نصوص أدبية

نصوص أدبية

في اللّيْلِ والنّهارْ

كانَ يلوحُ دربُكُمْ

مُلْتَبِسَ المَسارْ

و كانَ بَعْضُكُم

يقولُ إنّكُمْ

ما عادَ عِنْدَكُمْ

رأيٌ، ولا قَرارْ

مُنذُ أَضَعْتُمْ وَقْتَكُمْ

في لُجَجِ اِنتظارْ

الوقتُ ليسَ مُلْكَكُمْ

الوقتُ مُلْكُنا

جَمِيعُنا

لا تَقْسِمُوهُ وَحْدَكُمْ

ووزعوهُ بيننا

وقَلّلوا مسافةَ انتظارِكُمْ

و أَوْجِزُوا مسافةَ انتظارِنا

و حققوا مَرامَكُمْ

و ما نرومُ كُلُّنا

في أقصرِ اِنْتِظارْ

لِكَيْ يكونَ دربُكُمْ

مُتَضِحَ المَسارْ

في اللّيْلِ والنّهارْ

***

شعر: خالد الحلِّي

الوهم في صناعة عالم جديد

نص مسرحي ما بعد كولونيالي

***

اللوحة الأولى

(بقعة وسط المسرح... صوت دعاء غير واضح الصوت وكأنه ينبئ بالفجر يتخلله صوت الدعاء وضجيج متصاعد.. يتخلله صراع أصوات متداخلة كثيرة تتقاطع بكلمات غير واضحة أسمع.. لا تسمع... أسمع... لا تسمع تتصاعد الضوضاء إلى تُقطع بضربة قوية وكأنها تحول المكان إلى فراغ يعمّه الصمت المطبق)

صانع الأشياء الأصم : (ينهض وهو يعيش حالة من الدهشة العميقة للفراغ الذي حوله)

ح... احا.... حا.. أه آه آه أه أصوتي يخرج من فمي؟

لكني لا أسمعه..

حا حا حا.. آه آه آه.. ما هذا الفراغ الذي يملأ المكان؟

الأشياء موجودة ! لكنها صامتة (ينهض ويبحث عن أي شيء يثير الصوت.. يضرب كل ما حوله علّه يثير صوتاً يكسر الصمت المطبق)

هَي..هٍي.. هو هي .. يا أشيائي التي عاشرتني منذ ولادتي كان صوتكم معي، أجيبوني، حتى وأن كانت الإجابة بضربةٍ على رأسي أو جسدي.

(يضرب نفسه بقوة وباستمرار حتى يسقط على الأرض..يعقب ذلك صمت لبرهة من الزمن ثم ينهض)..

كل الأشياء صماء مثلي لا تستطيع أن الإجابة..

(بذهول يصاحبه دهشة ثم صمت... بعدها يضحك بصوت عالي وكأنه وجد الإجابة عن تساؤلاته)

بالتأكيد، فهي لا تسمع !.. ومن ثم، فالسمع يحتاج إلى كائن مثلي

أي نعم مثلي... كائن بشري.. بشري.. بشري.

(يضحك بسعادة) وجدت الحل (بثقة زائدة).. أنا لست أصماً ـ

بل الأشياء من حولي صماء...

كم كنت غبياً حين تصورت أنني لا أسمع.. الحقيقة هي أن الأشياء هي التي لا تتكلم ولا تسمع

(يمسك بأشيائه المختلفة من أجل استنطاقها.. يضعها على إذنيه ويحاول أن يحاكي أصواتها)

اعتقدت أنكِ تتكلمين هكذا خخخخخ،

أو هكذا بم بم بم...

أو هكذا طاق طاق طاق..

أليس كذلك؟، (يعيد ضرباتها على رأسه بلطف)

لكن لا خخخخخ ولا بم بم بم، ولا طق طق طق..

(بحزن وكأنه يتذكر مشكلة السمع لديه)

ألم أقل لكم يا أشيائي أنكم لا تستطيعون الكلام مثلي ولا تستطيعون الكلام معي.

(يحاول أن يقنع نفسه بأن المشكلة في الأشياء.... يثور بحركات هستيرية) أنتم الذين لا تسمعونني ولا تتكلمون معي.

أنتم تعارضونني وتحتجون علَي..

تطلبون مني طلبات تعجيزية.. أنا لا أستطيع أن ألبي رغباتكم ومن ثم فإنكم تعصون أمري بفعلكم هذا... وتخالفون سلطتي عليكم

هذه السلطة التي أوجدني عليها من أوجدني. لهذا السبب تتظاهرون بالصمم وحتى بالعمى.

وهذا أسلوب جديد في المعارضة ضدي، أي نعم ضدي.

أنتم بالضد مني ومن سلطتي.

إذاً انتظروني سأضع شروطي عليكم حتى تتكلموا معي ولو بالقوة، نعم القوة هي الحل الوحيد، لأن العقل لا يفيد في هذا الزمن.

تسلبونني أهم مقومات سلطتي في معرفة الأشياء، هي سلطة السمع كما هي سلطة البصر، هل فهمتم؟

أنا لا أتنازل عن سلطة السمع مهما كلفني الأمر.

اللوحة الثانية

(يبدأ بترتيب بقايا الحطام الغرفة على شكل جمهور.. يقف على مكان مرتفع في أحد زوايا المسرح ليلقي خطابه على الأشياء حتى يلزمها بالطاعة)

صانع الأشياء الأصم: أن سأرتقي منبري حتى ألقي خطاباً عليكم.

من يريد أن يغادر عالمي فليخرج من الغرفة فوراً

ومن يؤيدني ويعظم مكانتي السمعية والبصرية لديه

فلينصت لخطابي المهم وسأوضح فيه علاقتي مع شعبي

(ينزل من المنبر وكأنه يناقش الأشياء)

خطابي يا أشيائي سيكون باللغة المشتركة بيني وبينكم وما عليكم إلا السمع والطاعة.

(يعود إلى المنبر) يا أشياء غرفتي المجيدة

المجيدة عليكم وليس على غرفتي..

(ينظر إليهم بعدم الرضا)

ها لا تقبلوا ذلك.. طيب أعيد ترتيب كلمات الخطاب..

يا أشيائي المهمة في غرفتي المجيدة..

أنتم الأشياء المهمة وغرفتي هي المجيدة..

ماذا؟.. لا تفقهون شيئاً مما أقول...

طيب سأعيد الخطاب عليكم لكن هذه المرة بلغتكم أنتم..

يا أشيائي في الغرفة طق طق طق طق حا حا حا بم ببمم طاق

.. طاق ططاق ببم طاق طاق حا حا حا..

(يبتسم ابتسامة عريضة.. وينزل اليهم)

لماذا لا تصفقون ولا تهتفون، أعطيتكم امتيازات كثيرة

منها حرية تكوين أشياء أخرى في داخل الغرفة ولكن ستكون لخدمتي أيضاً (بضحكة فيها نبرة الانتصار)

والتكوين يعني أن نصنع من أشلائكم المقطعة بسبب غضبي أشياء أخرى تدخل في خدمتي.

مثلاً نصنع من قدم الكرسي ألة للأنجاب.

أو دمية صغيرة تسليني وتذكرني بطفولتي التي لا أذكر عنها شيئاً أصلاً

أو نصنع منها فوهة بندقية نحارب بها العدو الذي يريد أن يمنعكم من السعادة بي وبرؤيتي كل لحظة.

دعوني أكمل لكم امتيازاتكم في خطابي المُلهم لكم

(يعود إلى منبره مرة أخرى)

يا أشيائي السعيدة برؤيتي

(مع ابتسامة عريضة)

بم ببمبم طاق طاق حا حا حا..

طاق طاق ططق طقق طاق حا حا بم بم...

حا حا طق طقق طق طق بم بم بم..

هل أنتم موافقون.

(يكررها ثلاث مرات)

يبدون أنكم موافقون على الإضافات الجديدة

هي لكم أيضاً وستجعل أيامكم سعيدة جداً جداً جداً.

ولآن رددوا معي قسم السمع والبصر والطاعة وقولوا

(يجلس معهم ويضع يده على صدره ويتوجه إلى المنبر)

يا قائدنا في غرفتنا المجيدة نحن نسمعك ونراك وأصواتنا كلها في إذنك

وأنت تسمعنا جيداً وترانا جيداً

ونحن الذين لا نسمع شيء من الأصوات إلا صوتك... ولا نفقه من الكلام إلا كلامك...

أنت من لديك الإحساس الكامل

ونحن لا نسمع إلا بأذنك ولا نرى إلا بعينك.

(يلتفت إلى الأشياء وكأنه يعلن الحقيقة)

والآن عدت إلى طبيعتي، أنني أسمع ولأشياء هي الصماء.

اللوحة الثالثة

(يخاطب الأشياء وكأنه يخطط إلى تكوين شيء منهم... شيء يكون واسطة بينه وبين الأشياء)

صانع الأشياء الأصم: يا أشيائي الجميلة،أنا لا يرضيني أن أراكم مختلفي الاشكال

فلا بد من توحيد أشكالكم وأصنف تكويناتكم

وأن تكونوا معي في غرفتي حتى لا يخرج أحدكم خارج الغرفة

ويخبر العدو عن طبيعة حالتي السمعية

ويستغل أحدكم لتنفيذ مآربه وتسقط الغرفة تحت يديه.

(يتقدم إلى الأشياء ويصنع منهم دمى من خلال إلباس أغطية تحولهم إلى هيئات قريبة لشكل البشر)

ولآن أصبحتم على هيئة واحدة، وأستطيع أن أعرفكم كلكم، نعم نعم هذا جيد..

ولكن هيئاتكم قريبة من بعضها البعض.. بماذا أميزكم..

أسميكم أسماء مختلفة.

في الحقيقة هي مشكلة كانت هيئاتكم مختلفة فجعلتكم في صورة أخرى،

ومن ثم توحدت أشكالكم، لابد أن أفرق بينكم مرة أخرى.

(يشير بيده اليمنى إلى الشكل الأول)

أنت أسميك نضال..

لا لا لا نضال وتناضل ضدي؟ لا، أسميك مطيع

نعم مطيع أسم جيد، وأنت أسميك خاضع نعم تخضع لي.

وأنت أسميك متردد تخاف من الأقدام على شيء

وأنت اسميك أخرس كي لا تسمعني

وهكذا الأشياء البقية اختاروا لكم أسماء تدلل على الطاعة

ولا تخرجوا عن طاعتي أفهمتم؟.

ولكن بقي شيء آخر مهم من منكم الذكر ومن منكم الأنثى.

هذه مسألة تحتاج إلى تفكير، هل أجعلهم كلهم أناث.. أم ذكور؟،فإذا جعلتهم ذكوراً وإناث سيتكاثرون ومن ثم سيثورون علَي!

لا لا سأجعلهم كلهم ذكور وهو الأسلم حتى يحمونني في الحروب

(يفكر بعمق مع فتح عينيه بشكل واسع)

ومن يؤنس وحدتي إذاً؟ ومن يعد لي الطعام؟

والذكور دائماً يحلمون بالسطلة وأخاف أن ينقلبوا عليّ!

لا لا لا نجعلهم كلهم أناث فكرة جيدة

فهن ضعيفات البنية ولا يستطعنّ الانقلاب عليّ

ولكن أخاف أن لا أكون كافياً لكل النساء في غرفتي المجيدة

ومن ثم يثورن عليّ ويأخذن مكاني، ماذا أصنع؟.

(يفكر في الغرفة وهو يسير في يمينها وشمالها... وكأنه يجد فكرة جيدة)

نعم..نعم.. نعم أحسنت أيه المفكر الخالد

فكرتي أن أجعلهم أناث وذكوراً في نفس الوقت.

أو كما قرأت في كتب.. في كتب... في كتب لقد نسيتها

آها كتب النوع، النوع، النوع الأشيائي نعم أسميه النوع الأشيائي.

جعل كل واحد منهم ذكراً وأنثى، حتى يصبح مزدوجي الاستخدام

فلا يتكاثروا...

ولا ينقصوا...

ولا يتزاوجوا...

ولا يكون لديهم الحرية في تحديد جنسهم إلا من خلال حاجتي فقط.

كم أنا مفكر عظيم، وأجبرهم على التسميات وتكون لدى كل واحد منهم تسمية مشتركة بين أسمين:

فالأول أسميه مطيع ومطيعة..

والثاني أسميه خانع وخانعة..

والثالث أسمية متردد ومترددة

وهكذا بقية الأشياء في غرفتي، حتى يتوحدوا تحت سلطتي نوعاً وشكلاً وهيأة.

(يوجه الكلام لنفسه) شكراً لك يا مهندس العالم ومخطط الجنس الأشيائي في عالمك الجديد وغرفتك المجيدة.

اللوحة الرابعة

(يرتقي المنبر ويجعل منه كرسي الحكم.. وينادي على أحد الأشياء بأن يتقدم إليه حتى يتكلم معه)

صانع الأشياء الأصم: هه.. هه... هه.. أنتِ، أو أنت، أو أنتِ وأنت في الوقت نفسه

سواء أكنت ذكراً أم أنثى تعال وحدثني..

أوه لا يسمعني نسيت أن الشعب في غرفتي لا يسمع وأنا الوحيد الذي أسمع

(ينزل من عرشه، ويمسك بأحد الأشياء في الغرفة، وكأنها دمية)

نعم أنتِ أو أنت لا تسمعني أكيد لأنك أصم، وأنا الوحيد الذي أسمع هنا

تعال معي كي نتداول بأمور الأشياء الأخرى..

وبعدها نسمع الموسيقى سوية، قصدي أسمع الموسيقى لوحدي

وأرقص عليها، وأنقل لكِ أو لك المشاعر يا أيه النوع الأشيائي

(يضحك) جميلة هي كلمة النوع الأشيائي

سأقول لك شيئاً، أننا هنا في عالمنا الجديد أقصد غرفتي المجيدة نمنع الحركة الزائدة، أنا الوحيد الذي أتحرك وأحرك الأشياء من حولي.

فإذا توقفت، لا تستطيعون أنتم الحركة..

وهذه قضية عويصة ومسألة شائكة لا تستطيعون أن تفهموها هنا

لأنني أنا الوحيد الذي يفهم، فلا تفكروا بأي حركة حتى أحرككم، هل فهمتم؟.

(يهز أعلى الشيء وكأنه يهز رأسه بالموافقة)

إذن أنت موافق، وهذا جيد، وهيا إذن لنتحرك على شكل رقصات خاصة مع الموسيقى التي سأشغلها في مذياعي

أتعلم أن هذا المذياع هو من نقل لي سابقاً أخبار الغرف الأخرى غير المجيدة

أين مذياعي حتى أشغل الموسيقى التي أحبها في أحد المحطات الأجنبية

وهي من أوصلت لي سابقاً فكرة النوع البشري

أو الاجتماعي كما يسمونه

لكني لا أخفي عليك أنا طورتها في غرفتي المجيدة وجعلتها تنطبق عليكم

لا بل أجبرتكم عليها برضاكم أم من غير رضاكم

كوني أنا من أحرككم، وأنا من أسمعكم، وأراكم

أكيد أنت أو أنتِ متفق أو متفقة معي كونك أو كونكِ نوع أشيائي

ومن حقي أن أختار هيئتك أثناء حديثي.

طيب لأبحث عن مذياعي أين يكون في وسط هذه الأشياء في غرفتي المجيدة

(يبحث بين الأشياء.. وبعد البحث يجده في زاوية الغرفة المظلمة)

من وضعك في هذا المكان أكيد يوجد مجرم أو عميل في الغرفة يريد أن يخفيك عني حتى لا أسمع أخبار الغرف الأخرى غير المجيدة

أنها مؤامرة لكني سأقبض على المتآمرين وأمنعهم من أن يكونوا أشياءً في غرفتي المجيدة.

اللوحة الخامسة

(يضع المذياع على منصة قرب منبره ويشغله ويذهب إلى الشيء حتى يرقص معه)

صانع الأشياء الأصم: هيا يا صديقي أو صديقتي لنرقص

وهيا يا أشيائي في الغرفة المجيدة أرقصوا

فإنه يوم فرح من بعد أن أثبتنا وجودنا هنا، أكيد أنتم فرحون.

(الموسيقى تعزف لكنه لا يسمعها)

لماذا لم تشتغل الموسيقى؟.

ياله من مذياع قديم فهو لا ينتمي إلى الأشياء الصماء كونه ينطق

ولا ينتمي إلي كوني أتحرك وهو لا يتحرك

هذا نوعٌ ثالث يجب أن أجد له حلاً في المستقبل

لكنه لماذا لا ينطق ويسمعنا الموسيقى

(يرجع إلى المذياع ويقلب به المحطات المختلفة لكنه لا يسمعها)

أكيد قد تعطلت لماذا لا تذيع لنا الموسيقى والأصوات العالية

أليس فيه طاقة تشغله؟.

(يقلب به فلا يسمع ... يتساءل )

فيه ضوء يدلل على أنه يعمل

وفيه حركة قليلة إذا وضعته على سطحٍ مستو.

ماذا يعني هذا؟، هل أنا لا أسمعه؟.

هل كشف هذا المذياع عورتي التي أحاول جاهداً أن أخفيها؟.

أم هي مؤامرة من الأشياء على النظام في غرفتي المجيدة؟.

(يتوجه إلى الأشياء بطريقة هستيرية ويبدأ يضربهم ببعضهم البعض)

هيا أجيبوني، هل أنا أصم وأعيش في فراغ؟.

أم هي مؤامرة منكم علي؟.

(يبدأ ببعثرة الأشياء)

سأكشف عرواتكم جميعاً وسأنهي على مستقبلكم في غرفتي المجيدة

تباً لكم ولوجودكم في حياتي.. ما زلت أنا الذي يحرككم.

وأنا الذي يسمع أصواتكم، ويعلم بمؤامرتكم ضدي

إذا تريدون التحرر من سلطتي

هيا تحركوا أمامي، أو نطقوا مثلي

نعم أنها مؤامرة

مؤامرة من الغرف الأخرى

يقودها مذياعكم ضدي

(يصرخ بأصواتٍ عالية مع دوران في الغرفة، وصوت المذياع عالي حتى يضع يديه على اذنيه ويسقط أرضاً)

انتهت

***

تأليف: محمد كريم الساعدي

15-2-2024

 

الــذِّئْبُ يــأكلُ كــلَّ يومٍ نَعجةً

وبِــعَــدْلِهِ تَــتــبجَّحُ الأغــنــامُ

*

قالتْ مُخَلِّصُنا وحامي أرضِنا

وبــهِ  غــداً تــتحقَّقُ الأحــلامُ

*

بــاتتْ كــلابُ الحيِّ حاميةً لهُ

ودريــئَــةً إذ مــا أتــتهُ ســهامُ

*

وترى  الكلابَ إذا تعثَّرَ ذِئبُهمْ

يــعــلو  الــنُباحُ كــأنَّهُمْ أيــتامُ

*

فــكلاهما ذاتَ الفصيلةِ ينتمي

والذئبُ في حشدِ الكلابِ إمامُ

*

أمّــا الرعاةُ تقول: ذئبٌ جائعٌ

قــد جــاءَ يَقصِدُنا ونحنُ كرامُ

*

أيــجوعُ  ذئــبٌ والشياهُ كثيرةٌ

والــجوعُ بينَ المؤمنينَ حرامُ

*

كُلْ ياصديقُ فلنْ نُحرِّكَ ساكناً

ســنغضُّ طــرْفاً عــنكمُ وننامُ

*

خُــذْ ما تشاءُ ولا تُهَدِّدْ عَرْشَنا

هـــذا  اتــفــاقٌ بــيننا ووِئــامُ

*

مــع إنَّــنا نــدري بأنَّكَ كاذبٌ

وبـــأنَّ أبــنــاءَ الــذئابِ لــئامُ

*

لــكنْ رَضِــينا مُرْغَمِينَ لغايةٍ

يسعى لها الشيطانُ والأصنامُ

*

فــجميعُنا  ضِــدُّ النعاجِ حقيقةً

وعــدوُّنــا وعــدوُّكَ الإســلامُ

*

أيــلامُ  ذِئــبٌ بــالغريزةِ حاقدٌ

أمْ  إنَّ شُــذّاذَ الــخِرافِ تــلامُ

***

عــبد الناصر عــليوي العبيدي

شجرة الحكمة المزروعة على حافة

تلك الساقية ستمسي عشر شجرات

مائة والف شجرة واسراب طيور الحب

ستاتي ستاتي لتحط بين اغصانها باجنحتها

العقيقية وبعيونها الكرستالية

2 -

الوقت الوقت الجميل قد انكفا على نفسه

وديدان وحشرات الحقل الاجرد البغيض

امست تفرح وتمرح بشجيرات جنائن

رغباته المقدسة

3 -

تبا للعنكبوت للجرذ ولبنت اوى

وللثعلب الذي يعبث بارخبيل

الحب المقدس.

***

سالم الياس مدالو

واترلو رواية جيب اغترابيّة

هكذا

من دون مقدمات

وجدت نفسي في هذا المكان البعيد القريب.

أمامي ساحة حرب مذهلة مساحة واسعة تحدّها تلال من ناحية الشمال وبعض التلال من الشرق. بعض القتام في الجو وبعض إشراق وهناك على بعد خطوات مِنّي جيشان يتحاربان، فيهم من يرتدي الأسود والأحمر، وعند الجانب الآخر جيش بملابس ترابيّة، كانت المسافة بينهما قصيرة، أحدهما يقتل الآخر ولا أحد يموت، بنادق قديمة يحملها جنود يجثون على ركبهم يطلقون النار على آخرين.. مشاة يتقابلون في صفّين يوجّه أيّ صفّ رصاصه نأحو صدور عدوّه فيقابله الصفّ برصاص ولا أحد يموت.

ولعلّني أبصرت مدافع عن بعد بين التلال والأجمات.

يبدو الوضع خطيرا.

لا أحد يأسف.

ولا أحد يخاف أو يموت..

حرب حقيقيّة من دون موت.

ويبدو لي من خلال حواسي الأخرى أجد الجميع يبتسمون... بعضهم فرح.. والآخرون تلوح الراحة على وجوههم حتّى لأكاد أظنّ الموت وديعا لايحشاه أحدٌ مثل قنفذ أليف يلتفّ على أشواكه ولا يرغب في أن يزعجه أحد.

كأنني أعبّرِ بهذه الحرب عن مشاعري الباردة.

أريد قتلا ولا موت

وعنفا ولا أذىً

أظنّ أنّ المعركة بدأت قبل وصولي بساعات.

وبّما قبل دقائق.

أو كانوا ينتظرونني وحين لم ألتفت إليهم بدؤا الحرب على أمل أن أصل.

لا شئ يأتي من فراغ... حدّثت نفسي

هل كانوا ينتظرونني أم أبالغ لأجد لنفسي موقعا في هذه المعركة القاسية.

كان الجنود يتراكضون، أرى قذائف مدافع بعيدة خلف التلال تحصد بعضهم، أحيانا يمرّون بي فأصبح في وسطهم، حالة من عدم المبالاة والبرود تجتاحني فلا يخطر الموت على بالي.

لا يهتمّ بي الجنود، ليت أحدهم سألني من أنت أو وجّه بندقيته نحوي يستنطقني وإن كنت أجهل كثيرا من الأمور أوّلها أني لا أدري تفاصيل كثيرة عن حياتي، وفيّ رغبة أن أعرف. استوقفت أحدهم. جندي في العشرين من عمره، أشقر ذو عينين ثاقبتين:

سألته:

- ماذا تفعلون.

قال ضاحكا بلغة أفهمها ولا أعرفها:

- نحن جند الإمبراطور نمارس القتل : القتل وحده مهنتنا نَقْتُل وَنُقْتَل.

وغادر، فهرعت إليه، لمست كتفه، قلت بإلحاح بلغة يفهمها وأظنّه لا يعرفها:

- أين نحن.

