نصوص أدبية

فؤاد الجشيكان الرّجل في غاية السّعادة عندما تحدّث عن زوجته، إنّها المرة الأولى التي أراه مع صديقي أحمد، قلبٌ سعيد وأفقٌ بعيد. ورغم السنين السبعين، ما زالت علامات الشباب تملأ وجهه بين الحديث الجميل، سمع الجميع في أنحاء المطعم أغنية عيد الميلاد في الطاولة الأخرى، صفّق الجميع بعد الانتهاء، اشتعل قلبه حديثًا مع المناسبة التي حدثت قبل قليل.

كنّا يومًا نحتفل بذكرى ميلاد زوجتي حنان، بعد زواج دام أربعين سنة، اقترحت سلمى البنت البكر إحياء ميلاد أمّها في الصالة الكبرى، فانتشرت روائح الورد والبخور في أنحاء البيت، وحضر الأولاد الخمسة مع أطفالهم. أحضرت عفاف مستلزمات الحفل من بالونات وأشرطة ذهبية وملصقات، بينما رجاء أحضرت قوالب الكيك والشموع. أما باسمة فقامت بتنسيق البوفيه من مأكولات ومشروبات، وضع الابن خالد جميع الهدايا على الطاولة التي تم إحضارها بهذه المناسبة.

عاد الأب من الخارج بثوب جديد وحلاقة ناعمة وعطر فواح. ظهرت الأم حنان فجأة من الغرفة الرئيسية بكامل صفاتها وزينتها، ضحكت القلوب آسرة عندما رأوا والدتهم بأناقتها العالية، ملاحم هادئة وعينان صافيتان متزيّنة بالحلي الذهبية الجميلة، ارتبك أحمد كأنه للمرة الأولى يرى زوجته بهذه الصورة، ذلك الجمال الذي ارتبط بالحب والمشاعر الحقيقة، تذكر رؤيتها عندما رآها أول مرة، قبّل جبينها ثم احتضنها مع أبنائه، ارتبكت الأم حنان وهي تبتسم، من نظرات الجميع وهم في دفء حضنها وسعادتها.

جلست الأم على الأريكة الخاصة بها، تنظر أن ينتهي الجميع من الانتهاء من ترتيب بعض الأشياء، جلس الأب أحمد يلعب مع أحفاده، بينما خالد يحرص على توثيق المناسبة بواسطة كاميرا الفيديو، وصل بعدسته إليها وهي تبتسم متوسّدة ذراعيها الدافقتين بالحنان تنظر إلى كلّ الأشياء، جلس الأب أحمد بجانبها لالتقاط الصورة الأخيرة، أمسك بذراعيها، قبّل كفّها، بعدما تأكّد أنّها فارقت الحياة، قائلاً: سنلتقي مرّة أخرى.

***

فؤاد الجشي

مِن نجمةِ صبحٍ ورْديّةْ،

توقِظُني ..

في قارورةِ عطرِكَ

تنْثرني ..

و َتُغازلُني شمساً

يا جلجامِشْ ..

ورْدي الأحمرُ يُزْهِرُ فيكْ

وأنوثةُ تاريخي الكَونيِّ

تَلألَأُ

في عُشْبَتُكَ الأبَديّةْ..

هيّا اعزفْني

سيمفونيّةَ عِشْقٍ

واسكُنْ مرآتي السِّحريّةْ ..

فشَفافيّةُ روحِكَ،

ضَوءٌ لِخُطايْ...

لكنَّ النّارَ خُطايَ

تُراوِدُني جَمْراً

تَهْمي كلُّ فراشاتي بيدَيكْ ..

ونَصيرُ فضاءً مفتوحاً..

فشِراعُ سَماءٍ يحملُنا

وَصهيلُ الريح يسابِقُنا

**

يا تَمّوزَ الحُلُمِ الأنْضَرْ

يا قَمَرَ العشْقِ الأخْضَرْ،

كَيفَ تجيءُ إلينا؟

و القلبُ بنارِ الحَرْبِ تَضوّرْ!..

موعِدُنا الآتي

بين شَقائقِ نُعْمانٍ

تتفتَّحُ فينا

كَي نولَدَ ثانيةً مِنْ قَمَرَينْ،

ونُبارِكَ بعضَ جنونٍ فينا

أوْ أكْثَرَ... أكْثَرْ! ..

***

شِعر: إباء اسماعيل

الليلةُ يا طولَ الليلةْ

أحلامي حولي مخذولةْ

*

أحزاني لا تُحصى عددًا

مَن نام الليلةَ يا ويلهْ

*

يتقلبُ مِن ألمٍ بعضي

لا يُدركُ عصفوري نيلَهْ

*

الظلمةُ تطوي مبسمَنا

فضيائي يرثي قنديلهْ

*

وحبيبي يبدو منْشغِلاً

في بيتٍ أحكمَ تفصيلَهْ

*

في بيتٍ كان مع السلوى

نهراً والغبطةُ جندولهْ

*

لكنَّ حبيبي لا ينْسى

قلبي الموجوعُ بلا حيْلهْ

*

أمُّك يا ولدي ما برحتْ

بنحيبِ المأتمِ مشغولةْ

*

تغْفو تصْحو تصْحو تغْفو

لا تعرفُ للصبرِ وسيلةْ

*

تترنمُ في ولدٍ غضٍّ

ما عافتْ يوماً تقبيلَهْ

*

لكنَّ الموتَ بلا عدلٍ

يترصدُ من نهوى غيلةْ

*

قد حرْنا في الموتِ كلغزٍ

لا نعرفُ يوماً تأويلَهْ

*

يتخيَّر أغلى ما نهوى

ويقضُّ مضاجعنا غِيلةْ

***

د. جاسم الخالدي

 

أين أنتِ

أبْحَثُ عنكِ

في مَدينتِنا

في البيتِ ، في الشارع ِ

في حَدائِق ِ المَدينةِ .

أنّى مَشيْتُ أسألُ عنكِ

أسألُ أوراقَ الخريف

أسألُ ليالي الشتاءْ.

صارتِ الدروبُ كلها

دُروبَ قهرٍ..

وقد أغلِقتْ أمامي

كلّ ُ الأبوابِ

ولمْ أرَ عَينيك

ولا هُما ابتسَمَتا

وصارَ نهاري مُظلِماًً

بعدَ أن غادَرَني وجْهُكِ.

أحَدّ قُ في وجوه الصّبايا

ولكنّ ابتسامَتكِ لم تشرقْ أمامي.

**

الوَقتُ يَمضي ظالِماً

بتعاقبِ الليلِ ِ والنهار..

ها هو الخَريفُ

قد انقضى

وحلّ بَعدَه ُ فصْلُ الشتاءْ.

الأشياءُ هنا

قد اختلفَ شكلُها

وأصبَحَتْ باردة

لم تبقَ لها تلكَ الألوانُ الجَميلة ُ

التي  طالما ذكرَتني

بذاك المُحَيّا

وذلك الشعر الكسْتنائِيّ الحَريرْ .

**

أتوق ُ إليكِ

كما تتوقُ الصّحراء ُ

إلى زخّاتِ المَطرْ

أتوق ُ إليكِ

مثلما الطفلُ ينتظِرُ وَجْهَ أمّهِ.

ها أنا أبحَثُ عَنكِ

مُنذ ُ ساعاتِ الصّباح

وقبلَ حُلولِ ِ المَساءْ

فتشت ُطويلا .. ولم يبق لي أملٌ

في أيّ طريق ٍ مَشيْتْ

ولم أجدْ إلى الطمأنينةِ

بَعْدُ أيَّ سَبيلْ

وغادَرَتِ السّكينة ُ روحي.

**

أين أنتِ يا غاليتي؟

كلَّ مَساء أشعلُ قناديلي وشموعي

وأنسجُ حلميَ الواعِدَ بعودتِكِ

فهل سيخصبُ خيالي

وتقطفُ عيناي لحظاتِ عودةِ  الحَبيب

وتخضرُّ دارُنا ، وتمتلئ

بعبق الضوء والحنان ؟

ها أنا  قد أصبحتُ اليَومَ

مكسورَ الجناح...

بلا وطن ٍ، بلا أحِبَّة.

حين كنتِ بيننا

كان بيتنا خيمة من حرير

ها هو بعد فراقِكِ

أصبَحَ أرضاً  إقفارا

تذروها الرِّياح.

**

تسألُ عنكِ دفاترُكِ والأقلام

والشجَنُ والحُزنُ يَسكنان ِغرفتكْ

والمرآةُ حزينة هناكْ

لم تعُدْ ترى

من يَتزيّنَ أمامَها في الصّباحْ.

العَصافيرُ ، التي كانت في حَديقةِ البَيتِ

ترعى صغارَها في كل مَوسمْ

هاجَرتْ.. ولم تعُدْ

ربّما قد أخافها

خريفُ وجهي

وحزني المُعشقُ بالدّموع .

أتذكّرُ أيامَ طفولتِكِ

حين كنتِ كالعُصفور الصَّغير

تملئينَ البَيتَ

بَهجَةً ً ومَرَحا.

**

ويبقى  في خَلدِي

السُؤالُ .. يُؤرّقني

يَجْرَحُ فؤاديْ

- أينَ أنتِ ؟

- بل كيْفَ إليكِ الوُصُولْ؟

أراكِ...

قد اِخترتِ دَروبَ الغرْبَِة ِ

الإنتظارُ صارَ لي قدَراً

وَصارغِيابُكِ دائِمَ الوجودْ.

- أين أنتِ الآنَ ؟ أينْ ؟

عودي إليَّ بنيَّتي

قبل أن يُحَضّرَ الدَّهرُ حقائبي

ويسألني الرّحيلَ.

***

بقلم: الدكتور اسماعيل مكارم

كراسنودار – روسيا.

شتاء 2020    

 

ذاتُ صباحٍ نورانيٍّ

يشبهُ يومَنا الأرضيَّ هذا

وإحتفاءً بسنواتي المريرة

والجميلةِ واللذيذةِ

والقاسية والعجيبةِ والموجعة

وفي الثناءِ على حياتي

التي تشبهُ سفينةَ نوح

التي كان فيها من كل شيءٍ:

حزنانِ وقهران

قبرانِ وموتان

طيرانِ وجناحان

وبذرتانِ مضيئتان

كانتا هما: أنا وأنتِ

والماءُ اوّلُنا الوحيد

وها انا وفي يوم ميلادي السعيدِ

والبسيطِ والمُهملِ والمنسي

قررتُ ان ازرعَكِ بذرةَ حُبٍّ

في واحةِ جسدي الخصبة

وأنتظرَكِ …

على جمرةِ الوقتِ

وغبطةِ الأملِ

وموسيقى الرغباتْ

انتظرُكِ …

بلهفةِ عاشقٍ كلاسيكيٍّ

كي تكوني وردةَ العمرِ

والقلبِ والبلاد الجريحة

وسأرعاكِ وأُدللُكِ

وأسقيكِ ماءَ العينِ

حتى تُزهري عاطرةً وماطرةً

وريّانةّ ونشوانةً ومُشتهاةْ

وبحضوركِ الربّاني الباذخ

تنشرينَ العبيرَ والعبقَ

والعطورَ الفردوسية

في هذا الكونِ الذابل

وفي هذهِ الكُرةِ المُمزقةِ

التي ندعوها: أرضَ اللهْ

وفي هذه المتاهةِ الغامضةِ

التي نُسمّيها: حياةْ

***

سعد جاسم

اوتاوا- 3-6-2022

يا نداء الشعر في روح البرايا

إنَّ ميلاد الهوى ميلاد مايا

يا قميص العشق في قدّ الخطايا

إنَّ ميلاد الرضا ميلاد مايا

يا عبور اليمّ في صندوق حبٍّ

إنَّ ميلاد المدى ميلاد مايا

يا صلاة الأرض في أحكام عرفٍ

يوم إطلاق الصدى ميلاد مايا

يا جوار الوحي في غار الخبايا

يوم إمطار السما ميلاد مايا

يا سطوع النجم في ليل السبايا

فجر إقصاء الجوى ميلاد مايا

يا بلوغ البدر في قلب المرايا

طفلُ ميلاد الصبا ميلادُ مايا

مشطُ فرعون الذي رشّ المنايا

فرّ خوفاً مُذْ بدا ميلاد مايا

في عصا الأكوان موسى قد تجلَّى

من  عطاء الحبِّ يا ميلاد مايا

إنَّ تمّوز الذي فيه العطايا

شهرُ ميلاد الهوى ميلاد مايا

***

الشاعر: ياسين الرزوق زيوس

روسيا موسكو

سَأَكْتُبُ اِسْمَكِ فِي كُلِّ بَابْ

 وَأَمْسَحُ كُلَّ السِّنِينَ الْهِبَابْ

*

وَأُسْكِنُكِ الْقَصْرِ يَا حُبَّ عُمْرِي

 وَأَكْسُوكِ أَحْلَى وَأَغْلَى الثِّيَابْ

*

فَلَا تَحْزَنِي يَا مَلَاكَ الْجَمَالِ

 إِذَا ذُقْتِ بُؤْساً بِدَارِ الْخَرَابْ

*

تَعَالَيْ بِحِضْنِي أَضُمُّكِ حُبِّي

 وَسَوْفَ تَمُرُّ ثَوَانِي الْعَذَابْ

*

فَأَنْتِ بِقَلْبِي مَنَارٌ بِدَرْبِي

 حَبِيبَةَ عُمْرِي ذِهَابَ إِيَابْ

*

وَحَقٌّ عَلَيَّ أُدَاوِي الْجِرَاحَ

 وأَمْحُو هُمُومَكِ بَعْدَ اقْتِرَابْ

*

وَأَمْسَحُ مَا قَدْ تَرَاءَى بِقَلْبٍ

 نَقِيٍّ جَمِيلٍ بِأَحْلَى شَرَابْ

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

 

نبيل عودةأعددت مفاجأة لزوجتي. قلت لها ان لا تعد هذا المساء أي لون من الطعام، فانا سأدعوها الى مطعم فرنسي فاخر. سألتني باستغراب لا يخلو من استهجان:

- هل فزت في الياناصيب الذي تصرف علية ربع معاشك؟

نفيت أي فوز وأخبرتها انها مفاجأة.

نحن متزوجان منذ عقدين كاملين، وحان الوقت لإجراء تغيير ما يبعث التجديد في حياتنا. يشعرها انها ما زالت زوجة مرغوبة، لعل ذلك ينسيها مغامراتي المجنونة.

كانت المناسبة عيد زواجنا، ولكن لكثرة ما مرت من سنوات دون ان نتذكره، استقر في مكان ما، منسي، داخل الذاكرة.

لم تفهم سر طلبي ان ترتدي بشكل جميل. يبدو انها حاولت جاهدة ان تكشف هذا التغيير في تصرفاتي.

وصلنا المطعم، الجو شاعري ولطيف، وضوء أحمر خفيف يلون جو المطعم، على خلفية الستائر السوداء التي تتدلّى من جميع الحيطان، حتى السقف مدهون بالأسود، لأول مرة أكتشف ان هذا اللون، الأسود، ليس لون حزن فقط، انما لون يبعث على الكثير من الشعور بالاسترخاء، الذي يكسره الضوء الأحمر الخافت بخلق الإحساس بجو شاعري..

 كانت الطاولات مشغولة، بمعظمها، أجلسنا مدير الاستقبال في زاوية هادئة، وصوت موسيقى هادئ ينطلق من السماعات دون ان يزعج، بل يترك جوا مشبعا بالراحة والاسترخاء.

- ما المناسبة لهذا الكرم الطائي؟

- ما هو تاريخ اليوم؟

- ما العلاقة؟

- هل ضعفت ذاكرتك؟

بعد برهة من التفكير انتشرت ابتسامة عريضة على شفتيها:

- يوم زواجنا.. كدت أنسى، عقدان لم نحتفل بهذا اليوم، كيف تذكرته؟

- يجب ان نبدأ بالاحتفال، الأولاد كبروا، والآن يجب ان نتمتع ببعض ما نقدر عليه.

اقترب منا سفرجي، مبتسما بشكل اصطناعي:

- تفضلوا.. ماذا تطلبون؟

- اريد أولا زجاجة نبيذ، بماذا تنصحنا؟

- والمناسبة؟

- عيد زواجنا.

اتسعت ابتسامته كثيرا وسأل:

- حسنا، قل لي أولا، هل جئتم للإحتفال ام للنسيان؟

 عبستْ، ولكن زوجتي انفجرت بالضحك الشديد!!

 ***

نبيل عودة

يا سماسرة الوطن..

إنا ها هنا ماكثون،

ثابتون..

مرابطون..

على قناعاتنا محافظون

فإن كان من راحل..

فأنتم الراحلون.. !!

قد شَربنا الوطن،

وفي دمائنا كأس للألم،

وطاساتٌ من فرح ..

و قد أكلتنا الأوقات،

وصار في عيوننا طيفٌ

للغدِ الهروب..

مُشعٌّ كالقمر في عيون العاشقين.. !!

يَدحو سديم الليل،

تُطارده أشلاءُ السّهر .

ارحلوا جميعا..

إنّا ها هُنا واقفون..

نَرقب انفلات الصبح الغائِرِ فينا

مُنذ بدء الخليقةِ

إلى مُنتهى السفر..

ارحلوا جميعا..

نحن هنا في انتظار المطر.. !!

فامطري يا سماء،

وارقصي يا رياح ..

وأتينا بالخبـر.،

فقد عَزَّ الطلبُ وعزّ العطاء،

وعَـزّ المطـــــــــر.. !!

