عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

بائع خضروات من مخيم (جم مشكو)،

يسكن الخيمة الثانية من البلوك السابع،

ذلك عنوان سكنه المؤقت.

عنوان شاعري يصلح لقصيدة سريالية،

أو قطعة موسيقية ارتجالية بأنامل منير بشير،

ولكن منير بشير مات،

وطنين ذباب الفواكه باقٍ.

فقط لو يغسلون الخضروات جيدًا،

ولو لا زعيق هذا البائع،

لو يضع الفواكه بالترتيب قبل الخضروات،

لو يكون هناك تفاحٌ،

الكثير من التفاح الريّان،

الأحمر والأخضر والأصفر،

لكن دون تلك القبائل من الدود.

دون أن تمد حواء يدها إلى واحدة شهيّة،

دون أن يشهد نيوتن الجالس الكسلان سقوط إحداها.

نعم، كان يمكن للعنوان أن يكون شاعريًا،

وكان يمكن للقصيدة أن تشتهر،

ويصبح بائع الخضروات شاعرًا،

ويتحول الشاعر إلى تفاحة.

ويتسلل الدود من الباب الخلفي للمخيم،

تقودهم هذه القصيدة

وطائر القبج الشنكالي،

إلى الخيمة رقم 2، بلوك رقم 7.

يملؤون الخيمة بالثقوب،

وننسى التفاح،

والشعر،

وزعيق بائع الخضروات.

***

مراد سليمان علو

الآن..

يسقطُ الكلامُ كما تسقطُ الثمارُ الناضجةُ عن غصنِ الوجد،

فلا "نحوٌ" يضبطُ فوضى هذا السكونِ المأهولِ بك.

لقد عَبَرنا نفقَ الحروفِ..

وصرنا "المعنى" العاريَ الذي لا يحتاجُ لثيابِ المجاز.

في هذا الصمتِ العظيم،

أسمعُ دبيبَ ذراتِ الكونِ وهي تأخذُ مكانَها الجديد..

على هذي الوهاد.

فأنتَ "الصدى" الذي يسبقُ صوتي،

وأنا "الرؤيا" التي تسكنُ خلفَ جفونٍ مطبقةٍ.

وهذا الصمتُ..

هو "البيتُ" الذي رمّمنا جدرانَهُ بماءِ الحقيقة.

اتركْ يدَكَ تستريحُ فوقَهُ..

كعصفورٍ وجدَ أخيراً غصنَهُ القديم،

ودعنا نراقبُ من ثقبِ إبرةِ الحلمِ..

كيف يرتدي (الوجود) حُلّةَ الضياء.

وأنتَ تمررُ يدَكَ على هذي الوهاد..

تفتحُ "غلافاً لكتابٍ" لم يجرؤ أحدٌ على فكِّ أختامِه.

هذا "الطينُ" الذي صهرتْهُ شموسُ الانتظار..

في انحناءةِ الظَفَر،

وفي ارتعاشةٍ حين تثقلُها القصيدة،

فينزاحُ تاريخٌ كاملٌ من الهزائمِ الجميلة.

أنا أمشي..

أقودُ هذه الملحمةَ الطينيةَ وسطَ حقولِ الألغام،

أحوّلُ "النبضَ" إلى إيقاعٍ خليلِيٍّ جديدٍ،

وأبني حواراً بين مجرّتين.

فدونَكَ والبرقَ المخبوءَ في أطرافِ أصابعي..

رتبْ ذراتِ الكونِ على شطآنِه،

وفكَّ طلاسمَهُ المكتوبةَ بـ "ماءِ الورد" و"طينِ الأرض"؛

عناقاً..

يعيدُ بناءَ السماءِ والأكوان.

*

الآن..

تتركُ أصابعَكَ..

توقّعُ باسمي وشماً على خاصرةِ الوقت،

وتقرأُ ما نسيتُهُ من "وصايا الروح".

و "تنبشُ" عن حضاراتٍ غارقةٍ في دمي،

تعيدُ ترتيبَ "مسامي" لتكونَ مرافئَ لجنونِك..

تحتَ قارةٍ غيرِ مأهولة،

تستيقظُ الجغرافيا المنسية،

تتبرعمُ "الندوبُ" وتصيرُ زهوراً برية،

تتحولُ إلى "أرشيفٍ" حيّ؛

كلُّ لمسةٍ هي "تأريخٌ" جديدٌ لميلادي،

وكلُّ ركضةِ نبضٍ.. هي "فتحٌ" لممالكَ كنتُ أظنُّها بادت.

أعِدْ قراءةَ فَقراتِها.. فِقرةً فِقرة،

ففيها طبقاتٌ من الحنينِ وعروقٌ من المَعادن،

تنتظرُ زلزالاً..

يفجرَ نبعَ الضوءِ من جوفِ العتمة.

***

العامرية. سعد الله /تونس

١٣/٠٥/٢٠٢٦

مدن تسبح

وسماء وهلة تتغزل بهنيهات الصباح

ليل لأصداء الطفولة في كف عفريت

تبوح للطيف العارف بسر البحة واليتم المباغت

سفر

أسراب سنونوات تهرب لحضن الريح

وغبش أمنية أدبرت

السماء تسبح في ذهول

العازفون على وتر النهد

والوتد

وأوتار العتاب .

*

يفيء البوح للصمت

يدرك عنعنة العباب المسافر

عبر مشاهد النوافذ

والباب الموارب للصدى

أوتار قلب تعرى

وفر بجلده لجزيرة الكتمان

يرمي سره

وتعب مدن الملح

*

هكذا

تأتي الخيبة

تزودنا بمهارة الإنصات للصفع

وصد الخوف

هكذا تعزف الأضداد لحن جوقتها وتنام

على اختراق جدران المتعبين بأحلام الأنبياء .

***

صليحة نعيجة – الجزائر

2024

مثقلاً بالذنوبِ جئتُ فرادى

طالب العفو كي أنالَ المُرادا

*

أتعبتني الحياةُ، ذي جروحي

لم يزل نزفُها يعودُ ارتدادا

*

أرتجي منك عفوَ ذنبٍ ثقيلٍ

أورثَ القلبَ لوعةً وسُهادا

*

ضاقتِ الأرضُ حين ضاقَ فؤادي

فاستجرتُ الإلهَ ربًّا مُرادا

*

يا كريمَ العطاءِ جئتك عبدًا

حملَ الضعفَ والتعبّدَ زادا

*

لم أجد غيرَ بابِ فضلِكَ مأوى

فارحمِ القلبَ إنَّهُ قد تمادى

*

إنني تائبٌ وعهدُ رجوعي

أن يكونَ الرضا لقلبـي عمادا

*

فاجعلِ القلبَ في هداكَ سليمًا

وانشرِ النورَ في مسيري امتدادا

***

د. جاسم الخالدي

الكوت/  11/ 5/ 2026م

مدحُ الحبيبِ حبيبَهُ كذبٌ إذا

لم تُتبعِ الكلماتُ بالقبُلاتِ

*

قبّلْ حبيبكَ فالهوى يخبو إذا

اقتصَرتْ معايشُهُ على الكلِماتِ

*

وإذا خبَتْ نيرانهُ صارَ الهوى

شبحًا لنفخِ الرّوحِ في الأزمَاتِ

*

وإغاثةِ الشّبهاتِ بالكذباتِ

وإصابةِ القلبينِ بالطّعَناتِ

*

قبّلهُ في كفّيهِ أو قدَمَيْهِ في

شفَتَيْهِ  أو عيْنَيهِ في الوجَناتِ

*

في كلّ ما تصِلُ الشِّفاهُ إليهِ فالـ

أجسادُ وُصْلُ الرّوحِ بالحيواتِ

*

حين الصّباحِ وفي الضّحى حين الهجيـ

ــرِ وفي المسا  واشْعلْهُ في اللّيَلاتِ

*

في غمرةِ الآهاتِ والأنّاتِ

وبكلّ ما في الأرضِ من لهَجاتِ

***

أسامة محمد صالح زامل

إلى (أ، ك)

هل أنا أخطأتُ في العنوان ؟

أم أنيَ قد عُدتُ سنيناً للوراء

لم أعدْ أسطيعُ أنْ أُمسكَ بالعمر الذي يهربُ من كفي

كمن يشكو الشلل

هذهِ أنتِ إذن

صارَ للطفلة بيتٌ يسعُ الكونَ

وحشدٌ من صغار يشغبون

حفرتْ بصمة كفّيكِ على جلدي رسوماً

وعناوينَ أماكن

ما الذي أصبو إليهِ

ليس غير الشوكِ ما أبقيتِهِ لي، والمُرِّ

لكن، عبثاً تمحو سنونُ المُرّ عن لَسنيَ قطراتِ العسلْ

قد كبرتِ الآنَ في طرفة عينٍ

ونمَتْ من مَنبتِ الشَعْرِ على جسمكِ أعشابُ الربيع

وتخطّيتِ سِنيَّ اللثغِ

والضَمّ الأوَلْ

**

لم تزل تحفر في ذاكرتي تلك الأصابع

لم تزل تلكَ البيوتُ

مثلما غادرتُها تُخفي سجايا اللينِ في لُبّ الحجر

فهيَ قد تضحكُ

أو تهمسُ

أو قد تتوارى من خَجَلْ

ربما تمشي البيوتُ

خلفَنا من دون وقعٍ

أو أثرْ

ربما تتبعُنا مثلَ الظلال

مَرّةً تُبطيءُ إن نحنُ رصدناها

وأخرى إنْ غفلنا

تتخطّانا خِفافاً بعَجَلْ

ألسُجُفُ البيضُ عيونٌ ضاحكاتٌ

والشبابيكُ سجونٌ

فوقَها للقمر النعسان هالاتٌ

ولكنْ خلفَها يرزحُ أبناءُ القمرْ

وعلى الشُرْفاتِ أشباحُ الذين ارتحلوا

مَكَثَتْ تمنحُ من أعتمتِ الدنيا بعينيهِ أملْ

مرّتِ الأعوامُ والبابُ الذي أوصدتِهِ شابَ كما شبنا

وصرَّ الخَشَبُ المُتعبُ من ثِقلِ القَدَرْ

ربما لمّا يكنْ ذاك صريراً

إنما ما نحنُ كنّا قد خَزنّا فيه من بوحٍ حَييٍّ وٌقُبَلْ2753 laith

هل أنا أخطأتُ في العنوان ؟

أم إنيَ مذ عدتُ

بدا وجهيَ للجدرانِ، والأعمدة الصُمّ وحيداً

ومُريب

أم أنا أكتبُ فوقَ الغيم أسماءَ الذين ارتحلوا

كي يُمرعوا الآفاقَ أطياباً وزخّاتِ مطرْ

ها أنا أخرج من صندوق أسراريَ تصاويركِ

مذ يومَ نحتُّ بيدي نهديكِ من شمعٍ مزيجٍ بحليبْ

ونفختُ النارَ من روحيَ فيهِ

عندما ألمسه

أسمعُ من صدريَ أصواتَ حطام

فإذا عَصّرتُهُ

تسحبني الأيامُ بالحبلِ إلى مدرسة الأطفالِ طفلاً

وإذا أغمضتُ عينيْ انقطعَ الحبلُ

فأهوي كنبيٍّ من صليبْ

هل ترى ذي أنتِ

أم ذا توأمٌ رافقني منذ الولادة

ونما في صحبتي

يسرقُ من حلقيَ رضعاتِ الحليب

**

وكما كنتِ تُنيمينَ الصغار

عُدتِ باللحن الذي غيّبتِهِ

كي توقظي الطفلَ الذي قد نام من عشرين عاماً

وهو في أحلامهِ لمّا يزل

عبثاً توقظه نارُ الحروب

وخياناتُ ذوي القربى

ولا العصفُ الذي يعتصَرُ الناسَ

ويستقطرُ من أشلائهم آخرَ قطرات البللْ

ليس من نِدٍّ تحرّى سرّنا ثمّ فشاه

ليسَ من بئرٍ حفرناها

لكي نكشفَ من أخفى الجريمة

نحنُ أسدلنا بأيدينا الستار

بعد أن هرّأها نابُ الفشلْ

وهربنا

تاركينَ الصمتَ يضّخمُ من لحم الخطايا

مستحيلاً لجبل

هكذا قد حصدَ النسيانُ ما نحنُ زرعنا من قُبلْ

***

شعر: ليث الصندوق

ــ لقد سئمتُ الحياة ومتاعبها.

كانت هذه كلماته الأخيرة، تتساقط كأوراق الخريف، وتتلاشى أنفاسه في العدم. ومن بين تلك الأنفاس الأخيرة، انفتح داخله يقينٌ متذبذب أن وجوده في الحياة لم يكن باختياره، ومن هذا اليقين المرهق تراءت له ضوضاء أصوات مبهمة، ورسائل غير مفهومة، وأنه كان يكبح جماح نفسه الهشة بسبب صدمات متتالية. ذلك التباعد النفسي بعثر أفكاره، كأوراق متناثرة في ريح عاصفة، كما لو كان مقيدًا بسلاسل صدئة في قبو رطب.

تتربص الأحلام الوهمية في ضباب الليل الكالح، وتحمل رياح عاتية همساتها المشؤومة عبر أخاديد الزمن الراكدة؛ أما الوعود الكاذبة، التي كانت تحمل آمالًا وردية، فقد دُفنت الآن بين ذرات الغبار على رفوف مهترئة وقد ابتلعتها سنوات النسيان.

وفي خضم هذا الصراع الفكري، كغيمة داكنة في سماء ليلية كئيبة، تراءى له أن حاضره ينساب من ماضيه، كظلٍ لا ينفك عنه، غارقًا في مستنقع الهزائم، بعد أن فقد قدرته على مواجهة الحياة، كأن قوة غامضة تأسره، تملأه بالقلق. ذلك الجبل الثقيل من اليأس لم يُشيّد له أي جدران دفاعية بعد تلك الرحلة الراكدة في حياته.

هكذا كان يمقت الماضي، كما لو أنه يقف مشدوها خلف القضبان يقضي سنوات حرمانه في عالم فقد وجه العدالة. انهيارٌ تلو انهيار، كأن العمر يتفتت في مسارٍ لا يرحم، حتى غدا رقمًا يتهاوى في هوةٍ لا قرار لها، حيث يذوب الزمن في فراغٍ صامت لا يحدّه سوى النهاية.

وفي غمرة الانكسارات المتراكمة، غدت الفوضى قانونًا غامضًا يتسلل بين الشقوق، صاغته عقول مبتلع في طمع لا ينتهي، وظلالٍ معتمة، ساحقة روحه الضعيفة ككائن هش يتفتت تحت وطأة الأقدام. رنين أجراس يتردّد في الفراغ، يصدح بصخبٍ جشع، كأن العالم مستغرق في سباتٍ عميق، تتكدّس فيه هياكل الطقوس بلا روح، وتردّد أصداء الفراغ في أرجاء العباد.

خيّل إليه أن الإنسان نُبذ صدفةً، ككائن سقط فجأة على صخرة عمياء. انهالت الحياة عليه ككارثة لا مفر منها، وأغلقت عليه أبواب سجن داخلي مظلم بلا نوافذ. هناك، في أعماق الخلايا الواجفة، الواقعة في العزلة، تردّد إيعاز مرتجف، يتسرب رعبٌ خفي إلى كل صوب وحدب، كأنه على وشك أن يرفع راية الاستسلام في مواجهة العبث.

ينبثق صوت خفي من مسام الجدران، يهز أركان الغرفة، ويوقظ في نفسه شيئًا من التحدي:

ــ هذا هو قانون الغاب: "البقاء للأقوى"، كدوامة سوداء تبتلع الضعفاء، وتدور بلا نهاية في فضاء الإذلال.

وفي غمرة هذا التشابك المعقد، انسيبت أفكاره هادئة، متلألئة كوميض مفاجئ. عندها أدرك أن الرحيل ليس قدرًا محتومًا، بل أن الحياة، مهما كانت قاسية ومعقدة وغير عادلة، تُواجه بالمرونة والإرادة، لا بالهروب والاختفاء.

***

كفاح الزهاوي

يقولون ماذا..

بعد أن صار الهواء هراء..؟

يقولون، ماذا ترى،

لا شيء في الحقل غير الخواء..؟

الشمس تشرق في المغيب بلا حياء..

والناس في البيداء يقتلها الرياء..

والأرض شاسعة المدى، عطشى

والشمس ساطعة الضياء..

كل الذين تكمموا  وتثكلوا

لم تبق في الأجواء غير رائحة الشواء..

في جوفهم لحم أدمي وزمجرة النداء..

يتصارعون على الهواء كانهم يتم الشقاء..

ماذا ترون إذا ما فاض

همس الليل في الطرقات

في درب الصغار الحائرين..؟

في كل حين،

تتراكض الأقدام في درب الجياع الصابرين..

في برزخ ما عاد يحتضن المباهج والحنين..

يا ايها الليل البهيم،

ماذا ارى غير الجياع من الصغار

تتراقص النبضات في كل الدروب

وعلى وجوههم شمس المغيب..

هو ذا الهم المخيب والمريب..!!

***

د. جودت صالح

11/5/2026

6- صلاح الأعزب.. مِحراب الوفاء

الجار صلاح.. ذلك الذي اتخذ له أهلُ المحلّة لقبًا التصق به حتى غدا جزءًا من هويته، ينادونه بمحبةٍ يشوبها مزاحٌ رقيق: "صلاح الأعزب".

كان قد تجاوز الأربعين من سنوات عمره، غير أنّ ملامحه لم تكن توحي برجلٍ طحنته رحى السنين؛ بل كانت، كما هي دائما، تشي بصفاءٍ هادئ ووقارٍ مستكين، كأنّ الزمن مرّ بساحته حافيًا، فلم يترك خلفه سوى خطوطٍ طفيفة من الحكمة حول عينيه.

كان يعمل مدرّسًا للغة العربية في إحدى ثانويات المدينة، يقضي نهاره متنقّلًا بين سبورات الفصول ودفاتر الطلاب، يزرع في عقولهم الناشئة بذور الجمال والبيان. وكان اهل الحي يرون فيه ذلك المعلّم الذي لا يلقّن فقط، بل يفتح نوافذ خفيّة من البهجة في أرواح تلاميذه، حيث تتشكّل الأحلام الأولى.

حين ينفضُّ الدرس، كان يعود مسرعًا إلى بيته المتواضع، حيث تنتظره حياةٌ أخرى لا تقلّ قداسة عن رسالته..

حياةٌ تتمحور حول امرأةٍ منحته الوجود، ثم انسحبت خلف جدار الصمت.

هناك، في ذلك الركن الهادئ من المحلّة، كانت تقيم أمّه..

تلك المرأة التي صادر المرض قدرتها على النطق والسمع، وأقعدها الزمان فوق مقعدٍ ذي عجلات، أصبح صلاحُ حركتها الوحيدة وامتداد يديها إلى العالم.

لم يكن مجرد ابنٍ يعتني بأمّه، كان أشبه بوعدٍ يُعاد تجديده كل يوم.

كان يدفع عربتها بعنايةٍ فائقة، تشبه عناية الأب بطفله الأول في أولى خطواته، يراعي اهتزازات المقعد، ويتحاشى الحفر الصغيرة في الزقاق كأنها أخاديد عميقة تهدّد سلامتها.

انكمشت ملامحها تحت وطأة السنين، غير أنّ عينيها ظلّتا نافذتين مفتوحتين على الحب، تلمعان بوميضٍ دافئ كلما وقع بصرها على وجه صلاح، كأنها ترى فيه تعويضًا من السماء عن كل ما فقدته.

رغم وسامته الهادئة، وروحه المرحة التي تجعل حديثه نُزهةً للقلوب، ظلّ صلاح أسير اختياره "الأعزب".

كان الجميع يدرك، أن عزوفه لم يكن جفاءً ولا زهدًا، بل كان قربانًا صامتًا قدّمه على محراب أمّه.

كان يخشى أن تأتي امرأةٌ تشاركه الحياة فترى في أمّه عبئًا، أو أن يقتحم ضجيجُ الأطفال سكون تلك المرأة الهرِمة، فتغدو غريبةً في بيتٍ عمّرته بصبرها.

ومع ذلك، لم تكفّ الأم يومًا عن حثّه على الزواج بلغة الإشارة التي ابتكرها قلبها. كانت تحرّك يديها المرتعشتين، تشير إلى قلبها ثم إلى السماء، وترسم في الفضاء هيئة طفلٍ صغير يحبو. كان يفهم شفرات حبها، فيبتسم ابتسامةً تمزج الحنان بالحرج، ويهمس لها بكلماتٍ لا تسمعها أذناها لكن قلبها يشعر بها:

"ليس الآن يا أمي. ليس بعد."

في أسواق المحلّة، كان مشهد صلاح وهو يدفع مقعدها لوحةً إنسانية تفيض بالسكينة. وكانت هدى، حين تمرّ بهما اثناء التسوق، تتباطأ قليلًا كأنها لا تريد أن تُفلت تلك اللحظة من عينيها.

يقف عند بائع الفاكهة، يرفع حبة تفاحٍ أو برتقال أمام عينيها مستفهمًا بحاجبيه، فتومئ برأسها موافقةً أو رافضة، فيبتسم لها بدفء يشبه تفتح زهرة في صباحٍ هادئ.

في أيام العطل، يقصد بها الحديقة الكبيرة عند طرف الحيّ، حيث الظلال الوارفة والأشجار العتيقة. هناك، يمنحها فرصةً لاستنشاق العالم والتمعن في حدوده اللامتناهية.

أحيانًا، حين يخلو الطريق، كان يمازحها بطريقةٍ طفولية؛ يجلس على مسند المقعد خلفها، يحيط كتفيها بذراعٍ قوية، ويدفع العجلات بقدميه لينطلقا معًا في سباقٍ وهمي مع الريح.

كانت تضحك بصمتٍ طافح، يميل برأسه نحوها كطفلٍ يستجدي رضاها ويشرح فؤادها برًّا بها.

لم يكن البيت الذي استقرّا فيه أخيرًا قصرًا، بل كان، قلعةً بُنيت من حجارة العناد والصبر.

لسنواتٍ طويلة، عاش صلاح وأمّه حياة الترحال في بيوت الإيجار، يطويان حقائبهما كلما ارتفع سعر الايجار أو انتهى عقده.