تحولّ عني إلى شجرة كستناء برّيّة ضخمة ثمّ استل من نطاقه العريض سكينا قذفها إلى جذع الشجرة، فانغرزت فيه إلى النصل:

- أنا مشغول بحدث عظيم ولستُ متفرّغا لتفاهاتك إذا نطقت بحرف واحد ستكون في قلبك.

وغادر تاركا السكينة في الجذع.. تساءلت :

كيف وصلت إلى هذا المكان وماعلاقتي بالأمر؟

كل من المتحاربين، وباعثي الفوضى يفهم أحدهم الآخر، من دون لغة ما، غاضبون، وفرحون، من يبكي ومن يضحك، لا تبدو الدهشة على يضحك ولا الغضب على قسمات من يصرخ:

زعيق

غضب يتطاير

إحساس واحد يجتاح المتقاتلين وأنا منهم.. البرود واللامبالاة في كل الحالات:الفرح الغضب الحزن السخط الرضا.. أنا الحاضر الغائب الذي يفهم العالم من دون لغة، ويفهمني الآخرون، مجرد أن أفتح فمي وماعلى الآخرين إلّا أن يفعلوا ذلك.

قد يكون النظر يكفي:

وحركة الشفاه.

يدفعني فضول يلحّ من دون خوف ولا فرح:

لايشغلني من أين أتيت أو كيف جئت؟ يمكن أن أؤجل هذا التساؤل إلى وقت آخر. فيّ فضول يدفعني إلى أن أسأل:أين أنا الآن.

في هذه اللحظة فقط. ماكان أو مايكون أؤجله.

قلت أجرّب مع جنديّ من الطرف الآخر، فقد يكون أصحاب الملابس ذات اللون لخاكي القريب من لون الأرض، أكثر لطفاً. في الثلاثين من عمره:

- سيدي من أنتم؟

مسح على رأسي بلطف:

- نحن جند صاحب الجلالة، وهكذا أفعل مع كلبي حين أعود بعد الحرب.

تجاوزت سخريته:

- أين نحن الآن؟

- لا عليك أنت أسيري.. (مطّ شفتيه) لن أقتلك، فالموت هنا لا يحقق الرغبة. زسأطلق سراحك!

على الرغم من كلّ ذلك، فقد رأيت ساحلا قريبا، وجزيرة أخرى، خارطة على الأرض بعيدة عن أقدامي. أشتاق إلى الخوف.. في هذه اللحظة أحب االحزن.. ربما الفرح وحده لا يكفي.. ساعتها فهمت بعض الأمر. أنا على أرض يتقاتل أمامي جيشان عظيمان، وهناك بحر وجزيرة أخرى أراها تربض مثل أسد ظهره باتجاه الأرض التي يتقاتل عليها الآخرون.

رسم ساخر

للجزيرة الأسد التي لا تعير اهتماما لما يجري

في اللحظة المناسبة رأيت جيشا آخر يقدم من ناحية الغرب عبر التلال :

أبواق

مشاة

مدافع تطلق نيرانها على رؤوسنا.

فرسان الخيول يندفعون مهتاجين ويتلاشون من نظري.

حصاد آخر، يسقط قتلى كثيرون من ذوي الأحمر والأسود، ويبتشر جنرال اللون الآخر أسمعه يقول:جاء الجنرال بالإمدادات لو تأخر خمس دقائق لتعرضنا لهزيمة رهيبة. عليكم بالفرسان. أبيدوهم. يبتسم وأعترض على قوله:

سيادة القائد هل تقول لي ماذا أفعل؟

لا يلتفت إليّ، يظنني، أنا الذي لا أعرف كيف جئت، يظنني جنديا صغيرا، على الرغم من أن لون ملابسي يختلف عن لون جنود الجهتين المتحاربتين. لا أبصره، ولا أميّزه فقط أحسّه، فأدرك أني أرتدي ملابس تختلف عن لون الملابس الأخرىالتي يرتديها الجيشان المتقابلان.

تبقى طلقات متفرقة هنا وهناك.

فرسان سقطوا من على خيولهم، ففرت الخيل مذعورة بأيّما اتّجاه مثل كلاب أصابها السّعار، وهناك فارس قُتِلَ أو جُرِحَ فعلقت رجله بالركاب وكانت الفرس تسحله معها نحو تلة بعيدة. أظنّ حسب بصري وسمعي أنّ الحيوانات من خيول ودواب تجرّ المدافع وكلاب مدرّبة تشتمّ الأرض أنها أكثر في هذه الحرب عصبيّة وحسّاسيّة من الجنود الذين لايبالون، ولا أنسى نفسي.

كل ما أعرفه عن نتيجة المعركة أن الخوف والتعب والجنون ظهر على الخيول والكلاب والسّناجب التي احتمت بالأشجار أكثر مما رأيته على الجنود المتحاربين أنفسهم الذين وجدوها لعبة تثير المرح والنشاط.

مع ذلك لا أحد يريد أن يقتنع أني أراقب فقط.

أبصر...

منذ البداية حتى النهاية أتتبع الحدث من دون أن أجد أي شئ يدفعني إليه.

لكن الآخرين الذين أنهوا تلك اللعبة اللذيذة على وفق ما أتصوره التفتوا إليّ. ربما جذبتهم ملابسي الغريبة.

أو

مكاني

ولعله على أقل تقدير هاجسي الذي يشبه هواجسهم.

وتصوّري الغامض عن معركة شاركت فيها ببصري وتحمّسوا لها ببرود.

جنود الفئتين متشابهون تماما:أشكالهم وجوههم عيونهم، قد لا تميّز جنديا عن الآخر، وفيهم من ذوي االملابس السوداء والحمراء ومن أصحاب الملابس ذات اللون الخاكي.

اقترب مني جندي أو ضابط كبير الرتبة. كانت عيناه تحدِّقان بي:

أنت ماذا تفعل هنا؟

سيدي لم أفعل شيئا.

صرخ فيه الضابط ذو القميص الخاكي:

أتركه لي أنا أحقّق معه نحن الذين انتصرنا

تقدم عسكري آخر وقال:

أنت أسير مثله وسنحاسبك بطريقة أخرى.

انسحب العسكري بهدوء.

لم يظهر عليّ أيّ اضطراب.. الطرفان الغالب والمغلوب يراني أسيرا، وأظنّ الحرب مازالت جارية مادمت فيها لأنّ الآخرين انشغلوا بي، من ملابسي التي لا أكثرث للونها ولا أعرفه إلى الآن عرفوني. أدركوا أني غريب عن الطرفين، القاتل والمقتول.. المنتصر والمهزوم بعضهم _وهم قلّة من الطرفين - ظنّوني أسيراً مشتركاً انشغلوا عن أسراهم بي، أنظر إلى نفسي فلا أرى جسدي عاريا ولا أتبيّن ملابسي، لكنّي لم أشعر قط بالخوف لمشاركتي باللعبة الخفية:

من أنت، ماسمك؟

ياسيدي لا أعرف صدقني أعرف أنّي أنا!

من غير انفعال سأل:

من أين جئت؟

لا أعرف ولا أريد أن أشغل نفسي بذلك!

لم جئت إلى هنا؟

لا أدري.

تأمّل قليلا، كنت أفهمه من دون أن أعرف بأيّة لغة يتكّلم، وكان يعرف لغتي، في هذا المكان وهذه اللحظة ينسى الإنسان فيه كلّ شئ ويعرف أيضاً جميع المعاني فلا مكان ولا زمان غير هذا المكان والزمان، والوجوه التي يراها كلها شقراء وبيضاء، قد يرى سوادا وظلالا، ولا يدرك الليل من النهار، الخوف كالحر والبرد يتلاشى مهما كانت النتائج، والحرب نفسها تسلية لاتثير قلق طرف أو من يربح أو يخسر:

إلى الرافعة...

تقدّم نحوي أربعة جنود من ذوي القمصان الخاكي، حملوني إلى الساحل في حين ظل المنهزمون والمنتصرون يراقبون.

ظل الخوف بعيدا عني

والأسف كلمة فارغة المعنى

لست أبالي

قلت لنفسي :وليفعلوا ماشاؤوا بي فأنا أحسّ أنّ الموت مازال بعيدا عنّي بل هناك فاصلة ما في حياتي تشير إلى واقع لا أستطيع الهرب منه إلا بمعجزة وليس هناك شئ سيئ سوف يحدث.

وضعني الجنود على رافعة خشبية بهيئة منجنيق أعدوه ليقذف الصخر، البحر تحت بصري أزرق تخالطه خضرة. يكاد يخيل إلي أنه يغص بمخلوقات كثيرة لا أعيرها أيّ اهتمام ولا تثير في نفسي انطباعا ما. قد تتحوّل إلى حيوانات أليفة مثلي !

ماذا تراهم يفعلون وقد رأيت ذوي الأحمر والأسود ينسحبون، يلملمون خيامهم وأشلاءهم، قائدهم القصير يطلق لموكبه العنان، من الصعب في هذه الحالة أن تتبين مشاعر المنهزم فضلا عن المنتصرين لأنّك أنت نفسك لاتدرك مشاعرك، الدهشة نفسها تنسلّ من روحك ثمّة، فاصلة بينك وبين الأشياء التي يفترض أن تعرفها، وشيئا فشيئا أرى العالم الآخر يتحرك كأنما وجودي هو الذي يثقله، ربّما سيكونون في حال أفضل لو تخلصوا منّي،

لون ملابسي.

شكلي

سحنتي تحتلف عنهم..

- أطلقوه... إلى البحر...

هكذا قال الذي يقف خلف الرافعة المنجنيق!

فرحت أرتفع وأهوي.

2

حين قذفتني الرافعة باتجاه البحر التفتّ فرأيت كلّ شئ يعود إلى طبيعته. فرغت أو كادت ساحة المعركة من المتحاربين وظهر الهدوء على الأرض التي خلفي.

رويدا..

رويدا...

رحتُ أهوي نحو البحر، وليس في بالي أيّ خطر. تحميني مشاعري الباردة إلى الحدّ الذي جعلت فيه ابحر أليفا، رأيته لايغامر ليؤذيني بكل مافيه من موج شرس، كواسج أو حيتان. لقد ظلّت مشاعري باردة في الماء كما كانت على الأرض دقائق المعركة الغريبة أو أيامها، لا يهم الوقت أمّا الذي يشغلني فهو شئ آخر أنّ العالم إلى هذه اللحظة لم يعد يؤذيني سواء البرّ منه أم البحر.

رحت أضرب الماء بيدي ورجلي.

لا تعب قطّ.

وعن بعد لاح لي شبح سفينة مهترئة قديمة ذهني الملئ بساحة الحرب والجنود، رسم لها عن بعد صورة هيكل عظمي لحوت كبير يطفو على البحر، يمكن أن تكون أشياء كثيرة غابت عن تصوري، أمّا حركات جسدي.. المشي... الجلوس.. فهم المأمور جيدا والتوقّع عما يحدث فتلك مهارات لا أنساها مثلما، في الوقت نفسه، نسيت أصولا أخرى لا أعرفها عن نفسي.. من أنا ؟ كيف جئت إلى هذا المكان.. جسدي يحترف العوم والمشي. لا يمكن أن أكون قد انبثقت فجأة في هذه الدنيا الغريبة من دون مقدمات.

لا أشكّ أنني مارست هذه الهوايات في زمن ما ومكان ما إذ لا يُعْقل أنّ مخلوقا مثلي انبثق هكذا فجأة في الحياة من دون طفولة.

أضحك على نفسي لكنني يمكن أن أؤجّل بعض الأمور إلى فُرَصٍ أخرى.

من حسن حظّي أن البحر ساكن، فلا ريح ولاموج.. أضرب بيديّ ورجليّ الماء لعلني أصلّ إلى السفينة، لا وجهة غيرها أمامي. وكنت آمل ألا تكون مثل سراب في الصحراء يراه العطشان ماء.

ماذا لو ظهر لي كوسج.

حوت قاتل

لا أعير الأمر اهتماما

مجرّد خاطر عابر

فيّ هاجس يشير إلى أن البحر يمكن أن يكون صديقا

ويشطّ ذهني نحو دلفينٍ صديق. أمامي حديد طاف أعوم إليه.

أعوم وأفترض معاني ثمّ ألغيها،. أظنني بحاجة إلى بعض القلق والشكّ والخوف.

راحات يداي تصارعان الماء، والسفينة تقترب مني.

ليست سرابا.

ولا هي بهيكل وعظام.

معدن..

حديد صدي . وكلما اقتربت لعيني رأيتها أكبر وأكبر.. سوى أنّي لا أشعر بجهد كثير، المسافة كانت حقّا طويلة مابين السّاحل الذي قُذِفتُ منه والباخرة البعيدة.

ثمّ

عرفت أنّه خداع بصر جديد.

سراب بلونٍ آخرَ...

سراب لايخدعك بل يحوّل الأشياء البعيدة عنك إلى طبائع أخرى.

المهم أنّك أبصرت شيئا يشخص أمامك.

حقيقة هادئة وسط الماء لا كما عهدت الوضع على البرّ من حركة وصخب وفوضى.

إنها هي السّفينة التي رأيتها عن بُعْدٍ غير أنَّها لم تكن من حديد لها مقدمة وقمرة في الخلف ونافذة، تيقنت، وهي على بعد أمتار قليلة، أنّها من خشب قديم، وهناك أشنات أكلت بعضها، وبريق صدئ، يشع من سوائل لزجة، ببريق باهت أقرب إلى الصفرة والقتام. قد تخفى كثير من الحقائق، والدليل الوحيد على وجود السفينة أنها علقت بسنّ صخري منذ سنوات فانحشرت بين دوائره ومثلما حاصرها الصخر فعلقت به مرت عليها سنوات طويلة ليتآكل بعضها، وتخيِّم العفونة على جوانبها وتحيط الأشنات بجانبيها.

كنت أضع يدي على صفحتها:

فأنزلق.

رغوة لزجة منعت راحتي من الالتصاق بها..

سقطت في حيرة

دهشة مع أني تجاوزت الدهشة في معركة رأيتها وعاشرتها قبل أن أرمى في البحر.

كيف أصعد إلى سطحها، ويداي لاتثبتان على صفحتها، اندفعت أبحث عن منفذ آخر وطفت إلى جانبها الآخر من جهة الخلف، ولم أتبين ألا ظل القمرة على الماء وحين أصبحت عند الصفحة الأخرى، أبصرت سلما قديما ذا درجات هرأة، وسطري حبال ينحدران من السطح إلى الدرجة الأدنى.

ابتلعت نفسا عميقا من الهواء ثمّ نفثته كأنّي أثأر من الفراغ الواسع الذي يمتدّ أمامي على الماء.

ودفعت صدري باتّجاه السّلّم

راحت يداي تتشبثان بالحافتين الخشبيتين لكن يدي اليسرى انزلقت ومال جسدي نحو الماء. كانت هناك لزوجة تركتها أشنات اخضرت على الحاجزين وبعض رطوبة من قواقع وأشنات تغطي الحاجز. هلا رآى أحد هذه السّفينة الهيكل قبلي؟انتبهت :أمر لايعنيني فَلِمَ أتعمّد أن أبتكره أم أدّعي أنّي أتشاغل بأيّ سؤال يخطر على بالي ليحول بيني وبين اللحظة الرّاهنة. استعدت قواي وقبضت بيدي اليمنى حاجز الدَّرَج المحاذي لصفحة السفينة، واندفعت بجانبي الأيسر نحو العارضة الأشدّ لزوجة التي تحاذي الماء. أصبحت يداي كلتاهما قابضتين على الحاجز الأيمن لأروح اتحسس بقدميّ الدرجة الأولى التي تناثر عليها الماء.

أبصر كلّ شئ ولا أبصر

لا أظنني في حلم

أو

أظنني في منزل وسط بين اليقظة والحلم.

هل عمت بملابسي. الجنود الذين أرسلوني إلى المنجنيق لم يجردوني من ثوبي. هل يَعقل أنّي لا أرى ثيابا تسترنيـ وأراها فلا أعرف لونها؟

بحذر خطوت قدماي السلم درجة درجة. يد تقبض على الحاجز، وأخرى تتحرك لموضع آخر، أعطيت الحاجز اللزج ظهري. يالها من رحلة شاقّة، كانت أكثر جهدا من النظر إلى حرب بين طرفين غريبين عنك، وأكثر صعوبة من العوم في البحر.

وبعد مسيرة طويلة ارتقيت سطح السفية.

ساحت فيها عيناي..

عنبر فارغ

مقدمة متآكلة

حبال تكدست وشراع ممزق ملقى بجانب حلقة من حديد ثبتت بإحكامٍ أمامَ فتحة عريضة يسدّها غطاء ذو مقبضٍ خشبيٍّ ثخين.

وغطت عينيّ مفاجأة غريبة!

عظام طيور

وحشرات يابسة

وجثة نورس كبير مات عن قرب، قبل بضعة أيام، فانبعث منها رائحة حادة..

لم أر طيرا أو حيوانا أليفا سواء على اليابسة أم الماء مع ذلك عثرت على بقايا هياكل وأشنات.

قد تلوح في المستقبل. لِمَ لا.

الآن بدأت أستعيد بعض حواسٍّ فقدتها عندما شهدت ببصري وسمعي المعركة الكبيرة.

أشعر ببعض التعب وحيرة !

دهشة حادة

واستغراب.

لا أفكر الآن برفع الغطاء والنزول إلى العنبر.. أرجأت الأمر إلى وقت آخر. قد يراودني النوم فأهرب إليه، أما الآن فالمقصورة في خلف السفينة هي التي تشغل اهتمامي، فخطوت نحوها حذرا من أيّما زلق. كدت أهوي إلى العنبر فقد داست رجلي على مكان نخر فترنحتُ واستعدتُ ثانيةً قواي، وتمايلت باتجاة المقصورة لأستريح قليلا. دفعت المصراع برفق، فانحدر إلى الظلام الدامس داخل المقصورة نورٌ ضبابيٌّ ملفّعٌ بالرطوبة ودوار البحر، فأبصرت عيناي ما في الداخل من مشهد ثقيل.

سيدة بثياب مهلهلة رثّة في الثلاثين من عمرها منفوشة الشعر بثياب مهلهلة رثّة تجلس، موثوقة بحبل غليظ، على كرسي معدني أخضر اللون، خرساء تحدّق جهة الباب حيث اقتحم عليها النور !

للوهلة الأولى خلتها ميتة.

متخشبة

أم

مومياء

أثارت هيئتها أسفي واشمئزازي. ، لقد استعدت بهذا المشهد حواسي الأخرى وظلّ الخوف بعيدا عني، اقتربت من المرأة الموثوقة لأتأكد من أنها مازالت حيّة. قلت

 - سيدتي!

لا جواب لكنها حركت شفتيها. فرحت لأني وجدت إنسانا أيَّ إنسانٍ أتكلّم معه بهدوء.

- هل تفهمينني.

فجأة

كوّرت شفتيها وبصقت بوجهي.

تراجعت إلى الخلف:

- أيها الغبيّ كان يمكن ألّا تأتي أبدا!

قالت عبارتها بنفور، فسألتها مثل طفل برئ:

سيدتي أستطيع أن أفك وثاقك.. أساعدك، نحن لا يمكن أن نكون قساة مع من يساعدنا.

ابتسمت بخبث:

غبي لأنّك أضعت واترلو.

أسيرة..

مختطفة

مجنونة..

أشياء غريبة تظهر أمامي في هذا العالم، هذه امرأة خطفها قراصنة وسجنوها في السفينة البالية، ففقدت عقلها، ثمّ غادروا لسبب ما فتركوها لتلقى حتفها.

آخر الاحتمالات التي في جعبتي. فأيّة واترلوا، وأيّة معركة تتحدّث عنها.

- لا أخفي أنّي كنت أراقب معركة قبل أن يقذفوا بي إلى البحر فأصل حيث أنت ولست الذي ساهم فيها لا ربحت ولا خسرت.

عادت إلى حدّتها:

- بل أنت الذي خسرت.

- كيف أكذب عليك أنا الذي لا أتذكر اسمي أولا أعرف كيف جئت إلى هذا العالم؟

قالت بابتسامة غريبة:

سأحدّثك عن كلّ شئ.

حاولت أن أتودد:

- هل أفك وثاقك أولا؟

أشبه بالغضب:

لم يحن الوقت بعد.

بفضول:

لكن من أنت سيدتي؟

سأخبرك في آخر المطاف. (تطلعت فيّ بإشقاق) ألا تريد أن تعرف من أنت؟

نعم، ولتذكريني باسمي لو تفضّلت!

لاحت على وجههامسحة برم:

- ليكن اسمك، على وفق الزمن الذي جئت منه، حالم، وآمل ألا تقاطعني.

نعم.

- لتفترض أنّك جئت من القرن الحادي والعشرين، اسمك حالم، تمارس الطب.. التجميل.. تغيّر القبيح إلى جميل، والشاذ من أشكال الوجوه، والأطراف، وغير المألوف إلى أشياء جميلة.

ماذا تقول السيدة الموثوقة؟وأين مارست هذا؟وفي أيّ زمان ومكان؟:

- لكن ياسيدتي ذاكرتي لا تعي مامرّ من أحداث كأنّي تعرضت لحادث فأصبت بفقدان الذاكرة.

- قلت لا تقاطع، افترض أنك في البلاد العربية أنت تتحدّث الإنكليزية والعربية، نحن الآن في القرن التاسع ومزيج من قرون سالفة، ولأنّك تبحث عن الجمال فقد نمت غريزة الحلم في داخلك فلم تكن لتقدر على أن تكبحها حتى تحولت إلى أنك لوحلمت لأصبح الحلم واقعا، فلا تستطيع أن تتحرر منه.

نسيت ثأانية ني عادتها على ألا أقاطع:

- ماذا عن أهلي.. أسرتي.. أصدقائي ؟

- هذه أمور ثانوية لا دخل فيها لواقعك الحالي لك إنك تعيش الآن في عدة قرون امتزجت ببعضها والمزيج بدأ بالقرن التاسع عشر، إذ كانت أقرب الأحلام إليك معركة واترلو، حينما نمت حلمت أنك فيها وانهزمت إذ ليس نابوليون من انهزم وليس الإنكليز من غنموا فأصبح حلما حلمته واقعا وأصبحت العودة إلى القرن الحادي والعشرين حراما عليك.

مثل طفل:

- لكن هل أستطيع أن أنام فأحلم؟

بابتسامة غريبة:

- بلا شك غير أنّ أحلامك ستكون باتجاه الماضي، أيّ حلم يراودك سوف يكون ماضيا تعيشه، وواقعا لا تتحرر منه إلا بحلم آخر ينسيك ماعشته في السابق.

لعبة غريبة أمارسها، وهذه السيدة الموثوقة تبدو مرّة بريئة ومرّة خبيثة تطالعني بعيني كوبرا فأجدني أصدق براءتها وأشكّ في خبثها:

وَلِمَ لا أغفو فيراودني حلم عن قرون مازالت في الزمن الآتي.

هزّة من رأسها:

- ذلك محال فيما يخصّ الآتي..

أفهم ولا أفهم:

- سيدتي يراودني شك. منذ التقيتك قبل دقائق غمرتني كثير من الهواجس التي فقدتها فهل من لمحال أن أرجع إلى المستقبل الذي جئت منه حسب الزمن الحالي أو على الأقل لما محرم عليّ العودة إلى المستقبل؟

- نعم محال ولا تكن طفلا في اسئلتك لأن المستقبل وهم لم يتحقق.. الماضي تحقق أصبح واقعا ويمكن استعادته نحن الآن في مرحلة واترلو وأنت الخاسر لم تعد تملك من زمن ماقبل الحلم سوى اللغة التي يفهمك بها الواقع الذي تعيشه وتفهم به الآخرين والمهارة التي كنت تمارسها.