***

محمد المهدي ـ تاوريرت

المغرب 28/06/2022

قالتْ لا تقْرُبْ من نارٍ تصلاها

قَفّلتَ وأخفيتَ المفتاحا

ماذا أبقى شيطانُكَ في رأسكَ من بؤسِ

أو نجمُ الغُربةِ من أثرٍ في شقِّ البرْقِ

عُدْ أدراجِكَ واشرحْ صَدْرا

سرٌّ في الرأسِ المُندسِّ

أني المطعونُ بخاصرةٍ تَدمى بالذكرى

أتمرّغُ بالآجرِّ المُصفرِّ ونارِ التنورِ

تشجُرُهُ فجراً أُمّي

ويلَ الأمِّ إذا ناحتْ أو أنّتْ

دقّتْ في بيتٍ أجراسَ الأقدارِ

وتدلّى من بئرٍ في العينِ شريطُ دماءِ

يسألُ في ثوبِ حِدادٍ مُنشَقِّ

هل بعدَ الغيبةِ يأتي أهلي ؟

الآنَ أُواجهُ شكّاً جازَ الحدَّ الأقصى

في أنَّ الدربَ قصيرُ

[ يا حاديَ عيسِ ] الظمآنِ تقدّمْ

أُنشرْ شكواكَ على أهدابِ الحبلِ الرملي

لا توقظْ من نومٍ أمواتا

دَققْ في الأمرِ مَليّا

لا ترفعْ أعلى من رأسي سوطا

محكومٌ أنْ أَرقُدَ في عينِ الذيبِ السهرانِ

هَرَباً من بطشٍ مُستشرِ

جفني يتفصّدُ دمْعا

أتوانى حتّى ينأى خوفي منّي

وأُقوّمُ نهجَ الساقطِ في سوءِ الظَنِّ

فالخيبةُ أجنحةٌ تتساقطُ في بابلَ أبراجا

تتبرجُّ بالكُحلةِ في دمعِ الأهلِ

قالتْ سُبحانكَ لا ترفعْ من قَدْري إكليلا

يأسي تاجٌ في رأسي

يعزفُ للنائمِ أبواقا.

***

دكتور عدنان الظاهر

حُزيران 2022

لا يفوتني أنْ أسأُلكِ

عمّا جعلَ فِتنة مَنْ أحبّكِ

ككل التماثيل التي تلوّح للهواء

ناسيا أحزانَ عمره، وما شعّثَ قلبه

واستأصل بريق عينيه

هل أنتِ الهواء الذي هزمَ ما رأيت؟

أحرقَ القناديل التي أُحبها

لفظها خارج البيوت والكتب والدنيا

أوجعَ الموسيقى

هزّ خطاياها فواصلتْ أسفها

شتمَ الأمل  الذي  زرعته الحكمة جهرا

عند بياض نواصيه

عند خزائن رئتيه

به كانت تتنزّه الغمائم والأطيار

يغازلُ رشاقة النهر وهو يحملُ غبش حلمكِ

فيفيض..

ثم يفيض كلما تمرّى القمر فيه

يفيض..

بلحنِ كلام النجم

به تعافتْ آثامي العليلة.

**

مَنْ أحبكِ غيري

وتعقّل إصغاءً لمفاتنكِ؟

مَنْ غفى على ابتسامتكِ الثريّة وهي ترفرفُ

لتخلّصه من قاع اللامبالاة !

سألتُ كحلكِ الجامح وراء ما يحدثُ للفصولِ

وهي تنفّرجُ لمزاجِ الحديقةِ

لعلّ الأيام التي أقبلتْ وهي تُطفىءُ الوقت

لم تذقْ لحظة من شفتيكِ !

أبصرتُ بها أنا كل العالم

وهو يتشكّل كموسيقى.

***

زياد كامل السامرائي

هشموا مرايا

الامل والحكمة

ومضوا مضوا

زارعين في

طرقات

الحب والعطاء

شوكا

عوسجا

وحنظلا

غير مبالين بغضب

البرق الريح

والمطر

حينذاك قلنا

سنحتمي بقرص الشمس

بقوس قزح الصباح

وبالشفق الازرق

ونطرز ا احلامنا

امالنا

ورؤانا

بشعاع

من نور التصميم

الازرق

فهشموا هشموا

مرايا الامل

الحب والحكمة

واختباوا خلف

جدر اسفلت

الاقاويل

غير مبالين

بالمطر .

***

سالم الياس مدالو

 

مـِــن ثــنايا القلب اشــواقي تُراسِـلْ

ورَفِــيــفُ العـين يَـشْدو  ويـُواصِل

*

كــلّ خَــطْـوٍ صَوْبَ تــعـزيــز الـلِقا

مِن حَفيفِ الوَجْد يَستوحي التواصل

*

يرســــم الآمـالَ فـــي شــوْقٍ الــى

سُـــلّـم الـعِــزِ، وعــليـاء الــمَـنازِل

*

عِـــفّــةُ الــقولِ ، لـهــا غَــرْسٌ  بـه

نَـــسَــغُ الصـدق يُــصاول ويُــجادِل

*

عـَـبَـقُ الذِكـرى ، نَــشِيدٌ في الكَرَى

دائــمُ الــعَــزْفِ ،  بأوتــارٍ تـُـغازِل

*

كــلُّ حُــبٍ تَــوّجَ الـوَصْــلَ سَـــنـاً

بــأمــا نٍ ، ووِدادٍ  لا يـُــــجــامِــل

*

بَــتْـلَــةُ الإخــلاصِ ، يَروي جَذرَهـا

طــاهِـرُ المَــوْرِدِ ، مِن انقى المناهِل

*

كــلُّ تــزْويــقٍ ،  لِــتعزيـز الهـَـوى

يَــتَلاشــى فــي اخــتبارات المَراحِلْ

*

وحروف النقد فــــي تهذيبها

لهزيل القول ، تبني وتساجل

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

اسماعيل مكارموهي حكاية للأطفال مستوحاة من التراث الشعبي.

يا إخوتي الصغار، قد انقضى النهارْ، وحط الليلُ في كل مكان، فلنسمع الحكايةْ، وإليكم البداية ْ.

كان في قديم الزمان، في دولةِ هندوستان رجلٌ يدعى ُسليمانْ، وله زوجة ٌ تدعى زهرالبان، وبنتٌ جميلة ٌ يعجز عن وصفها اللسانْ، اسمها قمر نيسانْ، وابن اسمه نعمانْ.

لم يكن لدى سليمانَ الكثير من المالْ، لكنَّ أسرته لم تعرف الحزنَ، ولا انشغال البالْ، عاشوا بهدوءٍ وأمانْ، يعبدون ربهم ويحترمون، زعيمَ قومهم، وكانوا يسكنون بالدار ذات البستان . ومرت سنوات عجافْ، عم فيها القحطُ والجفافْ، وساءت الأوضاعْ، وانتشر الأشرارُ والرّعاعْ، والطّاعونُ والأوباء.

ومرضت زهرالبان، وتوفيتْ بعد فقدان الأملِ بتحسّنِ الحالْ، وبكى عليها زوجها والأولاد، وجاء الحزنُ إلى الدار.

ومرت الأيام.. وقضِيَ على نشاط الرّعاع، وعادتِ الأرضُ إلى العطاء، وُسمِعت الأفراحُ  في قصور هندوستان، ولكنَّ الفرحَ لم يعرفْ طريقه إلى دارِ سُليمان.

وقالتِ البنتُ يوماً لوالِدِها:

أراكَ ياوالدي قاطبَ الجبينْ، لا تكذبني ولا تحلف اليمينْ.

وفاة ُ أمي إرادة ُ ربّ العالمينْ. أنصحُكَ أن تختارَ بنتَ حَلالْ، لِتشرِفَ على العيالْ،  وتصلحَ في البيتِ الحالْ.

فسمعَ الوالدُ نصيحة َ ابنتِهِ  قمر نيسانْ. ولم يمضِ وقت طويلْ، حتى جاءت إلى البيتْ آمرأة ٌ غريبة في ثيابها البرّاقة ْ وعينيها، الصّغيرتينْ وقدميها الطّويلتينْ.

ولكنَّ هذه الخالة ْ ومن الساعاتِ الأولى صارت في عيون، الأطفال كأنها الغولة ْ. وأخذت البنتُ منها الحَذرْ ولم تستسلِم، للقدرْ. وفهمت البنتُ البريئة ْ أنَّ هناكَ خطيئة ْ. وأخذت الزوجة ُ، الشّرّيرة ُ السّاحِرة ْ تلعَبُ لعبتها الماكرة ْ، فهيَ للزّوجِ خاتم لبيكْ، عبدك بينَ يديكْ... بينما هي للأطفالِ الجنّيّة ُ بنتُ الجنيّاتْ، تحرمُ من تشاء الحياة.

وذاتَ يومٍ أرادت الخالة  أن تتخَلّصَ من الولدِ نعمان كي تعيشَ بنعمَة ٍ

وأمان، فأمَرَتِ البنت َقائلة:

قومي يا قمرية ْ، يابنتَ الدّهرية ْ، واستدعي لي على جناحِ السرعَة ِ

نعمانْ، لكنْ لا تُخبريهِ أنّي في المكان.

ويحدثنا الولدُ نعمان كيفَ نادتهُ أخته:

ونادتني أختي تعالَ ولا تأتِ. الدّارُ تدعوكَ ولا تدعوكْ،

الزّمَنُ ينتظِركَ ولا ينتظرُكْ. خالتي غائبة، خالتي حاضرة.

الحيزبون وراء الجدارْ، مرّاً لنا سيكون الحِوارْ.

قالتْ ليَ أختي تعالَ ولا تأتِ، شملكان غائبة، شملكان حاضرة

آذانها سامعة وعيونها ناظرة.

وجاء الطّفلُ.

وفرحت زبعبقْ لأملها المشرقْ(*). وقامت زبعبق

في جحرها المغلق بفعلتها المشؤومة ْ.

وتوفي الولدُ نعمان، وعمّ الحزنُ في المكانْ. وغادرتِ

البنتُ دارَ أبيها، وقلبها من الحزنِ ذليلْ، ومشت والحزنُ

رفيقها بقلبها الكسيرْ... حاملة ً جثمانَ أخيها. وراحت تسألُ

الوديانَ والآبارْ- من يستطيعُ إعادة َ النهارْ  بإحياء أخيها.

وسمع الماء في البئر وجاءَ صوت ٌ من الأعماق:

أنا البيرْ أنا البيرْ، إذا أعطيتِني جثمانَ إخيكِ طيرا أخضَرَ

سَيصيرْ. وفعلتِ البنتُ ذلك، وفهمت معنى الكلام، وبقدرة

الله  حصلتِ المعجزة ْ بعد ثلاثةِ أيامْ.

وما أن حطّ الطيرُ الأخضرُ على شجَرَةِ الرّمان، في

آخرِ البستانْ، حتى ماتت شملكانْ، وانكسرت كالفنجانْ،

وذهبَ سحرها وشرّها إلى غير مكانْ. وحلَّ في البيتِ

الدّفء والأمانْ، وزهّرَ البستانْ بعودةِ نعمانْ. وسلامتكم

كفاية ْ، وهذه النهاية ْ.

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

أكتوبر 1999 -  روسيا، كراسنودار

..................

هوامش:

*) زبعبق: عند أبي منصور الثعالبي تعني المرأة سيئة

الأخلاق، حيزبون: لقب اخترته لهذه الزوجة- الخالة،

شملكان: اسمها، ستي: جدتي.

هذه الحكاية لمن هم في سن مابعد الثانية عشرة من العمر.

يَقُومُ الْقِطَارُ الْجَمِيلُ سَرِيعَا

وَيَحْكِي لَنَا عَنْ هَوَاهُ رَبِيعَا

*

وَيَطْوِي الْمَسَافَاتِ وَالْبُعْدَ طَيًّا

وَيُبْدِعُ بِالْحُبِّ رَسْماً بَدِيعَا

*

فَهَلْ يَا تُرَى أَلْتَقِي بِحَبِيبِي

وَقَصْرُ الْمَحَبَّةِ نَادَى الْجَمِيعَا؟!!!

***

سَأَلْتُكَ يَا مُلْتَقَى الْعَاشِقِينَ

تُجَفِّفُ فِي مُلْتَقَانَا الدُّمُوعَا

*

وَتَأْخُذُنِي طَائِراً لِحَبِيبِي

وَتَسْقِي بِنَبْعِ هَنَانَا الضُّلُوعَا

*

فَمَا الْعُمْرُ إِلَّا لُحَيْظَاتُ حُبٍّ

كَبِيرٍ يُؤَصِّلُ فِينَا الْخُضُوعَا

*

لِقَلْبِ الْحَبِيبِ بِأَحْلَى انْدِمَاجٍ

فَرِيدٍ وَيُوقِدُ فِينَا الشُّمُوعَا

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

كما لا يعلم الكثير انني مصاب بمرض السكري

ربما يذكرني بالايام الحلوة

وينام في شراييني دسم جاثم

ربما يذكرني في سنواتي السمان

وبعد ان تجاوزت سن الحكمة.. وهبتني الحياة "دسكين" في ظهري

لان الحروب تريد ان تحسدني على بقائي منتصبا الى هذه الساعة

كل هذه الاوجاع وانا أسير فوق أرض الله بأثنين ولا أتوكأ

**

لديّ من الصبوات ما يعيدني الى صوابي ..

ومن السورات ما يخلط الماء على زيتي الطافي فوق ماء البئر

هناك فقط يعصر "النرجسيون" وجوههم ويذهبون الى فراشهم بآدمية ملساء

من يرى من؟

**

أدمنت أمراضي

قال الحكيم: إن تكن سعيدا فلا تبارح الألم ..

وأن فاضت الايام من يديك، فدع الحكمة تسيرُ بك

**

وكما لا يعلم الاصدقاء.. انني لا اتوب كطفل مفطوم من الثدي

ولا أنحني للعصا كي تلتهم قوامي

ويعلم الزمن أيضا، انني لم أستبح الايام سبايا

أنا أتفقد صرة دوائي، وأقيس ضغط الدم لاتجنب المالح من القول

**

أوجاعي تعرفني

وأنا أرسمها طريقا

أعلُّم نفسي: الاوجاع مسرة.

كي أدّخر للحكمة كبريا ءها

وأعلمّ نفسي: أن السنوات البالغة البياض قد أفسدها الملح

**

ربما يعرف الاصدقاء، أن ثلاجتي يتقاسمها الغذاء والدواء

وأنا أكابر لابطال الاشاعة ..

ولَديّ هناك وشما على الروح

وولدي هنا يحط على كتفي كطير سعدي

من يرى من ؟؟

**

أتذكر أيامي الحلوة

وأضع إبهامي في فمي ..

لا اعرف:

هل هو الندم أم عودة لطفولة كاملة الدسم

اضع يدي على ظهري

لا أدري انني اتفحص تأريخي أم أدلل الصبوات الرائبة في قوامي

**

أيامي منتصبة والزمن نول

اريد أن أتحسس التقويم

اضع شارة الدخول

من حلو الايام الى زبدها الطافي

من عصا الزمن الى قيافة اليوم

سأغزل سجادة من العيون، وعصا من المأرب، وزمنا من الخطايا ..

سأفترش الاصدقاء والخبر

والسكري والكوليسترول وضغط الدم

ثلاثية لإشاعة .. تناسب الحروب والقدور الفائرة على ثلاث ..كي تطفيء حسدها أمام عللي وغلاتي

ثلاثية الحب، كي لا يطير ولدي في الهناك

او يدمن ولدي النقر على شفتي هنا

ثلاثية ... كي أموت وانا أفقأ دماملي وأوجاعي

العالية الهمة تماما

***

وديع شامخ

استراليا – سيدني

محمد الدرقاويالتفصل الثالث والأخير من قصة إنغماس

أن تهاتفه يطو رغم علمها بعزمه على السفر، بعد أن قضيا أمس يوما ممتعا معا، أمر يوحي بالقلق خصوصا ويطو متعودة أن تبعث له رسالة على الوات ساب قبل استعمال الهاتف..

أتاه صوتها خافتا متثاقلا كهمسات الأنين، تجاهد على تبليغ ماتريد..

ــ مابك يطو؟

بسرعة ترد: لا شيء، فقط كنت نائمة، أنا بخير..

لفته بعض السكينة وهو يرد رغم ما ظل يسري في نفسه من هواجس:

ـ خيران شاء الله، ناديا بخير؟

ـ فقط اشتقت اليك، واليك تملكتني رغبة في غذاء معك.. لكن تذكرت سفرتك؛ المهم تسافر وتعود الي بالسلامة..

ـ بسرعة حبيبتي نصف ساعة وأكون عندك، أجدك بالباب..

ـ لا، لا، سفرك أولا اذا كان أكيدا؟..

ـ أنت أوكد من سفري أؤخره الى غد..

بعد عشر دقائق تصله رسالة على الواط ساب:ناديا تصر على ان تكون معي، ألا يقلقك هذا؟

كتب ردا: ناديا حفيدتنا بضعة منا، كيف اقلق؟ !!..

رسالة أخرى من ناديا تصله: فضلت أن أترك عملي وآتي مع جدة، فقد قضت ليلة سيئة وحالها لا يطمئن(بيني وبينك )..

كانت يطو في المقعد الخلفي داخل سيارة ناديا، وقد أسندت ظهرها بتراخ وكأنها ترتاح من تعب، أركن سيارته، وبادر اليها بطلب من ناديا التي شرعت مازحة تقلد صوت فقيه:

ـ اركب معنا فلن تكون من السائقين..

ارتمت عليه يطو وكأنها مأخوذة بلهفة غياب قد طال ، وجه ممتقع يكسوه التعب:

ـ مابك يطو؟ طمنيني !!..

ـ لا شيء، توحشتك وصافي..

أرخت راسها على كتفه وطوقته بذراعيها، فضل أن يصمت، لثم جبهتها؛كانت باردة تنز بعرق خفيف، وضع يده على خدها فبادرت الى تقبيل يده..

"ترى ما بها؟تركها أمس بخير فأي شيء داهمها"؟ بسرعة شرعت تتنفس كأنها قد غفت، هم أن يسأل ناديا لكنه فضل الصمت بعد اشارة منها...

وصلوا مطعما على الشاطئ تعودوا الأكل فيه، كان النوم قد استغرق يطو متوسدة صدره ففضل ألايتحرك حتى لا تصحو، شرع يسترجع كلمات ناديا في رسالتها أن جدتها قد قضت ليلة سيئة..

همست له ناديا من مقعدها:

عاودتها أزمة قلبها ليلا، اتصلت بطبيبها فأوصاني الاكتفاء بما لديها من دواء واستعمال بخاخة التنفس.. تصر ألا أخبرك بمرضها..

بعد نصف ساعة تقريبا، تصحو يطو ومحياها مشرق ببسمة ساحرة ، قبلته وقالت:

الحمد لله !!.. ارتحت، كنت في حاجة الى نومة بقربك..

وهم يغادرون السيارة الى المطعم رن هاتف ناديا تدعوها مساعدتها لزبناء في العيادة، تركتهما وعادت..