كانت ترى في عينيه ذلك الإصرار الصامت، وكأنه يلاحق حلمًا لا يحق له أن يخونه.

لطالما كانت تقول له، بلغة يديها وعينيها:

"يا ولدي، لا كرامة للمرء إلا في بيتٍ يملكه"

ومن أجل تلك الرغبة، نحت صلاح الصخر؛ وَفّرَ من راتبه الضئيل، واقتصد في كل شيء، حتى استطاع شراء ذلك البيت المتواضع.

يوم دخلته أمّه أول مرة، لم تكن تمشي، بل كانت عيناها تطوفان على السقوف والجدران كأنها تستردّ وطنًا ضائعًا.

لمست الحائط بيدٍ مرتعشة، ثم استقرّت في منتصف الغرفة وأجهشت بدموعٍ صامتة.

لم تنطق بكلمة، لكن صلاح قرأ في تلك الدموع فصلًا كاملًا من الشكر والارتياح، إذ علمتْ يقينًا أنها لم تكن يومًا عبئًا، بل كانت البوصلة التي وجهت كفاحه وشاركت في تحمله.

تحسّنت صحتها في ذلك البيت، وصار كل ركنٍ فيه يحمل أثرًا من جهاده:

الغرفة المشمسة، والمنحدر الصغير عند الباب، والحديقة التي سورها بشجيراتٍ الآس التي تليق بوقارها.

أصبح البيت بالنسبة له محرابًا مقدّسًا، لا مجرد عقار.

وحين أظلمت سماء المحلّة بغزو الخنافس، كان صلاح أكثر الجيران صمتًا وقلقًا. لم يكن يخشى الحشرات بقدر ما كان يخشى الفوضى التي قد تكسر سكون عالم أمّه.

كان يراقب انتشارها بريبة، ويفكر في الإجراءات التي يجب ان يسلكها ضدها، وخاصة في الحديقة التي ناضل لزراعتها وايناعها.

وحين بدأت همسات الرحيل تتصاعد، ظلّ صامتًا، وعيناه معلّقتان ببيته في نهاية الزقاق. كان في ذلك الصمت شيئًا أثقل من الكلام؛ كان أشبه بتمسّك أخير بجذرٍ لا يُرى.

كان يدرك أن المحلّة ليست مجرد مكان، بل هي الرئة التي تتنفس بها أمّه.

وأن الرحيل لن يكون انتقالًا، بل اقتلاعًا.

وقف في الساحة، وسط صخب الجيران، يراقبهم بهواجسه، وغصّةٌ خانقة تعتصر صدره.

كان يعرف أن دفاعه عن البيت ليس دفاعًا عن جدران، بل عن المعنى نفسه.. فخلف تلك الجدران تقبع أمّه…

دنياه كلّها، والبيتٌ هو الشاهد الأخير على صدق الوعد ووفاء الابن.

**

7ـ انقشاع القناع: معركةُ البقاء

داخل البيوت التي كانت يومًا ملاذاتٍ آمنة، استمر سُعار القلق ينهش السكينة..

إذ ظلّ الناس منهمكين في كفاحٍ مستمر، مستخدمين شتى الوسائل المتاحة لمقاومة ذلك الغزو الغريب الذي اجتاح خصوصياتهم وزعزع راحتهم.

لم تترك مخيلة المحاصَرين وسيلةً إلا وجرّبتها.. من المبيدات الكيماوية التي جُلبت على عجلٍ وبكمياتٍ مفرطة، إلى رشّ مزيج الماء والصابون والخل عند المداخل وعلى حواف الحدائق المنكوبة وعتبات البيوت.

بل ذهب اليأس ببعضهم إلى إشعال حزمٍ من الأعشاب ذات الروائح النفاذة؛ فتصاعدت أدخنة ورق الغار واللافندر في الممرات، في محاولةٍ يائسة لطرد تلك الكائنات السوداء التي بدت محصّنةً ضد الفناء.

كان المشهد سرياليًا ومؤلمًا في آنٍ واحد؛ رجالٌ بوجوهٍ أرهقها العمل، يقفون عند ناصية الأزقة حاملين المضخات والعبوات كأنهم في خنادق حربٍ غير متكافئة، ونساءٌ يراقبن الأرض بعيونٍ زائغة وقلوبٍ واجفة، كأنّ التراب الذي ألفوه لسنوات قد مسخته لعنةٌ مجهولة، فصار ينقلب فجأة إلى عدوٍ لا يعرفون كنهه.

أما الأطفال، فقد انطفأت جذوة ضحكاتهم في الساحة الكبيرة، وانكفأوا يراقبون عالم الكبار بذهولٍ وتساءل:

كيف تحولت ساحة لعبهم، التي كانت تضجّ بالركض والمرح، إلى منصةٍ لاجتماعاتٍ عابسة ووجوهٍ واجمة؟

لكن القلق، الذي كان يزحف ببطء، استحال إلى ذعرٍ صريح حين بدأت تظهر أولى العلامات الغامضة على أجساد الصغار الرهيفة؛ حكةٌ مزعجة وطفحٌ أحمر ينتشر على الجلود الغضّة، كأنّ أثر تلك الحشرات لم يكتفِ بمصادرة المكان، بل بدأ يتسلل بخبثٍ إلى العروق والأنفاس.

عندها، تضاعفت الجهود وانتقل الجيران من مرحلة المقاومة الفردية إلى التكاتف الجماعي؛ فصاغ بعض الرجال طلبًا رسميًا عاجلًا إلى البلدية، يناشدون فيه إرسال فرقٍ مختصة للتقصّي والمعالجة، أو على الأقل التحقيق في مصدر هذا الوباء الذي لا يشبه أي وباءٍ عرفوه من قبل.

مرّ اليوم الثالث ثقيلًا، كئيبًا، كأنه دهرٌ لا يريد أن ينقضي. وفي صبيحة اليوم التالي، استفاق الحيّ على صوتٍ خافتٍ ومريب، يشبه خشخشة الأوراق الجافة حين تلهو بها ريحٌ عابثة.

خرج الناس من بيوتهم والشكّ يسبق خطاهم، فصُعقوا حين وجدوا الأرضَ والدُّرَجَ والمداخلَ مغطاة بآلاف الأوراق المتناثرة، التي هبطت كالمطر الأسود في عتمة الليل.

كانت بعض الخنافس تتحرك فوق تلك الأوراق بلا اكتراث، كأنها في مهمةٍ خاصة لمباركة هذا المنشور الجديد.

انحنى أحد الرجال، والتقط ورقةً بيدٍ مرتعشة، وراح يقرؤها بصوتٍ متهدّج، ترافقه نظرات الجيران المترقبة.

كان المنشور بيانًا تحذيريًا شديد اللهجة، يطالب سكان المحلة بإخلاء بيوتهم فورًا، بدعوى أن المنطقة أصبحت بؤرةً موبوءة تشكّل خطرًا محدقًا على الصحة العامة، وأن البقاء فيها انتحارٌ بيولوجي.

ساد صمتٌ مطبق، ثقيلٌ كالحجر، تلاقت فيه العيون التي أضناها القهر.

في تلك اللحظة، تقدّم صلاح الأعزب، وعجن الورقة بين أصابعه بعصبيةٍ جارفة، كأنه يطبق على عنقِ أفعى سامة، ثم تمتم بمرارةٍ لا تخلو من سخريةٍ سوداء:

"إذن.. لقد انكشفت اللعبة، وبانت اليدُ التي كانت تحرّك هذه البيادق السوداء."

كانت عبارة صلاح بمثابة الصاعقة التي أنارت ظلام الحيرة؛ إذ وقعت في النفوس كجرسٍ يعلن انكشاف الخديعة الكبرى.

تفرّس الجميع في الأوراق من جديد، لكن بعيونٍ لم تعد ترى فيها نصيحةً، بل قناعًا شفافًا يخفي وراءه نيةً خبيثة للاقتلاع من الجذور.

تنحنح العم أبو عواد، وعدّل من وقفته وهو يستند إلى عكازه، ثم قال بصوتٍ رصينٍ هادئ:

 "الهدف صار أوضح من شمس الضحى؛ يريدون تشريدنا بحجة الوباء، يرهبوننا بسلامة أطفالنا حتى تضيق بنا الأرض بما رحبت، فنضطر في نهاية المطاف إلى بيع بيوتنا وذكرياتنا بأبخس الأثمان لهؤلاء الذين يراقبوننا من سياراتهم السوداء خلف النظارات القاتمة."

تحرّكت الرؤوس ببطءٍ موافقةً على كلام الشيخ الحكيم؛ فالفكرة، رغم قسوتها، كانت التفسير الوحيد المنطقي لهذا التسلسل المريب.

استحضرت هدى في تلك اللحظة المثقلة بالهواجس غصصَ التاريخِ المنسية، واستعادت صورَ أحياءٍ عريقةٍ سُويت بالأرضِ حتى غدت قاعاً صفصفاً؛ حيثُ لم تكن المعاولُ وحدها هي الأداة، بل كانت هناك استراتيجياتُ المحوِ بكل انواعها التي تبتلعُ البيوتَ بساكنيها، وتصهرُ الهويةَ في بوتقةِ النسيانِ القسري.

تراءت لها أشباحُ القرى والبيوت التي دُفع أهلها نحو الهاوية بمكائدٍ شيطانية، تتراوحُ بين التضييقِ الممنهجِ وبين أنيابِ الإبادةِ السافرة، في محاولةٍ محمومةٍ لإقناعِ "صاحبِ الدار" بأنّ الفرارَ هو "طوقُ النجاة" الوحيد، وأن التخلي عن الجذورِ هو الثمنُ اللازمُ للحياة. أدركت بعمقٍ مرعب أن المعركةَ ليست على جدرانٍ من آجرٍ واسمنت، بل هي حربٌ وجوديةٌ تهدفُ إلى تجريفِ الذاكرة، حيثُ يُراد للإنسان أن يستحيلَ غريباً في جهاتِ الأرض، تاركاً خلفه تراباً يُعاد تشكيله بملامحَ هجينة، لا صلةَ له بالجذور. نبتَ في صدرها يقينٌ صلب بأنّ التمسك بحجرِ الدار هو الوقوفُ في وجهِ تيارِ المحو، وأنّ الهروبَ الذي يغري به الخصومُ ليس إلا فخاً ينتهي بذوبانِ الذات في سديمِ اللاوجود.

ساد بينهم صمتٌ جديد، لكنه لم يكن صمت انكسار، بل كان صمتَ من يجمع قواه للوثوب.

تبادلوا النظرات، وأدركوا أن ما يجري لم يعد شأنًا عابرًا يمكن احتواؤه بمرشّات الصابون والمبيدات وغيرها.. إنها معركةُ وجود.

عندها، تقدّم صلاح خطوةً أخرى نحو مركز الساحة، وبنبرةٍ حاسمة كسرت بقايا التردد، قال:

"بما أن اللعب صار على المكشوف، فلا بد من مواجهةٍ تليق بحقنا.

لن نرحل

لن نبيع.

 سنكشف المتسببين والمخططين وسنرفع شكوى رسمية ضدهم.

علينا فورًا تشكيل لجنةٍ من المتطوعين، لجنةٍ لا تعرف الكلل، تتولى متابعة القضية في أروقة المحاكم والصحافة حتى تنكشف الحقيقة كاملة أمام الملأ."

هزّ الجيران رؤوسهم بحماسٍ لم يعهدوه منذ بدء الغزو. كانت كلمات صلاح وقودًا لروح المقاومة الخامدة. واتفقوا على كتابة "عريضة شكوى" جماعية، يوقّع عليها كل فردٍ في المحلة، يدوّنون فيها التسلسل الزمني للأحداث؛ من أول خنفساء ظهرت، إلى السيارات المريبة، وصولًا إلى منشورات الترهيب. يطالبون فيها بفتح تحقيقٍ جنائي يكشف المخططين، وضرورة معالجة المشكلة البيئية فورًا على نفقة الدولة، وتعويض الناس عن الأضرار النفسية والجسدية التي لحقت بهم وبصغارهم.

التفت صلاح إلى هدى، والتمعت في عينيه نظرةُ ثقةٍ حمّلتها مسؤوليةً جسيمة:

"هدى، أنتِ صحفية وتكتبين المقالات، وقلمكِ يصل إلى قلوب الناس خلف جدران هذا الحي. ما رأيكِ أن تجعلي من معاناتنا قضية رأي عام؟

خصّصي عمودًا ثابتًا في صحيفتك، انقليه من الورق إلى الشارع، اجعلي العالم يرى كيف يُراد لمحلّةٍ عريقة أن تموت بصمتٍ تحت وطأة مفاعيل الخنافس المصطنّعة."

نظرت هدى إلى وجوههم؛ وجه العم أبو عواد الذي يأبى الرحيل عن تراب زوجته، وجه الشيخ حسين الشاحب وزوجته المتعبة، وجه جدعة الخبازة التي تخشى على تنورها الإنطفاء، ووجه صلاح الذي ضحّى بعمره ليشتري لأمّه سقفًا لا يهدده طارقٌ غريب..

شعرت حينها أن قلمها لم يعد ملكًا لها، بل صار لسان حال هؤلاء الصامدين.

أومأت برأسها موافقة، وقالت بصوتٍ ملأته العزيمة:

"نعم، سنكتب… سنجعل من حكاية خنافسهم صرخةً تهز الضمائر، ولن نتوقف حتى تعود الضحكات إلى هذه الساحة، ويختفي هؤلاء الغرباء كما تختفي خنافسهم في ضوء الحقيقة."

انصرفوا بعدها، والمنشورات التي أُريد لها أن تكون صكوكًا للرحيل، تحوّلت في أيديهم إلى شواهدَ على إرادةٍ وُلدت من جديد.

لم تعد المحلّة مجرد بيوت، بل غدت خلية تعمل على كشف وأثارة قضيةً كبرى تخص أبناءها الرافضون للتواري عقب تهديدهم.

**

8- هدى: شرفاتُ الانتظارِ المفتوحة

لعلّ الوقت قد حان الآن ـ بفضل ملاحظة صلاح اللطيفة ـ ليتعرّف القارئُ على هدى، تلك المرأة التي تظهر كل صباح بين الوجوه الملتقية في حديقة المحلّة.. الوجوه التي تتشاطر القلق ذاته والرجاء ذاته في زمنٍ صار فيه كل يومٍ اختبارًا جديدًا لصلابة الروح وعمق الصبر.

لم تكن هدى يوماً امرأةً استثنائية في نظر الآخرين، بل كانت واحدةً من تلك النسوة اللواتي ساقتهنّ الأقدار عبر دروبٍ لم يخترنها بمحض إرادتهنّ، ثم وجدن أنفسهنّ مضطراتٍ للسير فيها حتى النهاية بوقارٍ يغالب الكسر.

غير أن لكل إنسانٍ حكايته.. تلك الحكاية التي تشبه خيطًا خفيًا من حرير الشجن، يربطُ بين ما كان وما صار، بين ما ضاع وما لا يزال يسكنُ حيز المرجوّ والمأمول.

بدأت حكايتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي؛ حين كانت مقاعد الجامعة تحتضن الشباب كما تضمّ الأم أبناءها في لحظةٍ قصيرة من الطمأنينة المغدورة، قبل أن تقذف بهم الحياة إلى لجج عواصفها العاتية.

هناك، بين أروقة المكتبات ورائحة الورق القديم، التقت بـ علي.

لم يكن علي أكثر الطلاب وسامةً، ولا أكثرهم صخبًا، لكنه كان يمتلك مهابةً هادئة ورزانةً فطرية لا تُستعار بالمظاهر.

كان في عينيه صدقٌ صلب يريح المتعبين، وفي كلماته وضوحٌ لا يعرف المساومة أو التجميل؛ يتحدث عن الحرية كأنّها هواءٌ لا يستقيم الشهيق بدونه، وعن الكرامة كأنّها الجذر الوحيد الذي يحمي الشجرة من السقوط.

انجذبت هدى إليه منذ الأيام الأولى، لا لشيءٍ مادي، بل لتلك الأخلاق التي بدت لها آنذاك أشبه بنخلةٍ وحيدة تصمد في صحراء الخوف والتردد.

كان متمسكًا بمبادئه بعنادٍ يشبه عناد ضوء الشمس حين يصرّ على التسلل من شقوق الجدران الصمّاء.

لم يكن طريقه ممهدًا بالرياحين؛ فقد تعرّض خلال سنوات دراسته لاعتقالاتٍ متكررة على يد سلطةٍ لم تكن ترى في الصوت المختلف إلا خطرًا يستوجب الإسكات.

كانت وزملاءها يرقبون غيابه بقلوبٍ واجفة، ثم يعود بعد أسابيع أو أشهر بوجهٍ شاحب أثقله التعب والكدمات، لكن بعينين أكثر اشتعالًا وأكثر صلابة.

سألته ذات مرةٍ والرجفةُ تسكن صوتها:

"ألا تخاف يا علي؟"

فابتسم ابتسامته تلك التي تشبه هدوء النهر وقال:

"الخوف يا هدى لا يمنع الأقدار من الوقوع.. لكنه يمنعنا من أن نكون البشر الذين يجب أن نكونهم".

حين تخرجا، لم يكن قرار ارتباطهما يسيرًا؛ فقد وقف أهلها موقف المعارض القلق. كانوا يحبون شجاعته، لكنهم يرتعدون من تبعاتها.

قال لها أبوها يومًا بلهجةٍ غلفها العطف والمرارة:

"يا ابنَتي، أنتِ تربطين حياتكِ برجلٍ يعشقُ الوقوف في وجه الريح، ومستقبله غيمةٌ لا مطر لها.. إنكِ تربطين مصيركِ بحبلٍ قد يتحول في أي لحظة إلى مشنقة".

كانت تفهم هواجسه، لكن قلبها كان قد اتخذ قراره، فربطت شراعها بسفينته رغم تلاطم الأمواج وعلو مكابدتها.

تزوجا في النهاية، وفي أعماقها شعورٌ غامض بأن الحياة التي تنتظرهما لن تكون هادئةً كما في الروايات الحالمة.

لم يطل الوقت حتى استيقظت المخاوف؛ إذ تزامن زواجهما مع الإرهاصات الأولى للانتفاضة الكبرى في التسعينيات. كانت البلاد تغلي تحت مرجلٍ من الصمت الثقيل، وحين انطلقت الشرارة، خرج الناس إلى الشوارع كمن يفتح صدره للهواء بعد دهرٍ من الاختناق.

كان علي في طليعة المندفعين، يخرج من البيت بعينين مضيئتين ببريق الأمل، بينما يلتفُّ حول قلب هدى خيطٌ من الذعر لا ينقطع.

لم تدم الانتفاضة طويلًا.. فقد أجهضتها السلطة بعنفٍ وحشي، واعتُقل الكثيرون، واختفى آخرون في ثقوب الأرض السوداء.

وفي أحد تلك الأيام العجاف، خرج علي كعادته.. لكنه لم يعد.

انتظرته في المساء، ثم في الفجر، ثم في الأيام التي تلت، حتى تآكلت روحها من الانتظار.

سألت الرفاق، وطرقت أبوابًا موصدة، لكن الأخبار كانت دائمًا شظايا متناقضة؛ قيل إنه:

اعتُقل في الساحة...

قيل إنهم رأوه يُقتاد معصوب العينين إلى جهةٍ مجهولة...

قيل، وقيل.. ثم..

انقطع كل خيط، وغرق اسمه في لجّة الصمت.

مرّت السنوات، وبقي اسمه معلقًا بين البرزخين.

وحين سقط النظام بعد عقدٍ، ظنت هدى أن القبور ستتكلم وأن الزنازين ستعيد أماناتها.

بحثت في مكاتب المفقودين، لكن اسم علي بقي مجرد قيدٍ بارد في قوائم المفقودين.

كانت كلمة "مفقود" بالنسبة لها هاويةً من الأسئلة، ومع ذلك، لم تفقد الأمل؛ ففي ليالٍ كثيرة، كانت تراه في أحلامها يفتح باب البيت بذات الخفة القديمة، فتستقبله بصرخةٍ تمزج بين البكاء واليقين. لهذا السبب، ظلّ باب البيت في قلبها، وفي الواقع، مواربًا ينتظر وقع خطاه.

بقيت هدى وابنتها ياسمين؛ الطفلة التي كانت في شهرها الأول حين اختطف الغياب أباها.

كبرت ياسمين في البيت الواسع الذي أهداه لهما عمها "أبو علي"؛ ذلك البيت الذي رتّبا كل ركنٍ فيه لينضجا فيه معًا.

بعد غيابه، صار البيت مزرًا للذكريات؛ مكتبته، كرسيه الهزاز، وفنجان قهوته الذي لا يزال في مكانه منذ رحيله الأخير، كأنها تخشى أن يمحو تحريكه ما تبقى من رائحته.

لكن الحياة قطارٌ لا يمنح ترف المحطات الطويلة؛ تفرغت هدى لتربية ياسمين، التي كانت تكبر لتصبح نسخةً أنثوية من أبيها.

مارست عملها في الصحيفة بحذر؛ تذهب في الصباح وتعود قبل عودة ابنتها من المدرسة، لتكمل الكتابة والتحرير بين جدران البيت. ولأن البيت كان كبيرًا، قررت تأجير الطابق العلوي لعائلتين من أصدقاءٍ قدامى، صاروا جزءًا من أمانها اليومي. هكذا، تحول البيت إلى عالمٍ صغير ينبض بالحياة..

في الأسفل سكينةُ الذكرى، وفي الأعلى ضجيجُ العائلات الذي يؤنس وحشتها. هكذا تعلمت هدى أن الحياة، حين تنتزع من المرء نصف حلمه، لا تترك له خيارًا سوى بناء ما تبقى بحجارة الأمل الصغيرة.

 وجدت نفسها وسط هؤلاء الجيران الطيبين:

العم أبو عواد بوفائه..

الشيخ حسين بكرامته..

وسعيد المكوجي بطيبته..

صلاح الأعزب بتضحياته..

وجدعة الخبازة بعزيمتها.

 صاروا جميعًا عائلةً كبرى، يتقاسمون الخبز والقلق والرجاء.