 أنا في ورطة. ورطة حقيقيّة. لا يمكن أن أرجع إلى زمن جئت منه. سيدتي الموثوقة تنسبني إلى حادثة غريبة، في هذا الواقع دخلت حربا لست طرفا فيها ولم أكن أحد أسبابها كنت مرابقا لا أكثر، عاقبني المنتصرون والمنهزمون بأن رموني في البحر. يقال على لسان السيدة إنّ عليّ أن أتعايش مع الواقع، أقبل بمرحلة واترلو التي انتهت بهزيمتي، سأعرف الآخرين وأعرف أني يمكن أن أسمعهم بلغة ما، وأراهم بملابس ما، أناقشهم وغالبا ما أقنعهم، فأظلّ صاحيا، أو أنام لأعود في حلم يصبح حلما واقعا من جديد في عصر سابق.

الأحلام تتحداني.

والمستقبل نفسه يتمرّد عليّ.

لكن كيف أستطيع أن أنجو من النعاس إذا ماداهمني ذات يوم، تقول السيدة:

- لماذا سكتّ ما الذي راودك؟

- ماذا لوعشت واقعا جديدا وراودني النوم؟

- لن يحدث ذلك ولن تشعر بالحاجة إلى النوم إلا إذا دفعك الفضول لتدخل تجربة جديدة لن تكون في صالحك قطّ تذكَّر أنّي حذّرتك لن تعود إلى عصر آت في حلم جديد بل إلى عصر أقدم وأقدم وربّما تطاردك الدينوصارات والثلج..

 لقد اقتنعت تماما بما تقول. اقتربت منها بعد أن كنت رجعت للوراء حالما بصقت في وجهي، الحقيقة لا أشعر برغبة في معرفة المزيد عن ماض قد أكون عشته في مكان ما ذات يوم، ولا يراودني الحنين إليه. لقد بقيت لي بعض من مشاعر لكن ليست بالقسوة نفسها أو إلى درجة تجعلني أشعر بالحنين والكآبة حدّ الإفراط. :

- هل تقولين لي من أنت.

ابتسمت ابتسامة حنونة :

- على الأقلّ تصوّر أني حلمك الذي لم يتخقق بعد.

- إذن سأفكّ وثاقك!

- لن تقدر لاتكن أبله لا تضيّع الوقت بالأسئلة عليك أن تقفز من السفينة وتعوم إلى السّاحل الآخر.. المسافة ليست بعيدة، هناك ستجد حرفتك ولا تشعر بالرغبة للنوم.

ورحت أفعل ما أمرتني به!

3

كانت هناك على الساحل بعض الأشكال الغريبة.

إنّهم بشر

كائنات مثلي يبدو عليها القبح في بعض أطرافها.

رأيت نساء ورجالا لهم ولهنّ أنوف طويلة مفرطة الطول كخراطيم الفيلة، وهناك من لهم آذان طويلة أو من له أذن مثلي تماما والآخرى مثل أذن الفيل، والحمار..

عيون قبيحة

أو عمياء جانب مبصرة

وجوه علاها الصدأ والجدري والبثور

اليد اليسرى ذات مخالب أو اليمنى تقابلها يد لا نقص أو زيادة فيها وربما الاثنان معا

شخص برجلين مشوهتين أو واحدة منهما.

أشكال أفقدها التشوّه في الأطراف أيّة مسحة من الجمال ولكي أكون على بينة من أمري أقول إنهم على النقيض من أبطال المعركة المنسوبة لي (واترلو) أولئك الشّقر الطوال الذين يشبهون الملائكة تماما.

لا أحد مثلي رآى من قبل إنسانا بيد غريبة أو رجل غريبة أو امرأة تمشي بثلاثة أرجل مثل الكنغر بعض هؤلاء الآدميين له ذيل طويل يستطيع أن يلفّه على شجرة مثلما يفعل فيل ضخم بخرطومه.

ربما هم - كما خطر بذهني أوّ مرّة تقع عليهم عيناي- بقايا لأشخاص كانوا أنصاف بشر وأنصاف حيوانات عاشوا زمن الأساطير ولعلهم آلههة انتقمت من آلهة أقوى فقذفت بهم إلى هذه الجزيرة في هذا الزمن المختلط في ذهني فلا أدري أيّ قرن يكون.

مع ذلك يبدو هؤلاء الناس أليفين مسالمين، حين رآني بعض أفراد منهم أخرج من الماء إلى الساحل اندفعوا ينادون الآخرين...

كذلك الأمر مع أبطال واترلو والسيدة الموثوقة: بلغة أفهمها ولا أعرفها.

وخلال دقائق تجمعت الجزيرة كلّها حولي.

رجال...

نساء...

أطفال...

قابلوني بترحاب مذهل.

رجل وامرأة يخطوان نحوي

كان الرجل طويلا برجلين معقوفين والمرأة بأصابع مشوّة طويلة.

جميلة بأطراف مقرفة...

جثيا على ركبهما أمامي ووضعت المرأة طاقة الورد التي تحملها بين قدمي.

ورد.. زهور. زأيّ طاقة أراها.. أشمّ رائحتها.. ولا أفهم أيّ وردٍ هو.

لم يكن من الصعب عليّ أن أفهمهما.. مثلما فهمت لغة في حرب انهزمت فيها كما قالت لي السيدة الموثوقة، فهمت لغة هؤلاء ذوي الأشكال الغريب.

بشر مشوهو الأشكال بعقول كاملة لاينقصها شئ.

ولا أظنني وجدت فيهم أيّ معاق بعقله، قد يبدو لمن يعيش بينهم أن عوق أجسادهم مرعب جدا غير أنّهم مسالمون لايدخل بعضهم مع بعض في أيّ صراع.

وليس في نيّة أيّ منهم الاعتداء على الآخر.

وحينما رأوني بشكلي الذي أنا عليه، ولا نقص يبدو في جسدي، حسبوني الإله الذي حلّ في جزيرتهم، تلك الجزيرة النائية عن العالم التي ظهرت لي بعد واترلو.

مان عليّ بعد المعركة المزعومة أن أعوم من القنال من الساحل الأوروبي إلى ساحل الجزيرة البريطانية قبل أن ألمح السفينة وأقابل السيدة الموثوقة فأستريح وأواصل العوم من دون تعب ولا خوف أو إرهاق. أين اختفت الجزر وظهرت مكانها جزيرة المشوّهين؟

حالة غريبة من تداخل زمنيّ هائل لست بقادر على فهمه. تقول السيدة الموثوقة إنّي جئت من القرن الحادي والعشرين، ولم أحمل من سماته سوى مهارتي في اللغة ومهارتي في التشريح.

أستطيع أن أجمّل الاشياء القبيحة.

هذا على حد زعمها. تجربة اللغة عشتها في واترلو، وعشتها معها، ومع هؤلاء الذي جعلوني إلها يقدمون لي فروض الطاعة لكوني بنظرهم إنسان متكامل. يغريهم شكلي.

يظنوني الأنقى

والأحلى

مهارتي الأخرى على حدّ زعم سيدة السفينة، أجربها فيهم.

سأبذل جدا كبيرا في أن أعيدهم إلى صورة متكاملة تجعلهم بصورة متكاملة مثل صورتينوإن كان ذلك يستهلك جهدي، أمّا الوقت فلا شغل لي فيه مادمت لا أستطيع أن أعود إلى المستقبل الذي يمكن أن يكون عدما.

لكن

ليتني أفهم، إذا كان المستقبل وهما كيف نمت وحلمت فيه بالواقع الذي أعيشه الآن، وكيف تداخلت واترلو في الواقع البعيد عنها من خلال هذه الجزيرة التي أحيا عليها مع هؤلاء المشوّهين. هناك بعض اللبس سوى أنّي لا أقدر أن أظلّ في حيرتي تلك، وما عليّ إلّا أن أعمل بالمهارات التي عندي.

اخترت مكانا وسط المدينة المشوّهة وبدأت في القطع والإضافة والتعديل

بدأت مسحة الكآبة والحزن تخفّ من على الوجوه.

لا أشكّ في أنّ أهل الجزيرة المشوّهة نظروا إليّ بصفتي إلها يدخل مدينتهم. غحتاروا لي مكانا وسط المدينة، وراحوا يزوّدونني بكل ما أحتاجه من طعام وشراب ولباس. وإذ يقابلونني ينحنون لي وينزاحون عن طريقي. ظنوني ذلك الإله الطيب الذي حلّ في جزيرتهم لينُزل عليهم بركاته وخيره العميم.

لم يروا كائنا متكاملا من قبل وكنت أرغب في أن أزيل عوقهم.

ثمّ بدأت أعمل.

المشرط بيدي..

ومهارتي التي ورثتها من قرن موهوم معي.

أوّل خطوة إنّي بدأت بالأطفال، فتعلّق الناس وهم يرون أبناءهم وبناتهم الصغار يعودون إلى شكل يطابق شكلي.

تجارب أرهقتني

وقد تدرّجت في تجاربي حسب العمر، الأصغر فالأكبر، أعمل طوال النهار، ولا أنام بل لا أقدر على النوم، وكلما مرّ نهار ازدادت هيبتهم لي، وقدموا لي القرابين.

هذا الإله العظيم الذي راح يزيل العوق، ويجعلهم طبيعيين مثله تماما إله متواضع

يمشي بينهم في الشوارع

يلاطفهم

أبدو رحيما

كان العوق في كل منهم يؤذي صاحبه ويعيقه عن الحركة والكلام، أما هذا الإله افإنه رحيم. زمسالم. زخرج إليهم من البحر ذات يوم فأحسن إليهم، وكان عليهم أن يتخلوا عم كلّ هاجس قديم وجدوه من قبل لقوى تغيب عنهم رؤوا مصائرهم فيها.

لقد انتهى بجهودي القبح ولم تبق إلا حالة واحدة يمكن أن أتفرّغ لها غدا أو اليوم

مع ذلك فقد غاب عن ذهني، أنا الذي قدمت من قرن ما لا أتذكره، والإله حسب نظر هؤلاء السكان الذين أجريت فيهم مشرطي فاصبحوا قطعا من الجمال تتحرك، مع ذلك أقول غابت عن عيني الإله حقيقة جديدة أذهلتني.

يوم عانى السكان من نقص فظيع، نسوا ايّ خلاف بينهم.

خين كانت أنوف بعضهم طويلة، وآذان آخرين، مشوهة، وأيدي نساء ورجال متورمة ومتقيحة، ولا أحد يخلوا من نقص وقتها كانوا أليفين، انشغل كلّ منهم بنقصه الفظيع عن الآخرين.

كان أحدهم يساعد الآخر.

لا يعرفون الخصام أصلا

ولا الشجار

فضلا عن القتل والجرائم.

نعم يقدمون الولاء والقرابين لمن جعلوه إلها ذلك الذي جعلهم مكتملي الخلقة يقدرون على العمل، ويمارسون حياتهم من دون عائق يثقل عليهم حركتهم ويحول بينهم وبين ما يرغبون.

 في الوقت نفسه...

ومع مرور الوقت ظهرت مشكلة أخرى.

يمكن أن أسمّيها أثرا جانبيا للجراحة.

فمثلما تكون للحبوب، والمضادّات نتائج سلبيّة كان للجمال أضا نتائجه السلبيّة التي غاب عن ذهني تصوّرها وأنا منهمك في عملي الجراحي.

الآن أصبح كلّ مافي المدينة جميلا، ومع الجمال ظهرت مشاكل جمّة،

كان الجمال يحفّزهم على ألّا يحتمل أحدهم الآخر في بعض الأحيان.

يكره

يحب

يغضب

ينفعل

أخذ الخوف والشكّ يتسرب إليهم. ، وهناك من ظنّ أنّه الأنقى والأفضل.

ولم أمكم قادرا على أن يصبحوا بدرجة واحدة من الصفاء والعذوبة.

قدرت أن أزيل القبح وأجعلهم طبيعين فوجد كل منهم نفسه الأنقى

وربّما تطاول أحدهم في الخيال فظنّ نفسه على شاكلتي أنا الإله الذي جعلته بصورة تشبهني إلى حدّ بعيد.

ولم يجرؤ أحد منهم على مخاطبتي

لقد أصبحت في حلّ من أي عمل متفرغا للمشاهدة من دون أن أتدخّل أو أشارك في النصح ولم يدعني أيّ منهم لتدخّل في حل أي نزاع خشية من هيبتي فهاهم يعرفون أنّي يمكن أن أعيد بمشرطي من أغضب عليه.

هكذا ظنّوا

وكنت أظنّ أنّي انتهيت من عمل المشرط بعد أن نشرت الجمال في الجزيرة ورحت أفكّر باتجاه آخر يخفف من الآثار السلبيّة لعملي.

كانت هناك بعض حالات شجار ظهرت...

لأسباب تافهة حسب ظنّي.

وقد فوجئت بالحالة الأخيرة التي اقتحمت عليّ المكان بكلّ هدوء.

كانت صامتة هادئة

امرأة بوجه مقرف

مشوّه ذي شفتين متورّمتين

وعينين غاضبتين شيطانيتين

- أين كنت؟

ظلّت صامتة فظننت أنّها خرساء، فتحاشيت الحديث معها، وفضّلت أن أتعجّل بالمشرط، وحالما انتهيت..

استرحت...

أين كانت هذه المرأة وكنت أظنّ قبلها أنّي عالجت الجزيرة كلّها.

فتشت في كل مكان

زرت بيوتها

وتأدت من حدائقها وبيوتها

واسترحت تماما أنّي عملت عملا لايمكن أن يؤثّر فيه إلا الزمن والسنوات ولا تهدمه إلّا الشيخوخة.

رحت أقصد حالات القبح والتشوه أرصدها وأصحبها معي إلى وسط المدينة حيث عيادتي، ولم تخفق أيّة حالة وضعت المشرط فيها، أمّا هذه المرأة فعجيب أمرها:

هي التي قصدتني..

اقتحمت عليّ عيادتي يجللها الصمت:

- سيدتي أين كنت؟

.......

- مااسمك؟

.......

- عمرك؟

...

- هل تعرفين حالات أخرى لم أكتشفها بعد.

.....

اندفعت بأسئللة المتلاحقة أظنّ أنّي أقدر أن أحفزها على النطق أو أثير فيها غريزة الكلام:

أيسكن معك أحد؟

......

- ماذا تعملين.

وعندما يئست بدأت مع المشرط.

أقص

وأضيف

وألحم

ثمّ

راح القماش الأبيض يلتفّ على وجه السيدة التي كانت على ما أظنّ آخر مسخ يتحوّل إلى بني آدم لاغبار عليه.

وخلا فترة الانتظار، وفي لحظة غير متوقعة جاءني كبير القوم، الشخص الذي قدم إلى الساحل لحظة خروجي من وقدّم لي فروض الطاعة باسم الآخرين.

كانوا يرمون طاقات الورد أمام مسكني، ولا يجرؤ أيّ منهم إذا خطوت إلى الخارج أن يتحدّث معي، ينحنون إذا مررت بهم، يبتسمون، ويتباهون أمامي، ويظهرون سعادة مفرطة إذا حضرت احتفالا لهم، وكان كبيرهم قد ألقى عند الباب بعض الورود وحمل بيده مبخرة عبق بها جو الغرفة ثمّ نطق بعد الإنحناء وتقبيل الأرض أمامي:

سيدي لا أحد ينكر فضلك أنت الذي جعلتنا نقبل أشكالنا فنفخر بها بعد أنت كنّا لانطيق أنفسنا

أنت يامن خرجت من الماء

يا من لم يلدك أحد سوى البحر الدائم

حقّق غايتي إذ أنا أول من اختارني هؤلاء الناس حين كانوا بأشكال مقرفة مثلي لنقدّم لك فروض الطاعة.

أنا شبيهك ياسيدي جعلتني بالهيئة مثلك فهل يدوم فضلك علينا لتبقى سلالتي إلى الأبد ظلّا لك تنوب عنك في البلاد!

أنهى الرجل صلاته، فتطلّعت إليه بعينيّ الثاقبتين، وأشرت إليه براحة يدي فكفّ، وتراجع إلى الحلف حتّى توارى.

وبقيت أنتظر أن أرفع اللّفافة عن وجه مريضتي الأخيرة، فدحل عليّ شاب في الثلاثين من عمره، جثا على ركبتيه وأنشد:

أيّها السيد الكبير

تقبّل قرابيننا وشكرنا

لقد تغيّر كلّ شئ أيّها السيد الكبير

كنا قبل أن تحلّ فينا كان يحكمنا شيخ ونحن مشوّهون

والآن أصبحنا نتمتع بالجمال بفضل بركتك

أنا واثق أيّها السيد من أن الجمال وحده هو الذي يحلّ فينا

وأراني أكثر واحد قربا من سيمائك

فهل تختارني لأكون ظلّك

ولك قرباني.

ومثلما فعلت مع الشيخ القديم، أشرت إليه فخرج.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ إذ راح أكثر من رجل وامرأة يدخلون إلى مقرّي الذي عدّوه معبدهم، بعضهم شباب، وهناك كهول، وفي حالات، وقف أمامي مراهقون، كلّ واحد منهم يدّعي أنّه الأقرب إليّ والأكثر شبها بي.

صلاة ودعاء

وادعاء أنّ الأمور تغيّرت كثيرا بعد أن تحوّلوا بفضلي غلى صيغة أخرى.

ولم أكن أتكلّم حفاظا على هيبتي، وجلالي بينهم.

ودخل عليّ ذات يوم مراهق في التاسعة عشر من عمره، شاب وسيم، رأيت فيه الجمال والوسامة ولم أتذكّر كيف كانت صورته يوم أجريت عليه مشرطي، ألقى بكلّ هدوء وثقة حزمة وزهور متباينة الألوانوتراجع بعد أن انحنى:

أيها السيد الكريم لقد تفضّلت وجعلتنبي في أحسن صورة

كنت أكره نفسي

إذ أرى صورتي أرتاب فيها وأرتاع منها

أذني الطويلة أم شفتي القبيحة

أم المرايا والمياة التي نقشت عليها وجهي في يوم ما

والآن!

سيدي لا أطلب شيئا

لا أريد أن أكون ظلّا

أريد فقط إلّا أن أصنع المعجزات بفضلك

أصارع الوحوش

أطير

أخترق الحواجز

اجعلني بفضلك ياسيدي الرجل الخارق

ادرك أنّها أحلام شباب ربما راودتني حين أكون عشت في واقع آخر قبل حلمي هذا الذي لا أستطيع منه فكاكا إلأ بالتناوم والنوم لمَّا يراودنْي بعد، فقد بقي المشرط بين أصابعي وحالما خرج الشاب أدركت أنَّ عليّ أن أعود إلى مريضتي الأخيرة والوحيدة، تقدّمت من السرير ورفعت القماش الأبيض بتؤدة عن وجهها...

 فوجئت...

فوجئت حقّا

بوجه آخر

وجه أصيل غير غريب عنّي

تلك السيدة التي رأيتها من قبل...

السيدة الموثوقة في السفينة.

حقّا

كانت آخر هؤلاء المشوّهين.

في ذلك الوقت بدت منفوشة الشعر في هيئة يرثى لها وصورتها الموثوقة المتعبة الرَّثة لم تخف مسحة الجمال من على وجهها.

ابتسامة واسعة تلوح على محيّاها.

كيف تسرّبت من عمرها وقطعت عليّ الزمن الذي اخترته في علاج مرضاي السابقين إذ بدأتُ من أصغر طفل. ربّما مات بعض كبار السنّ المشوّهين قبل أن يصل إليه المشرط. ح، وهذه السيدة تركت جيلها لتبقى آخر من يلتحق بقائمة الذين يتجرّدون من أشكالهم القبيحة.

واترلو

أم

السفينة...

البحر والجزيرة!

إذن حسب أيّ احتمال يخطر ببالي

كانت الوحيدة القادرة على قطع وثاقها ومغادرة السفينة بسلام.

أنا إذن أقف على مجموعة ألغاز.. أرض لا أعرفها وجذور لا أعيها ولا أحد يحلّ اللغز في حين هناك من يظنني إلها!

- أهذه أنت؟

- أتعجب من ذلك؟

- كلّ شئ محتمل!

- مشكلتك أنّك لا تقرّ أنّك تعيش الواقع تتصوّر نفسك في حلم.

المفاهيم تختلط في ذهني وأتمنّى أن تعود إليّ جميع انفعالاتي كاملة من خوف وغضب وحزن لا بعضا منها:

- ألم تقولي إنّي أعيش الحقيقة بعد أن تسربت من القرن العشرين البعيد عن زمننا عقلي يختلط كيف تسربت من ذلك الغيب الوهم إلى هذا الزمن الماضي البعيد بحرفتي ودخلت واترلو وعمت في البحر حتى وصلت إلى هنا فأصبحت الإله الوحيد.

هزّت كتفيها سخرية، واقتربت منّي:

- كلّ شئ تمّ عن طريق الحلم. لقد قادك هوسك في الجمال المطلق أنّك إذا حلمت بقيت في الحلم وتجرّدت من الزمن الذي تعيشه. فعشت أكثر من واقع، وكلما عشت في عصر وغفوت ثانية حلمت فأصبح حلمك واقعا لن تتخلّص منه إلا بحلم جديد.

قاطعت بتأفف:

- نحو القرن الذي جئت منه؟

بضيق هي أيضا:

- قلت لك من قبل ذلك محال، لن تتحوّل إلى وهم، حين تنام إذا قدرت، ستحلم بعصور ماضية أنت الآن في أجمل عصر، أمّا إذا غامرت فستعود إلى عصر أقلّ رقيا من هذا العصر الذي أنت فيه إله، هؤلاء حولوك إلى إله، وفرضوا له الطاعة المطلقة وليس هناك من ماض يقبلك إلا بصورة أكثر نقصا. ستكون مسخا أتحب ذلك؟

صمت طويل يستهلكني، فجأة أقول:

- لحد الآن لم أعرف اسمك؟

أطلقت ضحكة ناعسة ناعمة فيها رائحة التفاؤل:

أنا حلمك الآخير.

- نعم

- هذه هي الحقيقة !

- لم أفهم.

- كلّ أحلامك تجمعت فيّ فعبرت بك من قرنك إلى واترلو ومزجت بينها وبين الماضي بشكل يصعب عليك الرجوع، وها أنت تصبح إلها، لن تكون وحدك، أنا معك الإلهة.. لست وحدك.

هاجس شكّ يراودني:

- لكن ماذا لوقدرتلو تحديتكِ وغفوت، فحلمت بماض ردئ ؟

فهزت رأسها هزّة صارمة:

- محال لن تقدر(وضحكت ساخرة ضحكات مُرّةً) ليس هناك من إله ينام. !

استهلكني صمت، طويل حتّى خلت أنّي أتحجر.. أصبح صنما، لقد جلبت الخير والجمال إلى هذه الجزيرة الناقصة المشوّهة ولم أقدر أن أمنع عنهم الشرّ الذي عرفوه، كانت تتطلّع فيّ ولعلها قرأت هواجسي، فاقتربت منّي، ووضعت يدها على كتفي، وهي تقول بنغمة عذبة:

- لن تغفو.. ولن تحلم أنا الإلهة حلمك الأخير !

وكنت أضع رأسي على كتفها وأحلم وأنا بكلّ يقظتي وعنفوان هواجسي.

***

د. قصي الشيخ عسكر

عصرُك..دُوت.كُوم!

 عَصرُك هذا

_ يفتحُ عصراً _

يَتفننُ بالتقنياتْ

*

يَشربُ جنس اللاتشفير

يَتحمم بعصير الديسكو

يَبلعُ (موضة) منع البالطو

يلبسُ جينز المعلوماتْ!

*

يَتمدنُ في شارع فاشِنْ

يتمشّى في جولةِ خصر ٍ

ويُطيلُ أظافر مكياج ٍ

ويغازلُ وجهَ الأكشاك

ويُمشِّطُ صالونَ شِفاهٍ

ويُكوفِرُ مُدنَ الشامات!

*

ويُؤنتِرُ بـ(كليبِ) الفيديو

ويُراقِصُ مقهى القنوات!

ويُغنِّي ألبومَ فراغ ٍ .....

كي تأتي في النِت عارية ً

بدبليو..دُوت كُمْ (سُرّاتْ)!

***

أنثى 2100!

عيناك. .تكنو إباحيةْ

وشفاهك ِعالم خمرتنا

بفضاء ٍرحب ٍمجنون ٍ

وبعقل ٍ أرقى حِداثيةْ

*

فالتفاح الأخضر

هنَّأك ِ بالفيس ِالأزهرْ...

وبأنف تويتر أنْظَرْ. ..

وخدود ٍ

شبقات ِ أنستِجراميةْ

وفرادة قدّكِ لاتعملْ

إلا باللمْس ِ بفنيِّةْ!

*

يا أنت ِ ...

يالملْأَى  بدلال ِالدنيا

يا الآتيةُ _ لمَّا يأتي بعد _

بــ(فَلْتَة ِ) ثالث ِ ألفيَّةْ!

لك ِ مالا يمكن أنْ يُنْسَى...

أو يُدعى  بذكاء ٍ  : لَمْسَا

أو يَخْطُرُ بــــ(الآبِــلِ/ سامسونجْ)

يا أنثى ألفين وميةْ!

***

محمدثابت السُّمَيْعي - اليمن

 

طفلة تبكي أباها

أعرفتم ما دهاها؟

أعرفتم ما الذي يذكي أساها؟

سرق الموت أباها

سرق المارد أحلى كلمات

ردّدتها في صباها

أعرفتم ما الذي يدفع طفل

لبكاء أونحيب؟

في زمان أصبح الموت كلغز

في بلاد أصبح الموت كوحش

هدّ أركان علاها

لهف بنت قلبها بالوجد يشوى

ودموع الحزن تدمي جرحها...

النابض من عمق أساها

إنها تبكي ..تعاني

صرخة منها تعالت

ردّد الكون صداها

ردّد الطير نشيجا

عازفا لحن أساها

............

شعر/ تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

جلستُ في منعطف المساءْ

كأنّني بقيّةٌ في العمر من شتاءْ

وفجأة

دثّرني الصمتْ

وخيّمتْ أشباحه

فقال لي:

يا سيّدي

تغيّر الوقتْ

أعرف من أنتْ...!

يا شاعراً...مندهشاً

من قريةٍ تحتضن الجنوبْ

يحلو لك التمر ...وتحمل السلالْ

بالحبّ...والخير...و بالجمال...!

تلمّ من ثرى أبي الخصيبْ

عاطفة ...تنضح بالطيبوبْ

لأنفسٍ غنيّة

يا صاحبي أتسمع الصوتْ...؟

كنتَ كما شئتْ

بالحلم ...بالوهم ...وبالخيالْ

والشوق  في ا لأعماقْ

يحطّ ...لا يطيرْ

كنتَ كما شئتْ

تمضي على درب الهوى

مع النجوم

تجنّح الكلامْ

تلعن في ضميرك الهمومْ

وتكتب القصيدة

وتزرع الدنيا رؤى جديدة

لكنّه

يا سيّدي

ما عدتَ كما كنتْ

تغيّر الوقتْ

طوّقك الليل ..وضاعت الدروبْ

وحلّ في العمر الرحيلْ...!

قلتُ له :مهلا

سأغوص في بئر الوصولْ

وأشرب الماء الزلالْ

ألمّ  زهر الشوق والجمالْ

وألعن الظلامْ

دنوتُ منه شاكرا

على  حديثه ... وكان في  وجهي عتاب

وقبل أن يغادر البيتْ

دثّرني وقالْ:

لا تبتئس يا شاعر الربيع

لو بغتة

قد جاءك الموت...!

***

شعر: حامد عبد الصمد البصري

 

من أقاصي غربتي

أُخبركم

أنْ لا طعمَ للرَّغيفِ

ولا للهواءِ

أُقايضُ

كلّ سنةٍ

بفجرِ مدينتي

ويحملني الوقتُ

لأحزنَ

ويرميني الشَّوقُ

خوفاً

ويعتريني البردُ

لأحتفي يوماً بدفئكم

أعاندُ الموتَ

لأعيشَ بينكم

وأغرسُ في ذاكَ الشَّفقِ

المنسدلِ

على جبينِ مدينتي

جرحاً لا يندملُ

يسافرُ بهِ المدى

بمهارةٍ عبرَ السّنواتِ

العنيدةِ

الحالمةِ بوجوهكم

على مفترقِ البكاءِ

رسائلي تلوَّنتْ

بكلِّ ألوانِ الشَّوقِ

المرصَّعِ بضَحِكاتكم

أنظرُ للمدى

بعينينِ غائرتينِ

تلهثانِ خلفَ المسافاتِ

لتُعطِّرَا الوقتَ

بهيلِ نجواكم

كم يُبعثرني صوتُ الرحيلِ

ونعيقُ غرابِ الهجرةِ

ألَمْ يقلْ لكم الهواءُ

وشايةَ عشقي

للجبالِ الراسياتِ

على حدودِ قلبي ؟

ألمْ تهمسْ لكم الريحُ

هباءَ روحي ؟

أنا الشَّريدُ

على أرصفةِ الرَّجاءِ

أودعتُ

رسائلي للموجِ

ليُردِّدَ الماءُ

بعضَ أسراري

ويحكي عن خصوبةِ عودتي

إلى اخضرارِ بلادي

أرسلُ لكم

مع كلّ سحابةٍ مسافرةٍ

همهمَةَ بوحي

وقبلةَ النَّدى

لترابكم الأسمرِ

ستُخبركم الوسائدُ

عن أنينِ روحي

عن حلميَ المكفَّنِ

بثلجٍ  بليدٍ

عن مرايا السَّماءِ

حينَ تعكسُ

وجهيَ المُكفهرَّ

أسمعُ شهقةَ أرواحكم

مع كلِّ أنينٍ

مع كلِّ دعاءٍ

يدقُّ أبوابَ السَّماءِ

تَبعثَر

مع أبخرةِ السُّفنِ

يصرخُ لنا بأعلى الألمِ …

عودوا

عودوا

فالأرضُ

من بعدكم عاقرٌ ..

والرَّبيعُ سَراب

***

سلام البهية السماوي

 

السمكة، لا تغرق في الماء

لكني أغرق في الصمت

وفي الحب

تطوف بذهني أفكار

تتراكض كالغيلان

بين حقول الصمت القابع

عند ضفاف الماء ..

**

جاءت، ذات صباح تشكو

إن كنت، تركت خيامي

وهجرت منامي

وتناسيت هيامي ..

كي تنقذني من هم الوحدة

حيث الصمت خفيرا

وصفير الريح نذيرا ..

يترك للهمس علامات من نار..

**

هذا السر القابع في جوف المحار..

يصرخ بي،

أن أختار، بين هواء البحر وبين الماء..

حيث الأقدار تنادي،

أن أغرق في اللآمعنى

وأن أبحر في اللآمعنى..

وكل بقاء لا يعني في الحب له معنى

يدفع قافيتي نحو الإبحار..

**

قالت،

سأعوف مياه البحر

وأرجع صوبك

لكني سأموت،

فلماذا لا تأتي أنت إلى جوف القعر ؟

**

أعرف من أنت

كما لو كنت ماهرة في العوم

وأنا أعرف نفسي أبحر في بحر الكلمات..

وأرمق معنى النظرات..

لكني أراني

لا أبصر شيئاً غير الشهقات..!!

***

د. جودت صالح

24/05/2024

اسف غاليتي .. غالية.. لن اتمكن من زيارتك، ليس لأنني لا اريد تلبية دعوتك، فانت تعرفين ان قدمي حفيتا من كثرة ما داستا على دروبك الصعبة، الموصلة إلى مغارتك السحرية. انني الان اتذكر تلك المشاوير التي امضيتها وانا اسعى الى مغارتك لاطمئن على انك ما زلت هناك. كنت حينها ارى الضوء الخافت ينبعث منها حاملًا الف سر وسر، فيطمئن قلبي وأعود من حيث اتيت راضيًا مرضيًا بنعمة الاياب. ايام، شهور وسنين وانا اسلك تلك الدرب، كانت تلك فترة كافية لان اعرف كل زاوية وركن واكاد اقول ذرة تراب هناك.

لا انكر انني منذ وقعت عيناي على قدك المليان الملظلظ، وعلى قبعتك الواسعة سعة الغابة المحيطة بمغارتك، وانا اشعر بانجذاب رهيب نحوك. كان ذاك شعور من الصعب عليّ استعادته الآن وقد مرت عليه سنوات وسنوات تسببت في تحول كل شيء، ودفعت جحافل الشيب لأن تغزو رأسينا. كما دفعت الزمن الى ان يوهن اقدامنا فتخف حركتنا وتثقل مشيتنا. انني الآن وانا استذكر تلك البدايات الاولى لجنوني بك وجريي وراءك، من زاوية إلى زاوية ومن ركن من اركان مدينتنا إلى آخر، اتذكر البداية البيضاء الناصعة بيننا. يومها لم اكن ارى. وربما لم اشأ ان ارى، لثقة وطول نفسي فُطرت عليهما. ما زلت اتذكر حين ارسلت نظري في ارجاء مدينتي ممرّرًا اياه عبر الازقة والحارات.. الشوارع.. القناطر . الأدراج والازقة، لأراك هناك واقفة وقفة طائرٍ خرافي خرج من الف ليلة وليلة ليحط في ذلك الركن من قلب مدينتي. يومها اقتربت منك، دنوت حد الملامسة.. ارسلت نظرة متعمقة في عينيك، فما كان منك إلا أن غضضت الطرف وارسلت موجةً من الحياء العربي المتوارث. يومها شعرت انك تقبلتني وان رسالتي الغرامية الاولى وصلت اليك. وما زلت اتذكر كيف ان كلًا منا، انت وانا، امسك بيد الآخر دون ان يمسكها، وانطلقنا في بلدتنا القديمة كأنما نحن نريد ان نطمئن على كل ما ضمته من حنان وحنو لنا ولكل ما هو جميل فيها.

ذلك اللقاء تكرر مرة ومرة اخرى اضافية، وقد بقي الامر بيننا يسير على ذلك النحو إلى أن تأكدت من أن أحدنا سيكون للآخر، فكان لا بد من ان اخبرك بجلية مشاعري نحوك، "انني أفكر فيك ليل نهار". قلت لك فرددت، "لكنني لا افكر. انني اعتبرك اخا وصديقا لا اكثر". "لماذا لا تفكرين بي؟"، عدت اسالك، فما كان منك إلا أن اقترحت ان نؤجل الحديث. لقد تركت يومها بابَ الامل مواربًا، كي يدخل الهواء النقي او شيء منه إلى رئتي المتيمتين بك.. القصيتين عنك. . وتواصلت لقاءاتُنا إلى أن عرف كل منا الآخر كل المعرفة. أنت عرفت عني انني من قرية مهجرة واحلم بالعودة اليها برفقة ست الحسن والدلال، وانا عرفت انك سر عميق بعيد الغور ويحتاج إلى ساحر من عالم اخر ليسبر اغواره ويعرف اسراره.

مضى حالي معك على هذا النحو إلى أن جئتني ذات ظهيرة تسألينني ما إذا كنت اعرف سبع البُرمبا. يومها ومض في خاطري انه من اولئك الناس المليئين جسمًا الفارغين عقلًا، إلا انني تجاهلت ما ومض..، وانطلقت وراءك حالمًا بان تكتشفي مدى معزتي لك.. ذات يوم.. فتدركين انه لا يوجد في غابتنا رجل يستأهلك مثلما استأهلك.. وانني انا الاكثر جدارة بك. قلت لي يومها ما رأيك ان نزوره في بيته. اريده ان يحضر إلى مغارتي، أريده ان يتجول في انحائها لتراه كل جميلات البلدة وليأتين بعدها واحدة تلو الاخرى ليرين جماله اليوسفي، ولتبدأ حفلتنا الابدية. استجبت لك يومها وسرت وراءك كما يسير الخروف الغض الطري إلى مسلخه ليلقى هناك حتفه.. بسكين حمله اياه ذابحه العزيز. عندما دخلنا بيت ذلك اللي ما يتسمى، تركتني ونسيت انني رافقتك إلى هناك، واندمجت مع صاحب البيت في حديث شخصي. يومها ابتعدت عنكما في محاولة مني لإتاحة الوقت لك لأن تفرحي وتسري بتنفيذ مأربك. وعندما انتهت تلك الزيارة.. عدنا معا نذرع شوارع مدينتنا وغابتها الكثيفة متشابكة الاشجار. يومها عدتِ لإشعاري بقربك مني. مجددًا.. فانتشيت.

بعد ايام دعوتني إلى سهرة خاصة، فما كان مني ألا ان لبيت دعوتك تلك وهل تعتقدين ان عاشقًا مغرمًا يمكن ان يتردّد في تلبية دعوة من اختارها قلبه ومن رأى الشمس في كفها؟. شققت يومها قلب الليل عابرًا من ظلام إلى ظلام حتى وصلت الى مغارتك. دخلتها محنيًا راسي احترامًا ومحبة.. حلمًا واملًا. لأراك هناك تفترشين سجادك العربي متكئة على طنافسك المتوارثة جيلًا بعد جيل.. ورأيت إلى جانبك زق النبيذ وكاسه. كان كل شيء يرسل نظرته الداعية نحوي، وعندما رأيتك ترسلين نظراتك إلى باب مغارتك الرئيسي اعتقدت انك خائفة من طارق طارئ غريب... وما ان اقتربت منك لأطمئنك حتى كانت المفاجأة الرهيبة بانتظاري. توقفت في مكاني متجمدًا. رايته هو سبع البرمبا يدخل إلى مغارتك بخطى ثابتة ويتخذ مجلسه جنبًا إلى جنب على سجادتك وبين طنافسك. لم أكن أنا المدعو اذن.. يا ويلي ماذا حلّ بي، وفي اي منزلق ابديّ انزلقت. الموقف كان صعبًا لذا حاولت ان اتماسك وأن أجمد استمرارًا لمحاولاتي السابقة وغرس بذور الامل في نفسينا. اتخذت مجلسي قريبًا منكما. يومها طلبت مني ان اسكب لكما النبيذ في كاسيكما ففعلت ارضاء لك وثقة بنفسي، ولم اسكب النبيذ لي لأنه لم يكن هناك سوى كأسين. عندها ادركت جانبًا مما يحدث، ولم افهمه كاملًا إلا عندما رفعت كاسك طالبة منه.. من ذلك الذي عرّفتك عليه.. بطلب منك، ونظرت نحوي متجاهلة اياي، وكأنما انا لم اكن موجودًا. يومها تجمّدت مكاني. كما كان يحدث في احلامي ايام كنت صغيرًا، فأحاول الهرب من رتل السيارات.. إلا انني اتجمد في مكاني.. فأفيق من كابوسي خائفًا وجلًا. بقيت متجمدًا في مكاني إلى أن رأيتك تدنين فمك من فمه.. عندها كان لا بد من ان اغمض عيني.. وانهار.

بعدها لا اعرف ماذا حدث.. وافقت على يدك تلامس وجهي. وسمعتُك تطلبين مني أن استفيق.. فأفقت. افقت لادرك أنني كنت في واد وأنك انت في واد آخر بعيد جدًا عنه. يومها لم اعرف ما إذا كان ما حدث حقيقة ام كابوسًا. وعدنا نمضي معًا.. لاكتشف انني انما كنت في تلك الليلة المشؤومة طُعمًا لقصة ستسجل نهايتي.

بعدها مثلما ينتهي كل لقاء غير متكافئ في بلدتنا الجاحدة هذه، انتهى لقاؤك به واقفلت حفلتك الابدية ابوابها على انفجار مدوّ، فعدت بحنكة ساحرة مدربة محنكة.. الى لعبتك القديمة.. وكأنما شيئًا لم يحدث.. إلا انني كنت قد كبرت وتغيرت.. وها انت ذي بعد العشرات من السنين توجهين إلي دعوتك الاخيرة هذه. لا يا غاليتي.. الغالية.. أنا لن اعود إليك، فمن ذبحوا قلبه الصادق الامين في مكان ما لا يعود اليه.. مثلما تفعل المجرمة القاتلة.

***

قصة: ناجي ظاهر

بهدوء الغريب

على المقعد المقابل

في القطار الذي أستقلِّهُ عادة

جلس أمامي

يتأمل عبر النافذة

ويحاول استعادة شيء من شريط المشهد السريع

غفوته وشت بالكثير الذي حفر في وجهه عميقاً

المفتشةُ التي صبرت عليه

وطلبت تذكرتهُ أكثر من مرة

انتبهَ إليها أخيراً

أحسبُها أعطتهُ فسحةً للحلم

الناس يحبون النوافذ

النوافذ تفضي الى الخلاص

الخلاص جدلٌ مختلفٌ عليه

الاختلاف يقودهُ إلى نفسه

نفسهُ تحتكمُ إلى القصيدة

القصيدة خلاص الغريب الجالس أمامي

وصلَ، وصلتُ، وصلنا

لم ننزل

بقينا جميعاً في هذه القصيدة

***

فارس مطر / برلين

لك كلُّ اغنيةٍ وشدو طيورِ

وغناءُ فلاحٍ  ورقصُ خريرِ

*

وصباحُ عشاقٍ تناهى حسنُهم

طلعوا على الدنيا بثوبِ حريرِ

*

جادوا على الدنيا الجمالَ واغدقوا

من جودِ أيديهم قدورَ عطورِ

*

طيرٌ تغنَّى في الرياضِ وما درى

العمرُ في عجلٍ وفي تدويرِ

*

انظرْ إلى سربِ الطيورِ تزاحمتْ

فوق الربى، قبلَ اندلاقِ النورِ

ومضيتُ ابحثُ في ترابِ قصيدتي

فعثرتُ حتَّى قد عدلتُ مسيري

***

فرفعتُ حرفَ رويِّها  وعدلتُ عن

كسرٍ تداعى دونَهُ التعبيرُ

*

انظرْ إلى هذه الفياقي يلفُّها

وجعٌ تناهى دونَهُ التصويرُ

*

ايام لا يرجى فراقُ ربيعِها

للآن ينتظر الرجوع بشير

*

أحببتُ حتى كنتُ من شغفي بها

انِّي إلى تلك الديارِ اطيرُ

*

عاهدتُ احبابي أزورُ ديارَهمْ

ليعودَ عهدٌ آفلٌ ويدورُ

*

يا خلُ قلبي بعد هجرِك نازفٌ

هل من لقاء يعتليه سرورُ؟

*

بالأمسِ كان الحبُ اسمى غايتي

واليوم روي  للقصيدِ حسيرُ

*

يبستْ شغافُ القلبِ بعد محبةٍ

ورجعتُ نحو رويّها المكسورِ

*

ورسمتُ نافذةً وطيرًا ساجعًا

وأميرةً تخطو بيومِ مطيرِ

*

لكنَّ وجهَكِ لم يغادرْ عالمِي

فرجعتُ ضمآنًا لماءِ غديري

*

وبكيتُ حلمًا ضائعًا وغدًا تلاـ

شى مثلَ سربٍ عابرٍ لطيورِ

*

وجدي على عمرٍ تقضَّى دونَ أيـ

ي غنيمةٍ، أو فرصةٍ لعبورِ

*

لكنَّني مذّْ أن ولدتُ بكافرٍ

في كلِّ عاصفةٍ تصيبُ شعوري

*

ساقومُ منتصابًا ورأسي شامخٌ

وعليَّ ثوبُ مهابةٍ وحبورِ

***

د. جاسم الخالدي

ثمة رابطة للشعراء الطيبين

الحالمين بضوء القمر المكتمل

والناعسين تحت أهذاب نجمة غجرية

يحسبهم الناس

من الصعاليك والمهرجين

ومن طينة البشر الضالين

ويحلمون بالعودة الى "يوتيوبيا المجانين"

*

شاعر مراهق كبير في السن

مصاب بالكآبة

تعب من الركض

وراء  ومضات الالهام الهاربة

يقود حربا ضد تجاعيد الزمن

ويؤكد لمريديه

انه ليس مسؤولا عن تصرفاته الصبيانية

حين يحضر توقيع دواوين

شعراء "السوشيو ميديا"

فهو يؤمن بالتداوي بالشعر

ويقدس الشجرة المصابة

بداء بول الكلب الذي ينخر جدعها

*

الشعراء ايضا غاوون

يحسدهم الناس

ويقولون انهم  كالارانب يتناسلون

وقصائدهم تبور تلقائيا

ومع ذلك لا يستسلمون

*

قيل  يوما لشاعر أعمى:

لا احد يعرف

لماذا تخشى الغربان

ضوء القمر

وترقص البومات

في الظلام الدامس

فأجاب:

كل شيء يمكن ان ينقلب رأسا على عقب

فاذا كانت زوجة الواعض

وخليلة رجل الدين

لا يفرقان بين الحلال والحرام

وبين الجهاد والارهاب

فما بالك بحكام العرب وشعرائهم؟

*

ويقف الشاعر على المنصة ويقول:

لم يبق للشعر الا الانتحار

لا صوت لا ايقاع لا قضية

باع كل أمتعته في مزاد علني

ثم انطلق في رحلة بلا عودة

***

بن يونس ماجن

 

يتفاخرُ أبداً

بقبيلتهِ

بماضيه الغابر

وبجريمتهِ

بما فعلَ بالأمسِ

بأخيهِ

وما يفعلُ اليومَ

ذبحاً بضحاياه

لم يعرْ أبداً

أذناً صاغيةً

لكلامٍ منطوقٍ بلسانٍ

همساً

أو ينصتُ

لأصواتٍ خافتةٍ

خائفةٍ  خرساء

أو يرتعبُ

لصراخٍ وصخبٍ هائجٍ

يصمُ الآذانَ

*

لكنَّ غِرْباناً

ليست سوداء

كأخيها الغراب الأول*

الذي شهدَ قديماً

جريمةَ قايين الأولى

أرسلت على عجلٍ

فرأتْ في ديجورِ الظلمةِ

بعدساتٍ ضوئيةٍ

فضائع قايين بغزة

*

شَهدتْ.. رَأتْ.. إلتقطتْ صوراً:

لكلِ ما تساقطَ من فوقٍ

لم يكنْ ما ينزل ُ من السماءُ

مَنَّاً أو سَلوى

بل كانتْ

أحزمةً ناريةً

وقنابلَ فسفوريةً

*

لا عجباً أن نقرأ

في القصصِ الغابرةِ عن:

إخوةِ يوسف

كانوا من قبل دهاة

بزوا أساطين كذبة اليوم

وخداع وسائل الإعلام

قالو فكذبوا

وكذبوا وقالوا

وصدق الذئبُ القولَ

ولم يتكلمْ

**

يتضورُ المسكين جوعاً

حتى الموت

ولكن يأنفُ ان يأكلَ

لحمَ أخيه

**

أضلونا كذباً

وقالوا شريعة غاب

نسبوها لحيوانٍ أبكم

ذي مخلبٍ ونابٍ

وتناسوا موتاً

يتفشى بين الناسِ

زؤاماً  أسود

**

إنتزعَ الصيادُ

نابين عاجيين

لفيلٍ مسكينٍ ميتٍ

في غابة حيوانٍ

فمن يجرأ اليوم أن ينتزعَ

في شريعة غاب بشرية

أنيابَ قايين الذرية

التي لا تبقي ولا تذر

على الأرض الخربة

بشراً ..  شجراً.. أو حجراً

**

العالمُ يرتجفُ اليوم

أن يُقدِم قايين الجديد

في سورة غضب آخرى

فيقتل حواء

حتى لا تلد الأم

أخاً أصغر.

***

صالح البياتي

.........................

* في عالم المايا يتحرك الواقع ببطء على سطح سراب ..

 

من شعر الومضة

1- حقيبة السفر

على الرغم من أنها فارغة

فما تزال تطاردني

ليتني أستطيع أن أقتلع من أعماقها

ذلك الصمت الهائل

الصمت الذي الذي يلاحقني أبدا.

**

2 - جمود

حاولت أن أتحدّث دون أن أحرّك يدي

أو

أمشي من غير أن تهتزّ يداي

لكن

راودني شعورٌ

أنّي أصبحت تمثالا سواء تحدّثت أو مشيت من دون يدين

**

3 - معتوه

في المقبرة

معتوه يعدّ القبور كلّ يوم

من الصباح إلى المساء يعدّ

يسأله الناس بخبث:

كم بلغ العدد؟

يجيب: متى تكفّ الأرض عن ابتلاع أبنائها!

***

قصي الشيخ عسكر

جـاء الـصباح وأنـت شمس صباحي

شــهــد الــزهــور حــــلاوة الـتـفـاحِ

*

وإذا سـجـى لـيـلي سـريتِ لـنابضي

فــإلـى فـــؤادكِ جـيـئـتي ورواحــي

*

وبـذلت عـقلي بـل جـميع مـشاعري

حــتــى غــــدوتُ كـمُـسـكَرٍ بــالـراحِ

*

لــولا الـهـوى مـا كـان مـني خـافقي

خـــطّ الـقـصـيدَ؛ فـرنِّـمت أفـراحـي

*

آهٍ مــن الـعشق الـذي يـَسقي الـفتى

خــمـر الـهـنـا فـــي ثـــورة الأتـــراحِ

*

قـــد كـــان لـيـلـي قـبـلـها مـتـجـهّماً

حــتـى أتــت فـضـياؤها مـصـباحي

*

نقش الهوى قصص المُنى بملامحي

نــقــش الــنـبـيّ بـصـفـحة الألـــواحِ

*

غَـمَـزت فـقـلبي مـثـل طـبلٍ صـادحٍ

فــيَــدي عـلـيـهِ خـشـيـةَ الإفــصـاحِ

*

وتـــردّدت قَــدَمـي تــروح فـابـتدي

شـــرحَ الـشـّعـور فـنـبضهُ فـضّـاحي

*

إلــزم مـكـانك قــال عـقـلي سـيـدي

إن الــهـوى يـــا صـاحـبـي ذبّــاحـي

*

فـحـبست عـقـلي والـتـبصُّرَ حـيـنها

ومـضـيت أعـشق والـبيانُ سـلاحي

*

آمـنـتُ بـالـحبّ الــذي فــي خـافقي

إيــمــانَ شــيــخٍ مــوقــنٍ بـصـِحـاحِ

*

فــأنــا الـمـتـيّـمُ والـمـشـاعـرُ أبــحُـرٌ

تــجـري بــهـا فُـلـكـي بــدونِ ريــاحِ

*

فـبـحـسبها عـشـقي ونــار تـوهـجي

لــتـسـيـر يــُـســرا دونــمــا إلــحــاحِ

*

فـالـحـبّ مــثـلُ الــيـمّ لا تـُبـحرْ بــهِ

مـــا لـــم تُـجِـدها حـرفـةَ الـمـلّاحِ؟!

*

كـــم عــاشـق غــدرت بــه أمـواجـه

لــــمّـــا تــــوهّـــم أنّـــــــهُ بـِــمـَــراحِ

***

صلاح بن راشد الغريبي

 

وعَنْ بغدادَ يا وَطني سُؤالي

لماذا شَفّها داءُ الهُزالِ؟!!

*

فكمْ سَمَقَتْ على وَجَعٍ وكَيْدٍ

وأوْصَلتِ الحواضرَ بالعَوالي

*

مُدوّرة مُخلّدة وتَبقى

مُحَصّنةً بمانِعَةِ الزوالِ

*

ومِنْ أزلٍ إلى أبَدٍ خُطاها

تُنوِّرنا بآياتِ النِضالِ

*

هيَ الدنيا إذا خَلعَتْ إهابا

تُسوّرُها ضَياغمُ  مِنْ رجالِ

*

بجَعْفَرها كما انْطلقتْ تواصَتْ

بمُبْتدءٍ لحاديةِ الوصالِ

*

وهارونُ الذي أعلى رُباها

موهَجّةً بأرْجاءِ المُحال

*

تدورُ بنا وما تَعِبَتْ لهِمٍّ

وإمْعانٍ بجائرةِ الصَوالِ

*

بها بغدادُ رمزٌ مُسْتَقيدٌ

لأجْيالٍ مُحَمّلةِ الرِسالِ

*

وفيها روحُ أفذاذٍ أجادوا

بإبْداعٍ لفائقةِ المَنالِ

*

لها النُهْرانِ مِنْ وَلهٍ سُعاها

إلى خَفَقٍ بأعْماقِ احْتفالِ

*

ونَخلٌ في مَرابِعِها تَباهى

يُخاطِبُ روحَها بهوى الشِمالُ

*

شواهِدُ رحلةٍ بَلغتْ مُناها

بأيْامٍ مِنَ الزمَنِ المِثالِ

*

بها المأمْونُ نوّارُ افْتِكارٍ

وعالِمُها المُزَهى بالخَيالِ

*

أرادوها مُكمِّلةً لعَرْشٍ

وكُرْسيٍّ بآفاقِ ابْتِهالِ

*

فعاشَتْ عُرْسَ دُنياها ودامَتْ

مُتوَّجَةً برائعةِ الخِصالِ

*

فما وَهَنَتْ وإنْ جاسوا حِماها

تُدَحْرِجُهُمْ على سُفُحِ النِكالِ

*

فهلْ سألوا أعاديها وقوماً

أعانوا كلَّ مُرْتَزَقٍ مُغالي

*

وخائِنُها بلا نَظرٍ لحَقٍ

فحَيْفُ وجودِهِ شرعُ النوالِ

*

كأنفالٍ أرادوها لبَعضٍ

كأنَّ ترابَها وطنُ الخِشالِ

*

وفَتواهمْ تُدنّسها ونَفسٌ

تؤمِّرُهمْ بأشرارِ الفِعالِ

*

تُعاجِلُها النواكِبُ والرَزايا

وتَنهرها بأسْلحةِ اعْتِضالِ

*

عَزائمُها بها الأبناءُ أجّتْ

مُسَعَّرةً بأرْوقةِ الهوالِ

*

ألا صَدَحَتْ مَفاتنُها بدُنيا

وأرْشَدَتِ الحَواضرَ للبَسالِ

*

تَبغدَدتِ الخَلائقُ من رؤاها

وصارَ البغدُ عُنوانَ الكمالِ

*

بها الأنوارُ ساطعةٌ بفكرٍ

وألبابٍ بعاقلةِ الجِدالِ

*

روائعُ وَصفها أضْنَتْ يَراعا

وأعْجزتِ القوافيَ بالسجالِ

*

تُسائلني قوادِمُها لماذا

توهَّمَتِ الخوافيُ بالكَفالِ

*

ومِنْ ألقٍ بأزمانٍ أضاءَتْ

توافدَتِ البَدائعُ باخْتيالِ

*

أسودُ الغابِ قلعَتُها ببُغدٍ

وأنَّ عَرينها فوقَ الجبالِ

*

مَدينةُ عِزّةٍ بَهَرتْ بضادٍ

وعِلمٍ مِنْ أصيْلاتِ الفِعالِ

*

هيَ الشعرُ الذي فيه انْطلقنا

يُعلّمُنا مَراسيمَ انْهِلالِ

*

بقلبِ الأرْضِ نابضةٌ رؤاها

مُشعْشعَة بأرْوقةِ انتقالِ

*

قِوى زمنٍ مُؤزّرةٍ بغُنمٍ

تُباغِتها بغَزْواتِ احْتيالِ

*

فما رَضَخَتْ لعاديةٍ وأخرى

وكمْ  شمَختْ مُؤزّرةَ الرجالِ

*

تمرُ بها الحوادثُ دونَ جَدوى

فتُطعِمُها العَظائمِ بالقتالِ

*

توَهّجَ قلبُها والروحُ تَرقى

لعاليةٍ بأرْوقةِ انْثيالِ

*

سَتَحيا بُغدُنا شمساً بكَوْنٍ

وإشراقاً بداجيَةِ الليالي

*

خطوبُ مَسيرةٍ جَزعَتْ مُناها

بقاضيةٍ بمَمْنوعِ الحِصالِ

*

سَلوا عَرباً وأقواماً توالتْ

عَنِ البُغدِ السنا أمّ الأُصالِ

*

تولتْها توابعُ مُبْتلاها

مُغفلةٌ مِنَ الرُعَعِ الجُهالِ

*

ألا تبتْ يدا زمَنٍ خَنوعٍ

تُسَرْبلهُ الأسافلُ بالخَذالِ

*

تُبغددنا برائعةِ انْطلاقٍ

وتُبْهرُنا بواعيةِ الهلالِ

*

لها الدنيا إذا صدقتْ وبانتْ

بما حفلتْ بمملكةِ الجمالِ

*

تَصالِحُها معَ التأريخِ نَصرٌ

وإبْعادٌ لحاديةِ الضَلالِ

*

هي البغدادُ جَعْفرها أميرٌ

مُكرّمَةٌ بأنوارِ المَآلِ

***

د. صادق السامرائي

 

1- همسة

الإنسانْ

نهر النور

يحمل أكثر من عنوانْ

يجعل في راحته وطناً

ويضمّ الراحة في قلب مكسورْ

ويدور ..يدورْ

يبحث عن خبزٍ

عن سمك الروحِ....وعن حظٍّ

أحرقه التنورْ

**

2- ضجيج

في كلّ مكانْ

بين جبال الأفياءْ

بين البرّ... وبين الماءْ

الأنسانْ

من ثرثرة الصمتْ

يتعلم أشياءً....أشياءْ

تصلح نبضا للشعرِ

وقلباً للموتْ...!

**

3-انفعال

تشاكستْ

في داخلي الألوانْ

فانفجرتْ قصيدتي

واستشهد العنوانْ....!

**

4- محاولة

حالات الفوضى

سترتّب أيامي ...!

**

5- تشبث

في أطراف الأحياءْ

يتشبث بعض الموتى ...!

**

6- ضوء

لفّ الليل..

جميع المخلوقاتْ

أسدل كلّ ستائره

لكنّ الشاعر

أوقد في حجرته

روحاً لتضيء

حروف الكلمات...!

***

حامد عبد الصمد البصري

 

العشقُ والرغباتُ: زليخةْ

الأفعى والشَهَواتُ: زليخةْ

القمصانُ المقدودةُ من قُبِلٍ

ومن دُبرٍ: زليخةْ

النزواتُ والجَمَراتُ: زليخةْ

التفّاحُ ونسوةُ المدينةِ: زليخةْ

ويوسفٌ كانَ: الضحيّةُ

وهوَ: البريءُ، الطاهرُ، الجميلُ

وكاتمُ الأَسرارِ

وصاحبُ الرؤيةِ والرؤيا:

{ إذْ قالَ يوسفُ لأبيهِ

ياأبتِ إنّي رأيتُ

أَحدَ عشر كوكباً

والشمسَ والقمرَ

لي ساجدين }

وقدْ صدقتِ الرؤيا

وظهرَ الحقُّ

وأَشرقتِ الحقيقةُ

فطاحتْ عروشٌ

وإنبقرتْ كروشٌ

وتساقطتْ أَقنعةٌ

وتكسَّرتْ توابيتٌ

و كَنَسَ الطوفانُ

كلَّ النعوشِ والقبورِ

ولمْ تبقَ سوى ذكرى يوسفَ

وسورتِهِ وسيرتِه وأسرارهِ

في الكتبِ السماويةِ

والكتبِ الأرضيةِ

وحكاياتِ الأوّلينْ

وأوهامِ الآخرينْ

منذُ زليخةِ الأُولى

حتى زليخاتِ الزمانِ الفظِّ

وصبايا الغوايةِ والمُتعةِ

ولمْ يبقَ سوى يوسفَ

الصدّيقِ والزاهدِ والأمينْ

إلى أَبدِ الآبدينْ

آمينْ آميـنْ...

***

سعد جاسم

أوتاوا في 5 - 5 - 2024

 

‏سأكون لك مدى الحياة

‏ولكن

‏ليس قبلَ أن أجوبَ الأزقة المتعرجة

‏في روحي

‏فأنا أسيرُ بين الرياح كلَّ مساء أنقّب عن النور

أرتدي لغتي القوية درءا من العواصف

‏ألبسُ ثلاثة عشر حجاب

‏وبالكادِ أحجبُ فُؤادي

هل تحبّ مثلي الغابة الظليلة؟

أنت تعيش مثل الذئب في الغابات

‏أنا مُولعة بالكتابة، وأناملي محبرة بالقصص العتيقة، وقريبًا جدًا سأهديها للمكتبة الوطنية

‏لا أعرفُ كم أحتاجُ من الزمان لتعبيد طريقي، فكلما زادت خطاي تشعبت السبل التي يجرّني إليها شغفي بالفضول!

‏في الحكايا الأولى، لا أبحث عن الصخب

أتخيل مكانًا تكون الأرواح في سلام

حيث العمق الأزرق يغمر كل شيء،

والنجوم مراكبه الحالمة

‏وأخيرًا، أنا مدينة لحكمتي بكل أسرار الوجود

‏لأنها تهبني الاستقلال

‏فأنا أقتني من كلّ شيء نسخة واحدة فحسب:

‏قلمٌ واحد

‏ساعة يد واحدة

‏كرسي مفرد

‏كوب بلا زوج

‏وسريرٌ يتسع لظلي فقط:

‏هي أنا

‏لذلك سأرتضيك مدى الحياة

‏لكن ليس قبل أن

‏أملأ الفراغَ الأخير

‏في روحي

‏وأقرؤك.

***

ريما آل كلزلي

 

ذاتها الخدعة

من تغوي

فتتهاوى الأجساد

لبهرجة

منحتها ألوانا قانية

قتامة

تبحث عن رماد

لتذروه الرياح

غير آبهة

فثمة عيون لأجساد متهاوية

هي مستقره

*

بين هرولة

وهرولة

ثمّة أنفاس

لخطوة لاهثة

تتقاذفها الجهات

تارة نحو الشمال

وأخرى صوب الجنوب

لا يملأ فاهها البهلواني

إلّا ذرات تراب

لهرولة مزقّتها

الاتجاهات

*

أنّى لها الهداية

أقدام

آثرتها هرولة

تتقاذفها الجهات

لتهوى

وقد أنهكتها رحلة أنفاس

أضلَّت بوصلة

تزدان طهارة

***

ابتسام الحاج زكي/ العراق

كل من تعود أن يقطع الزنقة الهامشية الواقعة بين زنقة وادي الصوافين وبين الثانوية الأصيلة في عقيبة الفئرات بفاس لا يمكن ان تغيب عنه طفلة صغيرة تفترش ورقا مقوى وتعرض كل ما تلاشى مما استغنى عنه أصحابه من أواني منزلية وزجاجات فارغة، براغي ومساميروحبابات كهربائية تعطلت عن العمل..

كانت الصغيرة لا تحرص على ما تعرضه على المارة فهي لاتطمع في دخل كبير فتركيزها كان منصبا على كل ما تقرأه من دفاتر ممزقة،وكتب متلاشية، بل وحتى لفات أوراق مما لعب به الصغار ككرات ورقية في الزنقة قبل ان ينصرفوا ويتركوها لمنظفي الممر من البلدية والذين قد لا يمرون بالممر ويتجاوزونه الى الطريق الرئيسية للثانوية..

كانت الطفلة لا تطلب ثمنا او تحدد قيمة فكل ما أعجبك فهو لك مقابل أي شيء تتركه ولو كان درهما واحدا..

كثيرا ما شغلتني بمتابعة: قمحية اللون،نحيفة،عيونها لامعة بوميض،نبضات من ذكاء،وتقاطيع محياها جمال يترقب لحظة بلوغ ليعلن عن حضورآسر. كانت لاتنتبه لمن مر أو توقف بل لا تعير اهتماما لصغير أو كبير خصوصا اذا عانقت اناملها القلم واستغرقتها كتابة باهتمام..

تصنعتُ رغبة في رشاش مائي كان من بين المتلاشيات فسالتها عن الثمن؟ لم ترد بل اكتفت برفع بصرها الي ثم حركت كتفيها ويديها وهي تقول:

ـ اي ثمن تريد، باش ما سخر الله..

رميت ابتسامة رضا على وجهها، لم تنتبه وعادت عيونها لما كانت تقرأه في مجلة قديمة اسمها "هنا كل شيء ".

بعيدا عن إحراجها تركت لها خمسين درهما وانصرفت.. لكني وجدتها خلفي راكضة:

ـ سيدي الكريم لقد سقطت منك هذه..

ـ لا،لا لم تسقط مني، بل لك قد تركتها هدية مني..

ـ لكنك لم تأخذ أي شيء في المقابل..

تبسمت في وجهها وعلى كتفها وضعت يدي..

بكل لباقة وأدب ازاحت يدي وتأخرت قليلا الى الخلف:

ـ لا،أخذت، يكفيني اني تعرفت على صبية قارئة تتاجر بشرف..

أصرت على ان استعيد مالي فألححت عليها في إخفاء الورقة فقد ينتبه اليها أحد اللصوص من يتخذون من وادي الصوافين وكرا لاختفائهم ثم يتسللون الى الأحياء المجاورة عبر الزنقة بعيدا عن أنظار الحراسة..

شكرتني بعمق وعادت الى مكانها..

فضولي دفعني لادخل الثانوية الأصيلة أزور مديرتها كصديقة مهنة ثم أسألها عن الطفلة ان كانت لها بها دراية..

ما فاجأني في كلام المديرة أني من القلة القليلة التي لا تعرف خديجة التلميذة النجيبة الذكية التي تتابع دراستها حسب رغبتها دون أن تتقيد بوقت في مدرسة ابتدائية مجاورة "عرصة الشريفات "، وهي تتعاطى عرض كل قديم متلاش حتى تصرف على أمها المريضة وتشتري لوازم مدرستها.. كثيرا ما تتغيب عن المدرسة أياما لظرف قاهر قد يصيبها لكنها حين تعود لا يمكن ان تلاحظ نقصا في معلوماتها وخبرتها أوتهاونا في انجاز واجب مدرسي أسعفها به أحد التلاميذ..

ـ لا اخفيك حقيقة أننا هنا نترقب وصولها الى الثانوية فقد تكون سببا في تحريض التلميذات على الاقتداء بها خصوصا وقد بلغني ان لها باعا طويلا في كل ماهو رياضيات وهندسة..

غادرت صديقة مهنتي والطفلة تستحوذ على كل ذرة من كياني، اي توق هو يسكنها فيحرضها على تشكيل هيكلة جديدة لنفسها هي أكبربكثير مما يحرك من توفرت لهم كل وسائل التعلم فيحثها على طلب العلم بهذه الرغبة والشوق بعيدا عن الدراسة المنتظمة وعن المناهج المخططة،والكتب المقررة وعن معلم أو معلمة كلاهما قد يشهر صوته ويفرض سلطته ليقمط الأطفال في قوالب جامدة سكنت الأدمغة وصارت ايقاعا مفروضا على المتعلم أن يخضع لطاعته ويسير على منواله وإلا تعرض لعقاب، وبلقب كسول يصير له اسما ؟..

هكذا صار أطفالنا نموذجا واحدا خاضعا للطاعة والامتثال طيورا على أشكالها تقع..

في أطفالنا يغيب تجلي الخالق وتحضر ايقاعات عقول تكره ان تتغير أو يتغير لها مسار الا اذا كان التغير مادة فذلك ماهي عليه لاهثة بحرص ومتابعة..

في البيت تحدثت كثيرا مع أبنائي عن خديجة ونصحت كلا منهم أن يزورها يوما ويقتني منها ما يبرر ما يتركه لها من نقد، بل تجاوزنا الامر الى أن نلتقط لها صورا وفي تصورنا أنها لا تدري وقد تمكن أحد ابنائي وهو بالمناسبة مولع بالتصوير والإخراج السينمائي أن ينجز لها شريطا من خمسة وثلاثين دقيقة يصور حياتها اليومية الى ان ينتهي بجائزة نالتها اثر نجاحها في الدخول الى السادسة بميزة ممتاز..وقد كانت ردة فعلها في كلمة لها عبارة اطلقت تصفيقات حارة من الحضور صغارا كبارا:

 ـ أنا طفلة تتشبث بشجرة الحياة ولها تعمل بكل ما وهبها الله،لهذا كنت أغمض عيوني عما كانوا يلتقطونه من صور ففي ذلك صباي الذي لن أخجل منه، وحتى أساعدهم جعلت من نفسي طينا في يد خزاف..

هاتفتني المديرة يوما ان أم خديجة قد توفاها الله، لم اتريث وبادرت اليها بما يلزم كواجب وحق من حقوق فقير على ميسور. بعد أسبوع من الجنازة رن جرس البيت وكان الطارق خديجة..

لم تدخل البيت الا بعد إلحاح من زوجتي وما ان استوت في مكانها حتى فاجأتنا:

ـ جئت اليكم لتمنحوني فرصة أعمل خادمة خارج أوقات الدراسة مقابل ما قدمتموه لي في جنازة أمي..

جميعا سالت مآقينا دمعا حارا بل منا قد اهتزت الصدور، ارتمت عليها زوجتي وضمتها بين أحضانها:

ـ حشومة عليك أبنتي ما قدمناه فهو لله،خير من خير الله لمن هو به أحق، قدمناه بعد أن اكتشفنا فيك حقيقة جديدة: حب العلم والذي

 بدونه، ستكون الحياة على الأرض بلا جدوى ولا معنى لها.

تطلعت الى خديجة فوجدتها أنثى مطرزة بالقوة والوعي، صورة الحياة في اعماقها بحث عن حقيقة الوجود و الأشياء..

بحرارة شكرتنا قبل أن تقول:

ـ هذا بيت استعيد فيه أمي وأبي واخوتي الذين لا املكهم

نظرت اليَّ زوجتي كأنها تستأذنني ثم خاطبت خديجة:

ـ ما رأي خديجة لو ترضى بالعيش معنا ستجد متعة وألفة ومحبة بين أهلها..

تنهدت الصغيرة وقالت:

أعتذر سيدتي، إذا قبلت بطلبك سأحرك في نفسي قوة سلبية قد تدفعني الى الخلف، طموحي كبير وكبير جدا، الى الامام ساعية بتطور واكتشاف يومي لحياة جيدة اعاني في كيفية تحقيقها وتلك متعة وجودي..

أدركت ان البنت تنطق عن يقظة تضيء أعماقها، تريد أن تعاني من صباها وفي معاناتها طريق أخرى للحياة والوصول بلا مساعدة من أحد وانما بان تبذل من طاقتها ما يحقق لها تكاملا بين وجودها ووجود غيرها..

درس من طفولة خديجة أعاد ترتيب الأمور في بيتنا مما قد يحقق لنا وجودا متناغما أساسه الوعي وحرية الاختيار.

 ***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

 

ساورني وميض ننخرساج وهي تسرق عدة أوراق من رواية الأقدار التي خَطَها لي شخص مجهول، ثم وضعتها في زجاجة من الخمر المقدس؛ ربما أرادت أن تخفي بعضًا من حبكات حكاياتي، حتی لا تتكسر أجنحتها العذراء بمرور سرب غربان الآلهة.. كان ثمة رموز تهمي علی العباد بغزارة، حتی تصدع القمر.. ظهر نصفيه من بين ثنايا ظلام الكون، ليرتقي حجر قمري ساطع بالماء الفضي المُقَدَس والمُكَدَس بالرموز علی المسافات البينية لذراته.

"كان مكتوب عليه في زمن موغل في القدم أن يسقط علی رأسي" يقول، ثم يكتب ألغازًا أخری: هذا ما سيعرفه الشيخ نيتشة فيما بعد، أری ننخرساج تنسج السطور.. تبدأ رحلة نيتشة في عوالم العقل الباطن أثناء فقده الوعي، عنكبوت الزرقاوي ينسج خيوط الزمان والمكان، ليسافر عبرها كاشفًا فضائح قصور الملك المُطِلَة علی مكان يُسميه الشعب "مذبح النبي علی القمر".

اعترتني قطرات حبر سوداء علی أوراقي البيضاء السرية، ليتردد صوت غامض بداخلي، يخبرني أن كل قوانين الكون وخبايا ثقوبه السوداء مُسجَلَة بذاكرتي التي تجلَّت بجسد أمي، وفي نفس الوقت يتسلل العنكبوت إلی كهف اللاوعي، يدور ويدور.. يكشف السر الخطير وبصوت دفين يقول: كل بينيات الكون وأسرار فك شفرات ثقوبه السوداء وقوانين الخلق الثلاث مُدونَةٌ هُنا، حيث الظلام الضاحك الباكي.. إنها دوامة انهيار الحدود العظمی تشدني من أذرعي المتعددة، ليتوقف الزمان وعندها سُرِق شعوري بمخدر سريع المفعول كسرعة ركض مشاهد الأسطورة الأصلية وطيات أفكاري الخاصة المتلاحقة والمتقافزة علی دائرة اللانهاية.

"هل سأتلي آياتك ثملًا بخمر فردوسك؟ أم سترتلني أحبال ميزانك المقدس؟" قالها ذو الأحد عشر ذراعًا مُقلِبًا نظره بين أوراق التعويذة.

الطبيب: أتذكر هذا المشهد جيدًا، حينما تحول المُسجِل إلی كاميرا صغيرة بعينين تسجل الصراع القائم بين الشعور واللاشعور في اللوح المحفوظ، عندها ضل الزمان السبيل وضاع بين شعاب الماضي والحاضر.

أرادني  أن أقص عليه الحكاية الأصلية لبداية الخلق وكأنها لم تعلق بنافذة أذنيه من قبل.. وقف علی المنضدة وصرخ، ثم ضحك بشكل هيستيري.

"لو لم تعصِ الفرعون وتكشف للشعب حقيقة ذقنه الشامخ. لو لم تحرق أسفاره، وتكشف سر خدع معجزاته للموتی، لربما كنت سأراك جالسًا علی العرش بدلًا من أن يُحكَم عليك بالضياع في حواري القمر" قلتها له بعد أن دقت عقارب الساعة علی يده، لتبترها، فتسيل الدماء الخضراء، حتی وصلت إلی قدمي، فنمی له جناح وردي يتجدد كل عام مرتين، حتی اختفی المشهد.

رد الطبيب محاولًا أن يمتلك زمام متاهتي السردية قائلًا:

ـــ هل هذا الشخص يشبهك في الشكل؟

ـــ نعم، لكني لا استطيع أن  ألملم جميع حروفه.

تابعت السرد قائلًا: أتذكر ملمس الشفرة البكرية الوليدة من تطاحن رمال الصحراء مع الطين الأخضر، هي حقًا مليئة بالتناقضات: بكاء الأم في بطن المحيط، حرارة شمس الأصيل، وربما فلسفات نهر الفِراط بالجنة، أصوات تجانس العناصر الأولی للحياة. شخصت الشفرة في الغروب تطير في فضاءات شبكة الزمان، متحررة من مسارات قواعده، ربما ضاعت وهي تفكر في معنی البقاء.. تسكن بعقل نيتشة، ليتوغل بها العنكبوت كالمجنون الصارخ الباحث عن أحجيات معادلة الجاذبية؛ ليثبت للجميع أن ما آمن به منذ طفولته لم يكن وهمًا، فكان يعتقد أنها الخطوة الأولی لتشكيل صلصال بخضرة الطين وزرقة السماء، فيملك مفاتيح الميزان.

"سقطت سمائي ومالت كفة ميزاني اليُمنی أكثر من اللازم، عندها كان يجب عليّ أن انتحر بهدوء وأترك العالم للأم" قالها الملك وقد انتفض جسده الجهنمي علی الماء، ليتبخر البحر بأكمله.. وبعد أن شعر بالتفاف ثعبان الزمان البطيء حول عنقه كتب تعويذة مسحورة يلتف حولها الخوف ولوعة الإيمان.

كلما نحت فيها رمزًا، يُشَد العنكبوت بيدٍ خفيّة، ليعود إلی عتبات شفرة الطبيعة وقد اغرورقت مسامعه بالنسيان.. تكاد أن تتحجر أذرعه الرمادية الحائرة. أتذكر جيدًا أن وقتها حلقت روحه حول صدی المشهد الأخير من مسرحية ربه التي تلونت بالبُهُوت كما بدی وجه الملك تمامًا.

"اُنظُر هناك! إنه دخان ساحرة ألوانه يحمل صرخات بعيدة لأول فوج من البشر خُلِق بالألوان الطبيعية علی لوحة متوسطة الحجم في مرسم مَنسيّ تابع للإلهة الأم" قالها العنكبوت، ليُترجم الملك تلك الأصوات إلی آيات ذكر ذات أحبار سرية اكتشفها أثناء زيارته لعالم السَحَرَة الغُزاة.

تذكرت أيضًا أن من كان يقود الجمع هي امرأة عجوز حدباء وشعرها أزرق. تحمل في يدها اليُمنی شعلة من نيران الحديد تنير الدرب، لكن سرعان ما تخيلت الإلهة الأم ماء السماء وهو يهطل علی الحديد، فتُخمَد النيران ويحتل الظلام بسقيعه العالم.. يتسرب البروتين مرتطمًا بالحديد والمطر، يضحكان ويبكيان، ليتجسد الخير والشر وتجتمع بصمات قوی الطبيعة في اجتماع القمة مُعلِنةً عن ولادة الحياة، وقتها صدر صوت غريب من المُسجِل يشبه الصَفير المؤلم، لكني لم اهتم ولا أجد له تفسيرًا حتی الآن. هناك مشهد آخر للإلهة الأم، لكن خانتني الذاكرة مرة أخری.

"يبدو أن الملك وضع بالچينات خطوات خجولة بسيطة من أصل عدد لا نهائي من القفزات الزمكانية في الذاكرة؛ حتی لا يكتشف نيتشة وعنكبوته تفاصيل المجرات والكواكب المشتعلة وتلك الباردة، فستكون كارثة حقيقية إن كَشَفَ سر بنات وادي عَبقَر المحدوف في ركن مُتخلخل في أعمق خلية بالذاكرة" يقول العنكبوت مُستنبِطًا، ثم يُعَلل حيلة الملك برغبته في حجب ترددات نغمات آلات حناجر بنات الوادي النفخ وترية الساحرة. وفي هذه الساعة رسم الملك عدة طرائق للعنكبوت، لعله يُرشَد إلی زاوية قد تكشف لغزًا غاب عن روايته، من الواضح أن ننخرساج قد أخفت عنه بعضًا من فصولها القصيرة، بينما كتبت في أول فصل عن دورة حياة العنكبوت، حيث حكمت عليه بأن يَرتجِل حياته من الساعة صفر إلی نهاية خط العمر القصير.

بخطوات مترددة تحسس العنكبوت تفصيلات وتلافيف دماغ نيتشة الفيلسوف الملعون، حتی بلغ الزاوية المُعلَقَة. شاهد بها كائنات عجائبية الألوان والأشكال أصل موطنها كان مَثَار جدل وحديث مفتوح النهايات بعدة تخيلات: قد تكون بنات وادي عَبقَر المُخَلَدات، هذه الكائنات هي الآلهة الأصلية، البرودة والظلام سلفنا المشترك.

يلتف الجميع حول شجرة واحدة تتدلی منها كواعب العنب الأحمر الخمري. ظل سر خالقها حبيسًا في رأسي.

تتساقط منها حبات العنب ليلتقطها أطفال من وادي مسحور وقد ارتدوا رداءًا حريريًا بلون السماء الأولی.. يرتقي العنكبوت إلی العَمَدِ، ثم إلی السماء الثانية. لم يستطع رؤية ألوانها من شدة الظلام وقسوة سقيعه.. وبعد عدة ساعات من الصمت سمع صوت انفجارات لضوء مثلث معدني عملاق مُنَار باللهب الفضي وحوله الكون شديد السواد وبداخله دائرة حمراء تنبض بها الدماء، فتتمدد الدائرة وتزداد حرارتها وتلامس المثلث بحوافه الثلاث من العمق. علی اليمين في منتصف ضلع المثلث الرقم ثلاثة، ثم علی اليسار في منتصف الضلع التالي الرقم ستة وعلی القاعدة الرقم تسعة يحرسه رأس المثلث المعقوف، ثم علی جذع شجرة ذبيح في بقية الكون المُظلم الفسيح جلست لأناجي حرارة الطريق.

"البداية كانت بالبرودة والظلام، ثم علی اليمين الرقم ثلاثة وتدور الدائرة مرورًا بالرقم ستة، حتی الرقم تسعة في القاعدة الأساسية.. حتی الآن أنا تائه يبحث عن معنی العدم والوجود" قلتها مُتخبِطًا بين أفكاري العبثية ولطمات رمزيات أرقام المثلث برأسه المعقوف. وسرعان ما سجل الملك تلك الأرقام ونسج معادلته الخاصة معتمدًا علی مصباح كهربائي وقلم مغناطيسي يجذب ويحيك الأشياء المختلفة علی طريقته الخاصة.

"كانت السماء الثانية مجرد خدعة وضعتها ننخرساج للملك بحنكة العالمة بأسرار قوی الطبيعة" هذا ما سيعرفه الملك فيما بعد وتحديدًا قبل عودة العرش بثلاث ساعات فقط.

لو لم يُلمِّح الملك في مخيلته أنه مجرد شخص عادي أو فصل من فصول رواية قديمة نسي الراوي أن يضع لطياتها نهاية، ثم مات وحيدًا، حيث خطفته عصابة الديدان الزرقاء إلی عالم الموتی بأوامر من الجان، ما كان لحكاية السماء الثانية أن تكون.

"وقتها لم أعرف أن عقارب الساعة قد انكسرت علی جبال الأبدية" قلتها، ثم تابعت السرد قائلًا: لو لم يُسرَق العرش من الأم، لربما ما كان لحكاية العنكبوت ونيتشة الفيلسوف أن تكون.

"يروقني أن أخُطك بجسدي، أن أكتبك: حيرةً، يقينًا، شكًا، كُفرًا، وثمالةً من إيمان نهر قد سلمته الأم لعناق شاطيء نوراني" يقول الشيخ نيتشة للعنكبوت، ثم تتطاير الرؤی مُجددًا.

***

بسمة يحيى – قاصة مصرية

الحلقة الأولى من قصة: المدينة الغافية في احضان البوسفور

***

سار في طريق متعرجة تحفها بيوت حجرية قديمة، وجدرانها وشبابيكها تطل مباشرة على الشارع، وعلى الرغم من قدمها، إلا انها بدت نظيفة تماماً إلا من اوراق الاشجار التي تجعل منها الريح  تدور وتدور لتقذف بها في زوايا المنعطفات.. تلك هي في حقيقتها أزقة قديمة لا تسلكها الحافلات، أنما كان للجياد نصيب فيها فضلاً عن العربات، التي تجرها الخيول في الزمن الغابر.

وهو يسير على الأرض المرصوفة بحجر اسود.. كان أولاد المدارس يتراكضون وعلى ظهورهم حقائبهم، فيما يمتطي البعض منهم، وهم قلة على ما يبدو، (دراجات) هوائية رآها بالكاد تقاوم أرضية الشارع الحجرية.. وعند المنعطف كانت هناك باحة عريضة تظللها الأشجار وفي ركنها صخرة منحوتة على شكل مصطبة يجلس عليها عادة المتعبون من كبار السن وهم في طريقهم الى منازلهم.

جلس ليستريح عناء التجوال البطيء في ذلك الزقاق الطويل المتعرج، وهو يتأمل قِدَم الأبنية والأبواب والشبابيك التي تآكلت بفعل الزمن، فيما كان ساكنوها يحرصون على دهانها بألوان جذابة كاللون الأزرق والأخضر والأحمر القرمزي، والتي تشع جمالاً من خلال اغصان الأشجار الخضراء اليانعة.

رجع بذاكرته الى طفولته الأولى حين كان يلعب في الزقاق بالقرب من بيته الذي تمر أمامه عربات تجرها الخيول، وكان يشعر بالسعادة حين يلحق بمؤخرة العربة ويجلس على القضيب الذي يربط العجلتين الخلفيتين الكبيرتين للعربة، بعدها يحاول ان لا يبتعد وينتظر أن يبطئ الحوذي حركته، واذا استمر بسرعته العادية فلن يستطع النزول والعربة تسير مسرع عكس نزوله.. وجازف مرة وترك قضيب العربة الحديدي، وسرعان ما وجد نفسه يتكور في الطريق والدماء تنزف من ركبتيه ويديه، وأحدهم يسرع في حمله لأسعافه بعد ان انهال عليه بالسب والشتم وعلى ابيه الذي سمح له بالخروج من البيت. !!

وعند ركن المنعطف حيث وجه الشمس، افترش الأرض رجل يبدو انه لم يبرح مكانه منذ فترة طويل.. اشعث الشعر يلبس كل ما لديه من ملابس ويتدثر بمعطف قديم، وكان يقضم شيئاً والى جانبه عربة حمل خشبية بدولابين وحصان هو الآخر يأكل من كيس معلق في رقبته.. تحيطه اشياؤه، مبعثرة هي حاجياته.. صحن وقدح معدني قديم معلق في مسمار الحائط  والى جواره انتصب كيس من القماش يجمع حاجياته.. والحصان ما يزال على حاله يلوك شيئاً ويحمحم بين الفينة والأخرى، وخاصة حين يمر احدهم من امامه عبر ذلك المنعطف الذي يغمره ضوء الشمس.

اخرج لفافة وحشر فيها التبغ ثم اطبق عليها بعد أن رطب نهايتها ثم لفها واوقد فيها عود ثقاب، وغاب في نفس عميق اطلق بعده حزمة من دخان ابيض تتدفق معه همومه المكدودة ، ثم التفت الى الحصان وتمتم معه ببضع كلمات لم يفهم منها شيئاً ربما قال له..لا تتعجل في المضغ لأن لدينا وقت كاف للراحة بعدها سنقوم بالتجوال معاً..التفت نحوه الحصان، ربما فهم هذه الكلمات، إلا انه اشاح بوجهه بسرعة الى جهة اخرى، أما صاحبه فقد استمر يأكل ما في الكيس الورقي الذي اخرجه من جعبته الجلدية المنتفخة الى جواره.

شعر بشيء من الرغبة في الحديث مع نفسه حين تمتم ثانية.. انه صديقي الوحيد في هذه الدنيا.. نعم ، نأكل معاً ونشرب معاً وننام في هذا الركن معاً، وهو لم يمتعض يوماً إلا مرة واحدة حين أرغمته على السير وهو لا يريد.. كان مصر على عدم النهوض، كان يود الأسترخاء والأستمتاع بشمس الظهيرة.. وما أزال اتذكر ردة فعله التي أخافتني تعبيراً عن الرفض والإذعان لأوامري.. لقد ادركت، منذ تلك اللحظة، أنه كما أنا لا اريد ان اتلقى أمراً من أحد، وفهمت ذلك.. أنا أحترمه الآن، ولا شيء يجعلني أختلف عنه.!!

حرك ذراعه وأزاح شعره الكثيف الطويل الأشعث الى الخلف ومرر أصابعه بين خصلاته ثم استدار ليعبث بشعر حصانه الذي سرعان ما استسلم بسهولة لتلك الحركة الأنسانية الودودة التي تشيع الحنان بين كائنين يتقاسمان العيش معاً في ذلك الركن المظلل لبيت قديم تطل من نافذته الأمامية زهور رائعة.

العالم كله من حوله يتحرك، وهو يراقب هذه الحركة بدون مبالآة، لأنها حركة يومية تكاد أن تكون متشابهة في بعضها، أما تفاصيلها فكانت لا  تحصى ولا تتشابه لا في الزمان ولا في المكان.

فكر مع نفسه.. ماذا لو كنت مكانه.. مكان الحصان؟ ربما سأكون أكثر سعادة وراحة وحرية.. وحين التفت اليه تسمرت عيناه في عيني حصانه الداكنتين وفكر، ما تراه يراني؟ ربما يراني مثله حصاناً.. أو مخلوقاً آخر اعتاد عليه في ذهابه وترحاله.. أشفق على نفسه وأخذ يرمقه بنظرات الحب والأحترام طالما كان معه طوال الوقت ولم يذهب مع غيره.. لقد تركه مرة ساعات في مكانه في ذلك الركن واقفاً او ممدداً يستريح عناء العمل الممل.

التفت صاحب الحصان صوب الصخرة التي يجلس عليها قاطع الطريق الجوال الذي أحب الأزقة القديمة المرصوفة بالحجر وبيوتها ذات الأبواب والشبابيك الملونة يغطيها قرميد أحمر تحول لونه الى كاكي معشوشب بحشائش تضفي جمالاً أخاذاً على بيوت الزقاق القريب من سور مدينة (Zeytinburnu) زيتون بورنو الجميلة القريبة من البحر.. وتمتم بكلام فهم منه.. أنت ، الى ماذا تحدق برب السماء؟

أدرك انه محط تساؤل، وعليه أن يجيب إن فهمه صاحب الحصان..

لاشيء لقد كنت انظر الى الحصان الجميل الذي يبدو انه يفهمك جيداً.!!

شعر العجوز بالراحة من هذه الأجابة.

وقال: هل تعلم انه رافقني منذ سنين حين هرب من صاحبه الذي يقسو عليه طوال اليوم.. لم أكن أعلم انه قد ارتاح إليَ حين ربتُ على رقبته وهو يسير الى جوار ذلك الجدار الحجري القديم المتهرئ، ومنذ تلك اللحظة تبعني الى حيث أسير.. لقد قطعت مسافات بعيدة وهو الى جواري.. من الريف الى هذه المدينة والى هذا الزقاق القديم منها.. لقد تولدت بيني وبينه ألفة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ومن أين تحصل على رزقك؟

ألا ترى العربة والحصان.. اني أعمل وأكسب.. ولكن ليس كل يوم.

ولماذا تفترش الشارع.؟

ألا ترى... وأشر الى الجدار الذي يتكأ عليه.. إنه بيتي.. فهو صغير ولا يسمح بدخول الحصان.. ففضلنا هذا الركن.

هل لديك زوجة أو أولاد أو أهل؟

كانت لدي صديقة.. تزوجنا ، ولم نشأ أن يكون لنا اولاداً.. ذهبنا ذات مرة الى البحر، تركتها تنزل لتسبح ثم غابت بين أمواج البحر.. ولم يرها بعد ذلك أحد.. أنتظرتها طويلاً.. إنها ما تزال تسبح هناك حيث الأمواج..!!، ألا ترى، أني ما أزال أنتظر عودتها من البحر؟ هي لم تتعرف بعد على حصاني، وأنا واثق بأنها ستحبه كثيراً.

وماذا كنت تعمل قبل ان تتعرف على فتاتك وحصانك.

أنا ادرس الأنكليزية في مدرسة المحافظة.

ولماذا غيرت مهنتك؟

أطرق رأسه الى الأرض وقال.. أنا هنا قريب من البحر، أترقب عودتها.. أنتظر عودتها.. انها ستعود ، أنا واثق انها ستعود.. ألا ترى النوارس وهي تصرخ، إنها تنبأ بعودتها أيها المغفل.. إنها ستعود.!!

***

د. جودت العاني

10/ 05 / 2024

 

شــرارُ  الــنساءِ كــبردِ الشتاءِ

أســاسُ الــبلاءِ وأصــلُ الـعِـللْ

*

تــعيدُ الــكلامَ وتـهوى الخصامَ

فــتغدو الــحياةُ كـــطعمِ الـبصلْ

*

جَشوبٌ شَجوبٌ قطـوبٌ كَـذوبٌ

بــكلِّ الــخطـوبِ تُــثيرُ الـــجدلْ

*

بــصوتٍ أجـشٍّ كوحشٍ بحرشٍ

جــمالُ الأنــوثةِ عــنها ارتــحلْ

*

كــرامُ الــنساءِ كــعطرِ الـمساءِ

وبــدرِ الــسماءِ إذامـــا اكــتملْ

*

هَــلوبٌ  عَـروبٌ لعوبٌ وهـوبٌ

تَــعَافُ  الــعيوبَ كـخطبٍ جـللْ

*

تـــردُّ  الــوفـاءَ تــزيدُ الــعطاءَ

وتــهوى  الــحياءَ بها والخجلْ

*

مَــضتْ بالمسيرِ كـهدي البشيرِ

لــتغدو  حــياةُ الــعَشِيرِ عَــسلْ

*

وشــرُّ الــرجالِ قـــليلُ الـــفِعالِ

كــثيرُ  الــجدالِ عـــديمُ الــحِيَلْ

*

حَــسودٌ كَـــنودٌ حــقودٌ صَــلودٌ

عــنــيدٌ  بــلــيدٌ شــديدُ الــكسلْ

*

رفــيقُ الـــرِعاعِ كــثيرُ الـنزاعِ

رديءُ  الــطباعِ كــثيرُ الـخَطـلْ

*

خَــلوبٌ غَضوبٌ قلـوبٌ عَـتوبٌ

عــديمُ الــمزايـا كــفحلِ الــنَّحَلْ

*

كــريمُ الــرجالِ كــشمِّ الــجـبالِ

حــميدُ  الــخصالِ كــغيثٍ هَـطَلْ

*

طــليقُ الـــمُحيّا جــوادٌ ســخيٌ

عــلا  كــالثـريا بــما قــدْ فَــعَلْ

*

حصيفٌ  شريفٌ لطيفٌ عـفيفٌ

ولــمْ  يُــرْوَ عــنه صَـديقاً خَذلْ

*

وقــورٌ حــصورٌ جسورٌ غــيورٌ

صبورٌ على الناسِ صَبْرَ الجملْ

*

فــهذي الــسجايا بــكلِّ الــبرايا

عــلــيها الــخــليقةُ مُــنذُ الأزلْ

***

عــبد الناصر عــليوي العبيدي

....................

معاني المفردات

الجَشُوبُ من النساءِ: الخشنة الغليظة

امرأةٌ شَجُوب: ذاتُ همٍّ تعلق قلبُها به

القَطُوبُ: القابضُ ما بين عينيه من جِلْدٍ عابساً

خَلُوبٌ:كَذَّابٌ، خَدَّاعٌ

الهَلُوبُ: المرأَةُ المتقرِّبة من زوجها، تحبُّه وتُقصِي غيرَه

العَرُوبُ: المرأَةُ المتحببة إلى زوْجِها

العَشِيرُ: الزَّوْج

رَجُلٌ صَلُودٌ: شَدِيدُ الْبُخْلِ

خَطِلَ في كَلاَمِهِ: أَتَى بِكَلاَمٍ فَاسِدٍ لاَ مَعْنَى لَهُ

الحَصُور: الممتنع عن الانغماس في الشهوات

 

في تمام الوِدِّ

والوردةُ العاشرةْ

هَطَلَتْ نساء الثلجِ

دافئات القُبَل..

يَعْرِضْنَ تفاحةً بيضاء

زرقاء البيجامةْ

تَسُرُّ الناظمينْ !

ليست محسوبةٌ على أحد ٍ

وليس لغيرها قبولْ !

*

حين خَلعَتْ ـ تفاحة الوسامة ـ

(أسرار الليل) !

تَجَاذَبَتْها أرواح قَدَرية

بزرقةِ عيون النيل المُشتهاة !

وعذارى سَكَبْنَ

ظِلّهنَّ الوردي

على يافِعٍ في الثامنةِ

بعد العَشْرَةِ المُعَلّقةْ !

*

تُداعِبُ تفاحةٌ خضراء

فاحِشٌ لَثْمها

غزالةً ورَقية

يميزها فَوَهٌ حضاري:

وسامتُكِ

أحْدَثَتْهَا عُلْبةُ ألواني

بفرشاتي المُعارضة للسكونْ!

*

تفاحة الوسامة

ترفض تهجير التين والزيتون

وإطفاء نضوجها

بوحشيةٍ

عاريةِ الجذور والأوراقْ

وتناشد مقبرة الغزاة

مزيداً من الحياة!

*

تفاحة الوسامة

تَزُفُّني بشرى الموهوب:

(الحب عليكَ هو المكتوب

الحب عليكَ هو المكتوب)!

***

محمد ثابت السميعي - اليمن

في فضاء ممر الحديقة

في فصل يضم كل الفصول

كانت روحي مشدودة

تتنفس بإيقاع صامت

في مزيج من الشعر، والتعرجات على بستان الفلسفة

وفي السماء قطع من غيوم بيض، عالية جدا

وعلى فمي مذاق قريب لحلاوة نهر خوز

وبهبات صبا

رأيتُ من صرفتُ ثلث العمر معها

تقتربُ مني

انتصبتْ امامي

وكان وجهها شعاعاً لؤلؤياً

–  صباح الخير

–  صباح الخيرات والمسرّات

تراجعتْ

خطوة الى الوراء

اخرجتْ كتابا من حقيبتها

–  ليس لدي من الوقت ما يكفي

ابتسمتْ

وكأنها تقول:

- انّ روحي تحفظ حقيقة قلبك....!

وبصوت هامس جاءت كلماتها

- اتوقُ إلى  النهار جميل

احن والقلب على فطرته، كانه في طفولته

غير ان الصدأ يعلو افكاري، فلم اعد اسمع نغمة الروح

–  سلامتك امسحي الغبار عن عينيك الواسعتين

ستتمخض الأفكار عن احساس، لن ينضب الخيال فيه

ولن يجف القلب، لا ولن تموت الطفولة

– هذا صوتك الشاعري بمخارج حروفه

ووقاره القرويّ الاصيل

اشكرك على كل حال

نظرتُ اليها وعلى محياها ندى قصيدة

– وددتُ لو تبقين معي....!

نتحدث كثيرا  ...!

انك النبع المتدفق بين اشجار روحي

وعلى كل جوانب الحياة التي احبها -

اعادتْ الكتاب الى حقيبتها الكبيرة

استرجعتْ انفاسها

وكأنها تقول لي:

استمتع بهذا الفضاء وكفى

تقدمتْ خطوة الى الامام

سارت ، وكادت حقيبتها الكبيرة تضربني

لكنها لامستْ كتفي

(وهي ضاحكة)

- اعتذر منك لقد مررت على الهامش ...!

اعتذر وانحني اليك

– طريقك الى القمة...وسبيلك الى النور

تابعتْ مشيتها

تضفر الخطوات ياسمينا

والنسيم الخفيف يداعب خصلات شعرها

***

حامد عبد الصمد البصري

بين الظاهر والمستتر ثمّة هرولة أضلّت السبيل

إيه... يا أنت

يا أنتم

يا أنا

يا نحن

يا من لم تدخر جهدا

إلا وأنفقته

لتشنّها

حربا لا رابح فيها

إلا متعة تبرق

فُيمَرّغ في الوحل

ضمير ظاهر يتبجح

وآخر يستتر خجلا

والمآل ذاته

لوح خشبي يبحث لبياض

اسموه كفنا

عن حفنة تراب تواري خطيئته

فآه يا هذا

أما تكتفي؟!

ارفق بحالك

إنك الإنسان

***

ابتسام الحاج زكي/العراق

 

طال بها الانتظار، لرسالة تصلها من الحبيب البعيد الذي سافر لبعض الوقت ووعدها انه عائد اليها ليتما فرحهما بحضور الأسرة والأصدقاء، كثيرا ما جوبهت بسؤال متكرر

- ما اخبار احمد؟ الم تصلك رسائلة ويطمئنك انه سيعود الى الوطن من جديد

- لا خبر جديد

- وما زلت تنتظرين؟

- احساسي يخبرني انه صادق وسيعود

- جميل ان تشعري بمثل هذا الشعور انت واثقة بنفسك، يا ليتني كنت مثلك

 ويطول انتظارها ويكثر طرح الاسئلة عليها وكل سؤال تشعر انه يصوب إليها محاولا النيل منها والقضاء على إرادتها وقدرتها على الانتظار

 أسرتها واثقة منها وتدرك ان ابنتهم تفعل الصواب وحين تعلم ان الانتظار لا يجدي فانها حتما سوف تغير المسار

 انها ناجحة بالعمل سعيدة مع الاسرة لها الكثير من الصديقات المقربات اللاتي تثق بهن وتتبادل معهن الأفكار والاهتمامات وحتى الزيارات، يتبادلن الزيارات ويرقصن ويستمعن الى الموسيقى والأغاني ويضحكن ساعيات الى قهر التوتر الذي يشعرن به جراء العمل والروتين والكلمات الطاعنة والتي لا تأمل بها خيرا ولا ترجو منها الشفاء

- عام واحد وأعود لنتزوج ويضمنا بيت ونكون أسرة وأولاد

 والعام يطول ويتعه العام الثاني والثالث دون ان يصلها خبر واحد يخفف متاعبها الأخذة بالازدياد

في عيد المرأة هذا العام كل صديقاتها احتفلن بالمناسبة السعيدة وتلقين باقات من الورد من الأحبة الا هي فلم تتلق الورد من الحبيب الغائب بل وصلتها باقات من صديقتها سامية واخيها منير وزميلها الصديق المقرب في العمل زهير، وهذا الاحتفاء يكفيها ليبين انها محبوبة ومعها من يفكر بها ويتمنى لها السعادة والهناء

فتقرر شيئا وتقول لنفسها :

نفسي اولا وسعادتي مع أسرتي ومن يحبني هي الأولى في سلم الاهتمامات

 ***

صبيحة شبر

29 فبراير 2024

 

بمحاذاة محكمة المدينة؛ يجْلسُ العمّ "عبد الله" على كُرْسيّ مُهْترئ، تآكلتْ أطرافه، وغاب لوْنُ قصَبِهِ الأصْفر.. المِخدّةُ الرّخْوَةُ في قعر الكُرْسِيّ؛ يستخدمها العمّ "عبد الله " كقطعة طريّة، ترفع عنه آلام طول الجلوس أوْ آلامَ "البواسير".. سيّان.. ! أمَامَهُ توجد طاولة صغيرة؛ تشرّبَها الصّدأ.. فتبرْقع لونُها وبدأتْ مادّتُها الأصلية؛ تتحوّلُ إلى قشور بُنّيةٍ؛ كثيراً ما تعْلَقُ بالأوراق المتواجدة على يمين وعلى شِمالِ الآلة الراقنة. تحت الطاولة؛ توجد مؤونة العمّ "عبد الله": وِعاءُ كاظم الحرارة؛ يحفظ قهوة اليومِ كلِّهِ.. عُلْبة بلاستيكية؛ متوسّطة الحَجْم، تحْرصُ زوْجتُهُ على مَلئِها بمَا تيسّر من الأكْلِ الخفيف.. حبّاتُ بيْض مسلوق، حفنة زيتون، وقد تستبدل الوجبة بشيء من الأرز اللذيذ الذي تُزَيّنُهُ دائما بأوراق الغار.. دُونَ أن تنْسى إضافة فطيرة أو فطيرتيْن – حسب الموجود – تلفُّهُما بعنايةٍ؛ في قطعة قماشٍ صغيرة، ناعمة.

عشرون عاماً والعمّ "عبد الله" يتعاطى هذه الحِرْفة.. يُدبّرُ بها قوت عائلته على امتداد الأسبوع.. يظلُّ يوم الرّاحة لديْهِ؛ هو يوم "الجمعة" أو فترات الأعياد الدينية والوطنية؛ حيث تكون المحكمة مُغْلَقة.

تعوّدَ النّاسُ عليْه.. وتعوّد هو على هموم النّاس.. وضعَ لهُمْ كُرْسِيّاً أحسَن حالاً من كُرْسيّه، إقتناه منْ محلٍّ لِبيْعِ الأثاثِ المُسْتَعْمَل.. يتناوَبُونَ على الكرْسيّ كُلّما قصَدهُ أحدهُمْ؛ من أجلِ كتابة طلَبٍ أو تحْرير رِسالة، أو تقْديم شكوى.. وما أكثر أنواع الطّلَبَات.. ! أمّا الشكاوى فقد فاقت كلّ التّصوّرات.. ! دعاوى الطلاق والحضانة ومُنازعات الإرْث واعتداءات شباب المخدّرات وسط الأحياء الشعبية والسرقات وغير هذا كثير..

**

على أنغام الآلة الراقنة..

أصابعُ طويلة، نحيلة، حفظتْ أماكن الحروف.. فكأنّها تتراقص فوق الخانات بانسيابية لافتة، صوتُ ضغط الأصابع على الآلة الراقنة؛ يسكنُ أذُنَيْ العمّ "عبدالله"؛ يسْتَشْعِرُهُ نغَماً فريداً؛ يُلازِمه حتّى وهو في البيت.. يَفْرِكُ أُذُنَيْهِ وكأنّه يأْبى أن يختلط ذلك النغم بضجيج أهل الدّار.. العلاقة الوشيجة التي ترْبطه بهذه الآلة؛ جعلتْهُ مُدْركاً لِخباياها، عالِماً بمُكوّناتها الدقيقة وجزئياتها؛ حتّى أصبح هو منْ يُصْلِحُها كلّما أصابها عُطْلٌ ما؛ مهما كلّفَهُ ذلك من السّاعات.. يتفقّدُ خانات الحروف حرْفاً حرْفاً، يمسح ما علق بيْنَها من الغبار بريشة ناعمة؛ يحتفظ بها منذ سنوات مع أشيائه الأخرى داخل محفظة جلدية قديمة؛ تعود لأكبر أبنائه الذي توفي عرض البحر في قوارب الهجرة؛ صُحبة جماعة مِنْ شباب الحيّ.

**

نحيبُ الورق..

كانا خارجيْنِ من المحكمة؛ بعد أصبوحة ضاجّة، قضَيَاها بيْن المُرَافعات وبيْن مكاتب الإجْراءات؛ حين سمعا صوتَ ارتطامٍ قويٍّ، مصدره الشارع.. هرْولا إلى المكان ووراءَهُما جمعٌ كبير ممن سمعوا الصوت.. عقدَ المشْهَدُ الألْسِنة.. أوراق متطايرة في الهواء.. بقايا آلة راقنة مُبَعْثرة هُنا وهناك.. قهوة جارية على الطريق بعد أن تحطّم وعاء كاظم الحرارة.. رغيف خبز اختلط بالتراب.. طاولة عجنها الارتطام.. مِخَدّة تناثر صوفها فوق شُجيْراتٍ تُحيط بالمحكة.. أصواتُ المارّة تعلو: "يا لطيف! يا لطيف! يا الله.. أين العمّ عبد الله.. أين.. ؟" عيونٌ زائِغة، لا تستقرُّ على شيْء.. ينْظر "هاشم" إلى "عبد الودود" وكأنهما يتساءلان عن مصير الرّجل.. يلحق بهما القاضي "معاذ " ثم القاضية "حكيمة" ومساعِدتها السّيدة "نجاة".. تتدخل الشرطة لِفكِّ الاخْتِناق المروري بعد أن وصَل الإسْعاف. سائق ُمتهوّر في حال سُكْر؛ يتسبّبُ في كل هذا الهلع.. يحكي شهود عيان؛ أنّهم رأوا السائق يسوق بسرعة جنونية، ثمّ انفلت منه التّحكّم في السيارة فقفز فوق الرّصيف وارتطم بالحائط الخلفي ِلمُلْحَق المحْكمَة. ويحْكي شاهدٌ أنه رأى العمّ "عبد الله" قبل الحادث ببضع دقائق؛ يُساعدُ مكفوفاً على اجتياز الطريق؛ بعد أن ترك أحد زبائنه إلى جانب طاولة الكتابة، وأوصاه بالانتظار قليلاً ريثما يوصِلُ المكفوف إلى الوِجْهة الآِمنة..

**

ومع القدَر.. لا ينْفعُ الحَذرُ..

عندما رأى الزّبونُ انزلاق السيارة فوق الرصيف؛ جرى - دون تفكير- في اتّجاه الحائط؛ لكن قبل أن يصل؛ دهستْهُ السيارة وارتطمت بالحائط، ولم يعُدْ بالإمْكان رؤية شيء؛ سوى الدماء المرشوشة هنا وهناك.. صُرِعَ الزّبون.. ونجا العمّ "عبد الله".. ! إلّا أنّهُ ورغم نجاته؛ سيظلُّ أيّاماً تحت وقْعِ الصّدْمة..  كان يبكي حظَّ الزّبون "رشيد" الذي تعرّف عليْه منذ سنة؛ حين قصده لكتابة شكوى من أجل مُلاحَقة حقٍّ مسلوب.. جمعتْهُما أُلْفة جميلة؛ جعلتْهما يتشاركان قهوة العمّ "عبد الله" كلما سنحت الفرصة باللقاء. "رشيد" عامل بسيط في ورشة تلحيم الأنابيب لدى أحد الخواصّ، قضى أكثر من نصف عمره في جمْع النفايات والمُخلَّفات داخل أكياس كبيرة، ثم حمْلها إلى داخل شاحنة الورشة؛ حيث يتولى السائق توصيلها إلى ورشة أخرى للرّسْكَلة. تمضي السنوات و"رشيد" بين النفايات؛ سعيدٌ بعمله؛ إلى أن توفي الحاج "صالح"؛ صاحب الورشة.. خلَفَهُ أحد أبنائه مِنْ زوْجَتِه الأولى.. تغيّرَالنّظامُ القديم.. وتغيرتِ المُعاملة مع العُمّال.. وكأنّ الوافد الجديد؛ أراد أن يتخلّص من كل الوجوه القديمة؛ فبدأ يفتعل الأسباب ويُمارس ما تنوّعَ من الضغوطات؛ حتّى وصل الحال بالعمال إلى المُجابَهة؛ ثم الاحتجاج؛ وهو ما سيزيد من عناد صاحب الورشة؛ فيبدأ في اقتطاع أجرة أيامٍ من الرّواتب.. وقدْ يلجأ إلى درجة الطرد من العمل؛ دون تقديم تعويضات؛ في الوقت الذي كان فيه الحاج "صالح" يربت على كتف العامل المريض؛ ولا يمسُّ فِلْساً من راتبه؛ بلْ يُرْسِل إليْه ما تيسّرَ من المُساعَدَات.. فِعْلاً.. شتّان بين هذا وذاك.. ! غادر "رشيد" الورشة بعد أن اشتدّت العداوة بيْنه وبيْن مرْؤوسِه؛ ولسُوءِ حظه؛ كانت المُغادَرة خِلالَ فترة صَبِّ الرّواتب. طالبَ بحَقّه، تشاجر مع المُحاسِب، بلغ صُراخُه الطابقَ العُلْوي حيْث المكتب الرئيسي لصاحب الورشة، ليجد نفسَهُ في الأخير بين أيدي حَارِسيْ أمْنٍ؛ يجُرّانِه خارج المكان.. عاد في اليوم الثاني للمطالَبة بحقّه، أبْلغَه الحارس – وهو يتأسّف - أن صاحبَ الورْشة غادر لقضاء العطلة مع أولاده في بلاد أجنبية. اكتفى "رشيد" بالتعليق: " لن أترُكَ حَقّي للُّصوص.. " يومَها تعرّف على العمّ "عبد الله" ؛ أشهَرُ كاتب على الآلة الرّاقنة في المدينة.. أفْضى إليْه بما يشْغَلُهُ.. طمْأنَهُ العمّ "عبد الله" بِاسْتعراضِ تجاربَ مُماثلة، طال على أصْحابها الأمَد؛ ولكنهم في الأخير؛ رَبِحوا حُقوقهمْ فارْتاحتْ قلوبُهُمْ..

**

نورُ الجبّة السوداء..

عندما نصحه العمّ "عبد الله" بتوكيلِ المحامي "هاشم"؛ تردّد "رشيد" في البداية، ثم رضخ في الأخير خاصة لمّا عَلِم بأنّ هذا المحامي؛ يُنْعَتُ بأنّه "مُحامِي المُسْتضعَفين" وأنه يكتفي بمبلغ زهيد تّجاهَ أتْعابه؛ بلْ وقدْ يستغني عن أخذ الأتعاب تماماً؛ حسب أحْوال ُموَكّلِه. عُرِف في المدينة كلّها بالسِّيرة العَطِرة.. كان نبيلاً، شهْماً، مُحْسِناً، مُسْتَجيباً لِمنْ دعاه، متواضعا تحْت جُبّته السَّوْداء، لا يهُمُّهُ سوى تأدية الرّسالة التي اعْتبرَها دوْماً نُوراً يُثَبّتُ ميزان العدالة في دهاليز الظلم الإنْساني بعديد أشكاله.. شاركَهُ زميله في المهنة؛ وصديقُه في الآنِ ذاته؛ نفس الأخلاق العالية؛ إنّه "عبْد الودود" الذي أحبّهُ كلُّ مَنْ تعرّف عليْه.. يدْخُلانِ تِباعاً؛ قاعة المرافعات بالجُبّتيْن السّوْدَاوَتيْنِ وفي ضَميرِ كلٍّ واحدٍ منْهما؛ نُصْرة المظلوم ليْس إلّا. كانا يُلْقِيان التحية على العمّ "عبد الله" وهما في طريقهما إلى مرآب السيارات ويستغلّ العمّ "عبد الله" اللحظة القصيرة؛ للسؤال عن قضايا بعض زبائنِه المُقرّبين – فهُوَ مَنْ كتَبَ الشكاوى لهمْ - أصْبح يحْمِلُ همّهُمْ؛ ويستعْجلُ أنْباء الفرَج وتباشير الفرح.. إنها أنوار الإنسانية الأخرى.. تشِعُّ مهْما كانت الدّهاليزُ مُظْلِمة.. يكتفيان بابتسامة الواثق ويُتابعان سيْرهما..

مثْلَما كان العمّ "عبد الله" يبكي حظ الزبون والصّديق "رشيد " الذي لمْ يمُرْ وقتٌ طويل على فوْزه بالقضية.. كان يبكي حظه العاثر الذي أفقدَه مصدر رزقه: الآلة الراقنة.. الخسارة كبيرة.. يُضافُ إلى ذلك الشعور بالذّنْب؛ وهو ما أتْلف ما تبقّى منْ أعصابه.. فكثيرا ما كان يُردّد جهْرا وسرّاً: " لماذا طلبتُ من الرّجل أن يظلّ إلى جانب الطاولة.. لماذا.. ؟ لماذا.. ؟ ساعدتُ إنسانا وتسبّبْتُ في موْتِ آخر.. !! " تُحاولُ زوْجتُهُ ُموَاساته فتُكرّر: " لا تلُمْ نفسَكَ يا رَجُل.. أجلُهُ أخذَهُ.. لا دخْلَ لكَ في تحْديد ساعة موْته.. "

ينْتبهُ المُحاِميانِ الشّابّانِ إلى طولِ غياب العمّ "عبد الله"، فيلْجآنِ إلى الاسْتفْسار عن أمْرهِ.. يعْلمانِ سُوءَ حاله، فيهْرعانِ لتقْديمِ ما ُيمْكِنُ من المُساعَدة : يُحْضِرانِ آلةً راقنةً جديدة، وطاولةً وكُرْسييْن رَفيعيْنِ، وحُزْمة أوراق بيضاء، ثمّ يمْنَحانِهِ مبْلَغاً مالياً؛ لسَدِّ بعض حاجاته. يدبُّ الأملُ من جديد.. تبدأ الأصابع الطويلة في ُمداعبَة الحُروف.. يسْتبشرُ أصْحابُ الشكاوى بعوْدةِ العمّ "عبد الله" إلى حِرْفتِه..

**

شكوى النّزيف..

تفاجأ العمّ "عبد الله" هذا الصباح ِمنْ تواجُدِ زبونٍ صَغير؛ ينْتظرُ دوْرهُ مع المُنْتظِرين.. "عدنان"، التلميذ النجيب بإحدى المدارس الحكومية الرائدة؛ يتقدّم بخطواتٍ واثقة بعد أن حان دورُهُ.. يُقَدّمُ دَفْتَراً أنيقاً مكتوباً بخطّ اليد إلى العمّ، يطلُبُ منه إعادة كتابة مُحْتَواهُ بالآلة الرّاقنة.. قبل أن يتصفّحَ العمُّ "عبد الله" الدّفتر؛ يسْأل بِاسْتغرابٍ الزبونَ الصّغيرَ: " ما هذا يا بنيّ؟ " يُمرِّرُ "عدنان" أصابعه الرّقيقة على جبينِهِ؛ يتأمّلُ الدّفترَ وهو بيْن يديْ العمّ؛ ثمَّ يجيبُ بصوتٍ مُنْخفض؛ وكأنّه لا يودُّ أن يسمَعَهُ أحدٌ من المُتواجِدين:" كلّفَتْنا أستاذتُنا "نصيرة" بضرورة عرْضِ نشاطٍ إبْداعي جماعي؛ تزامُناً مع اقتراب نهاية الموسم الدّراسي، فاتفقْتُ مع بعْضٍ مِنْ زُملائي على أن يكون نشاطُنا عبارة عن نصٍّ مكتوب بالآلة الرّاقنة، وبعد كتابته؛ سنُصوّرُ نُسَخاً منه؛ نُوزِّعُها على الحاضرين يوم عرْض نشاطاتِنا.. " ابْتَسَمَ العمّ "عبد الله" وهو يُعَقِّبُ على طلبِ الزّبونِ الصّغير:" إعادة كتابة كل هذه الصفحات؛ يتطلّبُ الكثير من الوقت.. ها أنت ترى طابور أصحاب الشكاوى.. لا أستطيع تلبية طلبِكَ يا بُنيّ. " بِرَجاءٍ عظيمٍ وحمَاسٍ كبير؛ أوْضحَ الزَّبونُ الصّغير؛ أنه سيترُك الدّفترَ للعمّ لمُدّة أسبوعٍ أو أكثرَ، وأنّهُ باستطاعتِهِ أن يكتبَ وهو في بيْته أثناءَ العوْدة مَساءً.. هزَّ العمُّ "عبدالله" رأْسَهُ اسْتِحْساناً للفِكرة وهو يُقلّبُ صفحات الدّفتر دون أن يُركِّزَ على المكتوب، ثمَّ اقترح على الصّغير أنْ يتفقّدَهُ بعْد أسْبوعٍ كاملٍ. ابْتهَج "عدْنان" وغادرَ المكانَ وفي مُخيِّلتِه أشْياء وأشيَاء..

ليْلاً؛ يحْتسي العمّ "عبْد الله" شايَهُ المُعْتاد، ويُجَهِّزُ آلتَهُ لنقْلِ ما في الدّفْتر.. تعْظُمُ دَهْشَتُهُ وهو يقرأ الخطوط الأولى.. يُبْعِد أصابعَه ُعن الآلة، ويُتابعُ القراءة.. يتملّكُهُ شعور مُفاجئ، يتصاعدُ التّشويق.. يتزايَدُ الانْبِهار.. يُغادِرُ الكُرْسِي ويَتمدّدُ على لِحَافٍ صُوفِي وأمامَ عيْنَيْه؛ تشهَقُ الحُروف شهْقَتَها الأخرى.. يقرأ.. ويقرأ.. :

بينَ ذرّاتِ التُّراب وحُبيْباتِ الحصى البيْضاء، بيْن توْقيعاتِ الرّياح وتجاوِيفِ الصّخْر، بيْن تسبيحات النُّجوم وهُتافاتِ النّسَمات.. على كل ورَقة شجَر، ومع كلِّ حكاية فجْر، أبُثُّكَ شكوايَ جدّي.. ! أعْرِفُ أنّ رُوحَكَ الطاهرة كانتْ تُحلِّق في سماءِ بيْتنا القديم؛ يوْمَ أنْ كان لنا بيْت.. ! نحنُ في العَراء جدّي.. ومع ذلك؛ نسْتشعِرُ رُوحَكَ في هذا العَراء تطوفُ بِرُؤوسِنا، تُقَوِّينا، ترْحلُ معنا فوق ألواحِ الشّتات؛ لِتنْقشَ لحظات الموت بعطر الدّم المهراق.. أبُثُّكَ شكْواي يا جدّي بعد أن ضاقتْ بيَّ السُّبُل.. بعْد أن ضاع منّي كل شيء في الوقت الذي أصبحْتُ فيه "أنا" كلّ شيء.. ! في كل زاوية يا جدّي؛ تتناسَلُ مُوسيقى جنائزِية؛ تعْبُرُ إلى تُخومِ الروح الهاربة مِنْ شظايا المشهَد الرّهيب.. أتْرابي.. يا جدّي؛ نهشتْ أجسادَهُم الطرية مخالبُ كلابٍ مسعورة.. أتْرابي قطّعَ أوْصالَهُمْ منْشارُ الحِقْد الأعْمى.. فقدوا الرِّجْل، فقدوا اليَد، الوُجوهُ مُشوّهة.. الأضلاعُ مُهشّمة، الحروقُ شبِعَتْ من الجلود، النّدوبُ أوْجعتِ القلوب.. أبُثُّـــكَ شكواي يا جدّي.. منذ مدّة؛ قتلوا والدي، اعْتقلوا إخوتي، اليوم؛ فجّروا رأس أمّي وهي تسِيرُ بيْن الخراب، كانتْ تحْمل كيساً من الرَّغيف لِنِسْوَةٍ ثكالى؛ احترقتْ أكبادُهُنّ أمام أغلفة بلاستيكية؛ حَوتْ جثامينَ أبْنائِهِنّ.. لم تعدْ لهُنّ رغبة لا في الطعام ولا في الحياة.. اكتفيْنَ بالإنزواء والشكوى إلى:"الله".. الأنقاضُ يا جدّي؛ تسْتغيث.. تصْرخ..  حُبْلى بأشلاء العِباد، المَخاضُ يشتدّ.. رِفاقٌ فوق الأرض؛ يُحاولون الدخول تحْت الأرْض، يعلو الصراخ، تلفظُ الأنقاضُ بعْضا من الأشْلاء، ويظلُّ المَخاضُ يأكلُ الأنقاض.. ! ويظلُّ الرّفاقُ في بحْثٍ مُتعاقب عنْ بقايا.. رفاق.. !

أبُثـكَ شكواي جدّي.. مساميرُ الغصّة تنْدكُّ في حلْقي.. أبْحَثُ عن بلدي داخل بلدي.. أبْحث عن رائحة أمّي، عن مِسْبحة أبي، عنْ أحلام إخْوتي.. أبحث عن شجرة الزيتون يا جدّي.. نهبوا ميراثي.. صادروا طفولتي.. طمسوا بريق الحياة في صدري.. ولكنّهمْ لا يعلمون يا جدّي؛ أنَّهُمْ لن يتخلّصوا منّي.. ! أنا الصغير.. سأرْميهم بالطّوب، بالرّمل، بِلَعْنَة الأنْقاض، بهدير الرّعْدِ، بأشباح الليل، سأسْكُنُهُم ولن يعرفوا مكاني.. سأعيش بداخِلِهِمْ؛ أزْرَعُ بذور الخوف في جُبٍّ أوْهامِهِمْ.. أجدّدُ فتيلَ الحريق في عُقْر صدورِهِمْ.. أُطْفئُ السّراج في أدْغال أحلامِهِم..

قتلوني ألف مرّة؛ يا جدّي.. ولم يهْزِموني.. أتمسّكُ بأرْضي.. بصوامعي.. بقداسة المكان.. بشهادة التاريخ.. بحَكايا الثوار البواسل، بأهازيج ليالي النصر القادم.. أبثُّكَ شكواي يا جدّي.. أجفِّفُ دمْعي بين قبور أحِبّائي، وعلى كلّ شاهدة قبر؛ أكتب كلمتي الأخيرة:  " أنا على العهْد.. باقٍ.. يا جدّي.. ".

إمضاء: عدنان الجزائري على لسان "طارق" الغزاوي.

لم يكنْ بالمُسْتطاع نسيان هذه الشكوى؛ فقد أثّرتْ في العمّ "عبد الله"؛ إلى درجة أنّه احتفظ بنسخة منها بعد أن سلّم النسخة الأصلية للزبون الصّغير.. كان الحفل بهيجاً؛ تعانقت فيه الأعْلام.. واتّحدتْ فيه الأحلام.. ونجحت الأستاذة "نصيرة" في غرس القضية الفلسطينية في عقول تلاميذها وهي تُعْلِنُ الفوز الكامل لفريق "عدنان" بالميدالية الشرفية أمام جمهور غفير؛ كان من بين الحاضرين فيه؛ القاضية؛ "حكيمة" باعتبارها الصديقة المقرّبةُ للأستاذة "نصيرة. " وكانتِ المفاجأة الأكبر؛ دخول العمّ "عبد الله" ومعه المحاميان: "هاشم" و"عبد الودود" بعد أن دعاهُما العمُّ لمُرافقتِه؛ إثْر حصوله على إذْنٍ خاص من مديرة المؤسّسة التّرْبوية.. تكلّفَ ثلاثتهم؛ بإلصاق مجموعة من نُسخِ "شكوى النّزيف" على جدران القاعة والساحة.. ووزّعوا قُمْصاناً بألوان وطنية وأخرى فلسطينية على الفريق الفائز..

***

شميسة غربي / سيدي بلعباس / الجزائر

مع النّسيم

الشّمسُ تتأرجح

على حَبل قلائد النّعناع

قلائدُ النّعناع ظلالُها تيجانٌ

تيجانٌ تنُوسُ على المرمر

مرمرُ فِناءِ بيتِنا مُشَعْشَعٌ

مُشَعشعُ الأريج

*

في الرّكن المُقابل

جاثمًا ينتصب بَرّاد الشّاي

على الكانون

الكانونُ مُتوقّد الجمرات

أمام بيت المؤونة

أمّي جَذلى تغنّي

تغنّي وتراوح الماء بين الأواني

أواني النّحاس والبلّور

فتسّاقط قطراتُ الزّهر

قطرةً

قطرةً

*

أمّي

أمُّ الرّبيع تُقَطّر الزّهرَ

تُهديهِ قواريرَ قواريرَ للأهل

للأحبابِ

أكبرُ القوارير

تملأها تمامًا تمامْ

لحَفيدِها الجديدِ

هذا العام .

***

سوف عبيد - تونس

 

في اللاشيْ كان يغور، يبحث عن شيء لايعرفه بالضبط، وما مر في مخيلته، ولازاره كومضة كامره تخثر اللحظة وتحنطها، فقط يبحث عن شيء في اللاشيء.. ماهو.. ؟

-لا ادري.. !

- أدري انك لاتدري، مثلما اعرف انكَ لاتعرف.. !

- ومن أنا.. ؟!..

- حين اعرف من اكون، ساقول لكَ من انتَ...

وراح يواصل البحث، يلتقط الاشياء، يتأملها، ويرميها وسط الماء.. تتسع الامواج وتتصادم في صراع واشتباك.. تخرّ بعضها صريعة، والاخرى تستمر بالاتساع، والنهر يزمجر لاحتدام الامواج.. ويحسب الامواج الراكضة وهي تتنسابق..

واحد، اثنان، ثلاثة، اربعة، خمسة.. إلخ

بعدها، يقلد الموجة الرابحة، قلادة من محار..

ويعاود الجريان والابتلاع والتثائب.. !

رحت اساعده بالبحث والتنقيب، وأنا الاخر لا أعرف عن منْ أبحث.. !

ووجدته يصرخ بي:

هذه بقعتي لاتزاحمني عليها.. هيا انصرف وبسرعة..

قلت: أين هي بقعتك وهي لاشيء.. !

قال: بل هي شيء في اللاشيء..

قلت: وهذا صحيح،

واعتذرت له رابتا على كتفه، فتطاير الغبار الكثيف من فوق كتفه المتهدل..

حينها، إبتسم بفرح غامر وراح يطارد الغبار محاولا الإمساك به

ويردد:

شكرا لك.. شكرا لكَ

هذا ما كنت ابحث عنه.. !!

***

د. جودت العاني

24 / 2 / 202

 

ـ ملامح، شقائق، خواطر وأجنحة ـ

من يخشى على الحَمَل

لا يكون إلى مائدة ذئب.

*

ما الشأن أن تسبرَ غورَ عتمة

ولا تخرج شمسٌ ولا حتى شمعة؟.

*

الفضيلة

أقصى ملجأ الجهل

والرذيلة

أيضاً

إنتحار علني.

*

جناحُ مآلٍ أخير

مخالب، أنياب كثيرة*

وخطوات طفلة.

*

الحياة

بمقاسِ ما الموت

يسمح.

*

كلُّ جهة

ولا جهة؟.

*

مرّات

تقول وتضحك

مرّات

صخرة

ومرّات

قلب حبق.

*

ريح

تصيبُها صدفة وصدفة

وصدفة.

*

القصد

أن تسمع عيناه أيضاً

القصد

أن ترى أذناه أيضاً

الإصغاءُ جذور

والفكرُ زهور.

*

"العصيان

كثيراً هو صوتُ الذين

لا صوت لهم".

*

أنا آكلُ ـ أنا حي

مثل أنا أفكّر ـ أنا حي؟.

*

رجل دين

علمتُ منه كيف خُلِق الهرّ*

قال: أعربتِ الكائنات

وهي في سفينة نوح

فراراً إلى الحياة

لنبيِّ الله نوح

عن خوفِها الشديد

أن يقرضَ الجرذُ حبالَ السفينة

فأمرَ الله نوحاً أن يضرب بيدِه "خيشوم" الأسد

ولمّا فعلَ

عطسَ الأسدُ وخرجَ القِطُّ

من رأسِه.

*

رجل دين آخر

سمعتُه في برنامج تلفزيوني

يقول إنّ الإمام كرّم الله وجهه

كان برفقته الصحابي الجليل

في وادي النمل ـ

وأين هو وادي النمل، يا فضيلتك؟

لم يذكر ـ

كان النمل في الوادي بالمليارات

قال الصحابي ناظراً بعجب: يا سبحان محصيها

قال له الإمام ـ

وشخصيّاً لا أدري من أين تأتي مثل هذه الأخبار ـ

لا، لا تقل سبحان محصيها

قلْ جلّ أو سبحان باريها

والذي نفسي بيده إنّي أعلمُ عددَها

وأعلمُ عدد ذَكَرِها من أنثاها

ويقول له المحاوِر:

وماذا يفيد أن نعلم عددَ النمل في وادي النمل

وعدد ذكرِها من أنثاها

ولو كان النبأ صحيحاً: لماذا لم يعلم

وهو عِلمُ اللهِ عزَّ وجلَّ وحده

أنّ ابن ملجم آتٍ بسيفِه المسموم ليقتله؟.

*

لا بدَّ من موسيقى

لكي تنجبرَ العظام.

*

الأنبياء

سيقولون أنّه حرّ

والصغار

سيقولون أنّه كافر.

*

كلُّ طريق:

المُنير، الصخريّ

المهجور، القريب، البعيد*

وبيتُ القصيد

مُغلَق.

*

مع الفجر

مع النسائم

مع زيتونة تُصِرّ

مع أسراب طيور إلى أُلفتِها

وهو إلى غربته.

*

العاصفة

من كلِّ اتّجاه

بالأوراق، بالرمل

بالسمك.

*

الأجواء تُستباح ـ

أناس كثر يتدافعون.

*

الهجرة

مورد مالي

لا بقرة للذبح.

*

في

ذهابِ وإيابِ

خيبةِ صدفة.

*

الميْت أم الحيّ

هو الذي نجا؟!.

*

لا إنفجار

إلاّ من ضغط.

*

الأسف

هو هذا الأسف.

*

السياسة الإقتصاديّة

وليس النظام الإقتصاديّ؟

أنت نمله وأنا فيل

فماذا تعمل؟

وأنا سمكة وأنت حوت

فماذا أعمل؟.

*

زمانُ

عبادةِ العجل

الذهبي

أيضاً.

*

"فرسانُ الهيكل

من القرون البائدة

كانوا ـ عسكريّاً ـ

نوعاً من أعلى

صنوفِ الكلابِ

الشرسة".

*

فالمسألة

هي في أوطان

والمواطن

يريد فيها كرامة

بالمساواة

في الحقوق والواجبات

إسمحْ لي وأنتَ صديقي

أن أختلف معك

إذا الوطن يضيق*

أنا معك بعزّةِ نفسِك

ولكن أن تكون مخاصِماً

لفكرة الدولة المدنيّة، العلمانيّة

والمجرَّبة كنظام حكم

في كثير من بلدان العالم

بإيجابيّة

ولو بأشكال دنيا

فإسمحْ أن لا أوافقك

ليست المسألة شخصيّة

بل المسألة مستقبل وأجيال مقبلة

حقّها أن تعيش عزيزة، حرّة، كريمة.

*

والناس

وحدهم قائد مخلّص.

***

شوقي مسلماني

انام واحلم

بزمرد وبفضة بيضاء

وبغزلان وايايل

ترعى في السهل

الخصيب مبتسمة

وبعنادل تغرد

قرب تلال من

الكرستال واليشب

لكن الالم الالم

في خاصرة الزمان

جعلني اكتب

سيناريو احلامي

المقبلة وان اوقد

شموع الامل الاخضر

والبهجة الخضراء

في  خاصرة  الالم

منتظرا عنادل

البرق وعصافير

قوس قزح الصباح

والشفق الازرق

لتغني مع الايايل

والغزلان والكراكي

في وطني الحزين

اغنية ا البرق

واغنية المطر .

***

سالم لياس مدالو

فيوضُ الروحِ عَنْ روحٍ تَناءَتْ

ومِنْ بَشرٍ إلى بَشرٍ تهادَتْ

*

فكَمْ سَمَقتْ رؤانا في عُلاها

وجابَتْ فوقَ أنوارٍ تَلاقتْ

*

فؤادُ الصَبّ مَسْكونٌ بوَجْدٍ

توجّدَ كلهُ والنارُ قادَتْ

*

سَكبْتُ الروحَ في أنْهارِ أدْري

فكمْ جَهلتْ وما حَذقتْ وغابَتْ

*

وما حَمَلتْ رَسائلها لذاتٍ

إليها غادَرتْ روحٌ وتاقتْ

*

أ يُمْسكُها ترابٌ دونَ ذنبٍ

ويَقهرُها بأوْجاعٍ فطارَتْ

*

بأنوارٍ تَجَلتْ ثمَّ تاهَتْ

على سُفحٍ مِنَ التِسْآلِ دامَتْ

*

أراها شَعْشَعتْ , فِكراً أضاءَتْ

فأوْقدَتِ النواهيَ واسْتهامَتْ

*

أعانقُ عَرْشها والمَوْجُ يُطمى

فأغرقُ في بحارٍ إسْتقادَتْ

*

هيَ الدنيا وَميْضٌ مُسْتعادٌ

فهلْ بَقيتْ لواحِدها وطابَتْ

*

تحرّرْ مِنْ ترابٍ لا يُبارى

سَيأكلُ كلَّ شيئٍ كيفَ دارتْ

*

أسامِرُها وحُبّي حَتفُ قلبي

وأنْساها وروحي ما أصاخَتْ

*

عَجائبُ قدرةٍ مِنْ كُنهِ ذاتٍ

تُزَعْزعُها الهواجسُ فاسْتجارَتْ

*

ورُبّ خطيئةٍ برَزتْ كحَقٍّ

تبرّرُها النوازعُ فاسْتكانَتْ

*

تقدّم أيّها المَسْكونُ فينا

بواعدةٍ عَناصرها تآخَتْ

*

تُعللنا المَنايا قبلَ حَيْنٍ

بمُنتقلٍ مَرابعهُ تناجَتْ

*

فنسْعى في مَناكِبها نِياما

ولا نَدري بما فَعَلتْ وشادَتْ

*

لنا يَومٌ وأيّامٌ بغيْبٍ

تعاضدها النوازلُ فاسْتباحَتْ

*

مَرَرْتُ بها على أقوامِ باقٍ

ولا أدْري لماذا إسْتفاقَتْ!!

*

تُعلمُنا الخطوبُ جراحَ هَمٍّ

وتَنكرنا إذا وفدَتْ وغارَتْ

*

أجالسُ عَرْشها والروحُ كَلْمى

بنفسٍ عنْ مَساوئها أشاحَتْ

*

أفاضَتْ مِن جنانِ الشوقِ قطراً

يُساقي مُهْجَةً طربَتْ وآبَتْ

*

حنينُ الكونِ في ذاتٍ تَعتّقْ

فأسْكرَ خلقها والروحُ هامَتْ!!

*

على مولايَ مِنْ ألمٍ أنادي

فهلْ أُسْقى بأنوارٍ تَهادتْ.

*

سَمِعتُ صَريخها في جوفِ أرْضٍ

وأمْعنتُ التفكّر فاسْتراعَتْ

*

عَليمٌ عارفٌ كُنهَ انْطلاقٍ

وإبْحارٍ بدائرةٍ أدامَتْ

*

فلسنا مثلَ أحْرارٍ كخلقٍ

تقيَّدْنا بجاذبةٍ أبادَتْ

*

فسَلْ عنّا طيوراً في عَلاءٍ

إلى عَرْشٍ بساميةٍ تبارَتْ!!

***

د. صادق السامرائي

 

إذا استعصت بأيـــــدينا نذودُ

فما قد كان يدريه اليهــودُ

*

بـ(خيبرَ) يشهد الأعداء يوماً

بهِ هُدَّتْ بصمصامٍ ســــــدودُ

*

بهِ بابٌ له العشرون ضعفاً

بكفٍّ واحدٍ هُـــــزَّ الحديدُ

*

فسالتْ أنحرٌ عاثتْ ضلالاً

وآذتْ أنبياءً حتى يحيدوا

*

ولكنْ كلُّـــــــــــهمْ ظلّوا ثباتــــاً

على دين السَّماء .. وهم أبيدوا

*

فهل بعدَ الحقيقةِ كانَ شـــــكٌّ

وهل غيرَ الإله حوى الوجودُ!؟

*

لنا في الله عهدٌ لا يضاهى

وعهدُهمُ بهِ شــانتْ قرودُ

*

إذا قلنا ســنمحوهم جميعاً

نخافُ ﷲَ.. يكفينا الصّمودُ

*

نقاتــلُ بطشَهمْ ليلاً نهاراً

ولن نلوى.. لنا يوماً نعودُ

*

نؤذّنُ في المنائر عند (قدسٍ)

لـــــــــــه صلّى بقبلتهِ الحميدُ

*

(مُحَمَّدُ) خاتمُ الأديان منهُ

تعالـــى للسَّماءِ هو الوحيدُ

*

وعادَ بليلةٍ ضمّتْ زمانـــــــاً

على المسرى المبارك لا تعودُ

*

إذا يُجلى عن (الأقصى) يهــودُ

ففي التَّحريـــــــــــر أعراسٌ وعيدُ

*

لذا نبقى إلى (الأقصى) نصلّي

وعنهُ دائمــــــــــــــــاً إنّا نذودُ !

***

رعد الدخيلي

تعالي

لنتعلم النسيان

لننّسى أننا يوم التقينا

نتجاهل ذكريات الأمس

نكره عطرَ تعرقنا

نتناسى شفاهنا الرطبة

الاتزال رطبة من فرطِ

القبل.؟

ونحن نصطاد القبل قبلة قبلة بسنارة اللهفة

ننتهز اول أبتسامة لنمضغها

طازجة.

تعالي لننّسى الحب كما

نتناسى

النكبات التي توالت على خد الوطن صفعة صفعة

من أول الطغات

لآخر الغَزَاةٌ

علنا نفلحُ بالنسيان.

***

كامل فرحان حسوني - العراق

في سمعي يَهْتِفُ بي هاتفْ:

يــــــاولدي: (غَــزَّتنا) نازفْ

*

وعِقَــــــــالُ الفِسْقِ بِمَعْقَلِهِ

يَعتَـــــــقِلُ الفِكْرَ المُتكاتِفْ

*

وعِمَــــــــــامَتَهُ في طَيَّتِها

زُنَّـــــــار أبيهِ المُتَحـــالِفْ!

*

ظَــلَّتْ.. وأظَــلَّتْ.. وأعـاقَتْ

(وعْـــيَاً) بظلامٍ ومَخَاوِفْ

*

أَلْقَـــتْ وتَخَلَّتْ عن دِيـــنٍ

لِتُدِينَ بفتواها (مُخَــالِفْ)!

*

فاصْدَعْ ياولدي.. ماتُــــؤْمَرْ

واعْرِض عن نُظِمٍ... وطَوائِفْ

*

والْجِـــمْ نَعَــرَاتَ سياستِهِمْ

كي تُخْمِدَ عُنــفاً... وقــذائفْ

*

واقْتَـصْ مِنْ ظُـــلَّام العَصْرِ

كي تُنْــهِ الظُــلْمَ المُتضاعِفْ

*

ما وَطَّـــــأَ رأس عُروبتِـــــنا

واقتـــــادها بَعْلٌ... وزواحِفْ

*

إلا زُعمــــاء بني بَطْــــــحٍ ...

و(مَدَالـــيز*) الثَّوْبِ الـزائِفْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي - اليمن

18/5/2024

........................

* مَدَاليز: مفردها مدلوز / عامية تعني المُخَنَّث... وهنا كناية عن الذين يزعمون أنهم رجال الدين بجميع أصنافهم...

جلست يوما

أتفيأ بظل نصب الحرية

وأقرأ في كتاب "العبودية"

عن كيفية صياغة أحلامي المتأجلة

منذ أعوام

وأنا أصر على المشي

على حافة المنفى

أتوكأ على عصا مرخية

كلما جرفتني رياح الغربة

أحمل خطواتي فوق بساط التيه

*

فر العمر

وتركني أغازل فقاعات

على وجه ساعة متوقفة

داخل جيب سترتي

*

ها أنا الآن أهاجر

مع أوراق الخريف

وتحت ابطي مفاتيح المدينة العتيقة

وباقة من زهور ذابلة

*

مالذي سأفعل

بمخالب قطة وديعة

تجلس معي

في قاع المنفى

وما معنى أن تحرضني

سيدة مسنة

على مداعبة الأرانب السوداء

*

وعندما تراخت

الظلمة البهيمة

على مناكب الأرض

وتدلى الصدى

من أجراس خرساء

كانت أحداقي

تتشظى

وتعتلي فراغ الأمسيات

*

لعل في نباح الكلاب

ما يشفي الخيول الجامحة

في قافلة تخلت عن ركبها

*

هكذا تبقى الحياة

مجرد كلبة ذات جراء

متعددة الأعراق

*

وأنا لم أزل أحفر في تضاريس عائمة

على أعتاب العمر

أمرغ سحناتي الشاحبة

في تجاعيد الزمن

وأعاقر ما تبقى من نخب الشيخوخة

*

كنت أظن أن الحرية

نعمة من نوع آخر

فوجدتها سوى ورقة يانصيب خاسرة

تحتضر في سلة المهملات

*

كأني شبح ثمل

في حانة مهجورة

روادها كالزنابير

يتدربون على التحليق

خارج السرب

ويرقصون على نقرات

الطبول الأفريقي

أشجار الخروب

تطل من شرفات

مغروسة في الخواء

والظهيرة

مكتظة بناس

يتنكرون بمنامات بهلوانية

*

أنا الآن في سن

أصبحت فيه كعصفورمنبوذ

يتسكع خارج القفص

***

بن يونس ماجن

في نصوص اليوم