فضل أن يتمشى مع يطو قليلا على الشاطئ قبل الغذاء، مستغلا راحتها بعد نومة السيارة. تتشبث بذراعه كشابة في العشرين، تلتصق به جذلى يغمرها السنا والحبور، وكأنها أسقطت عن نفسها وقار أنثى تجاوزت الستين، وللحقيقة كان يغبطها على سلوكها، فالتي معه لم تعد الأنثى التي تتوجس نظرات الفضوليين، كان ينتشي بهذا السلوك من أنثى مزقت طوق التقاليد، صانت حبا وعنه ذادت أزيد من خمسين عاما بلا كلل ولا محاولة تغيير قناعاتها، كل خطوة وهو يتمشي ملتصقا بها، يلف عقله في دوائر حلزونية، مسترجعا كيف قطع أبوها حبل علاقته بها؟ كيف انسلت من جمراته، قاومت وصمدت تتحدى الزمان والناس، فنجحت فيما فشل هو فيه، فتزوج وأنجب، ورغم ذلك لم يسمع منها عند اللقاء عتابا، فلحظة اللقاء والعودة كانت لديها لحظة اشراق تعيد لها شبابها، وتطوي عن عقلها كل معاناة قاستها ولا تحب ان تجترها حتى لا تحسسه بالذنب او تلومه، كانت تؤمن أن ما مر مجرد زمن لم يستطع فيه أي منهما أن ينفلت من حِجره أو يتحكم في أسوار حياته، اذ لم يكن يعيشا نفس ما يحييانه اليوم من حرية واستقلالية، وغير قليل من التحدي؛ وهي تعتز بما تحرك منه في بطنها لأنه نفسه تحدٍّ ولحمة رابطة هي السبب الذي اعادهما لبعضهما..

اثناء الغذاء قالت له: تصور لو أنتَ التقيت بناديا ولم أكن على قيد الحياة، ألا تأخذك شهقة شوق وغصة الم؟

أحس كأنها تريد أن تقول:"غصة ألم وشهقة ندم "ناولها قطعة سمك في فمها وهو يقول: أنا مبروك يطو، وقد أراد الله الا أموت واعماقي تغلي باحساس الذنب نحوك، كيف انجرفنا في زمن قيم الظلام؟.فأنت الأنثى التي لم أحاول أن أنتزعها من عقلي ووجداني، وهو ما تجلى من أول لقائي بناديا..

قريبا منهما كان زوجان شابان يتناولان غذاءهما، يختلسان اليهما النظر ثم يتضاحكان، فشيخ وعجوز لايجوز لهما ان يعيشا الحياة بنفس الرومانسية التي يعيشها الشباب، وكأن الرومانسية ليست بنتا للنفس البشرية لاتعترف بالأعمار..

وهما يشربان قهوة، وصلته رسالة من ناديا على الوات ساب " متى أحببتما الرجوع فاخبراني "

لها كتب: لا تقلقي نفسك، سنأخذ تاكسي الا اذا أحببت أن يكون العشاء والسهرة على حسابك..

تبادره برد: لا تغامر، يطو جد تعبة، يلزم ان تعودا باكرا الى البيت خصوصا اذا صعد الضباب كليلة أمس..

بين حين وآخركان نوع من الذهول يتلبس يطو فتشرد، وكأن أمرا ما يبدد فكرها، تعلو صفرة وجهها ثم لا تلبث ان تستعيد صفاءها فتضحك في وجهه..

ـ مابك يطو؟ يفاجئها !!..

ترخي راسها على كتفه، تقبل عنقه وتتمسك بذراعه:

ـ لا تقلق، مجرد ألم بسيط بين كتفي، يبدو أني أخذت ضربة برد بعد حمام أمس..

ـ هل نعود؟ ما رأيك؟

تزداد به التصاقا كأنها تريد أن تخترق جزيئاته:

هل شبعت مني؟

ـ حرام عليك !..أشبع من كل لحظة قد تبعدني عنك..

في طريق عودتهما بدأت يطو تئن، ومالبثت أن شهقت شهقة كادت تسلب روحه من صدره، ثم أخذتها غيبوبة بعد أن وضعت راحتيها على فكيها تشكو ألما شديدا، بسرعة طلب من سائق الطاكسي أن يغير الطريق الى عيادة طبيبها، بادر الى ناديا بهاتف أن تلحق بهما فهي على اطلاع واف بحالة يطو وتستطيع ان تتفاهم مع الطبيب حول مايلزم فعله باستعجال..

خمسة أيام ويطو تلازم العيادة تحت المراقبة والخضوع للأشعة والتحاليل، كانت ناديا ملفوفة في قلق ابعدها حتى عن عيادتها مما أكد له الحالة الحرجة التي توجد عليها يطو..

أصرت يطو أن تنتقل الى البيت لمتابعة علاجها، فصار لا يغادر بيتها، أنثى تنغرس في أنسجته، منطعنا بآدميتها..نظراتها، نبرات صوتها تجعله عاجزا عن التخلي لحظة عنها، لا ينتقل الى بيته الا بعد أن تكون ناديا حاضرة، ورغم ذلك يحاصره ظلها كضباب رخيم لا يلبث أن يحرضه على العودة اليها..

حكت له ناديا الكثير مما عانته يطو:

ـ مذ وعيتُ، كانت تباغثني بلحظات من هستيرية تتلبسها، تتلظى بلوعاتِ فَقدٍ لا أحد كان يعرف من المفقود..

تصمت كأنها تسترجع أحداثا كم لفتها باثر بليغ:

ـ كانت تنجذب لكل من يذكر اسم فاس وأهل فاس بانتباه فتشرد أو تغيب، ويلزمها وقت طويل حتى تضبط انتباهها من جديد..

قلت لها يوما وأنا طالبة بالثانوي: الزمن جراح عظيم جدة فكيف لم يعالج ذكرياتك؟

كانت تحدق في وجهي طويلا ووجهها يتلون بصفرة: ـ تربيت بين الأمر والسوط، وعشت وانا أرى القهر يمارس على خالتي، تُسجن ويمنع عنها الزاد والماء، ويتم تهديد أمي بالطلاق اذا لم ترغم خالتي على الزواج بلا ارادتها ولا رغبتها من جندي ذميم وهي الجميلة، أغرى أبي بأرض مقابل صفقة زواجه بخالتي.. كان ابي ـ غفر الله له ـ جمرة حارقة لا يصفو له خاطر حتى يحول كل من في بيتنا القروي الى رماد، أمي رماد بضعفها وخوفها، وخالتي رماد لانه هو من رباها وينفق عليها رغم أن من خير ابيها كسب في القبيلة جمره وسطوته ، وكنت أنا في الطريق لأصير رمادا لوما إصراري على الدراسة، وحرص السلطة على تعليم إجباري لبنات القرى ولو كن كبيرات..

كانت يطو تحتاط من كل ما هو بدوي حتى ولو كان مثقفا، لان العرق دساس كما كانت تقول، والتربية تحفر بنقش؛ بعد تخرجي أتى لخطبتي شاب تاجر متعلم وميسور من نواحي أغادير، كان لطيفا أعجبني فوافقت، لكنها اعترضت قبل أن تتركني لاختياري وقالت لي: تحملي مسؤوليتك، انت راشدة وواعية.. حين سألتها ما يخيفها: لم تكشف عن الحقيقة وقالت: لو أنك جلست لحظات مع المايستروـ وكانت تقصدك ـ، يسمعك كلمات الحب وينقر على جسدك بايقاع الإحساس واللطف والتقدير لادركت معنى أن يكون الانسان متحضرا واعيا يتذوق المرأة ويعي قيمتها التي تصير بين يديه..فادركت السبب، وقد صدق حدسها من الشهور الأولى، فقد شرع يمارس سطوته فطلبت الطلاق..من يومها آمنت أن الزواج اغتيال لحرية المرأة، وحبائل من الرجل للايقاع بها، وما عاشت يطو بعزيمة المقاومة والحفاظ على أناقتها وجمالها الا لأنها كانت تحيا بحب رجل لا يعايشها، هكذا فكرت لاني لم أكن اعرفك فاقدرك مثل ما أقدرك الآن، وتقدرك جدتي...

كانت يطو لا تخجل من صراحتها رغم انها كانت لا تفصح عن الكثير، لكن جميع سلوكاتها كانت تشهد انها كانت أنثى عاشقة متيمة، دموعها اذا فاضت تصير بحيرة أوجاع حسرة على الانسان الذي هامت به ومنها ضاع.. مرّة هي الذكريات ومتوحشة حين كانت تطبق على صدرها فتمنعها عن النوم والأكل، لاترتاح الا على صورة جماعية مع تلميذات وتلاميذ القسم وهي في الوسط ضاحكة قريبة من معشوقها المايسترو كما كانت تسميك..

كانت في كندا تقتل نفسها في عملها، تصرف كل اوجاعها في ابداع كيف تجعل من العجزة أيادي فاعلة واقداما متحركة، وعقولا لا تشيخ ولا تموت، كانت تشجع كل علاقة صداقة وحب يربطها هِرم بعجوز، علاقة توثقها الإنسانية بلا مذاهب أو اعتبارات غير إنسانية ؛ كان اسم يطو على كل لسان لان صدرها كان يسع الكون بلا تمييز، فحصدت بذلك الكثيرمما حقق لنا الكرامة والعيش الرغيد، لكن في عقلها وتفكيرها لم يندثر وطن ولامات أهله، كان ذكر فاس، وأصالة فاس نبضها الحي الذي ربتني على حبه والاعتراف به، رغم أن أول لقاء لها بفاس لم يتحقق الا بعد عودتنا من كندا، قضينا أسبوعا هناك، كم تجولنا بين الدروب والأزقة، بين المساجد والآثار، بين الأولياء والأضرحة، في عقل يطو شيء ما كانت تبحث عنه باصرار دون أن تفصح أو تشرح، أما أغادير فقد كانت أملا به تعلقت، ذكرى من حديث مع حبيب قلبها، أنت يعني وقد قلتَ لها يوما: يتحدثون عن اغادير بعد الزلزال أنها صارت جنة، مارأيك نتزوج ثم أطلب الانتقال اليها، وهناك نتابع حياتنا.. حدس ظل يحرك دواخلها الى ان تحقق بلقائك من جديد، وعلى يدي في أغادير.

كان حديث ناديا شريطا ناطقا يستعيده بالمكان والزمان وحتى الرائحة، فيهز نفسه بذكرى حية وحفقان يحرك صدره وكان يطو بين أحضانة تناجيه برأي ولهفة الى أن تحيا العمر معه..

مرة أخرى تنتقل يطو الى العيادة في سيارة اسعاف على استعجال..وقد فقدت القدرة على الحركة والنطق.. فجزء من عضلة قلبها قد ضعفت..

في ليلة ظلماء، تموت يطو، تغادرالحاج في وداع أبدي ومنها لم يشبع من نظر، كانت أجمل أحلامه، أكثر من خمسين سنة وصورتها محفورة في سويدائه، نبلا ووفاء وحبا لم يبل ولم يتوان، ولم يتضبب له اثر..

وصارت ناديا تلاطم الحياة من حولها بخوف وتوجس:

ـ كيف أعيش بدونك جدة؟ من يحميني، يوجهني، ينير دروبي؟..

صار كلما احتضن ناديا وهي بضعة منه كجد الا وتبكي فقد يطو من حولها:

ـ موتها باغتني، فقلب موازيني بلا استعداد قبلي..

قال لها مرة: ألا أكفيك جدا لم تحلمي به من قبل؟

ترد: أنت قارب النجاة الذي باغتني برحمة، فاياك أن تبتعد عني يوما والا خنت عهود يطو، وعشق يطولك !!

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

 

مَنْ يعطيني مدينةً بلا رمالٍ

أو يمنحني ما تبقى لسلاسلِ الاسرى

يحرقُ غرفَ السجناءِ

يحرمُ التسولُ في مدنِ السوادِ

يدونُ فوقَ الأشجار ِ

بما تبقى من الضحايا

ذكرياتٍ لضيمٍ تاهَ في ليالي السحرِ

*

لي مرسمٌ أشاكسُ فيهِ

تقلبُ ريشتي أطوعها

أأسرها لترسمَ  أجملَ وجوهِ النساءِ

أهٍ من أمراةٍ عصيةٍ على الخيالِ

عصيةٍ في البوحِ

لا تتوضأ بمحرابِ الحبِ

*

تلكَ البتولُ

تجدلُ خيوطَ شعرها

وأنا الحبيسُ فوقَ وسادتي

في أقفاصٍ ما خلقتْ لي

ارفعُ شعاراتِ الحريةِ للعوانسِ

قلبي يرفعُ يافطاتٍ، يشتري بالحبِ

عتقهنَ يبللهُ بضبابِ العشقِ الجميلِ

*

أنا متيمٌ بغزالاتِ البراري

أرفعُ بندقيتي أفتشُ عن ذئابٍ

تمزقُ لوحاتِ الجمالِ

لا يهمني ذاكَ الدجى المقيتُ

أستجيرُ باشلاءِ الأشجارِ

التي خسرتْ معاركها معَ الريحِ

لتتركَ الطيورَ ضحايا تائهةً

في عوالمِ الأسفارِ

*

يا نسوةَ الجمرِ

هذه مظلتي  وتلكَ نوافذي

أنا من قوافلِ النساكِ

لقد حفظتُ من الألواحِ فيضاً

إياكَ ولمعانَ البراري

دعْ مقلةَ الليلِ تغفو

وأنتَ حارسٌ لِاحلامها

*

قصائدُ الغرامِ مَنْ يوقفُ زحفها

لكم من الآهاتِ أيقظتنا

أعدُ الفصولَ الأربعةَ

أجدكِ الفصلَ الخامسَ

ثورةً من الحبِ أمميةَ الوجودِ

***

عبدالامير العبادي

حفـيدي مالكٌ مَلكَ الفـؤادا

فـسُـبْحانَ الذي خَلقَ العِـبادا

 *

وأعطى للحفيدِ بـذا امتيازًا

على أبـويهِ في حُـبّي وزادا

 *

تماهى حُـبُّهُ بظِلالِ شـوقي

وجـاءَ بعطـرهِ فـغـدا سُـهادا

 *

تَعَرّشَ بالجوانحِ ثم أسرى

على وقعِ الهوى دَلَعًا وسـادا

يطوف على الفؤادِ له خيالٌ

يُلاعِـبُـني ولمْ أنَـلِ الـمُـرادا

فيَهرَبُ تارةً ويعودُ أخرى

وأحضِـنُهُ فـيُـتْعِـبُني طِـرادا

وهذي حالتي في الحبِّ تبقى

أُداريها فَـيُوسِعُـني اضطهادا

فهل تدري بذا يا نور عيني

بأنّ الـشـوقَ صَيّـرَني مَـزادا

وهل تدري بأنَّ الحُبَّ أوهى

حِـبــالي وأنَّ الصبـرَ كــــادا

وهل ترضى لِجَـدِّكَ أنْ يُعاني

ويَـبـقى في تَـعِـلّـتِـهِ مُـقــــادا

 *

لأصبحَ لُـعبةً تُفضي لـحظٍّ

وأيـنَ الحـظُّ في حُـبٍّ تَـمادى

*

فيا مَنْ صار في دُنياي بدرًا

أُناجـيهِ ويـسْـلِـبُـني الـرُقــــادا

*

تَحَنّـنْ إنّ جـدّك ليس يَـقوى

أ تُلزِمُني على ضَعفيْ الجهادا

وقـد سـقطَ الجهادُ لحكمِ سِنّي

فَـكُنْ لي بـلـسـمًا ودعِ الـعـنادا

ولا تُـثْـقِلْ عَلَيَّ رعـاكَ ربّـيْ

فـقـلبي للهوى فـيـك اسـتـعـادا

حـبـيـبي مالـكٌ مَـلـكَ الـفـؤادا

فأجّـجَ ما خَـــبا وورى زِنــادا

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الثلاثاء في 9 تشرين ثاني 2021

لا املك بيتا من بيوت الشعر

ولا بحرا من محيطاته

بل لدي كلمات يتيمة

اصطلي بها

امام جدوة محتظرة

وشمعة حزينة في مهب العاصفة

*

ذبحت كل احلامي وقرابيني

واحرقت مسوداتي

على محراب الشعر

ثم دخلت يوما

معبد الالهام

فلم يتقبل توبتي

وتوسلت الى القمر

فلم ينير سبيلي

*

لن اغادر هذا الحلم

وانا متحزم بكابوس الاوهام

لوكان الامر بيدي

لنبشت ذاكرة الاعوام

ثم القي اللائمة

على تعاسة الايام

*

كأني احرث ارضا بورا

اسأل الشعر فيجيب:

هل تريد فجاج الارض

ام غبار القحط؟

ام حصاد قافية

لفظتها بحور مفخخة

*

في راحة يدي قصيدة

لم اقراها بعد

منعني مقص الرقيب

من كتابتها

*

اربعة عقود

وما زلت احفر على جدران المنفى

حتى اتباعي من الغاويين

فقدوا بوصلة التيه

هكذا هي تجربتي الشعرية

شغب تحت ظل شجرة

امام قطار سريع صادم

يتماهى مع سراب المسافات

ولن يعود ابدا الى المحطة

*

في كل لحظة حرجة

امعن النظر في ورقة بيضاء

على منضدة مهترئة الاضلع

لا استطيع استيعاب المسارات الحلزونية

*

بعضهم يسألني:

متى تعود امورك الى نصابها؟

اقول لهم:

سوف أحذف خمس ثواني

من ساعة يدي

وسانتظر

رعشات شاعرهرم

فقد الذاكرة

لينبهني عن الاخطاء الجسيمة

وغير المقصودة

التي ارتكبتها في خربشات

نصوصي الرديئة

***

بن يونس ماجن

بأَغصانِ صنوبرةٍ محروقةٍ

وبريشةٍ مُخَضَّبةٍ برمادِ دمي

أرسمُ الآنَ بلادي

التي خَرَّبَها الطغاةُ

والغزاةُ والوحوشُ

والقتلةُ المأجورونَ

وتجّارُ الحروبِ والأعضاءِ البشرية

المسروقةِ بكلِّ وحشيةٍ وضراوة

من أَجسادِ شعبي

وأَبدانِ أهلي المساكين

وكذلكَ إغتصَبَها باعةُ الدمِ الفاسدِ

الذينَ صاروا يبيعونَ الأخضرَ

واليابسَ وكلَّ شيءٍ

بلا ضمائرَ وبلا مصائرَ

و لا هُمْ يخافونَ

أَو يخجلونَ من اللهِ

والملائكةِ والأمهاتْ

أَويَخشونَ لعنةَ سيّدِنا

ومولانا الوحيدْ

* العراقُ الجميلْ

العراقُ الجريحْ

العراقُ النبيلْ

وفراتُهُ الذبيحْ

والعراقُ الأصيلْ

دمُ الحُسينِ ونورُهُ

وشرائعُ الخليقةِ

وأسفارُ جلجامش

وقلوبُ الأولياءِ

ومسَلَّةُ الحقيقة ِ

كُلُّها الآنَ تَصيحْ :