واليوم، مع زحف كارثة الخنافس نحو حصونهم الأخيرة، تشعر هدى أن حياتهم تقف مرةً أخرى على حافة امتحانٍ جديد. لكنها، كما كانت دائمًا، تتمسك بذات اليقين:

أن ما يُبنى بالصبر والمحبة، لا يمكن للكوارث أن تهدمه بسهولة.

وقررت أن تكتب قصتهم، ليس بصفتها صحفيةً فحسب، بل بصفتها حارسةً وفية لذاكرة علي ولأحلام هؤلاء البسطاء الذين لا يملكون سوى بيوتهم وقلوبهم العامرة بالحب.

***

سعاد الراعي

........................

* فصول من رواية قيد الانجاز

أريد أن ألعب،

أيّة لعبة من عهد الطفولة ستفي بالغرض:

الغميضة،

عسكر وحرامية،

كرة أركل بها حائطًا مرسومًا عليه خارطة الوطن.

أركل الخارطة بقوّة حتى يستيقظ من نومه هذا الوطن،

ويلعب معي،

ويسألني عن يومي،

عن فقري،

ويعالج أمراضي.

أريد أن أركل كرتي...

ولكن، ويا للأسف..

لا جدران في المخيم.

***

مراد سليمان علو

مثنوياتٌ ورباعياتٌ عربية..

التضامنُ العالمي قد يتخذُّ في طرقِ التعبيرِ عنه اشكالاً مُدمِّرةً في الاحتجاجِ على الظلمِ الذي يحكمُ الكوكب ..

اِسمعوا ما تقولُ الشعوبْ

أيُّها الحاكمونَ بأمرِ الهِ المصالحْ

فالرعايا لديهمْ قلوبْ

ولديهمْ اذا سخطوا موقفٌ لا يصالحْ

**

اِنَّ صوتَ فتاةٍ تتضورُ مِن جرحِها، جائعهْ

وصوتَ فتىً باتَ ينزفُ تحتَ الركامْ

لَهُ في العواصمِ والمدنِ الأجنبيةِ افئدةٌ لا تنامْ

فمِن المستحيلِ بأنْ تنحني جبهةُ الحُرِّ كيما تخرُّ لأسيادِكمْ طائعهْ

**

ستقولونَ حينَ يحاولُ شخصٌ ليثأرَ مِن قاتليِّ الطفولهْ

مريضٌ، فلا تعلنونَ ـ بِصدقِ الشجاعِ ـ دوافعَهُ وميولَهْ

***

كريم الاسدي

......................

* التضامنُ العالمي قد يتخذُّ في طرقِ التعبيرِ عنه اشكالاً مُدمِّرةً في الاحتجاجِ على الظلمِ الذي يحكمُ الكوكب.. بينَ حينٍ وحينٍ، ويومٍ ويومْ نرى مدنَ الغربِ سيلَ دماءٍ وطيرَ المنايا على الأبرياءِ يحومْ ..

ملاحظتان:

1 - كتبتُ هذه المقاطع في اليوم الرابع من آيار 2026 بعد سماعي لخبر حادث دهس متعمد في شارع للمشاة في مدينة لايبزج الألمانية الجميلة، وقد أودى الحادث للأسف بحياة مجموعة من المارَّة الأبرياء.. يحدث هذا الأمر في مدن أوربية و أميركية كثيرة، واذا كان سببه الحقيقي احتجاجاً سياسياً فلا يسمع الناس عنه بل يُعزى غالباً الى ان الفاعلَ مختلٌ عقلياً، ومرتبكٌ نفسياً ..

2 - مثنويات ورباعيات عربية مشروع شعري للشاعر كاتب هذه السطور نشر فصولاً عديدة منه في صحيفة المثقف، وقد صدر قبل أشهر ديوان شعري منه بعنوان (الف رافد ورافد) .. يحاور المشروع في أغراض عديدة منها: الحب، الحقد، السلام، الحرب، الانسان، الزمان، المكان، التاريخ، الأرض، الكون، الطبيعة، الذكريات، الصداقة، الوطن، الاغتراب، الطفولة، الحنين، الحياة، الموت.

قليلاً ما أتذكّرُ

تلكَ اليدينِ

اللّتينِ توسّلتا بي

كي تأخذاني

إلى نهايةِ الطريق.

*

ضحكتُ

حين رأيتُ ـ للمرّة الأولى ـ

ألسنةَ النار

تلتهمُ

ما بنيتُهُ

في السنينِ الماضية.

*

وبعدَ لفٍّ ودوران،

فتحتُ يديَّ

طالباً مصافحتكَ،

لكنَّ أصابعكَ تجمّدت،

وتحوّلتْ

إلى قطعةِ ثلج.

*

فعدتُ

أصافحُ ظلّي،

وأجمعُ من الرمادِ

بقايا اسمي.

*

كان الليلُ

أوسعَ من خيبتي،

وكان الطريقُ

يتقدّم وحده

من دوني.

*

مشيتُ قليلاً،

ثم أدركتُ

أنّ الذين يصلونَ أخيراً

لا يجدون أحداً

ينتظرهم.

*

فتركتُ يدي

للريح،

وتركتُ قلبي

يتعلّمُ

كيف يدفأ

من دونِ يدين.

*

ومنذُ ذلك اليوم

كلّما اشتعلتْ نارٌ

في الذاكرة،

كبرَ الثلجُ

في صدري

ببطء.

***

جاسم الخالدي

إبنُ المواخيرِ بين [الاينِ والنَجَدِ]

ضاقتْ عليه وكم قد عَدّ مِن عُدَدِ1

*

يا بنَ المواخيرِ هذا أنتَ في عَمَهٍ

آلتْ بكَ الحربُ مَحروبًا بلا سَنَدِ2

*

وعادَ حِلمُكَ يا مغرورُ كارثةً

حَلّتْ عليكَ فأنتَ اليومَ كالولدِ

*

تاهتْ خُطاهُ فلا يدري مَخارجَهُ

والموتُ أصبَحَ في قابينِ كالمَسَدِ3

*

إبنُ المواخيرِ ظنَّ الحربَ خاطِفةً

عمى البصيرةِ أرداهُ على حَردِ4

*

حتّى غدا الامرُ مَشكولًا فَحَيّرَهُ

ماذا سَيفعَلُ بالعُقبول والعُقَدِ5

*

لقد تَمنّى وعاشَ الحُلمَ مُغتَبِطًا

حتّى رأى نفسَهُ قد جُبَّ بالوتَدِ6

*

هي المقاديرُ في أحوالها غِيَرٌ

أ يكتفي السادرُ المعتوهُ بالرمَدِ؟!

-

هذا الغرورُ الذي يعلو بنبرتهِ

طبعٌ تَرسّخَ خُذْها لطْمةَ الاسدِ

*

تبقى الجذورُ التي أطنابُها ضرَبَتْ

مع الخساسةِ أوشاجًا ومِنْ أمدِ7

*

إبنُ المَواخير قد جاشتْ غواربُهُ

فجاءَهُ الردُّ ضربَ الرأسِ بالعمَدِ

*

هي الصواريخُ سِجّيلٌ وخيبرُها

أعادتِ الغِرَّ مَسطولًا وفي كَمَدِ8

*

وأصبحتْ لعنَةً قَضّتْ مَضاجعَهُ

دارت عليهِ ودار الكأسُ بالنَكَدِ

*

قدْ صارَ يُرْقى وراقيهِ بلا أملٍ

فهي الصواريخُ ليستْ نَظرَةَ الحسدِ9

*

إبنُ المواخيرِ طافتْ فيه أُمنيةٌ

حتّى طفا فغدا في البحر كالزَبَدِ

*

لهُ أقولُ وقولُ الصدقِ موعظةٌ

مَنْ حاربَ اللهَ مخذولٌ الى الابدِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الخميس في 23 نيسان 2026

........................

1- الاين: التعب. والنَجَد: طلب النجدة وما بين القوسين تضمين للشاعر الجاهلي النابغة الذبيانِي في قوله [يظل مِن خوفهِ المَلّاحُ مُعتصِمًا*** با الخيزرانةِ بعد الاينِ والنَجدِ]

2- العَمَه: الحَيرةُ والتردد

- مَحروب: مسلوب

- قابين: اشارة لقرب الشيء

3- المَسَد: الحبل

4- الحَرَد: الغيظ

5- العُقبول: الشديد مِن الامور

- مُغتبط: مَسرور     

6- جُبَّ: قُطِعَ

7- الاطناب: جمع طُنُب وهي ما تمدّد ورسخ 

- أوشاج: جمع وشيجة وهي تداخل الاشياء في بعضها 

 8- مَسطول: غبي أو مُخَدّر

9- يُرقى: ما يُقرأُ به مِن مُعَوِذاتٍ على المُصاب بالعين

لكلٍّ منا اسمٌ يخفيه

لكلٍّ منا نارٌ يخشاها

فكلما أنصتتْ لوجهِها

المرآةُ

فرَّ النورُ من سمائها

وأبقتْ تلكَ البقعةَ

الداكنةَ،

فاتنةً

عطّرها المصيرُ بالدموعِ.

**

يمرُّ بي عمرُكِ

وأنتِ تتجولينَ في عزلتِكِ العاريةِ

بين أحلامٍ شقّتْ طريقها نحو أخطائي

واحداً تلوَ الآخرِ

لعلّي يوماً أجدُ نفسي فرحاً

وأنا أصبغُ شعركِ باللونِ القرمزيِّ الذي تحبينَ.

**

الدفلى تدلتْ على منعطفٍ

وما من ساقيةٍ أغلقتْ عليها حلوَ المذاقِ.

**

من يأتي بعدَكِ ليغرقَ يوسفُ

ويستنجدَ بذئبِ ذنوبِهِ!

من يختمُ مسافةَ الحبِّ

لعرشِ أبيهِ بالقبلِ!

من سيكسرُ عنكِ هذا الوهمَ

لتصدّقيِه الرؤيَا!

**

إن يبسَ الجرحُ

علينَا أن نضمّدَ الترابَ

بنبضةٍ من وردٍ.

***

زياد كامل السامرائي

الشَّطرُ الثَّاني

١- نادَيْتُ ثانيَ شَطْرِهِ عَلْيائي

بِحُروفِهِ أَهْديْتُها طُغْرائي

*

الشِّعْرُ يُشْرِبُني فُراتا سائِغا

أَسْقيهِ مُنْدَفِقًا نُفوسَ ظِماءِ

*

روضُ الكَلامِ رأيتُهُ مُتَفَتِّحًا

شِعْرًا يُغازِلُ رَبَّةَ الشُّعَراءِ

*

فَبِكلِّ حَرْفٍ عاشقٍ ذابَ الهَوى

وَلِكلِّ طيفٍ لاحَ نَفْحُ هَواءِ

*

٥- وَعَرائسٌ عُصْمٌ حَفِظْنَ قَصائِدي

غَنَّيْنَ للأمواتِ والأحْياءِ

*

أَنا تائِهٌ يا نايُ شِعْري مُؤْنِسي

وَمُنيرُ هَذا السَّيْرِ في البَيْداءِ

**

جِبْريلُ أَمْلى أَمْ سَنا العلياءِ؟

فَكِلاهُما لي مَصْدَري وَرَوائي

*

شَغَفًا بما فوقَ الذُّرى أَوحتْ بِهِ

سُوَرًا إليَّ مَعارجُ العَنْقاءِ

*

الشِّعْرُ يُنزِلُهُ عَلَيَّ مُنجَّمًا

مَلَكٌ بِصُبْحٍ راهِبٍ وَمَساءِ

*

١٠-  خوفا يُزمِّلُني فَيَنتَفِضُ الهَوى

مثلَ الخَيالِ مُجَنَّحَ الإيحاءِ

*

في الرَّعْشِ يَكْسوني القَريضُ جَناحَهُ

بُرْدًا يَطيرُ بِمُهْجَةٍ رَعْشاءِ

*

فَأنا النَّبِيُّ قرأتُ سِفْرَ قَصيدَتي

كالطَّيْرِ مُرْتَجِفًا على سَيْنائي

*

تَتدَفَّقُ الكَلِماتُ بينَ جَوانِحي

نِيلاً يبرِّدُ من أَسًى غَلْوائي

*

لَمَّا التظى اِسْتوقفتُ ليلاً غُربتي

حدَّثْتُها وَجِلاً حَديثَ عَزاءِ

*

١٥- أنا مَنْ نَثرتُ كَواكِبي شتَّى على

جَبَلِ اللِّقا يَرْقُبْنَ صَحْوَ نِدائي

*

وَمَواسِمي لولا شَذَى شِعْري لَبِسْ

نَ غَياهِبًا غُبْرًا من الشَّعْثاءِ

*

يا شِعْرُ نَغَّمتُ الرُّؤى تَسبيحَةً

وَحَفِظْتُها في الكَهْفِ شَدْوَ غِناءِ

*

مِنْ كلِّ حَرْفٍ هَمْسَةٌ ريَّانَةُ ال

أَحْلامِ في الأفْعالِ والأسْماءِ

*

يا نايُ لَمْ أجفُ القَوافي مُنْذُ أنْ

ساقَ الصَّبابَةَ خاطِري وَحُدائي

*

٢٠- وإذا مَرِضتُّ وإنْ تَعرَّى ذو شَجًا

فَهَديلُهُ يُشْفي وَمِنْهُ رِدائي

*

فَبِهِ نَسيتُ من الجِراحِ صَهيلَها

وَذَكرْتُ لِلْبُشْرى خُيولَ ذُكائي

*

أَطفَأْتُ أَحْزاني بِلُجِّ بُحورِهِ

أَشْعلْتُ أَفْراحي بِخِصْبِ نَماءِ

*

يَمَّمْتُ شَطْرَ الشِّعْرِ صُبْحي يافِعًا

وَكُهولَتي خَجِلاً وَشَيْبَ مَسائي

*

في وادِيَيْهِ خَلَعْتُ بَعضَ شَقاوَتي

عِنْدَ التَّجلِّي وارْتَديْتُ حَيائي

***

عبد العزيز شبِّين - هرو ويلد / لندن

٣ / أيار / ٢٠٢٦م

 

العقولُ العامِلةْ

تَحْمِلُ في الوطنِ المَشَاعِلْ

تَملأُ الوقتَ سَنابِلْ

وتُباهي مُنْتَهى الدرب وصولاً للحقيقةْ

والحقيقةُ حُرَّةٌ

تُنْبيكَ أنّ صُدَاعنا العربي

مِنْ صُنْعِ (الشقيقةْ)!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

أراني دونما الخلقِ مُنِعتُ

من الدّنيا وفي الغيْبِ ظللَتُ

أرى أحوالَها في كلّ وجهٍ

بغى أحداً فخان العُمرَ سبتُ

وأسمعُ صوتَها أنّ ظلومٍ

وشدوَ مُظفَّرٍ عادا فحِرْتُ

وأصبحتُ أميزُ الحلوَ فيها

من المرِّ وشيئاً ما أُذِقتُ

ومنّيتُ الفؤادَ بها على كلـ

ــــــل ما فيها من الضَّيْمِ وقلتُ:

فلو أنّي كما الإنسِ خُلقتُ

وفي جَسَدٍ من الطينِ حلَلْتُ

ولكنّي بلا غايٍ تُركتُ

فما كُلّفتُ أو حتّى أُمِرتُ

فأنجو من جهنّم إن أطَعْتُ

وألقاها ذميماً إنْ عصَيْتُ

وما اخترتُ ولا خُيِّرتُ فيما

أنا فيهِ ولا يوماً سُئِلْتُ

ويوم سُئلتُ عنها قلتُ شرٌ

لهُ في كلِّ ما يهتزُّ بيْتُ

فيخْبو وهْجهُ إن صُبَّ ماءٌ

ويأتجُّ إذا ما صُبَّ زيْتُ

فينجو اليومَ منها ذو ضجيجٍ

ويهلكُ من بفيهِ اعتشَّ صَمْتُ

وحين سُئلتُ ثانيةً أجبتُ:

جنانٌ أسّ فيها العدلَ موتُ

دنتْ أثمارُها من كلّ رذلٍ

وأعجِبْ بالّذي ألهاهُ جِفتُ

ويقصِدُ من طغىْ بيعَ الأماني

وتلقىْ النّاسَ حيث يُباع نكْتُ

ويوم سُئلتُ ثالثة أضفتُ

ولو عُرِضتْ عليّ لما أبيتُ

فمثلَ نهايةٍ حتمٍ إليها

أُساقُ بلا ابْتلاءٍ ما كرهتُ

وما خلقُ بني الإنسان إلا

ليختاروا على علمٍ فغِرتُ

فسَلْ بالنأيِ عنْها كمْ خسِرتُ

وكمْ في عزلتي هذي حَسِرتُ

فما أُورثتُ أصنامَ ثمودٍ

وما بجَّلتُ نجماً أو رأيتُ

فيدعوني إلى اللهِ نبيٌّ

ويقبلُني ويغفرُ إنْ أنَبْتُ

فيسْري في ثنايا الرّوحِ حلوٌ

بُعيد مرارِ كُفرٍ قد خبِرتُ

أسَرَّ النفسَ حلوٌ بعد حلوٍ؟!

فروحُ الحُلْوِ فجٌ ما أكلْتُ

أقالَ النيلُ يوماً أنّهُ ابنُ

الفرات؟ بل ابن ملحٍ ما شربْتُ

ولا أُوتيتُ علمًا دنيويّا

به أرْتادُ كوناً ما سَكنْتُ

فأعرفهُ من الفعلِ بفعلٍ

وأعبدهُ وصالاً لا يُبَتُّ

ولا أُعطيتُ عُمْراً حدُّه الموْ

تُ مهما طالَ أو حاباهُ بخْتُ

فأستعدي النُّهى فضلًا وأعدو

إلى حيث المُنى إنْ ضاعَ وقْتُ

ولا قِستُ السّما حين انتصرتُ

ولا شئتُ البكا حين هُزمتُ

ولا اشتقتُ الى أمسٍ حبيبٍ

ولا احتطتُ ليوم غدٍ فنِمتُ

ولا رمتُ الجنانَ بوصلِ رحمٍ

فلا أبَ ليْ وأمّا ما رُزِقتُ

ولا امْتزتُ عن النّاسِ بفعلٍ

ولا حاطَ بأوصافيَ نعْتُ

أألقاك إلهي دون ذنبٍ

فلا أعلو بغفرانٍ أُنِلتُ

أألقاك إلهي دون ركعٍ

به أرفع رأسي ان سُئلتُ

فمُنَّ عليّ يا ربّ بجسمٍ

فأخطئُ ثمّ أرجع إن علِمتُ

***

اسامه محمد صالح زامل

 

غدًا صباحًا لن يوقظك منبّه ساعتك،

لن توقظك زوجتك،

لن تشعر بطفلك وهو يتسلل تحت لحافك،

لن توقظك أحلامك التي تلحقها.

الغد سيصبح قمرًا محاقًا،

ستنسى وجوه جيرانك،

أنت الآن بعيد عن قريتك،

بعيد عن آلهتك

عن كلماتك اللطيفة،

عن مساقط الفرح،

عن أغاني ياس خضر.

غدًا صباحًا...

سيوقظك هرج ومرج المخيم،

ستهبّ في وجهك بذور قسوة النزوح،

وأمواج من الإزعاجات

الأصوات الحادة للباعة المتجولين،

هدير السيارات القديمة.

لن تتناول فطورك،

لن تستمع إلى أغانيك الصباحية المفضلة،

ولن يأتي صديقك لتذهبا معًا إلى شنكال كالعادة.

غدًا صباحًا...

آه، سترغب بقبلة من زوجتك الأسيرة،

وأن تحضن طفلك الذي رحل.

كل شيء ضاع،

تحاول أن تمسك دموعك التي تنزل الآن.

غدًا صباحًا يا صديقي،

ستنسى أنّ هناك غدًا،

ستنسى أصوات الأنهار،

ستنسى شكل الأشجار.

غدًا...

أنت مجرد حطام.

***

مراد سليمان علو

 

يترقرق وشاح المساء صفير هدوء، جريان حالك، تتقد فراقد الليل عارية العيون، من لصلصة النهار، مهب حلم خافت، يبوء نوتات مشاعر، تتسلق مايسترو وحدتي، نوتة.. نوتة، على سلم الشعور موسيقى حنين، أَنصت لعزف كورال الحواس إيقاع ذكرى، تبهرج صحاري الوقت، مواسم وجد تُكلم يقظتي، مهاد رحلة "الفصول الأربعة*"، همس توق يراود الخيال، أترك القلب رهوا بين جوقة أنامل تترنح على بيانو الأحاسيس، وبوح كمان يغازل إيماءة اللهفة، رنين ضنين، آهات فلو تهرول لأمس زائر، يعزف اوركسترا الاشتياق، نغمات تضئ مخابئ القلب في مهب ثمالة تذوق، يتسلل كونشرتو العمر دفء جهير، يقرع حانة الأيام لمسات صدى، على مسرح النبض، لحن دهشة يراقص لحظات وجد عاتية، تحت ظلال "ضوء القمر*"، اتشبث بهسيس لهوٍ: "دو، ري، مي، فا"، فتافيت صوت تتهجى، براعم لوعتي قشعريرة تناغم، تتسلق مدقات مسامعي، ارتجاف ناي مشرئبة هديل العناق، مقطوعة ذكريات، تناور سوناتا الأحاسيس، تصحو ثلة عواطف على رقة الإذعان، يغمرني الإنصات سكرة صولة، على جبين حزن"بحيرة البجع"، تعوم باليه* انتشاء، أتوه على جنائن السنين صبابة غنوة، تتطاير زُغب "سو..لا..سي" سلوة غضة، تبعثر كُحل حُلم ساهر، طيف خل يمازح سهوة الوله، يعصمني حميم التصفيق من قُبلة غمضة، يراودني فارس السهد في مخدع هدنة، يخادع تثاؤب أنفاس السحر، ألوذ باحضان هفوة، أغفووو "أميرة نائمة*"، بجفون عاشق، ما أدهى عذوبة عزف ساحر، يدوزن غواية النعاس رومانسية سهر!!.

