزوج غير بن خالتها الغني، الفرح، المرح، القادم من "الحجاز" خصيصاً ليكمل زواجه منها، ويمضي بها معه، و"محمد الشهير ببيجو" بن خالتها الذي لم يكن يعنيه أن يقبل" برينسة" هذه الزيجة أو يرفضها، أو يرضى عنه "برينسة "أو يسخط عليه، لم يطيل الوقوف، أو يطيل النظر، في هلع "خدوج" وجزعها من تهديد "برينسة" لهما، فقد أخبرهما في أصيل يوم شاحب، بحضور "عصام" عمه في ووضوح وجلاء، بأنه لم ينفق على ابنته، ويتسع في هذه النفقة، ليأتي "بيجو" بعد كل هذا البذل، والتعب والعناء، ليتزوجها ويمضي بها بعيداً، ويتركه لهذا الحزن اللاذع، والألم الممض، والأسى العريض، وأسمعهم أحاديث رعناء ملتوية، جعلت القلق والحيرة تعصفان بخدوج وأبويها، وقال لهما "برينسة" في بعض ما كان يقوله:" أنه ينتظر من عمه "عصام" أن يوافق على زواجه من بنته دون قيد أو شرط، وإن تمسك عمه "عصام" بالرفض، فإن خياله الضيق المحدود لن يسعفه بتصور الأحداث والخطوب التي سوف يجريها هو عليه، وما يستتبع هذه الخطوب من شدة وقهر، لقد أخبرهم "برينسة" في صوت هادئ عميق، أن رفض عمه سيتيح لهم أن يروا له وجهاً مغايراً لما ألفوه وعهدوه عنه، وأنه سيظهر لهم هذا الوجه بصورة واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض، إذا لم يرضخوا لما اقترحه عليهم.