- الكُلُّ قاتلٌ

وباطلٌ وسافلٌ

وللتُرابِ يَسْتَبيحْ

والعراقُ الآنَ

محْضُ غابةٍ

وشبهُ مقبرةٍ

ودمٌ راعفٌ

وتائهٌ في الريحْ

***

سعد جاسم

2022-6-20

تطاردهم اللعنات،

تذهب بهم بعيدا إلى الجحيم،

تستقر بهم في أعمق نقطة من القاع

تبتعد الشياطين،

يقوم الحساب،

تتداعى العروش،

تتحطم تباعا، تتناثر،

تسترد الضحايا أنفاسها،

تعود إلى الحياة

تخضر الوريقات اليابسة،

تتفتح الأزهار ، تفترش أغصانها،

تغادر السحب،

تشرق الشمس بطريقة ثانية

يجلس قاضي القضاة متربعا عرش النهار،

تبتدئ المحاكمة، يرتدي الوطن عرش نبوته،

يجلس المحتفلون

يهب الضحايا تباعا، يقف الشهود،

ترتفع الرايات،

تفتح الستار معلنة بزوغ عصر جديد

يصفق الحاضرون،

تزف الموسيقى أنغام مودتها،

تتأهب الجدران القابعة خلف الستار إلى الإنصات،

تتزاحم المشاهد تباعا؛

تتناثر الألوان،

تكتحل دموع الأنهار بلون الدم

تسقط رايات الحداد،

تنهض مآتم الشهداء،

يزاول الفرات طقوس محبته،

تتحول الصرخات إلى زغاريد

تقف قافلة الفقراء،

يستيقظ الجوع،

تحتفي النوارس،

تشارك الأمواج فرحتها،

يسقط الطغاة في المحرقة

يستعيد التاريخ حروف أبجدياته

ينهض أنكيدو،

تموت الأفاعي،

يسطر حمورابي حروف مسلته الجديدة

***

عقيل العبود

راضي المترفيكان أكثر ما يؤرقه ويثير بداخله الالم هو نسيان اسمه ومناداته باسم (الغجري) من قبل أقرانه في المدرسة لكنه يتحامل على نفسه ويسكت على مضض وكان في قراءة اسمه من قبل معاون المدرسة في ساحة التجمع الصباحي عزاء له وجراء ذلك تجنب مشاركة الطلاب الألعاب بعد أن يأس من تبدل أحوالهم ولازالت ترن بإذنه مناداتهم في ساحة الكرة .. حول ياغجري أو ناولها للغجري واكتفي بالمشاركة في الصف الدراسي وكان مثار اعجاب المعلمين والطلاب بسبب ذكائه وحبه للتعليم وقدرته على تحمل مزاح زملاؤه الثقيل حد الإساءة المقصودة

كان كلما جلس إلى نفسه يطرح نفس السؤال عليها .. اذا كنت انا منهم فلماذا هذا الرفض لهم في داخلي ؟ واذا لم انتمي لهم فمن أتى بي إلى عالمهم؟ وكانت امه غالبا ماتزيح الغمة عن قلبه بحنانها وملاطفتها له وتوفير كل مايحتاج سواء في المدرسة او الحياة العامة وكانت تحرص ان لايختلط بهم أكثر من اللازم بعد أن هيئت له غرفة خاصة به ووفرت فيها كل ما يحتاجه طفل في مثل سنه وحرصت على دخوله غرفته مبكرا كل ليلة لكي لا يتعرف على حياة الغجر بدقة او يشاهد ما يحدث بين الغجريات وزوارهن من طلاب المتعة والسهرات التي تمتد أحيانا حتى الصباح وكان يؤلمها كثيرا ما ترى من حزن واسئلة تفيض بها عيناه الصغيرتان فتربت على خده الغض مع ابتسامة حنونة وتخبره ان الحزن لن يبقى في عينيك إلى الأبد.

بعدما اكمل الثانوية بمعدل يتيح له دخول كلية الصيدلة او الهندسة اعتزلت امه حياتها السابقة وقطعت علاقتها بالماضي واشترت بيتا في أحد أحياء المدينة المحترمة وأوقفت حياتها عليه بعد أن أصبح طالبا في كلية الهندسة لكن كان ما يثير استغرابه ان لا أحد من زملائه السابقين معه في الكلية كما لم يثر اسمه غرابة طالب او استاذ مع انه يعرف ان للغجر سجل خاص في دائرة الجنسية يعرفه الموظفون المختصون من خلال رمز معين وكم فتش عن أوراقها ليطابقها مع اوراقه الثبوتية لكنه فشل في العثور عليها فاضطر لسؤالها فتهربت من الإجابة بود ومحبة صادقة وطلبت منه التريث حتى التخرج من الجامعة .

انهى الدراسة الجامعية وسيق للخدمة العسكرية فادخل إلى كلية الضباط الاحتياط وعند الفحص الطبي حاول ان يخبرهم انه من أصول غجرية وقد لا يسمح القانون بأن يكون أبناء الغجر ضباطا لكنه تردد حد الخوف من الفضيحة وترك الأمر لمشيئة القدر وأكمل الدورة ونسب إلى وحدة فنية تتعامل مع الرئاسة ولا يخدم فيها الا أبناء المحسوبين على السلطة او أبناء كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال وارتبط بعلاقة مع الكثيرين لكنه كان يحمل خوفه وهاجس اكتشاف أصله الغجري في لحظة غير محسوبة فكان يضع لكل علاقة حدود الا نجاحه في اختصاصه الذي ابهر به كل من عمل معه .

ذات ليلة جلس مع امه على العشاء فعرضت عليه الزواج وطلبت منه أن يختار العروس لتقوم بخطبتها خصوصا وهو لم يبقى على نهاية خدمته العسكرية الا أشهر قلائل فضحك بمرارة وسألها..

من تقبل الزواج من غجري حتى وآن كان مهندسا ناجحا وضابطا كفوء؟

فردت.. هناك الكثير

 قال: كيف؟

كان جوابها صادما يوم أخبرته انه ليس غجريا

طلب منها توضيح ودليل على صحة قولها فاشترطت ان ينهي خدمته وان تقوم هي بحج بيت الله الحرام حيث يصادف موسم الحج آخر أيام خدمته واقفلت النقاش في الموضوع على غير رغبة منه .

. قبل ذهابها للحج بليلة واحدة اطلعته على كل ما تملك من رصيد في البنك وعقار مستاجر وسلمته وكالة مطلقة بها ومعها دفتر توفير باسمه كانت تتدخر له فيه بعض ما تحصل عليه وسلمته مفتاحا لخزانة صغيرة فيها بعض مدخراتها في البنك وطلبت منه الانتظار لحين عودتها مع الحجاج وان لم تكتب لها العودة عليه فتح ذلك الصندوق ليجد فيه ما عاش كل عمره يبحث عنه .

استلم كتاب تسريحه من الجيش قبل عودتها بأيام قليلة وحاول انتظارها لكنه لم يطق على ذلك صبرا فذهب للبنك وطلب صندوق المذخرات بموجب الوكالة التي معه ولما فتحه وجد فيه بيان ولادته وصور لكل مراحل حياته وبعض الهدايا التي كانت تشتريها له وأوراقه الثبوتية وظرف وردي فيه رسالة او اكثر فوضع الظرف في جيبه وأعاد الاغراض الأخرى إلى الصندوق ثم اعاده لمكانه المخصص له بحضور الموظف المختص .

في البيت فتح الظرف على عجل واخرج صورة زفاف امه على أبيه الذي لم يراه في حياته وكان ذا زي اصابه بصدمة وذهول ثم أخرج من الظرف رسالة وقرأ الاتي ..

في منتصف الحرب إبان ثمانينات القرن الماضي بدأت الدولتان المتحاربة بقصف المدن وكان لحي الغجر الواقع جنوب البصرة حصة من هذا القصف فتركنا الحي وانتقلت إلى مدينة بعيدة نسبيا وعملت في بعض الأمور التجارية مع احتفاظي باصولي الغجرية وعلاقتي مع اهلي الغجر وذات ليلة مقمرة كان أحد زوارنا رجل وقور مما أثار دهشتي وجوده في مثل هذا المكان وتحاورنا انا وهو كثيرا ومثل استغرابي من وجوده بين الغجر كان كان هو مستغرب عدم مجاراتي الغجريات فيما يقمن به واستمرت اللقاءات التي لا تتعدى الحوارات ثم بعد فترة عرض علي الزواج وبعد تفكير وافقت بشرط أن لا يفرض علي العيش بعيدا عن عالمي فوافق وتزوجنا وكان ثمرة زواجنا انت الذي كان يؤلمك من يناديك باسم الغجري ولا تملك ردا علما ان اباك هو أمام جامع المدينة الكبير .

***

راضي المترفي

 

تَرامى هامِداً فوقَ التُرابِ

وفي رَعَشٍ مَضى نحوَ الغيابِ

هَوى غَفِلاً وقدْ أذْكى مَصيراً

وأفْنى رحلةً برَحى انْجِذابِ

تَصَدّى خاطفاً أحْلامَ طيْرٍ

زجاجُ الغَيْبِ في أهُبِ السَرابِ

هيَ الدُنيا مُعَلقةٌ بخَيْطٍ

تَواهى قبلَ واعِدَةِ الإيابِ

بأفْئِدةٍ لها أنياطُ فِعْلٍ

تُجَزِّعُها عَقابيلُ الخَيابِ

فكُلُّ رَزيْئةٍ تُطوى بقلبٍ

فتأكلُ قوةً بضَرى احْتِرابِ

عَوالمُها مُشنَّئةٌ بويْلٍ

تُعَزّزهُ النواكِبُ بالخَرابِ

ومِنْ وَجَعٍ إلى حالٍ نَكيدٍ

عَصافيرُ المَطامِعِ كالغُرابِ

تَطيرُ بلا جَناحٍ في فَضاءٍ

ويَصْدِمُها التفاعلُ بالعِقابِ

صِراعاتٌ بها أممٌ تَلاحَتْ

وأفنَتْ عُمْرَها دونَ اكْتِسابِ

كعُصْفورٍ تَعامى عَن زجاجٍ

فكانَ مَصيرهُ خَتمَ الكِتابِ

مُعللتي جِراحُ الكَونِ صارتْ

كأنَّ نَجيعَها أدَمُ اضْطرابِ

مَلأنا كأسَ مَوْجَدةٍ بسوءٍ

ففاضَ الدَمعُ مِن ثقُبِ الحِجابِ

تَسامى في مَواجِعِها بُخاراً

فحَلَّقَ هائماَ مثلَ السَحابِ

تَسيرُ بنا مَواكِبُها بثُكلٍ

وتَدْحونا بواعِيَةِ الجَوابِ

وما كشفَتْ لنا سِراً وأمْراً

فتُهنا بينَ غاويةِ انْتكابِ

على أفقٍ من الويلاتِ نَسْعى

وما جِسْنا مَصدّاتَ العَذابِ

كأنَّ دموعَنا حبّاتُ جَمْرٍ

مُعتّقةً بأوْعيَةِ اكْتِئابِ

رَشفْنا قطرَ أوْجاعٍ مُحَلّى

بسُلاّفٍ مِنَ العَجَبِ العُجابِ

وعِشنا تُسْقِنا صَهْباءُ قَهْرٍ

مُمَوّهةً بأنواعِ الشَرابِ

سُكارى في مَواطِننا وإنّا

تُسَعِّرُنا النوازعُ بالرِيابِ

وواحِدُنا إذا سَقطتْ قناعٌ

يُقاتلنا كمذؤوبِ الذئابِ

فهلْ يُدرى بما كَسَبَتْ يَدانا

وما فَعَلتْ بطاقاتِ الشبابِ؟

تمَهّلْ حاديَ الرَحْلِ المُفَدّى

فإنّ الخَطوَ مِنهاجُ اسْتِلابِ

ونَبْضُ القلبِ صَدّاحٌ بأمْرٍ

يُخبِّرنا عَنِ الوَطنِ المُصابِ!!

***

د. صادق السامرائي

8\6\2022

حَبِيبَتي يَا فَخَارَ الشِّعْرِ فِي الْكُتُبِ

وَفِي الدَّوَاوِينِ خُطَّ  الْحَرْفُ مِنْ ذَهَبِ

أَرْنُو إِلَيْكِ بِأَشْوَاقٍ مُرَفْرِفَةٍ

فِي الْجَوِّ تَعْبُرُ فِي مَقْصُورَةِ الْقَصَبِ

يَا قَدَّكِ الْمَاسَ كَمْ أَشْتَاقُ أَعْصِرُهُ

مَا بَيْنَ أَحْضَانِ صَدْرِي مَحْضَ مُسْتَلَبِ

أَشْتَاقُ شِفَّةَ مِنْ بِالطَيْفِ تَحْضُرُنِي

وَتَلْعَقُ الزُّبْدَ فِي تَغْطِيفَةِ الْأَدَبِ

تَقُولُ:"يَا حَبْرَنَا قَدْ ذُبْتُ مِنْ شَغَفِي

فَارْحَمْ فُؤَادِي وَأَطْلِقْ شٌعْلَةَ الْحَطَبِ

أَقْبِلْ وَضُمَّ جَحِيمِي وَامْضِ يَا قَمَرِي

إِنِّي أَتُوقُ ذِرَاعَيْ ثَائِرٍ لَجِبِ

جِسْمِي يَفُورُ قُمِ اشْرَبْ نَخْبَهُ أَمَلِي

وَافْتَحْ قَنَاتِي وَأَطْفِئْ شَارِدَ اللَّهَبِ

***

شعر د. عبد المحسن معطي - مصر

 

 

الحسين بوخرطةأنهكني تفكير عمر الكهولة المتقدمة. وقفت أمام مرآة غرفة نومي متصلبا. سئمت منظر ترتيب أسناني و"تقليدانية" هندامي وبدانة جسمي. خجلت من ابتسامتي وتعمدت تأملها مسترجعا آفات الماضي. داهمني ناب فكي الأعلى الوحيد مبتئسا من عناء عزلته، ومنهكا من العمل الشاق الذي أجهد كاهله، فزأر متلعثما في كلامه مشيرا إلي بسبابة يده اليمنى وكأنه يعاتبني: "مولاي، أنا لم أنس كرب غم اليوم الذي وَأَدُوا فيه أخي الشقيق وَأَخَوَيَّ من أبي في الفك الأسفل. أتذكر ذلك الحدث المؤلم كالبارحة. أجلسني الكهل بفمه الخالي تماما من الأسنان على كرسي حديدي وبيده اليمنى آلة تشبه مِلْقَط نزع المسامير من الخشب، فَاسْتَل بعنف الجبابرة وبدون رحمة أنيابي الثلاث الواحد تلو الآخر. أعطاني بعض الحلوى في نصف صفحة جريدة عربية، وأوصاني أن لا أزدردها إلا بعد أن تلتئم الجروح. وصف لأبي دواء تقليديا، وهو خليط من الماء المغلي والملح الحي، أتمضمض به مرات عديدة في اليوم.

تحمست وأنا أسمع ترديد نعتي بالوسيم، وتَحَدَّيْتُ مأساة الماضي بقهقهة فم مفتوح. أمرت جوارحي لتتغاضى عن شعوري بعدم رضاي على نفسي. عجزي عن ترميم جروح الأيام البائدة أتعبني. همس لي شيخ وقور في منامي محذرا "إياك أن تتجرأ، وحذاري أن تلتصق بك صفة العقوق في محيطك". فهمت الرسالة، ثم تجلدت وكابرت لنصرة الخير. أدمنت العمل التطوعي لعلي أكسب عطف الناس. اشرأبت أفقا جديدا عنوانه الأمل. أقنعت نفسي أن ما أصابني خلال سنوات ترعرع جسدي من اعتداءات هو قدري المحتوم. صارعت توهماتي لتتخلى بحزم وبسالة عن كل توتراتها. أحملق في آثار الجروح في يدي ومحياي، فتنهرني القداسة، ثم تجدني أبلع عباراتي المكبوتة. أصارع الكدر وأتقدم في تجسيد شعارات التحدي في يومياتي. أصمم على الهروب إلى الأمام، لكن براثن الماضي تمزق أحشائي أشلاء. أداعب خوفي من نكبات صحية كلما انتابتني الشعور بذلك، لكني لا أفلح في صد كوابيس نومي. أنتكس منكسرا كلما تذكرت قولة ذوي الاختصاص: "جسم الإنسان لا ينسى الاعتداءات عليه مهما طال الزمن". أشمئز عندما أفكر في الزمن المهدور والمغدور في حياتي. غليان ضميرى يفوق طاقتي. أتأمل ما راكمت من معارف وتجارب. أعترف كل مرة بتفاهة وعقم ما اعتبرته انجازات، فتخترقني طاقة سر كينونتي، فتطالبني بمضاعفة الجهد لتدارك ضياع زمن حياتي السابقة.

وأنا أواجه يوميا الضغوطات المنهكة، أضطر للتوقف متأملا بروية وحكمة. الحق في استمرار الحياة يفرض علي التميز صبرا وتجلدا، فتجدني أمام خيار التعسف على خلق السعادة. أتكبد العناء لتجديد أنفاسي، فأزأر مرددا كلمة انتفاضة. أتعب من التفكير في تحديد مقومات الثورة على النفس في فضاء موبوء، فأشعر بنوبات الحسرة والتحدي تغلي بداخلي، فتشتد عزائمي. أقولها على مرأى ومسمع الجميع: عدوي الأول هو الكسل الشيطاني الذي لا يكل ولا يمل من إبداع وساوسه وتقديمها لي على صحن من ذهب. انشغاله الوحيد هو شل حركتي جسما وعقلا. هو بيننا يجرنا إلى الوراء بكل ما لديه من قوة. أما نحن فلا سبيل لنا لحماية وجودنا إلا تكسير القيود بعيون مشرئبة الأفق المأمول.