***

إنعام كمونة

 

أزهار البيبون تملأ الخسفة

إلى شهداء حفرة الخسفة في الموصل

***

كفُوَّهةِ البركانِ مسعورةَ اللهبْ

رَمَوا فوقَها الطفلَ الرضيعَ كما الحطبْ

*

رمَوا فوقَها الأشياخَ والعُمْيَ والنِّسا

ولم تسلَمِ الأطيارُ والنملُ والعِنَبْ

*

رَمَوا فوقَها حتّى المنارةَ فاستوَتْ

حجارتُها روحاً تئنُّ معَ الخشبْ

*

كثقبٍ زمانيٍّ وقد دخلوا بهِ

فصاروا بجنّاتٍ وما مسَّهَم نَصَبْ

هنا نينوى أحفادُ ذي النونِ علّموا

بصبرِهِمُ صُمَّ الجبالِ إذا اضطرَبْ

*

لهم زهرةُ البيبونِ رمزُ سلامِهم

إذا لوّحَ الأعرابُ بالسيفِ والغضبْ

*

على عُودِ عُثمانٍ وزِرْيابَ دندنوا

وقد أسكروا حتى الجمادَ منَ الطرَبْ

*

لقد خُذِلوا من أقربِ الناسِ منهُمُ

كراعٍ أتى بالذئبِ للشاةِ واحتجَبْ

*

يُعيِّرُنا بالبخلِ مَنْ هوَ جاهلٌ

أباهُ فلا يدري لأيٍّ قَدِ انتسَبْ

*

ونحنُ كرامٌ في المجاعةِ عندَنا

قسمْنا رغيفَ الخبزِ للطيرِ والرُّطَبْ

*

نزحْنا وجرَّبْنا المكارِمَ عندَهم

فباعوا لنا حتّى الهواءَ على سغَبْ

*

هنا المَوصِلُ الحدباءُ تاجُ عراقِنا

ومنها ابتدا التاريخُ في لوحِها انكتَبْ

*

كطفلٍ هوَ الفصلُ الربيعُ وقد رأى

بمَوْصِلِنا ما يشتهيهِ منَ اللُّعَبْ

*

وكانَ يتيماً دونَ أمٍّ ولا أبٍ

فصارَتْ لهُ الحدباءُ أُمّاً وخيرَ أبْ

*

ألا إنّما الفصلُ الربيعُ كيوسفٍ

وإخوتُهُ صيفٌ شتاءٌ وذو ذهَبْ

*

فكادوا بهِ ألقَوهُ في الجبِّ خائفاً

فمرّتْ بهِ الحدباءُ صاحَتْ: أيَا عجَبْ!

*

أهذا غلامٌ؟! ثُمَّ ألقَتْ بِدَلْوِها

فكانَ ربيعاً في شوارعِها انسكَبْ

*

فلا تحسَبوا أنّ المنارةَ عندَنا

بناءٌ من الأحجارِ والطينِ وانتصَبْ

*

ولكنّها من باطنِ الأرضِ أُخْرِجَتْ

كما تَخرُجُ الأزهارُ صمتاً بلا صخبْ

*

ومالَتْ ولم يدروا لذلكَ علّةً

فقلتُ: اتركوها لا تُطيلوا بها الخُطَبْ

*

كثيرٌ منَ الأشياءِ سِرُّ جمالِها

بأنْ هكذا تبقى كلغزٍ بلا سببْ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: صالح الرزوق

***

قادت أم أزهر ابنها إلى مقدمة الحافلة، وأجلسته مع حقيبته، وأسرعت لاستعادة مشترياتها، ثم اتخذت مكانها بقربه. ما أن تحركت الحافلة، حتى رأى أزهر بيلي الكبير وابنه بيلي الصغير يتسابقان، ويصيحان ويلوحان للسائق. أغلق أزهر عينيه وتمنى أن تكون الحافلة أسرع من أن يلحقا بها. ولكنهما لم يلقيا بنفسيهما على أرض الحافلة فقط، بل اندفعا فوق متن العربة الفارغة تقريبا، وهما يئنان ويلهثان كما لو أنهما كانا في دولاب في مدينة الملاهي. جلسا مباشرة في عرض الممر، ومنه أمكنهما التحديق بأزهر وأمه. وهنا نهضت أمه. وفعل مثلها بيلي الكبير. وفورا قفز بيلي الصغير. كانا يعزمان على ملاحقتها مع أزهر. غاصت في مقعدها مع تنهيدة. جاء الجابي، وهو يقبض على ذراع آلة التذاكر. كان يعرف آل بيلي. تبادل الضحك معهما، وسمح لهما بالركوب مجانا. أخرجت الأم بقفازها الرمادي بعض القروش من الجزدان، وقدمتها لأزهر الذي رفع يده بها كما دربته.

قال: " واحد ونصف إلى محطة ثلاث ملوك".

همست أمه وهي ترسم علامة الامتعاض: "قل من فضلك".

كرر: "من فضلك".

قدم الجابي التذاكر وتابع.

قالت الأم: " تمسك بها بإحكام. قد يأتي المفتش".

قال بيلي الكبير: "انظروا أصبح ولدا كبيرا".

ردد بيلي الصغير كالصدى: "ولد كبير".

قال بيلي الكبير: "كبير لدرجة أنه يحتمي بمعلمته".

نفخ بيلي الصغير: "ابك يا ولدي".

نظرت الأم باستقامة من النافذة. كان صوتها طبيعيا تقريبا، ولكنه انخفض وهي تقول: " من المؤسف أننا لم نصل إلى المكتبة. لكن أمامنا الغد. هل ما زلت أفضل قارئ في الصف؟". وهزته وهي تقول: "ألست كذلك؟".

دمدم بقوله: "أفترض ذلك".

في كل مساء بعد المدرسة تأخذه أمه إلى المكتبة الصغيرة المجاورة حيث كان يبدل كتب اليوم السابق. الليلة لم يكن لديهما وقت. ولم ترغب أن يستفسر الأب عن سبب التأخير. ولم تكن تريد أن يعلم أنهما كانا يتقدمان بشكوى.

استدعي بيلي الكبير إلى غرفة المديرة المزدحمة - هكذا قالت لأمه – ووبخته، واتخذت "مظهرا قاسيا". أسعد ذلك الأم. فقد استنكرت أن يعتدي بيلي الصغير على ابنها. كان بيلي الصغير يجلس وراء أزهر في الصف. وطيلة أسابيع نعته بصفات وأسماء بذيئة، ولكزه بالمسطرة على رأسه. والآن بدأ بعض الأولاد الآخرين، رفاق بيلي الصغير، بمضايقة أزهر.

كان بيلي الصغير ينفخ كالشمبانزي، ويقفز إلى الأعلى والأسفل ويقول: "هل إكلت البندق؟". وكان يحك تحت إبطيه - وهذا أحد الأشياء التي تعرض بسببها للتوبيخ. ولكن ذلك لم يردع والده. وأخذ وجهه هيئة فظيعة.

كان بيلي الكبير يعيش على بعد عدة بيوت منهم. وتعرفه الأم وتعرف عائلته منذ أيام الطفولة. فقد تقاسموا نفس الملجأ في أيام الحرب. كان بيلي الكبير يعيش حياة إدواردية ولا يزال يلبس المعطف الفضفاض وشعره أشعث. له أظافر بنية مقضومة وجبينه ملوث بالدسم. ولطالما لقب باسم بيل الدراجة النارية، لأنه يعيد فك وتركيب دراجته باستمرار. وهي من ماركة ترايومف. وكان الأب يحب أن يدمدم قائلا أثناء مرورهم بها "ترايومف بيل". وفي بعض الأحيان تجد كتلا من المعدن المتهالك حول هيكل الدراجة، وفي أوقات متأخرة من المساء يسرّع بيل الكبير المحرك بينما جهاز العزف المسجل يرتكز على حافة النافذة وهو يكرر عزف لحن "تكلم" من فترة ال 45. والجميع يعلم أن بيل الكبير يحضر نفسه لسباق الشاطئ في عطلة الصيف. وهو سباق سنوي. وحينها تضطر الأم وبقية الجيران لإغلاق نوافذهم كي يمنعوا الضجة والبخار. وبدأت الوالدة تلاحظ نفور أزهر، وكذلك مظهره المرهق والمضطرب، حين عودته من المدرسة. كان يبدو كأنه سقط في حفرة وتدحرج في مستنقع - وهذا ما حصل. ثم اعترف لها وفتح قلبه بشيء من الصعوبة وأخبرها باعتداء الأولاد عليه، ولا سيما بيلي. خيمت الحيرة أول الأمر على أمه بسبب هذه السخافات. وأدهشها أن أزهر تأثر بها. كان عليه أن يتجاهل الملاحظات الصبيانية: الكثير من الأولاد يتحلون بالخشونة. ولكنه لم يفهم ماذا يدفع الآخرين للكلام معه بهذه الطريقة، ولماذا، بعد ساعات من الاستراحة في البيت مع أمه، يعاني من العنف في عالمه. تناولت الأم يد أزهر وعلمته أن يقول: "يا بيلي الصغير أنت قواد - قواد ومسخرة". حفظ أزهر الكلمات وكررها باستمرار لنفسه. وفي اليوم التالي وحينما حاصرته سخرية أعدائه أغمض عينيه وصاح بأعلى صوته: "مسخرة، مسخرة، مسخرة- أنت قواد ومسخرة". احتار بيلي الصغير بكلام أزهر. وأغلق فمه كأنه مسحور. ولكن في اليوم اللاحق عاد بيلي الصغير بكلمات جديدة وقوية لقب بها أزهر: عبد، أسود، زنجي صغير. رجع أزهر إلى والدته لتعلمه المزيد من الكلمات ولكن لم يكن لديها شيء منها.

كان بيلي الكبير يقول في الحافلة "قواد. لماذا لا تقولينها بملء فمك وأمام وجهي. آ، لماذا لا تقولينها. هيا".

قال بيلي الصغير: "لا. لن تفعل".

"ولكننا لسنا قوادين مثل عاهرة تزوجت من أسود".

كرر بيلي الصغير: "أسود، أسود. قرد. قرد".

لم تنحرف نظرة الأم. ولكن ربما خافت أن يشعر أزهر برعشة يدها، فسحبتها من يده وأشارت إلى المتجر قائلة: "انظر".

قال أزهر: "ماذا؟". كان يفكر ببيلي الصغير وهو يدمدم باسمه.

لحظة استدار أزهر برأسه، صاح بيلي الكبير: "أنت. لماذا لا تنظرين إلينا أيتها السيدة الصغيرة؟".

التفتت، ولوحت للجابي الواقف على منصته. ولكن جاء راكب فتبعه الجابي إلى الأعلى. ولم يكن بقية الركاب القليلين الجالسين كالتماثيل منتبهين أو مهتمين بما يجري. التفتت الأم نحو الخلف. لم يشاهدها أزهر هكذا، رمادية بعينين دامعتين وجسمها متصلب كشجرة. وشعر أزهر بالجهد الذي تبذله لتكون ثابتة. حينما تبكي في البيت تلقي نفسها على السرير، وتهتز وهي تتلوى وتضرب على الوسادة. ولكن الآن لم يحرك ذلك غير ذرة ارتعشت في أرنبة أنفها. تنفست بعمق قبل أن تفتح حقيبتها وتخرج المنديل المعطر الذي تمسح به في العادة وجه أزهر، أو تنظف زاوية منه، وتحرر أي رمش انثنى فوق عينه. الآن نظفت به أنفها بكل قواها، وهو يسمع نحيبها. فقد فهمت ما يجري وكيف يؤثر ذلك على المشاعر. تمنى أن يقول شيئا ليحميها، فقد كان بيلي الكبير يسخر من اسمها قائلا: " إيفوني، إيفوني، أنت، إيفون، ألم أمنحك وقتا ممتعا يوم ذاك؟".

غرد بيلي الصغير: "إيفي. كانت ساعة طيبة، أليس كذلك؟".

قطب بيلي الكبير وجهه. وقال وهو يضغط على أنفه بيده: " المشكلة أنه توجد رائحة نتنة في هذه الحافلة".

"تفو".

"كم يبلغ عددهم في تلك الشقة، كلهم مضغوطون معا، ويلوثون رائحة الشارع، بعد وجبات الكاري والأرز!".

بدون شك شقتهم مزدحمة. فالجد، طبيب متقاعد، ينام في غرفة نوم، ويرقد أزهر وأخته ووالداه في غيرها، ويشغل العمان غرفة المعيشة. وطيلة اليوم تجد أوعية الطعام الهندي الكبيرة على الموقد في المطبخ ليأكلوا منها حينما يرغبون. ولذلك ظهرت فقاعات في ورق جدران المطبخ وتشققت وتدلت مثل مخطوطات قديمة. ومع ذلك تنكر الأم دائما أننا "على هذه الشاكلة". وكانت ترفض أن تصف الوالد بكلمة "مهاجر"، وبنظرها تنطبق الكلمة على الرجال الأميين الصغار بعيونهم الشاردة وثيابهم الوضيعة. كانت شفتا الأم تتحركان، لكن بلعومها جاف: لا تخرج منه الكلمات، حتى تمكنت من أن تقول: "نحن لسنا من اليهود.

ران الصمت. ومنح ذلك بيلي الكبير فرصة ليقول: "ماذا؟". ووضع يديه على أذنه وسالفه الطويل الأسود. وقبض بيده الأخرى على بيل الصغير الذي بدأ يفح: "ارفعي صوتك. أنت. أيتها العجوز. لم نسمع كلامك".

كررت الأم الملاحظة لكنها لم تستطع رفع صوتها. لم يتأكد أزهر ماذا تعني. وفي اضطرابه تذكر حوارا حديثا عن جنوب إفريقيا، وهجرة عائلة أقرب أصدقائه إلى هناك للتو. سأل أزهر، إذا كان عليهم الذهاب إلى أي مكان، فقد جرى حديث بهذا الشأن، لماذا لا يمكنهم اختيار كيب تاون. أجابت بصوت متألم لأن البيض هناك يروعون الشعب الأسود والأسمر ويعتبرونهم بمرتبة أدنى، ويحرمونهم من الدخول إلى أماكن مخصصة للبيض. وللملونين معابر منفصلة، وغير مسموح لهم بالاختلاط مع البيض. هذه المعلومات من الواقع المعاش وغير المنطقية لدرجة تسبب الدوار، والتي لا يعلنون عنها في منهاج مدرسته، هبطت على رأسه كالمطرقة، وتردد صداها في أحلامه ليلة بعد ليلة. كيف يمكن احتمال شيء كهذا؟ ماذا يعني؟ وكيف يجب أن نتصرف على هذا الأساس؟.

قال بيلي الصغير: "لا. أنت لست يهودية يا إيفون. أنت منا. وهذا أسوأ. لأنك ترافقين الباكستانيين". طيلة الوقت كان بيلي الصغير يهمس ويلفت رأسه لتقليد المهووسين. سمع أزهر أباه يقول إنه لم يمر على "القتل" فترة طويلة. الجار يذبح جاره، ومثل هذا الشر لم يمت. وكان أبوه يلمس زوجته وابنه وابنته الصغيرة بأصبعه، ويقول بحسم: "نحن في الخط الأمامي".

هذه الحوارات مهدت غالبا لإعلانه أنهم عائدون إلى "بلدهم" الباكستان. وهناك لن يعانوا من هذه المشاكل. وفي هذه اللحظات كان القلق يخيم على أم أزهر . كيف يمكنها العودة إلى بلدها وهي عمليا في "بلدها"؟. حتى أنها تذوب في الطقس الحار، وبهارات الطعام تؤلم معدتها، وأن يحاصرها أشخاص لا يتكلمون الإنكليزية يجعلها تشعر بالعزلة. وفي حقيقة الحال كان جد وعم أزهر يثرثران بالأوردو، وحينما تكون زوجة العم آصف في البلاد، تمشي في الشارع طوعا وراءهم بعدة خطوات. وكانت أم أزهر لا تفضل الانضمام لأي جماعة، فتضع نفسها مع أزهر في مكان ما وسط هذه المسيرة الغريبة وهي تشق طريقها إلى السوق. عدا أن فكرة العودة إلى "بلده" لم تزعج الأب. مع أنه لم يكن في ذلك البلد على الإطلاق. عاشت عائلته في الصين والهند. ومنذ أن سافر، انتقلت بقايا العائلة مع مئات الألوف الآخرين، إلى الباكستان. كيف له أن يعلم أن البلد الناشئ سيناسبه، أو أنه سينجح هناك؟. وكلما ناحت الأم، كان يصفع جبينه بيده ويصيح: "آه يا إلهي. أحاول أن أفكر بكل الاحتمالات في نفس اللحظة".

بدأ يحوم حول الشقة ببوط ويلينغتون وفوق رأسه شبكة ليتستر بها، وآلته الطابعة تتأرجح في يده، وهو يقول إنه يتوقع دعوته إلى فيتنام بصفة مراسل حربي، والآن يجهز نفسه لمعارك الغابات. جعلني ذلك أضحك. لعامين والأب يعمل عامل تعليب في مصنع ينتج ملمعات الأحذية. كان عملا عضليا قاسيا. فهو يفيق في الخامسة صباحا، وفي الليل ينكب على الكتابة مادام قادرا على فتح عينيه. حتى وهم يتناولون الطعام يخربش على قفا المغلفات، وعلى رسائل الرفض وقرطاسية المصنع، ويحاول جهده بيع مقالاته للمجلات والصحف. وفي نفس الوقت يدرس اختصاص المراسلة من خلال برنامج "كيف تكون مؤلفا منشورا". وصوت طباعته المتلاحق يدوي في رؤوسهم مثل طلقات الرصاص. وكانت الشكوى محرمة عليهم. فقد عقد الأب عزمه على كسب النقود من مقالات عن الرياضة، والسياسة، والأدب، وكان يرسل مقالاته بالبريد في معظم الأيام. وكل منها مرفقة برسالة تبدأ بقوله "السيد المحترم. من فضلك اطلع على المتضمن...".

لكن لا يتقن الوالد اللغة الإنكليزية مع أنها لغته، إنما ليس تماما، فهو من "جماعات بومباي وهرطقاتها اللغوية". كان من بين جيرانهم معلم مدرسة متقاعد، ويتحلى بما يكفي من اللياقة ليصحح إملاء ونحو الوالد، وكان يشهد أنه أحيانا يستعمل "الكلمات المناسبة في المكان الخطأ، والعكس صحيح". وكانت مقالاته تعود بانتظام بظرف يعنونه بنفسه ويضيف له الطوابع، نزولا عند نصيحة الكتاب السنوي للكتاب والفنانين. ومؤخرا حينما فتشوا في علبة البريد تبين أن الوالد لم يفتح الردود، غير أنه مزقها، وداس بحذائه على مزقها، وشتم بالأوردو، ولعن الإنكليز، فهم حسب قناعاته، يحرمونه من فرصته. ألم يفعلوا ذلك؟. ذكرت الأم في إحدى المرات أنه يسير بالطريق الخاطئ، وعليه أن يجد شيئا أنفع له. ولكن نصيحتها لم تجد أذنا صاغية. في الصباح أرسلت الأم أزهر ليقابل ساعي البريد، ويستلم منه المخطوط المرفوض والعائد. كانت الظروف والطرود مخفية في أرجاء الحديقة مثل زجاجات الكحول، وراء علب النفايات، وفي موقف الدراجة، وحتى تحت الدلاء، حيث تتعفن بسرية تامة، وتترك بابا للأمل وتبعد الكارثة قليلا.

في كل محطة كان أزهر يأمل براكب يمكنه لجم أو توقيف آل بيلي. ولكن لم يحصل ذلك، وكلما تقدم الطريق كانت تفرغ. قفز بيلي الصغير وحاكى صوت الجرس، فضحك الجابي وحده. ثم شاهد أزهر بيلي الصغير يخرج قطعة رخام من جيبه. ويقف وذراعه خلفه، ويستعد ليرميها. وعندما لاحظ بيلي الكبير ذلك اتسعت عيناه. ومد يده إلى رسغ بيلي. لكن الرخامة كانت قد انطلقت. وضربت النافذة بين أزهر ورأس أمه وكسرت الزجاج. فبدأت تصيح: "توقف. توقف. لن ينقذنا هنا أحد. وسنلقى حتفنا". كان صياحها كأنه يأتي من جهنم أو من الأبدية. تراجع بيلي الصغير واقترب من أبيه. وخيم الصمت على كليهما. نهض أزهر عن مقعده، ليقاتلهما، ولكن سد الجابي طريقه. كان موقفهما المعروف بعيدا. وقبل أن تتوقف الحافلة، نهضت الأم وحقيبتها في يدها. وأعطت أزهر كيسي مشتريات ليمسك بهما، ودفعته نحو باب الحافلة. وهو يمر لم يكن ينوي النظر إلى آل بيلي، ولكنه وضع عينه بعين كل منهما، مباشرة، ليتمكن من رؤيتهما وبدون خوف. كانا يكرهانه، ولكنه يعرف ذلك. وإن لم يقاتلهما ماذا يجب أن يفعل بغضبه؟.

تخبطا بخطواتهما ولم يكونا بحاجة لينظرا إن كان آل بيلي يتبعانهما بحذائيهما القاسيين، فقد سمعا كلامهما، وإن كان بصوت أخفض من قبل. حينما اقتربت الأم وابنها من شارعهما خرج من بيته المعلم المتقاعد الذي يساعد الأب، وهو يرتدي بذة من ثلاث قطع، وقبعة طرية ودراجته معه. نظر إلى حديقته، وحمل قطعة ورق تسللت من فوق السور، واستنشق هواء المساء. أراد أزهر أن يضحك: كان يشبه الشبح، في عالم مختل يظهر الطبيعي وكأنه عبث لا معنى له. جرت الأم أزهر فورا نحو البوابة. رفع جارهما قبعته وقال بأسلوب ودي: "كيف الحال؟". لم يفهم أزهر أول الأمر رد أمه. ولكنها كانت تتكلم عن الأب قائلة: " يعيدونها له، كتاباته، كل يوم، ويخيم عليه الغضب... شدة الغضب.. هل بمقدورك مساعدته؟".

أجاب: "سأساعده كلما سنحت لي الفرصة".

تابعت: "اجعله يتوقف عن هدر طاقاته".