مضى برينسة لحال سبيله، ومضى بيجو السعيد النشوان يكمل ما بدأه من ترتيبات زواجه، وسار عصام سراج كعادته نحو بيت من البيوت التي تباع فيها الخمور البلدية في أقصى نواحي القرية، وجلست خديجة تحادث والدتها والخوف يدنو منها ويخلط نفسه بها، وربما كان من الحق علينا، أن نسجل هذه الحركات التي تدل على أن خدوج تهاب برينسة وتخشاه، وأن هذا الخوف قد تعدى اطار اليقظة ليطارد المسكينة في نومها، فما أن تأخذها سِنة من نوم، إلا عبثت بها خواطر خشيتها من برينسة، فتنتبه من نومها وهي مذعورة أشد الذعر، و لا تكاد تستطيع أن تسترد روحها النافرة الجزعة إلا في مشقة وجهد، وبرينسة في المنام غير برينسة الذي كان تألفه وتهرع إلي غرفته في دياجير الليالي، لتستقي من حبه وعنفوانه، فأحلامها تصور لها بن عمها بأنه صاحب نفس بشعة، وقلب قاسي، وسيرة منكرة، وأنه لا يريد شيئاً في هذه الدنيا غير تعاستها، إذن باتت شخصية برينسة البشعة في عالم أحلامها، هي التي تسيطر عليها وتتحكم فيها، وخدوج التي لا حظ لها من قوة، ولا قدرة لها على مقاومة هذا الخوف، أرسلت إلى بيجو أن يأتي إليها، وأن يأتي إليها في عجل، وتساءل بيجو ترى ما هي الحاجة الملحة المشتدة في الالحاح، التي تحتم عليه أن يترك سفره للعاصمة، ليستمع لهذه الفلسفة المسرفة في التشاؤم والاستسلام؟ ولما تدبر في عاقبه ذهابه، انتهى به الأمر إلى سأم كاد ينتهي به إلى أن يمضي في سفره، لولا أن تفاجأ بحضور خديجة إليه في منزله، وابتهج بيجو النشوان بمقدمها، وتهيأ لأن يستوفي حظه من لذة العبث والمجون بأكبر قسط مستطاع، إلا أن خدوج ردته في عنف، وبيجو الحريص على أن يلم بهذا الجمال، بات يرى أن فؤاد محبوبته من أفرغ الأفئدة، وعقلها من أسخف العقول، لأنها لا تطنب إلا في هذه الأحاديث الشوائل، طلب منها بيجو في كثير من الرفق واللين، أن تريح نفسها من هذا العناء المهلك، وأخبرها أن مثل هذه التهديدات شائعة مألوفة في دنيا الحب، وأن وعيد برينسة له، لم يزده إلا قوة، وقوة على اكمال هذا الأمر، ومضى بيجو مندفعاً في نحو هذا الكلام لا يلوي على شيء، ولا يثنيه عن الحديث شيء، حتى استمالت له خدوج، وتخلت عن بعض خشيتها، و أظهرت له هذه الحدة والحرارة، التي أسعدته بها في زيارتها السابقة، ولكنها عادت لما يتمثل فيها من عيوب وخلال، لتحتدم مع بيجو، طالبة منه أن يرتفع عن هذه اللذات الآثمة، وأن يفكر معها في كيفية التخلص من كوابيس برينسة، وخدوج التي كانت ترى أن عقل بيجو حافلاً بصغائر الأمور، مصروفاً عن عظائمها، لم تجد مشقة من أن تظفر بقدر ضيئل من المتعة تعيد إليها شيئا من توازنها النفسي، وتجعل بيجو الذي لا يسكن إلا ليتحرك، ولا يستقر إلا ليضطرب، ولا يهدأ إلا ليثور من جديد، يحس بشيء من خوفها وذهولها، ويشجعها على تجاوزه، أخذت خدوج تكفكف من عبراتها، وبيجو يأمنها تأمين الخائف، ويطمئنها تطمئنة المذعور، حتى ثاب إليها شيئاً من اتزانها، وتركها بيجو حيناً ليفرغ من حزم أمتعته، كانت خدوج جالسة على حافة السرير، وهي تعبث بجدائلها، وترقب بيجو الذي ما أمضاه معها في عبث يكفيه أن يقضي سائر يومه هادئاً راضياً، لقد أوشكت خدوج وهي في منزل بيجو، أن تستقبل أول النهار وهي فرحة، مرحة، لولا تناهى إلى سمعها صوت بكاء حار قادماً من تلك الناحية التي فيها دار عائلتها، ولم تلبث إلا قليلاً حتى أتاها الرسول الذي قطع عنها لحظات التوجس والخشية، ليصدمها برحيل والدها، لقد مات عصام سراج بعد أن استيأس من إدراك التوبة التي تطهره من دنس الذنوب، وفي الحق أن سراج لم يمعن يوماً في الضراعة، أو يلح في الدعاء، حتى تتجاوز هذه الابتهالات الصادقة حجب السماء، كلا، لم يحدث شيئاً من كل هذا، هي مجرد توبة تحدثت بها نفسه، ولكنها لم تنهض على ساق، وكان سراج يخفي من أمرها ما يستطيع، ويبالغ في هذا الاخفاء، فلم يتحدث بها لندمائه إلا لماما، لقد أهمل سراج سبل التوبة وكان من الحق أن يسلك دروبها، ولكنه اختار أن تمضي حياته بمعزل عنها، و أن يظل طرفه الوسنان لا يحدج إلا الصهباء التي لا يحول نظره عنها إلى يمين أو شمال، والخمر المدسوس إليها شيء غير قليل من السموم، هي التي أودت بنهايته على كل حال.

لقد نهض برينسة بواجب العزاء، وتكلف بكل مصاريفه، وظل طيلة أيامه لا يستريح ولا يعرف الراحة، ولا يطمئن ولا يميل إلى الطمأنينة، ومضى يضطرب في الأرجاء، يستقبل الوفود، ويقف بنفسه على كل التفاصيل.