نعم، لقد استيقظ ضميري، وأعلنتها فعلا ثورة على النفس لعلي أتدارك هفوات تدبير زمن أعدمه القدر. أنشغل باليوم والغد بدون أن أفكر هل كنت في السابق مخيرا أم مسيرا. لكنك أنتَ، أيها القريب مني دما وعطفا وتاريخا، أراك تسهب النظر في سماء حكايتي. أنا أمقت زفرات معاناتك، وعليك أن تكف عن إزعاج تركيزي وتأملاتي. خياراتك أخي تكهرب أجواء ساعات يومي المضنية. تَذَمَّرْتُ مرارا وأنا أتابعك تخطط بدهاء واقع مرير. استغربت من زهوك بتدفق أموال الريع في خزائنك بدون نقطة عرق واحدة. أنت لست نموذجي. أنت بمنظور ثورتي خائن أمانة وجود. تقهقه كل يوم قهقهات الرقص في علب الليل، وتستسلم جفونك للنوم ثملا فوق كواكب نساء الحاجة. نُصِّبْت بشرط الانشغال بملء صندوقك الأسود. رَدَّدْتَ مزمجرا بدون وعي غير ما مرة وأنت مُنْتَش "هذا حقي". تفتح الصندوق المظلم على رأس كل شهر. تستحوذ على قسط الرائد، وتوزع تحت ضغط التنبيهات ما تبقى تقديسا لفكرة الحفاظ على مكانتك وارتباطاتك. ابتعد عن أجوائي. لقد اُسْتُهْلِكَ عنفوانك بإرادة منك. اتركني، لا تضايقني، ولا تطمح التغرير بي. أرجوك افسح لي فضاء استنشاق هواء نقي. انسحب من فضاء حياتي الآمن. قد أمتن لو ساعدتني من بعيد بمروءة الأجداد. اقترب وتأمل معي كيف يزهو الوطن عندما يتطوع جنوده لخدمة ناسه. وطننا أخي غير قاس على أبنائه، فهو لا يتعب من ترديد عبارة "أنا غفور رحيم". العاق منا يا صديقي إذا اهتدى إلى الصراط المستقيم وثاب ثوبة نصوح، يصبح حليفا. كم رأيت فيك في السابق مدافعا عن تحصين الحاضر خدمة للمستقبل. لقد رددت مرارا عبارتك المدوية زمن البراءة بحماس درجة التعصب:  "الوطن فضاء رحب يمنح أبنائه بِسَخَاءِ كُرَمَاِء التَّارِيخِ شَوَاهِدَ تَقْدِير. لا هم له سوى هزم مخلفات ومخالفات الماضي".

لا أنكر، أنا مرتبك أمام قسوة زمن أنهكه الماضي. كلما تربصت بي الخشية، أرتعد خوفا من أن يقودني تكرار أحداث حياتي لكآبة النهاية، فيداهمني برهة الخيار الصعب المتبقي، فانتصب بكبرياء العظماء. أزأر، اشدد بنفسي، أمسك بقوة على مقبض حسام الصبر، أضع وجودي وجها لوجه أمام كل المعضلات، فتفور بداخلي رَغْبَتَيْ التجديد والتفوق.

أزداد كربا في المرات العديدة التي تَأَلَّمْتُ فيها مِنْ تَذَكُّرِ تهكم الكبار على لوحات رسومات صباه الفنية. أنكسر كل مرة، وأعدل قامتي لكي لا أهان مجددا، ثم أفتح الباب على مصراعيه لتكتسح وجداني طاقة التغيير الإيجابية. كلما أحسست بالضعف أغذي معنوياتي باستحضار أنوار الماضي الموءودة. صفحات كتب المعارف التي لا تقرأ زاخرة بها. أفكر وأدبر في أحداث حاضري حَالِما ركوب قاطرة وجود أفضل. أتخيل نفسي ضِرْغَاماً فأزأر ثم أزأر. ينتابني الخوف بفعل نوبات ارتباك كاسحة. أهدأ نفسي كل مرة مستحضرا نضج الحكماء. استسلم لتفكير عميق. أغوص في هذيان تأمل النوابغ. آمر نفسي برفض مسايرة الكبار. توالت أمامي منافذ النجاة. رفضت الانصياع لملذاتها بالكامل، ثم قلت : ما العمل ؟ تلكأت في الجواب لكي لا أنتصر للخيار الصعب. زأرت مجددا وكأني أستعد لافتراس نفسي. أتلمس أعضاء جسدي برفق العظماء. أصل إلى عنقي فأمَسِّدُه بكفيَّ معترفا بأفضاله علي. أمر إلى الجمجمة، فيلتصقا بها، أغوص في تفكير سارحا في حنكة عقول قيادات العالم. إذاك، حسمت أمري، وازداد وعيي بارتباط سر الحياة بالجمجمة. رتبت مراجع مكتبتي بحيوية شديدة مرددا : "لا وحدة ولا ابتئاس بعد اليوم". قدمت مبتسما التحية لكبار رجال الفكر والأدب والفنون النادرة. لم أُدَاهَم مجددا بمنظر أسناني وهندامي وقبح بدانتي. تصفحت أول رواية من روايات المشاهير، قرأتها بتمعن في ليلة واحدة. استوعبت دروسها وعبرها وهيأت لها جدادةَ قراءةٍ مُبْهرة. أخذت قسطا من الراحة. التحقت في صباح اليوم الموالي بدار الشباب والثقافة. سردت بعد الزوال الحبكة للطلبة في الجامعة. قيل لي أنني نجحت في ترسيخ موعد الحلقية السردية الأسبوعية في العقول. عجبت لهذا الإقبال الجماهيري. قلت لا يمكن أن يتفاعل معي هذا الكم من النفوس الشابة. اهتديت معترفا بوجود روح الوطن في وجدان أمة تتطلع للمستقبل، وقلت ربما ساعدني أولو الألباب منا بعدما تيقنوا من نبل أهدافي ورسائلي. نقلت التجربة الإبداعية إلى الأحياء والدواوير في أيام معدودات. سادت الأنوار أَنَّا وأَيْنَما حَللت وَارْتَحَلْت. سَررت لنفسي ناهرا ومروضا إياها : "لا خيار أمامي سوى أن أزأر وأزأر لتشتد عزائمي. ألا بصقل سيوف المعرفة يُسْتأصل غبن النفوس البائسة، وتَسْتَأْسِدُ الأنوار على عَتَمَات الظلمة".َ

***

الحسين بوخرطة

 

إليه...

بكَ ..

أكملتُ عقلي

وديني

وجودي

جنوني

ويقيني

واصطفيتك على قلبي وروحي

ألجأ إليك كلما

عَظُم أنيني

ونَما حنيني

وكأنكَ كعبة الفصول

أطوف حولها

بين الحينِ والحينِ

وكأنك الكوثر

قليل منك يرويني

وكأنك الرياحين

نسائِمُك تُحييني

وأنتَ الوطن الأجمل

الذي يؤويني

وأنتَ الحبيب المنتظر

الذي يعنيني

وأنتَ " الطور" الذي

به تباركت سنيني

وعلى سَفْحِهِ أزهرت

داليتي

وضحكت بساتيني

وأنتَ الوادي

حين تُغمض عيني

بحُنُوٍّ سيطويني

***

ذكرى لعيبي - ألمانيا

٢٠٢٢

 

حبيـبي

إذا جئت من كل فج

عميق

أغطّي دروبــي

بشهْـبي

وذراتِ عَظمي

بـهُدْبــي

فمعناه

أنك أنتَ الوحيد الذي

من سماه

أطـرّز جبة قلبي..

حبيـبي

تفتـّح بين تضاعيف شهدك

جـمر بـهائي

فمنه حضوري

ومنه غيابي

ومنه ازدحام العروق

تشابك

ثم تشابه

حتى تحوّل

مثلَ زغاريدَ موشومة ٍ

برحيق انتهائي ..

حبيـبيَ

لـمّا نصبتُ خيام الرماد

على تراتيل فيضك

صرتُ أساوي غموض الخلود

ولم يبق شيء

سوى غزلٍ أزلـيٍّ

يَعَـضّ بنان اشتهائي

فيرشَحُ مني

جواهرُ سودٌ

ونحل وجودٌ

على رجفةٍ من أريج انطفائي...

***

قدور رحماني

مكانٌ لكمْ في القلبِ أيُّ مكانِ؟

فياليتَكمْ والقلبَ تجْتَمِعانِ

تعَوَّدتُما منّي جَفافَ مَدامِعي

وعوَّدْتُما قلبي على الخفقانِ

وأسْرَجْتُما ضوئيْنِ خلفَ مطامِحي

إلى آخرِ الأيامِ يتّقِدانِ

وسهّلْتُما لي في اكتِشافِ حقيقةٍ

فماذا بهذا العُودِ تكتَشِفانِ؟

وفرّقتُما بيني وبينَ تخَوُّفي

وألَّفتُما بيني وبينَ أماني

وخاطَرتُما كي تزرَعا بجوانِحي

كِياناً فمَنْ مِنْ بَعْدِكُمْ لكياني؟

تسيرانِ مثلَ السَّيْلِ في نبَضَاتِنا

وفي الجسْمِ مثلَ الروحِ تنْتَقِلانِ

نهاري لكمْ ليلٌ وصَيْفِي شِتاؤُكمْ

إلى حدِّ هذا الحدِّ مُختلِفانِ

ولكِنَّنا رُغمَ اختِلافِ خطوطِنا

حبيبانِ مُنسَجمانِ مُتفِقانِ

وجِسْمانِ منّا كارهَيْنِ تَفَرّقا

وقلبانِ حتّى الموتِ مُجْتمِعانِ

لكمْ أثرٌ باقٍ على صَفحَاتِنا

وتحتَ نوايانا وفوقَ لساني

وعينانِ منّا تجريانِ تشوُّقـاً

وكفّانِ مِثلَ السَّعْفِ ترتجفانِ

وهذي خطاكمْ لا يزالُ عبيرُها

تُصَـلّي على أنسامِهِ الرئتانِ

بعيدونَ جدّاً لا الطيورُ  تنالُكمْ

ولا قدرةٌ عندي على الطيرانِ

ولو أنّ صحراءَ الجزيرةِ بيننا

ركِبتُ لهم رأسي وظهرَ حِصاني

ولكنها أرضٌ قِفارٌ وأبْحُرٌ

وألفُ مكانٍ بعدَ ألفِ مكانِ

فلا تندُبوني كلّما لاحَ لائحي

لكم عزلةٌ مني تشُقُّ جَناني

معي اللهُ ربي والرسولُ محمّدٌ

وفاطِمُ والفاروقُ والحَسَنانِ

وحينَ التقينا زالَ نِصْفُ همومِنا

وقلنا أتانا السّعدُ بعدَ زمانِ

وقد نِلتُما جزئينِ مِنْ نظَراتِنا

وها أنتما العيْنيْنِ تقتسِمانِ

أتيتمْ لنا والشّمسُ جاءَتْ وراءَكمْ

كأنّكما والشّمسَ متّحِدانِ

وشمسانِ كلٌّ منهما بمدارِهِ

يكادانِ بالأنوارِ يحترِقانِ

وقد أقلعتْ عنّا غيومٌ كثيفةٌ

وطلّتْ علينا الشمسُ والقمرانِ

نبُوءُ بأفياءٍ ودِفْءِ أشِعَّةٍ

ورقّةِ أنسامٍ وعطرِ جِنانِ

فلمّا تبدّى الماءُ فوقَ جباهِنا

صَحوْنا إذِ الأحلامُ بضْعُ ثواني

وقفنا نُعَزّي  نفسَنا  بغِنائِنا

نقولُ وقدْ كانَ العزاءُ أغاني

نهارانِ لايجري اللقاءُ عليهِما

وحيّانِ يفترِقانِ يلتقِيانِ

***

وحيد خيون

15-7-2001 هولندا

قصي الشيخ عسكروحش

وحش مخيف أخذ يطارده من مسافة هائلة البعد

وفي أثناء هربه شخصت له وسط القفر المدقع غرفة مغلقة الباب وقد تكدس تلّ من المفاتيح المتشابهة عند الباب، وعلى الرغم من خوفه وتقطع أنفاسه فإنه التقط مفتاحا وجرّبه. راح يجرّب تلّ المفاتيح وهو يتلفّت ناحية الوحش المرعب المخيف الذي يأتي نحوه من مسافة هائلة الابعاد.

**

مدينة العمى

دخلتً مدينة كلّ سكّانها عميان: مقاه ومطاعم وأسواق، هناك من يمشي أو يركب دراجة، ومن يقود سيارته، لا المشاة يصدمون بعضهم والا السيارات تتصادم وعندما استوقفت رجلا منهم أجاب: نحن لا ننظر بالعين بل العقل.

***

قصي الشيخ عسكر

راضي المترفيلم يكن عرسا ولا حتى نزوة وكل ما في الأمر اني كنت متسكعا ضائعا في دروب مدينة غريبة فقدت ملامحها مثلي وعندما انهكني التعب جلست على أريكة متهالكة على أرض جرداء لها ملامح حديقة ميتة وبعد ما مر زمن لا استطيع حسابه لكن اتذكر اني أغمضت عيني في آخره ولما فتحتهما من جديد وجدت أن الأرض أخضرت من جديد وان النسيم يداعب الورود والأزهار والسواقي يتهادى فيها ماء رقراق يناغي لونه زرقة السماء الصافية ويختلط شدو البلابل وزقزقة العصافير وتشاركني الجلسة امرأة كأنها من حور العين ثم تمد يدها لي بتفاحة لم ارى مثلها سابقا وقبل أن اقضم منها جزء أمسكت المرأة يدي ثم أبحرت بنظرها في خطوط كفي طولا وعرضا مرة تقطب مابين حاجبيها ومرات تنفرج اساريرها وتبتسم بين نظرة وأخرى بعدها طبعت قبلة على صدغي وهمست بحب وحنو داعية للذهاب معها والزواج منها وقبل أن ارد عليها أمسكت بيدي وانهضتني ولا اعرف هل طرنا محلقين او مشينا سائرين وفي الطريق طرحت آلاف الأسئلة على نفسي وتكفلت المرأة بإجابات تجعلني أوافق عليها من دون نقاش وبعد انتهاء الأسئلة ادخلتني إلى قصر كبير فيه المئات من الجواري والغلمان والخدم والاعوان وعلى موائده وبين زواياه كل ما يريده الإنسان من رغبات وماحبب اليه من الشهوات وجلست إلى جانبي على عرش لم يجلس على مثله ملك او سلطان يحيط بنا حملة الشموع والورود ثم حضر شيخ وقور بزي أسطوري يتبعه خادما يحمل سجل بغلاف مذهب جلس مقابل لنا على مسافة يسمعنا فيها ونراه بوضوح وبعد تدقيق في أوراقي الثبوتية واوراقها سألنا عن موافقتنا على الزواج ببعضنا فتسابقت موافقتنا ثم تمنى لنا السعادة وودعنا ورحل بعد أن وضع أحد الخدم في جيبه صرة من المال وعند رحيله انفكت عقدة من لساني فتسائلت.. أين انا؟ جاء الجواب من الجميع بما فيهم المرأة.. انك في بيتك يا سيد القصر. بعدها أشارت بيدها اليمنى فخلا القصر من الجميع وعندما هممت بحملها إلى السرير وجدت أن السرير هو من أتى إلينا يسعى وهناك هناك فوق السرير الغريب حدث مالايمكن وصفه ولولا الخوف من الاتهام بالكذب لذكرت كل ما جرى لكن ما أذكره بدون خوف اني لم أكن في يقظة او حلم إنما كنت في عالم آخر لا يشبه ايا منهما لا يوجد في قوانينه ما تعودت عليه في الماضي وأهم شيء فيه ان لاحساب للوقت وهكذا سارت الأمور حتى تغير حال المرأة ووجدتها تضيق ذرعا فبيت أمرا انفذه عند سنوح اول فرصة ولم اطلعها عليه لكن عند توفرها وجدت نفسي محمولا على ما يشبه النعش بدون وعي يسار بي في طرق اجهلها ولما عاد الوعي وجدت نفسي على تلك الأريكة المتهالكة وحيدا وسط الأرض الجرداء وبجانبي قصاصة ورق كتب عليها..

المجد للشيطان.

***

قصة قصيرة

راضي المترفي 

 

بترَ الوطن أصابعي اليمنى لأنني كنت مع اليمين

ثم بتر أصابعي اليسرى لأنني أصبحت مع اليسار

وهكذا أصبحت وإياه نعيش في كنف الدمار

نستقبل الصبح بلون رصاصة

و نلتقي الأمسيات بزغاريد الجنائز

للكبار وللصغار

و الكل على الجهتين يحمل أقواس انتصار

لكنني على القرب أراه

وطنا يمارس انتحارا

تلو انتحار

*

أنا الرجل الذي يعيش في زمن الفضاء

لكن رجال الوطن الأعزاء

كل يوم يطلبون إلي أن أعود

إلى الوراء

أنا الرجل الذي يرونه سقيم العقل

سقيم الفؤاد

يريدون منه أن يكتفي بحمل الورود إلى مآدب الولاء

فإذا ما أخطأ رأسي وارتقى مرةً

نعتوني بالإرهاب وبالوباء

أنا أحبهم

أحب هذي الأرض

هكذا علمتني الوالدة

في كل سجدة لها كانت تردد أسفار النقاء

لكنها رحلت

تركتني ها هنا تائها

فما عدت أميز بين الأمور

ما عدت أعرف الضباب من الصفاء

ما عدت أستطيع أن أفرق بين الندى

و بين دخان القصف والبارود

و أصوات البكاء

*

طلبوا إلي أن أكون شاعرا للبلاط فكنتْ

طلبوا بأن أرى السماء عصافيرَ وشمسًا فرأيتْ

و أن أسمع أزيز الرصاص أغانيَ نصرٍ فسمعتْ

و أن أشتمَّ من رائحة الجثث الكثيرة عطرَ القرنفل فشممتْ

لكنني حين فعلت كلّ ذلك

أدركت أنني قد مِتْ

***

قصيدة شعر حر

د.عبد المجيد أحمد المحمود – سوريا

 

لِمَ كل هذا الحزن

وقلبي أضيق من شهقة

أفرّ من صدري إليك

فأسقط مثل عصفور

اكتب ما تيسر من دموع

وما توارد من خواطر

ما عشته

في أيام تتراكض خلف السراب

ايها الواقف كنخلة

والصقيل  كالسيف

والمقبل كالنسمة

والمسافر بلا أين

المحترق بلا حبيبة

ارمق الشجرة التي تظللك

واستمع لذلك الطائر

الذي يغني ولا غناء

يرتل ما تيسر من كلمات

بقيت ترن في اذنك

ايها الواقف

متى تستريح؟

البداية محض حلم

والنهاية ابعد من خفقة قلب.