وغطت وجهها بمنديلها، وهزت رأسها حينما سألها عن حقيقة المشكلة. تردد آل بيلي لحظة ومرا بصمت. وراقبهما بيلي يبتعدان. ساد الأمان الآن. ولكن أزهر جاهز للغد، ولما بعده، ولما يليه. ولا يمكن لأي أم أن تعيقه.

كان المعلم يقول عن الأب: "يا له من شاب متحمس".

"ولكنه لن يبلغ هدفه؟".

قال: "ربما. ربما. ولعل لديه لمساته...متفائل جدا. مفرط بالتفاؤل". وقف أزهر على رؤوس أصابعه ليصغي.

قالت أمه وهي تعض شفتها: "نعم".

قال: " اطلبي منه أن يقرأ المزيد من كتابات جيبون وماكاولي. هذا سيقوم أسلوبه".

"معك حق".

"هل تشعرين الآن بالتحسن".

قال الأم بثبات: "نعم. نعم".

قال باهتمام: " اسمحي لي أن أرافقك بطريق العودة".

"أنا على ما يرام. شكرا لك".

وبدل الذهاب إلى البيت، تابع الابن وأمه بالاتجاه المعاكس. مرا من موقع حفرته قنبلة وتركا الشارع ودخلا في ممر ضيق. وحينما لم يشعرا بأي شيء صلب تحت أقدامهما، عبرا من ملعب مظلم وموحل ومحفور. دفعتهما الرياح القوية جانبا، وتقريبا جعلتهما يشتبكان مع الشبكة الرقيقة المشدودة على مرمى الملعب. ولم يكن يعلم أنها تعرف هذا المكان. في آخر المطاف توقفا خارج سقيفة متهالكة، وهي دورة مياه عامة، استولت عليها العناكب والحشرات، حيث كان يلعب غالبا مع أصدقائه. نظر نحو الأعلى ولم يتمكن من رؤية وجهها. دفعت الباب ودخلت نحو الأرض المبتلة. حينما تردد جرته إلى المكان معها. لن تسمح له بالابتعاد الآن. أنشب سكينه بالحائط، وحاول إمساك أنفاسه حتى انتهت. ثم نظفت نفسها بورق خشن. وبعد ذلك جلست هناك بعينين مغلقتين، كأنها تتلو صلاتها. كانت أسنانها تصطك، والأشباح تهمس في أذنيها، في الخارج اقتربت خطوات أقدام، وتمسكت به أصابع ميتة. لفترة طويلة تأملت نفسها بالمرآة، وضعت المساحيق على وجهها، وجددت طلاء الشفاه، ومشطت شعرها. لم يكن هناك أصوات بشرية، فقط المطر يطرق السقف المعدني، وكان يقطر على رأسيهما.

صاح: "ماما".

"لا تئن الآن".

كان يريد شايه. وفقد صبره وألح على الانصراف. لكن ألهبت وجهه بعينيها في الضوء المصفر. كان يعلم أنها تود أن تخبره أن لا يذكر شيئا مما حصل. وفي النهاية أدركت أن ذلك غير ضروري، فجرته فجأة من ذراعه، كما لو أن هذا التوقف خطأه، وأسرعت به نحو البيت بدون كلمة إضافية. كانت الشقة مضاءة ودافئة. الأب انتهى من النوبة المبكرة. وهو في البيت. ذهبت الأم إلى المطبخ وساعدها أزهر بإخراج المشتريات. حاولت أن تكون طبيعية. ولكن جهودها أرهقتها. ولم تطبع قبلة على وجه الوالد كالعادة. كان الأب، بجانب الجد والعم آصف، يستمع للمعلق الرياضي عن لعبة الكريكيت في المذياع الكبير، والذي له لوحة مضاءة طبعت عليها أسماء المدن التي لا يمكنهم رؤيتها على المؤشر، بروكسل، استوكهولم، هيلفرسوم، برلين، بودابست. وكانت طابعة الأب بلسان الورق المتدلي على الطاولة ومحاصرة بزجاجات بيرة فارغة.

"تعال يا ولد".

جرى أزهر إلى أبيه الذي سكب بعض البيرة في كأس من أجله، وخلطها بعصير الليمون. كان الرجال يدخنون الغليون، ويحدقون بأطباق الرماد، ويلمسونها بمنظفات الغلايين، ليعيدوا إشعالها. كانوا يتناقشون بصوت مرتفع بالأوردو، ويستعملون بعض الكلمات الإنكليزية ولكن يتمازحون ويصفع الواحد الآخر بطريقة لا يعرفها الإنكليزي. ثم قفز أحدهم فجأة، وشبك يديه، وصاح: "نعم. إلى الخارج. الخارج".

اعتاد أزهر أن يكون مع عائلته دون أن يفهم غير القليل مما يقال. وهو يحاول حل اللغز، ويضحك، كما يفعل دائما، حينما يضحك الرجال، ثم يحرك شفتيه بصمت بدون أن يعرف ماذا تعني الكلمات، وخلال ذلك يفكر بكل جهده دون أن يستوعب شيئا.

***

....................

* حنيف قريشي Hanif Kureishi: كاتب بريطاني من جيل الستينات. مولود لأب باكستاني وأم إنكليزية. له سيناريوهات أفلام ومسرحيات ومجموعات قصصية وروايات أهمها "بوذا الضواحي" و"جسد" و"الألبوم الأسود". أصيب بالشلل في عام 2022 خلال رحلة استجمام في إيطاليا، وأملى مذكراته على أبنائه وقد صدرت عام 2024 بعنوان "محطم".

 

نصوص أقرب إلى الشعر

أقرب إلى النثر

***

هو المطر

ذاكرة الماضي

فأين تهرب من الطّفولة؟

2

وأنا طفل زرعت، أول شتلة، في حياتي، بذرة نعناع

ثمّة نخلة تهاوت تحت قدميّ في نهاية العمر

3

في الصفّ الأول كتبنا على اللوحة السوداء:1+1=2

الصفّ الثاني غيروا اللون إلى الأخضر ودهشنا-نحن التلاميذ- من أنّ العدد تجاهل اللون الجديد.

4

معلم الدين يقول: الله موجود في كلّ مكان

ببراءة تساءل تلميذ وهو يعطس: هل أصابته عطستي يا أستاذ؟

5

في النوم حلمت بأفعى تلتفّ على رقبتي

حين صحوت أخبرتني الميديا عن مجرمين نُفِّذَت بحقهم عقوبة الإعدام شنقا صباح اليوم.

6

ذات يوم زمن الطفولة سرقت من جيب أبي خمسين فلسا

في الليل حلمت به يحذرني ألّأ أسعى لأيّ منصب في الدولة كبير!

***

قصي الشيخ عسكر

بلغ العم أبو عواد السابعة والسبعين من عمره، ومع ذلك ظلّ محتفظًا بصحةٍ معقولة، وبخطوةٍ ثابتةٍ رصينة لا تزال تقاوم عثرات الزمن وتحدياته.

غير أن الوحدة كانت أثقل ما يحمله في جعبة أيامه.. فمنذ أن اختطف الموت رفيقة دربه بعد صراعٍ مريرٍ ومضنٍ مع مرض "النقرس"، ثم مغادرة ولده الوحيد إلى العاصمة الضبابية "لندن" لمواصلة دراسته العليا، صار البيت الواسع الذي بناه بعرق السنين وشقاء العمر يبدو كقوقعةٍ فارغةٍ موحشة، لا يردد فيها الصمتُ الثقيل إلا صدى أنفاسه المتهدجة.

لذلك، اعتاد العم أبو عواد أن يقضي معظم ساعات نهاره خارج تلك الجدران الصامتة التي باتت تذكره بغياب الأحبّة.

كان يتجوّل في أزقة المحلّة بوقارٍ يفرض احترامه على الجميع، يحيّي هذا ويمازح ذاك بكلماتٍ منتقاة، أو يجلس في الحديقة العامة على مقعده الخشبي المعتاد مع جارٍ قديم، يتبادلان شجون الماضي العتيق وأحوال الناس التي تبدلت. أحياناً، كان يزور هذا البيت أو ذاك، لا لغرضٍ سوى أنه كان يحاول، بطيبته المعهودة، أن يوزّع ثقل وحدته على وجوهٍ مألوفة يألفها وتألفه، كأنه يرمم شروخ روحه بابتسامات جيرانه الطيبين.

كان العم أبو عواد، موضع محبةٍ صادقةٍ وتقديرٍ كبير بين الجميع...

فقد عرفه أهل الحيّ رجلاً بسيطاً في مظهره، صلبًا كالصخر في كفاحه، طيب القلب كغيمة صيف، لا يبخل بابتسامةٍ رقيقة أو نصيحةٍ حكيمة تنمّ عن خبرةٍ طويلة في دروب الحياة مظلّلًا بها من يشاوره او يصغي اليه.

حكى لنا مرةً، وعيناه تغيمان ببريق الذكريات، عن أيام عمله الشاقة في مصافي النفط: كان يغادر بيته في عتمة الليل وقبل انبلاج خيوط الفجر الأولى، ليعود مع الغروب، حاملًا على كتفيه تعب النهار الطويل ورائحة الزيوت الثقيلة التي تغلغلت في مسامه لسنوات.

حين أحيل إلى التقاعد، لم يرضَ لنفسه الاستسلام للفراغ القاتل أو الجلوس خلف النوافذ المغلقة. اشترى عربةً خشبية صغيرة وزيّنها بمهارة، وراح يبيع الحمص المسلوق الحار عند ناصية الشارع الرئيسي.

كان يقف هناك صامدًا في وجه ريح الشتاء القارس ومساءات الصيف الهادئة، يسكب الحمص الساخن في كاسات "الفرفوري" المنقوشة، يرش عليه الكمون والملح بعناية، ثم ينكهه بالليمون الحامض، وعيناه تلمعان برضا رجلٍ يقدّر قيمة الرزق الحلال والشقاء الشريف.

لم يكن همه من ذلك التعب سوى أن يفتح أمام ولده بابًا لمستقبل لم يُتح له، هو، في شبابه؛ ادّخر القرش فوق القرش، واقتطع من قوته اليومي، حتى استطاع تأمين سفره إلى لندن.

بل إنه، في غمرة كفاحه، أكمل بناء الطابق الثاني من البيت بلمساته الخاصة، ليكون مأوىً وعشًا لابنه حين يعود من غربته.

اليوم، يعيش العم أبو عواد بهدوءٍ على معاشه التقاعدي البسيط، ويقتاتُ روحيًا على انتظار تلك العودة التي يرسم تفاصيلها في مخيلته كل ليلة.

 كان يقول لنا، وهو يمسح على لحيته المشتعلة شيبًا بابتسامةٍ شفيفة:

"سيعود ولدي يومًا.. سيعود ليستقر هنا، في أرضه التي نبت فيها."

أما البيت الذي يسكنه، فله في قلبه حكايةٌ مقدسة؛ لقد كان في الأصل ملكًا لزوجته الراحلة، ورثته عن والديها بفيضٍ من الذكريات. وبعد الزواج، ومن فرط ثقتها وحبها له، سجلته باسمه، لكنها أودعته وصيةً غالية ظلّ يرددها كأنها دستور حياته:

أن يبقى البيت حصنًا للعائلة، يتوارثه الأبناء والأحفاد جيلًا بعد جيل، وألا يجرؤ أحدٌ على التفكير في بيعه أو التفريط بحجرٍ من أحجاره مهما ضاقت الظروف.

كانت تقول له بدلالٍ رصين:

"هذا البيت يشبهني يا عواد.. سيبقى فيه على الدوام شيءٌ من روحي"

وحين دنا أجلها ورحلت، كانت رغبتها الأخيرة أن تُدفن في حديقة البيت التي عشقتها، لتظل قريبة من أنفاسه.

منذ ذلك الرحيل المرّ، صار العم أبو عواد ينظر إلى تراب الحديقة وطهارته كما لو أنه ينظر إلى وجه رفيقة دربه الغائب.

كان يقول للجميع بلهجة القانع الصابر:

"كيف لي أن أتركه وأرحل؟ هنا تسكن رائحتها.. هنا ما تبقى من أثرها"

لذلك، كان إصراره على البقاء في البيت أشبه بعهدٍ أبديٍّ نقيّ وعفيف بينه وبين الذاكرة والذكرى؛ المكان بالنسبة له لم يكن مجرد جدرانٍ من الحجر وسقف من الاسمنت، بل هو حياةٌ كاملة وتاريخٌ شخصي ضمتها حفنة ترابٍ غالية.

في تلك اللحظة الراهنة، وبينما كان الجيران يناقشون بوجومٍ غزو الخنافس المفاجئ، كان العم أبو عواد يحدّق في أرض الحديقة بصمتٍ طويلٍ مدثر بالوفاء.

ربما كان يفكر في شيءٍ أبعد بكثير من تلك الحشرات السوداء الزاحفة، ربما كان يتوجس، كحال الجميع، من أن تكون هذه الكارثة مجرد شرارةٍ أولى لشيءٍ أعظم وأخطر؛ مؤامرةٍ تحاك في الخفاء لتهديد البيوت واقتلاع الجذور والذكريات معًا.

كانت ياسمين قد أفلتت من راحة يَدّ امها فور وصولهما الى الساحة، وانطلقت بمرحٍ فطريٍّ نحو أقرانها لتلعب معهم بين الأشجار العتيقة، وضحكتها الصافية تسبق خطاها الصغيرة.

وحين التفتت هدى إليها اثناء ارتشافها قهوتها مع الاخرين لتراقب حركتها، انتابها شعورٌ يقينيّ راسخ بأن ذلك الصوت الصغير ـ ضحكة طفلة تركض ببراءة في صباحٍ يكتنفه الاضطراب ـ كان، رغم كل نذر الشؤم المحيطة بهم، أقوى بكثير من صمت الخوف الذي يحاولون زرعه في قلوبهم.

ومع انسحابِ آخرِ خيوطِ الشمس خلف قبابِ البيوت، بدأ الفضاءُ يتأهبُ لاستقبالِ ترتيلةٍ من نوعٍ آخر.

 لم تكن مجرد نغمٍ عابر، بل كانت هويةً مسموعة تنبعثُ من زاويةٍ عتيقةٍ في الحيّ، حيثُ يمتزجُ عطرُ الجلودِ القديمةِ برائحةِ الياسمينِ.

كان ذلك الصوت هو، صوت الشيخ حسين، الخيط السحري الذي يربطُ ضحكةَ ياسمين الغضّة، بوجعِ الجذورِ الضاربةِ في عمقِ الجنوب.

**

5. الشيخ حسين الحذّاء: مقامُ الصبرِ واليقين

كان المساء قد بدأ يمدّ ظلاله الوادعة على الحيّ، حين أخذ صوت الشيخ حسين الحذّاء ـ الجنوبيّ الأصالة والمنشأـ يتردّد بين أزقة الحارة كأنه صدى زمنٍ يأبى الإنطفاء.

لم يكن صوته عابرًا، بل كان يحمل تلك النبرة العميقة التي تشبه حنين الأرض حين تباغتها أول قطرة مطر بعد قيظٍ طويل.

كان يغني مقاماته التي ينسج كلماتها بنفسه، ويطلقها في الفضاء بمهابةٍ ورزانة، كأنّه يسقي بها الأرواح قبل أن يسقي حديقة بيته الصغيرة.

عُرفت تلك المقامات بين أهل المحلّة بصدقها الذي لا يهادن، وعمقها المثقل بدلالات الحرية والكرامة والتحدي. ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تغدو تلك الكلمات يومًا سببًا في اعتقاله وتغيبه في اقبية سجون السلطة ومعتقلاتها.. إذ عدّتها السلطة آنذاك بانها "مقاماتٍ تحريضية" تزرع في النفوس روح السخط والتمرد.

لم يكن الشيخ حسين سياسيًا بالمعنى الضيق، بل كان رجلًا يرى في الغناء سبيله الوحيد لنقد المعوج وقول الحقيقة، والحقيقة في تلك الأزمنة كانت تهمةً باهظة الثمن.

قضى الشيخ في السجن سنواتٍ قاسية، خرج منها بجسدٍ أثقلته الندوب والعاهات، ليفاجئه المرض الأكثر ضراوة:

السرطان، الذي بدأ ينهشه ببطء كأنه امتدادٌ مرير لسني الزنازين. ومع ذلك، لم يكسره الوجع؛ عاد إلى دكّانه المتواضع عند طرف السوق، ذلك الركن الذي كان يستقبله كل صباح كحضنٍ دافئ.

يجلس خلف طاولته الخشبية العتيقة التي غدت رفيقة دربه، يحتضن أدواته المألوفة: المطرقة، المسامير الصغيرة السوداء، المخرز، وخيوط الجلد الداكنة التي تستلقي كأفاعٍ وديعة تنتظر أن تُبعث فيها الحياة.

كان يمدّ يديه المتعبتين فوق الجلد بهدوء، يثقبه برفق ويشدّ الخيط بإيقاعٍ دقيق لا تخطئه الحصافة، ومع كل غرزة كانت تتصاعد من صدره مقامةٌ جديدة يطلقها بصوتٍ رخيم، كأنّ العمل والغناء صنوان لا يفترقان.

 لم يكن الزبائن يقصدونه للشراء او لإصلاح أحذيتهم فحسب، بل كانوا يأتون استسقاءً لتلك الحكايات التي تنبعث بين ضربات مطرقته ومفاصل حكاياته..

حكايات التعب والصبر والقلب الذي تعلّم أن يغنّي كي لا يخذل او ينحني.

أصبح دكانه جزءاً من هوية الحيّ، وثقة الناس بجودة بضاعته كإيمانهم بطيبة خلقه؛ فالحذاء الذي يصنعه الشيخ حيسين: متينٌ كأنه يعرف وعورة الطريق التي ستسلكها أقدام أصحابها.

كان يقول وهو يبتسم:

"الحذاء الجيد يا ناس، يعين الإنسان على المضي في طريقه حتى النهاية، متماسكًا ومتينًا "

لم تكن حكاية انتقاله إلى المحلّة فصلًا عاديًا، بل بدت كخاتمةٍ رواية كُتبت بمداد التجربة والخذلان.

أقام الشيخ حسين أعوامًا مديدة في حيٍّ آخر، تتقاسم معه جدرانه صمت الوحدة المثقلة، برفقة زوجته الواهنة، بعد أن تفرّق أبناؤه في دروب الحياة وتباعدت بهم السبل.

كان رجلًا يُخفي جرحه خلف وقارٍ رزين، حتى تدخل صديقه القديم سعيد المكوچي، ذلك الرجل الطيب الذي يعرف كيف يُرمّم الأرواح كما يُصلح ثنيات الثياب.

عرض عليه سعيد الانتقال للسكن بجواره في بيتٍ رحل أصحابه إلى الغربة، قائلًا بوفاء:

"تعال واسكن بيننا.. ستجد أهلًا قبل أن تجد جيرانًا".

باع الشيخ بيته القديم، وانتقل إلى المحلّة ليبدأ فصلًا جديدًا من التصالح مع حاضر مظلل بالإلفة.

أحبّه الجيران بلا تكلّف، وصار صوته في المساء جزءًا من إيقاع المكان، يسقي الأرض بصوته كما يسقيها بالماء، بينما يقف الأطفال خلف السياج يسترقون السمع لتلك السكينة المنسكبة بصفاء.

في اليوم الذي اجتمعوا فيه بسبب كارثة الخنافس، ظهر الشيخ حسين بينهم متكئًا على ذراع صديقه الوفي سعيد. كان نحوله قد بان بوضوح، وخطواته تقيس الأرض بحذر، لكن عينيه ظلتا تفيضان بذلك الضوء النقي. جلس بصعوبة، وألقى نظرةً شملت الوجوه والبيوت، ثم قال بصوتٍ خافتٍ وواضح:

"حين جئنا إليكم، لم يكن ذلك حبًا في الأرض وحدها.. بل حبًا بكم، بحسن وطيبة أخلاقكم."

توقف لحظة، ثم أضاف وهو يرقب الساحة بوجع:

"الأرض عزيزة، نعم، ولكن ما نفعها إن خلت من طيبة أهلها؟ البيت يُبنى في عام، لكن القلوب الطيبة لا تُصنع في دهر"

 كان صوته يخرج متهدجًا، محملًا بخلاصة عمرٍ مضى. اختتم كلماته والرجاء يغلف نبرته:

"لقد صرتم أهلنا بعد ان خذلنا الابناء.. وإذا شاء الله أن يسترد أمانته، فأنا أوصيكم من بعدي بمواصلة إلفتكم ومحبتكم التي غمرتمونا بهما "

ساد صمتٌ مهيب كأنه حجابٌ شفيف غلّف المكان. حينها أدركوا أن الشيخ لم يكن يتحدث عن دنو أجله فحسب، بل عن ذلك الرابط المقدس الذي نشأ بينهم؛ فالحيّ لم يعد مجرد بيوتٍ متجاورة، بل غدا عائلةً واحدة تحرس ذكرياتها، وتصارع الآن في وجه الكارثة لئلا ينطفئ نبض المكان.

***

سعاد الراعي

3.5.2026

...................

* فصول من رواية قيد الانجاز

الناس نوعان،

نوع لا يحب الله، وآخر يكرهك.

إن سألك أحدهم عن حالك،

لا تخبره عن ابنتك السبية،

ولا تزعجه بأمر أمراضك المزمنة،

ولا تعلمه عن الخراب في روحك.

لا تقل له أنك لا تملك ثمن عشاءك،

ولا تحكي له قصة ابنك المفقود.

فقط أنظر في عينيه.

إن فهم الأمر،

سيكره الله مثلك،

وإن لم يفهم،

سيكرهك لصمتك.

في كل الأحوال، لا تهتم،

فالناس نوعان،

نوع لا يفهمك، وآخر لا يفهم نفسه.

***

مروان ياسين الدليمي

في حضوره تبدأ سكينة المكان. كأن الصمت يمشي معه. شاب يسكن الريف كما تسكن النخيل ممتدة الجذور بهذه الأرض، هو ليس قاسيا كما يبدو، بل روحه متعبة، ودون ان يترك ملامحه تفصح عما في قلبه. ومن سكون المزرعة تعلم كيف يحافظ على اتزانه. في صعوبته سحر غامض يجعل من يقترب منه حذرا. لكنه يشعر ان خلف الجدار قلبه الناصع وربما يحب بصدق. ولا يكره.