حتى إذا انقضت أيام العزاء، التفت إلى بنت عمه وقد بلغ الحزن منها ومنه أقصى مبلغ، وأخبرها في حنو وعطف أنه يعتذر عن رعونته السابقة، وأن وفاة عمه أجبرته أن ينكر هذه التصرفات السخيفة التي بدرت منه، واعترف لها بأنه ما زال يحبها، ولكن حب روافده هي الرحمة، والحنان، والمواساة، وليست العاطفة ولا الشعور، وقال لها أنت عندي مخطوبة وستتزوجي قريباً من رجل غني، وقد أدهش هذا التغير المفاجئ خدوج وأمها، وأدهش بيجو النشوان أيضا، ومضت الأيام رتيبة ثقيلة، حتى انقضت أول سنة على رحيل عصام سراج ولم يحدث طيلة هذه السنة ما يريب خدوج من بن عمها، فهو لم يلقي التحية عليها إلا وهو كاره، ولم يتحدث معها إلا وهو مضطر، وعاد بيجو النشوان من اغترابه ليستأنف حياته الغرامية، وليتزوج ممن نأى عنها بعد قرب، عاد بيجو ليظهر هيامه بخدوج ليثيرها من جهة، ويثير سخط بن عمها برينسة من جهة أخرى، كان بيجو مرتاباً في برينسة، شاك فيه أشد الشك، فكيف يضحي بخدوج الجميلة التي آمن بحبها، كيف يتنازل عنها بهذه البساطة، خاصة بعد أن آلت إليه الأمور بعد وفاة والدها سراج، كان بامكانه أن يتزوجها رغم رفضها وأعراف البلد، وعاداته وتقاليده تمكنه من اتخاذه هذه الخطوة.

أراد بيجو الفرح النشوان الذي لم تبقي له أقداح الراح شيئاً من رشد أو صواب، أن يمضي في عبثه، ويندفع في دعابته، مع خلانه الذي أتوا معه في نفس الباخرة، ولكنه آثر أن ينال قسطاً من الراحة، يكفل له تحمل عناء السفر إلى قريته الواقعة على مشارف الخرطوم، قاد بيجو سيارته التي انتهى من تخليص أوراقها اليوم، ومضى بها مسرعاً في طريقه إلى الفندق الفخم الذي يستأجر غرفة فينانة فيه، ونسيم الثغر الحبيب ينشر على نفسه وعلى الأشياء من حوله باقة مزدانة من التفاؤل، والبهجة، والسرور، وبيجو الذي كان يحتاج فعلاً أن ينظم أفكاره وآرائه حيال موقف برينسة من زواجه، لم تبلغ رحلته إلى غايتها، فبيجو النشوان لم يصل قط إلى غرفته، ولن يصل قطعاً إلى خدوج محبوبته الجميلة التي طال شوقه إليها وشوقها إليه، فثمة شيئاً غريباً قد حدث،لقد كان بيجو يحدث نفسه الشاردة تارة، وتارة أخرى يغني بصوته الأجش المبحوح، وفجأة أبصر أمامه شاحنة ضخمة ثقيلة الوزن، بطيئة الحركة، فضغط على كوابح سيارته حتى يتفادى الاصطدام بتلك الشاحنة، ولكن تلك الكوابح ليس لعملها من سبيل، فقد عبثت بها أيادي محترفة من أجل أن تقصي قائد هذه المركبة عن الوجود، وقد نالت هذه الأيادي نظير هذا الصنيع أكثر ما نالته بائعة الخمر التي دست السم لعصام سراج، لقد أخذ برينسة نفسه بضروب النشاط العقلي حتى وصل لهذا التدبير، إذن برينسة الذي دُفِع إلى هوى خدوج دفعاً، وهام بها هياما، لم ينسى لذته ومتاعه معها، وعجز أن ينسى نشاطها وكسلها، وتهدج صوتها وحركاتها، ولم يبرء من سهام لحظها، لأجل كل هذا أفسد برينسة ما بين الناس من صلات، وأهدر حياة كان أصحابها بيتغون أن تأخذ بحظها من العيش ولا تكون ضحية لعدوانه، لم تشيع في جنبات روحه الرحمة لهؤلاء المساكين، بعد أن تحققت صلاته مع البغضاء، واستوثقت علاقاته مع السخائم والأحقاد، وذهب بحريته إلى غير مدى، وبرينسة الذي لم يؤخذ بظن، أو تلحقه ريبة من خدوج وأهلها مضى مشيعاً جنازة بيجو، ويظهر الحزن، ويتكلف اللوعة على موته، وبعد أن عاد إلى مقر العزاء تحلى بصمت كاذب حاد بينه وبين الحركة والنشاط، ولكن كارثة حدثت أخرجته عن الصمت إلى الأنين والبكاء، ثم إلى العويل والصراخ، لقد انتحرت خدوج، لم تقوى على العيش والحياة بعد أن مات من كانت تركن إليه، وتلوذ به، لقد كانت حياتها غنية بالحب، وبالحبيب الذي وعدها وألح في وعده بأنه سيعود إليها، وأنه سيرعاها ويحتفي بها، ويطوف بها أصقاع الكون، لقد أيقنت خدوج أنها لن تستطيع أن تصمد أمام هذه الخطوب المتصلة، وأن ترضخ لهذه الحياة الخاملة التي لا يوجد فيها شيء غير الفجيعة والوجوم، لقد ذهب عنها الحب، وغادرها الحبيب إلى غير رجعة، إذن لابد من الانتحار، وخدوج انتحرت في سرعة وعجل، لم تنتظر طيف انتحارها ليداعبها وتداعبه، ويغاضبها وتغاضبه، ثم يراضيها وتراضيه كما يقول الأديب الأعمى، بل ألحت عليه، وأمعنت في الالحاح حتى رضخ لها، لقد قطعت خدوج شرايينها بعد أن أوصدت بابها، وأحكمت اغلاقه، ثم أغلقت عيناها في هدوء، وبرينسة الذي لم يرفق بهذه الفتاة أو يرحمها، كان ينتظر أن ينتصر وأن يسود، وأن يعيش مع خدوج عيشة هادئة بعد أن تشفى من حزنها على فراق حبيبها بيجو، كان برينسة يهيئ نفسه لمواساتها وعونها حتى يندمل جرحها، هو الآن أجدر بهذا العون، وقمين بهذه المواساة، أمسى برينسة ينفق يومه في الحسرة، والندم، والأحلام المروعة، وقرر أن يترك قريته ويمضي للحبشة، حتى ينقضي عمره فيها، ولكن الحرب التي كانت مشتعلة بين الجيش وقوات التمرد في الكرمك الحدودية، هي التي أجبرته أن يبقى في الدمازين حاضرة ولاية النيل الأزرق، وفي الدمازين احترف برينسة بيع التبغ، وما زال برينسة يبحث عن خليل يذود عنه الحزن، أو مومس ترد عنه البؤس، أو كأس ينسيه مرارة الذكرى.