*

بعد أربعين عاما ونيف

عدت اليها

أزرع خطواتي في فلواتها

يلفني الصمت:

صمت القبور

لاصوت

سوى صوت النائحات

على اعشاشهن

بعد أن غدون محض ذكرى

ايتها النائحات:

علام البكاء؟

كل شيء

توارى في زوايا النسيان

فليس أمامنا الا الانزواء

لم يبق في الكأس

ما يتم ليلتنا

ربما سنصحو

على عويل جديد

ايتها المرأة التي بكتني

ابكيك كثيرا

ما في صدر من آهات

لا يتحملها قلبك الغض

كم ضحكنا

كم عشنا

لم ندر اننا سنبكي

ونبكي حتى يصبح البكاء أغنيتنا  المكرورة.

***

د. جاسم الخالدي

 

على مرمى غفوة من منتهى السفر،

أُلَـمْـلِم حاجاتي،

وأَدُسّ بين جناحي شيئا من ماض،

وبضعَ أوقات من حاضر لايفتأ يَمُـر..

واقف على رصيف العمر،

أرقب قطار الحياة،

لعله يُسْدي إليّ قَصفَة من وقت..

جزاءَ ما أفنيت فيه من سهر

وفرح وضجر..!!

وإذْ تأسرني أطياف الرفاق

في منتصف الممر،

وما علق من ذكريات الحب

وآهات الليالي الموحشات،

و ما اجْتَـرحناه من سَمر.. !!

أُعانِد رياح الشّـيب و بوح التجاعيد،

لعلي أُعيد رسم قُرص الشمس،

وأَخطّ بريشة السحر قطرات المطر.

وأشكل بأشلاء الطين وأعجازَ النّـخل

حدودَ التّــيه،

وخريطةَ الوطن..

أحمِل حقيبتي في جُبتي وتحملني،

تُؤنس وحدتي و تَقِيني شَرّ نفسي،

وتطوي عني ما تباعد من مسافات السفر.

***

محمد المهدي

تاوريرت - 17 يونيو 2022

نصان عن الحرب الكونية ضد سورية

1- على ضفافِك يا بردى

هناكَ قربَ النهرْ

حيثُ الأرضُ تعانِقُ السّماءْ

ويَستحمّ ُ في الليلِ القمرْ

هناك قربَ المرجْ

همَسَ البنفسجُ للسرو

شاكيا  قِصَرَ عمرهْ

بينما كانَ السنديانُ يقِفُ

وقوراً شامخاً

هناكْ

علمتِني كيفَ أشتاقُ إليكِ

وأنتِ على بعدِ الصوتِ مِني .

*

لا يطيقُ البعضُ انكسارتِ الزّمانْ !

غيرَ أنّ الصّدمَة َ توقظُ  فينا

نسغ الحياة ْ

تجْبُلُ في صدورنا طباعَ التحدي.

منا من يهمّه ُجَمعُ الغنائمْ

منا من يُراقب تعاقبَ الليلِ والنهارْ

كأنّه ناسك بوذي

منا من استمرّ في تربية الحَمامِ الزّاجلْ

لكنّ هناكَ من كان له شرفُ التصدي

في ظلِّ قسوةِ السّنينْ

وعرسِ الأفاعي.

*

غَمائِمُ تسبحُ فوقَ التلْ

غمائِمُ تعبُرُ نحوَ الشرقْ

غمائِمُ لها أشكالٌ غريبة ْ

كأنها أطياف ُ حكايةٍ قديمة ْ

هذا هو البنفسجُ يستفيقْ

جميلٌ هو هذا النهارْ

جميلٌ هو هذا النورُ القادِمُ من الشرقْ

الطفلَة ُ ليست وحدها في الطريقْ.

هناكْ

على ضفافِكَ  يا  بَرَدى

تَعلمتُ كيفَ أشتاقْ

كيف أتحدّى المُحالْ

كيف أنصِبُ الغِراسْ

وأفرحُ لِطلوعِ الفجرْ

*

هناكَ

في شرقِ المُتوسّطْ

لنا يَومٌ

لنا عامٌ

ولنا القادِمُ من العُصورْ

هناكْ

في شرقِ المُتوسّطْ .

***

2- إني أعرفُ أسبابَ حزنِك

يقيناً

إني أعرفُ أسبابَ حزنِكِ

يا دمشقُ

أعرفُ لماذا لا تزوركِ الطيورُ

والحمائِمُ

في أيامِ الرّبيعِ

وفي صباحاتِ أيامِ الصّيف

*

يقيناً

أعرف يا دمشقُ

لماذا تركتِ غِراسَ الياسمين

ووضعتِ النايَ جانباً

وامتشقتِ سيفكِ الأموي

*

يقيناً

للعصفورِ من طعاميَ حصّة ْ

وفي أعماقِ فؤادي

للأوطان أناشيدٌ وقصائدْ

تردّدها الرّوحُ

من حينٍ الى حينْ

*

يقيناً

هذه الرّوحُ تعلم بالبصيرةِ

سرّ الأشياءِ

وأسبابَ الجريمة ْ

ورأت عينايَ نماذجَ

لأبطالِ "الجهادِ "

و"الحرّيّةِ "

وأصحابِ الغنيمة ْ

*

عُذراً فراتُ

عذراً منكَ يا بردى

لقد صارَ للأوباشِ

والأوغادِ

لكلّ أولئك الرّعاعِ

نهجٌ ، وحكمٌ

قولٌ ، وسلطانْ

لقد فقدتْ روحي السّكينة َ

وغادرتْ عينيّ

لحظاتُ الفرحِ، وساعاتُ الاطمِئنانْ

*

يقيناً

إني أعرفُ أسبابَ حزنِكِ

يا دمشقُ .

***

على ضفافِك يا بردى

كراسنودار- روسيا الإتحادية

4/ 06 /2014

أتطهّر بما تنجبُ عيناكِ من ضياء

وبموج ابتسامتكِ يغرقُ كلّي

وما تنقذني

سوى يد الحبّ

العالقة في الدهشة والهواء

**

فكّرتُ أن أختبئ

فلا يجدني نداؤك

أموت

وليضعْ جمالكِ على ضريحي بَعدها

ظلّه.

**

الخطوة :

هي خاطرتكِ التي تكنسني خارج الكلام

أقفُ هناك على بابِ السُهاد المقفل

سنوات

أعُدّ فيها العقارب السود

لأتملّص منَ الشِعر.

**

عندما تُكمل الريح بناء عُشّها

أسأل عن الموجة

وهي تدوس القمر بأجفانها

عن النار

وهي تطارد أعواد الحُبِّ اليابسة والألوان

عن الظل الذي فقد عينيه

وهو ينفق شهوتنا

راقدا تحت سقف الهلع

عند إشاراتكِ المبهمة

نلج غصونك

وما إنْ تلد الأثمار

نسقط

**

أنا كل يوم أُحبكِ

بما يجعل الفردوس ضيّقة

وحين صادفني غيابكِ

صلّيتُ

فوراء الأزهار ذئبٌ يتوارى.

**

كلما خفقَ قلبي..

زاد طيرانكِ إلى أعالي الحياة

جسد الطمأنينة الموحش.

**

أُسمّي ما تحتَ كتفيها

حُلمة الوتر

فأغمض عينيّ

كي ترشدني شمس أصابعي إليه

حين مالَ قارب الوهم بفعلِ الحبِّ

لم يعُدْ عمري فيه الاّ ريشة تعبى

مرَّ بها إعصار.

**

أعرفكِ

كيف تمسكين بأطراف السرير

كيلا يسقط الحرف

فتستعينين بالمرايا للمِّ العاصفة

خُذيْ الحرف بيديكِ

وأعصريه

ستنفّجر منه الألفاظ هائمة

تُتمّمُ حبر الخطيئة

وتفكُّ حُجُب الصنوبر

المجنونة

تَطرقُ باب القصيدة المكسور

ترى جَمال الهاوية مُشعّا

هي فيه تكون السجينة.

**

أزرعُ سفينتي بين شاطئيكِ

لعلّي أجد الطوفان في أوّل حَسرة

تَنَدّى العطش منها موقدا

وإذ يجمعنا السرّ خلسة

لن نشفى

علينا أن نملأ هذا الشقاء

**

لن أكونَ الضوء

حين يغيّر خطاه الى الظلِّ

الغيمة التي يصطادها البرق، تبكي ..

تعال تقول

كي لا يصبح العالم رخوا

خُذْ بيدي واهجر الشمس

والتحق بحقولي.

**

أيتها المنفردة

التي  علّمتني أن وحدها الأنثى

تختصر العجائب

كيف تتحالف الأحلام وتتساقط

بين كفّيها

حيث تجرفُ الفجر الى الليل

كيف هي تصيبُ الحبّ بالعمى

وسط غابة من الأنبياء

وحين تمرُّ

ينمو عطرها، المسك، مئذنة صلاة

تتعثّر البلاغة وأنا أدخل تضاريسها

ساجدا

آن للآهة أنْ تُلاحق هُيامي

أستردُّ به فِطامي.

**

كلما حاولت قصّ هذياني

بفصاحة معصيتكِ

لبلوغ نهاية أبدية لحبكِ

أجد نفسي على حافة هاوية

تنبسط إليك أيضا

يالهذا الهروب المدجّج بالإياب.

***

زياد كامل السامرائي

 

فتحي مهذبWe will be crowned with a void that does not wear out.

مع ترجمة بقلم: د. يوسف حنا – فلسطين

***

لماذ يسقط من فمك سمك نافق؟

ومن عينيك رأينا منامات الليلة الفائتة.

حيث ملابس الروح معلقة على حبل الهواجس.

سننقذ النهار من براثن التتار

سننقذ إوزة التفكير من ذئب الجنون

سننقذ مرآتك من خشخشة طائر العقعق

لا تخفوا قمر الشاعر في الإصطبل

ستطلع الشمس من قبعة المهرج

والذين دموعهم من ذهب

سينتشلون الغرقى

وفي الكنيسة مراكب مليئة بالقمح والنبيذ

لم يرنا يسوع آخر الأسبوع

دفنا أمنا أسفل البئر

يتبعنا نسر أسود ومعزون من القرون الوسطى

نهارك ضرير يركله سائق الباص

سمعت يدك تبكي في الخلوة

يدك مطر ناعم وموسيقى من الأرز

سمعنا أجراسك المكسورة في عز النوم

حبيبتي شجرة اللوز

سيمنحك المشنوق كأسا من الشمبانيا

لا تدلي الغراب على ديدان القلق المعرفي

سننقذ الضوء من المشنقة

الوردة من رائحة السحرة

نطرد اللصوص من غابة رأسك المهوشة

أيها الراعي أنقذ شياه مخيلتي من الذؤبان

ربما تكون الريح جديرة بالحكمة والتاج

ربما يهاجم ظلك سلاحف الشك

ربما يستيقظ شقيقك بأمطاره الحزينة

ينقذه الفلاسفة آخر المساء

بحبال أسئلة طويلة.

قلنا : البنادق نساء سمراوات

العميان يقطعون أصابعهم في المستشفى

النادل شجرة مريضة

والجلاس متوحشون جدا

سأقاتلهم هم وأشباحهم في حفلة التأبين.

ملأت البراهين بمياه المخيلة

أنا أعزب والطبيعة عزباء

علينا أن نتزوج ونعبر الجسر

لا يهم أن يكون العالم مليئا بالجواسيس والثيران

قلت للبابا في حفل زواجي : كن شجرة.

وآزرني الصليب في قاع النهر

الخيول تجر ضريحك في الجو

جسدك قرية مكتظة بالأسلاف

أيها العابر بسيف من الغبار

سنرضع حليب الأبدية ونتآخى

سنتوج بالفراغ الذي لا يبلى.

***

بقلم فتحي مهذب تونس.

...........................

We will be crowned with a void that does not wear out

By Fathi Muhadub / Tunisia

Translation from Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Why do dead fish fall from your mouth?

And through your eyes we saw sleepovers last night.

Where the clothes of the soul hang on the rope of obsessions.

We will save the day from the clutches of the Tatars

We will save the thinking goose from the wolf of insanity

We will save your mirror from the magpie rattle

Do not hide the poet's moon in the stable

The sun will rise from the clown hat

And whose tears are golden

They will rescue the drowned

And in the church there are boats full of wheat and wine

That Jesus did not show for us last week

We buried our mother down the well

Whereas a black eagle and medieval mourners are following us

Your day is blind, kicked by the bus driver

I heard your hand crying in solitude

Your hand is soft rain and music of rice

We heard your broken bells in the middle of sleep

My sweet almond tree

The Noosed will give you a glass of champagne

Do not lead the crow to the worms of cognitive apprehension

We'll save the light from the gallows

The rose from the scent of witches

We'll kick the thieves out of the incited forest of your head

O shepherd, save the sheep of my imagination from wolves

Perhaps the wind is worthy of wisdom and a crown

Your shadow may attack the turtles of doubt

Maybe your brother will wake up with his sad rain

Philosophers will save him at the end of the evening

By ropes of long questions.

We said: Guns are black women

The blind cut off their fingers in the hospital

The waiter is a sick tree

And the participants are very savage

I'll fight them and their ghosts at the memorial party.

I filled the proofs with the waters of fantasy

I am celibate and nature is so

We have to get married and cross the bridge

Doesn't matter if the world is full of spies and bulls

I told the Pope at my wedding ceremony: Be a tree.

And the cross supported me at the bottom of the river

Horses drag your tomb in the air

Your body is a village crowded with ancestors

O you who pass by a sword of dust,

We will breastfeed the milk of eternity and be fraternal

We will be crowned with a void that does not wear out.

تَأَلَّقِي فِي مَفْرِقِي

وَشَارِكِي فِي مَوْثِقِي

*

وَلَا تَخَافِي.. طِفْلَتِي

رَغْمَ الْبُعَادِ حَلِّقِي

*

فَأَنْتِ فِي قَلْبِ هَوَى

فَيْضَ الْجَمَالِ الْمُشْرِقِ

*

حَبِيبَتِي أُسْطُورَتِي

حُبَّ الْحَيَاةِ وَثِّقِي

*

لَا تَيْأَسِي لَا تَقْلَقِي

مِنْ غَايَتِي أَوْ مَنْطِقِي

*

إِنَّ الْحَيَاةَ رِحْلَةٌ

هَيَّا بِنَا فِي زَوْرَقِي

*

مَهْمَا تَوَغَّلَ بُعْدُنَا

 حَبِيبَتِي سَنَلْتَقِي

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

 

اسبح عكس التيار

كي لا تقذفني المياه

كفلينة

أو قشةٍ إلى فم البحر

وحينما تستطيلُ ساقاي

ويشتد ساعديّ

ويعرض كتفاي

سيكون البحر صديقي

وأكون قادراً عندها على العودة

مرة أخرى إلى حيث المصبْ

فمن لا نهر له لا بحر له

ومن لا يتقن لغة المنبع

لن يتقن لغة المصب

أيتها الحورية التي في إنتظاري

لا تستعجلي وصولي

فالعبرة ليس في من يصل أولاً

وإنما في من يبقى طويلاً

وفي من يستطيع العودة

كي يجلب لك مرة ثانية

كأساً من الماء الصافي

***

جعفر المظفر

سنية عبد عونكان حديثه للنسوة المتحلقات حوله عن الحرب وكم شهد من حروب خلال حياته.. ازداد ارتباكه فهرول وانحشر من جديد داخل حجرته شحن ذاكرته بمزيد من مهارة واخرج من صندوقه الحديدي مجموعة من صور قديمة.. وكيف انه التقط صورة تذكارية أيام صباه وهو يتطاول مزهوا بجانب أسد بابل.. لكنه يحتفظ بصورة أخرى في ذهنه لطالما أرقته حين اختبأ في ملجأ كأنه جحر للحيوانات خلال غارة جوية أبان سقوط التمثال.. وان أحدى جاراته دفعت طفلها الرضيع اليه لتحضر طفلها الثاني لكنها لم تعد.. تأنيب ضميره يؤجج ندمه وحزنه حين ترك الوليد بعد انتهاء الغارة مكتفيا بتغطيته بعباءة امرأة تبرعت بها من أجل الرضيع.. لكنها هي الاخرى تبحث عن ابنتها التي فقدتها اثناء تدافع الهاربين من بيوتهم حال سماعهم صفارة الانذار.. ووسط ضجيج المكان وعويل الصبية ولىّ هاربا دون ان يعرف مصير ذلك الوليد..

وانه من شارك بتشيع جثامين أمه واخيه والبعض من اصدقاءه الذين فقدهم خلال تكرار تلك الحروب والغارات

فرك ذقنه واخذ نفسا عميقا

عاد لهمهمة جنونه والدموع تترقرق بعيون النسوة فقد تعود ان يروي لهن حكاياه وقصصه كلما وجدهن مجتمعات في باب الأرملة بائعة الخضروات ثم أخذت احداهن تلومه وتوبخه بخصوص تركه للرضيع..

ساد صمت طويل.. وهو ينظر الى وجوه المارة يتفحصهم واحدا تلو الاخر.. ثم انفجر ضاحكا.. وهو يتمتم.. لست أنا من يلام.. لست انا من يلام.. هنّأ نفسه وأزاح ركام غبارها الذي جثم على صدره منذ سنين بعبارته الابدية هذه.. لكنها ذات العبارة التي تؤرقه وتحرمه سعادته واتزانه..

صاحت امرأة مسنة كانت تجلس قريبة منه.. وهي تربط رأسها بخرقة بالية تنتصب أطرافها كأنهما قرنا بقرة..

أيها المجنون..

والآن دعنا من الحرب وقصص الماضي وأخبرني.. لمَ لا تتزوج لحد الان بعد مضي هذه السنين..؟

كفي الملام.. وأبرحي الكلام.. فلن أفكر بالزواج منك أبدا..

رفع رأسه بتباه عال وهو يثير ضحكات النسوة..

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا

إذا ابتسم الذّئب

لم تكن نظراته تُرِيحُني. كانت تلتهب بشيء غامض تجعل منه مجرّد حيوان مفترس...

- ماذا؟ تحبّني يا دكتور!

- وكيف لا وأنتِ ساحرتي!

- ألا تكفيك زوجتك؟

- دعينا منها الآن.

- إنّني في عمر ابنتك!

- تذكّري أنّ مستقبلكِ بيدي!

- لكن...

وأسمعتُه التّسجيل.. لم تثر ثائرته كما توقّعت، بل ابتسم في هدوء مريب قبل أن يربكني بقهقهته العالية...

**

منطق الغاب

الشّارع ساكن مهيب، وضوءُ فانوس بعيد بالكاد يلامس ثلاثة شبّان ما انفكّوا يتطلّعون إلى ذاك الذي يسبقه إليهم وقع حذائه الرّتيب...