لم يكن يشبه الاعلاميين الذين يملؤون شاشات التلفزة ضجيجا. كانت مواضيعه جادة وتحمل جرأة مميزة.

لم تشغل قلبه امرأة. لكن احداهن كانت تراقبه من بعيد كأنها تحفظ ملامحه عن ظهر قلب، وتخبئ حبها بين دقات قلبها. ولم تدرِ ان كان قلبه يهمس باسمها كما تفعل. أم انها وحدها من تعيش الحكاية.

كان يمر بقربها كما تمر نسمة الصباح. دون ان يشعر بلهفتها. التي أخذت تزداد يوما بعد آخر. لكنها امرأة تجيد لعبة الصبر والاصرار. وشيئا فشيئا جعلته ينتبه اليها من خلال حديث عابر. وابتسامة مرتبكة ونظرة معبرة، فأخذ ينتظرها ويبحث عنها بين الوجوه.

نعم احبها أخبرتها عيناه ولهفته وتكررت لقاءاتهما وسارا معا بين الاعشاب. عندها أغمض عينيه وقال لها: ستبقين ملاذي الى الأبد

اما هي فكانت تعيش دهشة الحب وكيف خفق قلبها لأول مرة. فولد في روحها حلم كبير كما تولد شجرة عملاقة من نواة صغيرة.

. أحبته لا لوسامته، بل لذلك الحزن الذي يسكن عينيه. ولذلك الانشغال بعمله والذي يشبه الهروب. تكررت اللقاءات وتشابكت حكاياتهم وصار ما بينهما وعدا غير منطوق. وعدا بأن هذا الحب لا ينكسر. لكنه انكسر.!! اختفى الصحفي فجأة من حياتها. بدون رسالة، بدون وداع، وكأن الارض انشقت وابتلعته فجأة.

غدا فنجانها مُرّ مذاقه. كمرارة ربيع صباها. ارتعشت يداها. كقلب أصابه الاضطراب، فنسي كيف يخفق. لا يحتوي فنجانها سوى أثر لقهوة تمّ ارتشافها بشفاه متيبسة وقلب حائر يبحث عن الطمأنينة وعن لحظات شوق لحبيب ضيعته الليالي. واستطاعت ان تحول فنجانها الى نافذة تطل من خلالها على أمانيها. فربما يعود الذي تردد اسمه على عتبة النسيان. تذكرته حين يقول: ـ ان الحياة مهمة صعبة ليس فيها مجالا للترف أو للعاطفة. لكنها أحبته.

تحدق بعيون منكسرة وهي تتأمل خطوطا متعرجة منسابة في قعر فنجانها. كأنها أصابع اتهام تشير اليها وتتهمها بأنها المسؤولة. فيصرخ قلبها : لست أنا من يلام.

قتلها انتظاره دون ان تدري ان كان حيا أو ميتا. واليوم وقد أكتمل عامه الثاني على الغياب. فلا تملك سوى فنجانها ووعود العرافات.

تجلس قرب نافذتها كامرأة عجوز تعرف النتائج لكنها تتظاهر بالنسيان ليستمر أملها المزعوم.

وتمر الليالي متباطئة. تتخيله أمامها يقف على عتبة الدار مترددا. كأنه يلفظ حروف اسمها ويناديها ان تحفظ ذكراه لحين عودته عاجلا أو آجلا.

ومن تلك الليلة لم تغسل فنجانها. تركته فوق مكتبها كأنها تخفيه عن الأنظار. وكأنها تخشى ان تمحو آخر أمل كاف ليوقظ روحها من سباتها

كانت آخر رسالة منه حين أخبرها بتطوعه للسفر الى مناطق ساخنة لتغطية الأحداث هناك ليصور للعالم كيف يموت الأطفال جوعا. وكيف ان الانسانية تسير نحو الهاوية. ذهب واختار ان يكون في قلب الخطر. حيث لا أسماء تعود كما ذهبت.

شعرت فجأة بنداء خفي. لا يسمع بل يفهم بدقة. ذلك النوع من اليقين الذي ولد توا مثل نبأ جاء متأخرا.

نظرت مجددا الى فنجانها لتدرك ان بعض الغائبين لا يعودون وربما اسماءهم قد حذفت من سجلات الأحياء. نعم ربما أصابته قذائفهم. لانهم ضد المشاعر وضد الرحمة.

ومع ذلك كانت تنتظره كل يوم

عادت الى نافذتها ووضعت أمامها فنجان قهوتها. لكنها تيقنت أخيرا لماذا لم يعد. بقي فنجانها في مكانه. احتراما لحب صامت انتهى في ظلام لا صباح له. ودون ان ترثيه. فمن قال ان كلمات الرثاء تطفئ جذوة الألم.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

 

لا نبضَ في التَّلِّ،

وما في التَّلِّ

غيرُ الرّيحِ والصَّبَّارِ والصَّدى.

شُجَيْرَةُ الْبَلُّوطِ تَسْتَوْقِفُنِي،

تَبْحَثُ في عَيْنَيَّ عن أبي.

تَسْأَلُنِي شُجَيْرَةُ الْبَلُّوطِ

عن أُخْتِي الَّتِي ما خَضَّبَتْ يَدي.

تَبْحَثُ في رجَفَةِ صَوْتي

عن عباءَةٍ لأمّي

طالها وجهُ اللَّظى.

وأَكْتَوي بِوَجْهِ أمّي

في مَجَامِرِ الْفَرَاغْ،

أَلْمَحُها تَفِرُّ مِنْ مُلاءَةِ الضَّنَى

إلى نَخْلَةِ مَرْيَمْ،

تَحْتَمي بها وتَقْتَري.

حتّى إذا ما طيْفُ داوُودَ لها بَدَا،

سَمَتْ

و أَقْمَحَتْ في كَفِّها

دَوَارِقُ الرّيحِ وأَمْلاحُ الْخَوَاءْ.

**

تسأَلُني شُجَيْرَةُ الْبلُّوطِ عن رِحْلَةِ شهرزادَ

في أَقْبِيَةِ اللَّيْلِ وأَلْوَانِ حُرُوفِها.

وشهرزادُ لا تزالُ تَغْزِلُ الرّيحَ

وتَسْطُرُ الْحَكَايا بِدَمِي.

ولا تزالُ تجْتَلِي حُرُوفَها

كَيْما يَظَلَّ ذلك النُّهَيْرُ

حاملا جناحَيْ طائرٍ في صدر أمّي،

ويَظَلَّ جامِحا نحوَ السّماءْ.

وأنتَ " أُورْفِيُوسُ "!

لا تزالُ بين زَنْبَقٍ ونَرْجَسٍ

تُسَعِّرُ الْجَوَى وتَمْضِي ذاهِلاً.

أَسْكَرَ ڨيتارُكَ بحرًا وَهِنًا

وما تَنَحَّى بِصَدَى الْڨيتارِ

قَيْدٌ شَدَّ " يُورِيدِيسَ " في الْمَنْفَى

وما لاَقَ بِها الصَّدَى.

ها أنتَ " أُورْفِيُوسُ " تُغْوِيكَ بِڨِيتَارِكَ

أَنْغامٌ ونَشْوَةٌ،

وتَنْسَى في الزِّحامِ

وَجْهَ " يُورِيدِيسَ " والْأَزْمِنَةَ الْأُخَرْ.

حَتَّامَ " أُورْفِيُوسُ " بالْڨيتارِ تَنْأَى

والنَّدى فيكَ مُعَلَّقٌ؟!؟

***

بقلمي: هادية السالمي / دجبي- تونس

رُدُودٌ آجِلَةٌ

كَلِمَاتٌ هَائِمَةْ

أَوْقَفَتْنِي

عِنْدَ أَبْوَابِ حُرُوفٍ مُبْهَمَةْ

سَأَلَتْنِي

لِمَ مَا زِلْتَ تَطُوفْ

فِي رُبُوعِي دُونَ إِذْنِي

لِمَ مَا زِلْتَ تُغْنِّي

نَاقِرَا فَوْقَ اَلدُّفُوفْ

دُونَ أَنْ تَسْمَعَ مِنِّي

عَزْفَ لَحْنِي

لِمَ شَوَّهْتَ مَعَانِي اَلْأُغْنِيَاتْ

لِمَ بَدَّدْتَ جَمِيعَ اَلْأُمْنِيَاتْ

دُونَ أَنْ تَسْأَلَ عَنِّي

لِمَ؟

أَرْجُوكَ أَجِبْنِي

لَا تَدَعْنِي

ظَامِئًا أُشْرَبُ أَحْزَانِي وَظَنِّي

أَتَغَطَّى بِرَمَادِ اَلْأَسْئِلَةْ

وَاحْتِمَالَاتِ اَلرُّدُودِ اَلْآجِلَةْ

***

حِسَابَاتٌ مَجْهُولَةٌ

حِسَابَاتْ

بِلَا جَمْعٍ، وَلَا طَرْحٍ

بِلَا قِسْمَةِ أَوْ ضَرْبٍ

بِلَا أَيِّ بِدَايَاتْ

وَلَا أَيَّ نِهَايَاتْ

حِسَابَاتْ

مَعَ اَللَّحْظَاتِ تَزْدَادْ

أَضَعْنَاهَا، أَضَاعَتْنَا

أَنَبْقَى نَحْنُ لَا نَعْرِفُ

مَا تُخْفِيهُ أَسْرَارُ اَلْحِسَابَاتْ

وَلَا نُدْرِكُ مَا تَعْنِيهُ أَلْغَازُ اَلْبَيَانَاتْ

مُنَادِينَ فُرَادَى أَوْ جَمَاعَاتْ

بِأَعْلَى اَلصَّوْتِ هَيْهَاتْ؟

***

شعر خالد الحلي

واجِفٌ

نبضُ الذُّهولِ بِصَدري الظَّامئ

لِغَيثِ السَّكن

طَيرٌ أضاعَ العُشَّ

ذَوَّب صوتَهُ بِأَوصالِ الزَّمن

تتقافَزُ الأَغصانُ مِن مطرٍ

إِلى وَتَرٍ

بِأَغصانِ الكَمَنجاتِ الَّتي ما وَدَّعتْ

أَعناقَ عِصمَتِها

ولا كَهفَ الشَّجَن

ما زِلتُ واقِفَةً

عَلَى الدَّمعِ اليَتيم

بِلَهفَةٍ

شَحَذَتها أَشواكٌ مدبَّبةٌ

تُكنّسُ عَن جدارِ الرُّوح

أَصداءَ الغُبار

وغُربَةً

أَغْوَت سريرَ الشَّمس

فاعتَزَمَ الرَّحيل

نَيسانُ يُنْكِرُني..

ويَرحَل

لا وداعَ ولا..

طَريقاً مِن ثُرَيّاتِ القُبل

تَرَكتُ دَليلاً في مَتاهةِ لَهْفتي

والبَحرُ شَدَّ حزامَهُ مَوجاً

تَهيَّأَ للسَّفر

إِذ كلّما وَجهي تَوسَّمَ بِابتسامِ الغَيث

عاجلهُ الخَفر

صَخرُ السَّراب بِه عطَش

حُزنٌ يلاعقُني

تَحتلُّ وَحيَ مَفاصلي

رَعَشاتُ أَثلامٍ عَلى درجِ النَّهار

فَبَعثَرت بَعضي عَلى بَعضي

وأَعلَنَت الحِصار

تَمضي هُناكَ إِلى مُحيطِ الشَّك

تَرقُبُ لَوثَةَ الأَشلاءِ تُرمى

خارجَ الجسدِ المُفارقِ حُلمَه

مِزقةٌ تَكسو خُطوطَ الظِّل

جُدرانَ الخَريطة

مِزقَةٌ أُخرى..

مِن الوَجعِ المُحلّى بِالمَحار

وَجعٌ مِن الصَّدَأ الَّذي أَكلَ الدَّقائق

حَدسي يُقرِّبُني إِلى مَوجِ القَلق..

ويشُدُّ خَيطَ المَوتِ في فُستانِ عُمري

يَقرأُ الغَيمَ عَلى كَفِّ الحَبق

تُمهِرُ الطِّينَ المُواربَ هَزّةٌ أُخرى

بِوِجدانِ الجَسد

تَختمُ الأَعصابَ مَرّات

بِأَحذِيَةِ النّعاس

وفي مَداميكِ البَرَد..

يا دَمعَةً سُجِنتْ

بِأَقفاصِ التّغرُّبِ والشّجون

تَفتَحُ المَعنى

إِلى حرّيَّةِ الصَّلوات

يا ثَورةً لِلْوجدِ تَقتلُني

وتَقتاتُ على منْ يَثور

سحقاً لِمزادِ الزَّمان

وقد تَعمَّدَ سَملَ فَجري

لِيَترُكني لوليمَةِ السُّؤال:

مَنْ أَقْنع المَوتَ أَن يُربِّي جُوعهُ؟

الصَّدى مَسمورٌ في فَمِ اللَّحظَة

يَتآكلُ ولا يَغيب

الطَّريقُ؟ نَعلٌ يَحتَذيه الرَّحيل!

وقَدَري أَنَّني الحَقيقَةُ الَّتي

كَذَّبَها الجَميع!

***

مرشدة جاويش

من مجموعتي سقوط الظل

  في يومها فكّرت... متى يتماثل ظفر إصبعي الأزرق للشفاء. الصيدلانية ابتسمت حين نصحتني بالعلاج. أحك العفن بخشبة صغيرة. أدهن الظفر بسائل شفاف. كل أسبوع مرتين. الجسد مذياع لا يتوقف عن البث. نشرات قصيرة: أَلمٌ هنا، وخز هناك، ورم صغير، صداع عابر.. أستمع. أدون. أؤجل. المذيع لا يرحم. يقرأ بصوت بارد: – "ورم القدم لن يزول."، تُعاني من الثلاثي، السكر والكولسترول والضغط، ولكن "السيطرة ممكنة."

أردّ: "لكنني أريد أكثر من السيطرة، أريد الشفاء".

يصمت مذياع الجسد. ثم يضع فاصلة موسيقية، مثل ضربة شوكة على صحن معدني.

عمري، عالمي، منذ عام أوراق الصحف الممزقة في عمارة اللاجئين، أصوات الرجال الواقفين. الوافدين القلقين، المغادرين الحائرين. كنتُ أريد أن أقرأ، لكن الجدران ضيقة، والهواء خانق. الآن، بعد ربع قرن، ما زلتُ أهرب من القراءة في الأماكن المغلقة.

هل أطيافنا تحفظ ذاكرة اللغو أمام شبابيك الاستعلامات هناك مثلما تحفظ رائحة التخمينات هُنا؟

القهوة تنزل ثم تتوقف. تنزل ثم تتوقف. أصبحتُ أنا والماكينة في مبارزة. كل توقف لعنة، كل تدفق نعمة. قدماي عاريتان. اليُسرى تبرد فوق بلاط المطبخ. اليُمنى، المصابة بالورم، تحترق بقطرات القهوة الساخنة التي تساقطت عليها. لم أشعر بالألم فوراً. كان كل انتباهي محصوراً في اللعنة: "امتلئي حتى آخر قطرة".

لمرة واحدة دون غيرها من المرات.. في ليغنانو الإيطالية جنب البحر. ملايين الجنادب تصرخ في وقت الظهيرة. صريرها يلتف حولنا مثل بحر خفي. تساءلنا: هل سيستمر هذا طوال أيام بقائنا؟

الغابة محشوة بأصوات. الصوت هنا لا يُقاس بالديسبل. الصوت كائن يتناسل بلا توقف.

الغربة تنهض بي من ذلك البحر الثخين. أعود إلى المطبخ.

القهوة احتكرت رغبتي. لكنني أتذكر الطعم القديم: الشاي الأسود. يا أيها الإله الذي يطلق سراح نفسه من ورق يابس حين يلامسه الماء الساخن. كم كنتَ وفياً لي في الليالي العراقية الثقيلة.

أنا حصان عراقي في النمسا يجر عربة شاهقة. التلة مكدسة بالهموم. أصعد بها وأهبط. كل خطوة طقطقة في مفصل القدم، طقطقة نشرة إخبارية جديدة. هل أترك العربة؟ لكنها مربوطة إلى جلدي، إلى تاريخي، إلى الطين الذي لُعق من يدي. "بيرفيكت" كلمة هادئة، يقولها النمساويون كأنها صلاة صغيرة في الاتقان. "شايزي" كلمة قذرة، يقولونها كأنها تنفيس عن حياة خانقة. طفلي ينام في الغرفة المجاورة. أخشى أن يرث القذارة قبل أن يتمسك بالاتقان.

أدوّن في مفكرة صحية داخل جمجمتي، ثم أعيدها إلى رف النسيان. ثقتي بجسدي كانت تساوي ثقتي في قلي الباذنجان دون أن يتشرب نقطة زيت. الطبيب ابتسم بعد زرقة أبرة سيئة في مفصل القدم وقال: "آسف جداً". خرجتُ متكئاً على إطار الباب، كأنني أحمل سيقاناً مضاعفة، وأنا أُفكّر: هل عليّ استخدام المصعد بدل الدرج؟ ومع ذلك، ما زال داخلي نسغ حياة، ورقة واحدة مؤجلة لعبور الشتاء إلى ربيع آخر.

ثمة ليلة لم ينم فيها ابني. جلستُ عند سريره أراقب عينيه المفتوحتين على الظلام. سألني: "لماذا لا نرى الله كما نرى القمر؟". عجزتُ عن الجواب. أعدتُ البطانية فوق جسده الصغير وقلت له: "نم يا ملاكي، الله يرى بك".

أشعر أنني أعيش على مقعد انتظار دائم. كل صباح أتهيأ لرحلة لا تبدأ. حقيبتي معبأة، تذكرة القطار مطوية في الجيب الداخلي للمعطف، والأحذية مصطفة عند الباب كجنود لا يُستدعون للمعركة. أحياناً أخرج إلى الشارع فأشعر أن الرصيف نفسه يراقبني: "لماذا لم تذهب بعد؟".

أتذكر أول صباح لي في هذا البلد. فتحت النافذة فرأيت الأشجار مغطاة بالثلج كأنها عرائس بيضاء صامتة. كانت رائحة الخبز الساخن تصل من المخبز القريب. دخلتُ إلى طابور طويل، الناس صامتون، يضعون عملاتهم المعدنية على الطاولة ثم يأخذون خبزهم. كنتُ الوحيد الذي ابتسم للخباز، لكنه ردّ بابتسامة باردة.

في مطبخ يوناني صغير في قلب مدينة لينتز، الزيوت تفوح كما لو أنها تحاول تذكيري بالبحر الأبيض المتوسط. الزعتر والريحان يتصاعدان من القدور، يلتصقان بالجدران الباردة التي لم تعرف الشمس منذ سنوات. شعاع الضوء الخافت من النافذة يقطع الدخان، يرسم خطوطاً على بلاط أبيض متصدّع، يربط الماضي بالمكان الجديد.

أنا الطباخ واقف عند الموقد. يراقب الزيتون الأسود يغلي مع فصوص الثوم، ويحسب كل حركة كما لو كان يقرأ شريط حياته في فقاعة صغيرة من الزيت. صوت السكاكين يتناغم مع الموسيقى اليونانية الهادئة التي تبثها إذاعة محلية. كل قطعة فلفل أخضر أو باذنجان مقطع تروي حكاية غربة، وكل رشة ملح تهمس: "أنت بعيد، لكنك هنا أيضاً".

نافذة صغيرة تطل على شارع هادئ، لم تظهر الثلوج بعد. السيارات تمر بخفة، مثل طيور غريبة تمر من عالم آخر، وكأنها تحاول ألا تزعج رائحة الزيتون. الطباخ ينقل القدور، يرش الزيتون على السلطة..  كوب القهوة الصغير على الطاولة أصبح مرايا: انعكاس الطباخ، انعكاس المدينة، انعكاس البحر الذي لم يأتِ. كل رشفة تقرّب الذكرى، وتبعد الغربة. الطباخ يضع يده على قلبه: كل شيء هنا، وكل شيء هناك، والأرض والهواء والماء والزيتون يجتمعون في حركة دائمة، مثل حياتنا التي لا تتوقف.

المطبخ يفتح فمه على شارع لينتز البارد. الزجاج متجمد قليلاً، والثلج يتجمع على العتبة كما لو كان يصر على الدخول. من الداخل، الزيتون يغلي مع الثوم والزعتر، رائحة البحر الأبيض المتوسط تحاول أن تصل إلى الشارع، لكنها تتردد في الهواء البارد. الطباخ يقف أمام الموقد، يراقب القدور بعين الكاتب والمخرج. كل فقرة من الزيت تتصاعد كجملة سينمائية، وفص ثوم يقفز في الزيت كإضاءة مفاجئة على وجه بطل الفيلم. السَّلَطة التي أعدها نص مفتوح. الطماطم مقطعة على شكل كتل صغيرة من ذكريات عراقية، البصل يشبه مشاهد من قصصه التي لم تُنشر، الزيتون… نصف دائرة منفوخة، ناقصة، رمز للمساكن والحياة والغربة. أصوات السكاكين تتناغم مع موسيقى إذاعة يونانية هادئة. كل حركة يدي الطباخ هي حركة كاميرا، كل رشة ملح هي تعديل في الضوء والظل. إنه لا يطبخ فقط، بل يكتب ويصور ويصنع حكاية مع كل طبق. الزبائن يجلسون على الطاولات، كل واحد في عالمه، لا يعرف أن خلف القدور يجلس طباخ شاعر يراقب حياته وكأنها فيلم قصير مستمر. كل شيء هنا، وكل شيء هناك، والطين والزيتون والماء يتقاطعون كما تتقاطع الشخصيات في روايته المقبلة. يلاحظ أن الضوء الصباحي على جدار المطبخ يُشكل ظل النافذة على البلاط كإطار سينمائي جاهز للتصوير. كل شيء صغير يصبح كبيراً: رشّة من الزيت، شرائح الباذنجان، حركة ساعي البريد الذي يمر من الشارع. كل حركة قابلة لأن تتحول إلى حكاية، إلى لقطة، إلى نص شعري.

