نصوص أدبية

نصوص أدبية

يشد قوامك نحو الرحيل،

ينخر عظامك المتعبة،

يحول بينك وبين طقوسك المبجلة،

يتزعم خطواتك،

يذهب بها بعيدا،

يطمرك الوهن،

ينازع جبروتك،

تصبح مكبلا.

*

ينظر نحوك،

تغدو عاجزا عن أداء التحية،

ترفع يديك ببطء قليلا،

تلوح بالاستسلام،

تغادر وسادتك،

يفارقك المكان.

*

يحتجز كلماتك،

يستنزف مشاعرك،

يصر قدميك،

يجرك إليه،

يكتم أنفاسك،

يفصل بيننك وبين من تحب دون استئذان.

*

يجعل منك كيانا غارقا في بحر غامض،

يقتحم أسوار جبروتك،

يغور بك صوب العتمة،

يسقط حقك في الإعتراض،

تشعر بالخذلان.

*

هنالك عند نقطة من الأفق،

تخفق روحك،

تشد قيود حضورك المسافات،

تنطوي حقبة من الزمان،

يضطرب الخوف عند مشارف الجبل،

تخر متقلبا،

تلفك المغارات،

تطفو صورتك عند السفح،

تغرب عند المقام،

تستعيد القافلة شروط انتمائها الأزلي،

ينتشر السكون،

يكف الآخرون عن البكاء.

***

عقيل العبود/ سان دييغو

 

يا زَميلي دَعْ سَراباً غَشَّنا

فَرؤانا إسْتَباحَتْ مَجْدَنا

أنْتَ نِبْراسُ حَياةٍ عِنْدَنا

وانْطلاقٌ لعُلانا قَبْلَنا

كُنْتَ إنْساناً طموحاً بارِقاً

وحَصيفاً مُسْتقيداً بَيْنَنا

إعْتلى ظهْرَ مُرادٍ جامِحٍ

نحوَ آفاقِ تَراءَتْ مَوْطِناً

وبنا دارَتْ وأجَّتْ نارُها

فَتَناهى كَرَمادٍ حُلْمُنا

وَطنٌ عانى وشَعْبٌ مُبْتلى

وإذا العُمْرُ هَباءٌ خَلفَنا

أمّةٌ أضَحَتْ شظايا أمَّةٍ

وبها الأوْطانُ أشَقَتْ أمَّنا

يا زميلي خابَ سَعْيٌ وانْتهى

وتَداعى كلُّ شيئٍ حَوْلنا

فلماذا أنْتَ فيها عازمٌ

يَتَحدّى مُسْتَديْناً صَوْتَنا

سَتُجِبْني عَربيٌّ صامِدٌ

وعَنيدٌ فأبيٌّ أصْلنا

قُلتَ صِدْقاً دونَ فِعْلٍ صادقٍ

دَحَضَ الفِعلُ نَوايا قَوْلنا

ما بَذرناهُ تَوارى خائِباً

فانْهَزَمْنا وقَتَلنا إنَّنا

قد تَرَجّلنا وبانَتْ خُدْعةٌ

ما وَعيْناها فأغَوَتْ جيلَنا

عَصَفَتْ فينا أعاصيرٌعَتَتْ

فَتوارى ما بَنَيْناهُ هُنا

وكذا عِشْنا زَماناً قاسِياً

كنِيامٍ في خُداعٍ لفَّنا

ما انْتَبهْنا وعَلينا أجْهزَتْ

إنّها فازَتْ فأنْكتْ جُرْحَنا

قَدْحةُ الأفكارِ أذْكتْ شُعْلةً

في رَميمٍ وسَقيمٍ حَفَّنا

ذِكْرَياتٌ أجَّجَتْ روحَ المُنى

واسْتَشاطتْ رُغْمَ أنّاتِ الأنا

لسْتُ أدْري خَبَراً جاشَ النُهى

أنْتَ حَيٌّ أمْ بها خبْطَ الضَنى

يا زَميلي تلكَ أيّامٌ خَلتْ

ما عَرفناها فجَهْلٌ سادَنا

قدَرٌ يَسْعى وأقدارٌ أتَتْ

وبها سِجْنٌ أكولٌ قدَّنا

بدنٌ خانَ وروحٌ أُزهِقَتْ

وعُروشٌ إسْتعارَتْ وَهْمَنا

ولنا فيها كِتابٌ مُبْهَمٌ

خَطّهُ الضوْءُ برمْسٍ ضَمَّنا

هائمٌ أنتَ بدهْماءِ الوَرى

وبرَمْضاءِ نَشاطٍ ذَلّنا

فَتَعلمْ كيفَ تُسْقى يَقظةً

أ بعَقلٍ سَوْفَ نَحْيا عُمرَنا؟

زَمَنٌ ولّى وشَمْسٌ أشرَقَتْ

وعليْنا بجَديدٍ يُهْدِنا

يا زميلي إنْتَهَكْنا سِفْرَنا

وبفكرٍ دونَ فِعلٍ حَتْفُنا!!

ما تآخَيْنا كجَمْعٍ واعِدٍ

فَرْدُها طاشَ مُبيداً جَمْعَنا!!

وبها الأيّامُ برهانُ الأذى

عِزَّةٌ ضاعَتْ وخَلقٌ إنْفَنى!!

فَتَرَجَّلْ عَنْ دُخانٍ ضامِرٍ

وتَمَسَّكْ بحَنايا شَعْبِنا!!

خَطأٌ يَرْعى خَطايا فاقَمَتْ

لوْعْةً جازَتْ مَزايا هَمِّنا!!

أيُّها الرائيْ لماذا إشْتَكَتْ

أمَّةٌ قادَتْ صِراطاً يُهْدِنا؟

هلْ سَنُسْقيها بفِكْرٍ فاعِلٍ

أمْ بقَوْلٍ دونَ فِعْلٍ يُشْفِنا؟!!

رَحِمَ اللهُ زَميلاً ثائِراً

أطْلقَ الروحَ فهامَتْ روحُنا!!

كَثُرَ الطيْشُ وقلّتْ حِكْمَةٌ

وخريدٌ في ثَنايا وعْيِنا!!

***

د. صادق السامرائي

29\3\2022

في غابةِ الاحتمالْ

يخترقُ المُمْكِنُ وجهَ المحالْ

وترتدي الشكوكُ وجهَ اليقينْ

فما الذي تصبو  إليه السنينْ،

بعد مخاضاتِ عذابٍ طوالْ؟

**

- 2 -

مَنْ وَأَدَ الأحلامَ في مهدِنا؟

مَنْ زَرَعَ الأشواكَ في دربِنا؟

أوقاتُنا مُجْدِبةٌ قاحلةْ

متى تجئينَ ربيعاً لنا،

لتُمْرِعي واحاتِنا الذابلةْ،

و ترجعي أيّامَنا الراحلةْ؟

**

- 3 -

هذا الذي تشدو  به دائماً

حيْرةُ أيّامنا

صارَ  لنا

نشيدَنا المُزْمِنا

يُمكِنُ، لا  يُمكِنُ، قَدْ  يُمكِنُ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

 

وأنت تطل من الشرفة

تقول للبحر

المأساة يا رفيقي

هي أن تجد نفسك

على ضفاف نهر مورق

رفيقا للخسارة وخيانة الأحبة

تتأمل أسراب الطيور المهاجرة

في مشهد حزين

يشبه لوحة مرسومة بالأبيض والأسود

معلقة على جدار مقبل على الانهيار.

المأساة هي أن تجد نفسك وحيدا

كنورس مكسور الجناح

ينظر بحزن إلى البحر ورذاذ موجه

والمراكب العابرة إلى الموانئ

عاجزا عن التحليق في أفقه الأزرق.

المأساة يارفيقي

هي أن تجالس ظلك المنسي

في حياد تام مع فلسفة الوجود

من غير لغة..

ولا حكاية..

ولا ذاكرة..

تداعب فنجان قهوتك المرة

وتعبت بقطع السكر على المائدة

وأنت تجتر بداخلك الخسارة تلو الخسارة.

المأساة هي أن تجد نفسك عاريا

كأشجار الخريف بلا أوراق

على رصيف شارع مهمل منسي

بلا مصابيح..

وبلا أمواج عاتية..

وبلا فرح يعيد إليك شغب الطفولة

وبلا حضورها المتوهج كالنار

في الزمان والمكان .

المأساة هي أن يمر بالقرب منك الناس

والطيف والحرف دون مواساة..

ودون تحية الصباح

يشغلهم الوقت بعيدا عنك

وتشغلك رؤاك بعيدا عنهم.

***

عبدالرزاق اسطيطو

 

مثلَ نسمةٍ تتهادى

يرفعُ طرفَهُ

يلقي السلامَ

فتجفلُ الطيورُ:

لا سلام

إلّا في الأضغاثِ

*

يسيرُ مع نفسِه

لا يبالي

إن أمسكَ ظلَّه

أو صار وظلَّه شبحينِ

*

واقفٌ عند البوابةِ الأخيرةِ

ينتظرُ التحليقَ

نظرَ إلى أعلى النافذةِ

تذكّر ذلك الطائرَ

الذي حلّق ولم يعدْ

*

بعد عامٍ ونيف من الدمعِ

تذكّر أن عينَهُ

صارت قربةً مثقوبةً

وأن الماءَ لا يكفّ

عن الإنهطالِ

*

كلما تذكّر فتاتَهُ الأولى

وجد أمامَهُ

صورةَ المرأة التي تتشحُ بالسوادِ

وفوق رأسهِ راية الفقدِ

*

في كلّ عامٍ

يقفُ الحسينُ وحيدًا

يلتفتُ

فلا يجد خلفَهُ

إلآ بقايا كفّ

وراية

*

سألت مجنونًا؛

لماذا لا تجيدُ البكاءَ

قال غاضبًا:

لأني بكيتُ

ما يكفي

***

د. جاسم الخالدي

أنشودة للأطفال تحت عنوان

وَطَني - هذا السِّرّ الجَميلُ

***

وَطَني رُبوعُكَ

لوحَة ٌ لِفنانٍ

رَسَمَ الرّبيعَ

ذهَبَ الخَريفِ

غَزْلَ البَناتِ

زُرْقة َ البَحر

وَزينَة َ الشّطآن ِ.

**

وَطَني رُبوعُكَ

لوْحَةٌ لِفنان ٍ:

شَبّابَة ُ الرّاعي

شُموخُ الجبال ِ

تَدَفّقُ الوادي

وَفَزْعَة ُ الشّجعان ِ.

**

وَطَني...

أحْبَبْتُ فيكَ

جَمالَ الغاباتِ

شَدْوَ الحَمام ِ

طيَرانَ الفَراشاتِ

وَمَوسِمَ أزهار الرّمّان ِ.

**

وَطَني..

أنتَ الفَرَحُ والغِبطَة ُ

أنتَ المَحَبّة..ُ

أنتَ الأهْلُ .. يا وَطَني

فيك البَيْتُ والدّفءُ

ليْ...وَلِكُلِّ إنْسان ِ.

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

.........................

هوامش:

غزل البنات: حبات الثلج كبيرة الحجم في موسم الشتاء

شبابة الرّاعي: مزمار الراعي

الفزعة : هي نجدة المستغيث ومن يطلب العون،

أي النخوة العربية.

دونت عام 2019

على هامش اجتياح 1982 للبنان*

اولا: نُذُرُ الحرب

الطير العربيُّ الفينيقيُّ اللؤلوء في عينيهِ

والطير العربي الفينيقيُّ لألئه تتصدرُ قائمة الانباءِ المجهولة

الريشُ الكث على  كلتا عينيهِ

والطُحلبُ والتعتيمُ مروجٌ تتعسكرُ من حول الأُذُنينِ

الطيرُ البيروتيُّ قوادِمُهُ المرمرُ من لبنان

وخوافيهِ سهامُ الفتحِ الاسلاميّ وأسيافُ الرومانِ

الطير الفينيقيّ الابيض نورسُ بحر الدنيا

يتوسط هذا العالمْ

والطيرُ اللبنانيّ بلا عينين يحدّق في أمواج البحرِ

كسروا حدّة عينيه

جعلوا المسمار الفولاذي إطاراً أممياً للاحداقِ

قصّوا الريش الذهبيَّ - الثلجيّ الزاهي

فتبعثر قشاً يقطر قاراً مغليا

وتناثر في البحر الى الاعماقْ.

النورس مخنوقٌ مذبوحٌ

المقلةُ لا نورٌ فيها لا ومض لا إشعاع

الطير النورس لا عشَ ولا زوجَ ولا اهل له

والنورس مقطوع الاصل سوى صوتِ الجيرانِ

منكوبٌ تتقاذفه الانواءُ الجوية والمعسول من الانباءِ

الريش أكفُّ الاطفال وأذرع قتلانا

من يرحم هذا الانسانَ التعبانا ؟

النورس ماتت في عينيه حبيبات الرمانِ

والنورس لحن الناقوس الكنسيّ المتذبذب في امواج الشيطانِ

لا يعبر إلاّ جسراً دموياً من أحزانِ

فالآتي أكبر مما تتحمله ذاكرة الانسانِ.

النورس مفقوء العينينِ

والنورس مقطوع الأرجل والايدي

طير اسطوريٌّ فينيقيٌ جاب الشطآن وحيداً إلاّ المجدافْ

يضرب في نوء الدنيا ارشق من اسماك القرشِ

وحيتان البحر الطامي

في عينيه البللورُ الازليّ الصافي

وعقيق التيجان الملكية ثم كريم الماسِ.

*

تَرَفٌ ما تسمعه يا إنسانُ

كذبٌ ما تسمعه عن لبنانْ.

صُوُرٌ في خير واللهِ يغازلها المرفأُ والساحل والكثبانُ

صُوُرٌ سور العرب الادنى

قلعة هذا التاريخ العصريِّ

تصد الريح من الاسفل والاعلى

صُوُرٌ سوّرها الرحمن وحصّنها المولى ...

كذبٌ ما تسمعه يا إنسانُ

دجلٌ ما تسمعه عن لبنانْ

المسرح مفتوح مائةَ يومٍ في الشهرِ

تعالَ تفرجْ يا سكرانُ

إفتح عينك يا إنسانُ

فمصائرنا تترنح في رأس الغثيانِ

والجيل القادم مسمومٌ منذ الآنْ

باعته العرب العاربة الشماءُ مهيناً وذليلاً

باعوه مع النفط المتوهج قنديلاً.

**

ثانيا: النبي داوود في الجنوب

داوودُ الملكُ الطالوتُ ترفرف نجمته هولاً في صيدا

وملوك الطين تصفّق للطائر والعابر والساقط والهارب والنعسانِ

إرفع صوتك يا إنسانُ

ما من عار فوق القمة اكبر من هذا العارِ

صيدا ساحلك الرمليّ بلا ماءٍ إلاّ الاشلاءُ

يقضمها الموج الابدي العاتي

ويسأل في شبق محموم اين الآتي ؟

الهجرة أمواج تدفعها الريح شمالاً

صفّاً

صفّاً

والريح مخالبها أمضى من حد السيفِ

البشر المهزوم مساكنه اضحت مأوىً صرفا

للجن وللغيلانِ

والبشر المطرود ضحية هذا الطوفانِ

من التصريحات الجوفاءِ

لا تشبعُ لا تروي ظمآنا

لا تنقذ حتى جرذٍ في حفرة نسيان .ِ

البشرُ البشر الملأ المظلوم المهمومُ المكلومُ

تقاعس عن درس التاريخِ

فأغمضَ عينيهِ ونام على ذيل الثعبانِ.

*

الحربُ الحربُ الريح العاتيةُ الصَرْصَرْ

وصلاح الدين عساكره في قعر اليمِ

مدافعه صدئتْ

والرياتُ المقلوبة ما من أحد يرفعها للأعلى

فتهيأْ لبنانُ لكارثةٍ لا تُبقي للموتِ سوى

حفنة أقزام مأبونين ومنبوذين مقاعدهمْ

من إعصارٍ أو من نارِ

خذهم يا موتُ فهل بعد النكبة من عارٍ

اكبر من هذا العارِ؟؟

**

ثالثا: الحرب في بيروت

بيروتُ مآذنُها اضحت وكراً للغربانِ

هدفاً سهلاً للطائر والغائر والمتفجّرِ

والمتفسفرِ من آلات الموت المكتوب على لبنانْ.

*

بيروتُ مقاهيها غلّقت الابوابَ

وأغفى الحانوتيُّ جريحاً ظمآناً جوعانا

والبرج تفّلق فسفوراً مصهورا

وحديداً مغلياً ودخانا

والبارجةُ السوداءُ تفحّ فحيحَ الحيّات السودِ

وناباها بالسمِ الاصفر منتفخانِ.

*

بيروتُ الساعةُ ها قد حانتْ

فإغتسلي بالضوء الضاربِ في قلب الاعصارِ.

*

من ذا يصرخ في الليل العاتي؟

إمرأةٌ تبحث عن طفليها حيث هوت جدرانُ الدارِ

من ذا يمشي بين الأنقاضِ؟

طفلٌ يبحث عن ابويهِ؟

من هذا الجاثم مصفرّاً من فرط الإعياءِ؟

شيخٌ يرأسُ عائلةً وصلت تواً من صيدا

من هذا؟

هذا ياسرُ عَرَفاتْ.

*

بيروتُ جنائزُ لا حَصْرَ لها

والموت يدق عليها باباً بابا

بيروتُ مقابرُ لا عدَّ لها

ومساكنها أنقاضٌ فوق الاحبابِ.

الحربُ إلهي

رُحماك إلهي

إرحمني من ظلم شقيقي الانسانِ

العبد المؤمن يستغفر يستعظم ماضيهِ

والعبد المؤمن يستصرخ يستنجدُ لكنْ

مَن يحميهِ؟

بيروت موانيكِ البيضُ صواريها مقلوبةْ

بيروتُ الربانُ بلا بوصلةٍ شق اليما

وأمواج الريح وكثبان الحيتانِ

والصقرُ الساميُّ مدافعهُ وا أسفا

أفواهٌ دُرْدٌ جوفاءُ

والسهلُ الموتُ مروجٌ من غيلانِ

أ أنا دون الانسانِ؟

أ أنا أصغر من قنبلةٍ في الميدانِ؟

*

الموت يخطّطُ للرائح والغادي

والنكبة لا شكلَ لها

والرعبُ يدق على الحيطانِ بلا إنذارٍ أو إخطارٍ واستئذانِ

وعناقيدُ الأجل الأصفر والأخضر والأسودِ والأحمرْ

تتطايرُ من هول الرعبِ شظايا

أجسادا وأكفا ورؤوسا وطقوسا

وجيادا ورجالا ونساء وفؤوسا ...

ما أعظمَ سيماكَ وأنت تُهانُ

ما أكبر قتلاك تلّظى فوق النيرانِ

ما أروع هذا الانسانُ.

**

رابعا: الفاتحة

لبنانُ الشجرُ الزيتونُ المتوهجُ نوراً عُلْويا

مشكاةُ الكون وطعمُ العنبر والسكّر والتفاحِ

أزليُّ الهيكل والمعصمُ زنبقةٌ تتفتح فجراً

قبل الأصباحِ

والجدول نهرٌ في جنَّةِ عَدْنِ

ومزاجُ الماءِ المتألقِ كافورا

الكرمةُ تحت الارض يعتّقها الرهبانُ دهورا

كأساً مسحوراً وبخورا

والجبلُ العالي يحدّقُ في ماء البحرِ

طيوباً و خُزامى وعطورا ...

*

لبنانُ الآنَ خرابُ

ودموعٌ ودماءٌ وسرابُ

والنورسُ مقتولٌ مرميٌّ تحت الأعقابِ

فإقرأْ

فاتحةَ الأحياءِ الموتى

واقرأْ فاتحةَ الموتى الأحياءْ.

***

دكتور عدنان الظاهر

..........................

* اذيعت بصوت الشاعر من اذاعة صوت الجماهير في طرابلس - ليبيا اثناء حصار بيروت 1982

 

لِمَ يا فُراتَ الخيرِ تجري غاضِبًا؟

مهلًا ولا تغضبْ،

فإنّا حائرونْ.

موجاتُكَ الهَوْجاءُ  تُرْهِبُنا،

وإنّا خائفون.

*

الليلُ داهَمَنا ولا

ندري الى أين الرحيلْ،

أَإِلى الجبالِ فلا جبالْ!

مشلولةٌ أقدامُنا،

مكتوفةٌ كلُّ الأيادي،

كلُّ شيئٍ عندنا شِبْهُ مُحالْ

*

خاشِعةٌ أبصارُنا،

الوقتُ يسبِقُنا وما زلنا نُكابِرْ

صَعْبٌ علينا

أن نُغادِرَ…. لا نُخاطرْ

*

لُطْفًا فُراتَ الخيرِ أمْهِلْنا رُوَيْدا

صَرَخَ الرضيعُ

أما سمِعْتَ الصارخينْ؟

هلاّ رحمتَ العاجزين؟

رِفقاً بأهْلِكَ يافُراتَ الطَّيِّبينْ

فلقد عَشِقْناكَ سنينْ،

ولقد أَلِفْناكَ سنينْ!

*

منك نَهِلْنا كُلَّ خيرٍ كُلَّ طِيبْ،

واذا اسْتُغِثْنا نسْتَجيبْ.

ألْهَمْتَنا معنى الحياةْ

علمتنا نحيا الإباءْ

نَنْشُرُ نورَ اللهِ في الأرض بلا

مَنٍّ ونحنُ السُّعَداءْ

*

واحَسْرَتاهُ أرى عُيونًا

باكِياتْ

تجْهلُ ما تحملُ تلك القادماتْ!

أبناؤُكَ النُّجُبُ الغَيارى واجِمونْ

ماذا عساهُم فاعلون؟

إيْ يا فراتْ

اليومَ لا نعلمُ ما هو اۤتْ

إنّا لنَخْشى أنْ تَموتَ الذكرياتْ

*

يا أيُّها النهرُ العظيمْ

أتَحِلُّ ضَيْفًا عندنا عند الصَّباحْ؟

أمْ في دُجى الليلِ البَهيمْ؟

هل لكَ أن تُخْبِرَنا قبلَ الوُصولْ،

ليسَ لدينا ما نقولْ!

*

سَتَرى أحِبّاءً يُحَيُّوكَ

يُجيدونَ التَّحِيَّةَ …… حَيِّهِمْ

سيعانقوكَ يُوَقِّروكْ

ستراهُموا عينَ اليقينْ

كُنْ يا فراتُ لهم وقُلْ

يا طيِّبونَ لكمُ السلامْ

خَجِلُ أنا منكم، وها

سأعودُ ناموا آمِنينْ

***

شعر عبد يونس لافي

....................

* كتبت هذه القصيدة تحت تهديد الفرات في المناطق الغربية من أرض العراق، في فيضانه العارم عام  1968، وقد سبقه اخر عام  1967 أي قبل اكثر من نصف قرن..

 

رَجَــزَ البـــدرُ ، فحـيّاهُ الحُـسـامُ

واقــتـدى بالنهْـج أنـصارٌ كــرامُ

*

أذْهَـلَ الخَـصْـمَ ، بأوصافٍ بهـا

قَـبـَسُ المـوروث :عِـلـمٌ ومَـقـامُ

*

زانَـها فـي مُعجَم الأبطالِ نَـهْـجٌ

هــو لـلحَـزْمِ  ولـلعَــزْم  وســامُ

*

فـاوَضوه  باسْــمِ أنســابٍ لــهـم

بحــديــثٍ  فـيــه آمــالٌ جِـســامُ

*

لِــيَـنالـوا مـأرَبـا ، فــي سعـيهم

هَــزُلَ الـفِـكـرُ لــديـهـم والـمَرامُ

*

زأرَ الـشِــبْـلُ ، فــدَوّى زاجِــراً

انني للسّــبْطِ ، ســيـفٌ لايُضـامُ

*

قــيل مـَنْ ذا الشـبلُ، قالـوا  انـه

حامـِلُ الرايـة عــباسُ ، الهُـمـامُ

*

لــه صَـوْلاتٌ كصَـوْلاتِ عـلـيٍّ

فـأصـابَ الـخَصْمَ ذعـرٌ وسـَقـامُ

*

اقدمَ الضرغامُ صوْبَ الماء يسعى

حـطّــمَ الأسـوارَ فاسْـتاءَ الـنظــامُ

*

نَـــسْـلُ طه ، فــي خُطى إقْـدامِـهِ

عَــزْمُ صنـديـدٍ تـؤاخـيـه الـمَهـامُ

*

شـتتَ الفرســانَ في سُوح الوَغى

راجـزا ، والحـربُ نـارٌ وحِـمـامُ

*

(انني  العــباس أغدو فـي السِّقا)

لا أخاف الموتَ إن حان الصِدامُ

*

قِـربةُ الماء – فراتٌ – وعُطاشى

مفـرداتٌ ، مـؤلِـمٌ فيـــها الـكـلامُ

*

سـَـجَّـلتْ للـظلـم تاريخـاً ، معيبا

كـلُّ سَـطْرٍ فيــه عـارٌ و ظـــلامُ

*

مـفـرداتٌ أفصـحـتْ عـن فاعلٍ

عِلــةُ الـنـقصِ بـــه ، داءٌ مُـقـامُ

***

(من الرمل)

شعر عدنان عبدالنبي البلداوي

محمد الدرقاويكنا على مائدة الإفطار حين رن جرس الباب، كانت الرنات متسارعة مقلقة، تتلوها دقات متوالية، تحمل معها رعدا وبرقا، أوخطرا داهما، قالت أمي: حتما تورية أختي لا تأتي الا والقيامة في أعقابها..

صدقت، فقد دخلت خالتي وهي ترمي شرارات لسانها سبا وشتما، بلا تحية أو سلام: قالت لوالدي وكأنها تصدر له أمرا بلا مقدمات: يلزم ان تنهي الامر مع زوجي اليوم قبل غد...

رفعت أمي اليها نظرات لوم و تأنيب متثاقلة، وكأنها أدركت ما أقدمت عليه:

ـ ياك ما جبتي الثالثة معك؟ ارجو ان تتركي زوجي بعيدا عن مشاكلك، فهو لا يعمل بأمر من أحد..

ردت خالتي بنوع من التحدي وكانها تفرض أمرا وتزيح ثقلا على أكتافها قد رزح:

ـ ومن بعد، لم أعد أحتمل العيش معه.. لا عليك سأعرف كيف آخذ حقي وزيادة..

تنهدت أمي بغصة حارقة:

ـ ربما العكس هو الصحيح، فمن يتحمل حياة معك وعليها يصطبر؟، رغباتك ألوف..طيش، حمق وطلبات لا تنتهي..الى متى تورية، الى متى؟..

لم أكن أصغي لحديثهما فانشغالي بصور تترى على التلفاز ضمن أخبار الصباح، أبعدتني عن متابعة ما يقال.. "قوم اصطفوا على الطرقات كالفطر يغسلون السيارات وقد تعمدوا قطع أوصال أنابيب الماء المدفونة في باطن الأرض، كغيرهم داخل المدن ممن سدوا المنافذ والشوارع في فوضى مستغلين الملك العمومي بلا رقابة أو احتراس، أنانية، فوضى وامعان في التحدي، بداوة صارت تأتي على الأخضر واليابس بلا وعي وكأنها تنتقم لإهمال طال البوادي والقرى، عمقت جراحه سنوات القحط ودعايات العمل المكذوب في المدينة، فباع القرويون أراضيهم لسماسرة الانتخابات ممن تصدروا المجالس والقيادات وهاجروا يكتسحون المدن كالجراد يعيثون فيها فسادا..

حاول والدي التدخل بحديث لكن أمي صدته قائلة:

"كمل فطورك ونوض لشغالك، الله يعطي لبلا للي يقد به.. فران قاد بحومة "

خالتي تورية أصغر من أمي بأربع سنوات، لكن العلاقة بينهما دوما متوثرة لا تصفو، خالتي تنظر الى أمي بعين الغيرة والحسد، فأمي كلمة الصدق التي لا تكسر في البيت، عزم وإرادة، وقد عوضها الله بهما عن جمال هو ما لبسته خالتي رداء غرور، تحد وطيش الى حد الانحراف، اقله ما يتردد في عائلتنا، أن خالتي قد استحوذت على خطيب أتى لأختها السعدية التي هي اليوم أمي بعد ان عنست لجمال محدود ولخصلتين يكرههما الرجال في النساء: الصرامة وقوة الشخصية، فالسعدية لا تسمح لأي كان أن يتقافز على أكتافها، يتحكم في قراراتها، أو يخالف أوامرها، أو يفسد نظاما تعود عليه البيت حفاظا على طقوسه وأناقته، وقد استطاعت خالتي ان تقتفي أثر الرجل فاستمالته بإغراء ونزق منها، أعدته السعدية طيشا، اذلالا لكرامة المرأة وقلة حياء منها، كما هو فقدان رجولة، وضعف قرار، من الخاطب الذي أبت ان ترتبط به بعد أن جرب ألاعيب خالتي، من طيش ورغبات لا تنتهي ثم عاد متوسلا، فركلته السعدية بعد ان تحققت من رعونته وتقلبه..

تم طلاق خالتي، وصارت ثقلا ولسانا لاغطا يعيش بيننا، أنف مدسوس بفضول في كل صغيرة وكبيرة، صراع يومي بين عقليتين متناقضتين ضاعف من مشاكل قلما تخبو بين ما يأتيه أبي من سلوكات وبين ما يظل يردده مما يستبطنه محفوظا بلا تأويل ولا سبب نزول من كتاب الله وأحاديث الرسول، وما يحاول أن يفرضه على أمي وبه لا تقتنع، كارتداء الحجاب، و عمل المرأة بين الرجال بألبسة شبيهة بما يلبسه الذكور بالرغم من أن أبي شخصية انفصامية فهو أول من يقع في نقائص وتباينات ما يجتر فتضيع معها محفوظاته و قراراته كلما رأى انثى، او تبسمت له صبية، أو مر على مسامعه حديث زواج من قبل أحد دعاة التعدد..كما أنه كان لا يتعفف من أن يقضم من المدخول اليومي ما يخفيه عن أمي فتتظاهر بلا مبالاة.. كانت أمي تكره أن تتسرب أمور بيتنا خارج أسوار البيت مفضلة أن تظل بعيدا عن الأنظار والأسماع، فهي تكره أن تجد نفسها تعيش بين مطرقة وسندان لسان أبي الذي يمطرق عقولنا بلا وعي ويتكلم بلا دراية كالرحى تدور ولا تدري لها طحينة، وبين سلوكات كانت تنتزع منها ضحكات سخرية وهي تردد بينها وبين نفسها:" معذور، حديث عهد بنعمة، مقهور ضربته الدنيا بحظ دون أن يتمزق له سروال على مقاعد الدراسة، او تتهرأ له جفون على البحث والتحصيل، أو يجد نفسه بين أمواج البحر مقدما روحه للمتاجرين في البشر"..

لم ترتح أمي لوجود خالتي بيننا، فهي تمقت الدسائس أو التعامل بوجهين، كما تكره أن يطول تفكيرغير تفكيرها في بيت هي صاحبته وأعلم بما يدور فيه..

ذات صباح نهض ابي ليجد حقيبة ملابسه قرب الباب، وكأنه أدرك السبب بعد عبارة رمتها أمي على وجهه:" شدة الحرص على الأمانة دليل خيانة، ولن يؤتمن رجل خائن يركل ما وهبه الله بلاحساب" فلم يجد أبي غير الصمت، ولم يتوان في حمل الحقيبة ويفتح الباب، قبل أن تضيف أمي ما قد يفرقع الرمانة، فأعرف ما لا يريد أبي أن يبلغني، لكن قبل الخروج قالت له أمي بكل ثبات ورباطة جاش:

ـ ألم تنس شيئا؟..

تطلع اليها كانه يستفسرها عما يمكن ان يكون قد غاب عنه دون أن يتوقف لسانه عن اجترار ما يحفظ، فتبادره:

ـ يمين الطلاق ومفاتيح المتجر..

لأول مرة أتأكد ان التجارة التي كان يديرها أبي هي خالصة لأمي مما ورثته عن جدي لا شراكة بينهما، وان ابي لم يكن غير عامل من عمال جدي الذي توسم فيه الخير فزوجه أمي بعد ضغوط قوية عليها، فالرجل "درويش" خدوم أمين، حافظ لكتاب الله أو هكذا رآه ويستطيع أن يساعد بنته بعد أن بلغ بجدي العجز والوهن ؛ لكن تقلبات الانسان في الزمان تجعله قضية مطروحة دوما للنقاش، ثم لماذا هذا السلوك المفاجئ من أمي؟ أي جرم اقترفه ابي حتى يستحق هذا العقاب القاسي من قبلها؟ اعي تفكير أمي الإيجابي والذي حققت من خلاله نموا تجاريا واتساعا لما ورثته عن جدي، وانها لم تكن مع ابي تترك أي شيء للصدفة، فرغم ما تعرفه عنه فهي تحاول ارضاءه بما يحقق له استقلالا ماديا، على الأقل ظاهريا، فهي لا تتوانى في محاسبته، توجيهه، والتغاضي عن هفوات تتعمد على الا تثيرها بحك على الدبرة فكيفما كان الامر فهو رجل يلزمه نوع من الاستقلال المادي..كانت لا تتوانى في اقتراح حلول لما قد يداهمه من مشاكل تجارية ، كما أنها كثيرا ما كانت ترافقه في سفرياته لعقد الصفقات والبحث عن أسواق جديدة، خصوصا وهي تخشى أن ينساق لنزواته أو يقع تحت اغراءات أصحاب المشاريع ممن أسسوا بنوكا إسلامية غارقة في الضبابية وعدم الانسجام مع الواقع المالي، هيمنوا على السوق التجارية بالمظاهر واغراءات الربح الحلال، وهذا ما كان يحرك طمع أبي وميولاته؛ ويوم وشوش بعض افراد العائلة بعلاقات يعقدها ابي خارج أسوار البيت لم تنزعج أمي، فليس من عادتها أن تؤمن بما تسمع بلا دليل، فهي تكره ان تسمح لأي تفكير سلبي بغزو نفسها أو احباط ثقتها في عزيمتها وقوة شخصيتها، فهي دوما توظف قوة تفكيرها الإيجابي وتتطلع الى المستقبل بثقة وهذا سر نجاحها، حتى في تربيتي كنت لا اعرف غيرها فهي من يقوم نحوي بكل شيء، والحق يقال أنها تكون مبدعة في كل ما تأتي به، ما خلقت واقعا الا كان النجاح في ركابه، ومن هذا السلوك كانت توجهني، وتعلمني الحياة بحرص وضبط وصرامة أحيانا وهي تتابعني خطوة خطوة، لهذا فأثر أبي في حياتي يكاد يكون منعدما، أولا لان ابي لم يدخل مدرسة في حياته، وكل ما يتوفر عليه من معارف هي محفوظات غيبية التقطها من بيوت عشعش فيها الجهل والقهر الظلامي، و من مسموعات تتكررمن هذيان فقراء الزوايا وأساطير الأضرحة، ثانيا لانه لا يملك قوة شخصيتها، وقد كنت لا ادري هل سلوكات ابي من طيبته أم من مشحوناته وسذاجته؟!!.وكما خرج والدي من البيت لا يحمل غيرحقيبة ثيابه، كذلك لحقت به خالتي بعد اسبوع بعد ان اشترت شقة بعيدة عنا، فيها تزوجت ولم يكن الزوج غير أبي..

وقد علمت من خلال نقاش حاد بين أمي وخالتي يوم رحيلها، أن أمي افتقدت أبي ذات ليلة فوجدته نائما في غرفة خالتي وبين أحضانها.. وحيث ان أمي لا تعالج مشاكها بالصياح والتشهير فقد افترقت مع أبي بلا دراما ولا قيل وقال.

تولت أمي تجارتها بنفسها، وأعادت ترتيب اعمالها متكئة على حبها لأن تتعلم كل جديد، وعلى صيانة رأس مالها، مستعينة بانفتاح عقلي مبدع، وبنساء ممن كن يقدرنها ويحترمن قوة شخصيتها، صدقها واخلاصها مع نفسها و غيرها.. صارت أمي في السوق التجارية بعد أن أسست شركة خاصة بالنساء رقما يضرب له ألف حساب، فكل متعامل يدرك انها ليست ممن يمكن التلاعب معها، تقدر قيمتها وتحترم قيم الغير..

لم تستقم الحياة بين أبي وخالتي غير سنتين وبضعة اشهر، فقد رزقهما الله طفلة ماتت بعد أن تركتها خالتي قرب سخانة كهربائية جرتها الصغيرة فاحترقت وماتت بعد ان لم ينفع معها علاج؛ وكان الطلاق..

كلما كبرت ازدادت لهفتي لرؤية أبي، يعصرني اليه حنين قاتل فأتساءل: هل هو حقا أبي؟ لماذا عني لا يسأل ابدا؟..كان يتلبسني تفكير يؤرقني حول شخصية أمي بذكائها وأفكارها، وشخصية أبي بضعفه وسلبيته واستسلامه المتسرع لنزواته، فمظهر أبي وما كانت تفرضه عليه امي من اناقة حتى يظهر بمظهر التاجر الميسور السعيد ليس هو عمقه الهش والذي يتصاغر أمام كل انثى تلاعبه بنظرة أو تغريه بكلمة ؛حين كنت أسأل امي عن هذا الإهمال من قبل أبي كان يأتي ردها منطقيا في كلمات:

ـ هاتفه معك، كلمه أولا، حق الأبوة عليك يلزمك بالسؤال عنه..

أكثر من مرة يعدني بان يأتي الي ويخلف وعده، لا أدري لماذا كان يتهرب من رؤيتي؟..

للمرة الخامسة تتزوج خالتي، فقد كانت لاتخرج من عدة حتى تجد نفسها مرتبطة برجل آخر دون أن تكلف نفسها مراجعة قناعاتها وإعادة ترتيب افكارها، كانت تعي أن أزواجها ممن يلهثون وراء غناها وطمعا في بيتها، لكن سرعان ما يتحسرون على طمع لم يقدهم الا لحتفهم وفشل مسعاهم فقد صارت خبيرة بما يجعلهم يفرون قبل أن يبلغوا مأربهم..

أصيب والدي بسرطان في غدة البروستات سنة تخرجي من كلية الطب، حين علمت أمي بمرضه جهزت له غرفة في بيتنا وخصصت له خادمة للسهرعليه:

"ـ كيفما كان الامر فهو أبوك وأنت من صلبه، كما أنه شرف وجهك ومرآة مستقبلك، فربما لم يكن له اختيار في تشكيل بنيته النفسية وضعف شخصيته..

كانت حالته تسوء يوما بعد يوم بعد ان استنفذ كل وسائل العلاج بلا نتيجة، فقد انتشر الداء في جهازه التناسلي الى أن أتى على عمره.. لقد أكبرت أمي وأنا أراها تبكي لحاله، وهي التي قلما تسمح لماء عينيها بجود، كانت تحس وهنه وعيناه تتعلقان بها، تتوسلان تجاوزا عما بدر منه، كانت ترفع عينيها اليه وتحدق فيه بثقة وتمعن، ثم لا تلبث ان تشهق وكأن رجفة قوية تلف جسدها بقشعريرة من رهبة الموت فتتمتم بهمس:

يرحمك الله ويغفر لك، فقد سامحتك، فأنت أبو ابني أولا وأخيرا..

يومها أدركت أن أمي أنثى بقلب رجل لفيف قوة وحزم ورباطة جأش بين ثناياها تتولد الرقة والحنان والنعومة ولا تموت حقيقة أو يغيب منطق..

تم استدعائي يوما على عجل لاجراء عملية فورية لسيدة تشكو نزيفا حادا في رحمها..لم أمكث في غرفة العمليات غير وقت وجيز جعلني اعود أدراجي باكيا منتحبا فلم تكن المريضة غير خالتي التي بلغت درجة مستفحلة من سرطان الرحم يستحيل معه القيام بأية عملية وكأن المريضة كانت غائبة عن وعيها، منشغلة عن الداء الذي ينخرها بلا انتباه او إحساس بنزيفها وآلامها..

بعد يوم فقط توفيت المريضة.. مرة أخرى أرى صرة الدمع تنفجر في عيون أمي مترحمة طالبة الغفران لخالتي التي كم أساءت لنفسها ولغيرها...

كبرت وصرت جراحا وأتحمل مسؤوليات، وانا قريب من أن اصير أبا لوليد ثالث بعد بنتين، تعلمت الكثير وامتلكت خبرات عن الوجود والمعرفة والأخلاق، وصرت أنا نفسي معيارا للخير والشر وحين أتذكر كل ما مر ببيتنا من نزاعات عائلية اتراجع عن كثير مما اولته وفسرته حول علاقة امي بخالتي وعلاقتها بابي وعلاقة ابي بكل من امي وخالتي وغيرهما.. ترى من كان منهم يقرر الحقيقة؟ أم أن كلا منهما كان خيرا لنفسه بمقدار ما يحقق مصالحه الشخصية ومنافع ترضي غروره النفسي؟

ربما لم تكن أمي خيرا مطلقا بإرادة من حديد كما كنت اراها، ولا ابي كان ضعفا مطلقا الى درجة العته، رغم ما كان يستبطنه من محفوظات الحلال والحرام لم تردعه عن هوى النفس، وعن الذوبان برغبة الى انثى قد تشده بهمسة أو لمسة او نظرة اغراء كما كان يتبدى لي وتراه أمي، أو ما كان يقضمه من المدخول اليومي للمتجر بلا علم أو إذن من صاحبته، ولا خالتي كانت شرا مطلقا، أنانية وتطاول على كل ما ليس لها، والاستحواذ عليه لنفسها..

ربما هي التربية والتنشئة وما يتلاعب في عقول الناس متسربا بلا ارادة وفي غفلة من كل رقابة، او يفهمه و يتشربه كل فرد حسب ما يعي ويفهم ويستبطن، وحسب مايتعلم ويتلقى ويمارس بل وكيف يسوس ويساس..

أخيرا تبقى لكل منا نزعته الإنسانية، حقيقته ومعرفته والتي على ضوئها يمارس حياته وحقيقته، وبها يصير مرآة أمام نفسه وغيره...

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

يا لضجيج النوارس!

على الجسر

الريح تكاد تتكلم أيضا.

**

يا للريح!

تحرك الأغصان

ونهديك المتبرعمين.

**

يا للقيظ!

الشمس تحتكر جميع المقاعد

في الحديقة.

**

صراخ الخطاف،

قلبي مذعور جدا

مما يخبئه الغد.

**

ضربة شمس،

الفزاعة تتدلى

كما لو أنها مغمى عليها.

**

على الحائط المهترىء

وجه غوريلا

يحدق في اللاشيء.

**

رائحة الصنوبر،

الغابة تكبر

في أعماقي

**

على ضريح

دون شاهدة

حزمة أقحوانات.

**

على الحائط

ظل السحلية

أسرع من الضوء.

**

هدية للضفدع،

القبعة التي تحملها الريح

إلى البركة.

**

بعد موسم الحصاد،

من الوحدة

يكاد يشيب رأس الفزاعة.

**

مظاهرة،

رائحة سمك السردين

تتعالى أصوات القطط.

**

يا لمسكني الأبدي!

على قدم وساق

يجري ترميم ضريح الأم.

**

آناء المطر

عينا التمثال

مغرورقتان بالدموع.

**

المصابيح كابية

كومة أوراق

في شكل ضريح.

**

تملأ الفراغ

بصوتها الأجش

ذبابة المشرحة.

**

بعد قطع قدميه،

يصنع طائرة من ورق

الجندي المهزوم.

**

دم على اللحاف،

عن غير قصد

يدهس العجوز ذبابة.

**

إلى القمر

متجه سرب اللقالق

ليت لي جناحين.

**

يا لسخرية عالمنا الفاني!

ما أقصر الخيط الرابط

بين القماط والكفن.

**

طائر الغاق

كا لو أنه ينادي:

هناك تسونامي شمسي .

**

على علو منخفض،

الكراكي

كما لو أنها تتبع الجنازة

***

فتحي مهذب

 

 

(مهداة للحاضر الغائب، النائم على أطراف إحساسي)

مازلت أبحث عنك... في ذكرياتي

في المذكرة

في الذاكرة

في الصور والرسائل

وفي أوراق الدفاتر

**

مازلت أبحث عنك

في الفؤاد

والشريان والأوردة

في الذات

وأشلاء الروح المنثورة

خلف ظلال بقاياك

**

مازلت أبحث عنك

فلم أجد

سوى طيف... خيال

في منام

مسح ذكراك من ذاكرتي

اغتال حروف اسمك... بحروفي

وطارد

ملامح وجهك

في شوارع... حبي

ليعانق الظلال

تلك الساقطة من قصائدي

أبياتا من الماضي

تعاتبني

عن فراق ما أختره

لذاتي

غربة في الشوق إليك

حنين هروب منك... إليك

لكن؛

لست أعثر عليه

في جسدي

وما نمت به تحت

قدميك

**

مازلت أبحث عنك

يا من توهمت يوما أنك صنوي

في سراديب الحب

تحضنين حبك... بحبي

وتغفين على أطراف يومياتي

وتستغرقين...

كل الجوارح

في القصائد

ومنمنمات أصباغي

**

لكن يا حبيبتي

ما استغرق حبك... حبي

ولا عاد يضم كل المشاعر

هجر كل ألوان اللوحات... وقوافي الأبيات

رغم ذلك...

مازلت أبحث عنك

في الذكريات... المسحوقة

بمطرقة الزمن

زمن الجهل... والفقر والغبار

والقيل والقال

**

مازلت أبحث عنك

في رمال الصحاري

وفي الإحساس والأمل

أبحث عمن ترقد

في الطرقات... مشردة

وحيدة ...

يتيمة ...

أتقصى غائبة قلب

في زوابع الهجر

والندب والنوح

في السحاب ...

والمطر

**

فما عدت أبحث... عنك

أنت ماض يلاحق كل أوطاري

يغتابني بنظرات

السؤال

ما عدت أشتاق... إليك

مهما كنت كياني

فمازلت أبحث... يا قدري

في الأماكن والأفضية

وفي الأسماء

والهواء ...

فأنت... ذاتي

عنوان كياني

فانعطفي عني كما كنت ...

تفعلين في أمسيات اللقاء

***

عبد العزيز قريش

فاس في: 19/07/2022

يمضي بك الشوق كطفل حيث يشاء

كعادتك ساعة الغروب تقف قبالة البحر

وحيدا تحدث نفسك

عن لوعة الغياب

تغريك النوارس بالسفرمن جديد

يغريك رذاذ الموج بالجنون

شاردا تدندن كأنك وتر قيثارة

هدها الانتظار والترحال

الغياب مأساة   الوالهين

هكذا قالت العرافة

وهي تقرأ  كفك المشرع كشرفة

تعذبك الكلمة الأولى

التي وشوشتها لشغاف القلب

أحبك   قالت ...ومضت هائمة كطيف

شردتك حروف الكلمة

المأساة هي أن تعود لكمنجتك وحيدا

يخنقك  الغياب..وهذا المساء تقول العرافة

كمياه الأنهار المتدفقة

يخنقك عزفك لها فتغيب..

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

قحطان محبوب مندويمرثاة لشاعرالعرب الكبير

محمد مهدي الجواهري

***

ما ضرّكَ الموتُ، موتُ الحرِّ إيـثارُ     بـه الخـلودُ وما فـي المـوتِ مختارُ

بئسَ الخطوبُ الـتي خالت تروعـنا      لو بِــنْتَ عــنّا وإن شــطّـَـتك أقدارُ

من وهنةِ النّومِ يصحوالعقلُ منشرحا     تـمتـدُّ مــن ضوعهِ للــمجدِ أعــمارُ

أذ ذاك يجـلو زمـانٌ فاســدٌ، وخــمٌ         قــد خطَّ دســتورَهُ السـفّاحَ أشرارُ

في الموت يصبو رفاقُ الشّعرقاطبةً      ويحسـدون عليك الـخُلـدَ إن غاروا

فأهنأ لموتٍ سعيـــــدٍ كنتَ تنشـــده       وتشــتريه، ومــا للمـــوت تجّــــارُ

ما ضرَّك الموتُ ذا دينٌ ومقترضٌ       والعمرُ طيفٌ مضى والمرءُ بحارُ*

***

خالوك متَّ غريباً إذْ نفوكَ ضُحًى        وأنـتَ بـــاقٍ وعمرُ الظّلمِ معشــارُ

وذي بلادُك، شاءَ القومُ أم رفضوا         والدارُ دارُك أنّــى حلّـــتِ الـــدارُ

أنت الحبيبُ وأرضُ الشّامِ عاشقةٌ          وما نأيـتَ، فــلا بِــيــدٌ وأمصــارُ

سيصرخُ العفرُ في الجُلّى بلا وجلٍ        أنا العراقُ وبــاقي الــبعــدِ أشـبارُ

وقد وَطِئْتَ ثراها صــابيا، ثــمــلاً         تحدوكَ من أنبلِ الأشـــعار ِأشعارُ

فإن تعشّــقتَها، لا مُشْــتَــهٍ وطـنـاً          بل قدرَ ما يدمنُ الأفيــــونَ خمّارُ**

وإن نحبــتَ على أرضٍ مجـاورةٍ          كـأنّـمــا دونــهـا قـــفــرٌ وإبــحارُ

هذي خصالُ نبيلٍ، صادقٍ، وَلِـــهٍ          والعشــقُ أولُهُ، والــوجدُ ســـهّارُ

نبكي المَواطن، تقصـينا، ويــتبعنا          من جورها لــبلادِ النّفيِ أوجـــارُ

***

ما ضرّكَ الموتُ،لا نبكيكَ،نحنُ بنا        الدّمـعُ طـبـــعٌ بــلا أســبابِ ينهارُ

واللهِ نــبكي إذا يومـــا يـــعاودنــا            ذكرُ العراقِ وجاءت منهُ أخبارُ

وهو العراقُ الذي ما زالَ يرصِدُنا           كمُخبرِالأمنِ في برديهِ أوضارُ

أنّى مضـينا، أتـتنا منــــهُ صافعـةٌ            وحـورت عشقنا للشــــكِّ أوزارُ

نبكي على كائنٍ مـاتَ الضّميرُ به           "بذُّ" الفؤادِ، عديمُ الخلقِ، غــدّارُ

القتلُ والبطشُ بعضٌ من سوابقـهِ            ومــا تخــيّــلَ أنَّ الــدهــرَّ دوّارُ

نبكي على أمّةٍ يفنى العـظيمُ بـها             كما تســـاوى بها شوكٌ وأزهارُ

تباركُ الجاهلَ الغــافي وتــكرمهُ             ويمتطيها صغيرُ القومِ، سمسارُ

وما لها ولــهذا الكونِ من صــلةٍ           تحدو بها من عصورِالجهلِ أوطارُ

تهابُ من شاعرٍ لو صاحَ يُخْصِفُها          خَصفَ النّعالِ، فبالأشعار ِأخطارُ

وهو البجيلُ الذي كتَّ الدّموعَ لها           ورجفةَ القــلبِ مــا غــنّاهُ قــيثارُ

وشـــعَّ والدّرُّ بعــضٌ مـن فرائدهِ            وقلَّ كالمـاس، لو للْمـاسِ مـعيارُ

النخلُ والدوحُ في الشّطّين يعشقهُ            في كــلِّ نفـــسٍ لــهُ وقعٌ وتذكارُ

ورخّصَ الروحَ من منفى لمعتركٍ           تطــويهٍ كــارثةٌ أعــتى وأكــدارُ

قرنٌ مديـدٌ مضى والغـمُّ تـابـعُـــهُ           وفــوقَ مــتـنـيــهِ أعـبـاءٌ وأوقـارُ

ما كادَ ينفضُ عفراً عن ملابســهِ            حتى قــفـتهُ لهولِ النـّفيِ أســـفارُ

يغفو العراقُ قريرَ العينِ مغتبقــاً            وذا يـنـوحُ بدمــعٍ لونـــــهُ القــارُ

من قبل ألفٍ، به الأحقابُ توعدنا           وبعد ألفٍ، سيسري أينما سـاروا

قومٌ تغنّوا وقالوا الشّعرَ إذْ عشقوا            أو حـــاربَ الظّلمَ والظّلاّمَ ثوّارُ

***

أبا الفراتين، من جوعٍ ومن سقَمٍ             بــه علــيمٌ ولا تخــفاكَ أســرارُ

ومن جراحِ جـليـلٍ حــاملٍ بـــيَدٍ             نجلاً ببلســـمهِ والخـــبز محتارُ

من ضنكةِ العيش، من بؤسٍ ومبكيةٍ        أنبــيك نحــنُ العراقــيين أحرارُ

ما كادَ يخرجُ منّا عن مشــيمتــهِ             طفلٌ، يحفّزهُ للـوتـــــرِ وتّــــارُ

دماؤنا كــبراكــيـــنٍ مـــؤقـــتــةٍ             نـارُ تصولُ بها مـــا بعدها نارُ

في لحظةٍ يستشيطُ الغيظُ منفجراً            وينجلي الجورُ والأصنامُ تنـهارُ

ويدركُ الوغدُ والأرذالُ ما وُجِدوا          أيَّ الرّجالِ تخطّوا عندما جَاروا

تباً لمنْ لا يراعي غيــــظَ جائعِنا           ويلٌ لمــــن غــرَّهُ ســيفٌ وأنفارُ

هم خيّرونا بعيشِ الذّلِّ في وطـنٍ          فكيفَ بين الرّدى والموتِ نختارُ؟

ونحنُ تجري طباعُ النّخلِ في دمِنا         يــموتُ منتصباً لوْ حــمَّ إعصارُ

يشدو بأشـجانه والتّمرُ في يـــدهِ            عدا السّـــماءُ فــلا يعــلوهُ مقدارُ

لا يرتضي الذّلَّ إلّا من به عورٌ         ولا المهانــة إلّا مــــن بــه عــــارُ

***

أهلوك نحنُ، حدودُ الشّرِّ تدرُكـنا       والصّدقُ والنّــبلُ والعــذّالُ والـجارُ

ما راعنا الضّيمُ والتّعذيبُ قرّحنا       أو شــــــلّنا بمهــبِّ الـــــويلِ تيــّارُ

تلك السّجونُ وذاك البطشُ يسبقها      نزفُ الجراح التي في روعها حاروا

واستفحلَ الشّـرُّ واستخلى بنا قدرٌ       مــرُّ المنــاهلِ، مســــمومٌ، وجزّارُ

أهلوك مـــن وهبوا أغلى فتوّتِهم        لحومةِ الحربِ لا شـــكوى وأعذارُ

وقدّموا كنذورِ العـــيد إخـــوتَهم         للموتِ، والأرضُ دارت أينما داروا

وقسّــموا وأضافوا بعدما طرحوا        وكلُّ ما ظــلَّ أوهـــــامٌ وأصـــفارُ

نعمَ الرّجالِ، ولكنْ جاعَ أشطرُهُم      واليومَ بالخبزِ، حافي الخبزِ، يحتـارُ

حدّق بما اسطَعْتَ من وسع المدى بصراً  تجِدْ جياعاً بمحضِ الصّبر تقتارُ

ووسط هذا الخنا يحـــدو بنا أملٌ          لنـا ســتهطلُ بــعد الغــيمِ أمـطارُ

***

غــداً أراهُ بلا وعــدٍ ولا خــــبرٍ             يأتي فترقصُ في لــقياهُ أطيارُ

والهورُ والجبلُ العملاقُ يحضنهُ           والنّخلُ والتّينُ والزّيتونُ والغارُ

وحينذاك ســـيعلو مــنهُ منتصبا             صرحٌ ويأتــيهِ أحبــابٌ وزوّارُ

يبقى سراجاً بحلك اليمِّ مؤتـــلقا             للفقرِ مُنتصِفٌ، في العُــتمِ نوّارُ

يمشي الرجالُ على آثار خطوته           ويورقُ الرملُ عطراً فيه انضارُ

ما ضرّهُ الموتُ موتُ الحرِّ عُبّارُ         إلى الخلودِ وما في الموتِ مختارُ

***

شعر قحطان محبوب مندوي

٢٧-١٠-١٩٩٧ بتسبرك- بنسلفانيا

........................

* قال الجواهري: قالوا الحياةَ: فقلتُ دينٌ يقتضى  والموتُ قيل، فقلتُ: كانَ وفاءَ

** قال أيضا عن دمشق:

وسرتُ قصدكِ لا كالمشتهي بلدا       لكن كمن يتشهّى وجه من عشقا

* أُنشدت القصيدة في الأمسية الشّعرية التي أقامتها الجالية العراقيّة والجمعيّة المندائيّة في ميونخ، ألمانيا، في تمّوز ١٩٩٩.

* نُشرت القصيدة في ديوان أغانِ لوردة الصّباح، دار المدى، دمشق، ٢٠٠٠ ص ٤٩-٥٦

امرأةٌ لا يلغيها الغياب

تلك التي تُحدث خدوشاً

في مرايا الروح

تنسابُ مِن ثُقبٍ في الذاكرة

تروي أنوثتَها المورقة

في قلبِ النسيان

بمياه النرجس

تهمسُ في أُذنِ الليل

يُغمضُ جفنيه على حُلم

وتبتسمُ في وجهِ الصّباح

يفتحُ راحتيه على أمل

ومابين الحُلم والأمل

تقفُ هُناك

تجردُ الكونَ مِن الزحام

بحضورِها

وتملأُ فراغَ الفضاءِ

بعطرِها

يرسمها الزنبقُ

على أكمامِ الريح

ساحرة النظرة

تُحدث قطعاً في شريان النّص

يتدفقُ نهرٌ مِن زهرِ الدحنون

يا امرأة تسكنُ صوتي

يرتعُ صمتك في حنجرتي

قولي أحبكَ

ودعيني اجتث الظُلمة

مِن أوراقي

انتزع الشكَ مِن الأسطر

قولي أحبكَ

لكي اتبعثر فيك

شعراً ونثراً

امنحيني التماعةَ عينيك

لأضيء الطريق

لقبلةٍ ضيعتها ضحالةُ التوجس

ومِن بعدها توغلي في الغياب

ازرعي الفوضى في

ذاكرةِ الحواس

لألثم عِطرك

في كفِ المساء

وأتلمس الضّوء

في وجنةِ الصّباح

لأحسب الأيام على أصابعٍ

خضبها الفراغُ

بالتشابه

قولي أحبك

بعد الغياب

سراً في أذن الريح

ستعبرني ذات رحيل

وتبتسمُ لي

وسأفهم

فالريحُ يا حبيبتي

صديقتي

لغتها تُشبه لغتي

بلا قيود أو وتيرة

تقول الكثير

ولا تقول

قولي أحبك

فالصمتُ لا ينفي

حقيقة الأشياء

كما الغيابُ لا يلغي

صراحة الحضور ...

***

أريج محمد احمد

قرب صفصافة

عمري

منحت القطا

العصافير

واليمام

لبلابا

نرجسا واقحوانا

ومضيت مضيت

صوب تلة عمري

الحزين

مغنيا للمطر

ومانحا ينابيع

وسواقي املي

وحلمي

لليمامات

وللايايل والغزلان

الحزينة والمطاردة

في ارض الله الواسعة

زمردا عقيقا

وعنبرا

شاتما العناكب

بنات اوى

الثعالب

والذئاب

وهناك هناك

قرب مدارات

قوس قزح الصباح

والشفق الازرق

عزفت على اوتار قلبي

الحزين

لحن الاقمار

والنجوم

لحن البنفسج

ولحن المطر

***

سالم الياس مدالو

هشام بن الشاويآن لغيمة هذه الدموع أن تهطل

لأن الحياة مجرد سوء تفاهم لا ينتهي،

لأن الحب مجرد زلة قلب...

على رصيف سوء تفاهم!

**

في البدء كانت الموسيقى.. 

تلك الفراشة الملونة، التي تحلق فوق الزمان والمكان، تنشر قميص كينونتك الهشة على حبل يتأرجح بين الحضور والغياب في حضن أبدية شفيفة.

في البدء، وحدها الريح كانت تسمع نشيج أوراق الشجر، قبل أن تضرج في ذبول صفرتها..

وحده الحسون يحن إلى خرير النهر، عندما يتهاوى الماء في مغسلة مطبخ، فينشج مثل تراب مزهرية، تحتضن زهرة بلاستيكية.

في البدء كان الصوت، ذلك المطر البهيج، الذي يقضم تفاحة هذا الصمت في نهم طفولي، قبل أن تغرد الشمس ذات شتاء.

**

هل يمكن أن أتهم - كل هذا الغياب- بإضرام نيران هذا الأنين في أسمال القلب؟!

***

هشام بن الشاوي

رِثاءٌ يا زَميلي مِنْ هُلوعِ

ومِنْ ألمٍ تَنامى في الضُلوعِ

*

ذَكرتُكَ يومَ كُنا في رياضٍ

تُداعِبُنا نِداءاتُ الذيوعِ

*

ومِنْ دَرْسٍ إلى دَرْسٍ ذَهَبْنا

نُنازلُ مُبْهماً بينَ الجُموعِ

*

تَدارَسْنا بمَكْتبةٍ ونُزلٍ

وأفْنينا شَباباً بالقروعِ

*

هيَ الدُنيا تُعللنا بوَهْمٍ

وتُلقينا على جُرْفٍ جَزوعِ

*

وتُطعِمُنا مِنَ الآهاتِ راحاً

وتَدفَعُنا لأوْهِدَةِ النزوعِ

*

رَفَعْنا رأسَ أحْلامٍ بعَزْمٍ

وكُدْنا بأسَ راعيَةِ الرُكوعِ

*

وإنْ خَبَأتْ بها نيرانُ وَجْدٍ

توَّقِدُها مَجاميعُ الشموعِ

*

رَجَمْنا كلّ صَدّاحٍ بفِكْرٍ

بأحْجيَةٍ مُعَطِّلةِ القنوعِ

*

وكُنّا في مَحافِلها هُيامى

بأشْعارٍ مؤجّجَةِ الوُلوعِ

*

لنسرينٍ وهيفاءٍ عَشِقْنا

ووادعَةٍ بأحْضانِ النِصوعِ

*

وحينَ توافَقتْ نَبَضاتُ حُبٍّ

تَواصى ما جَنَيْنا بالهُجوعِ

*

ومِنْ أفُقٍ إلى أفُقٍ تَداعَتْ

مَشاعِرُنا بأرْوقةِ الرجوعِ

*

فما شَفَعَتْ بها أشْلاءُ كُنّا

ولا نَسَجَتْ لنا بَعضَ الدُروعِ

*

تَرَنَّمْ شاعرُ الأيّامِ إنّا

كهادلةٍ على ساجي الفُروعِ

*

عَبَقنا من عَواصِفها أريْجاً

وذبْنا في تَراتيلِ السُجوعِ

*

أ يُحْلبُ تَيْسها والضِرعُ يُنْسى

وإنَّ حَليبَها نَضْحُ الفزوعِ

*

تَساقاهُ الثَرى ومَضى عَليلاً

يُخاطبُنا بصَمْتٍ من خُروعِ

*

خَوافِقُنا تَوَجُّدُها اضْطرامٌ

يُؤازرُهُ التَشوّقُ بالهُروعِ

*

إذا الأبدانُ تُدْحى في تُرابٍ

فما بَذرَتْ سَيَبْقى بالربوعِ

*

بها الأمواتُ تَحْيا في قبورٍ

وأحْياءٌ كباليَةِ الجِذوعِ

*

مَلأنا كأسَ دُنيانا بوَهْمٍ

يُبشِّرنا بخادعَةِ الطلوعِ

*

تشنّجَ وَجْهُنا والعَينُ تُدْمى

وتُسْقى مِنْ ينابيعِ الدُموعِ

*

توافدَتِ المَنايا والأرضُ ثكلى

مُضَرَّجةٌ بمَنزوفِ النُجوعِ

*

وكُنّا بعدَ مُحْتَرَبٍ مُريبٍ

كحائرةٍ بغيْهبها اللذوعِ

*

وسِرْنا نَحْوَ طالعةٍ بغَمٍّ

ودمْنا في مُطاردةِ الوجوعِ

*

نُخيِّبُ حَيَّنا فيَنالُ سوءاً

وفي مَوْتٍ نُداعي بالشفوعِ

*

إذا بَصَرَتْ فؤادَ الصَبِّ ظبياً

تَعنّتْ مِنْ تَباريحِ الطُموعِ

*

حَقائبُنا كتذْكرةِ اغْتنامٍ

وَهبْناها لأرْصِفَةِ الشروعِ

*

مَحَطّاتُ الوجودِ بلا دليلٍ

سَننزلُها بمَرْغومِ القلوعِ!!

***

د. صادق السامرائي

 

أدري بأنَّك لم تزل تهوانِي

وبأنَّ إسمَك شاخصٌ بلسانِي

*

أدري وما أدريك أنَّك هاجري

وبأنَّ عينَكَ لم تعدْ لترانِي

*

لكنَّها الأيامُ حالتْ بيننا

وقضتْ علينا  النأيَ بعد تدانِ

*

أشتاقُ أنْ ألقاكَ بعد غيابةٍ

هل من لقاءٍ بعد عامٍ قانِ

*

لا زلتَ في قلبي تنامُ موسدًا

لا زلتَ في مُقلي وفي وجدانِي

*

خذنِي إلى حيثُ المرابعُ والصبا

خذني إلى حيثُ الزمانُ الحانِي

*

لا أبتغي بدلًا بغيرِك صاحبًا

إنِّي وحقِكَ  ما خسرتُ رهانِي

*

أشتاقُ وجهَكَ بعد كلِّ سحابةٍ

أشتاقُ معنى أن تكونَ بيانِي

*

كلُّ القصائدِ أقفلتْ  أبوابها

إلآ بلاغة وجهِك الفتّانِ

*

أمسيتُ أستجدي الزمانَ سويعةً

تأتي بها لِتُعيدَ ليْ سلواني

*

ضاق الفضاءُ على جناحِ مسرّتي

وأتتْ على طيري سهامُ زماني

*

يأتي إليَّ الصوتُ من خللِ النوى

إياكَ تحلمُ باللقاءِ الثاني

*

تبقى بقلبي ما حييتَ قصيدةً

كُتِبتْ بنبضي لا يدي ولساني

*

ربّاهُ قد  ضاق الطريقُ ولم  تعدْ

تقوى على صحرائهِ الساقانِ

*

حزني عليكَ مدى العصور وأدمعي

تجري كما الأنهارُ في الوديانِ

*

من عالمِ الدنيا أصوغكَ نجمةً

لا تشبه النجماتِ في أكوانِي

*

أسرفتُ في جَلْدي  وقطعِ تواصلِي

وازددتني نارًا على نيرانِي

***

د . جاسم الخالدي

 

 

في ساقيةٍ تأتينَ منها بالصباح

عيناكِ تسحبانِ مرآةَ سماءٍ باهرة

من فراشاتٍ بأرجلهن آثارُ طينٍ هادئة

أوراقُكِ تأوي صدى بحرٍ غائب

من زهرةٍ تدخلين الرؤيةَ سعيدة

مطلِقةً جنحيكِ للتذكّر

وغاباتكِ للغيوم

من رحيق لمعان الحجارة

تشعُّ العلومُ باللسان

والجوهرُ بالبصر

والفلكُ الممتدُّ بالحدود

تدوّنين الحبَّ الذي لم تعطِه الساقية

واللونَ الذي لا ترسمُه الفراشات

والسعادةَ التي تبخلُ بها الزهور

مبديةً وجهاً غريباً وقوةً زاهدةً بالعلم

الذي ليس يسنح.

**

2.

الحمامةُ تصيدُ شبكاً

السربُ يقنصُ

اتجاهاتٍ

أنا مفترَضةٌ وحية

أزاوجُ الأحياءَ بالدهور

والكائناتِ العالقةَ

بالموتِ السائب

ألتمعُ بتسميةِ الحريّة

وأغرّدُ فجراً موارباً

أطلقُ إشاراتي

إلى العين السعيدةِ

بالفراسة

الليلُ خارجٌ عن مضيِّه

والأعمارُ قد ملّتِ الدوران

**

3.

يصنعُ حديقةً هذا المؤجَّل

يصنعُ سفراً خارجاً من كل عدم

يصنعُ يوماً بعيداً سوف يدخِّنهُ

قربَ بردٍ ما

محدِّثاً أولاداً من ذهنٍ ما

سيولدون.

**

4.

تماثل للبقاء غرينُك البرّي

وأغلق العينين نورسُك السومري

وأنتَ يا ربّ تنظر

وقد تهاطل

وانطفأ آخرُ طيرٍ يسنحُ لقلبي

فأتلمّس الحدود التي تحاصرُ

تقتربُ وتقترب

وغرين الموتى

يبنونه في دأب

يبنون آخر سرابٍ لبقاء

يبنون آخر ماء

***

سهام جبار

 

 

فراس ميهوبلم تكن حبيبة، بل حلما لم يرغب بهجرانه، حلَّق وعلا به، فارتطم بسقوف الوحدة.

ذاك الصمت الجليل، الكلام يدنسه، والتصريح يقتله، نوع من تعاطي العذاب، والإدمان على الفناء المقنِّع بألوان صاخبة.

عيناها لوز وسكر، رموشها حراس ليليون، مستعصية على الحب، مسلسة لفرح مزيف عادي، خالٍ من عصف الدهشة، وفارغٍ من أي شغف.

امرأة سكنت ظل البدرعلى وجه الزرقة الحائرة، رثت عيون الغسق في محاريب العزاء، وتنشقت قُبلَ الموت الساكن.

رانيا كانت شلالا من فتنة، وكان هو ناجيا من هاجرة خانقة، فلا هي توقفت عن التدفق العاصف، ولا هو قدر على مجاراتها، فاستكان مع حمرة الشفق الأخير.

عاندتِ الحياة، كمن قتلت ابنها، وبكته عمرا كاملا، عاقبت روحها باحتراق ذاتها، وتطهرت بالندم من جريمة شبه مكتملة الأركان.

قصمه بعدُها، وحيرها ضعفُه، فلا هو اقترب من العين، ولا هي غادرتِ القلب، معادلة من درجة مستحيلة.

لا هي بهزيمة كاملة، ولا هو أمل منطقي، استباحَتْ حنوَّه فدمرته، وأبت أن تهشِّم فيه الخيبة المقيمة.

لم يستطع إخراجها من روحه، ولم تسعفه بخطوة إلى حضور الجسد، تأرجحا في منطقة الوسط القاتل، واهتزّا كأغصان شجرة خضراء، في خريف نحيب مائج، لا هي انكسرت فأراحت، ولا بقيت فأسعدت.

في العيون سكنا معا، وفي المكان تقاطعا، كان الزمان مبكرا حد الإجهاض، وخديجا حتى السُكر.

أخرست شعره، ولم يسمع نثرها، تساقطا كلمات وصور، وتاها تعابير وبلاغات مفرطة، بلغة أقصر من تداني النبض الصاخب، وأشعة أكثر حدة من قدرة الحدقات المطفأة على إدراكها.

رانيا، كانت ومضة سحر عابر في ساحة اكتئابه الأبدي، محطته الأخيرة في قطار عمر لم ينطلق، عذاب عشقه كله، فرق التوقيت القاتل.

مدَّ يده بالسلام، تعثر اللفظ على أعتابها المضرجة بلهيب الرغبة الشاقة، ضاعت بين القرنفل والجوري تمتمات حروفه الطائرة، قُتلِت قوافيه المتطرفة على عتبات التأتأة المحبطة.

صادف غروبُه الوادعُ شروقَها العاصفَ المبكر، وصل بعد الأوان، رحلت قبل اشتعال الحركات الأولى.

كان ومازال، بلا اسم محدد، عنوانه الثابت الوحيد ملقى على حيطان المدن المهاجرة، كان اسمها رانيا.

تلاقت سهام العيون، واحتارت دفقات الأفئدة، الشوق أكيدٌ كلحظة ولادة، والفراق قدريٌّ كموت مشتهى.

ارتدتِ السواد بلا حداد، وتدثر بالابتسامة الكدرة، تبادلا الأدوار في لحظة الذروة، فخرجا من واقع الممكن المحدود إلى أفق الخواء المستحيل.

ظنّ انتظاره حكمة امتلاك الوقت، وما رأته إلا وهنا، انكسرتْ ساعتُه الرملية، انحصرتْ آخر حباتها في العنق المختنق.

تهاديا تهما و عتابا:

-ترددكَ فاق صبري.

-بل أنتِ من استعجل الرحيل.

رانيا لم تنتظر، وهو لم يُقدم، فانتهت حكايتهما قبل أن تبدأ.

ما عجز عن قوله همسا في أذنيها، رتلّه بطلاقة بعد غيابها، ما أخفاه سرا في احتدام الأيام الأولى، فضحه علانية في رثاء الوداعات اليائسة.

مضى وقد أضحى وراءَ المستقبل، تبعته أحزانه وذكرياته، أغانيه ونغمات نايه، أمطار أيامه، أقمار لياليه ونجومها.

ترجَّل رفاقه مع مفارق الدروب، و بقيت رانيا ساكنة تحت السنديانة الفتية.

***

فراس ميهوب

2021/06/05

ذكرى لعيبيلم يكن الطريق الذي قطعتهُ للوصول إلى أوربا شاقًا، بقدر قسوة الطريق الذي قطعته للعودة إلى نفسي وقراراتي المهلكة بحقها!

هزائم كثيرة؛

منحنيات مغلقة ودهاليز كان عليّ العبور من فوقها وليس الولوج فيها؛

أشخاص سلبيون متلونون، أيضًا كان عليّ عدم الأقتراب من عالمهم؛

لكن هذا كلهُ كان يتلاشى حين يبادرني بتحية الصباح والمساء، أو حين أجد رسالة منهُ على الإيميل.

أذكر أول رسالة وصلتني بتاريخ عيد ميلادي، لم تكن تهنئة عادية:

ـ أيتها العظيمة، هل تدركين أن شهور السنة أجمعها تغار من تموز؟

وقتها لم أردّ، فلم أعرف هوية المرسل؛ لكن الرسالة بقيت تدور برأسي، هذا رجل غير عادي لأنه بادرني بجملة لن يكتبها ألا صاحب قلم وفكر عميق: " أيتها العظيمة"!

في صباح اليوم التالي، وجدت رسالة أخرى:

ـ أيها العظيمة، كنتُ أعرف أنكِ لن تردّي، لكني سعيد لأنكِ قرأتِها، لصباحكِ تغنّي العنادل.

ـ هل أعرفك؟

ـ ربما.. المهم أنا أعرفكِ، وصورتكِ تلازمني طوال اليوم

ـ صورتي؟

ـ نعم، صورتكِ نسختها من صفحتكِ

يا إلهي هذا الرقم ليس ضمن جهات الاتصال، وهو رقم أجنبي غير مخزن بالقائمة.

لا أنكر أنه أصبح شغلي الشاغل، خاصة وأنه لا يهمل تحايا الصباح والمساء، ومابينهما جملة:

ـ على بالي

أو

ـ مشغول، لكن هذه الثواني التي أكتب بها إليك أوكسجين نقي لرئتي

أو

ـ نستمع الآن أغنية لعبد الحليم أنا وصورتكِ ..

هل هذا حُبّ؟

ليته الرجل الذي أتمناه وأحلم به، لكن لا أنكر أيضًا أني صرت انتظر رسائله بشوق، أشعر بفرح كبير يغمرني حين اسمع الرنّة التي خصصتها لاستلام رسائله.

ـ تصبحين على رجل ينتظر ابتسامتكِ.

إذن هو أكثر من حُبّ!

ـ أيها العظيمة، أنا اتألم لأني لم أخبركِ من أكون، لكن المهم جوارحي تعرف من تكونين!

ـ حبيبتي العظيمة، العالم لا يتوهج إن لم يشرق وجهكِ على نوافذه.

ـ عظيمتي، قلبي يخبرني أنكِ تبادلينني نفس المشاعر، لكني أقدّر كونكِ امرأة شرقية، لا تُبوح بمشاعرها بسهولة كما تفعل النساء الأجنبيات هنا.

ـ أيها العظيمة، حبيبة روحي التي انفصلت عن جسدي وسكنت في جسدكِ، لا انتظر أن تبادليني هذه التحايا بالكتابة، لأني أشعر بأنفاسكِ قريبة منّي.

كنتُ اقرأ هذه الرسائل وقلبي يتمزق لوعة وأسئلة تتقاتل برأسي، قد اسرتني رسائله، طوّعت حديد قلبي وهزمت قبائل سنواتي العجاف، بل جعلتني أصدّق نبوءة الحب، لكني أخشى من الوهم والسراب، قررت أن أميل لنفسي وأنزع عباءة الاستسلام هذه، خلاص؛ غدًا سأضع حدًا لهذا الأمر.

ـ عظيمتي، سلطانة قلبي، لاداعي لهذا القلق، أعرف أنكِ متوترة هذه اللحظة، كوني مطمئنة، فالعالم يبدو خرابًا أن لم أشعر بأنكِ هادئة، تصبحين على آخر نجمة صبح، لن تنام حتى تصحو نجمتا عينيكِ.

عندما بادرني بهذه التحية في هذا الوقت بالذات الذي كنت اتحدث به مع نفسي، أصابني بعض الهلع، خُيل إليّ أنه هنا، معي، متخفًّ، أو ربما متحّدْ معي.

ما الذي أصابني؟ غدًا لابد أن أعرف من هو، لا أحب ضباب العلاقات والمراوغات والمخاتلات والحزورات، رغم أنه يبدو مغرمًا بشكل حقيقي دون خداع، وألا ما الذي يجبره على الألتزام بهذه التحايا وهذا الاهتمام طوال اليوم؟

ـ أيتها العظيمة، صباح الحياة التي تبدأ بكِ ولن تنتهي

ـ أرجو أن تخبرني من أنتَ، لا داعي لهذا كله

ـ ستعرفين قريبًا جدًا، وقد تتفاجئين!

ـ اتفاجأ!

ـ نعم.. نعم أيتها العالم الذي فتح أبوابه بعد أن قضم منّي سنوات مديدة، أنتِ الطيف والحقيقة والمأمول وكل الروايات التي كتبتها دون أن أعرفكِ، أنتِ أيها العظيمة الخلاص الذي وعدت نفسي بالإخلاص له

ـ " رويات كتبتها "! منْ أنت؟

نعم كانت المفاجأة التي كادت أن توقف نبض قلبي؛ الروائي الكبير " الدكتور سرّ البحرالناصري" الذي كنتُ أطير فرحًا حين يردّ على تعليقي أو يمرّ حتى لو بكلمة على نص أكتبه:

ـ يا عظيمتي؛ سلطانة عمري وأميرة قلبي، ها أنتِ حقيقة ماثلة أمامي، وها أنا متجرد أمامكِ من بؤس الدنيا وما فيها من بشر، ألتمسكِ ضفّة لما تبقى من العمر، رأيتكِ في كل الأحلام، ولم اتجرأ أن أحلم بأن تكوني حقيقة، أنتِ حوريتي على الأرض وفي السماء، أنتِ جنتي ونفسي..

كنتُ متسمرّة، مشدوهة، كأني بين يدي الله يوم الحشر، بلعتُ ريقي عشرات المرات قبل أن أنطق أي كلمة:

ـ لكن كيف؟ أقصد متى؟ يعني لماذا أنا؟

ـ كنتُ أشعر بكِ من خلال كتاباتكِ، تعليقاتكِ، كنتِ قريبة من ذاتي، من أفكاري، من نفسي، بل أنتِ نفسي أيتها الروح

ـ أنا حقيقة معجبة بكَ جدًا، أقصد برواياتك، مدهشة وهذا ليس رأيي فقط ..

ـ برأيكِ أرى الجميع فهو الأهم بالنسبة لي..

ـ لكن كيف تجد كل هذا الوقت لي، أقصد..

ـ لأني أعشقكِ، أحبكِ، أنتِ الكاتبة " تسنيم الحياة الأسعد" ولستِ امرأة عابرة، أنا سعيد الحظ أن ألتقيك وأحبك .

انتبهت لنفسي: نعم أنا تسنيم الحياة، يجب أن لا أظهر هذا الكم من المشاعر قبل أن أعرف الناصري الانسان وليس الروائي الشهير.

فاستجمعت شجاعتي وجرأتي وعدّتُ صلبة، كما لو أني استعد لكتابة قصيدة هجاء ضد الطغاة والخونة:

ـ أنا لم أعرف شيئًا عن حياتك

ـ تهمكِ؟

ـ نعم إن كنت تفكر في الأرتباط بي، ولا.. إن كنت تريد أن أبقى صديقة مقربة فقط.

وفي داخلي كانت الأمنيات تتعانق وتدعو أن أصبح عروسه.

ولم أكن أعلم أن حبّي الكبير والعميق له هو فراق مؤجل، وإدراك غيابه فريضة عشق عليَّ أن أؤديها في وقتها.

عرفتُ أنه مرتبط بزوجة، وأبناء، حتى وإن ماتت العلاقة الحميمية بينهما من سنوات، كما قال.. لكنها ما زالت على ذمته، في بيته، داخل غرفة نومه وعلى سريره، وهذا الأمر بحد ذاته يجعلني شبه مجنونة، طبع سيء ربما، لكن هكذا بروتوكولي بالحياة العاطفية، لا أحب أن اتشارك رجلي مع أخرى، غيرة تقتلني وهواجس تبتلع لوني وضحكتي وتسلب راحتي، وربما تجردني من قلمي

ـ حبيبتي العظيمة، هناك نساء لا يأتين في حياة الرجل ألاّ مرّة واحدة، وأنتِ من كنت أحلم بها، سأخلص لكِ

ـ وأم أبناءك؟

ـ ستبقى كما هي، فقط بالأسم

ـ لا أتقبّل امرأة أخرى في حياتك، لن أقدر، لا أستوعب..

ـ وحبي لكِ؟

هنا كان لابد من حسم الموقف وقلبي ينزف:

ـ لم تعد صالحًا للحب، هكذا أجبته بكل قساوة، لأجل أن يبتعد عنّي، بعد أن إيقنت أنه لم يعد لي، ثم جلست أبكي بحرقة لأنني تحطمتُ للمرّة الألف.

بعد أن رحل قررت أن أجلس مع نفسي لأحاسبها على كل قرار اتَخَذته بعيدًا عن قلبي، عن كل اجحاف وضياع حلم.

فتحتُ جهاز الحاسوب، وباشرت بكتابة رسالة اعتذار وشوق ووله ومشاعر مختلطة:

ـ كيف تركتكَ ترحل وأنتَ الذي رَوضتَ الـ" لا " الجامحة التي كانت تقود مشاعري؟ كيف تركتك ترحل؛ وأنتَ تملأ تضاريس أيامي هياما؟ وتنقشُ فوق شفاهي الإبتسام؟ أيها العظيم، يا سدرة الروح؛ امتلأتُ بك، هل تعرف ماذا يعني لي صوتك؟ وبماذا يمدّني وجودك في حياتي؛ أنهما تعويذتي من وحشة الدنيا.

أغلقت الحاسوب بعد أن جففتُ لوحة المفاتيح من دموعي التي تساقطت عنوة وأنا أكتب..

وجلست انتظر الردّ.

***

ذكرى لعيبي - ألمانيا

قصي الشيخ عسكرالفصل الثامن الأخير من الرواية القصيرة

صفرة ما على الجدران

***

ساعات أمامه يقضيها بغيبوبة حتى يحين موعد الظلام الذي يسبق الفجر..

ولم يعد يعنى بما يجري حوله غاب فحدث أمر وسيغيب فيصحو ويغادر يلتهم الحلوى ويهبط الدرجات من جديد..

لكن ليس هذه هي نهاية العالم، وفي باله يخطر أكثر من احتمال.. ماذا لو داهمت نوبة جديدة رياض قبل الزواج فهل تدفعه زاهية لشراء قبر في المقبرة ذاتها، سوف يطرق الباب عليه كلّ يوم وحين يعلو صراخه يذهب إلى كريستيانيا لا ليبتاع هذه المرة حشيشا. يجلب إبرة مقدارها يفوق الحدّ يدّعي أنّه لم يجد حشيشا والأفضل أن يدبّر رياض حاله بقليل من المخدر..

لن يرفض..

لا يقدر أن يقول لا مع ألم حاد يحزّ كالخناجر أوردته يحقنه .. يضع الإبرة جنبه في السرير ويخرج متسللا، كل ّشئ يثبت أنه انتحر

ياللشيطان..

لعنة الله عليكن.

في بيروت يمكن أن يكون قتل أحدا من دون أن يدري لا أحد في الحرب لا يطلق الرصاص ربّما أصابت رصاصة أطلقها أحدا..

أفكار متوحشة يدري سببها

يعيها كما يعي نفسه أكثر مما هو في حالة يقظة وصحو:

ابتهال دفعته لحب سالمة ، وسالمة استدرجته إلى زاهية وزاهيه دفعته لقتلٍ برئٍ لا مناص منه أما إذا تمّ الزواج قبل أيّة نوبة فعليه أن يقرّ بالهزيمة.. هي زاهية التي تتعامل مع أيِّ رجل تراه بصراحتها حتى يظن من يسمعها أنها تخصّه وحده في الوقت نفسه تحب الآخر الذي يظنها لا تحبّه.. كانت الساعة تشير إلى الرابعة قبل الفجر حين استيقظ من غيبوبته الطويلة، تاجر الحشيش لا يدخن ياجمال.يسقي السمّ للآخرين.. الحلويات موجودة.. ومحل السبعات الثلاث موجود.. إذن أنا أيضا موجود..

ينهض متثاقلا.. يرتدي معطفه الثقيل يلفّ عنقه، ويخرج إلى الشارع.يتهادى على الرصيف.. ينعطف من نهاية طريق المجمّع فتلوح له النقبرة هادئة.. مقبرة في وسط كوبنهاغن على أحد قبورها كتابة بالعربية..

هذا لا يعنيه.

هناك مجنونة عاقلة تشتري قبرا في بلدية بعيدة.. بستة آلاف كرونة كرونة لا تريد أن تدفنها البلديّة على نفقتها ولو كان في المقبرة التي على يساره من مكان يبتظرها لكلفها أكثر..

مجنونة

لكن هل تداّهم النوبة رياض قبل الزواج؟

قد تكون زاهية أصيبت بالجنون خلال قتالها مع السحرة

وأنا أصبت بالجنون يوم أحببت سالمة وصفعت زوجتي ثم حاوات أن أهرّب طفليّ إلى مكان ساخن

لكن

رياض يعاني من مرض عضال فكيف أصابت لوثة ما عقله؟

تساءل وهو يهز كتفيه ليعبر التقاطع إلى محل 777 الإشارة على اللون الاحمر انتبه لا تكن دنماركيا أكثر منهم .. الطريق خال والفجر لم يهبط بعد لاحافلات ولا سيارات ولا هم يحزنون.. لفحته نسمة باردة وتراقصت أمام عينيه أضواء المصابيح.هل مازلتُ في غيبوبة؟

لا يظنّ .. راح يلتهم قطع الحلوى.. أتى على نصف الكمية التي اشتراها واستند إلى الحائط يتطلع في الدرجات التي تخترق السلم..

لا أحد ينزل..

لا أحد يصعد

عبر إلى الرصيف الآخر ولم يلتفت إلى الإشارة هذه المرة ربما مرقت سيارة قبل أن يعبر ولعله سمع صوتا ما لمحرك يدور من بعيد.أعادت له كمية حلوى التهمها بعض انتباهه فأخذ يهبط الدرجات ومع آخر درجة لامستها قدماه واجهته صورة لفتاتين إحداهما تنام على جنبها الايسر والأخرى جالسة وظهرها إلى الحائط تتطلع في درجات السلم كأنها تنتظر أحدا

قات وهي تغمض عينيها:

هل تريد؟ معك عشر كرونات؟

صحبها إلى المرحاض.. رد الباب خلفها فأزاحت سروالها لى الكعبين وحسرت لباسها البنفسجي إلى أسفل ركبتيها ردت على فم المرحاض الغطاء واستندت إليه بيديها دفعت عجيزتها نحوه..

ظل لحظة يتحسس نفسه

Kom do do it

راوده صمت فرفعها نحوه، نظرت إليه بعينين تملؤهما الدهشة ، وقالت كما لوتنطق عن إنسان آليّ:

Hvad hvad laver du?

لم يجب وهوى بشفتيه على شفتيها، فانفلتت منه، واستندت إلى حافة المرحاض ثانية بيديها:

Kom

جسد رائع لفتاة في الثامنة عشرة بوجه فتان وعينين سارحتين لكنه لا يقدر..

شئ لايحتمله

صامتة تستند إلى حافة المرحاض تتمتم مثل الروبوت، خصرها عجيزتها فخذاها.. لا رغبة ولا همّة بل يطلب الهرب فيرفع سرواله يشده ويفتح باب المرحاض يهرول صاعدا الدرجات، لون المصابيح الصفراء الداكنة يتآكل في جسده.. يتوحد مع صفرة ترتسم على وجه رياض.

لايقدر

يهرب..

يتلاشى

يغيب حتى تلتهم رجلاه الرصيف فتطالعه نسمة هواء باردة، يعبر التقاطع نحو رصيف المقبرة ، فيسند كتفيه وهامته إلى جدارها.

كانت أنفاسه تتلاحق.

فدفع اللفاف عن رقبته

وراح ينشج بصوت عال.. إلى أن هدأت أنفاسه شيئا فشيئا وهام في غيبوبة.

أخذته غفوة لا يدري أطالت أم قصرت.. فاستفاق من شئ بارد يلامس وجهه وشعره ففتح عينيه على زخة مطر تتلاحق في شدتّها لتسبق الفجر، فتثاقل قليلا ، فأزاح ظهره عن حائط المقبرة واستند براحتي يديه إلى أرضية الرَّصيف يستعين بهما على الوقوف تمتم:ابتهال .. سالمة وزاهية.هل حقّا تأتيه نوبة حادة قبل أن يُقضى الأمر ثمّ بحث في جيبه عن كيس الحلوى و لم يدر أنه سقط منه قبل أن يغادر دورة المياه ذات المرايا الصّفراء.

***

د. قصي الشيخ عسكر

الحب يسكننــــي ولا أدري

إنْ كان مَن أهوى به يدري

*

والناسُ تلحظني وتسألُ عــ

ما كان من سري ومن أمري

*

هلْ كان مَن في الماء والبرَدِ

مثل الذي يمشي على الجمرِ

*

نفسي تُحدثني وأسألهـــــا

عمّن أحبُّ أكان بي يدري

**

سأريهِ أشعارًا من اللهبِ

ليرى جليًّا ما حَوى قلبي

*

سيرَى الحروف بها لها ألمٌ

تعبتْ بما شالتْ من العتَبِ

*

وبشعريَ الأشواقُ حاضرةٌ

وبشعريَ الأحلام لمْ تغبِ

*

سأريهِ أشعارًا من اللهبِ

ليرى جليًّا ما حوى قلبي

**

أسرارُ قلبي كيف أخفيها

علمت بها الدنيا بما فيها

*

مني نجوم الليلِ تحفظها

وأتتْ عصافيرٌ تغنيها

*

وقصائدٌ للحب أكتبها

ومدامعٌ كالدرِّ أبكيها

*

أسرارُ قلبي كيف أخفيها

علمتْ بها الدنيا بمَن فيها

**

الحبُّ مصدره ومعناهُ

لم تُكتبِ الأشعارُ لولاهُ

*

والقلب يصرخُ سيدي رفقًا

زادَ العذاب، فقلتُ : اللهُ!!!!

وأكادُ من عجَبٍ أقول لهُ:

أتعيشُ يا قلبي لتهواهُ

*

الحبُّ مصدرهُ ومعناهُ

لم تكتبِ الأشعارُ لولاهُ

**

سَتُقِرُّ أشعاري وتعترفُ

وتُحدّثُ الدنيا بما أصفُ

*

والناسُ سوف تقولُ :ما هذا؟!

فالحب عندي غير ما ألِفُوا

*

لفظٌ له دُقّتْ معانيهِ

فتناقشوا في الوصفِ واختلفوا

*

سَتُقِرُّ أشعاري وتعترفُ

وتُجَنُّ دنيانا بما أصفُ

**

لاموا وذاكَ اللوم مردودُ

في مذهبي الحبُ موجودُ

*

ما جربوا أن يعرفوهُ ولا

غنّى لهم نايٌ ولا عودُ

*

ما زارَهم نيسانُ في يومٍ

لم يستجيبوا عندما نودوا

*

لاموا وذاك اللوم مردودُ

في مذهبي الحب موجودُ

**

الناسُ تقرأ في بساتيني

وتشمُّ عطرًا من رياحيني

*

والحب عندي صار شلالًا

ينسابُ في نغمٍ وتلحينِ

*

ومُعذّبي سيقولُ من حسدٍ

يا ليتَها بالشعر تعنيني

*

فيتوه ما بين البساتينِ

ويذوبُ في عطر الرياحينِ

**

ألبست أشعاري شذى الحبِ

فتألقتْ كسبائك الذهبِ

*

ألبستُها صدقًا وإحساسًا

مزّقتُ عنها معطفَ الكذبِ

*

لو جاء فيها كلُّ ما أخفي

ضاقت بها الأوراقُ في الكتبِ

*

كم مرةٍ في العمرِ يسجننا

حبٌّ لكي نسعى إلى الهربِ

*

كم مرة في العمر يسكننا

حب يعذبنا بلا سببِ

*

ما العمرُ إلا ومضةٌ لمعتْ

تمضي بسرعة رفة الهدُبِ

*

ولربما أذنَ الزمان لنا

بالوصل أنهارًا بلا نضبِ

*

فمتى زمان الوصل يذكرنا

عُدْ يا زمان الوصلِ واستجبِ

***

شعر: إسراء فرحان

من كتاب :قمر الزمان

مُهْدَاةٌ إِلَى الشاعرة السورية

نهاد هاشم النقري ‏‏تَقْدِيراً وَاعْتِزَازاً

**

أُنَقِّرُ أَشْتَهِي النَّقْرِي

 بِلَهْفَةِ حُبِّهَا الْبِكْرِي

*

وَأَلْمَسُ فِي حَنَايَاهَا

 وَمُهْجَتِهَا شَذَا شُكْرِي

*

أُخَابِرُهَا فَأُلْفِيهَا

 تَمُوتُ بِحُبِّيَ الْفِكْرِي

*

أُكَلِّمُهَا فَأُلْفِيهَا

 جِنَاناً فِي رُبَى ذِكْرِي

*

أُعَلِّقُهَا تُعَلِّقُنِي

 وَآخُذُهَا إِلَى سِفْرِي

*

أُعَانِقُهَا تُعَانِقُنِي

 عَلَى أُرْجُوحَةِ السِّحْرِ

*

نَنَامُ مَعاً عَلَى كَنَبٍ

 يُعَانِقُ مَوْجَةَ الْبَحْرِ

***

د. محسن عبد المعطي.. شاعر مصري

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا

صروف

كلّما التقينا تأمّلتُ بطرف خفيّ تورّد وجنتيه، وقامته الممشوقة، ووسامته التي تقع في قلب الأنثى فتذيبه.. تمنّيته لو كان لي. بيد أنّه في عصمة امرأة أخرى مثلما أنا في عصمة رجل آخر..

بعد فترة صدمني منظره، فكأنّما مسّته عصا ساحر شرّير..

وسمعته يقول للذي يستوقفه من معارفه:

"آه.. اجتمع علي عدوّان.. الخبيث والكيماوي!"

**

رجلان لسرير واحد

كان معها في قوّة مائة حصان.. ومع ذلك لم تكن تريحها نظراته الغامضة ولا ابتسامته المبهمة.. شعرت بأنّ شيئا ما فيه تبدّل رغم إقباله عليها بنهم..

بعد رحلة الحبِّ تلك نهض ورمى على وجهها ورقة نقديّةً زهيدةً وانصرف مقهقها..

"لماذا عاملني كعاهرة. ألست زوجته؟"

وجاءها الجواب برنّة من هاتفها.. إنّه هو.. وشعرت بالأرض تهوي بها وهي تتصفّح صورها الفاضحة مع رجل آخر..

**

الزّيــــــــــــف

كانت أجمل ليلة في حياته.. رقص كثيرا وشرب كثيرا.. إنّها ليلة العمر بحقّ.. وهو يختلي بها في غرفتهما لأوّل مرّة راح يتأمّلها مبهوتا وعيناه تبرقان..

وراحت تتخفّف من فستان العرس. وشيئا فشيئا أخذت تقاسيم وجهه تتبدّل من الانبهار، إلى الحيرة، إلى الصّدمة. رآها تطرح شعرا طالما فتنته به، ورموشا كانت أَحَدُّ عليه من السّيف..

واستمرّت تطرح وتطرح.. صرخ في مرارة:

"هاه..  كُفّي وإلّا..!"

**

بذرة النّـــــــور

وكان لا بدّ ككلّ ليلة أن أنام على صوت جاري الخشن وهو يغنّي ويسبّ ويشتم وينادي على زوجته وبناته وأولاده..

سمعته يتجشّأ كثيرا، ويتقيّأ كثيرا بعد أن قضى اللّيل كلّه يعبّ من "القيشم" ما يُسكِرُ قبيلة بأكملها..

وارتفع صوت آذان الفجر من مئذنة قريبة فنزلت عليه السّكينة لحظة، ثمّ سمعته يلهث داعيا بصوته الخشن المثقل بالشّراب: "اللّهمّ.."

"أين وضَعْتِ السّجّادة يا بِنت ال..؟!"

***

حسن سالمي

مهداة الى استاذي العلامة الدكتور فاضل صالح السامرائي

تحية تجلة وإكبار

***

زَهــا، فــي كـلّ قافيـةٍ نَـشـيـدُ

يُـبــاركُ نــهْـجـَكم وبه يـشـيـدُ

*

يُـفاخِـرُ بعضُ مَـن يعلو بمَجْـدٍ

ونَـبـْعُ عُــلاك قـرانٌ مَـجـــيـدُ

*

سَــماواتُ الــبيانِ رأتْـكَ فيها

فـطـوَّعَتْ الحروفَ كما تُريدُ

*

تــحـيّـاتُ الــثريّـا مُــسْـبِـغاتٌ

لـِـجُـهْــدٍ زانَــه رايٌ رشــيــدُ

*

يـُـقَـرِّبُ فـهْمَ مضمونٍ فَيَسْمو

بــموهــبةٍ ، لــها نـورٌ مـديدُ

*

بآيــات الكتاب، فـتحْتَ افـقا

ونهجا، فــيه قـد قَـرُبَ البعيدُ

*

لـمَسْـتَ بـيانَه فازددتَ نورا

فَــنَـوّرتَ العـقـولَ بما يـفيدُ

*

وللأذهـانِ قَـرّبْـتَ المعـاني

فَـشاعَ بجـوِّها نَـهْـجٌ جـديـدُ

*

يلائـمُ كلَّ مَن يشكو وصولا

لإدراك النصوص بما يجيد

*

تَـرَنّـمْـتَ المقالَ فزاد حُـسنا

لِـمـا قــد زانـهُ رأيٌ سَــديــدُ

*

بـمَـوْهِبــةٍ حَـبـاكَ الله فــيـهـا

حُروفُ عطائها ، دُرٌ نَضِيـدُ

*

وفي (اللمساتِ) للتأريخ قولٌ

وتـوثـيــقٌ وذِكـْـرٌ لايـَـبــيــدُ

***

(من الوافر)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

الاهداء: الى كل من تغنى بسذاجة بالديمقراطية.

اقرأ في الصحف اليومية

عمن يدخنُ أَفيونَ الحرية

شعاراً نرفعه

كلماتٍ مخلوطةً نشربها

مع القهوةِ الصباحية

عن قرابينَ تقدمُ

ودماءٍ تعصرُ على

ارضها الوثنية

أسبوعٌ سقطت منه الأَيامُ

لتبدأَ رحلتَها الأبدية

على أَسوارِ بابلَ

عمالٌ مسمرونَ باللعنة

الشمسُ صليبٌ فوقَ البلدة

والأشباح تسبحُ في دجلة

يا صخباً يعوي في جمجمةِ الريحِ

يطلبُ مني طلسماً يُكتبُ فيه

حرفٌ عشوائيٌ

وقميصٌ أجلبهُ

من جلود المظلومينَ

على وجه بابلَ تنشره

تخدرُ جلودهم ..... تفلسهم من شعورهم

تعيدُ هندسةَ الأشياءِ

لكنهُ ظلَ دوماً خائفاً من ابتكارِ ذاته

***

أروى السامرائي

 

 

راضي المترفيماتت امه بعد ولادته بقليل فتكفله الوالد رعاية وحبا وتعويضا ولم يتزوج مرة أخرى بسببه وهكذا سارت أيامه طفولة ودراسة وشبابا وعلمه مهنته حتى برع فيها ولم تمض أيام طويلة حتى تعرض الوالد إلى حادث عمل مات على اثره فورث عنه قطعة ارض كبيرة مشيد على نصفها بيت للسكن فاره مريح وعلى النصف الآخر معمل نجارة بكامل معداته وأدواته.

. عاش وحيدا لأكثر من سنة ودعي إلى مناسبات عائلية عديدة تعرف في احداها على قريبة له تماثله في السن ونشأت بينهما رغبة بالتواصل تحولت بمرور الأيام إلى علاقة حب تحت نظر ومراقبة والد الفتاة واعتاد على زيارة بيت اهلها بين الحين والآخر حتى كاد أن يكون عضو في الأسرة لو لا نظرة ام الفتاة له على انه (منحوس) اذ ماتت امه في أيام ولادته وتعرض أبيه إلى حادث بعد انهائه دراسته الجامعية وتعلمه مهنة النجارة وكانت تخاف على ابنتها من الارتباط به لكنها لم تعلن رفضها بعد أن رأت ابنتها تتزداد تعلقا به كل يوم بمباركة والدها .

. رأى فيها كل حياته واماله وبادلته الشعور حتى اقتربا من بعضهما أكثر وأصبح قضاء الليل بعيدا عنها أسوء ما في حياته وطلب منها ان تخبر والدها بقرار ارتباطهما رسميا وان يحدد موعد قريبا لزيارة اهلها خاطبا فوعدته بذلك وطمانته مع معرفته بموقف والدها من قضية زواجهما لكنه كان يخشى رفض امها غير المبرر من وجهة نظره .

. وافق الوالد وأجل تحديد موعد الزيارة لحين التباحث مع زوجته ومحاولة اقناعها وفي الليل تكلم معها وقلبا الامر على كل الوجوه لكنها تمسكت برفضها استجابة لهاجس يلح عليها بأن هذا الزواج لن يمر بسلام لذا أجل الحديث معها إلى وقت آخر وخلد للنوم وبقيت هي مسهدة يساورها القلق على حياة ابنتها ان وافقت على الزواج من هذا المنحوس الذي بقي وحيدا في الدنيا وهو في بداية الشباب ولم يغريها بيته الفاره ومعمل النجارة ووجوده وحيدا من غير عائلة وظلت تقلب أفكارها حتى تسرب النعاس إلى اجفانها .

. التقيا عصر اليوم الثاني في مقهى قريب حسب موعد مسبق وقبل أن يستقر بهما الجلوس سألها عن رد والدها فاعتذرت له وأخبرته انها نامت مبكرا ليلة أمس ولم تنتظر حتى يرد عليها وأضافت.. عموما ان لم يرد اليوم فغدا او بعده فكتم غيضه وابتسم لها وامضيا وقتا جميل معا ثم اوصلها إلى بيتها وعاد من دون أن يدخل ويلقي التحية على والديها .

. بعد نقاش طويل وافقت الوالدة على الزواج على ان يكون الوالد هو المسؤول أمامها لو حصل لابنتها مكروه فوافق الوالد ضاحكا ثم اخبر ابنته باستعدادهم لاستقبله ظهر يوم الجمعة القادم وعليه أن يأتي معية أقارب او جار ففرحت وتمنت لو انها تملك جناحان تطير بهما اليه وفي الصباح عرجت عليه في المعمل قبل ذهابها للعمل وابلغته الخبر السعيد فأصبح بفرحة لا توصف .

. لم يحتار بمن يأخذه معه لخطبة الحبيبة فخالته وان كانت تسكن في أطراف المدينة يمكن احضارها بسهولة وقريبه الآخر موجود ومتيسر بعدها انشغل بإكمال احتياجاته من ملابس و( نيشان خطوبة) وغيرها حتى اكمل عصر الخميس كل شيء وجاء بخالته للمبيت عنده وذهب مساء للحلاق ليضع آخر اللمسات .

. تحرك الموكب بعد ظهر الجمعة إلى بيت العروس وسط مظاهر فرح واستقبال واضحة وسارت الإجراءات بيسر وسلاسة الا في قضية المهر حيث أصرت ام العروس على ان يكون مبالغا فيه لكن العريس وافق بدون تردد ثم حدد موعد الزفاف بعد شهر وخرجوا من بيت العروس مودعين بحفاوة .

. باع كل معدات ومكائن معمل النجارة وتركه أرض بلقع الا من كراسي ومناضد قديمة من أجل دفع المهر ولوازم العرس وتكاليفه حتى لايضطر للاستدانة وتم له ما أراد وزفت عروسه اليه وذهبا لقضاء أيام العسل في مكان جميل وبعد العودة عمل اجيرا في أحد المعامل واتفقا في أحد الليالي على دعوة ام العروس وابيها لزيارتهما في البيت فاعتذرت الام وقبل الوالد لكنه طلب ان تكون زيارته مفاجأة وغير محددة بوقت ليتمكن من شراء هدية زواج تليق بهما فوافقا .

. بعد أيام رجع من العمل متعبا وبحث عنها في البيت فلم يجدها لكنه وجد على منضدة المطبخ كوبين فارغين من القهوة واعقاب سجائر فاشتعل غضبا وغيرة لكنه سمع صدى ضحكات مشتركة تأتي من جهة المعمل فنظر من فتحة صغيرة في جدار المعمل فراها تشبك أصابعها مع رجل يبدو من ظهره أنيقا وتتضاحك معه فلم يطبق صبرا واخرج بندقية والده وحشاها بالرصاص ثم أطلق عليهم من فتحة الجدار عدة اطلاقات اصابتهما بمقتلا وسارع لدخول المعمل فوجد جثتها تحتضن جثة أبيها وقريبا منهما تشغل المكان مكائن وأدوات ومعدات معمل نجارة كاملة مع يافطة كبيرة كتب عليها .. لاجمل عروس لابنتي الغالية وعريسها العزيز اقدم هديتي .

***

راضي المترفي

في اقصى السماء

تمطر مطرا لازوريا

ليروي عطش البنفسج

القطا العصافير

واليمام

وعنادل ترسم

باجنحتها الرمادية

على مراة قلبي

ينابيعا

سواقيا

وعيونا

وتبتسم للنسيم

وللشفق الازرق

وللمطر

والسنونات المهاجرات

تحلم بتلال وهضاب

وضفاف احلامها

امالها

وامنياتها

وسحب سحب

زرقاء في اقصى

السماء رايتها

تمطر على حقول

الايال والغزلان

العاشقة والمطاردة

عقيقا زمردا

واقحوان .

***

سالم الياس مدالو

عقيل العبودوقفت على شاكلة من لا يفهم في معنى الحديث، تلعثمت خطواتي تضامنا مع دموع أمي التي كأنها تراصفت مثل زحام مسرح كبير، لتقطع بوابة النجاة، متخطية حواجز الغربة.

سارت بغداد بألف ليلة، وليلة، بينما اختطف الصمت لغة العبور، وسيناريوهاتها المتعثرة، ليعزف للجمهور أغنية سمعتها ذات يوم من أيام قلب سبعيني.

تصدر المشهد أنباء ذاكرة مشحونة بقضايا ماض، راحت صباحاته تترى، تاركة خلفها آثار بيت عامر، وبساتين.

غدت الاشياء تمشي بطريقة مذهلة، داهم الأعياء عقارب النهار، صار الزمان يمشي متثاقلا، مثل جريح شهدته يتكئ عند شروط عصا حصل عليها بسبب اصابته بشظايا قذيفة، أحالت دون أن يستأنف مشوار مسيرته الآجلة.

رسمت قافلة الجمهور، مع صباحات خارطة أمست موحشة بعد أن هاجر أهلها صوب ممرات عالم قلق.

بدأت ترنيمتي المعتادة وفقا لفضاء صمت حالم بقصيدة فارقها الأصحاب.

استيقظت أحلامي، بينما بقيت جثتي هامدة لا تقوى على الحركة، أمسيت متعبا مثل صولجان ذاكرتي، سقطت جميع الأغطية مستنكرة حادث اغتيال آثم.

زارتني جدتي مع ولادة قافلة سبقت حضوري إلى هذا العالم، غابت أسراب الطيور، مثل مدينتي، ومحلتي، ومدرستي، وأقراني.

لم أفلح في تدوين بعض ما تبقى، ودونت أقوالي لتبقى على ذمة التحقيق، أضحى دفتر الرسم عاجزا عن الإدلاء بشهادتي.

تقدمت الحياة وهي ترتدي فستان عرسها القديم، رافقتها بشغف، امتزج بصحبة مسافر، توالت الأحزان، صارت تقص علي رواية لم أكن اسمعها إلا يوم جلست قريبا عند أقدام امرأة ناهز عمرها الكبر، لتنطق بآخر ما تبقى لها من كلمات.

***

عقيل العبود

 

أبي ...

إغفرْ لي ذلكَ العَطَشَ

المدفونَ تحتَ وسادةِ الأيّامِ إليكْ

وأجِبني

- أما زالَ  نَبضُ العائلةِ يَدورُ مِنْ حَولِكْ!

أتَضحكُ  لو جاءكَ القَمرُ المَريرُ  بالآس

قَمرٌ عانقَ أجنحَةَ اللّيلِ وغَفا  قُربَكْ

تلكَ القناديلُ التي جَعَلتْ من قَلبِكَ شاطئَها

فنِمتَ ساعةَ صَيفٍ

تحتَ عطَشِ الثِمارِ

ودّعتَ فيهِ ظلالَكَ

ليسنِدَ بَعدَها ظِلّيَ ظَهرُك

لمْ يَخطُرْ  ببالي

أنّكَ سَتوقِظُ عُمريَ مَرّتين

في الأولى:  لم أقبضْ على شيء

وفي الثانيةِ:  شَفّني بها قَبرُكَ وأنا أتَجاهلُ مَوتي.

***

زياد كامل السامرائي

 

 

ذكرى لعيبيلابدَ أن أزّكي نفسي من دنس ذلك الشيطان..

أن أخرج من سجن وجودي إلى فضاء أرحب.

انتظرتُ حتى نامت أختي الكبرى، فتسللتُ إلى خزانتها لأفتح الدرج الذي تخبأ فيه دفتر يومياتها، لعلي أجد ما أبحث عنه، أو لعلها تكتب شيئًا يهمنّي!

" الخطوة الأهم اكتساب الألفة مع الغيب"

قرأتُ هذه العبارة على الصفحة الأولى من الدفتر، فشعرتُ بقشعريرة وشيء من الخوف، ثمة نسمة عليلة داعبت وجهي، رغم أن باب الغرفة كان موصدًا  وشباكها أيضًا.

أغلقت الدفتر واعدّته إلى مكانه.

ورجعتُ إلى سريري بغير قلب، كأني تركته بين دفتّي ذلك الدفتر.

ركزت تفكيري مع النسمة العليلة التي داعبت وجهي، من أي وجهة جاءت؟

من الرب..

هكذا أخبرني حدسي.

أغمضتُ عينيّي؛ وبين اليقظة والحلم تراءى لي وجه الشيخ الذي صادفته في زيارتي الأولى إلى "مرقدّي الإمامين " وجهًا سمحًا ذا هيبة ونور، أوقفني وأشار إلى قدميّ:

ـ لا يجوز

عرفتُ حينها أنه لا يجوز أن أترك قدمي ظاهرة هكذا.. أومأت برأسي خجلًا واعتذرت وهممت بالبحث عما يسترهما

  لكن عندما أخبرت والدتي وأختي وأنا متذمرة:

ـ هل سمعتن ما قاله هذا الشيخ لي بسبب قدميّ؟

قالت والدتي:

ـ أيُ شيخ؟ لم نسمع ولم نرَ شيئًا

وأختي كالعادة لم تأبه للأمر، رغم أنه مازال واقفًا قربي!

ولم يغادر حتى ظللتني ذات النسمة.

نعم هو بعينه، الشيخ الذي صادفته ذلك اليوم، لم يهرم، لم يتغير شكله، وحتى صوته:

ـ أراقبكِ وأنتِ تُنقيّن داخلكِ، وتثبتين وجود قلبكِ من خلال معرفة صفات الخالق بعقلكِ، لتسافري بفكركِ إلى دواخلكِ ومن حولكِ.

ـ أنا الآن أشعر بفراغ في جوفي الأيسر!

ـ بل ممتلئ، ممتلئ بالنور الذي سيعلمكِ إبادة الأنا، وهذا النور سيشعُ حولكِ وسيشعر به من كان قلبهُ مُطهّر، غدًا اسألي أمكِ عن رؤيا رأتها عندما كانت حاملاً بكِ.

واختفى..

لم أخف بقدر ما استسلمت لنومٍ عميق.

في اليوم التالي سألتُ أمي عما أشار إليه الشيخ:

ـ بسم الله الرحمن الرحيم، هل أنتِ جنّية؟ كيف عرفت؟

ـ حلمت..

ـ سأخبركِ، لكن تعدينني بأنكِ لن تخبري أحدًا بجزء من الرؤيا

ـ أعدكِ، فقط سأتحدث بما تسمحين لي به إن وجب الحديث

ـ اسمعي: ذات ليلة كان والدكِ مسافرًا، كنتُ حاملاً بالشهر الثالث، ولم أعرف حينها الجنين الذي في بطني ذكرًا أم أنثى، وكنت أتمنى الولد، وكعادتي بعد العشاء اغتسلت وصليت ونمت، زارتني في المنام امرأة لا أرى من وجهها غير نور، ضوء، صارت تُقبل عليّ وقد هبّت رائحة لم اتنسّم مثلها حتى هذه الساعة، غَشَيتني السكينة، فلم أفتح فمي بكلمة، وضعتْ يدها على بطني، فشعرتُ بدفء دغدغ جسدي بأكمله، خيط من نور تعانق والحبل السرّي الذي يربط جنيني، ثم سمعت صوتها وهي توصيني: في بطنكِ فتاة جميلة، قُرّي بها عينا، فرفعتْ يدها واستدارت لتمضي وأنا ما زلتُ في ذهول، حتى استجمعت نفسي لأسألها من تكون؟

ـ وهل أخبرتك؟

ـ نعم.. التفتت وقالت اسمها.....

وكانت الفتاة التي في رحم أمي هي أنا..

 إذ لا غرابة من أني أريد أن أزكّي نفسي من هذا العبث، ولا غرابة من شدّة شوقي إلى النظر للوجه الآخر من الوجود، ولا غرابة من هالة الضوء التي تحرسني، ولا غرابة من أن جوفي الأيسر يتسع كلما ضاقت الدنيا، وجذعي يقوى كلما زاد عدد الفؤوس، ومحبتي سترسخ كالفجر في قلبٍ مُطهّر يتّقي حزني وخداعي..

هكذا حدثتُ نفسي..

وما زلتُ أحدّثها.. 

***

ذكرى لعيبي - ألمانيا

مُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ أَقْرَأُ غَيْباً

يَضَعُ الْحُبَّ فِي حَكَايَا الْعُقُوقِ

*

وَمُحَالُ الْأَفْكَارِ سَطَّرَ سِفْراً

يَصِفُ الْحُبَّ تَاهَ كَالْبَرْقُوقِ

*

شُرْفَةُ الفَجْرِ عَلَّمَتْنِي أُمُوراً

تَعْبُرُ الْوَصْلَ فِي الضِّيَا الْمَرْتُوقِ

*

وَاقْتِراباً مِنْ كُلِّ أَبْيَضَ يَسْمُو

فِي احْتِفَالٍ يَتِيهُ بَالْمَشْقُوقِ

*

رَبَّةَ الْحُبِّ تَوِّجِينِي بِوَصْلٍ

عَبْقَرِيٍّ يَخْتَالُ بِالْمَسْلُوقِ

*

إِنَّ لِي حُجَّةً تَرُدُّ اعْتِبَارِي

وَتُعِيدُ الْآمَالَ بَعْدَ النُّفُوقِ

*

فَازْرَعِينِي فِي سَاحِ قَلْبِكِ وَرْداً

يَبْعَثُ الطِّيبَ مِنْ حُقُولِ الْوُثُوقِ

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

هو يوم ميلادي المصادف

 السبت 26/ ديسمبر/ 1942م،1361هـ.

فيا لَهُ من يومٍ وًلدْتُ فيه!

***

"عيدٌ بحُلَّةِ نورٍ عدْتَ، يا عيدُ،"

ذكراكَ في كونِنا عدلٌ، وتغريدُ

*

لكنْ مَنْ يحكمونا باسمِ هالتِكمْ

قومٌ لصوصٌ ، وذُؤْبانٌ مناكيدُ

*

قد صيّروا أمّةً منْ فكركمْ نهلَتْ

جهالةً  ترتدي .. آفاقُها  سُودُ

*

أمّا أنا فالثمانون اعتلّتْ قامتي

لكنّني منكمو أنفاسيَ الصِيدُ

***

قالوا ثمانون!

قلتُ: العمرُ ما رسمَتْ

قلوبُنا منْ صدىً

في لوحةِ الزمنِ

*

هذي الثمانون كالأفلاكِ دائرةٌ

يدورُ في كونِها  قيثارةُ الشَجَنِ

*

إنْ هدَّ يوماً صخورُ الخَلْقِ قامتَنا

فقامةُ العقلِ أقوى..

مِنْ قوى المِحَنِ

*

الحمدُ للهِ،..

ما مرَّتْ على رئتي

سُودُ الهواءِ وما..

سوَّدتُ مِنْ سَكَني

*

والحمدُ للهِ،..

ما شابتْني شائبةٌ

مِنْ سَوأةِ الفِعلِ أو..

مِنْ قولةِ الفِتَنِ

*

ما أثقلَتْ هامتي..

شوهاءُ  داجيةٍ

أو أنزفَتْ سيرت..ي

مِنْ خمرةِ العَفَنِ

***

هذي الثمانونَ  ..

وقد عشتُها

مِنْ رجسِ شيطانِ الهوى.ز

صُنتُها

*

سبحانهُ الخالقُ مَنْ خصَّني

فضيلةَ الحرفِ..

وما خنتُها

*

الفضلُ للقلبِ الذي صاغَني

حكايةً .. باطنُها .. وجهُها

***

عبد الستار نورعلي

18 ذو الحجة 1443

18 تموز 2022

 

ما عاد لي أهل القصيدِ شعورُ

القلبُ تنّورٌ بهِ مسجـــــــــــورُ

*

الغربُ في أرض العروبةِ ناحِرٌ

آدابَ شعبٍ ضرّهُ التخديــــــــــرُ

*

البعضُ من ثدي الدناءة راضعٌ

إبليسُ يهجُمُ؛ سيفُهُ التّغـــــــــريرُ

*

لكنّ جيلاً عن قريبٍ قادمٌ

يأبى يكون بأرضهِ المقهورُ

*

ما عاد يرضى أن يكون وسيلةً

أنّى يُــــــــــــــرادُ بأن يُدارَ يدورُ

*

إنّ الهويّة للبلاد دثارهــــــا

إنْ ضُيّعت تهوي إذاً وتَبُورُ

*

صفُّ الثقافة في البلاد أساسها

إن خارَ كلُّ صفوفِها ستخورُ

*

عجبا لمن يَنزو إلى طَبْعِ العِدا

فكأنَّه من كأسِها مخمـــــــــــورُ

*

قالوا انفِتاحٌ والحقيقةُ إنّما

أنّا هُزِمنا كلّنا المأسورُ!

*

من قال كلّا للهزيمةِ وانبرى

قالوا له قـــــــد خانكَ التقديرُ

*

أمّا الّذي قد خان دينا والتوى

قالوا له قـــــــد زانك التنويرُ

*

إنّ الهزيمةَ في الهويّةِ مرّةٌ

مهما أتى في حُسنه التبريرُ

***

صلاح بن راشد الغريبي

 

الى صوت الإنسانية الخالد

بمناسبة عيد الغدير المبارك

***

المَـجْــدُ، والعِــزُّ، والعَـلـياءُ، والــشِـيَــمُ

فـي جَـوْهرٍ، عجَـزَتْ عن وصفِه الكـَـلِمُ

*

لـمّـا الـعَـلِـيُّ قــضى، أنْ يُــولـدَ الأمَــلُ

فـي الكعــبةِ ، ازدانَـتْ الأركانُ والحَـرَمُ

*

وشـاءَ أنْ يَصطفي للمُصطفى، عَـضُـداً

بــه المَـسِـيـرَةُ ، نِــبْــراسٌ ومُــعـتَـصَمُ

*

لــلأفــقِ إشــراقــةٌ ، فــي يـوم مـولِــدِه

ولِـلكـواكـبِ مِــــنْ عَـــليائــهِ ، سَـــهَــمُ

*

إرادةُ الـلــهِ ، أنْ يــخــتـارَ فــاطـــمــةً

لـِـمَـنْ ، لـِـوالِـدهــا أزْرٌ ، بـــه شَــمَـمُ

*

فَـحـاطَ بالـنـور نـورٌ ، فــي اقـتـِرانِهـما

وبـارَكَ الـمُصطفـى ، فانْهـالـت النِـعَــمُ

*

ولــلـكـرامـاتِ أحْــداثٌ ، مُــؤرَّخَــــةٌ

ولـلمَـواقِــفِ رأيٌ ، فـــيــه تـنـحَــسِــمُ

*

فالـشمـسُ مَـدّتْ سـناهــا فــي تـألُـقِـهـا

وانـسـابَ بـين يـديـهـا الحِـلـمُ والحِــكَمُ

*

وَزانَـهــا، أنّ طـيْـفـاً مـِــن مَـحـاسِـنِـهـا

نــظِـيرُه فــيك، حـيـث الـنـورُ يـرتــسِـمُ

*

مَـن رامَ وَصْـلَ المَعالي، صِرتَ قدْوَتَه

والـشـأنُ تـُـعْـلِـيـه أســـبابٌ، لـــهـا قِــيَـمُ

*

خُـلِقْـتَ أن لا تُـحابـي فــي الخَـفـاء يَـداً

لأن كــفَّــكَ فـــي وضح الـنـهــار، فَــمُ

*

لـلـتِّـبْـرِ أمْـنِــيــةٌ، فــــي أنْ تُــقَــلِــبَــه

يَــداك، حــيـث تَـباهـى الـسـيفُ والـقـلـمُ

*

والعَـبْـقــريـةُ، مُـذ فـعَّـلـتَـهــا سَــجَـدَتْ

لله، إذ أصـبحَـتْ لـلـعَــدلِ، تـحـتَـكِــمُ

*

أكــرَمْـتَ كــلَّ يـَـدٍ ، الـعَـوْزُ ألجَـأهــا

حــتى وأنــت تُـصَلـي ، نالـهـا الـكَــرَمُ

*

وفـي القضاء ، انحَنى كلُّ القُضاةِ لـِـما

حَـكَـمْـتَ فــيه ، فزالَ الـشـكُ والـوَهَــمُ

*

أنصفْـتَ حتى عَلا، في الأفق صوتُـهُـمُ:

(عَـدلُ عَــلـيٍّ)، بــه المـيـزانُ يَـسْــتـقِـمُ

*

والـمَعْـنَـويَّـةُ قـــد فَــعَّـلـتَ هــاجِسَـهــا

فـي نَـفْـسِ مَـن قـد غزاهُ الوَهْـنُ والهَـرَمُ

*

لــِذي الـفــقـار اقــتـِرانٌ فــيــك، أرَّخَــهُ

مـا كـلُّ سـَــيـفٍ ، بــه الأعـداءُ تَـنهـَـزِمُ

*

ســـيـفٌ، إذا كـفُّـك الـمهــيـوبُ أمْـسَـكـهُ

قــبـل الـنِـزالِ ، يَـحُـلُّ الـيـأسُ عــنـدهُـمُ

*

بـه، قطعتَ جــذورَ الشِـركِ، مُـرتَـجِـزاً

واسـتسـلمَ الخَـصمُ ، لا ســيـفٌ ولا عَـلـمُ

*

خـُـطىً مَــشــيـتَ، بإيـمانٍ وتــضحـيــةٍ

فـانْهارَ مِــن وَقْـعِهـا الطاغـوتُ والصَّـنَـمُ

*

يامَـن أخَـفْـتَ الـعِــدا فـــي كـلِّ مَـلحَـمَـةٍ

إذ كـلـمـا قَــيـل: ذا الــكـرّارُ ، هـالَـهُــمُ

*

إذا رجَــزْتَ ، فـلِلأجـواءِ هــيْــبَــتُـهـــا

ولـِلحَـمـاســةِ ، فــــي أصـدائهــا حِــمَـمُ

*

تَـصـدّعَ الخَـصمُ ، فـــي (بَـدرٍ) وأرَّقَـهُـم

قـبـل الطِعـانِ فـتىً ، فـانهـارَ عَــزمُــهُـمُ

*

طـيّـبتَ نَــفْــسَ رســول الله ، حـيـن دعـا

في (خندق) الحَـسْـمِ ، حيثُ الحربُ تَحتدِمُ

*

زَهْــوُ الـرؤوس تَـهـاوى بـَعـدَ مُـعـجِـزةٍ

بـ (بابِ خـيـبـرَ) أوْدَتْ، واخـتـفـتْ قـِـمَـمُ

*

دَيْـمـومَـةُ الـنصرِ، فــي قــوْلٍ يـُجَـسِّــدُهُ

فِـعـلٌ، وقـــد فُـقْـتَ في التجْـسيدِ خَطوَهُمُ

*

أعطيتَ دَرسـاً لِمَن ضَلَّ السَـبـيلَ، وعـنْ

مَـن اهـتدى، زالَ عـنه الـوَهْـمُ والـعَـتَـمُ

*

إذا تـصَعَّـرَ قــومٌ ، فــي الــذي كــسـَـبـوا

ثـمّ اقـتـدوا بـك ، زال الـزّهْـو والـزَّعَـمُ

*

تَـبـاشَــرَ الجُـنـدُ لمّـا الــنـصرُ حالـفَـهـم

وكَــبَّـروا: لا فــتـىً إلّاكَ ، بَــيــنَـهـُــمُ

*

مـــا دارَ طـرْفُــكَ ، إلّا الـحَـقُ هـاجِـسُـهُ

والحـقُ صِنْـوُكَ ، مـوصولٌ بـــه الـرَحِـمُ

*

نـاداهُــمُ المصطفـى : انــتَ الولِـيُّ لـهـم

فـصَــوَّتَ الــقـومُ ، بالإيــجـاب كُــلُـهُــمُ

*

إنّ الأنـاةَ ونــهْــجَ الحِـلـمِ، إنْ جُــمِـعَـتْ

كـما أشَــرْتَ لــها ...تـعـلو بـــها الهِـمَـمُ

*

والصَّـمْتُ إنْ لاءَمَ الأجْواءَ، يَسْـمو بهـا

والـهَـذْرُ آخِـــرُه ... الإحْــبـاطُ والــنَـدَمُ

*

كــلامُــك الــدُّرُ ، والآفـــاقُ تَــشــهَــدُه

قــد حَـرّكَ الـوعـيَ (فـيـمَـن قـلبُه شـبِـمُ )

*

فـي سِـفْـرِ نَـهْـجِـك، للأجـيـال مَـدرسَـةٌ

تَـبْـني الـعُـقـولَ، وفيـهـا تـرتـقـي الأمـمُ

*

عَـقـلٌ بــلا أدبٍ ، مِـثـلُ الشــجـاع بــلا

ســيـفٍ ، وقــولـك هــذا مــنه نَـغْــتَــنِـمُ

*

بــلاغـة القـــول للفـرســــان مــوهــبــة

والمقتــدون بهم يــسمــو ســـلوكـهُـــمُ

*

بَـلغْـتَ فــــي صِـلةِ الأرحـام مَـرْتَــبَــةً

مَـن ســارَ سَــيْـرَك، لـم تَـعْـثـرْ به قَـدَمُ

*

طـمْأنْــتَ أنْــفُـــسَ أيــتـامٍ، جَـعـلـتَـهُــُم

يَــرَونَ فــيـك أبـاً، يـَـجْـلـي هُـمُـومَـهـُمُ

*

أوْصيْـتَ: أنْ يَسْـتَـشيرَ المرءُ مَنْ وثقتْ

بــهِ العُـقـولُ ، ومَـنْ بالـرأي يـُــحــتَـرَمُ

*

كـمـا اسـتَـشَـرْتَ عقيلاً ، إذ أشــارَ الى:

(أم البنين).. بِــبَـيـت الطُـهْـرِ تَــنْــتَـظِـمُ

*

لاطـائـفـيّــةَ ، لا تــفــريــقَ فــــي زمَـنٍ

قــد كـان رأيـُك، فـيــه الحَـسْـمُ والحَـكَـمُ

*

فـــي قـولِـك: الناسُ صِـنـفـانٌ فـإمـا أخٌ

في الدِّينِ ، أو في صفات الخَـلْقِ يَـنـسَجِـمُ

*

اسْـتـهـدَفـوك بـبـيـت الــلـهِ ، إذ غــدَروا

ما اسْـتمكـنوا منـك فـي حـربٍ، لها ضَرَمُ

*

وقــادَهـم حـِقــدُهـم، أن يـحـجُـبوا قـمَراً

فـــسـاءَ ظـنُـهُــمُ ، وانـتـابـَـهـم سـَـــقــمُ

*

الحَــقُّ يَعْـلـو، فـطُـوبى لـلـذيـن سَــعَــوا

أنْ يَــقْــتَـدوا، لِــيَـزولَ الـظُـلْـمُ والـظـلَـَمُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

في هذا السدوم المتلاطم، اطلقت كل أنواع العدسات

الى ما نحو اعمق واعمق واعمق

مجرتك التي اختبأت خلف غبار سرتك

اكتشفتها خلاياك المبعثرة

عند اعمق بقعة في الكون

مذ رأتك عيني، باتت مكفوفة الأداء

اختلت لدي جميع الصور، بل انت كل الصور في كون واحد

البحر يطير فوق اليمام، الجبل انحدر تحت الوادي، وما هو فوق المتوقع ان ارق الكائنات شكلا صارت ابشعها دمامة

كل شيء فيك وانت لا شيء في اشياء الموجودات

تائه بين حشود المجرات

في النفس العميق واعمق من الزمن السحيق

سبقت سرعة الضوء

حتى تواريت خلف تلتي السنديان

كي تتحاشى اتساع عيون " جيمس ويب "

هكذا أصبحت ممتلئة بك

احتفظ برؤياك الخاصة

والمشاهد التي تسير على ارجل النمل

تكسرت حال التصاق ذراتك باكواني

بصورة متقنة استطعت التمويه

يراك عقلي بصدقه البالغ

صورة كاذبة لما تراه عيني

في مجرة الوهم السحيق

***

رغيدة العلي - بغداد

 

إليكم سَلامٌ من دِيارٍ غريبَةٍ

سَقى اللهُ غَيْثاً خيّراً أرضَ كَرمِنا

*

أحباءَ روحي هل نسيتم طفولة ً

وأيامَ أحلامٍ لها كانَ عَهْدُنا

*

أما طارَ طيرٌ من جوار حُقولِكم

فهَلاّ سَألتم - إخوَتي عَن جراحِنا

*

قَطعْتُ بلادَ الله بَحْثاً وغربَة ً

فَلم يَحْلُ عَيشٌ طيّبٌ دُونَ أرضِنا

*

لَقد زارَني طيْفٌ جَميلٌ مُعاتِباً

حَزنتُ كأنّ اليومَ بَدءُ رَحيلنا

*

بَكيتُ ولمْ يَسْمَعْ بكائي مُهاجرٌ

وأهلي وأحبابي حزانٌ لِبُعدِنا

*

تُذكّرني الأعيادُ عاداتِ قومِنا

وتخضَرُّ للزوّار دارُ جُدودِنا

*

أعَلّلُ نفسي بَعْدَ بُعْدٍ بعَودَةٍ

فَقد أرّقَ الأحبابَ طولُ غيابنا

*

سقى اللهُ أيامَ الصِّبا، وفُتوّةً

أقولُ غَدتْ يا صاحِ ذِكرى شبابنا

*

أيا طيرُ قل لي هل نَقَلْتَ تحِيّة ً

إلى حيّنا حتى تُفرِّجَ  كربَنا

*

وبالله لو كنتم بقرْبِ دِيارنا

فنادوا بأصواتِ المَحَبَّةِ أهْلنا.

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

كتِبت  في  حزيران عام  2002

القصيدة كتبت على وزن البحر الطويل.

صديقتي الرسامة الكندية المَرِحَة

دائماً تدعوني للتنزّهِ معها

في حدائقِ و" باركات اوتاوا "

وأَعْني: عاصمةَ البلادِ السعيدة

وكانتْ تطلبُ مني مُتوسِّلةً

أَنْ أَكونَ موديلاً لها

كي ترسمَني كما تراني

وكما هيَ تُسمّيني

"Puppy"

وكنتُ كلّما أَسأَلُها

عن معنى هذا الإسمِ الطفولي الايقاعِ والرنين

كانتْ تقولي لي مُكركرةً كطفلةِ مشاغبة :

انَّه اسم حبيبي : كلبي الصغير

فأَصرخُ بها مندهشاً ومُنفعلاً :

"Puppy" أَنا

يا ابنةَ المليار كلب ؟

فتضحكً وتضحكُ

و

ت

ض

ح

ك

حتى تقعَ على مؤخرتِها المُكتنزةِ

من الضحك والجنووووووووونْ

***

سعد جاسم

2022-4-14

احدق من شغاف فوهة..عنكبوتية التصدع

مكتحلة بصمت دمعة خائبة الأنتظار

أرسمك على زجاج عزلتي تجاعيد عتمة

يؤنس وحشتي جنين ذكريات

"بأيةِ حال عدت يا عيد"*

وكي أشذب زينة آهاتي بوجوبِ فطرةَ القدرِ..

أرتجلُ هفوةَ النظر...

لاسترق روح عيد بألوان حلوى

تزاحم هدايا جيوب جَديّ

وضجيج أراجيح تغمر حقول ايام غرور الفرح

كنا نَشُمُ فجر طفولة العيد بتكبيرة وضوء أبي

فتتعطربراءة الصباح بخضاب ضفيرة أمي

نلهوا براعم نرجس ببساتين نخيل..

أ..أراني أهذي بلسان سجية أيامي..؟ وأنتم..؟

يزاورني وجع السؤال..!!

مَنْ شوه وجهَ لهفة عُشق البارحة واطفأ غُرةَ شروق غدي..؟

من يَحل لي أحجية يُتم العيد ,وسمة دمع حروفه..؟

مَنْ غير طقوس أبجدية العيد وألبسهُ عباءة حزن قاتم..؟

تغرغرني غصة الاشتياق..!!!!

فأن لأهلتُكَ شجن فراقِ

فكم من حنين عين لغائب حاضر

فعذرا ليُتمِ عيدُكَ الــــــــــــــلاذع

***

إنعام كمونة 15/ 7 / 2022

........................

* مقتبس من مطلع قصيدة ابو طيب المتنبي

 

في الأمس

أتى الصّباح مبكّراً

يمشي على أربع قوائم

اجتاز بـِ ظلاله إطار نافذتي

كنتُ لم أنتهيَ بعد من عدّ الخرفان

ولم أنتهيَ من تنظيفِ جثث الضوء من حظيرة الأمس

جثث الدقائق والسّاعات

ما زالت تحترق في موقد الأمس

باكراً أيها الصّباح أتيت

ورأسي ما زال يتسلّق هِضاب الوسادة

خرائطي لم يكتمل رسمها

قارّات الأرق ناقصة

ومدن النسيان بلا شوارع

لا تتقوس أيها الصّباح

لا تتأمر معَ وترك

لم أصبح سهماً بعد

ولن أنطلق

هنالك سماءٌ حزينة،

هاجعة خلف السياج الذي يقف عليه (القطرس)*

حزينة، السماء التي لا سماء لها

أعدْ لها (هويتها)* الأولى،

ورتّل عليها رسائلي التي لا ضفاف لها.

***

ضرغام عباس

......................

القطرس: طائر كبير يرافق السفن الكبيرة في البحار الشمالية.

هويتها: الأصل او الجذر في الحضارة اليونانية

 

أَخَافُ وَلَيْلُ الْبُعْدِ يَطْغَى وَيُشْبِحُ

وَيُلْقِي فُؤَادِي فِي الْجَحِيمِ وَيَطْرَحُ

*

أَخَافُ بِأَنْ أُلْقَى لِأَسْفَلَ سَافِلٍ

أُكَابِدُ فِي الْأَحْزَانِ لَا أَتَرَوَّحُ

*

أَخَافُ عَلَى الضِّحْكَاتِ تَنْأَى وَحُبُّنَا

بِنَارِ جَحِيمٍ مُجْحِفٍ يَتَضَحْضَحُ1

*

أَخَافُ عَلَى الْأَبْوَاقِ يَصْمُتُ شَدْوُهَا

وَنَحْيَا نُدَاوِي جَرْحَهَا وَنُلَحِّفُ2

*

أَخَافُ مِنَ النَّوْبَاتِ فِي سَاحَةِ الْهَوَى

يُسَوِّي بِقَلْبِي جِنُّهَا وَيُبَجِّحُ

*

أَخَافُ مِنَ الْأَلْغَامِ تَحْفِرُ حُفْرَةً

تُضَايِقُنَا فِي إِثْرَهَا نَتَرَنَّحُ

*

أَخَافُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَكْرِ دُهَاتِهَا

يُقَابِلُنَا فِي سَاحَةِ الْفِكْرِ مِتْيَحُ3

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

........................

{1} يَتَضَحْضَحُ

السرابُ: تَرَقْرَقَ. وـ الأمرُ: تبَيَّنَ. (تَضَحْضَحَ) السَّرابُ: ضحضح. (الضَّحْضَاحُ): ماءٌ ضَحْضاح: قليلٌ لا عُمْقَ فيه. وـ القليل. (الضَّحْضَحُ) من الماء: الضَّحْضاح. وـ (في الجغرافيا): رملٌ أو صخرٌ يتجمَّعُ قريباً من سطح الماء في بحرٍ أو نهرٍ، ويُخْشَى منه على الملاحة.

{2}نُلَحِّفُ

أَلحَفَ: (فعل)

ألحفَ / ألحفَ بـ يُلحف، إلحافًا، فهو مُلْحِف، والمفعول مُلْحَف - للمتعدِّي

أَلْحَفَ صَاحِبَهُ: اشْتَرَى لَهُ لِحَافاً

ألْحَفَهُ الثَّوْبُ: جَعَلَهُ لَهُ لِحَافاً، أَوْ أَلْبَسَهُ

أَلْحَفَ السائلُ: أَلحَّ في المسأَلة وهو مستغن عنها

أَلْحَفَ شَارِبَه: بالغ في قَصِّه

{3}مِتْيَحُ: مِتيَح: (اسم)

المِتْيَحُ: من يتعرض لما لا يعنيه فيقع في البلايا

المِتْيَحُ من الخيل: التَّيَّاح

التَّيَّاح من الخيل: ما يعترض في مِشْيَتِهِ نشاطاً، ويميل على جانبيه .

 

ايّتها اللَّحظَةُ..

اُخبرُكِ بِأَنَّ أَصَابِعِي التّي كُنتُ أُعِدّ الأَيَّامَ لِأَراكِ فيهَا..

أَوقدَتْ شُمُوعُهَا بِالحُضُورِ،

وَعَلَى عَجَلٍ أَطفأهَا الوَقتُ

بالأَيَّامِ الأَربَعة..،

يَا تُرَى لِماذَا رَكَضت كَالظّلِّ الشَّرِيدٍ وَتركَت دُمُوعَهَا عَلى خَدِّ المَكَان..، بِعبرَةٍ مُنتَقاة..

مِن وَجَعِي رَسَمتُ لَهَا حُزنًاّ

بِوَجهٍ مُر،

لِأٌوَاسي فِيهِ الشُّرفَةَ الَّتِي مَا زِلت أُرَاقِبُكِ مِنهَا..

لَرُبَّمَا يَحظى نَاظِرِي..

بِلَقطةٍ مُشتَهَاة

مَاسِكاً بِهَا قَبلَ رجُوعِهَا..

لِأُقنعَ رُوحِي بِأَنَّ هُنَالِكَ خَطَأً مَا..

فِي تَسَلسُلِ الْأَيَّامِ،

سَأٌعِيدُ فِيهِ عَدّ أَصَابِعي مَرَّةً  اخرَى..

وَلَرُبّما في لَفتَةٍ تُوقِدُ خَاطِرِي..

بِمَوَاسِمِ المَجِيء.

***

خضير الحسّاني/ العراق

حاتم جعفرغيدان أبو الراس.. هناك مَنْ يَشبههُ!!

بالكاد أكمل أبو داود عقده الثالث من العمر، وإذا أردنا النزول عند رغبته فلنقل قد بلغ الخامسة والثلاثين، رغم ان المعلومات المتسربة ومن مختلف المصادر وفي مقدمتها من داخل بيته وعلى لسان أحد أخوته الثقاة، تؤكد بمجملها بأنه قد بالغَ بعض الشيىء في حقيقة عمره، والسبب في ذلك يعود الى حرصه على التظاهر بكبر سنه، فله في ذلك أغراض ومآرب، ربما لا يرغب في الكشف عنها، قد يكون من بينها وعلى ما يمكن إستنتاجه ومن خلال بعض ما كان يفصح عنه، بأنه مستندا في ذلك الى بعض المصادر، والتي تعود زمنيا الى بواكير علاقته بالقراءة والى أحد الكتاب على وجه التحديد، ولا أدري كيف توفر على هذه القناعة، والتي مفادها بأنَّ  هناك ترابطا عضويا وثيقاً ومطردا، بين كبر العقل من جهة وعمر الإنسان من جهة أخرى، فكلما تقدم بك العمر كلما إزددت وعياً، والعهدة في هذا الرأي تعود على الكاتب(الفلتة) بالدرجة اﻷولى والذي إستشهد به أبو داود ومن ثم على صاحبنا.

الاّ أنَّ ما يكشف عن حقيقة عمره ويفضحه، وبصرف النظر عن إدعائاته والإجتهادات التي ساقها البعض وتقديراتهم، فالرجل يتمتع بمشية واثقة، ثابتة، يتميز بها عن سائر زملاءه وأصدقائه، وكل من جايله في السن وفي الدراسة وفي مجال عمله أيضا. ومن بين العلامات التي تؤكد حقيقة عمره، هو إستقامة  ظهره وخلوه من أي إعوجاج، ولم يكن يوما قد شكا منه، والذي كثيراً ما كان يثير حسد البعض و(غيرتهم) بسبب إعتداله وبمستوى مُلفت للنظر. ناهيك عن كثافة شعر رأسه وإسوداده الفاحم. ولولا بعض الإجراءات التي لابد من القيام بها، لكان أكثر من نصف وجهه قد طالته غزارة الشعر ولغطّي تماما. وإذا ما تحدثنا عن أسنانه فهي ناصعة البياض قوية، يستخدمها أحيانا في قضم وكسر بعض المواد الصلبة التي تستعصي على أسنان اﻵخرين.

وما دمنا في هذا الموضوع فلا بأس من الذهاب الى أبعد من ذلك قليلا، فالحديث عن إستقامة الظهر ستقودنا الى إستذكار أحدى الشخصيات المعروفة في المدينة والمدعو بدري. هذا هو إسمه اﻷول أمّا اﻷسم الثاني وما هو لقبه فقد نسيته. المهم في الموضوع ان هذا الشخص كان زميلا لأبو داود في المرحلة  الإبتدائية، وبسبب فشله في المدرسة وجد والده ان من المناسب جدا زجّه في سوق العمل، ليكون مساعدا له في المحل المختص ببيع الخزفيات وما يلحق بها من لوازم المطبخ، فما كان عليه الاّ أن يرضخ ويستجيب لرغبة والده.

فما يلاحظ على هذا الـ(بدري ) هو إنحناءة وميل ظهره الى الوراء، وبوضع ملفت للنظر وعلى عكس القاعدة الفيزيائية والجاذبية اﻷرضية، إبتداءا من قفى  رقبته وبزاوية حرجة، والمتمثلة بالفقرة العليا الملتصقة بالرقبة، وإنتهاءا بالفقرة العصعصية الواقعة في أسفل الظهر،  مما كان يسبب قلقا وفضولا للمارة وخاصة لأولئك الذين لم يسبق لهم أن رأوه أو تعرفوا عليه، إذ يعتقدون بسقوطه الحتمي أرضاً، أو على اﻷقل فهو موشك على ذلك. بإختصار فإنَّ مركز الثقل بالنسبة لبدري يختلف عن سائر البشر، أو إذا شئنا الدقة في التعبير فلم نصادف أحدا على هذه الشاكلة الاّ ما ندر. ولهذا السبب كانت تصل مسامعه الكثير من التعليقات السمجة، فضلا عن عديد النصائح من أجل تقويم مشيته. غير انه لم يكن ليصغٍي ولم يعر إهتماماً، لا لهذا ولا لذاك، وبقي بدري مصرا على طريقته هذه في المشي من غير  أن تصدر منه أية شكوى. ومما يزيد من حالة الإستغراب هي طبيعة حركته وكذلك ميكانيكيته في طريقة التدخين، فمسكه للسيكارة بين إصبعه اﻷوسط من يده اليمنى وسبابته وصعودها ونزولها من والى فمه، تتم بإيقاع ثابت وبفترة زمنية واحدة، تبدو وكأنها محسوبة بدقة وبزاوية لا تخطئها تقديرات بدري على الإطلاق، وسوف لن تتأثر بأي طارئ أو حادث قد يصادفه في الطريق.

زد على ذلك هو الصَمْتُ المطبق والمطلق لبدري، ورفضه التحدث وتحت أي ذريعة مع أي شخص سيلاقيه، إن كان في الذهاب أو الإياب، أثناء توجهه المعتاد، من البيت الى امحل عمله وبالعكس. وإذا كان( بدري) في مزاج رائق وهذه قد تكون من النوادر التي تحصل معه، فسيتخذ من إحدى المقاهي التي تقع على الطريق والمطلة على نهر خريسان وبعد تأكده من خلو ألارائك التي تقع على جانبي المدخل من الزبائن مجلسا له، مُمتّعا نظره في بضعة أشجار باسقات، سيصل فيئها حتى قدميه. وجلسته هذه سوف لن تستغرق من الوقت أكثر من عشرة دقائق في أحسن اﻷحوال، سيرتشف خلالها شايا حامضا، إنتبهوا معي، يرفض أن يغيره بأي مشروب آخر حتى لو كان الجو في أشد حالات سخونته أو برودته. عجبي!.

بعد بلوغه سن الرشد وحسب القوانين المعمول بها، ولعدم وجود أي مبرر يمنعه أو يعفيه عن ذلك، فقد تقرر سَوْق بدري الى أداء الخدمة العسكرية. وبعد تدخل والده القوي وبحكم تلك العلاقات التي يتمتع بها والتي تربطه بالكثيرين من أصحاب القرار، فقد أثمرت مساعيه ونجحت في إستصدار قرارا إستثنائيا من الجهة المختصة والمخولة في هذا الشأن، يقضي بإعفاءه عن أداء خدمة العلم في الوقت الحاضر ولأسباب صحية، على أمل أن يستدعى مرة أخرى بعد إنقضاء فترة التأجيل والبالغة خمس سنوات. ومن بين ما جاء في نص القرار اﻵنف الذكر وقبيل إلتحاقه، هو ضرورة إجراء الفحص الطبي اللازم وبشكل دوري، وإذا ما وجدت اللجنة المكلفة بأن حالة بدري لا تساعد ولا تؤهله لأداء الخدمة، فيمكن إعفاءه منها وبشكل نهائي،شريطة موافقة وتصديق الجهات المختصة العليا.

                                ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصة بدري دَخلت عرضا ولم تأتِ الاّ على هامش سيرة أبو داود ولا أظنها كانت بالثقيلة والمملة على مسامع القراء. على كل حال لا بأس من العودة الى غيدان أبو الراس أو أبو داود وما يتميز به، ففي ضربة حذائيه بل رجليه القويتين، ما يؤدي الى أن ُيسمع رنينها وصداها كل من كان يمشي على الأرض في الجهة الثانية من الشارع، بل وحتى مَنْ هو في الجانب الآخر من النهر والذي يشطر المدينة الى نصفين متساويين الى حد كبير. ولشدة ضربة قدميه فقد تحولت الى علامة فارقة، يتفرَّد أبو داود عن سواه، حتى تحولت الى  مؤشر ونذير قوي يُدلل على مقدمه، وعند ذاك ستتخذ الإجراءات اللازمة في كيفية إستقباله وما يمكن أن يهيأ له، فمنهم مَن كان على موعد مسبق معه، ومنهم مَن تواجد صدفة وأراد مباغتته بإحدى المفاجئات السعيدة أو قد تكون غير ذلك. كذلك فإنَّ سرعة مشيته وتزايد وتيرتها ستتفق تماما وتتصاعد مع وتيرة حماساته، إن كانت سلبا أو إيجابا. كل ما أنف ذكره عن أبو داود، يُنبأ ويكشف عن مدى تمتعه بقوة جسدية هائلة، بل وخزين كبير من الطاقة، ربما سيساعده على العيش فترة أطول وبصحة جيدة، إن لم يتعرض ﻷي طارئ أو يحصل له مكروه، لم يكن في الحسبان.

وللمزيد من الوصف، فصاحبنا يتمتع بحاجبين، حالكي السواد، كثَّين، معقودين، ملتصقين ببعضهما البعض وبوضوح لا غبار ولا خلاف على ذلك بين أي اثنين، ولا يحتاج أي شخص الى كثير عناء ليتأكد من ذلك ومن أول نظرة، بل بإمكانك وإذا ما نسيت كنيته المتعارف عليها بين زملائه وأصدقائه، ودون سابق تفكير أو تردد وبثقة عالية بأن تناديه بغيدان أبو الحواجب، رغم عدم تفضيله لهذه التسمية، بل يعتبرها إنتقاصاً وتقليلا من شأنه إذا ما قورنت بلقب ابو داود، المحبب والمفضل من لدن والدته بالدرجة الأولى، ولوقعه الخاص ورنينه كذلك والذي سينطوي كما يعتقد على كل أسباب القوة والهيبة والمكانة لشخصه بين الناس.

وإذا ما أردنا الخوض في الجوانب السلبية من شخصيته، فصاحب السيرة ينقصه الصبر وطول الاناة، لذلك تراه سريع الغضب، عنيف في ردات فعله. ستظهر دلالات ذلك على حركة يديه وتفريكه المستمر لهما ببعضهما البعض، خاصة إذا ما تصاعدت درجة إنفعاله وإنغماسه في الموضوع الذي يتناوله. وزيادة في القلق وعدم الإرتياح فستصل مسامعك طقطقة أصابعه العشرة وﻷكثر من مرة. كذلك ستجده متلفتا وبكل الإتجاهات وعلى غير هدى. وستظهر أيضاً علامات ودلالات غضبه وعدم رضاه عمّا يدور من نقاش على حركة إحدى سبابتيه، فكثيرا ما يرفعها ويهزها هزا، وبمشهد يوحي لمن لا يعرفه بأنها تنطوي على تهديد من نوع ما، كذلك تُعد مؤشرا قويا على وجود خلاف حاد، بينه وبين غرمائه في الرأي، وليس من السهولة حلَّه أو حسمه.

اﻷنكى من ذلك هو ترافق إنفعاله مع بعض الكلمات التي كان يصدرها، هادفا وعلى طريقته إقناع الطرف الآخر برأيه وبأي ثمن كان. لم أعد أتذكر أي من السبابتين، اليمنى أم اليسرى التي كان يستعين بها حين دخوله في  معمعة الجدل وتصاعد مستوى الخلاف وبلوغه ذروته، فقد مضى على ذلك دهراً، فربما كان يستخدم يمينه وهذا هو أغلب الظن وأرجحه. المهم تراه كذلك مشمراً عن ساعديه ومع أي إنعطافة أو رأي يتقاطع وما يحمله من تصورات يعتبرها مُقدسة وثابتة، غير قابلة للتغيير أو الطعن أو الإضافة، حتى لو أتت في بعض اﻷحيان على شكل إضافات أو إيضاحات، ستصب لصالحه وداعمة لرأيه. بالمختصر المفيد فإنَّ أبو داود وإذا ما دخل في مناقشة أي موضوع جدي، فسيتحول العالم الذي أمامه الى ساتر من العتمة، ستحجب معه الرؤيا تماما، مما سيؤدي به ﻷن يقع تحت تأثير فقدان السيطرة والتحكم بما سيخرج به من قول ورأي.

ورغم إنفعالات أبو داود وردات فعله السريعة التي يتميز بها عن الآخرين، الاّ انك لم تجد بين أقرانه أو معارفه، القريبين منهم على وجه التحديد وقسم من البعيدين كذلك، مَنْ لم تَرقْ لهم صحبته وأحاديثه. ولكي نكوّن فكرة كافية الى حدٍّ ما عن بعض طباعه فلا بأس من الغوص أكثر في شخصيته. ففي بعض الأحيان وعندما يصل مسامعه بأنَّ فلان الفلاني عاتب عليه بسبب ما صدر منه على في الليلة الفائتة أو اللقاء السابق بحقه، من كلام وتصرف لا يليقان به، يردُّ عليه وعلى كل مَنْ يخصه الأمر كذلك، على النحو التالي: اللي يعجبه خل يتحمل واللي ما يعجبه خلي يطخ راسه بالحايط. مضيفاً وبالعربي الفصيح: هذا أنا وما يصدر مني أنا المسؤول عنه، ومَن يريد سماع رأيي فليتحملني، وأمّا مَن لم يرد، فليضرب رأسه  بأصلب جدار، حتى لو كان قد بني من الاسمنت الخالص.

كذلك ستظهر علامات توتره وبشكل أوضح على القسم المدبب والبارز من أنفه رغم صغره، حيث ستستقر قطرات التعرق هناك، وستبدأ بالنزول، لتتراوح كميتها وتتناسب مع درجة إنفعاله. وبعض منها ستعلق بين شعيرات أنفه وأحيانا ستأبى المغادرة، حتى وإن انتهى الجدل الدائر وبسرعة لصالح أبو داود، ليشد ذلك المشهد إنتباهك ومن حيث لاتدري ومن دون أن تكون راغباً فيه. وفي أحيان اخرى وبسبب من إحتدام النقاش وإستغراقه وقتاً أطول مما هو مفترض، فستجد تلك القطرات قد إزدادت كثافتها وأخذت بالتدافع فيما بينها، ولم يظهر حتى اللحظة من مؤشر يدلل على إنقطاعها وتوقفها. وكي نكون منصفين في تقييم الرجل ولطالما نحن بصدد التوقف عند ظاهرة الإنفعال، فحتى أثناء الحديث عن بعض المناسبات السعيدة، فإن ردود فعله ستجدها ظاهرة بشكل جلي على تلك اﻷجزاء من جسده والتي توقفنا عندها. 

لذلك وتداركاً لحدوث أي نتائج غير سارة أو غير محسوبة بدقة سلفاً، أو خشية حصول ردات فعل لا تُحمدُ عقباها، فستجد بأنَّ أكثر أصدقاءه ومعارفه، قد لجأوا مضطرين الى التزام جانب الصمت أثناء إثارة أي موضوع للنقاش فيما عدا بعض الحالات النادرة. غير أنَّ ردات فعل ابو داود أزاء عدم الإستجابة له أو ﻷحاديثه، لم تدفعه الى التوقف عما يريد الخوض فيه، بل بالعكس، فستجده متجهاً نحو المزيد من التمادي في طرح ما يشاء، والتي ستحمل بين ثناياها الكثير من المغالطات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وعلى العكس من الصورة النمطية التي اعتدنا عليها، فمَنْ يرى أبو داود في ظروف من الهدأة والإسترخاء، وإذا ما ابتعدنا قليلاً عما يُنغصٌ عليه ويستفزهُ، كذلك إذا ما تجنبنا الحديث معه في أمور تستدعي منه النظر اليها بجدية ومسؤولية، فستجد نفسك أمام انسان آخر تماماً، سيجبرك هذا على تغيير وجهة نظرك فيه، فبراءته ربما تفوق براءة طفل لم يبلغ بعد الثامنة من العمر، فما يأتي على لسانه لم يكن الاّ ما يعتقده صحيحاً، من غير أن يوارب أو يجامل، ولكي تفهمه جيداً فما عليك الاّ أن تستقبل ما يصدر منه بحسن نية ليس أكثر. 

وعن صحبة أبو داود فستؤنسك بلا شك إذا ما أحسنت التعامل معه أو إذا كنت من النوع الذي لا يناكد، ففي قلبه ما تطيب له النفوس وتنعم. ما حيلتك! فهناك أناس جبلوا على بعض من الطباع (العصية والصعبة)وكبرت معهم، منهم مَنْ رآها تُقَطعُ الوصل والود، ومنهم مَنْ رآها غير ذلك، ولكل امرئٍٍ ما يشاء من الرأي. وطالما حديثنا عن طيب الذكر أبو داود، فلا بد من القول وقد يختلف البعض مع ما سنذهب اليه، فهو من النوع الذي ينتمي الى الصنف المريح من البشر، على الرغم من كثير العلل إن سمّيناها عللا.

كثيراً ما تسائل أصحابه في سرهم وفي غيابه: ما الذي سيخسره أبو داود لو كان قد خفف من درجة حماساته وإنفعالاته أثناء نقاشاته؟ ماذا لو قلل الكلام في السياسة وراح أبعد في تنوع أحاديثه؟ أما كان قد أراح باله وأراحنا!. ماذا لو أرفق ما يريد قوله ببعض من دعاباته وروحه الطيبة؟ ماذا لو أسمعنا وأتحفنا بما تجود به حنجرته من عذوبة؟ لماذا ظلَّ كاتما على جمال صوته؟ ألم تسمع بحكمة ذلك الزعيم الذي قال: السياسة بلا أدب وفن ستصدأ. لا يهم من قالها، غير انها جاءت على ألسنة العديد من القادة السياسيين، حتى من قِبل ذلك الصنف الذي أتهِمَ بالجلافة والتحجر وضيق اﻷفق والرؤيا. أمّا عن أبو داود وخلاصة القول، فالرجل يتمتع بقلب رقيق ورهيف، وكان له أن يزداد جمالا، لو قلل من حدة الكلام في أحاديثه، ولزدادت حلاوته حلاوة، ولزددنا إقتراباً منه أكثر فأكثر.

***

(فصل من رواية)

حاتم جعفر - السويد / مالمو

 

وأنا أصحُو مُبكِّراً

على غَيرِ العادةِ

أنَّ الطيورَ تقفُ

دقيقةَ حِدادٍ

لتصدعَ منارةً

وأنَّ الجسورَ

تَلفظُ المارَّةَ

أصحابَ

البشرةِ الشقراءِ

ومَن تزيَّنوا بدِهانِ العصرِ

ما بالُ أصحابِ

السِحنةِ السمراءِ

يَتزاحمونَ ليُغلِقوا الجسورَ؟

بعضُ الموتى

يَتزاورونَ في المقابِر

ليسألُوا عن أحوالِ الطقسِ

وألوانِ العَلمِ

على سُطُوحِ المبانِي

عناوينُ الكتبِ تبدُو مذعورةً

لتَختبِئَ في أقبيةِ الدواوينِ

وإنَّ المارَّةَ

يَبتسمونَ لبعضِهِم بودٍّ ورَوِيَّة.

***

كامل فرحان حسوني... من العراق

 

أسوأُ بلادٍ تلكَ التي تأتي بالغربانِ

تذبحُ الحمامَ

تعلقُ في بواباتها أجنحةَ العنادلِ

ترشُ الدمَ  تقتلُ الاحلامَ

هنا هذهِ الارضُ لم تكنْ بكراً

لوثتها خفافيشُ الدنى

وتوارثتها جحافلُ البعثِ البغيضِ

بقايا السلاجقةِ

بقايا البرامكةِ

آهٍ على ارضٍ لا وسادةَ لها

كي  تستريحَ وتنامَ

*

ممسوخٌ فيها النهارُ والليلُ

يتساويانِ بالدجى

وجهُ الاباءِ هنا بلونِ الترابِ

سألتْ احدهم ما أسمُ وليدكَ

قالَ حزينٌ

وأسمُ زوجتكَ

وأسمُ ابنتكَ قالَ حزينةٌ

إنهم ورثةٌ ام وجدتْ اسمائهنَ حزينةٌ

أما أبي الذي يعتمرُ عقالَ العزةِ

علمنا انْ ننامَ

ويحرسنا ضوءُ القمرِ

القمرُ الذي فرشَ الارضَ للزعيمِ

ويقول ابي انَّ الشعبَ

كتبَ عليه عاشَ الزعيمُ الذي لا يضامُ

*

ابي لا يشربُ الخمرَ

يشربُ الشايَّ حتى يثملَ

ايثملكَ الشايُ ياشيخنا

قالَ  ولمَ لا وصورةُ الزعيمِ

ترنو لنا من صحنِ الشايِّ

إنهُ خمرةُ حبنا الازليةُ

جُنَّ ابي حينَ ماتَ الزعيمُ

كتبَ في وصيتهِ

كلما يطلُ تموزُ انحروا للزعيمِ

أضحيةَ فداءٍ وصوموا له الفَ عامٍ

لن تجدوا بعدهِ نبياً للفقراءِ

***

عبدالامير العبادي

 

محمد الدرقاويصباحا، ومن أول ماتضع قدمها على باب الخروج، تجده متربصا مترقبا، يتطلع اليها فيتبسم في غرور، أو يكشر في عناد، حسب مزاجه، فكل يوم وله تدفقات هي ما تعكسه بنيته النفسية..

.. تتجاهله، فتسرع الخطى للحاق بصديقتها الساكنة في ادار المقابلة، يسيران معا وبينهما تسري كلمات تضحك لها عيونهما، كأَن كل منهما تنبه الأخرى الى التبيع العنيد بهمهمات..

يقترب حينا منهما فيرمي تحية الصباح، حتى اذا تجاهلاه، تقدم منهما مصرا على ان يتلقى ردا:

ـ الصباح لله ومن قلة الأدب الا تردا التحية !!..

تسارع التلميذتان الخطو خوفا من أن يمد يده او يطلق لسانه بالشتائم بعد أن يكون قد رمى عيونه بالتحدي..

كم تجرعت نجلاء من لحظات غضب تطأطئ لها الرأس، عساها تمر كغيمة سريعة بلا مشاكل.. فهي تتفادى عيون الرقباء من الجيران والذين يؤولون كل سلوك قد يحيد عن أخلاق الحي ؛كانت زينب صديقتها كثيرا ما تقول لها:

ـ لاتردي على كلامه فلن نستطيع مواجهة رحى فمة، مع الأيام سيمل ويختفي..

لكن نجلاء كانت تدرك أنه عنيد وقح، فليست السنة الأولى ولا الثانية التي يلاحقها فيها وهذا مايراكم قلقها ومخاوفها كشبح مرعب يلازمها يوميا لا يكل ولايمل..

صباح مساء، يتبدى على وجهها كقدر محتوم من لحظة خروجها من البيت الى ان تلج باب الثانوية..

ـ مقرف ممل ما يمارسه يوميا، يحرض سهام عيون التلاميذ نحوي..

تخفف صديقتها من قلقها:

ـ كل التلاميذ يعرفون أنه أحمق مجنون، فلا احد قد يتابعك بتحريض او قلة احترام، الكل يقدرك ويعرف أصلك..

يصلان باب الثانوية، فيتجاوزهما مقتحما الى الداخل تحت تصفيقات السخرية من بعض ألتلاميذ، وضحكات الاستهزاء والاستنكار من أخرين، فكل تلاميذ الثانوية يعلمون أنه أهبل مغرور، مجنون بنجلاء متيم بها، مهووس بحبها..

كثيرا ما نبهه بعض العقلاء من التلاميذ الى ان ما يقوم به لا يليق بتلميذ يحترم نفسه، وعليه ان يتراجع عن مضايقتها و اقتفاء أثرها يوميا كذيل تبيع، لا يهتم بدروسه، ولا يحاول أن يغيرمجرى برنامجه اليومي بكد واجتهاد وبذل الجهد عساه يحقق مستقبلا لنفسه أولا، فعناده يعكس صورة عن الرجل الذي سيكونه مستقبلا حتى ولو اشتغل وخطبها، فلا أنثى تقبل برجل عنيد يقمطها في ما يمارسه من متابعة وعنف لفظي، وبالطريقة الاندفاعية القاسية التي يريد أن يفرض بها نفسه و حبه عليها..

كان لا يبالى بما يقولون وما ينصحون، كان يتوهم أن كل واحد منهم حاسد كذاب يريد أن يبعده عن نجلاء مكرا منهم لانه الوحيد الذي بادر الى حبها من سنوات الاعدادي، وتصدى لكل من يحاول التقرب منها، وله وحده الحق في أن يتملكها..

الكثير من التلاميذ كانوا يستغربون والأسف يملأ صدورهم من هذا العناد والأفكارالرجعية الخاطئة والنرجسية المتفاقمة التي يريد أن يستحوذ بها على أنثى يدعي حبها فتدفع به الى محاصرتها باسم الحب وهو يدرك أنها لاتهتم به ولا تبادله عاطفة ولا رغبة، وفوق هذا وذاك فالبون شاسع بينهما على المستوى السوسيو ثقافي..

وحتى وهم يسلمون بجنونه الخاص فما ذنب نجلاء التي صارت تخشاه مهددة بتجاوز يسيء الى سمعتها كفتاة تنتمي الى أسرة عريقة مشهود لها بالطيبة والعلم وبمركزأبيها الاجتماعي المتحضر..

اطلت أم نجلاء من نافذة المطبخ بعد أن تفاجأت بطرقات على الباب، كان الطارق شابا أثارها بتقليعة قصة شعره التي تشبه عش اللقلق فوق صومعة مهجورة، سالته من النافذة عمن يكون فاتى رده آمرا جافا:

ـ بغيت أبو نجلاء !!..

أخبرت ام نجلاء زوجها الذي فتح الباب للزائر، رحب به ثم سأله عن سبب الزيارة.

أشحن الرد من الزائر استغراب الأب:

ـ جئت أطلب يد ابنتك نجلاء

المفاجأة مثيرة، لكن ذكاء الأب، ثقافته وخبرته لم تخف عنه أن الواقف أمامه، وقد تملاه بنظرلا يتعدى أن يكون مراهقا معجبا بنفسه، عاشقا متيما، لم تكتمل فيه تربية و لا يقدر مسؤولية، يفتقد ذوق الرجال والأصول و حس التقاليد والعادات، فوقت الزيارة غير مناسب، والخطبة ليست عبثا قد يتسع في عين مراهق فيأتي خاطبا وحده، لهذا يلزم أن يجاريه حتى يعرف ظروفه وما يحيط به ومن يكون؟. رحب به ودعاه للدخول..

انتفخ العاشق من وهم ما ابداه أبو نجلاء من ترحيب، فخطا البهو الى الصالون في مشية وئيدة حتى اذا جلس واستقام أحس ان أبا نجلاء يتفحصه بقراءة معمقة تخترق دواخله قبل أن يمزق الصمت الذي ران بينهما فيخاطب زائره: نعم أسمعك

وبثقة مغرور عنيد بما اقدم عليه يقول:

أنا تلميذ في الثانوية مع نجلاء، أحبها وأريد الزواج منها..

يتبسم الأب تبسم رجل حليم، حصيف وقد اختزن سخرية غابت عن مدارك الضيف النزق الأهوج وما يعلنه من سخافات:

ـ مرحبا، يوم سعيد، زارتنا البركة، لكن عرفني بنفسك أولا وبأهلك واصلك !!..

يرد العاشق وقد توهم ان الجالس أمامه هين سهل:

اسمي بوشتى، ابي هو مقدم حي النهضة الجديد وأمي هي الضاوية العريفة..

أسِر أبو نجلاء ضحكة استهزاء مريرة مغالبا عليها نفسه حتى لا تنفجرفي وجه ضيفه الأرعن، وقال: اهلا !!.. حصل الشرف بمعرفتك ؛ ونعم الأصول، لا شك أنك هيأت سكنا؟ ولك دخل يكفيك ونجلاء؟

تلفت بوشتى يمنة ويسرة يمسح ارجاء الصالون بعينيه فرأى أفرشة من حضارة عريقة، أناقة ونظافة ونسمات معطرة ماتعود عليها أبدا في بيته ومحيطه الأسري، كتم مشاعره بحسد وحقد في صدره، ورد بنوع من الغموض والتحدي:

ـ بيتنا كبيرمن خمسة وستين مترا مربعا !!.. عمي الاسكافي الذي يفترش راس درب النهضة يسكن الطابق الأرضي، ونحن في الطابق الذي يليه ويستطيع أبي ان يضيف طابقا آخر، أما عن النفقة فدخل امي وابي كافيان لهما ولي أنا ونجلاء..

تململ الأب في مكانه، مستمسكا بوقاره وصبره، ودون أن يحقر القحط الذي لفح وجهه مما يملأ نفس الجالس أمامه وهو يخال أن ما تتوفر عليه اسرته رفاهية وقوامة، غائبا عن حقيقة مرض نفسه.. وضع أبو نجلاء مخدة اعتمدها تحت يده، تنهد و هو يتطلع الى المخلوق الذي أمامه.. معذور !!.. "طفل يتغذى من تربية القهر والتسلط والغبن ما تعود الا أن يرى كل حقير تافه ضخما ثريا في عينيه.. قشة التبن في عين نملة، ما اعظمها !!.. "

ـ اسمع أولدي وانتبه لما سأقول !!.. أنت لازلت طالبا، وامامك زمن طويل لتعتمد على نفسك، ويوم تكون قادرا على تحمل مسؤوليتك اعتمادا على مجهوداتك الذاتية بلا تبعية أو اتكال على أمك وأبيك فمرحبا بك. ثم وقف معلنا انتهاء الزيارة..

من غرور بوشتى واعتداده بنفسه لم يقتنع برد الاب فقد حاول أن يضيف توضيحات، فيقاطعه الاب في لباقة وضحكة باهتة تغطي غليان صدره:

ألا ترى أن الوقت متأخر، ولا اشك ان عقلك مشغول بكثير من الرغبات والاحلام والأماني، لنترك ذلك الى ان تحقق أمل ابويك فيك ان شاء الله بشهادة عليا، وعمل يحقق لك ملكية بيت أكبر من بيت اسرتك ذي الستين مترا..

يوصل أبو نجلاء الزائر الى الباب فيشيعه بازدراء مودعا بتحية وتنهيدة أسف وراحة بعد جهد..

رغم ما اعتمل في صدر أبي نجلاء من أحاسيس الحنق والغضب الذي جاهد النفس في كتمانه، فقد كان يدرك أن الزائر إنسان مقهور، ذو مزاج موروث عن بداوة جافة، تختلف عن غيره من التلاميذ الأسوياء العاديين، من يعرف آباءهم وذويهم ومن لا يعرف، وهو مزاج تجذر غامضا في ذهن طفل ابعده عن التمييز بين حقيقته وحقيقة غيره ممن غسلت المدنية والتربية أدران رواسبهم، وما زيارته بلا تقدير للعواقب الا أمنية خفية تشكلت كعقدة صغيرة من طفولته، ثم تنامت مع الأيام كون ما يقرره أبواه هو السليم الصحيح، وما يمارسانه هو السلوك القويم، وما يملكانه هو الجاه والغنى والنُّهى الذي جعل البعض يرتهب ويخشى الاحتكاك بهما، هو ذا جفاف التربية الذي يلحق بالطفولة، جناية تتعاظم عقدها الى أن تصير إرهابا او معاودة انتاج في اقل تقدير اذا لم تجد من يقومها بعلاج.. مثل هؤلاء لا يمكن أن يتعلموا أو يحققوا طفرة تقدم في حياتهم المدرسية او العملية..

لم يحتج الأب كبير وقت ليفهم من بنته ظروف الزائر ورأيها وما تعانيه منه يوميا، وحيث أنه يثق بها وبسلوكها فقد اكتفى بتحذيرها الا تدخل معه في تحد اومناوشات كلامية قد تفقده السيطرة على سلوكه، لكن هذا لم يمنعه أن يزور مدير الثانوية الذي أخبر أبا نجلاء أن التلميذ شرس عنيد سيئ الخلق، يتحدى الكل مستغلا مهمة أبيه ووظيفة أمه، لكنه طمأنه ان الإدارة لايغيب عنها سلوكه وهي تتابع حماقاته بكل احتراس خصوصا وان البنت رزينة، مؤدبة تحترم نفسها وتتعامل بتعقل وحكمة..

ليلة قضاها بوشتى مع أحلام العصافير، فكل ما واجهه به أبو نجلاء من رحابة صدر وصبر وأدب وحسن توجيه، توهمه بوشتى كبرا وتكبرا من الرجل ظل يحفر في صدره بحقد وغيرة على اليد العليا التي رفعها أبو نجلاء بما يملكه..

ـ " تعمد تحقيري وتصغير عائلتي رغم مسؤولية أبي كمقدم للحي وأمي العريفة "، تبنٍّ لقيم أبيه وأمه وما يمارسانه من خروقات في أكثر الأحيان، فهما في عيون بعض ضعاف النفوس من الطبقات الشعبية المقهورة سلطة تحكمية تثير الخوف والاحتراس وتفرض الكثير من التملق، والتقرب بالعطايا والهدايا عند كل حاجة معلومة.. أليس هذا هو السلوك الذي صنع اصناما بلاعقل ولاتفكير ولا تمييز بين حقيقة الذات والغير؟؟..

يسترجع بوشتى كلمات والد نجلاء التي فرضت عليه أن ينصرف من عند ه مهزوما مدحورا بلا وعد يرجى في غد، فيغلي يحموم جهل وحقد وغل في نفسه، وهذا معناه ألا أمل في الحلم بحبيبته أو الظفر بها ذات يوم، وزاد في حنقه ونقمته، ماضاق له صدره من المصاحبة اليومية التي صار يلازمها أبو نجلاء لابنته حين تخرج صباحا من مرأب البيت داخل سيارة ابيها، ثم حين تنتظره بباب الإدارة الى حين ظهور سيارته عند الإياب، فقد أحس الأب بخبرته ان سلوك بوشتى مهزوز قد يؤدي به الى ارتكاب ما لا يخطرعلى بال أحد..

شرع بوشتى يباغث نجلاء برسائل على الوات ساب بين حين وآخر مما جعلها تغير شريحة هاتفها.. بل وتشتكيه الى الإدارة التي منعته من الدخول الى الثانوية الا بعد حضور ولي أمره..

ذات صباح وجدت نجلاء في قمطر مقعدها بطاقة مكتوب عليها:

"اريد ان اراك اليوم فان لم تنتظريني وحدك فانت من يتحمل مسؤولية ذلك، أحذرك !!.. "أوامر لن تصدر الا عن مغرور مجنون يتمركز حول ذاته في جهالة جهلاءونرجيسية مقيتة ؛مزقت نجلاء الورقة ورمتها قلب القمطر، اقبل والدها مساء كالعادة، أركن سيارته قريبا من باب الثانوية ينتظرها، وهي تقطع المسافة من باب الإدارة الى السيارة، وكما ينبعث جني من تحت الأرض يبرز بوشتى من بين التلاميذ ويشد نجلاء من خلف مطوقا خصرها بحصار من ذراعه، معاناته الوجودية تحرق صدره باجتياف، فلا تلفه غير مشاعر اليأس والدونية، يطويه اليأس، ويحفر في قلبه حقد مما رآه في بيت نجلاء من اناقة وتنظيم ونظافة.. وفي لحظة يستخرج سكينا من تحت ثيابه يحاول نحر نجلاء، يهوي عليه طالب كان يتابع المشهد من عل، فتطير السكين من قبضة بوشتى ويرتطم راسه بعمود اسمنتي، فيفور دمه، وتخور قوته، يلتف حوله التلاميذ فيطوقونه بحصار، وتصاب ركبة نجلاء بكسر، فتسقط أشبه بصريعة بلاحراك تتفجر دماء مرفقها الأيمن..

لم يكمل الاب المسافة القصيرة التي تفصله عن نجلاء من سيارته اليها حتى سقط مغشيا عليه فاقدا وعيه،.. ولم يفق من غيبوبته الا بعد أيام أتت اليه نجلاء لزيارته على كرسي متحرك.. .

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

صفاء الصالحييمسح بيمينه ذقنه الذي غزاه الشيب مبكراً، ويطالع صورة أولاده الأربعة المنثورة أمامه على الطاولة، يفرز منها صور أبنه البكر، ومع كل صورة يفرزها ينظر إلى الأعلى واليمين ثم يضعها جنباً بعدما تثير في ذهنه بيادر ذكريات حملتها، ثم يفرز أخرى حتى وصل إلى أخر صورة التقطها قبل حفل تخرجه يوم غد.

تلصصت عينا شقيقه من خلف رأسه على الصورة الأخيرة قبل أن يقبلها ويضمها إلى صدره بإحساس عميق تسربل بالفخر.

نهض وقد مُلىّ وجهه حبورا، فأوقد شمعة بنفسجية، وطاف أرجاء البيت تمعن أركانه ودقق في الوجوه، وحالما انتهى بمواجهة شقيقه بادره الأخير:

- صباح الخير؛ أراك على غير عادتك هذا الصباح! لم أرَ ابتسامة تعلو وجهك كل الذي أراها اليوم؟

تبهج ورد بحبور:

- زفرات هموم كانت مكتومة طردتها شهقات محملة بلحظات سعيدة انتظرتها طويلاً.

- آه.. كنت أجاهد دوماً لأصد عنك غارات الهموم التي أخفقت قلبك العليل.

- علينا أن نتقبل الحياة كما هي بفرحها وحزنها، وخيرها وشرها، ونتصالح مع أقدرانا.

- الأفراح تعيننا على تحمل قسوة الأقدار، وما نفقده في الدنيا ليس غاية الفقد، لأن الربح المؤجل أكبر بكثير.

تبسم ابتسامة خفيفة تساوت به زوايا شفتيه وضيقت العينين

- لا بأس. قد أسقطت فرحة تخرجه معظم صواريخ الحزن، وليكن الفرح ميراثنا المقدس.

- لكن! لمَ لا تبدو عليك علامات الاستعداد لحضورك حفل التخرج؟

- يبدو أن الجامعات تتجاوز جميع القيود التي تفرضها حتى المبتذلة والتي تتعارض مع الذوق العام؛ إلا في عدد الحضور الذي اقتصرته على شخصين فقط، وأني زاهد بهذا الفرح لأجلك؛ عسى أن تنفض رماد المرض الذي التصق بك منذ فترة.

ثم رمقه بنظرة ممزوجة بالأسف والسرور، وسقطت منه دمعة وانصرف يردد سأغيب جسداً وأكون بينكم روحاً.

ما إن انصرف استفاق شقيقه على صوت نداء:

- قد تأخرنا يا عم عن موعد الاحتفال. 

في الطريق يروي أبنه الأكبر رؤياه لأبيه، وقد بللت دموع الفرح التراب المحيط بخده في القبر .

***

صفاء الصالحي

 

راضي المترفيلا يعرف لماذا تم اختياره ضمن مجموعة حزبية لا ينتمي لها او لغيرها وحاول الاستفسار وهو في حوض سيارة عسكرية كبيرة لكنه تردد خوفا من اثارة الحساسية ضده وعند دخولهم صالة المطار العسكري طلب منهم التخلي عن ملابسهم العسكرية وتسليمها لأحد المسؤولين بعد كتابة الاسم عليها.

. كان صوت المضيفة حادا رغم الانوثة التي فيه وهي تطلب من المسافرين ربط الأحزمة والطائرة على وشك الإقلاع وترك المدرج وبعد ربط حزامه عاد بذاكرته إلى الأيام الأولى من خدمته العسكرية حيث تم سوقه مع الخريجين والمزالة اعذارهم في منتصف تشرين الأول إلى مركز التدريب وبعد أيام وقع عليه الاختيار ليكون ضمن دورة الضباط الاحتياط لكن الضابط المسؤول اعاده إلى مكانه بعد السؤال عن درجته الحزبية فأخبره أنه (مستقل) بعدها جاء فريق آخر لانتقاء عدد آخر لدورة القوات الخاصة فتم اختياره لما له من جسم رياضي متناسق ووسامة ولم يسأله الضابط المختص عن درجته الحزبية وتوقف عند أيام الدورة الطويلة وما فيها من تعب وجوع وعطش وعقوبات ثم حرك رأسه موافقا على انها كانت مفيدة وصنعت منه رجلا صبورا على تحمل المشاق وتعلم فيها الكثير من الأمور ربما أهمها كان كيفية التعامل مع السلاح واستخدامه في المعركة وابتسم لنفسه متفاخرا يوم حصل على المركز الأول في الدورة بين أقرانه

. قطع سلسلة ذاكرته أمره المباشر بزي مدني وهو يسلمه جواز سفر باسمه وصورته مؤشرا عليه تاريخ مغادرته البلد ، هنا عرف ان الرحلة ليس داخلية وانه مسافر نحو المجهول ضمن مجموعة كلفت بواجب حزبي أكثر منه عسكري مما يجعل الخطر مضاعف وفي حالة تعرضه لمكروه فإن الجهة التي أرسلته تتنصل من مسؤولية ارساله وفضل الموت على الوقوع في الأسر في حالة وقوع الاشتباك مع عدو يجهل كل شيء عنه وكلما حاول الاستفسار عن الواجب ومكانه تردد خوفا من اثارة الشبهات في نواياه وعند توزيع وجبة الطعام في الطائرة جلس بجانبه أمر المجموعة وهو رجل في نهاية الثلاثينات من عمره مكتنز معافى ذا بشرة بيضاء مشربة بحمرة وكلمه بلكنة أهل الموصل ثم أخبره أن الاختيار كان للحزبيين فقط لكن كونك عسكري جيد وخلوق وتجيد استخدام أكثر من سلاح وقع عليك الاختيار ونحن ماضون إلى لبنان لتنفيذ واجب قومي هناك.

. في مطار بيروت سارت الأمور بشكل اعتيادي وكان في استقبال المجموعة قياديين من أهل البلد ثم خرجت المجموعة من المطار بباصات صغيرة إلى إحدى الضواحي البعيدة نسبيا عن مركز المدينة وفي بعض منحنيات الطريق سمع أصوات تراشق بالنيران مما جعل الصورة المرسومة في مخيلته لجمال بيروت ودلع صباياها وإمكانية إقامة العلاقات معهن تتبخر مع صوت الرصاص المتطاير من عدة اتجاهات.

. بعد استراحة قصيرة في السكن جمعهم أمر المجموعة واعيدت لهم ملابسهم العسكرية وسلم كل فرد سلاح شخصي (مسدس) وبندقية (كلاشنكوف) وأربعة مخازن ذخيرة ومبلغ (١٥٠) دينار لكل فرد لشراء ملابس ولوازم واحتياجات وتم تقسيمهم إلى مجموعات صغيرة وكانت مجموعته تتكون من عباس القادم من أطراف (بيجي) وثامر القادم من منطقة المحاويل في بابل وسالم من المحمودية بعدها بلغ الأمر بعدم ارتداء الملابس العسكرية الا بأمر وعند تنفيذ واجب معين وشدد على الحرص في التعامل مع السلاح وحذرهم من ان ليس بيروت وحدها إنما كل لبنان هي ساحة تزدحم بالاضداد ولا يعرف فيها العدو من الصديق ثم تركهم لرفيق من أهل البلد يعلمهم كيفية التعامل مع الوضع القائم وتقاسيم المنطقة وأماكن التواجد لكل الفرقاء وتحديد المناطق الأكثر خطورة. بعد انتهاء اللبناني من كلامه ابلغهم الأمر انهم هنا لمدة لا يعرفونها وعليهم انتظار الأوامر من بغداد وطوال فترة البقاء تصرفوا كسياح عراقيين في لبنان لكن مع توخي الحذر مع ملاحظة أن الكثير من النساء يعملن لحساب جهات مختلفة.

. في أول ليلة له في بيروت تجول بين ساحة الحمراء والروشة وشارع المصارف وتمنى لو انه وجد مارسيل خليفة واستمع له وهو يغني في ساحة الحمراء وشغل كثيرا بالمزاوجة الصعبة بين الحرب التي يدمر قبحها كل جمال وبين الحياة التي تحاول عدم التوقف بسبب الحرب في مدينة تشبه سوق الغزل في بغداد حيث تتجمع فيه كل أنواع الطيور مع فارق أن طيور سوق الغزل جاء بها صائدوها رغما عنها في حين تأتي طيور بيروت برغبتها وكم كان يستمتع بالنظر إلى مجموعات الصبايا وهن بين شقر وسمر وخمريات وحنطيات وسوداوات ويقطعن الشوارع او يتجولن في الأسواق مؤطرات بخوف ويتقافزن مثل الظباء عندما يئز الرصاص بين حين وآخر.

. مرت أربعة أيام دون أن يظهر في الأفق ما يشير إلى انهم يرحلون قريبا عن بيروت او يقيمون طويلا فيها وفي اليوم الخامس دخل أحد المقاهي فوجد فيها ثامر ومعه فتاة خمرية البشرة فعرفه عليها وأخبره انها صديقته منذ يومان وأنها دعته للذهاب معها إلى شقتها والمبيت عندها ولم يبدي رفضا او قبول ثم استاذنهم وخرج ليكمل تجواله في الشوارع بعد أن تعرف من خلالها على كثير من العراقيين والذين أصبحوا يشكلون علامة فارقة في المدينة وأغلبهم ينتمون لليسار فيهم الشاعر والفنان والكاتب والمنتمي واللامنتمي وأصبح اقربهم اليه شاعر من البصرة وتمكن هذا الشاعر من رسم طوبغرافيا شاملة للمدينة وتواجد الآخرين فيها لكنه لم يطلع الشاعر على شيء لأنه لا يعرف شيئا بالمطلق عدا انه وجد نفسه في بيروت من خلال شطحة زمنية.

. بعد تسعة ايام أصبح على معرفة تامة بالمدينة وأخبارها وأماكن تمركز الجهات المتحاربة وميولهم واسماء بعض القادة والعناصر المؤثرة في كل جبهة ثم رسم لنفسه مسارا ان لايبني علاقة مع طرف وان لا يكون قريبا من أحد ولا يتدخل حتى في نقاش مع طرف في مقهى وان يظهر بمظهر رجل غني جاء إلى لبنان من أجل الاستمتاع وقضاء الليالي مع النساء الحسان.

. صدر الأمر بالتحرك إلى الجنوب وتمركزت القوة في مرجعيون واختاره الأمر مديرا لمكتبه واطلع من خلال هذا الموقع على مالم يخطر له ببال فأمر المجموعة الذي كلف من قبل حزبه بواجب حزبي قومي كان يتاجر بالمخدرات والنساء والسلاح ويمد علاقاته مع كل الفرقاء ويمارس القمار والمغامرة ويثري على حساب الواجب ثراء كبير وعندما يمنتطق تجده حريصا على الأمة والمباديء والتحرير وحماية الأرض والعرض..

وعندما سأله في جلسة خاصة بينهما عن التناقض الذي يمارسه؟

. ضحك الأمر وسأله: اتعرف كيف أتيت بك معي ولماذا؟

. فأجاب بالنفي

. فقال الأمر: بما انك ليس حزبيا لم تسجل في سجلات الحزب ضمن القائمين بالواجب القومي وبما اني امر وحدتك فإنك مسجل ضمن الواجب خارج الوحدة فقط وان مت هنا او اختفيت فلن يسائلني أحد عنك لأنك اساسا غير موجود

. طيب وهذه الوثائق وجواز السفر والسلاح والمصروفات؟

. كلها بعلاقات حزبية وشخصية

. وعلاقاتك هنا؟

. اقوى ان لم تكن بقوة ماهناك لكن قل لي انت هل تريد ثمنا لسكوتك؟

. نعم بالتأكيد

. ماهو؟

. الحصول على الجنسية اللبنانية

. ساشتريها لك خلال يومين لكن بشرط

. ماهو؟

. ان لا يعرف أحد مهما كانت علاقتك به الا بعد انتهاء الواجب بسنة.

. موافق

. مساء الخير خيو.

***

قصة قصيرة

راضي المترفي

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م