"سيجارة من فضلك!"...

وأحاطوا به...

"آه... نعم!"

وفي هدوء أدخل يده في جيبه وتقدّم نحو أحدهم...

فرّ اثنان منهم بعيون ملتاعة غير مصدقّين ما حدث بالضّبط، مخلّفين صاحبهم يتخبّط في دمائه وذاك الشّيطان يمسح موساه على ثيابه...

**

هكذا غرقنا

دسست في يده ورقة نقديّة وأشرت إلى رجل يعرض بضاعة على الرّصيف...

"تلك الحقيبة لي. "

تقدّم نحوه ببذلته الرسميّة وعلى كتفيه تلتمع نجمتان... صفعه على قفاه وذهب يدفعه أمامه... حمدت الله إذ لم أفقد من حقيبتي شيئا. غير بعيد رأيت اللّصّ يدسّ في جيب صاحب النّجمتين أضعاف ما أعطيته...

"أنت!"

التفتُّ، فإذا اللّصّ يحصر الهواء بين شدقيه ويعفِّط !!

**

ماذا لو...؟

السّماء من فوقي يجلدها البرق، وأنا تحتها أشقّ اللّيل متذكِّرًا تلك المكالمة الطّارئة: "أدرك غابتك"

واتّخذت مسربا أعرفه جيّدا في النّهار ولم أبال بالكلاب... من بعيد رأيت أشباحا تتحرّك وراء النّخل فامتشقت هراوتي وانطلقت نحوها مشتعل الدّماء...

"أفق. إنّه الظُّهر! "

فأنزل من مركبة الخيال للمرّة المائة، وأتمطّط في فراشي متثائبا متسائلا كعادتي: "ماذا لو كانت عندي غابة؟!"

***

حسن سالمي

نُوَقّى مِنْ مَواحِقِها بداءٍ

عَصوفٍ مِنْ أعاجيبِ الوَباءِ

فأمْرُ حَياتنا أدْنى لخَتْمٍ

بما مَلكتْ أساطينُ البلاءِ

فقلْ تبّاً لأوْبئَةٍ وشرٍّ

يُبادلنا أفانينَ العَداءِ

هيَ الدنيا إذا سَمَقتْ تَداعَتْ

إلى سُفُلٍ بميْدان الشَناءِ

فوَيْلٌ من ضَراوتِها بخَلقٍ

إذا هبَّتْ أعاصيرُ الفناءِ

تَعدّدَ فتكها رُغمَ اقْتِدارٍ

وكلّ قديْرةٍ نحوَ ابْتداءِ

تَسابقَ شرُّها والخَيْرُ يُزرى

بزاويةٍ لها بُدَعُ انْتهاءِ

دمارُ وجودِها فاقَ اتْساعاً

ومَحْكومٌ بمانعةِ ارْتخاءِ

فطيْشُ خليقها رَهنٌ بآلٍ

تقيِّدهُ الدوافعُ بالرَجاءِ

فلا عقلٌ بها يَحيا بعِلمٍ

كأنّ اللبَّ في مِحَنِ الخَواءِ

تقوّى كلّ مَجنونٍ بنارٍ

إذا انطلقتْ تواصتْ بالهَباءِ

بَراقِشها على نَفسٍ سَتجني

ونفسٌ ذاتُ أعوانٍ تُرائي

تُخادِعُنا المَساوئ والخَطايا

وتأخُذُنا لمُذكيةِ العَناءِ

وتَجْرُفنا بتيارِ احْترانٍ

وتُلقينا على جرفِ انْزِواءِ

وتَطوينا بقارعةِ المَنايا

وتَأكُلنا بأفواهِ الثواءِ

تُبَصِّرُنا ويُعمينا هَوانا

وتَخْطِفُ روحَنا ريحُ السَواءِ

تَشاورَ عاقلٌ ورأى ببُقلٍ

ونفسُ المَرءِ مَنّانُ ابْتلاءِ

وإنَّ الأرضَ قد تَفنى بفَردٍ

تملّكَ ذرّةً ذاتَ اعْتداءِ

أبابيلٌ مُفلقةٌ ستُرْمى

على أمَمٍ مُعَزّزة البناءِ

تُداهِمُها وإنْ بَعُدَتْ حِماها

وتُرْعِبها بقاضيةِ اصْطلاءِ

سيُمْحى ما بنَتْ أجْيالُ شَعْبٍ

ويَلتَحِفُ المُعمَّرُ بالدِماءِ

أعاجيْبٌ بدُنْيانا تلاحَتْ

تُشاركها النوازعُ بالولاءِ

فهلْ نَبقى على وَجَعٍ ونَحيا

وهَلْ صَدَحَتْ بمَقدور القضاءِ؟!!

***

د. صادق السامرائي

13\6\2021

في الليلِ القائضِ حراً

دنوتُ الى آنيةِ الفخارِ

أرتشفُ جرعةَ ماءٍ ربما أصابهُ بردٌ

أنَّ بلعومي ينتظرُ رحيلَ الجفافِ عنهُ

*

النعاسُ يجرني لهُ صديقاً

يُهدأُ أعصابيَّ

يقللُ توتري الغريبَ

أنهُ زائرٌ فضٌ ذاكَ النعاسُ البليدُ

*

أما أنتِ يا وسادتي

لاتكوني خاليةً بلا صورةٍ للبنى عبدالعزيز

لبنى التي زارتْ كلَّ وساداتِ المولعينَ

بالغرامِ

*

هنا افزُ من تدثري الجميلَ

أعدُ كمْ مرةً ايقضني ديكُ الجيرانِ

لا اغضبُ عليه لانهُ بيتُ معشوقتي

لكم كنتِ نقيةً يا سطوحَ الفقراءِ

ترسمين اجملَ الصورِ للقمر ِ

المتوجِ ملكاً يحرسُ النجومَ

ويدثرُ العاشقاتِ بنورهِ

*

أغداً يُنهضني الفجرُ

أتناسى أني مفطومٌ

أتذكرُ حصالتي

افتحها ربما أجدُ فيها افلاساً

أغادرُ، أقتني لي ورقةً وظرفاً

أُعدُ رسالةً لها طابعٌ

او ساعي بريدٍ لنْ يجيءَ ابداً

لانَّ فرماناً صدرَ في هذهِ البلادِ

ممنوعةٌ رسائلُ الغرامِ

*

رائحةُ (الزحلة) تتصارعُ معَ روائحِ

التوابلِ والتبوغِ

وصحفٌ يأتي بها قطارُ الصباحِ

تكتضُ ابوابُ الدارِ الوطنيةِ بالباعةِ

وفي ازمنةِ أفولِ العقلِ

اصبحتْ ممراتنا تكثرُ فيها الاحذيةُ

والزحلةُ وطليا غادرونا ليظلَّ التبغُ

غريباً فوقَ الشفاهِ

***

عبد الأمير العبادي

محمد ايت علورجلان لا أعرفهما، وصاحب اللحية الكثيفة لم أره من قبل، والرجل المهيب ملامحه توجعني، أما الأقرع فوجهه ليس بغريب عني... وأنامل صبية تداعب سيجارة مرتاعة فيما يبدو من الرجال، ملسوعة، مبعثرة الكيان، من العزلة وغدر الرجال، ومن الضياع تدخن غليونها، ترتاد بداية ليلة مقمرة...، وسط الدم والذبائح والزغاريد، والشعرالمدلى، وإيقاع الطبول، و"قريقبة"، وصوت "الهجهوج" ممزوجا بتراتيل "العياطات"...، هي التي رأيتها ترقص على النار دون أن تحترق أقدامها المخضبة الحافية، تشرب الماء المغلي، والدخان كان يتسرب من قلبها...، ونحن جلوس على الأرض قرب نار متراصة اللهب، الأقرع عيناه تشعران بأعماقي، أحس بالزمن يتخطفني منهما وأفقي الواسع يشيخ، أعرف الآن كم قاسى، وكم ضيع من الأيام ليصلح أخطاءه، وهو الذي يفتح دكانا وسط السوق المزدحم بالباعة، وصاغة الذهب والفضة، وليس بالدكان سوى هاتف يدخل لاستعماله بضع دقائق، ويضيء المصباح ثم يغلق الباب الزجاجي وينصرف، ولا أحد يدري الحاجة التي سرها في نفسه، ولا حديث الناس إلاالأقرع، المتأزمون، الفضوليون في كل مكان، هوالذي يزيد من تأزمهم و حيرتهم في كل حين، فلا يزال يحرص على أن يشترى كل مرة عمارة، يغلقها ويرحل، ترى من أين تأتيه هذه الأموال الطائلة؟ وهذا المال الذي يصب عليه صبا، زوجته، ابنه، صهره، والناس أجمعين عقولهم في حيرة، يزيغون، يؤلفون الحجايا، يجن جنونهم، والأقرع كل يوم هو في شأن، إما مع الجن والعفاريت وربما مارد أو خاتم سحري أو كنز، تعددت الأقوال، ولا أحد يدري! لكن الرجلان اللذان أعرفهما كانا يتحدثان عن الليلة السابعة والقمر، وعن الذين ينهشون الأعراض ويفوزون...، وعن الذين يأكلون لحوم البشر، وصاحب اللحية الكثيفة يجذب الإنتباه بثرثرته العمومية المتواصلة، وبصوت عال، وكأنه يتكلم مع كل الحاضرين في هذه الحضرة عرفت أن اسمه" علال" و صديقه"سلام"، صارا من الأغنياء في رمشة عين، لكن عين بني آدم لا ترحم، وها هما هنا لمعالجة ذاتيهما، الرجل المهيب، بياض في بياض، اللباس كما الوجه واللحية، تجاعيد بارزة ونظرات عميقة،كان يديم النظر في كل شيء ولا شيء؛ وجه رأيته في يوم، في سنة،كان ينزوي في حانة، يلعن الأصدقاء والزمن المتعهر، وكان مغتما وحزينا، وقيل بأنه صمم أن يمتلك قطعة في القمر، وكان الحزن قد خيم طويلا، وحين أتيت أحمل له البشرى والجريدة، لم أر غيركرسي مهشم مبثور القوائم، وقتئذ سألت عنه رب الحانة البدين، فقال بأنه لم يعرف له أثر، لربما مات أو انتحر...!

-2-

قمرية الآن، تحاصرني بقوامها المرمي، البض والمكتنز، ذات شعر فاحم و عينين زرقاوين، وجهها أشبه بتفاحة ناضجة، يدفعك مرآها إلى أن تقضمها بأسنانك، كانت قبيل هذا قد أحضرت الشاي، وأطباق مليئة باللوز والجوز، ثم أخذت تأكل كما تنقر الطيور الحب، وأنا من فرط"الجذبة" أرى الأشياء" مقلوبة"، هو" الحال"، والكل يدور، ندور، ندور، في حلقة بلا نهاية ولا بداية، وأصوات تعلو ثم تنخفض، ويحضرني همس ترنيمة: ارحموا من ذاق الهوى

و حاله كحالي

سهر الليالي....

"قمرية"حين تبتسم، تلألئ في القلب شمس الصفاء، قلت لها يوما: اجعلي الحب بيني وبينك مبتدءا؛ ولا تطيلي التساؤل عن سفري في ليالي الشتاء، أيقظي الآن عينيك، فظلي لدي! اجعلي الحب بيني و بينك، أيقظي الآن قلبك، واذكري العهد! فقد عاهدت عيناك ذات صباح، قبل أن أهاجر، ليس لي الآن غير ملامح وجهك، لكم هو آثم قلبك، لماذا يقترف كل هذا النسيان والجفاء.

-3-

هذا هو ليل الشغب، والكلام قبلات، فهل جربت أن تعيش مع أناس لا يفهمون لغتك تقول…؟ وأقول: بل وقد لا تفهم لغتهم !! أما أنا فقد عشت وخبرت ذلك، حتى صار البدر هلالا، فقمرا منيرا...!

والحال يغني عن الشكوى، إليك وقد عرفت حالي، وإن لم أ حكيه بفم.

والليل طال أو لم يطل، فقد شربناه، وتنفسناه، ودسناه، أكلناه ونسيناه، أحرقناه وأزلناه، وصرنا نملك منه أنماطا، لاعد لها ولاحصر، ولن تكون النهاية أو الفاجعة لو مات حينئذ...!

-4-

أنا لا أعرف بأن الربى الحالمة،كانت تقص ليلة حب مع نجم مل طول الوقوف في كونه الرحب، أو أطل من أفقه، وحط عليها ناثرا فوقها سناه !! أبدا! ولم أرها تقص ليلة حب قد طوتها مع الندى المتقاطع، ولم أرها صبية تتوارى في حياء، لم أرها تلقن الروض درسا في صفاء الهوى، ونبل المشاعر....!

-5-

حين ستأتي سنرقص على نغمات "الجاز"، سنلتقي نحن الإثنان في ارتماءة أخيرة! وسأعترف لها، بأنها غيرتني مثلما ولادة جديدة، أدخلها برضى واختيار، وسآتي إلى العالم الذي يصير لي كله، وسأمتطي ظله، فيه أكون مغسولا من صدإ السنين وتعفنانه، وسيطول بي سهري، ويعود بي إشراق فألي، وأنحث الخطط على حجمي و مقاسي، أجل! سنبحر في كلينا، ونغوص نغوص، نغوص...!

-6-

هو ذا الباب المشرع، لكنه مغلف بالسواد، محاط بالريبة والخوف، والأثواب الخضر، قالت لي السكرتيرة بعدما حدقت في وجهي طويلا باستغراب و"عينها ميزانها": لا يمكن للعرافة أن تراك بدون "رانديفو" بإمكانك الانتظار أو المجيء غدا، تمعنت جيدا في كلامها، ثم قسمته إلى قسمين، فاخترت الإنتظار؛ ورميت في وجهها غدا وقلت: هأنذا من المنتظرين...!

جلست في قاعة الانتظار أتفحص عيون المنتظرين والمنتظرات، رأيت الرجلان وصاحب اللحية والأقرع والمهيب، وأخذت مجلة من المجلات المتراكمة، وقد مررت عليها منتبها إلى تقادمها، حتى جاء الدور، "تودا" تعتدل في جلستها، عرافة عجوزسوداء موشحة بوشاح أحمر، موشومة الذقن والجبين، موشاة بلآلئ فضية، مشدودة الأيدي بأربطة بيضاء، حينها رمت بعض البخور في موقدها، وهمهمت بتعاويذ لم أميزشئا منها، اهتز قلبي، جف ريقي، اصفروجهي، وانقبضت، تأملت كفي، فكرت ثم قدرت، فعبست وبصرت، ثم انطلقت تصفف الورق هامسة: أنظرأنت رقيق الإحساس جدا، حين تدس بقدميك ظلال الآخرين، تحس بها للغاية، وتحول كل المسافات التي تقدرها بعينيك، اعلم بأن البحر قد أقسم بأنه سيرسل قوة موجه مرات عديدة، وأقسم أنه سيقتحم يوما ظهرك، سيجعلك وجبة، هناك رجالا يخبئون عيونهم بنظارات سوداء، وأعينهم تضحك وراءها، أنت تقول لهم:

" سادتي، أحاسيسي أورقتي، تتوقف على الظلال، وهم يضحكون وراء نظاراتهم، والذين لايملكونها يبحثون عن شيء، نظراتهم تتراقص، وكلماتهم تتناثر، وأنت يا ولدي من بين كل اللغوتفضل النهاية، وثمة عيون ترمق خيباتك شزرا، وحين ستباغث نظراتهم، ستسقط حتما أعينهم! وحتى أول لحظة التي ستعرف فيها فتاة،لم تكن تحس بأنها تمتلك ظرفا، لم تحس بانجذابها، فكرك كان منصبا فقط على تركها، والتخلي عنها، حاجة مختلفة تعتقد فيها، أنت يا ولدي عبثي للغاية، وجهك يفضحك، يخطئون في تقديراتهم لك، لاأحد يفهمك، لاتبالي بالخطأ، تبادر إلى الضحك على أي شيء، ولا شيء ثم تغرق فيه، انظر سيكون لك المال الوفير وسيكون لك جسد بألف وجه، وأحبة بلا عدد، سيضعون الشمس عن يسارك والقمرعن يمينك، وكل الأرقام حظك، قالت و قالت... ، قلت في نفسي: أرقام حظي أعرفها، الفاصلة بيننا، لكن الصفر صفر...!

***

محمد آيت علو

 

سألتقيك ...

مازال هُناك مُتسعٌ مِن الوقت

والكثيرُ مِن البراح في مخيلتي الفارهة الحضور سألتقيك رُبما في واحدٍ مِن البيوت التي شيدتها في طفولتي بلا جُدران تُطل على عالمي المحفوف بنضارةِ دوالي العُمر كنت وقتها أرتدي حِذاء أمي عالي الكعب وأتعثرُ في مشيتي عندما تأتي لا تضحك مِن منظري فقط إنتظر حتى تستقيم خطواتي على طريقِ الحياة وتكبرُ قدماي بمقدارِ حُلم وليلةٍ أكون أنا قمرها وعودٌ مِن الصندلِ يحترقُ على مهل.

**

سألتقيك ...

مازال هُناك الكثير مِن صفحاتِ

العمر أرغبُ أن نطويها معاً

لا يجب أن نتركها مكدسةً

حتى تُصيبها رطوبةَ الرتابةِ

بالعفونةِ والالتصاق

فتضيعُ بعض التفاصيلِ

ونَصبِح أشباه العادي

ستجيءُ بجنونك

أنتظرُك

عند الصفحةِ الخامسة والثلاثين

بهدوءِ ماقبلَ العاصفةِ

وعنفوان النُّضج

*

سألتقيك ...

على متنِ زورقٍ يتهادى

في عالمٍ مواز

أركن إليه به نهرٌ ينبعُ

مِن فكرتي ويصبُ

مابين امتداد ذراعي

وهناك في المنتصف

عِند زهرة القلب

يرسمُ مرسى على حدودِ الفرح

*

سألتقيك ...

والنجمةُ التي تقتربُ مِن نافذتِك

يزدادُ بريقُها لتهتدي كُل

الإبتسامات التي أُرسلها

اليك وأنا أطالع وجهكَ

على مرآتي

وأتلمسُ تفاصيلَ وجهك

وأضيعَ مابين أنا وأنت

فتتقلص المسافة

تبدو قصيرةً جداً أشتريها بقُبلةٍ

وأختمُ ليلتي بالنومِ

على مشارِف الحُلم

*

سألتقيك ...