يستيقظ الجسد قبل الروح. أفتح عيني على ألم في القدم. قبل أن أقول "صباح الخير"، أقول "أين العلاج؟ أين الحذاء الطبي؟". الروح تأتي متأخرة، مثل قطار بطيء يجر عربته المتهالكة عبر الجليد.

كل ليلة أضع رأسي على الوسادة وأتوقع أن يأتيني حلم جديد. لكن الأحلام تعيد نفسها. شجرة تهتز بصمت. صوت يقول لي: "تفضل". أستيقظ وأنا لا أعرف أن كان ذلك دعوة إلى الجلوس أم إلى الرحيل.

الطباخ واقف خلف الموقد، لكن عينيه ليست على القدور فقط. في رأسه، بغداد القديمة تتقاطع مع لينتز الباردة. شوارع المدينة تتبدل بمزاجه، الجدران تتنفس ذكريات سينمائية، كل ضوء يطرق الزجاج يتحول إلى مشهد محتمل. يسمع أصوات الزبائن، لكن كل كلمة تمر عبر مرشح داخلي: هي حوارات فيلم لم يُكتب بعد، أو فقرة قصة تنتظر الورق.

يتذكر نفسه طالب سينما في بغداد، يكتب قصصاً صغيرة عن الحواريين والليل والشهقات الخفية. الآن، بعد ثلاثين سنة في المطبخ، كل طبق يصبح مشهداً، كل رشة بهار لحن تصويري، كل صوت من الزبائن يتحول إلى موسيقى خلفية. الطباخ يبتسم لنفسه: ثلاثون سنة بين القدور لم تقتل الكاتب بداخلي، بل جعلته أكثر وضوحاً، أكثر حضوراً.

الزنجبيل يقطع الهواء، الزيتون الأسود يلمع، الرز يهمس في القدر. الطباخ يغمض عينيه للحظة، يتخيل مشهداً سينمائياً: فتاة شابة تضحك، طفل يركض بين الطاولات، والضوء ينعكس على وجهه. كل شيء جزء من نصه الداخلي، كل حركة قابلة لأن تصبح فقرة في رواية أو لقطة في فيلم.

يتذكر الموصل: السوق، الرصيف، صرخات الباعة، والنهارات الحارة. هنا في لينتز، كل شيء أبيض وبارد، لكن الذكريات تضيف اللون. الطباخ يحرك القدر ببطء، يراقب الفقاعات الصغيرة، ويقول لنفسه: "كل حركاتك وقراراتك الصغيرة هنا، كل رغبتك في الكمال… هي حكاية تستحق أن تُكتب".

الزبائن يضحكون في الزاوية، لكنه يسمع في رأسه أصواتهم مفلترة: موسيقى، همس، ضحك، جملة شعرية محتملة. كوب القهوة على الطاولة يعكس وجهه، لكنه يراه مختلفاً: رجل يكتب في بغداد، شاب يحلم بالسينما، وطباخ في لينتز يقاتل الصمت بالذكريات والموسيقى.

الكُبة في الفرن، نصف دائرة مشدودة، لا تكمل الشكل. بالنسبة له، هي العراق، هي الماضي، هي كل قصصه المفقودة. يخرجها، يضعها على الطاولة، ينظر إليها: "هنا، في هذا الصمت والروائح، كل شيء حي، قابل للكتابة، حتى الكمون".

يهمس الطباخ لنفسه: "كل ما أطبخه، كل ما أصنعه، ليس فقط طعاماً، بل نصوصاً، مشاهد، لحظات سينمائية… كل شيء هنا هو كتاب، كل طبق هو فيلم".

الزائر الأول يصل عند منتصف الصباح، رجل مسن بعينين متعبتين، يجلس في الزاوية، يفتح الجريدة بصمت. الطباخ يراقبه من بعيد، يسمع صرير الصفحة، يلتقطه في ذاكرته كإيقاع قصيدة قصيرة. كل حركة منه، حتى رفع كوب الشاي، تتحول في رأسه إلى لقطة سينمائية: الضوء ينعكس على الزجاج، ظل اليد يمتد على الطاولة، الجسد ينحني بحذر. فتاة شابة تطلب ليمون، تضيف لمسة عصير الليمون كما لو كانت تعدل نصاً. الطباخ يلاحظ ترددها، ابتسامتها الخجولة، طريقة التحدث، يحوّل كل شيء إلى تفاصيل شخصية في قصة لم تُكتب بعد. الأصوات الصغيرة- حركة الملعقة في الطبق، ضحك طفل في الخلفية، طرق الباب- كلها طبقات صوتية تصنع موسيقى المكان. يسمع أيضاً الكلام المبعثر للزبائن، لكنه لا يتفاعل مباشرة. الحوارات تتحول في رأسه إلى حكايات، ربما مشاهد فيلم، ربما فقرات رواية: "الرجل في الزاوية، ماذا يفكر؟ ما سر تلك النظرة؟"، "الفتاة، هل تحب الطعام أكثر أم التفاصيل الصغيرة؟". كل صوت يُصبح مادة، كل همس يُصبح نصاً.

بين القدور والروائح، يتحرك الطباخ ككائن مزدوج: يطبخ ويكتب في الوقت نفسه. يوزع البصل على السلطة، وكل حركة لها معنى. حتى أصوات التنظيف، خبط الملاعق على الطاولة، هدير الشفاط فوق الموقد، كلها إيقاعات تشد انتباهه، تصنع مشهداً داخلياً متكاملاً.

طفل صغير يركض بين الطاولات، ضحكته تتردد على الجدران. الطباخ يبتسم: كل حركة عفوية هي فقرة محتملة، كل همسة هي نص في روايته القادمة. الزبائن يأتون ويذهبون، لكنهم يتركون وراءهم طبقات من الأصوات والروائح والحركة التي يتحول فيها المطعم إلى ورقة فارغة، يمكن الكتابة عليها بلا توقف.

في هذه اللحظات، يعرف أنه، رغم كونه طباخاً، فهو في كل لحظة كاتب ومخرج ومصور، والزبائن، بلا علمهم، جزء من النص، جزء من الفيلم.

عطستُ كالعادة في سرحان الطهو. من أنفي، تطايرت ذرات فلفل أسود، تشبه بعرور تُطلقه بنادق صيد آدمية. اليوم، فاجأني نسياني لفصح مجيد، كغرفة معطوبة المصباح، كالسبانخ المحروقة في مقلاتي. غسلت مواعيد المكالمات المفترضة المقدسة في ماء العائلة، فكرت مع نفسي مثل رسالة قديمة لم أفتحها بعد. قطعت الثوم بحجم سنوات فأر يريني أسنانه، ثم البصل إلى مربعات تشبه شبابيك خاوية، وأضفت قليلاً من سمن البراءة، وحركت المغرفة الخشبية كالمجذاف الصغير هناك في المقلاة. معتقدًا أن اللون الأخضر وحده لا يكفي لمضاربي. كان السبانخ المحترق يخذلني…

آه منك، أيها الطاهي الأمهر!

قطعت لحم الدجاج وأضفته متفادياً زحام رصيف المعجون، أحاول أن أعيد خضرة السبانخ إلى الحياة، لكنني أعلم أن الأحمر من الشمندر هو الذي سينقذ الطبق من الوحدة، من الفراغ، من الصمت الذي يسكن خلف القدور.

يغمض عينيه للحظة، يسمع المدينة من نافذته، يرى بيتهم في حي المحطة الموصلي في رأسه، الصوت، الرائحة، الضجيج، الفراق والسكينة كلها تتداخل. كل هؤلاء، وكل أحاديثهم، تصبح نسيجاً داخلياً للطباخ، تتشابك مع أصوات الملاعق، وبخار القدور، وتتحول إلى نص موزاييكي طويل، حلمي وواقعي.

في مطبخ بيلا إيطاليا في لينتز، المعكرونة في القدر، الريحان يملأ الهواء، والمعكرونة تستعد لتصبح طبقاً ذا مذاق حي. النادل التشيكي يختفي في المرحاض ليقرأ الصحف الشعبية، ويعود محملاً بالنجوم الصغيرة من الأبراج، بينما يتلاشى بخار الأطباق التي أعدها الطباخ. كل شخصية هنا انعكاس لشيء أكبر: ذاكرة، فقدان، حلم، انتظار.

في مطبخ صغير في ليغنانو، الهواء أخف، الجنادب تصرّ في الحديقة، والبصل والثوم يقطّع بحرص. الطباخ يضيف الزيت، يحرك القدر، يستمع لصمت المطبخ.. صامت، ولكن مشبع بالمعاني. هنا، كل طبق هو حكاية، وكل رائحة، جملة من قصة.

يقف أمام آلة القهوة، يضغط الزر، ينتظر حتى تتجمع القطرات في الكوب. كل قطرة هي ذاكرة، كل رشفة، كل رغوة هي كلمة. بين القهوة، السبانخ، والبهارات، الماضي يلتقي الحاضر، بلاده بأوروبا، الواقع بالحلم.

الجرس المثبت أعلى باب الشقة يرن برنين مخيف، كإعلان تهديد من أعماق الأيام السحيقة. يشعر وكأن أحداً يترصده، بينما حامل السلم الصغير ورفاقه الملوثين ببقع الأصباغ يقفون في الممر. يحاول أن يفهم سبب حضورهم، لكنهم يبتسمون بلا سبب: كان المقصود باب جاره المغني السكير، المتوفي، الوحيد الذي ظل غامضاً، أغنية صعبة الفهم، بلغة خليطة، كان صوتها يراوده فجراً في قلب النوم، كأنه يذكره بماضي بغداد الضائع.

يتذكر بغداد: سوق العصرية، رائحة الخبز الطازج، صخب الناس، الأصوات، والجنادب في الليالي الحارة. يحلم بالجنادب التي تصرّ في الحدائق، بالصخور القديمة، بالمناظر المألوفة التي أصبحت الآن ذكريات بعيدة. كل مطبخ في أوروبا هو امتداد لذلك العالم: كل طبق نص، كل نص فيلم، كل فيلم حلم مستمر، وكل حلم حياة كاملة.

في مطبخ نمساوي آخر، الضوء خافت، الأدوات المعدنية تعكس حركة الطباخ المتأنية. كل حركة مغرفة، جملة لم تُكتب بعد. الطباخ يقطع اللحم للطبق الرئيسي، السبانخ تطفو في الزيت، يضيف الشمندر الأحمر. له طعم وذاكرة، رائحة تحمل فصلًا، حكاية.

يتذكر الطباخ أصوات الناس، أحاديثهم، قصصهم من الجزائر، العراق، باكستان، أمريكا، اليمن، مصر. تتشابك مع أصوات المطبخ، وتصبح لوحة موزاييكية شاسعة، فصل كامل من أطياف الطباخ، حيث كل مدينة، كل طبق، كل شخص، وكل ذكرى هي طبقة في الرواية الممتدة، حلمي وواقعي، غني بالتفاصيل، ممتع، ومعقد، وكأن الحياة نفسها تُروى داخل مطبخ واحد.

يوماً ما، هكذا بدأت أحلام اليقظة: مغادرة لينتز، رحلة مطوّلة عبر مطابخ العالم... أرى نفسي خلف المقالي، الأواني، والأطباق المتناثرة على الطاولات، أضيف لمساتي وأراقب الزبائن، كل واحد منهم يحمل نصاً، كل حركة تهمس بأحداث محتملة.

في مطبخ يوناني على ساحل أثينا، الزيتون يغلي مع الأعشاب البحرية، والجبن الأبيض يتفتت فوق الخضار. رائحة الريحان تهب من القدور، تتخلل شعوري بالحنين، كما لو أن البحر يحكي حكايات الأساطير القديمة. أراقب النادل الصغير، شاب موهوب لكنه خائف من الحديث مع الزبائن، أرى فيه نفسي في أول أيام تعلم الطهو، قبل أن يعرفني العالم كطباخ وأديب في الوقت نفسه.

أنتقل بعد ذلك إلى مطبخ فرنسي في باريس، الضوء الخافت ينساب من النوافذ العتيقة، والفرن المعدني يطلق حرارة رقيقة. أقطع السمك بحركة شبه شاعرية، أضيف الزيت بزمن دقيق، كل حركة متقنة، كأنها جملة في رواية طويلة. الزبائن يتحدثون بهمس، وكل طبق يحكي فصلًا عن مدينة لم أزُرها من قبل، عن حياة لم أعشها، عن قصص تتقاطع مع بغداد، لينتز، وبقية المدن التي زرتها.

في مطبخ ياباني صغير في كيوتو، أعيد تعلم الصمت. السوشي المتقن على الطاولة يبدو كلوحة، كل قطعة نودلز ملفوفة بعناية، كل رشة توابل قرار فني دقيق. أراقب الشيف الصغير الذي يمرر المقلاة بأصابع ثابتة، أفكر كم من قصصي يمكن أن تُروى في دقائق الطهي هذه. كل طبق هنا هو فيلم قصير، كل رائحة مشهد، وكل حركة حوار.

في مطبخ مكسيكي على أطراف مكسيكو سيتي، الفلفل الأحمر الحار والذرة تعانق بعضها في القدر الكبير، أرقب الشيف المحلي وهو يسكب الصلصات بعناية، كل رشفة حارّة هي صرخة طفولة نينوى، كل مذاق يقودني إلى رحلة عبر الزمن والمكان. الطباخ هنا ليس مجرد طباخ، بل كاتب يحفر في كل طبق فصلًا من أحلامه، في كل رائحة ذاكرة، في كل حركة تجربة سينمائية.

وفي مطبخ إسباني في برشلونة، رائحة الزيتون والثوم والبابريكا تملأ الهواء. أراقب حركة المقالي الكبيرة، الملاعق الخشبية التي تتحرك مثل راقصات في باليه الطعام، أسمع أصوات الزبائن في الخلفية، كل ضحكة، وهمسة وفلامنكو، جزء من نص لم يُكتَب بعد. أضيف الحروف إلى المذاق، والخيال إلى الرائحة، وكل طبق هو لوحة من الواقع والحلم.

هكذا، بين مطبخ وآخر، بين قارات مختلفة، تتداخل الأصوات، الرائحة، والحركة، لتتشكل أطياف الطباخ: نص خيالي، مليء بالطبقات والقصص، ليس مجرد طباخ بعد الآن، كاتب يعيش حياته من خلال الطهو، أحلام اليقظة، والناس الذين يلتقيهم على الطريق. الموصل. نهر دجلة يلمع تحت الشمس. المدينة القديمة تتنفس بين الأزقة الضيقة، الدكاكين المتهالكة، ورائحة القهوة العربية الممتزجة بالبهارات. الطباخ يقطع البصل على الطاولة الخشبية في مطبخه، يتذكر الجنادب التي كانت تقفز على البلاط في فناء جده. صوت الباعة والناس كحكايات تتناثر في الهواء، كل حرف جزء من نص. السبانخ تتطاير مع الزيت الساخن، كل حركة من يده هي ذكريات الطفولة، كل رائحة تُعيده إلى بغداد. بغداد. رائحة الخبز الطازج، القرنفل، الناس الذين يصرون على البقاء أحياء رغم كل شيء. الطباخ يرى نفسه صغيرًا يحمل جرة الزيت، يتجنب الزحام، يسمع أصوات الجنادب في الليالي الحارة، ويسترجع حكايات أمه وجدته. كل طبق يطبخه اليوم في أوروبا يحمل عبق بغداد، حكاياتها، صخبها، وحبها الضائع... العمادية. يتذكر الرحلات الصيفية، السمك المشوي على الفحم، ضحكات الأطفال، وصرخات النسور فوق الجبال. كل رائحة بصل مقلي في مطابخه الأوروبية الآن تعيده إلى مكانه الذي لم ينسه. قرية ديري... ضبابية وباردة، يربطها في ذهنه مع أيام الشتاء الطويلة في لينتز، والقدور التي تغلي على النار البطيئة. كل نافذة وشعاع ضوء يذكره بمطبخ صغير، حكاية عائلة حائرة، وجه قريب، وصوت ضحك ضائع بين الطيات. يعيد له صورة خالدة: جدته تفرم الثوم، يده تمتد إلى القدر، حُبه للطبخ بدأ هنا، تعلم أن الطعم هو لغة، أن الرائحة هي قصة، وأن كل طبق هو فصل من حياة كاملة... البصرة.. رائحة النخيل، أسماك الميناء، الهواء الرطب... لينتز. تجمع كل الرحلات، الأصوات، الذكريات. الأصابع التي تقلب الملاعق، كل شيء حي، كأنه فيلم سينمائي صغير داخل شقة صغيرة. الأصوات من الماضي والحاضر تتداخل، بغداد، الموصل، العمادية، البصرة كلها تتحدث من خلال الرائحة، المذاق، والحركة. فيينا.. فيينا.. القهوة الثقيلة، الماكينات المعدنية التي تصرخ بلطف، الرغوة التي ترتفع في الكوب، كل رشفة تأخذ الطباخ في رحلة داخلية، تلتقي فيها بغداد بالهضاب الأوروبية. النوافذ الكبيرة، ضوء الشمس البارد، صوت المارة، كل شيء أصبح جزءًا من روايته الداخلية.. براغ.. الشوارع المرصوفة، الأبنية القديمة، الجسور التي تحمل حكاياتها، والمقاهي التي تفوح منها رائحة الكراميل والشاي، كل شيء يذكّره بأن كل مطبخ هو نافذة إلى مدينة أخرى، وأن كل طبق يحمل ذاكرة، حلم، أو شخصية.. كورفو.. جزيرة يونانية صغيرة، البحر أزرق صافي، شجرة زيتون معمرة، رائحة البحر ممتزجة بالريحان والثوم. الطباخ يتذكر رحلته الأولى خارج أوروبا، أول طبق أعده هناك، أول زبون ابتسم له، وكل شيء بدأ يتحول إلى نص، فيلم، حلم، وواقع في الوقت نفسه.

أسترجع بغداد في كل لحظة والجنون الجميل الذي حملته معي إلى كل مطبخ بدل استوديو أفلام. وأضع لمسة أخيرة على نص. في كل مطبخ ألتقي بوجوه جديدة.. أصبح أكثر من طباخ، أصبح كاتباً على كل طبق، شاعر في كل رائحة، وصانع أفلام في كل حركة. كل طبق موزاييكي: رائحة البهارات مثل حوار داخلي، حركة الملعقة مثل مونولوج، المقلاة الساخنة ككاميرا تتبع الحركة، وكل المدن المترامية من بغداد إلى كورفو إلى لينتز تتقاطع داخلياً.

في محطة قطار الموصل، حيث تتلاقى خطوط السكك الحديدية مع خيوط الذاكرة، كانت القطارات تنطلق يوميًا نحو بغداد، حاملةً معها أحلام المسافرين وآمالهم. وكانت تُعد من أفخم محطات الشرق الأوسط، تضم فندقًا كاملًا ومرافق حديثة. لكن مع مرور الزمن، توقفت القطارات، وتُركت المحطة تنتظر عودة الحياة... في 3 يونيو 1943، تم افتتاح المحطة، وكانت تُعد من أفخم محطات الشرق الأوسط، وقد قام بتخطيطها جماعة من المعماريين البريطانيين… محطة قطار أربيل، التي شُيدت في أربعينيات القرن الماضي تحت إشراف المهندس الهندي محمد علي هندي، كانت تربط المدينة بكركوك وبغداد. كان القطار يصل أربيل في الساعة العاشرة صباحًا، وينطلق نحو كركوك في الخامسة مساءً … من خلال النوافذ في المطابخ، كنت أرى العالم يتغير. في الموصل، كانت النوافذ تطل على شارع المحطة، حيث كانت القطارات تصل وتغادر. أما في أربيل، فكانت النوافذ تطل على ساحة المحطة، حيث كان الناس يتجمعون وينتظرون رحلاتهم. وفي ديري، كانت النوافذ تطل على الجبال، حيث كانت الرياح تعزف ألحانًا قديمة. في مدينة لينتز، تطل على حياة تدب في كل زاوية. النوافذ تحمل في طياتها قصصًا عن الماضي والحاضر، عن الفرح والحزن، عن الأمل والخذلان. في ديري، قرية صغيرة تبعد ثلاث كيلومترات شرق قلعة العمادية شمال دهوك، كان الطباخ يذكّر نفسه بجدائل الضوء التي تتسلل بين الجبال عند الفجر. وخشونة الصخور العتيقة، كانت تحاصر أصابعه بينما يقطع الثوم والبصل لمطبخه الصغير هنا، في ذاك البيت القديم، حيث تعلم أن الطهو ليس مجرد طعام، بل لغة توازي الشعر والسينما. يتذكر كل زاوية في القرية: الطريق الترابي المؤدي إلى النبع، الأطفال يلعبون على حافة الحقول، صوت الحمام الذي يخرج من البيوت القديمة، ورائحة خبز العائلة التي تطوف فوق أسطح المنازل. هنا، في ديري، بدأت أولى أحلامه عن الطعام والقصص والرحلات، هنا بدأ حلم مفتوح، لا حدود له، لا زمن يحكمه. وبينما كانت الشمس تتسلق الجبال، تتردد في ذهني صور محطة قطار الموصل، حيث كان القطار القديم يغادر حاملاً معه رجالًا ونساءً وحكاياتهم المتشابكة: سائق القطار الذي يبتسم رغم ضجيج المحرك، وفتاة تلمع عينيها أمام نافذة القطار كما لو كانت ترى المستقبل بألوانه المشرقة والمخيفة معًا. وفي محطة أربيل، يقف الناس حول عربات القطار الصغيرة، يتبادلون الأحاديث عن الطموحات التي لم تتحقق، عن الخوف من الزمن الذي يمضي بلا رحمة. هناك، تعلم أن الناس يحملون في صدورهم مثل ما يحمل الطباخ في قلبه من توابل ونكهات، وجبات الحياة التي لم تُقدّم بعد. وبعد سنوات، بينما يجلس في مطبخ زيتون الشمال في لينتز، يرى أمامه كل هذه المدن ممتدة كخريطة في مخيلته: ديري شرق العمادية، الموصل، أربيل، بغداد، العمادية، البصرة، ثم أوروبا؛ لينتز، فيينا، براغ، كورفو. كل مطبخ هنا يحكي قصة، وكل طبق يحمل نكهة الماضي، ونسمة الحلم.