***

د. الطيب النقر

 

في النصف الأول من الستينات من القرن الماضي وفي القطاع الشرقي من برلين وعلى كتف الشارع الجميل (تحت أشجار الزَّيزفون Unter den Linden) تقع مقهى الصحافة Presse Café التي:

يرتادها الوزيـرُ والأجيـر،

والصَّحفي والطالبُ الفقيـر،

تغصّ بالصَّـبايا الملاح،

يأتـون من كل حدب وصوب،

يتـنادمون ويشربون ويضحكون.

كان جالساً مطرقاُ يفكـر في وطنه

الذي اغتاله الـفاشـيّون والتتـر.

جلس إلى جنـبه صحفي ألمـاني،

نظر إليه ملـيّـاً وسأله:

من أيِّ بلد أنت؟

أجـابه الكـئـيـب:

من العراق!

أنـا من العـراق

من بلد الدّمـوع والضَّـحايا

أنـا من الأرض التي يعـمُّـها

الضَّـبابُ والظَّـلامْ

وتـُحـجَـزُ الآراءْ

حـقَّـتْ عليها لعـنة ُالسَّـماءْ

فنَـضَـبتْ مياهـُها وذبَـلـتْ أزهـارُها

وغاب عن حقـولِـها المـطـرْ

فاصفَـرَّ فيها العشبُ ينعى حظَّـه الكئيبْ

وزاغ في سمـائـها البصـرْ

فتمتمَ الآخـرُ مُستـفـهماً:

وكيف حال المـرأة الفـتَـيِّـةْ؟

هـل تعـملُ؟

وهـلْ تُـرى تخـرج في حـريّـةْ؟

في الحقل أم في مصـنع ٍتشـتـغـلُ؟

أجـابَ: ليس كلَّـهُـنَّ ؛

إنَّ لنـا تـُراثـَنـا العتـيـدْ

ومجـدَنـا المُـخَلـَّد التَّليـدْ

أجـابَه:

يا سيِّـدي إنَّ الذي تـقولُ

ليس له من صحـِّةٍ أصولُ

فَلوْ لديكمْ كانتِ المعـاملُ

وانتعشتْ بمائـها الخمائلُ

وغمَرَتـْكمْ سُحُبٌ هواطلُ

لكسَرتْ قيودَهـا العوائـلُ

لكنَّـكمْ تـُعوزكمْ صـناعةْ

فأطرق المسكين في قناعـةْ

*

وبعد أن جاءتْ عقود أربعةْ

مـرَّتْ ككابوس على العراقْ

فأظلَمتْ سماؤُه وغارَ فيها ماؤهُ

واسـودَّتِ الآفـاقْ

وبعد أنْ تحطَّمتْ سلاسلُ الأعناقْ

لمْ يجـدِ العراقُ مـا قد ضيَّـعَـهْ

فتـاهَ في الآمـال والأحلام ْ

وجاءت الذِّئـابْ

تـفـتـكُ بالأشجار والبشـرْ

وتطَـأ الحـقـوقَ بالأقـدامْ

ونصّبوا حاشيةً تخشى من التـفكير والكلامْ

فتـبعـث الأوهـامْ

فَهُضِمَـتْ حـقـوقُـها، المرأةُ الجميـلة

لذا على الدَّوام طاح حظّـُـنا

لأنـَّنا دومـاً بساق ٍواحـدةْ

لأنّنـا بأذرع ٍ يتيـمةْ

نحـارب الأعـداءْ

ونـقبـل الهزيمـة

نعـرُج في مِشـيـتِـنا لا نبلغ الأهـدافْ

وغيرُنـا ينـتـزع الدّ ُرَّ مـن الأصدافْ

فـهلْ رأيتمْ طائـراً يطيـر في السـَّماءْ

وذا جنـاح ٍ دبَّ في عـروقها الفنـاءْ؟

نسـتـرق السَّـمعَ بأ ُذنيْ فرس ٍ

ونـنظـر الدّنـيـا بعين حاقـدةْ

وهـل سمعـتمْ مرة بامرأة قد أحرقتْ بلادَها

وقادتِ الشَّعبَ إلى العَـفـاءْ؟

لا تظلموهـا! إنَّـها زوجتُـكمْ

وإنـَّها أمّكمُ واخـتُكمُ وابنتـكمْ

يا من بكم قد فاخرتْ صحائفُ الظَّلامْ

يا من بكمْ قد بُـلِـيَ العراقُ والأنامْ

كان لنا يوماً زعيمٌ طيِّـبٌ

أراد أن يحتطـبَ النجومْ

ويَخطِـفَ القمـرْ

ليـُسعِـدَ البشـرْ

أراد أنْ يـُحرِّرَ المرأة من قيودهـا

وينسفَ القـدرْ

لكنـَّهم، عنـاصرَ الظَّـلام والتتـرْ،

قد ذبحـوا الصَّـباحَ من وريـدهِ

واقـتـلعوا الأشجـارَ من جذورها

وعصـفوا بالروح والحياةِ

وأحرقوا الغـاباتِ

ورجعوا بالبلد المنكـوبْ

إلى عـهود غابـرةْ

مُـخضَّـباً بالدَّم والنّـدوبْ

وأسدل الظلام أستاراً على العقول والفِـكَـرْ

وكان للمرأة حظ ّ عاثـرٌ

مُـذْ أ ُسْـدِلَ السِّتـار !

***

د. بهجت عباس

آذار 2004

......................

* من مجموعة (زنابق السّنين، فيشون ميديا، السويد 2009)

مع ترجمة  الدكتور يوسف حنا فلسطين

***

لم نجد أحدا

لم نجد بيتنا القديم

أقواس الدموع السوداء

زيزان شجرات الكاليبتوس

لم نجد ذهبا ولا حصان العائلة

لم نجد وردا في الحديقة

أو فراشة تئز في الهواء

أو يعسوبا ينقل حجرا كريما إلى سعادة الملكة

لم نجد فهد الندم الأزرق

أو نورس المخيلة السكران

لم نجد ذاك الكناري

الذي يحرس الجارة المسنة

من ثعالب النسيان

لم نجد إلها ببنطال فضفاض وقبعة طرطور

لأفرغ غيمة شقائي اليومي في جيبه المثقوب

لنخرج كيس صلواتنا بيد ضريرة

لم نجد نوحا ولا سفينة التيتانيك

لم أجد صديقا واحدا لتشييع جنازة المسكوت عنه.

لم أجد بحيرتي الصغيرة في نبرتك المبحوحة

لم أجد بابا مشرعا لأخرج من الشك إلى اليقين

من ظلمات رواسبي إلى مرتفعات الضوء

خذلتني نار المتصوف في كثافة القبو

وأزهاري ذبلت بزرنيخ الصيارفة.

**

نقتل كل يوم

ندفن كل يوم

لم يك ديكور الجنازة لائقا

المشيعون على أصابع اليد

والحاجب افترس قطيع التوابيت

والحفرة عميقة جدا

النسيان بطول ستين مترا

يجر عربة الأموات إلى الميتافيزيقا

بدلا من الأرامل تبكي العجلات المشتعلة

بدلا من صلاة القس

تصلي طيور الغاق

إبتلعت هذه الأرض العجوز إخوتي بفم أدرد.

والحاجب أخفى قطيع التوابيت في الماريستان

أيها المعزون أنصتوا جيدا

لخشخشة دموع الأرمل.

**

كانوا في الهزيع الأخير من الجنون

سيسقط القطار في الفخ

ويطير المسافرون إلى لامكان

بدلا من الشمس أشرقت غزالة في الكازينو

يأكلون قلبي بمعالق من ذهب

فهود لا تفكر في صخب البنادق

خسرت الله في الحرب

وحملت المياه على ظهري لإسعاد الجثث

اكتشفت قناعك أيها الظل

وجهك الملطخ بالوحل والجريمة

إكتشفت أرومة اللاشيء

الغبار الذي يقاتل جنود المرئيات

آه أيها اللاشيء الذي يخطف الجيران بدم بارد.

أيها الجاسوس الأعظم.

***

بقلم فتحي مهذب تونس.

....................

The Lost Lautréamont * Kingdom

By Fathi Muhadub / Tunisia

Translation from Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

***

We did not find anyone

We did not find our old house

black tears bows

Cicada eucalyptus trees

We found neither gold nor the family horse

We did not find roses in the garden

Or a butterfly sizzling in the air

Or a dragonfly transporting a precious stone to her highness the queen.

We did not find the blue leopard regret

Or the drunken gull of imagination

We didn't find that canary

guarding the elderly neighbor

from the foxes of oblivion

We didn't find a god in baggy pants and a foolscap hat

To empty the cloud of my daily misery into his pierced pocket

To take out our prayer bag with a blind hand

We did not find Noah or the Titanic

I did not find a single friend for the funeral of the unspeakable taboo.

I did not find my little lake in your hoarse tone

I did not find a wide-open door to move from doubt to certainty

From the darkness of my residue to the heights of light

The fire of the mystic let me down in the dense basement

And my flowers withered with the arsenic of the money changers.

**

We are killed every day

We are buried every day

The funeral decoration wasn't appropriate

Mourners could be counted on one hand,

The porter devoured the flock of coffins,

And the hole is very deep.

Oblivion is sixty meters long

dragging the dead chariot into metaphysics.

Instead of widows crying burning wheels,

Instead of the priest's prayer,

Great Cormorants are praying.

This old land swallowed my brothers with a

edentulous mouth.

And the porter hid the flock of coffins in the madhouse

Dear mourners, listen carefully

To the rattle of widower's tears.

****

They were in the last night watch of madness

The train will fall into the trap

And travelers will fly to nowhere

Instead of the sun, a deer in the casino has shone on

They eat my heart with golden spoons

Cheetahs don't think about the uproar of guns

I lost God in the war

And I carried water on my back to please the corpses

I found your mask, O shadow

Your stained face with mud and crime

I discovered the lineage of nothingness

Dust fighting the soldiers of visible

Oh you, nothingness that snatches neighbors in cold blood

O Great Spy!

حوَّاءُ، مَهلاً

لا، ما كانَ ذاكَ ضِلعاً

فحسبُ

بل روحاً وشَغفاً وجَناناً

*

حواءُ ما كانَ

جُزءاً من جَسدٍ

بل كان في الكُلِّ

هو الكُلُّ

كيف يكونُ قِسماً

وأنتِ مَن يُعطي للحياةِ

كُلَّ هذا الزَّخَمِ؟

*

لِمَن غَيْرِكِ

سيُزرعُ الوردُ؟

ولمَن ستنحنِي بإجلالٍ

رايةُ الغَزلِ؟

*

إذا نونُ النُّسوةِ يوماً

عن الوَرى توارتْ

لِمَن سيُمنحُ

تاجُ الدَّماثةِ والُّلطفِ؟

وكيف ستَعرِفُ الكلماتُ

مَعنى العُذوبةِ؟

ولمَن سيُكتبُ الشِّعرُ؟

*

مِن دُونِكِ، سيِّدتي

سَتَنسى الفراشاتُ التَّحليقَ

وستَعزِفُ كُلُّ البلابلِ

عن التَّغريدِ

وسيكفَهرُّ وَجهُ الفَجرِ

ويَختفي القَمرُ

*

مِن غَيرِ لَمسةِ الأُنثى

يُصبحُ البردُ أقسى

وتُبتلى الأشجارُ

بآفَةِ العُقمِ

ويصيرُ الكونُ

مِن غيرِ مَعنى

*

حوَّاءُ مِن غَيْرِها

لا يَجودُ البحرُ

ولا تَحبَلُ السُّحُبُ

ويَسهو مُرغَماً

عن الهَطلِ

المَطرُ

*

حوَّاءُ، سلامأ

وكُلُّ التَّوقيرِ والإجلالِ

إلى الخَالقِ البارئ

لنِعمةِ العَطاءِ

وكلُّ الحُبِّ إلى ذَلك الضِلعِ

الَّذي صار أنتِ

وصِرتِ فَوْعَةَ البَريّة

*

جورج عازار

ستوكهولم السويد

لـــــغـةُ القــرآنِ حِصْـنٌ

حــفـظ اللــه مَـــــــــداه

*

صـانه مِـــن كـل كـيْــدٍ

واخــتِــلاقٍ واشــتــبـاه

*

صــدَحَ الــحــقُ يُـنادي

طافَ فـي الأفق نِــداه :

*

تــوَّج الـلــهُ كــتـــابــاً

عَـمَّ فـي الكـون شــذاه

*

بــكـــلامٍ عَـــربــــــيّ

بَهـرَ القـــومَ سَـــنـــاه

*

فَــزَها الضادُ فَخـوراً:

قــلـمُ الــنور اصطـفاه

*

نَـبـَضُ الذوقِ تَــعـافى

بـفصيـحٍ قـــد رعــاه

*

افصحُ العُربِ نــــبــيٌّ

عـزّز الفصحى نَــــداه

*

وبـضوء الحــق طوْعـاً

حــقَّـق الوعــيُ خُـطـاه

*

فـهـنـيــئـاً لـلســـــــانٍ

يـعقِـرُ اللحْــنَ، صَــداه

*

بــبــيـــانٍ ، وبــــديــعٍ

طــاهـرُ الـثـوب كـساه

*

لايطيـبُ العِــزُّ مـا لم

يـبلغ الضـــادُ سـمــاه

*

(طــلـعَ البـــدرُ علينـا)

يحـــرسُ الضــادَ ضِيـاه

*

فتجلّى النـــورُ يُوصــي:

امنحوا الحـرفَ عُــــلاه

*

إنْ تَــحَـلّـى بــنَــقـــــاءٍ

وعَـــفافٍ قـــد حَــــواه

*

وصفاءٍ فــــي النوايـــــا

رافــدُ الـطِـيـبِ سَــــقاه

***

(مجزوء الرمل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

مازلتُ منتظرًا على نيرانِ

أنْ يطلع البدرُ على الأكوانِ

*

أن تلتقي عيني وعينك برهةً

مثل احتضانِ الطيرِ للاغصانِ

*

كلّي إليكِ مشاعرٌ جياشةٌ

مَنْ يحملُ الظمآنَ للغدرانِ

*

أتنامُ عينٌ وهي تدري أنّها

يومًا ستبكي فرقةَ الخلانِ

*

وتعودُ تنظرُ في الوجوهِ طريدةً

لا شيءَ يؤنسها عن الهجرانِ

*

شغفتْ فؤادي وهي بدءُ ربيعِها

وأنا الخريفُ يدبُّ في بستاني

*

قالت تخاطبني بصوتٍ ناعمٍ

أهواكَ رغم الشيبِ والفقدانِ

*

قل لي متى ألقيتَ فيَّ محبةً

وغدوتَ محترقًا بلا نيرانِ

*

ارجوكَ لا تجعلْ فؤادي دميةً

فانا ابنةُ العشرينَ، غضُ بناني

*

وعرفتُ انَّ الحبَّ نعمةُ خالقٍ

جعل الجمالَ مموسقَ الألحانِ

*

واتيتَ لا أدريك كيف أتيتني

وطرقتَ بابي بعد طولِ رهانِ

*

قلقي سيُفضي بيْ الى الخذلانِ

فأغِثْ فؤادي من لظى نيراني

*

أدري بأنك مُذ فُجِعتَ بنكبةٍ

أمسيتَ محرومًا من السلوانِ

*

فاخلعْ ثياب الحزنِ واسكنْ مقلتي

لألوذَ من نفسي الى سجّاني

*

خذني إلى عينيكَ، مالي حيلةٌ

الاكَ فاحذرْ أن تملَّ جناني

*

أبدًا احبُّكِ كيفَ اكتمُ لوعتي

وانا الذي قد عاش في حرمانِ

*

ارجوكِ مُدّيْنِي بفيضِ محبةٍ

ودعي النهايةَ وارتضي بحناني

*

فأنا ابنُ هذا الهمِّ ، ارقبُ زورةً

تُلقي على قلبي بصيصَ أمانِ

*

تمضي السنون، فكيف أوقف زحفها

لا شيء يعدل زورة الخلان

*

متحيرا بيني وبينك حاجز

ارجوك ساعدني على احزاني

***

د. جاسم الخالدي

 

- إلى روح نيتشه -

فريدريك نيتشه

نمرُ الفلسفةِ البريّ

كانَ قدْ قالَ كلَّ شيءٍ

عن الانسانِ الخارقِ

وجوهرِ الأديانِ

وسلطتِها البشرية

امّا صرختُهُ المدوّية

عن موتِ الآلهة

فما زالتْ اصداؤها تترَدّدُ

في كلِّ أَنحاءِ المعمورة

كما أنَّ الغريبَ والمُخيفَ

في سيرةِ وحياةِ وحلمِ

السيد " نيتشه "

هو انَّهُ قد أختنقَ

برؤاهُ المُضادّةِ

وجنونهِ العاصفِ

ووحوشِ قلبهِ الشرسةِ

ولهذا …

..

.

ماتَ وحيداً

***

سعد جاسم - كندا

في 3-3-2024

 

كل الأشياء التي نحبت عريها، وانثالت إلى وميض الذكرى..

لم تعد لي،

فاستعرت وجهها السائب، على درج مكتبي..

أو ليس الأمل قطيفة فاخرة،

في جسد هش لا يعذر الحياة!

2 -

حصار في حصار في حصار،

وشطر هذا الموات البليد..

حزن وسراب.

وفي غواية الحرب،

ملوك من ورق..

وعروش من سحاب..

فلماذا نحن باقون هاهنا؟

لولا أننا لا نملك مصيرنا؟!

3 -

وعندما يأفل الغضب،

وتنجلي ثورة الحيارى..

يئز النطع فوق الرؤوس،

والاحلاف..

وتدور المواجع،

وتدور..

إلى جنابها السخيم..

كأن لم يكن من عاصم،

ولا قوة إلا بهذا الجنون..

4 -

ثم ماذا بعد،

أيها الشعب الخانع الراكع الجائع،

الموجع..

أأنصاب أم خيول قاعدة،

والسيوف في أغمادها العهر..

صدوعها وضلوعها..

5 -

يا أمة لم تضحك لها سنن، بعد جهل مستدام..

يا أمتي،

ها أنا مزحوم في ذرى القبح،

سديم فطام..

يا أمة، ليس لي بعد هذا من كلام...

***

مالكة العلوي

 شاعرة وإعلامية من مراكش

في نصوص اليوم