حتماً وليس إحتمالاً

يكفينا عبثُ الإحتمالات

ضحالة التمني ولزوجة الحنين

لنكُن حبراً يلونُ شفاهَ القصيدةِ

ومطراً يُثلجُ صدرَ الحقيقةِ اليابسة

*

سألتقيك ...

***

أريج محمد احمد

ماذا بهِ قلبي المُعذَّبْ؟

مِن أيِّ شيءٍ صارَ يتعبْ

في كلِّ ضاحيةٍ أنا

من كلِّ ناحيةٍ مُغَرّبْ

الروحُ تذهبُ مَغْرِباً

والقلبُ نحو الشرقِ يذهبْ

مُدِّي لنا حَبْلاً إليكِ

ولو أتيتِ يكونُ أنْسَبْ

فأنا تعِبْتُ وها أنا

في أفضلِ الأحوالِ مُتعَبْ

لا شيءَ يُبْعِدُني ولا

سببٌ بإبْعادي تسبَّبْ

وعلى دُموعِ العيْنِ يرسو

قاربٌ والموجُ مُنْصَبْ

هو غارِقٌ عندَ البِعادِ

وغارقٌ لو صارَ أقربْ

يا كربلاءُ وساحلي

يشكو مِنَ العصْفِ المُذَبْذَبْ

وكأنَّ ذاكَ العصْفَ في

ثكناتِ أعدائي تَدَرّبْ

لو شاءَ يحْمِلُني إليكِ

أبيتُ فوقَ ثراكِ مُنْكَبْ

أو قُرْبَ قنْطَرةِ السّلامِ

وعندَ بابِ الخانِ أُصْلَبْ

لا تُذكرينَ بخاطِري

إلاّ ابتسمْتُ وصرتُ مُطْرَبْ

وهو الفؤادُ على الحُسينِ

كشاحِناتِ الجَمْرِ يلهَبْ

والشوقُ للعبّاسِ وَقْفٌ

كيفَ حُبُّكِ لي تسرّبْ؟

وتوقّفَتْ كُلُّ الكواكِبِ

إذْ مشى في الأرضِ كوكبْ

وأنا أقولُ لخافِقي

يا خافِقي أنتَ المؤدّبْ

أتكونُ في العشرينَ مُلْتَزِماً

وفي الخمسينَ تلعَبْ؟

فالمُعْجَباتُ إلى الجحيمِ

ولم أكنْ بسِواكِ مُعجبْ

ومَشَيْتُ من سوقِ الشيوخِ

لكربلا مَشْيَ المُسيَّبْ

فوجدتُ طعمَ الماءِ أسفلَ

كربلاءَ يكونُ أعذبْ

عَذْبٌ فُراتُكِ جرّبيهِ

لِمَ المُجَرّبُ لا يُجَرَّبْ؟

ووجدتُ أبوابَ السَّماءِ

عجيبةً والأرضَ أعجبْ

فبأرْضِها وقعَ السّخاءُ

فصارَ بعضُ النَّخْلِ أحدَبْ

وبِنَهْرِها غَرِقَ الحياءُ

فماؤُها عَرَقاً تصبّبْ

مهما تقلَّبَ طقسُها

ومزاجُنا مهما تقلَّبُ

يأتي المساءُ وكلُّنا

مِن نفسِ ماءِ النَّهرِ نَشْرَبْ

أُخفي رسائلَها وصارتْ

فوقَ سطحِ القلبِ تُكتبْ

لو أنتَ تدخلُ خافقي

لَعرَفْتَ كيفَ العُمْرُ يُحْسبْ

فهواي فيكِ مُناسِبٌ

وهواكِ في داعيكِ أنسبْ

وإذا يجِنُّ الليلُ لا

يدري المُغَرَّبُ أينَ يذهَبْ

يا تلَّ زينبَ كم غريبٍ

فيكَ طافَ وصاحَ يا ربْ

وأنا على قلبي أطوفُ

لِأَنَّ فيهِ مقامَ زينبْ

أبدو أنا هَرَماً ولكنْ

داخلي كوخٌ مُخرّبْ

كم مِن كبيرٍ إنما

طفلٌ بداخِلِهِ مُعذّبْ

يا ويحَ قلبي إذ رأيتُ

خسائري في الحُبِّ مَكْسَبْ

ورأيتُ بالعينِ المُجَرّدةِ

الحقيقةَ وهي تُحْجَبْ

ورأيتُ أصدقَ عاشِقٍ

في أصدقِ الأحوالِ أكْذَبْ

فتواترتْ أحداثُ روحي

والحديثُ يكونُ مُطنَبْ

هلّا رأيتِ عيونَ روحي

وهْيَ فوقَ التَلِّ تنحَبْ؟

لمّا رأتْ عُشَّ الصِّبا

يخلو من الطَّيْرِ المُهّذّبْ

طافت كما طافَ اليَمامُ

بعشِّهِ الخالي المُخَرَّبْ

لكنَّ لي سلوى ستَجْمَعُ

مَنْ جفاكِ ومَن تقرَّبْ

لكِ مرقدٌ في القلبِ

مِنْ ذَهَبٍ وشُبّاكٌ مُذَهّبْ

مفتوحةٌ طرُقي جميعاً

للمُبَعَّدِ والمُقَرَّبْ

لكِنَّ شارعَ زينبٍ

هو مُغلقٌ إلا لزينبْ

***

وحيد خيون

12-06-2022 لندن

قبلَ ولادةِ الفجر أحيكُ لعينيكَ

أجنحةً من رَذاذِ الفضاء

هناكَ سَنلتَقي

حولَ أسرابِ الهُدى

وبين الشِّفاهِ تتفتَّحُ زنبقةُ النَّقاء

قيثارتي تدعوكَ لحفلةِ ترانيم

خارجَ حُدودِ الهَواء

تعزفُها ملائكةُ الهَمس

يردِّدُها صَدى السَّماء

يا نسيماً يُفسِّرُ أسرارَ الرِّياح

هل ستُلبيِّ النِّداء؟

لَملِمْ بقايا النرجس الغافي في دَفتَرك

وهَلمَّ نخطفُ القمرَ.. إنهُ عرسُ السَّماء

ستولدُ نجمةُ الخلودِ في مَهدِنا

ما بينَ بريقٍ وألقٍ

ألمحُ ولادة َالرَّبيع في عينيكَ

أقحوانةً تتهيَّأُ للقاءٍ

وياسمينةً تزغردُ للأملِ...

ما أبهاهَا تلكَ الفَراشة !

تقرأُ الحُلمَ من خطوطِ راحتيكَ

على شُرفةِ الجنَّةِ

أتنفَّسُ طيفاًمن  رِئَتيك

يُغافِلُ تَمْتَماتِ الفردَوس ..

يُخبرُني عن بُرعمٍ

سَيغدو تاريخاً

عن نَجمةٍ حُبلى بِحَنين ِ الأزل

تُرى في أيَّةِ عاصفةِ ستولدُ  أسطورَتُنا؟

***

سلوى فرح - كندا

 

فرات المحسن

الحلقة السادسة من حفر الباطن

سحبت بتثاقل الورقة عند الضوء الشحيح للقنديل المعلق في زاوية الملجأ، بينما كنت أنظر لعيون الجرذ الناطّة من بين لوح السقف والصفيحة الحديدية. كانت أصابعي تهز القلم فوق الورقة هزاً خفيفاً مخدراً، لترسم دوائر متداخلة.راودني الإحساس الغامر نفسه، الذي ينتابني بين الحين والآخر.الخواء المضطرب تحت سماء مفتوحة مليئة بالثقوب الفاغرة. وحيداً، أسير في متاهة لا حدود تلجمها. ورغم عتمة وثقل سقف الملجأ، فقد شعرت بأن جسدي لا زال ممدداً فوق الرمل. تنبلج السماء فوقي مثل كوّة موحشة، ترسل إشارات سحرية عبر نفقٍ بعيدٍ جداً، تأتي منه الأصوات شحيحة لا تستطيع أذناي تمييزها، فينتابني خوف يخالطه استسلام تام مطمئن، وكأنّ بي مساً سحرياً يشلّ كل حواسي. إحساس بالخدر التام والرغبة بالصمت، صمت تام يقتل ما في داخلي.

لا أذكر عدد المرات التي كتبت فيها رسائل. فأنا أمقت كتابة الرسائل. و هذا سبب لي الكثير من الإشكالات في أكثر من مناسبة. فأنا لا أجيد الحديث عن أمنيات وتمنيات وتدبيج تحايا، أو التعبير الدقيق عن المشاعر، وأجد صعوبة في سرد الوقائع ووصف الأماكن. وفي أغلب الأحيان أجدني عاجزاً كلياً عن كتابة ما أردت الحديث عنه، فأرجئه للقاء مباشر واعتذار يكون دائما غير مقبول .

عندما كتب مدرس اللغة العربية عبد القادر البصام، مواضيع الإنشاء الأربعة، فوق اللوح المدرسي الأسود، وطلب أن يختار كل واحد منا موضوعاً ليكتب عنه، ثم يجلبه بعد انتهاء العطلة الربيعية، طالعني مباشرة  فتسقطت من نظراته رائحة التهديد. ومع هذا لم يترك الأمر يمر بسلام دون أن ينبهني بحدة وأمام الطلاب، بأن هذه فرصتي الأخيرة، وإن لم أحاول اغتنامها، فذنبي على جنبي. كتبت عناوين المواضيع الأربعة في الدفتر، وتركت الاختيار حتى اليوم ما قبل الأخير من انتهاء العطلة، أو الأحرى قلبتها في رأسي دون أن أستطيع الاختيار. ولكني أنجزت ذلك في اليوم الأخير وسلمت دفتري بروح مغموسة بفرح غامر، في أول يوم دراسي نهاية العطلة. أشاح المدرّس وجهه عني وابتسامة مصطنعة ترتسم بتثاقل فوق شفتيه. في اليوم التالي جلس فوق أول مقعد في الصف ثم نادى باسمي. أوقفني أمام الطلاب فشعرت بالارتباك والفزع فأطرقت رأسي. ثم انطلق صوته:

ـ ما الذي يفعله الطالب حين يصف مكاناً ذهب إليه ؟ من يجيب عن ذلك ؟

ارتفعت الأكف تتطاول كي يشير المدرّس لأحدهم بالإجابة، لكنه صرخ بأعلى صوته أن اخرسوا. وكان صوته المجلجل مثل زئير أسد. ارتبكت الأكف الصغيرة، وراحت تنسحب واحدة تلو الأخرى. انكمشت وأحسست أن الجدران تقترب لتطبق علي وتهرسني. إحساس بالرهبة والانسحاق سيطر على روحي، فراح جسدي يرتجف  بتسارع ولم أعد أستطيع السيطرة عليه.

ـ غبي.. ما هذا ؟ أهو وصف لحمّام شعبي يستحم الناس فيه أم هو سرداب موتى ؟

نزّ جبيني عرقاً بارداً غطـّى جبهتي، وراحت ركبتاي ترتخيان. قاومت اندفاع رغوة تصاعدت في أحشائي. ضحكات رفاقي أدخلتني في هلام سائل كثيف،  فسقطت أخيراً  مغشياً  علي .

كان الخوف يسيطر عليَّ حين أفقت وأنا أرى كـّفه الثقيلة تمسد  جبهتي  بالماء البارد  .

ـ دلال صبيان. لا شيء سواه. انهض يا شاطر. رغم أنك لم تكتب عن الموضوع بشكل حسن، ولكن لا بأس. سوف أحتسبها لك هذه المرة.

حين جلست بين دفـّتي مقعد الدراسة، كنت أحبس دمعتي خوفاً ورهبة. وكان خدر تام يسيطر على كامل جسدي. لم أكن بقادر على إسكات ضحكاتهم التي راحت تجلجل في رأسي. وكان جسدي الواهن يتفصد عرقاً بارداً، ويقف المدرّس أمامي وهو يغتصب ابتسامة شاحبة لم تتعدَّ حافـّة شفتيه الغليظتين.

*****

وضعت الورقة جانباً وطالعت مكان الجرذ الفارغ. شعرت بحاجتي الملحّة لمحاورته. من يدري فربما يعرف أكثر مني سبب وجودنا معا في هذا المكان. وربما يخطو  بحذر لاكتشاف حسن نية البشر أو شرورهم تجاه الحيوات الأخرى.

ولكن كم عمره الآن ؟ أنضج أم أن الوقت ما زال مبكراً ليعرف أن قدميه زلتا عن الطريق لتقوداه إلى المكان الخاطئ، بالضبط إلى مكمن القتل. البشر وحدهم بحثوا عنه وقرروا اقتحام خلوته الصحراوية.  عن عمد،  زجّوه في نزاعاتهم وجعلوه يلتهم طعامهم المسموم. هم وليس سواهم من سيقوده لحتفه، إما تخمة أو قتلاً. ولكن أين يا ترى هو الساعة. ألديه أحد غيري يحاوره في هذه المتاهة، أم مل التطلع في وجهي العابس. لِمَ لا يأتي لمناجاتي.

سمعت خشخشة الورقة فشاهدت وجهه المدّبب الجميل والورقة بين أسنانه يسحبها متراجعاً فوق الفراش المغطى بالرمل. مبتعداً بها نحو الزاوية. تشبث بالورقة أول الأمر حين حاولت أخذها منه، ولكنه فجأة تخلى عنها قاضماً بأسنانه الصغيرة زاويتها ثم هرب مختفياً بين الأكياس عند سقف الملجأ.

شعرت بشيء من الارتياح والرضا لمثل هذه الدعابة فقد كنت في أمسّ الحاجة لها في هذا الوقت بالذات، لذا أمسكت قلمي وبدأت الكتابة.

أمي الحبيبة

تحية طيبة

أرجو أن تكوني بخير وصحة تامة. أنا لحدّ الآن بصحة جيدة وصاحبي بصحة وعافية أيضاً.

أشعر بحاجة شديدة لرؤيتك.

قبلاتي

ابنك المحب

ليل حفر الباطن  في 23  /2 / 1991

***

فرات المحسن

......................

ملاحظة

فجر يوم 24 /2 / 1991 بدا هجوم التحالف الدولي لإخراج الجيش العراقي من الكويت

سفن مطلية بالسواد

محملة بكل فئات النقود والنذور،

تسدل اشرعتها الممزقة بإتجاه المحيط

محيط القسيسين والفلاسفة

الأئمّة و الأرباب،

ولا تعود إلا وهي ممتلئة بأصغر الأسماك حظًا

أسماك الدعاء.

*

أُماه،

إن طاقم (الجوزدان) عرق جبين من نذرتهم للسراب

و(العلگ) لا يبشر بالمطر.

*

- كلما مات نهر

إتسع السراب

وجفت الغيوم.

*

تقذف بسنارتها عسل المعجزة

داخل شباك مغلفة بالعُمى،

يا واهب الحوت فكرة الإنشاد

وخرافة العشب،

خذ ما تشتهي واعطني اليقين

أعطني اليقين...

وايسوعاه، كيف أخبر أُمي ان اليقين أضغاث خوفٍ

ومذاق الحقيقة مرّ.

*

وإن كان لابد من يقينٍ فالنجمع إذن

المال والنذور

القسيسين والفلاسفة

الخرافة والعشب

الأئمّة والشعراء

وإن كان الناتج لا يقسم إلا على إلهٍ واحد

فلابُد من فكٍ يقضم...

وحوت يبتلع كلّ ما ذكر

***

ضرغام عباس /العراق

 

مَنْ ذَا الَّذِي يَا تُرَى بِالْحُبِّ يَعْتَصِمُ

وَالْخَطْبُ أَقْبَلَ وَالْأَهْوَالُ تَحْتَدِمُ؟!!!

*

أَشْتَاقُ حُبَّكِ وَالْأَيَّامُ تَحْرِمُنِي

تُرَابَ حُبِّكِ وَالنِّيرانُ تَضْطَرِمُ

*

يَا مَنْ جَرَحْتِ فُؤَادِي الْحُرَّ يَا أَمَتِي

وَالْهَجْرُ فِي مُهْجَتِي يَقْسُو وَيَنْتَقِمُ

*

لَكِنَّ قَلْبِي وَعَى مَا كُنْتُ أَلْمَسُهُ

مِنَ الْغَرَامِ الَّذِي يَدْنُو وَيَقْتَحِمُ

*

يَا غَادَتِي مَسَّنِي فِي الْحُبِّ نَائِبَةٌ

أَوْدَتْ بِقَلْبِي وَمَا يَسَّاقَطُ الْهَرَمُ

*

طُوفِي عَلَى حُبِّنَا بَالدِّلِّ يَا أَمَلِي

وَرَفْرِفِي فَوْقَ سُورٍ رَامَهُ الْعَجَمُ

*

وَدَحْرِجِي مَا حَوَتْهُ الدَّارُ مِنْ لُعَبٍ

أَهْدَيْتُهَا وَاسْتَفَاقَ الْعِزُّ وَالْكَرَمُ

*

وَاسْتَبْشِرِي الْخَيْرَ مِنْ خَطْبٍ أَلَمَّ بِنَا

قَدْ كَادَ يَقْصِمُنَا وَالْحُبُّ يَنْفَصِمُ

*

يَا حُبَّ عُمْرِي أَدَامَ اللَّهُ تَجْرِبَةً

مِنْ نَبْعِ حُبِّكِ  وَالْأَيَّامُ تَنْحَسِمُ

*

اَلْحُبُّ.. غَادَةُ مُنْصَبٌّ عَلَى جِهَتِي

يَرْوِي الشَّمَائِلَ وَالسَّاعَاتُ تُقْتَضَبُ

*

إِنِّي أُعَانِقُ فِي شَوْقٍ وَفِي وَلَهٍ

أَحْلَامَ عُمْرِكِ وَالدَّمْعَاتُ تَنْسَكِبُ

*

أَشْتَاقُ قُبْلَةَ حُبٍّ مِنْكِ  تَحْمِلُنِي

لِجَنَّةِ الْحُبِّ وَالتَّنْهِيدُ يَنْقَسِمُ

*

صَفَاءُ حُبِّكِ يَكْوِينِي وَيَعْصِفُ بِي

 لِأَقْطِفَ الْوَرْدَ وَالْأَزْهَارُ تَبْتَسِمُ

*

فَدَنْدِنِي اللَّحْنَ فِي آلَاتِ مَعْزَفِنَا

بِحِضْنِ قَلْبِكِ وَالتَّقْبِيلُ نَنْسَجِمُ

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي - شاعر وروائي مصري

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م