يتذكر محطة قطار الموصل: العربات القديمة تهتز على القضبان، الباعة ينادون على الخبز والفواكه، الأطفال يلوحون بيدهم للقطارات العابرة، والرياح تحمل أصوات المسافرين، حكاياتهم، وأحلامهم. هناك، في أصوات القطارات، كان يسمع الحكاية الأولى عن العالم، عن البعد بين الإنسان وهدفه، عن الشجاعة والخوف معًا. وفي محطة أربيل، يجد الزحام والهدوء في الوقت ذاته: رجل، امرأة، شاب ينتظر القطار، وكل واحد منهم يحمل قصة. الريح تداعب الأشجار، أصوات المدينة تتسلل عبر الزجاج، همسات الماضي تتسلل، الليل يمتد، والطباخ يسكب الشاي الأسود الثقيل، يرش الهيل على الكوب، ويجلس متأملًا في حبات التوابل الصغيرة، كنجوم في سماء مطبخه. هناك تتشابك الحكايات ويظل الطباخ، شاعرًا وروائيًا وسينمائيًا، ينسج كل شيء في مطبخه، في زيتون الشمال، في حكاياته وأطيافه، في الماضي والحاضر، في الغربة والأمل والحلم، في الطبخ والحياة، في أطياف الطباخ التي لا تنتهي، التي تتداخل فيها المدن والمطابخ والأشخاص والذاكرة في لوحة ضخمة، ممتدة، حية، تنبض برائحة الطعام ودهشة الحياة.

***

بولص آدم

ها أنا أمضي خفيفة ..

كأننا لم نكن سوى ظلين

يتصافحان أمام مرآة الألم.

وكل ما تبقى غبارُ العدم

تنفضه القصيدة

كي يتمدد البياض

نهرا بلا ذاكرة...

1

حملتَ حقائبَك ولم تلتفتْ،

وضعتَ فيها أشيائكَ ..

شالكَ القرمزي،

أوراقك المكتوبة بنورِ الشّمس،

وابتساماتِ من حولك.

كنتَ تشد حزام روحك كي لا تتساقطَ

جمعتَ ظلكَ

ضوءكَ

وخيباتٍ كانتْ..

2

رميتَ بحزمةٍ من القصائد

كنّا فيها عاشقَين حافيا القلب،

وصورًا رسمها الليلُ الأزرق

أخذتَ معكَ رائحةَ المكان،

واغتلتني في المنتصف.

قلتُ:

- خُذني معكَ،

فلا أحدَ لي سِواي.

زهرةُ النعناعِ التي وضعتَها في كفِّي

أزهرتْ بعبقِ اسمكَ.قلتُ

3

فتحتَ قلبَك للعابرين،

مرّتْ عرباتُهم على جثتي،

مثنى وثُلاث...

كتبتُ لك رموزًا رسمَها الحطام

دندنتَ بلحنِ أغنيةٍ خائفة

وهاجرتَ نحو العاصفة.

4

لا شيء يحدثُ في غيابك

غير وجعٍ يسألني عنك.

قلتُ بيْنِي و بَيْني:

- لعلّك تأخّرتَ في جمعِ بعضي

ونسيتني قربَ بابِ الحنين.

مرّت من قربي سنديانةٌ

غطّتْ عينيّ

فرأيتُني هناك .. حيثُ لا أنا.

فزعتُ...

دُلّني على ذلك الرصيفِ الأعمى،

حيثُ كانت فراشاتُ المساءِ

تُضئ خيامَ الكلام،

تصرخُ بي:

- إلى متى تنتظرينَ محطّةَ الوصول؟

- هل أقفزُ من سقفِ المجاز

كي يرثيني بقصيدةٍ للغياب؟

ويقول:

- "كانتْ بعضي الذي ضيّعتُه،

وقلبي الذي تناسيتُه هناك

حينَ حملتُني على عَجل". أجبتُ

5

أعدني إلى نقطةِ البداية،

وانتظرْني كي أنساني...

لعلَّ البحرَ يحملُ بقايايَ

نحوَ رحلتِنا الأخيرة.

***

نجاة الزباير

يناير / 2025

نحن إنْ كنّا قد كذبنا فذاكم

أنّنا أغوتْنا حياةٌ غرورُ

بادأتْنا بالفريةِ يومَ جئنا

وادّعتْ أنّها السماءُ القطورُ

ثمّ قالت تجَملُّوا وادّعوا كيْ

لا أميلَ عنكم فإنّي قرورُ

ثم كونوا لي لا لِمنْ هنّ دوني

قد علِمتمْ أنّي امراةٌ غيورُ

والرجالُ في كثرةٍ كنجومٍ

حولَ ثقبيَ الجوْنِ باتتْ تدورُ

واحذروا الإنسياقَ خلف وعودٍ

فالّتي بعد الموتِ إفكٌ وزورُ

عمرُكمْ هذا الأوّلُ والأخيرُ

ثمّ تروي بالصّمتِ عنكمْ قبورُ

فاملأوا كأسَهُ بما لذّ منّي

ولتهُنْ في سبيلِ "دنيا" المُهورُ

هل رأيتُمْ من ادّعى أنّني با

بٌ لأخرى منه يكونُ العبورُ؟

قد وعدتُ من قبل خلقاً كثيرًا

ليتها ترويْ عنْ نعيمي القصورُ

وادّعتْ من ليستْ تملُّ احتجابًا

أنّ فيها ما لن تملَّ الصّدورُ

واقتفينا ما ضاعَ منها كما لوْ

أنّها يعسوبٌ قفتْها الذّكورُ

وارتدَيْنا زيّ الثراءِ امتثالًا

كي ترى منّا ما استحبّت غَدورُ

واستزدنا من عِطرها وارتشَفنا

ريقها منْ كؤوسِ خمرٍ تفورُ

واستلفنا مالاً وبِعنا إراثا

وترَكْنا الأوطانَ جرحى تجورُ

واسْتطَبنا ظِلالها وهْيَ نارٌ

واجْتنبْنا هجيرَها وهْوَ نورُ

وادّعينا ما ليسَ فينا وبِتنا

ضحكةً لم يزلْ صداها يَمورُ

كان منّا ما كان حتّى أفقنا

واستفاقتْ من سكْرتِها الشّرورُ

كالذِّئابِ حاقتْ بنا ردَّ دينٍ

تشهدُ الأيدي قبضَهُ والسّطورُ

كلّما استغاثتْ بها الرّوح قالتْ:

في هوى دُنيا لا تُعدُّ الشّهورُ

واكتفتْ منّا واختفتْ من غوَتْنا

فغدونا كما الذّباحى نخورُ

هلْ إلى العودِ من سبيلٍ فنمحو

ذاك سؤلٌ ما انفكّ فينا يثورُ

ليتها قالت يومَ جئنا بأنّ الـ

ـــــوهمَ ليس حلٌّ لِمن همْ عشورُ

قد أصاب الثريُّ منها لبوبًا

وإلينا انتهىْ النّوى والقشورُ

قد خسِرنا الدّارين معاً فلا هَــــ

ــــــذي ولا تلك أعجبتْها الكسورُ

لا مفرّ لمن عوتهُ حياةٌ

فانعوى ما ارعوى فقف يا غرورُ

***

أسامة محمد صالح زامل

تجرّدٌ يَرشُّ الصَّمتَ

في رئَةِ المَدَى

تتشظى الرُّؤيا على

حجرِ الغِيابْ

والرِّيحُ مِخرَزُها يُخيطُ مَلامِحي

بِخُيوطِ ليلٍ لا يُؤدِّي للإيابْ

​هذا الذي بَسَطَ الخَديعةَ

فوقَ جَفني

واستباحَ دَمَ السُّؤالْ

يَلهو بِنَردِ مَواجعي

ويَجُسُّ نَبضَ الرَّملِ في

جَسَدِ المَحَالْ

​أنا قِبلةٌ مَنسِيَّةٌ

صلَّى عليها الوَجدُ سَهواً

ثمَّ غابْ

أنا طَعنةٌ عَطشى

تُفتِّشُ في جِدارِ الصَّدرِ

عَنْ وَهمِ السَّحابْ

​هُوَ يستلبُ أصابعي

ليَقُصَّ عَنِّي صرخةً مخنوقةً

ويُعِيذَ أشواقي بِجمهَرَةِ

العَذابْ!

يَقتادُ أحلامي لِمقصلَةِ

الذُّبولْ ويَصبُّ في نَومي

دُوارَ نبيذِهِ

ليَصيرَ صَحوي فِكرةً

مَصلوبةً خَلفَ الضَّبابْ

​يَمشي على قَلبي كأنهُ

آخِرُ العُشَّاقِ في مُدنِ

الرَّمادْ ويَرشُّ مِلحَ يَقينِهِ

فوقَ الجِراحِ

لِتَشهَقَ الذِّكرى ويَنكسِرَ

العِنادْ

​يَجتاحُني

يَمتصُّ آخِرَ نُقطَةٍ في

فنائنا حتى إذا ما جَفَّ

هَذا الحِبرُ في شِريانِنا

وأضاعَني

وَقَفَ الجاني ببابِ عُمري نادِماً

يَرثي القَصيدَةَ

وهوَ مَنْ أحْرَقَ الكِتابْ!

***

مرشدة جاويش

من مجموعة / سقوط الظل

 

سفر الحكاية هو البحر

ساعة الغروب

البحر بوح ولغة ومتاهة

البحر آية العارفين بسفر النوراس

المفتونة بسحر الزرقة

إلى أين تقول الحكاية للبحر؟

إلى اين تقول الذاكرة للحكاية؟

ويمضيان عند الغروب كموجتين

شردتهما الذكريات..

والشرفات..

والموانئ..

والمساءات..

والنوارس في الأفق

البحر ذاكرة الغريب ومرآة روحه

وهي تسترجع شغب طفولتها

حكاية تلو الحكاية

البحر حكاية شهرزاد

وهي تنام قريرة العين

في عيون الأمراء بعد كل حكاية

البحر شرفة الروح ونوافذها

المشرعة على هدير الموج

وهي تقف بشوق حارق

على أطلالها كالشعراء

في انتظار عودة المراكب

وشرود البحارة

البحر فنار الروح

من بعيد كنجم

يضيء للحكاية

ليلها المعتم

وللمساء دروبه المنسية

وللغد شغب الطفولة

إلى أين تقول الحكاية للمساء؟

إلى أين تمضي بي أيها الموج

تقول الغجرية التي تسكن القلب والذاكرة؟

***

عبد الرزاق اسطيطو

تَــغْـريـدَةٌ وُلـِـدَتْ، فــي أفُـق مَوْهـبة

تُـمَـوْسِـقُ الفِكرةَ العلياء، في الـوَرَقِ

*

عين ترى الهدفَ الأسـمى، له صِـلـة ٌ

بِهـاجِس القـلبِ، في منأى عـن الأرَقِ

*

تَــصوغُـه احـرفُ الإبــداع، فـي مَـدَدٍ

مِــن الـنقـاء، وتَــفْـعِيـلٍ مِــن النَّسـَـقِ

*

أنقى المضامين، حَـيَّـتْ ما تجـودُ بـه

العَــبْـقَــريـة ُ، مِــن عَـزْمٍ ومِـن عَــبَـقِ

*

بـَـرِيـقُ عِــلْـمِـك، للاجـــيال مَــفْـخَـرةٌ

يســمـو بِـعــزٍّ، ويـبقى اطهـر الطُرقِ

*

صـــوتُ القـوافي، سَــريعٌ فـي تَرنّـمِه

إنْ صاغَه الوصفُ،عن فَهْمٍ وعن رَتَقِ

*

(لا تيـأسَــنَّ إذا مـا كنــتَ مُــقْــتـدِرا)

وضْـحُ النهـارِ نُفُوذ ٌ، ليس في الغَسَـقِ

*

الـــشّـكُ إنْ قــارَبَ الإنــصــافَ أبـْعَــدَه

مِن نيّة الـسوء، تمهـيـدا الى السَـبَـقِ

*

(يامــن يَـعــزّ عــليــنا أنْ نــفـارقَـهـم)

الذكـرى تُورِقُ، كالأغصان فـي الـوَدَقِ

*

مــاذا يُـــقــالُ، إذا الــمِــيعـادُ أخْــلَـفَــه

عُـذْرٌ طَفـيفٌ، أيبقى الزادُ في الطّـبَقِ..؟

*

مَــن يُـلصِـق الكـيْـدَ فـيمَـن لا يُـمارِسـُه

يُـــمَـهِّــد المَـكـرُ اســبـابـاً الى الـغَـــرَقِ

*

إن كان فــي الـتِـبْـر إكساءٌ وبَهـْـرَجَــة ٌ

فــفـي اللســان تــعـاويــذ ٌ مـن الـزّلَــقِ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

يا حبيبي فيكَ حُزني ما ارتَسَمْ

وبِعَينَيكَ وَصَلْتُ المُختَتَمْ

*

كُلَّما هَـبَّ نَسيمٌ عابِرٌ

جاءَني مِن عِطرِه عَذبُ النَّغَمْ

*

وإذا ما ضاقَ صَدري لحْظَةً

صِرتَ في أَحلامِ قَلبي المُحتكَمْ

*

أَنتَ سِرُّ الشَّوقِ إنْ طالَ المدى

وضِياءُ الروحِ إنْ يَغشى النّدَمْ

*

كَم تَوارى الوَصلُ عنّا صامتا

وتَجلّى فيكَ صَبري بالقلمْ

*

فاسكُنِ النّبضَ فإنّي عاشقٌ

خُلقَ الإحساسُ في قَلبي نَغَمْ

*

وارعَ عَهدي لاتكُنْ لي ظالمًا

بِتَّ دائي يا حبيبي والسّقمْ

*

وخُذِ العهدَ إذا ما قُلتُهُ

لا أُريدُ الكونَ إنْ غابَتْ قِيمْ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

الليلُ يَحتلُّ المكانَ

فلا مَكانًا للزُحامْ

صَفٌ من البِطريقِ يستلبُ الرَّصيفْ

متوعدًا:

بالبَردِ والموتِ الزؤامْ

عصفٌ وذاكِرةٌ هُنا يَتَجمّدان

الكُلُّ مَكتومُ اللسانْ

والرايةُ القتلى هُناكْ

مَخرومَةُ الرئتينِ

نازفةُ الدماء

جرداءً معتمةُ الضِياءْ

والنصلُ مسلوخُ المهابة والجلالْ

يغفو على رَمَدِ الظِلالْ

متنطِّعًا زيفَ الضَلالْ

يحصي تواريخَ القِتالِ..

مواريًا..

شبحَ القتيلةِ..

لا قتالْ!

*

انّ المسافةَ شبهةٌ

وتواطئٌ بين الحقيقةِ والخيالْ

بطشٌ ومجنٌ في الحكايةِ والسؤالْ

حُجُبًا يزينها الدخانْ

والبغي يُزهرهُ الهَوان

*

ندمٌ

وجومٌ

والزمانْ

أغفى على صمتِ المكان

والرايةُ القتلى هناكَ

مبلولةٌ

بالمشهدِ المَهزومِ

مهملةً هناكْ

*

طعمٌ مِنَ القِصديرِ فوقَ شِفاهِنا

***

طارق الحلفي

قصيدة رقم 24

الصورة الاولى

عامٌ مضى عامٌ يطالعني

جديدْ

ماذا سيحملُ مِن جديدٍ

عامي الجديدْ

ونظرتُ مِن خلفِ الزجاج

لكي أرى

عامي الجديدْ

فإذا بهِ عامُ الجليدْ

عام الوعودْ

عامُ الوعيدْ

عامي الجديدْ

ومصارعُ العشاقِ في

الأمل البعيدْ

**

الصورة الثانية

عامٌ مضى للقردِ

عامٌ لن يعودْ

والسَعدُ في العامِ

الجديدْ

فقرأتُ شيءً مِن دُعاءِ

الصالحين

مُعوّذًا فيه الوليدْ

عامي الجديدْ

وإذا به ديكٌ فصيحْ

يصيحُ في فَلَقِ الصباحْ

عامٌ يُبشرُ بالوعودْ

وطالعي فيه السعودْ

ويحق فيه للعبيدْ

أن يحلموا

بعالمٍ حُرٍّ سعيدْ

ومِن بعيدْ

كفٌ تُلوّحُ بالوعيدْ

**

الصورة الثالثة

في عامنا العامِ الجديدْ

ما زالَ في مَرْجِ الزهورْ

بعضُ الطيورْ

مسكينةٌ تلك الطيورْ

ترنو الى الافق البعيدْ

وترومُ أهلاً بائسينْ

في موطنٍ صبرًا يموتُ

بلا أنينْ

والشيخُ والطفلُ الشريدْ

يترقّبانِ عسى الجديدْ

يَأتي به ساعي البريدْ

ماذا سيَحملهُ البريدْ؟!

في عامنا العام الجديدْ

بطاقةً قد حُبِّرتْ

بدمِ الشهيدْ

[مُتِعتَ بالعامِ الجديدْ]*

**

الصورة الرابعةُ

الدينُ للّهِ

وعند الناسِ بعضِ الناسِ

دينُ الاقوياءْ

ما يأمرونَ به

يكونُ

ولا يكونُ لغيرهمْ الا الدعاءْ

وإذا الحقوقُ تساءلوا عنها

فمعناهُ الجحودْ

بل الخروجِ على تقاليدِ

الجدودْ

والصمتُ أولى بالعبيدْ

ودماءُنا هدرًا تسيلُ

لنصفِ قرنٍ

بل يزيدْ

وتصيحُ هلّا مِن ضمادْ

يا أدعياءْ

في عالمٍ حُرٍّ سعيدْ

وعامنا العام الجديدْ

**

الصورة الخامسةُ

ألوحشُ صربيٌّ

يعيثُ كما يشاءْ

متى يشاءْ

ويكونُ في عَرَمٍ شديدْ

مع النساءْ

والحقدُ يكشفُ وجهَهُ

فالى مَ نستغشي الرياءْ

في عالمٍ

يسوسُهُ الشُذّاذُ**

والادعياءْ

في

عامنا العامِ الجديدْ

عام التلوّنِ بالفريدْ

وهناك

ما بين الركامْ

حمائمٌ زغبُ

الحواصلِ

تصطليْ الموتَ الزؤامْ

ما بين أطلالِ

البيوتْ

ولمجلسِ الامنِ القرار

وفوق أكداسِ العظامْ

يأتي القرارُ

بلا قرارْ

في عامنا العامِ الجديدْ

وعالَمٍ حُرٍ سعيدْ

***

عطا يوسف منصور - الأردن / إربد

في 4 شباط 1993

.........................................

* ما بين القوسين تضمين من قصيدةٍ للشاعرة الدكتورة عاتكة الخزرجي.

تلك الأغاني ليسَ تُسمعُ

بل تُرى بالعين

أو تُشوى، وتُؤكلُ كالرغيف

أو ربما هي كالعطور تُشمّ

أو تَحمي بحاجزها الحديديِّ الجموع

فترصُّهم

حتى ليصبحَ كالهزيم بسُلّمِ اللحنِ النداءْ

كنا نُغني دائماً في سِرّنا

فتهبّ في طربٍ

لترقصَ في سكينتها الضلوع

وتفورَ في أعماقنا الغضبى الدماء

لمّا بنا الطرقاتُ ضاقتْ

لم نعدْ كالأمسِ ننشدُ من وراء دموعنا

بل أننا صِحنا وأيقظنا مع الأمواتِ أحجارَ القبور

مذ ذاكَ أصررنا على أن نتركَ السردابَ

كي نطفوا كما الأمواجُ في الأفقِ المضاءْ

ألبعضُ منا صارَ نَسراً

والبعضُ إنقلبوا بلابلَ

أو ملائكةً

وغابوا في الغيوم

لكنّ من خرقوا موازينَ الوفاء

تاهوا كما العُميان

واحترفوا البكاء

**

ليست أغاني الضدّ تصديةً

ولا كانتْ مُواء

بل أنها أرواحُ أجيالٍ سَمَتْ سُحُباً

وسَحّتْ

كلما مَسّتْ بروقُ الحزن حافتَها

دراريَ من ضياء

أقدامُها خوّاضةٌ بدمائِها

وعيونُها كالشُهْبِ تلمعُ في السماء

***

شعر / ليث الصندوق

ومنذُ زمانٍ طويلٍ نُردّدُ نفسَ التعابيرِ والكلماتْ:

عنصريهْ

بربريهْ

عنجهيهْ

همجيهْ

*

نُردِّدُها وكأنَّ اللغاتْ

عقمتْ مِن عقودٍ ولمْ تنجبِ الأمهاتْ

رغم انَّ اللغاتِ فضاءاتُ جودٍ

تفكَّرْ اذا هطلتْ ثروةُ العربيهْ

بيدَ انَّ اللئيمَ تمادى ولمْ يتركِ الاختيار

لكي نتخطى الصفاتِ التي انفردتْ بالاجادةِ في سبرِ أغوارِها المفرداتْ.

***

شعر: كريم الأسدي

......................

ملاحظة:  زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في يوم 11 نيسان 2026، في العراق ـ الناصرية ..

يا نسيمَ الفجرِ بلّغْ موطني

أنّ قلبي في اشتياقٍ ما انطفى

*

إنْ يكنْ بُعدُكِ حقًّا قد قضى

فلقاءُ الروحِ باقٍ ما خَفَى

*

وجرى نبضُك في شرعِ الهوى

حينَ لاقى الطيفُ قلبًا مُدنَفَا

*

يا نسيمَ الروضِ سَلْ عن مُهجتي

هل تُرى صبري على البُعدِ كَفَى؟

*

كم رجوتُ الوصلَ في ليلِ الأسى

غيرَ أنّ الحلمَ في عيني غفا

*

كان قلبي في رُباكم مُورِقًا

فإذا الهجرُ لروحي ما شفى

*

يا نسيمَ الليلِ بلّغْ فاطِمَهْ

أنّ دمعي فاض بحرا وصفا

*

كيفَ أنساها وفي أعماقِنا

نبضُها باقٍ وإنْ طالَ الجَفَا

*

كلُّ ركنٍ في حياتي شاهدٌ

أنّها كانتْ لروحي المُصطفى

*

يا فُطَيمةَ إنّ قلبي لم يزلْ

يرتجي لُقياكِ في دارِ الصَّفَا

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين