نصوص أدبية

نصوص أدبية

بقطعة فحم، خطت على الأرض تربيعات ثلاث أفقية متتالية، ثم مربعين عموديين ملتصقين، رمت شقفة من فخار في المربع الأول، وبدأت تنط برجل واحدة، كانت بين حين وآخر تتلفت يمنة ويسرة، كأنها تترقب وصول صديقاتها ليشاركنها اللعبة.. تتوقف قليلا، ترفع وجهها الى السماء، وكأنها تستعذب نسائم مابعد العصر منعشة تجتاز الدرب، حيث الربيع شرع يودع القرية بعد سنة من جفاف..

بعيدا عنها وعند مدخل الدرب، وقف شاب في عقده الثاني يتابعها وهي تقفز كفراشة جذلى يغمرها السنا فوق التربيعات، وكلما ارتفعت تنورتها ظهرت ركبتاها القمحيتين وفخداها البضتين. لم تكن تحفل بذلك، فقد كانت رحابة طفولة في لفيف براءة..

هي طفلة في الثالثة عشرة من عمرها، لم تكن أجمل بنات القرية لكنها كانت دقيقة التقاطيع، متناسقة القد، في عينيها الواسعتين حوَر، يضيف الى لونها القمحي وشعرها الرطب المسدول على كتفيها ملاحة جذابة ؛ كان وجود الشاب مألوفا لديها، فهو من اقربائها، لهذا لم يثر في نفسها أي خوف أو رهبة لتحتاط من وجوده ومن متابعتها وهي تمارس لعبتها اليومية، كما أنه ابن الحي، الذي تعود ان يغيب شهورا كطالب في بلاد المهجر، ثم يظهر في عطلة صيفية او عيد ديني..

كانت بين قفزة وأخرى تسارق اليه النظر، على وجهها تتربع بسمة رضا وثقة، فقد كانت تمنى النفس أن يجود عليها بقطعة شوكولاطة مما تعود ان يوزعه على صغار الحي كلما حل بالقرية..

تسمع نداء أمها آتيا من داخل البيت، تترك شقفة الفخار على التربيعة، ثم تلج باب البيت لتعود وفي يدها قطعة نقدية، تركض قاصدة دكان الحي.. تتوقفت حيث يقف الشاب العشريني، يتبسم في وجهها، يسألها عن وجهتها، ثم يهمس لها بكلمات، تنتظر بباب بيته قليلا قبل أن تسمع نداءه فتلحق به..

يخرج الشاب بعد برهة كهارب بعد سرقة موصوفة وفي يده حقيبة سفر..

ظلت الصغيرة قلب البيت لا تدري ما حل بها، فهي لا تذكر الا صوت الشاب وهو يناديها: سناء ادخلي !!!...

ناولها كاسا به عصير، ثم لم تعد تذكر شيئا..

حين صحت وجدت تبانها بين ركبتيها، ومادة لزجة كقطرات الشمع على فخديها..اصفر وجهها، بلغ قلبها حلقها، ارتعدت من خوف يغتالها، هي لا تستطيع أن تتمثل ما وقع، لكن وجود تبانها في غير مكانه قد حولها الى فأر مذعور لايدري له وجهة، أحست بالم تحت بطنها وفوق عانتها، تحسست المكان فوجدت اثر دم، بكت وهي تلطم وجهها بيديها الصغيرتين وكأنها قد أدركت ما وقع:كيف تواجه أمها وأباها ؟، كيف تواجه أخوتها الكبار ؟ كيف ترفع راسها بين صديقاتها في الحي والمدرسة ؟.. وحدها قطعة النقود النحاسية ظلت حبيسة كفها، لكن كل ماعداها قد ضاع، حلم عفتها وشرفها اعلن انتحاره في لحظة ثقة، لحظة طمع منها في قطعة شوكولاطة.. أعادت تبانها بيدين مرتعشتين، من بين دموعها تلمست القطعة النقدية مبللة عرقا قلب كفها، كما تبلل تبانها بما لا تعرف ماهو، وكما تبلل عمرها خزيا وعارا، خرجت تجر قدميها الصغيرتين تقصد الدكان، استعادت كلمات أمها كما تسعيد فرحتها المغتالة: "نصف كيلو سنيدة وصابونة صغيرة "، تسلمت ماطلبت من صاحب الدكان، وقد أحست بعيونه تمسحها..عادت الى البيت، وضعت السكر والصابونة في غرفة أمها، ثم هرولت الى مرحاض البيت وشرعت تغسل فخديها، وتمسح ما علق بتبانها، أثارها لون الماء الممزوج بصفرة وأثر وردي..

ركبها صراع نفسي حاد؛ هل تتكلم ؟، هل تصمت ؟ في كلامها فضيحة مدوية قد تتجاوز القرية وفي صمتها نهاية عمرها، آمالها واحلامها.. تعاود غسل وجهها، تصب قليلا من الماء على قفاها، تحاول ان تهدأ، أن تبترد، أن تخفي كل مابها، أن تتغلب على صراعها النفسي الى أن يمر اليوم بسلام قبل أن تقرر ما تفعل.. تذكرت حديث النساء صباح كل زفاف مر في القرية عن" صباح البنت"، عن السروال، عن الاحتفال بالدم الذي رشمه، عن إحساس أهل البنت بالفخر والشرف...

تلطم وجهها: ماذا بقي لها وقد فقدت شرفها ؟

تركنت في زاوية من غرفة الضيوف كما تفعل كلما ارادت ان تخلو لدروسها، فهو الحل لتواري خوفها عن وجه أمها وكل من يدب في البيت، رغم الذعر الذي يعوي في باطنها والشحوب الذي يركبها.. حلقها الذي صار جافا كحزمة شوك، عسير ان يبتلع ريقها...

تذكرت احدى صديقاتها حين اختلى بها أحد رعاة القرية وفض بكارتها، كيف هاجت البيوت وماجت، كيف صار اللغط حديث الصغار والكبار حول الحرب التي اشتعلت بين العائلتين الى أن انتهى الامر بانتحار الصديقة، وتدخل الدرك بقوة ردع والقاء القبض على بعض من استغلوا الوضع بالوشايات والنميمة..

بلاعشاء نامت.. كم هذت خلال نومها المتقطع:

ـ أكره أن اصير كصديقتي، مضغة على كل لسان، عارا على ابي المريض، خزيا لإخوتي، لن يتفتت لي صخر، فأصير وبالا على كل أهلي، لن استسلم لانهياري، ساحاول أن أنساه، المصيبة ستعتقل حريتي، لكن اعتقال حرية أهون من فضيحة مدوية قد تنتهي بانتحاري أو بقتلي من قبل أحد اخوتي الكبار..

لا..لن أنتحر، ولن أتكلم.. سيكون الصمت ظلي، ينتصب بيني وبين غيري..

من ليلتها فقدت الطفلة بشاشتها ومرحها، بعد أن انهار كيانها النفسي، كما انهار لسانها عن الكلام، تغيرت حالها، تغريداتها الطليقة صارت تمتمات كلام، وبريق عينيها المضيء صار انكسارا، يستغرقها تفكير شغلها عن دراستها، فحول اجتهادها الى خمول تبدى لكل العيون ؛كثيرا ما سألتها أمها عن سبب هذا التغير المفاجئ، فيأتي الرد بعيون مكسورة وكلمات قليلات:

ـ تعب وعياء..أحس بانهيار جسدي كأني لا أتناول أكلا..

ثم جاء الفرج عن طريق طبيب أعلن بعد فحصها: بداية التهاب كبدي هو ما حول نظارة الوجه الى شحوب وعياء بدني..

بدأت تقاوم حالتها، مقاومتها لتراخيها في مراجعة الدروس وإنجاز الواجبات، صار تقدمها الطفيف تقادما لحالتها، وفتورا في المراقبة من قبل أهلها الذين سلموا بقولة الطبيب وأضافوا للأدوية التي نصح بها، عقاقير شعبية أخرى، لم تستطع إعادة اشراقة وجهها، اما اعماقها فهي كتلة دموية وحدها تدري ما بها..يغسلها النسيان لحظات ثم لا تلبث المصيبة أن تكفنها من جديد؛كم مرة حاولت أن تبوح لاحدى صديقاتها وتفجر اللغم عساها ترتاح من كوابيس لياليها الطويلة.. لكنها سرعان ما تتراجع. فماعاد اليوم انسان يكتم سرا. ان تعتقل مصيبتها في اعماقها خير من ان تصير أنثى متهمة بثرثرات القوالين..

أحيانا تحس بنسمة راحة تنزل عليها كرحمة سماوية، تتنهد وقد تبكي، ثم لا تلبث أن تغسل وجهها بماء بارد ولسانها يهمس:

ـ لك الحمد ربي أني لم أحمل والا كنت في القبر قبل الأوان..

ربع قرن وهي تحمل سرها، تتقادفها السنوات بين نهار وليل، وليل و نهار، تقضي الشهور والاعوام بالأماني الكواذب، الى أن نالت شواهدها ثم اشتغلت..

دفنت عمرها في مهنتها، تناست متع الحياة، مات في صدرها الأمل موت جسدها الذي تخشب، وصار يتلقى بلا ردة فعل، لهاة مكتوم ينبعث كلما لفها ظلام، أنثى تجر جثتها خلفها في صمت، لا ينعكس أحيانا الا بكلمات تخالها من رجل خشن بلا خبرة، وبمفردات ماتت لها أحلام، تحسها وهي تتكلم وَهْنا من راس بلا جسد، تدحرجت من قمة الى أسفل وانسابت في انحدار، تغسلها دموع لا تفتر، حتى في عملها فهي تقاوم واقعا وحده يعيش مدفونا في صمتها ؛ ترى الغير من حولها كشخصيات درامية تؤدي دورا مسرحيا في حياة لا تنصف أحدا.. حتى رحماتها السماوية تناستها، ما عادت تثيرها بأمل، ما الفائدة و قطرة الدم دليل عفتها قد جفت الى الأبد..

كلما أتاها خاطب تبرمت وتعللت وأخرجت فيه مساوئ.. تدعي أن صديقاتها قد تعرفن عليه فحذرنها منه..

لحظة الجرم وحدها تعيش واضحة في ذهنها، لا تفارقها، تستعيدها بكل تفاصيلها من لحظة شرب العصير الى ان وجدت تبانها بين ركبتيها بقطرات كالشمع السائل.. كلما جحظت عيناها تمثلت كل رجل كقريبها الذئب الذي لم يحترم قرابته ولا طفولتها، والذي رغم تعلمه وارتداء بذلة من خارج حضارته ظل حقيرا متخلفا لا يعي ما تساويه حياة طفلة يغتصبها وهي لا تشاركه رغبة ولا إحساسا أو فهما لما مارسه عليها، ذنبها أنها وثقت في قناعه المزيف.. سيظل شرفها كما عفتها وبراءتها بل ستظل كل حياتها تصرخ عاليا في وجه كل مغتصب براءة أيا كانت الطريقة التي سلكها لينقض على فريسة بريئة..

المجرم الآتم البغيض ماعاد له في القرية ظهور، لكن بين أبناء القرية قد بقي له اثر بافتخار: شاب من العدم استطاع ان يحوز شهادة علمية، يحصل على وظيفة في بلاد الغربة ويتزوج نصرانية.. لا احد يعرف أنه مجرم، يجر وراءه جثة قلب جسده المدنس، وضميره الميت عبر ثنائية حياة تعلن الدين وبه لا تؤمن، نهش طفلة بريئة، وضع حبلا ابديا لمشنقة طاعنة ابدا لن يغيب لها اثر..

تدرك أن الزمان شرع يطويها ببطء، سلحفاة يدب، وكأنه يعاند ما بلغته من عمر..كل رجل هو لديها لسعة عقرب، عضة ثعبان، مراوغة ثعلب، ومتابعة ذئب، قد تبادله النظرات اذا ما رفعت البصر، لكن نظرتها نظرة خوف وحذر، رهبة، انعدام ثقة وسوء ظن...

الرجل عذابها بالليل والنهار، يتكوم في عينيها كمزبلة جديرة بإضرام النار فيها، فهو سبب عذابها، هو من جعلها محط تساؤل وشفقة تكرهها من كل من يحيط بها..

لماذا لم تتزوج ؟..سؤال يملأ الأفواه وتنثره العقول بتخمين وتأويل !! ربما مسحورة من قبل الجن، تملكها أحدهم فمنع الرجال عنها وقد فروا بعد يأسهم من قبولها.. عيب خلقي يشوه ما تفخر به كل أنثى.. خنثى تتستر عن حالها..حتى افراد أسرتها صارت تنطلي عليهم دعاية السحر و الجن ففوضوا أمرهم الى الله، فقدر بنتهم أن تعيش عانسا مملوكة لجن..

في عملها تجاهد ألا تثير حديث الرجال، بل هي تتجاهل كل الرجال في موقع عملها، لا تحاول أن تعرف لهم اسما، أو ترد عليهم سلاما اذا مرت بأحدهم، وتنسحب أو تصمت إذا ما إحدى النساء تكلمت عن رجل ولو كان أباها، تحس بالقرف والاحتقار، وبالخوف من ان يجرها لفلتة لسان تكشف سرها، حقدها الدفين، جثمان عمرها المركون داخل جسدها، كأن الصمت هو حقيقتها التي تواجه بها كل المواقف التي قد تجعلها تكشف ولو جزيئة من دواخلها..

تذكر وهي لازالت طالبة جامعية أن إحدى البنات همست لها بأن أستاذ مادة الكيمياء الحيوية معجب بها ويتطلع اليها بشوق..صمتت بلا رد، وقد تأكدت من ذلك من محيط اسرتها..كانت تدرك أنه مجرد جبان أو ثعلب كاي رجل آخر.. يطلق الدعايات دسيسة اغراء ليتصيد المغرورات...

ذات شتاء، وهي خارجة من عملها، لاحقها برق ورعد، ومطر يتهدل على كتفيها، اقترب منها أحد المارة محاولا أن يجعلها معه تحت مظلة، اتقاء من الجو الماطر، دفعته بمرفقها دفعة اسقطته على الأرض، ساعده بعض المارة على الوقوف، انتصب وهو محنط بوحول الشارع الذي شرعت السيول تجرف كل ما صادفته في طريقها من قوة التساقطات..

انزوت في ركن تحت سقيفة متجر وشرعت تبكي..لماذا تصرفت بعدوانية مع رجل لا يعرفها ولا تعرفه، ذنبه أنه حاول ان يساعدها على عبور الشارع الى الطوار الآخر بقليل من البلل، هي حقا قد اغتصب آخرون طفولتها، منعوها ان تحمل لقب بهجة الطفولة سعيدة كما حمله غيرها..لكن ما ذنب الغير فيما وقع لها ؟ ليس هم من اسقطوا طفولتها من مرايا الحياة، ليس هم من منعوها الطيران فراشة بين الزهور..لا..إنهم عود من نفس الغصن، نفس تربية الاستعلاء، التفضيل ونفخ عقدة الذكورة..

حلم قد غاب عنها منذ الحادثة وعاد اليوم يلازمها من جديد، يضاعف من آلامها وعذابها، حلم ترى فيه نفسها وهي تحرق العضو التناسلي لكل دمية.. كان الحلم في صغرها يقتصر على أنها ترمي الدمية بعد الحرق أما في الليالي الأخيرة فصارت ترى أنها تغرز فيها سفودا يخرج من عينيها قبل أن ترمي الدمية في البحر..

تمتنع أن تحضر كل عقيقة المولود فيها ذكر، هو عندها مغتصب جديد آت ليخلف من مات..حين تزوج اخوها اختلقت نزلة برد قد حلت بها وظلت حبيسة الفراش حتى لا تحضر ليلة زفافه، فلم تكن العروس غير أخت استاذها الذي أطلق دعاية الاهتمام بها.. كان ما يملأ فكرها، كم من طفلة قد اغتصب أخوها قبل ليلته هذه؟، وهي اليوم مثلها لا تملك وجها تسير به بين الناس.. هل حقا ان زوجة أخيها عذراء، أم ان أخاها سيكون الرجل المخدوع من قبل انثى عرفت كيف تتغلب على نفسها وتقاليدها وبطش أهلها وحرصهم على العادات والطقوس؟ في حين فشلت هي في ما أفلح فيه غيرها.. بئس تربية لا تعلمنا غير الخوف والخضوع وتقديس التقاليد.. ترسخ في عقولنا الشك حتى في اقرب الناس الينا...

صحت في الصباح على زغردات النساء و نغمات الطبالين والغياطين، تتقدمهم نكافة تضع على راسها صينية، يتوسطها سروال زوجة أخيها، دليل براءتها من اغتصاب قبلي بقطرة دم؛ ربما لم تكن زوجة أخيها مصابة بنهام الطفولة لكل ماهو حلو لذيذ، أو لم تجد من يترصد لها فيغتصبها بلا رحمة..أم أن زوجة أخيها عرفت كيف ترتق مشكلها..

بكت، واهتز صدرها أسى وغبنا حتى كادت أن تفقد وعيها..

هكذا تطويها الأيام بوسواس خناس وبلا ثقة في نفسها ولا في غيرها، عود الربيع فيها قد ذوى ويسارع للجفاف والتفتت..

أحيانا كانت تسائل نفسها:هل كل بنت فقدت بكارتها تنزوي كانزوائها ؟ فتئد نفسها بنفسها ام فقط هي تقاليد قبيلتها التي صار الرجل القاتل هو نفسه الذي يطلب شهادة البراءة من طبيب محلف لا قابلة تكتفي بتجربة كسر البيضة لتحدد الماضي الجنسي للفتاة، ومن يطلب من الرجل شهادة العفة والخلو من أمراض ربما يكون قد التقطها من غيرها ؟ أي حكم هذا الذي يقتل بنتا بخطأ رجل ويشوه سمعتها بفضيحة من قبل رجل ؟ !!..

بدات تدخل المنتديات العربية بعد أن سمعت حديث استاذات عن فوائدها كقتل الفراغ عند غياب الأزواج، أو للتسلية والتعارف مع نساء أخريات من أوطان أخرى، أو التثاقف واقتناص فوائد تهم حياة المرأة..شرعت تقرأ ما ينشر.. لم تكن مقتنعة بما يكتبه الأعضاء خصوصا من رجال يستعطون الحب بعبارات تافهة، يبالغون كذبا في إعلاء المرأة.. ذئاب.. لو ظفروا بها وحيدة أو طفلة صغيرة لمزقوا جسدها.. اقترح عليها أحد الأعضاء المساهمة في نشاط ثقافي.. توجست من اقتراحه، ربما هو استدراج لها، لكن أسلوبه وطريقة تعامله تدل على أنه كبير السن يتصرف برزانة، وكل من في المنتدى يمتدح تعامله مع الجميع.. فكرت طويلا قبل ان تستجيب محاولة للتخفيف من ثقل حمولاتها بنسيان وقتي...

لاحظت أنه يحاول التقرب منها.. بدات تحتاط، هي لا تصادق رجلا، ولا تريد ان يتعرف عليها أحد، لكن ما يكتبه هذا العضو يثيرها، يحسسها بصدقه، حين راسلها كان ردها التواء هو تناقض ما في نفسها.قالت: لا تحاول معي، فرغم سنك الكبير على ما أظن فانا أكبر منك بكثير ولا أملك شيئا اقدمه لك مما تبحث عنه، أرجو أن تحترم نفسك..

كم كان يؤلمها وضعها، أنثى لا تثق برجل لكن هذا العضو يحسسها دوما بقربه، يقرأ كل ما تكتبه اليه بمنطق العقل والموضوعية، انجذابه اليها ليس بكلمات غزل وانما بالتعمق فيما تتبادله معه من كلمات واقتراحات لتنشيط ما تقدمه الى أن فاجأها ذات يوم: حسناء هل سبق ان تحرش بك احد الى درجة الاغتصاب ؟من يكون ؟ وفي اية مرحلة من عمرك ؟

الخبيث، كيف استطاع أن يقرأها ثم يفجراللغم في صدرها، ان يستعيد لحظة صباها الموءودة.. ربما سنه وثقافته الواسعة قد جعلته يكتشفها.. بكت..ليلة بكاملها وهي تبكي... كيف ترد ؟ ماذا تقول له ؟ ربما خير لها أن تنسحب من المنتدى او على الأقل من النشاط..لكن الى متى ؟ وكانها بدأت تضيق بحالها، بثقل سرها... لماذا لا تجرب وتبوح له بسرها وتنتظر ردة الفعل.. هو عضو ليس من قبيلتها، و لا من وطنها قد تخشى أن يفجر سرها بين الناس، لا تخاله لئيما فيتكلم بين أعضاء المنتدى، ولن يكلفها ذلك غير انسحاب... ووجدت نفسها تصارحه، تحكي قصتها، ترمي كل همها بين الحروف في صدره.. تدرك أنه اول شخص استطاع أن يجعلها ترتدي جلباب جرأة ورغبة في أن تحكي له ما يؤرقها منذ أكثر من ربع قرن..

ادخلته في نطاق واقعتها، يشاركها لحظة الوأد.. قالت له: حقير، جبان لم يرحم صباي، خجلي، ثقتي رغبتي في قطعة شوكولاطة... سلمني شهادة وأد أبدي ورحل..رحل بلاعودة..

توهمت أن هذا العضو كاي رجل تسلم منها الخبر، عرف سرها و لن يلبث أن يتجاهلها في المنتدى، أن يحتقرها، يبتعد عنها..

وخانها سوء الظن، خانتها النفس وما توهمت، خانها العقل وما خطط..وجاءها رده:

سيدتي العزيزة

كل كلمة منك هي قوة تسكنك لكن تجاهدين على إخفائها، اغتصبك رجل. افقدك غلالة هي لافتة الشرف التقليدية، كثير ممن خلق الله ادرك انها صارت خرقة بالية قد مزقها الزمن، تلاشت فتلاعبت بها الرياح بلا أثر بعدي..تربيتك نشأتك، خوفك، هذه كلها عناصر مؤامرة اصعب بكثير وأخطر مما ألحقه بك قريبك ابن القرية..

قفي أمام مرآة.. انظري الى خلق الله فيك..هل ضاع منك شيء ؟

ماضاع منك غير بسمة رضا أنت من تعمد ت قتلها، وبريق عينين غادرهما كحل، يداك من تقاعستا عن الإمساك بمرود امتثالا لعقلك الضابط، الذي تحكمت فيه طقوس البلد وعاداتها وما بنته من مدماك للخوف في نفسك، ما ضاع منك هو نظرة إيجابية لنفسك وقناعتك بها، وقد أحللت بدلها نظرة سلبية تحولت مع الزمن الى شبح مرعب يسكنك، وبدل أن يسكنك الحب سكنتك الكراهية، كراهية نفسك قبل غيرك ككارثة تعوضين بها ما تحسينه وتسمينه ضياع شرف..

قرات كلماته مرة ومرتين وثلاثة، استغربت !!كيف غاب عنها أن في الحياة بار وضال، خلوق وحقير، بشر يخطئون و آخرون يصيبون..

ها هوذا شيخها لم يتخل عنها، لم يتركها، لم يبتعد عنها، أحست ان قربه منها صار التصاقا ذاتا بذات.. لا يتوانى عن السؤال عنها كلما غابت.. احست انه كلما تقدمت الأيام صار يتقرب منها اكثر، في صدق حديثه، في محاولة شدها اليه..طلب منها ايميلها.. ترددت في البداية لكنها أصرت ان تسير معه الى النهاية فربما قد تكشف حقيقته كما كشفها..

كانت مع الايام تبهرها ثقافته، اتساع افقه المعرفي، كلما واجهته بسؤال فتح أمامها اكثر من باب مما كان منغلقا لديها، قدم لها وجهات نظر متعددة حول الدين والحياة بأمثلة وحقائق ليست هي ما يكتبه المتشددون ويدعيه القوالون ممن يرتدون الأقنعة عند الظهور، واكتشفت أكثر أنه من اسرة عريقة لا يتعدى العقد الثالث من عمره، ضربه القدر بمصاب، ماتت زوجته بعد أول وضع لها، تركت له صبية تتربى في رعاية أمه، غادر وظيفته، وغير توجهه المهني بعد شلل نصفي من صدمة ما أصابه وقد شفي بقوة منه وإصرار على الحياة، وتفاؤل بغد أحسن..

ووجدت نفسها تثق بما يقول، تجرب ما يقترحه، تتخلى عن كثير من عادات ألفتها.. تغتسل شيئا فشيئا من أتربة صارت ركاما على أكتافها، وجدت نفسها تضحك وتشارك الآخرين بسماتهم، تحضر حفلات دعيت اليها، .. تقف أمام المرآة تحرك خصرها برقص، تمرر يدها على جسدها، فتجد نفسها ـ وكما قال لها ـ:" أنثى بكامل الانوثة، لم يسرق منها الاغتصاب الا ماتوهمته قد ضاع وهو باق، حي فيها يحتاج فقط للمسة من يدها "..

تحرك راحة يديها على ثديها فتحس بخفقة في صدرها، رغبة تسري في جسدها، كل ما توهمته قد ذوى لازال ينتظر استجابة منها، إرادة تحركها، نسيانا مطلقا بان عثرة طريق لا يمكن ان تغير العالم الا وهما في عقل من يتوهم ذلك..

وبدأت تتعلق بصديقها، تراسله، تقضي معه الساعات تقرا وتصغى لما يكتب ويقول، وله تحكي استجاباتها الجديدة، نظرتها الى الحياة من حولها بعد أن تعرفت عليه، استغراب أهلها من تغيرها، قناعتها بان الشمعة التي أشعلها الصديق في نفسها بتوجيهاته وشروحه، بالحرية التي فتح لها نوافذ في ذاتها، بقربه منها قد اشعرها بقوة وفخر وانتصار على نفسها وما واجهته خلال أزيد من ربع قرن.. حتى خلايا جسمها صارت أكثر نشاطا وحيوية، وقد آمنت أكثر ان كل إحساس بالقهر والغبن يلزمه صديق بشخصية جذابة، بعواطف إيجابية ونظرة تفاؤل تركز على اعماقك قبل مظهرك وتتماشى مع الإحساس بحاجاتك النفسية، وليس أي شخص قادر على منحك هذا الشعور.وكما قالت له في احدى رسائلها اليه: أحس اني اتغير بسرعة لا لاني نسيت ولكن لانك استطعت ان تفتح أكثر من بوابة للتواصل والعطاء، وتضع أمامي أكثر من فكرة ورأي كلما تعمقت فيها وجدتها هي بوابة نجاتي، لهذا أعدك اني تركت الماضي بغير رجعة واليه لن أعود لكن لا تتركني......

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

امرأةٌ تركضُ في الريحْ

تتعثَّرُ بعبائتِها السوداءْ

لكنَّها أَبداً لاتطيحْ

وكانتْ تلهثُ

في قلبِ العاصفةِ الصفراءْ

وتقاومُ كلَّ ذئابِ الوقتِ

ومن فرطِ القَهْرِ تصيحْ :

-أَنا لستُ خائفةً

لأَني لستُ مُذْنبَةً

وإنَّما أُريدُ البحثَ

عن ولدي الجريحْ

الذي أُخْتطفَ من بيتهِ

ومن أَحضانِ زوجتهِ

وأطفالهِ النائمينْ

في ظُلْمَةِ البلدِ الحزينْ

*

الظلامـــيـــــــــــــونْ

والعَسسُ الغامضونْ

والقَتَلةُ الدمــويـــونْ

وأَبناءُ المليونِ كلبٍ

وأَفعى ، وثعلبٍ مجنونْ

هُمُ الذي إخْتطفوهْ

وضَمّوهُ وغيّبوهْ

وها هو إخْتَفى

في أَيِّ جُبٍّ صَفى

وأَينَ هُمْ ضَيَّعوهْ ؟

فنَحْنُ لا ندري

وقَدْ يكونونْ

يا كَبدي قَتَلوهْ

وفي متاهةِ المقابرِ الرهيبةِ

قدْ كانوا غَيَّبوهْ

يبووووووووهْ

يبوووووهْ

ي

ب

و

هْ

عليكَ ياولدي

يبوووووووهْ

عليكَ

يا

ع

ر

ا

قْ

***

سعد جاسم

2022 -10 -10

الوَردُ  يَسحَرُ  مثلَهُ  الوَرْدا

عبِقاً يزيدُ مِنَ الهوى وَجْدا

*

يا هاجري اطفئْ لظى نَهَمي

فأنا الذي  أخلصتُكَ  الوِدّا

*

جافيْتُ أصحابي، ونبضَ دمي

حتى ارتويْتُ منَ الجَفا سُهْدا

*

قفْ ، لا تمِلْ عنّي ، فتُبعدُني

أنا ذلكَ المحبوبُ قد أهدى

*

ينبوعَهُ الصافيْ بلا ثَمَنٍ

ليزيدَ في بستانِكَ الوَردا

*

فانصِفْ فؤاداً عاشـقاً يصبو

كيْ يحتسي العينينِ والخدّا

*

إنْ كنْتَ لا تهوى سوى لَهَفي

خلفَ السرابِ ، ولاهثاً عَبْدا

*

فاعلَمْ بأنَّ الريحَ لو هبَّتْ

ستُزيلُ عنيّ الجَمْرَ والكّدّا

***

عبد الستار نورعلي

11.10.2022

في المحطة قبل الأخيرة

قبل أن يندثر وجه الشمس في كف الغسق

تحلق بهم نوارس الأحلام

إلى عمق الحياة

إلى أرض بلا فزاعاتٍ

إلى نوافذ بلا حمايات

إلى شوارع تخلو من إشارات الحذر

و قبل اكتمال الانتشاء

يسقطون هكذا في المحطة الأخيرة

ليصبحوا ملحمة للبكاء

و ساحة يتبارى فيها قياصرة النفاق

*

البحر بيتٌ وليس منفى

البحر حلمٌ للوصول

لم يرتكب ذنبا ولا جريمة

لم يقل قطّ للخائفين قفوا

لا تمتطوا ظهري

البحر يتفاعل مع آلامنا

جلده يتحسس لأحزاننا

لذلك وبين الفينة والفينة

يمد ذراعه الموجيَّ إلى ظهره

يحكّه عله يغسل ما نعاني من أرق

ونحن بخبثنا البشري نظن أنه يدعونا للغرق

*

يا صديقنا الذي لطالما غنّيناك قصائد وخيالات

يا صديقنا الذي في قلبه الكبير

تنمو كائنات وكائنات

لا تبكي كطفل بريء يشعر بالذنب البريء

لا تنفعل حين يقولون عنك غادرا

أو خائنا

أو كائنا متقلب الأهواء

فهكذا هي العاهرة ترمي غيرها بدائها وتنسل

يكذبون.. يفجرون.. يزنون.. ويقتلون

ثم يصعدون أمام الشمس

يُلقون بُردَهم العذريَّ إلى السماء

لا تخف يا صديقي

لم تعد تنطلي علينا الخديعة

*

هم الآن يرفعون عليك دعوىً قضائية

أمام الضمير الإنساني

يتحدثون عن ألوان خداعك

عن الصكوك الكاذبة التي منحتها للهاربين المذنبين...

يتحدثون عن كائناتك المفترسة التي لا تعرف الرحمة...

يتجمهرون على شواطئك ليلتقطوا صور ضحاياك...

ههههه..ههههه..نعم صور ضحاياك  ويبكون...

يتباكون...

يصدِّرُونك بؤرةً للإرهاب...

فتارةً أنت القاتل الذي لا يرق قلبه لطفلة صغيرة تبحث عن جدائل الشمس

وتارة أنت الذي تؤوي إليك

من فَرُّوا بلحمِهم

من عَمى النيران

وما كان عليهم سوى الصبر

فالوطن يا سيدي يستحق التضحيات

*

لا تخف

لا تخش شيئا

سنثبت براءتك

لا عليك فلم تعد تنطلي علينا الخديعة

*

البحر( تتمة العنوان)

***

د.عبد المجيد أحمد المحمود- سوريا

 

أنشودة وحكاية للأطفال

في بَيتِنا

قِط ٌ جَبانْ

يَخشى العِراكْ

يَهوى الأمانْ

أراهُ يُحِبُ النومَ

يَلوذ ُ دوما

في الأركانْ

**

يَعرف ُ.. يَعرفُ

دَربَه ُ في الحَديقة ْ

لا يَهابُ الثلجَ

ولا حَتى الصّقيعْ

ويَفرَحُ .. يَفرَحُ

لِقدوم  الرّبيعْ

**

لكنه يا أصدقائي

يَهابُ أبناءَ قومِهِ

ومن كان على

صُورَتِهِ وَشكلِهِ

**

ربّما يا أصدقائي

هكذا فهِمَ هِرّنا

ما  قد  جاءَ

في كلام أمِّهِ.

**

كم أخشى عَليْهِ

من صِعابِ الدّهِرْ

**

كم أخشى عَليْهِ

من صِعابِ الدّهِر.

****

أنشودة بقلم إسماعيل مكارم

روسيا الإتحادية. 2018

......................

حكاية الذئب والكلب

للكاتب الروسي الكبير ليون تولستوي

قمت بنقلها إلى العربية من النص الروسي.

إليكم الحكاية:

بينما كان الذئب النحيف يجول على أطراف إحدى القرى التقى كلبا سمينا.

سألَ الذئبُ الكلبَ قائلا:

− قل لي أيها الكلب من أين أنتم معشر الكلاب تحصلون على الطعام؟

أجاب الكلبُ:

− الناسُ يقدمون لنا الطعامَ.

− نعم، أنتم معشرُ الكلاب تقدمون للناس خدمة صعبة وشاقة!!!

قال الكلبُ:

− لا، لا أبدا الخدمة ليست شاقة، مهمتنا تنحصر في  حراسة الدار ليلا.

− فقط بفضل ذلك يقدمون لكم الطعامَ . تابع الذئب  مُستغربا.

− هذا يجعلني أفكر الآن بالذهاب معك كي أقوم بخدمة الناس،

كوننا نحن معشر الذئاب لا أحد يقدم الطعام لنا..

وتحصيلنا لقوتنا شاق وصعب.

أجابه الكلبُ:

− نعم، نعم بإمكانك أن تأتي الآن معي، إذ أنّ صاحب البيت سوف يقدم لك الطعام أيضا.

دخل السرور إلى صدر الذئب ومشى مع الكلب بغرض  خدمة الناس، بينما كان الذئب يستعد لعبور بوابة الدار، لفت نظره

أمر في رقبة الكلب، حيث فقد شريطا من الشعر، فسأله قائلا:

− وهذا حول رقبتك أيها الكلبُ بسبب ماذا؟

− أمر بسيط.

− ما تقصد بالأمر البسيط؟

− هذا من الرّباط والسلسلة المعدنية، إذ أنّ صاحب الدار

يشدني أثناء النهار إلى الرباط من رقبتي، لذا هنا يتساقط الشعر.

− هكذا إذن..إلى اللقاء أيها الكلب.

أجابه الذئب، وأضاف:

− لن أذهب معك بغرض خدمة الناس، لنقل أنني لست

سمينا، كما ترى، ولكني أعيش في رحاب الحرية.*

***

هوامش ومصادر:

* راجع مؤلفات ليون تولستوي.

 

وقصص أخرى قصيرة جدّا

لعنة الدّمّ

اشتعل الضّوء الأخضر فانطلقت العربات تجري عبر خطوط متوازية، باستثناء خطٍّ واحد وقفت في مقدّمته سيّارةٌ لم يبال صاحبها برتل العربات وراءه ولا بصياح أبواقها المنبّهة...

ولحثّه على الانطلاق، نزل أحدهم من عربته في عصبيّة ملحوظة، وراح يقذف السّائق بعاصفة من السّبّ والشّتم...

نقر على البلّور... فتح الباب... أصابه الرّعب بغتة وعيناه ترتدّان في عنف...

**

سيزيف

تطلّعت إلى السّماء المظلمة ورحت أتأمّل حلقة صغيرة تتألّق في قبّتها..

تقدّم أحد الرّفاق وأطلق سهما إلى هناك. فرأيناه يشقّ الفضاء في قوّة ورشاقة حتّى مرق من تلك الحلقة فهلّل النّاس وكبّروا...

وجاء دوري فسدّدتُ سهمي وحبست أنفاسي ثمّ أطلقته، فمضى ضعيفا متذبذبا قبل أن يسقط دون هدفه...

سمعت صوتا لا أدريه من أين: لا تيأس...

**

أحلام لذيذة

إذا جاء الصّيف بتنا ليالينا في العراء... وكم يروق لي تأمّل النّجوم وهي تبدو كذرّات من الفضّة، ترشّها يد رسّام عبقريّ على ثوب أسود..

في لحظة لا أدريها أهي من بنات الغيب أم من غيرها، أحسست شيئا يدبّ على جسدي نصف العاري. يبدؤني من الرّقبة حتى منبت الحياة وسرِّها. تزورني الرّعشة على عجل ويتّقد في ذهني ألف سؤال...

**

منطق الطّير

والأمر رهين صدري نتفت ريش ديكنا الأسود وأهلي نيام... ورميته فُتاتا في أركان غرفتي المظلمة، بعد أن أطلقت بخورا وهمهمت بكلمات عُلِّمْتُها...

أخذت الرّيش والأمعاء وما تبقّى من الدّيك ومضيت بها إلى مجرى ماء بعيد وفي ذهني صورة وحيدة، هي صورةُ زوجي الذي سرقته منّي امرأة أخرى... وقفلت راجعة وقلبي يكاد يتوقّف من الخوف وصوت ذلك "الحكيم" يعاودني:

"لا تلتفتي. إيّاكِ"

ولكنّي لم أقاوم فضولي والتفتُّ...

***

حسن سالمي

تَـعِـبَ الـهـوى فـعـلامَ تــنــتــظــرُ؟

هـيَ بُــرهــةٌ تــأتـي وتــنـحَــسِـــرُ

*

يجـري الـزمـانُ ولـســتَ مُـدرِكَـهُ

أرأيـــتَ ظــبــيـًـا فَــرَّ يــعـــتــذِرُ؟

*

ولِــصـاحـبـي قـيــثـارةٌ رسَــمَــتْ

بالـحـرفِ ما يـصـبـو  لـهُ الــوتَـرُ

*

(يحيى السـمـاءُ) وأنـتَ سـيّـدُهـا

تـشــدو فـزهــرُ الـلــهِ يــنـهــمِــرُ

*

ما كـنتَ مـن طـيـنٍ وقـد هـطـلـتْ

فـي أصـغــرَيـكَ الــنـارُ والـمـطـرُ

*

قـد جـئـتَ من رَجْعِ الـنخـيـل ومـن

ريـحِ الـصَّـبـا تـبـكـي وتـحـتـضــرُ

*

قــلــبٌ مـن الــيـاقـوتِ جــوهـرُهُ

إنْ هَــبَّـتِ الـنـسـمـاتُ يـنـكـسِــرُ

*

الــقـاتـلُ الــمـقــتــولُ إنْ نـحَـروا

والـسـاحرُ المـسحورُ إنْ سـحروا

*

(يحيى السمـاء) وكـلُّ قـافـيـةٍ

فـيـمـا تـقـولُ وما تـرى : قَـمَـرُ

*

الـحـبـرُ مـن صـهــبـاءِ خـابـيــةٍ

والحرفُ وَجدَ الأرضِ يخـتـصِرُ

*

مــولايَ لا جَــفَّ  الــمِــدادُ ولا

أضـنـاكَ طـولُ الـدربِ والـسَّفـرُ

***

أرشد توفيق

 4387 قصيدة ارشد توفيق

 

بِجَفْنَيْكِ أُبْصِرُ تِلكَ الْحَيَاةْ

 هَوَايَ يُوَافِقُ صَبًّا هَوَاهْ

*

بِجَفْنَيْكِ أَكْتُبُ قِصَّةَ حُبٍّ

 تَكِيدُ الْعُدَاةَ وَتُرْدِي الطُّغَاةْ

*

بِجَفْنَيْكِ طَابَ الْهَوَى يَا حَيَاتِي

  عَبَرْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُنْتَهَاهْ

*

بِجَفْنَيْكِ عِشْتُ طَوِيلاً أُغَنِّي

  وَأَكْتُبُ شِعْرَ الْهَوَى فِي أَنَاةْ

*

بِجَفْنَيْكِ طِبْتِ وَطَابَ لِقَاكِ

  وَطَابَ مَسَاءٌ يَفِيضُ بَهَاهْ

*

بِجَفْنَيْكِ دَوْحَةُ حُبٍّ كَبِيرٍ

 تَلَاقَتْ ثِمَارُ الْهَوَى فِي عُلَاهْ

*

بِجَفْنَيْكِ هَمِّي يَزُولُ وَأُعْطِي

  بِفِكْرٍ نَقِيٍّ يَطُولُ مَدَاهْ

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

ضوءٌ من القمرِ الجميلِ يمدّنِي

بالنورِ والأعراسِ والأشعارِ

*

اشتاقُ أن ألقاكَ مثلَ سحابةٍ

تاقتْ إليها موجةُ الأنهارِ

*

لا أدّعي وصلًا بليلى إنَّما

قلبي تعلَّقَ بابنةِ الأسرارِ

*

وتدفقَ  الحبُّ الكبيرُ بخافقي

كتدفق الأنساغِ في الأشجارِ

*

شوقي إليها بعدَ طولِ غيابها

شوقُ الصداحِ الى صدى الأوتارِ

*

يا طلعةَ الشَّمس البهيَّةِ ليلتي

قمراءُ بعضُ طيوفِهَا سمَّارِي

*

سافرتَ في مدنِي قصيدةَ عاشقٍ

وقضيت أنْ لا عودة للدارِ

*

كم قلتَ يومًا نلتقي لا تبتئس

فتركتني بين الندى والنارِ

*

مضتِ السّنونُ وليتها عادتْ كما

عادَ المهاجرُ بعدَ طولِ سفارِ

*

قالتْ أما تعبتْ قواكَ من الجوى؟

فاجبتها: درعي إذا شبَّ اللهيبُ وقاري

*

إنّي متيمُكَ الوحيدُ وليس لي

إلآكِ شمسٌ والهيامُ مداري

*

تتهاتفين وكلُّ شيءٍ صامتٌ

حولي وقد وأدَ النوى أزهاري

*

قالت نعستُ فلا تؤرِّقْ مقلتي

فأنا طويتُ على الهمومِ نهاري

*

نم واغفُ وحدك لست اول عاشق

ناجى شذى الأطياب والأطيار

***

د. جاسم الخالدي

من الشعر السرياني المعاصر

شعر وترجمة: نزار حنا الديراني

***

كلما أحلم بالضوء

أحس بـأصوات الريح وهي تقلع حياتي من حبل الغسيل

وتستأصل أشجار طفولتي من الجنينة

وانا مقاتل

في حرب ليس لي فيها سوى أن أستشهد

أو أن أحل قماطي واهرب عاريا

أكثر من خمسين سنة.. او لنقل ألفي سنة

مهد طفولتي.. ليس لي

والمرآت التي كانت تجسد خصوصيتي.. ليست بمرآتي

والوريد الذي به كنت انقش فيه أسمي ووطني..

قد أغتصب مني

ورأسي.. الذي فيه أتفاخر

أنتنزع من جسدي ، ولا أراه إلا في ظلي

وهو يتقمط شكل كرسي.. او جسر

ليحمل من سلبني وجودي

الفا سنة.. أو لنقل خمسة آلاف نسر من نسور فريدون1

وهي اليوم عاجزة أن تنقلني الى أبعد من الحدود

وأنا اردد أغنية بيبا – مسافر أنا –

لاني عجزت أن أكون كالحية أنزع جلدي

وأقول:

هذا الوطن ليس وطني

وهذا المهد ليس حضارة طفولتي

ونهرا دجلة والفرات.. ليسا بجرن معموديتي

***

16/1/2016 ديرابون

..........

هو الشاعر السرياني (ايراني الاصل) والمناضل فريدون والملقب بـ(فريدون اتورايا) الذي أعدم في روسيا بسبب مواقفه السياسية وقصيدته نسر دتخومي

يرحلون بإتجاه الغيم الآتي

من ذاكرة القرى الهاربة من التيه

يحملون حقيبة تلو أخرى ذاهلين

من جدار عتيق تداعى

واحلام فتية تبعثرت في الروابي

لم تكن الشفاه جاهزة للهمسات

في الخامس من تشرين تاخذنا الخطى

إلى ينابيع الظلال

و الشيخ الضرير يباغتهم بالحكمة الباذخة:

باقون هنا كالشجر السامق في الجنوب

لاحفادنا بهاء الفكرة وكبرياء المعنى

العشاق لا تهمهم حرب هنا وعاصفة هناك

تلتقي الأجساد والأرواح  في الضفة الأخرى

من ذاكرة النور

إنتصف الليل ولم يأتي المدد

لا خوف لي من الأفق البعيد

الأحداق

الكوابيس

عشق الفتى للورقات المكتوبة بحبر

الانحياز

ذهاب العسكر الى حروب عبثية

خروج الشبيبة من حدود بلاد غابت عنها

اقواس الحقيقة

يرحلون إلى زمن تداعت فيه المرايا

و صارت نوافذ الضوء ملاذا

للعابرين

ربما نسيت أو تناست إمرأة النور

كيف تحكي لاولاد الزقاق العتيق

ملحمة الأجداد قبل هطول المطر الغزير

و انسحاب الغزاة الشقر من لهيب

المعركة

يرحلون إلى مدن غابت عنها الينابيع

لم يكونوا فرسانا للكلام

أو عشاقا لانفلات الحبر في مدح النور الطالع

من قبو قديم

فرادى يعبرون الجسر قبل مرور العاصفة

لم ينسوا ذاكرة القرى

حقيبة الشيخ الضرير

موسيقى الجاز

ثمار الحديقة المنسية

وصايا الأم للطفل الشريد

حكايا الصبايا في ليلة ماطرة

إنتصف الليل ولم يكتمل العناق الطويل

طلع النهار ولم يأتي المدد

ربما صار الجسد الهزيل مزارا

لمن ناموا في العراء

هنا ذاكرة المرايا وانفتاح الأقاليم

على الشجر الحزين والينابيع

لعبور الجسر مباهج

و لاخضرار الروح طقوس وهواجس

فتيان القرى المنسية ٫كانوا وراء التلال

يحملون حقيبة تلو أخرى

لا شيء على الأكتاف

سوى حنين الأجساد للزقاق القديم

ذاكرة الأيام

هروب الفتية من صقيع الضواحي

كانهم جاؤوا من زمن بعيد

و ارتماء الجسد في اليم العتيق

كان لزاما على الفتيان ان يعبروا الجسر

فرادى

هناك حذو العربات القديمة

تتعالى الأصوات

ترتبك الأصابع

تكتب الأنامل النشيد المشاكس

هنا قرب الشيخ الضرير٫تمر القوافل

معلنة ذهاب الكلام الذهبي إلى ضفة الرؤيا

إنتصف الليل ولم يكتمل العناق الطويل

صارت الأجساد كفاكهة الشتاء

وامطار زمن المماليك

سريعا تاتي العواصف

قبل عبور أولاد القرى الجسر المتاخم

للانين

ومتاهة المشهد

لا خوف للفتية من ضباع الشوارع

لا خوف للبلاد من ضباب مباغت......

***

البشير عبيد – تونس

 2022/11/23

 

ايتها القصيدة

إلى اين تمضين بي

والجهات جميعها  تسير معي

لماذا حينما اكتبكِ

تنثرين غبار الأسئلة

فينبتُ اشواكاً في احداقي

وتبدأ متاهتي

إنه الزمنُ

لم يعدْ صالحاً للشعر

تختنق فيه القصائد

برائحة  الطحالب والشوائب العالقة

هل لي ان ابحث عن بهاء لها

كي تتنفسَ

فليس ثمّة من يخيط لي صباحاً نقياً

واترك غزلان قصائدي

ترعى في خمائله

حسنا

سأفتح نافذةً

واطلُّ منها على الحياة

أليس القصائد تنمو في اتساع الحياة

سأكتب عن تلك الشجرة

التي تتكئ على  رأس الشارع

ولكني لا اريد أن تكون قصائدي

خضراء ووادعة

فقد تداهمها البغضاء

سأكتب عن ذلك الرجل

الذي يمرُّ امامي

وهو يمتطي حصاناً اشهب

ولكن ستنهمر على رأسي التواريخ

فاسمع دربكات الخيول

تشقُّ طريقها في الغبار

وصليل السيوف

فأنا لا اريد لقصائدي

ان تكون منهكةً

كما لو أنها خرجت تواً من الحرب

ومن حروفها تقطر الدماء

وصيحات الجرحى

ليس لي إلا أن اغلق نافذتي

وايقظ  في رأسي

شجرة الماضي

اهزّها فتسّاقط الذكريات

واكتب عن حبيبتي

حبيبتي التي ما زال عطرها الزكي

يطارد قصائدي

عطرها الذي كان يجذبني إليها

كي اضمّها الى صدري

فتفلت من بين ذراعي

مثل ظبيٍ شرس

ولكني لا اريد لقصيدتي

أن تكون شرسةً

إنها الحيرة

وليس لي راية اسير خلفها

لأخرج من متاهتي

قال احدهم :

اكتب عن البلاد

إنها فكرةٌ جميلة

أن اكتب عن بلادي

ولكن كثيرون من كتبَ عنها

فبتلعتهم قصائدهم

وخرجوا منها من غير بلاد

فأين القصيدة التي سأكتبها

كلمّا ذكرت بلادي

امتلأ فمي بالماء

وتعطّلت الكلمات

وكلما حاولت أن اكتب القصيدة

اخرج  منها

وخاصرتي مثقلة بالطعنات

لهذا ساترك قصيدتي

يكتبها عن البلاد

شاعرٌ يأتي من بعدي

علّه يرى زمناً صالحاً للشعر.

***

شعر: طلال الغوّار

كان يدقّ الفكرة في هشاشتي بكعب

حذاء فاتن

يُحاولُ اللّونَ المبشًرَ بالبدايات

و يقيس المسافات التي تفصله عنها، بدقّات قلبي

كان يقطف الفرح من عينيّ ليُعدّ لها

المعنى…

كم كان ينتظرها

يستعير عطري ليبلّل الشغف تحت

قدميها

يُعدُّ لها من وجنتاي باقات عشق

و يكتبها بالتاء المفتوحة لتتسع اكثر

يقطف لها الأزمنة و ينتظرها

كم كان ينتظرها

لعلّ سكّين سِينِها تقطع عادة الغياب

لعل عينها المُشْبَعَةَ تراه

ليصبح ذاك الحظّ… سعيدا

***

امال جبارة / تونس

نِيرانٌ حاقِدةٌ بَغِيضَةٌ تَلتَهِمُ أَمالَ وَعَقلَ سَلمان     

كانت السَّاعة تُقاربُ العاشِرةَ صباحاً، وصل الضيوف بالوقت المحدد لمكان اللقاءِ في (مَقهى الأيمان) حيث كان(سَلام) يقف أَمام واجهة المقهى بانتظارهم ، بناءاً عَلَى طلبهم، أجلسَ (سَلام) ضيوفه (الثلاثة) في أحد أركان المقهى الشَّعبي، وطلبَ لهم ما يودون تناوله من المشروبات، الحارة أو الباردة، والمعلوم أن في مثل هذا الوقتِ تقل فيها حركة رواد المَقهى، الضيوف (مجموعة من المدونين) المهتمة بتوثيق بعض من مآسٍ ومعاناة لا حصر لها لأكبر مدينة في (بغداد) والتي يرافقها منذ تأسيسها الجور والفقر والخراب، المدينة التي أطلق عليها في بداية أنشاؤها (مدينة الثورة) والتي بنيت في فترة العهد الجمهوري الأول (1958- 1963م) لإسكان آلاف العوائل العراقية النازحة من مختلف مناطق جنوب العراق للعاصمة بغداد والتي كانت تعيش في مجمعات عشوائية كبيرة جداً في(صرائف) بيوت بدائية تشيد من القصب وسعف النخيل والطين.  

عدلَ(سَلام) من جلسته عندما طلب منه أحد(المدونين) أن يلتقط لهم صورة جماعيَّة، قبل بدأ الحديث.

وَابتدأ حديثه مرحباً بضيوفه: أصدقائي الأعزاء ألف أهلاً وسهلاً بكم دعوتكم في هذا اليوم بالذات لمرور سبعة أيام فقط على مأساة عائلة (سَلمان) صديقي وزميلي وَ جاري وَ ورفيق عمري لقرابةِ نصف قرن؛ سأقص لكم شيئاً عن أهم محطات ومعاناة هذه العائلة التي مزقتها و شردتها وأحرقتها السنون العجاف، الحروب والحصار وفوضى الانتصار.

 بُرهَةَ صمتٍ ثُمَّ باشر (سَلام) حديثه مُجدداً: بيت عائلة صديقي (سَلمان) يبعد عن هذا المكان حوالي (50) متراً، بعد انتهاء جلستنا، سآخذكم بجولة لمشاهدة الدار التي أصبحت(حطاماً وَركاماً).

 هذه(المقهى الشعبية) التي نجلس فيها قديمة الآن عمرها أكثر من سنين عمري تعد من أشهر مقاهي الحي الذي نسكنه، كنا أنا وَ(سَلمان) نتردد عليها بأستمرار ، فنحن قد ولدنا معاً بهذا الحي.

أخرجَ (سَلام) صورة قديمة من محفظته تجمعه بصديقه (سَلمان) بحركةٍ توحي بأهمية الصورة وضع بعناية الصورة أمامهم على الطاولة، في الصورة (شابان اسمران رشيقان) بطول متوسط وملابس انيقة بشعرهما الطويل الأسود، وبابتسامة مرحة راح يحدثهم : هذه الصورة عندما كُنا في سن المراهقة، في الصورة (سَلمان يحمل بيده مجموعة من الكتب المدرسيَّة) كنا في مرحلة الدراسة الثانوية التي لم يتمكن (سَلمان) من اتمامها، لكنه تميز بمجموعة من الصفات كان ودوداً، كريماً، هادئ الطباع، قليل الكلام، متزن اللسان محباً كثيراً للمطالعة وخصوصاً للأدب مولع بقصص وروايات (نَجيب مَحفوظ).

وأستطرد بحديثه: بَعْدَ أن أنهى(سَلمان) خدمته العسكريَّة الإلزاميَّة والتي امتدتْ لما يقارب مِن عشر سنوات، مشاركاً رغم أنفه بالحروبِ المدمرةِ التي خاضها سُلطان البلاد، ليتلقفه بعدها حصار اقتصادي ثقافي اجتماعي سياسي، لا تقل وطأته وقسوته ومدته من سنوات الحروب الماضية.

عندما بلغ سن (الأربعين) من العمر كان (أباه وأمه) يلحان عليه كثيراً بضرورة الزواج، فهو أبنهما الوحيد المتبقي إذ قتل أو فقد أو وقع بالأسر، شقيقه الأكبر(قاسم) خلال سنوات الحرب المنسية كما كانت تسميها وسائل الإعلام العالمية، في أحدى المعارك الطاحنة من عام (1987) بمنطقة (نهر جاسم). لِمْ يتم العثور عَلَى جثته، أو عَلَى أي دليل يوثق أسره أو وفاته، حتى بعد انتهاء الحرب، لَمْ تحسمْ قضية الأسرى،ولمْ يعرفْ بشكل صحيح أعدادهم وأسماؤهم، وكذلك لم تتمكن السلطات من دخول المنطقة - التي دار بها القتال- المليئة بآلاف من جثث القتلى من الطرفين المتقاتلين، لكون المنطقة مزروعة بآلاف الألغام، رغم أن السلطات آنذاك أخبرتهم انه (شهيد) في إحدى ساحاتِ القتال، لكن بقيت العائلة تتأمل عودته، بعد أن علموا علم اليقين أن عدة (آلاف) من الجنود قد وقعوا بالأسر.

عام(2000) رتب حاله ورمم داره وتزوج، كان عمره (أربعين) عاماً، بقيَّ يعمل عامل بناء، مهنة شاقة وتتطلب منه قوة بدنية، لكنه كان صبوراً لم يفت اليأس عضده، يعيش مع أهله في بيتهم المتواضع المتكون من غرفتين ومطبخ وحمام ومرافق صحية، وباحة صغيرة فيها التنور وقن للدجاج. رغم صغر الدار وقدمها لكنه كان فخوراً (بوالديه) فقد تمكّنا من تشييد هذه الدار، في هذه المدينة العجيبة، وسط العاصمة.

يضحك(سلام) ويتوقف لحظة من الحديث، ويعدل نظارته الطبية، ثم يعاود حديثه:

نعم أنها حقاً مدينة (عجيبة) كما كان يحلو لرفيق عمري(سَلمان) أن يسميها، فالمدينة يتبدل اسمها وكثير من معالمها كلما تغير نظام للحكم في البلد، المدينة مترامية الأطراف مهملة بائسة مكتظة بالبناءِ وَالسكان، لكنها كثيرة العطاء و منبع لا ينضب للطاقات والمبدعين،يالها من مدينة!

ثم يعاود الحديث عن صديقة وعائلته:

 رزق(سلمان) بطفلين الأول بنت والأخر ولد، الولد يشبه أباه كثيراً ، عندما سمع أن الله رزقه بولد، طار من الفرح، ونقل البشرى بلهفة إلى (والده) وهو مسرور فرحان سعيد، في الحال أطلق عليه جده (أبو قاسم) أسم (فرحان) والدته وهي بمنتهى الغبطة وزعت الحلوى على الجيران.

ولادة الطفل (فرحان) زادت من متاعبه وهمومه، جاء الطفل إلى الدنيا وهو عليل، لفَ فيه الأطباء والمستشفيات، كان الجواب دائماً أملاً ضعيفاً في شفائه؛ فيما نصحه بعض الأطباء بعد كثرة مراجعات وتوسلات بأن ابنه الصغير، لا يوجد له علاج يشفيه من مرضه في الوطن؛ لكن يمكن معالجته في خارج العراق، فالبلاد تمر بحصار دولي، وعلى مضض أقتنع بذلك.

كان يردد مع نفسه وكلما التقيتُ به:

- من أين ليَّ المال؟

- كيفَ أجمعه؟

- كمْ أحتاج من المال للسفر والعلاج؟

- من يعيل عائلتي عندما أسافر؟

 أصبح هذا الهم الجديد شغله الشاغل واخذ كل تفكيره.

عام (2003) سقط نظام الحكم، في قمة الاضطرابات و الفوضى التي تجتاح البلد و بعد السقوط المدوي بشهر واحد، توفي والده (أبو قاسم) وهو بعمر يتجاوز الـ (70) عاماً تقريباً بعد أن أعياه المرض وهم التفكير بعودة أبنه المفقود(قاسم)!

زاد صديقي (سَلمان) من عزيمته وساعات عمله، بعد أن طور من مهنته فقد أصبح (بناء) أَو كما يقال في اللغة الدارجة (خَلفة) أَو (أسطة) وليس عامل بناء، كي يحاول جاهداً أن يجمع مبلغاً من المال ليعالج به طفله؛ زوجته هي الأخرى قررت أن تعمل كي تساعده و تجمع معه المال؛ حيث أفتتحت من سياج الدار باباً أخرى على الشارع وعملتْ منها شيئاً يشبه الدكان تبيع منه الخضار وما يحتاجه الصغار مِنْ الأطفال من حلوى.

الجدة والدته(أم قاسم) رغم كبر سنها تكبت أوجاعها و تحاول مساعدتهم في رعاية الأطفال والطبخ.

(سَلمان) لا يهدأ يعمل ويجمع التقارير ويحاول إنجاز معاملات السفر ويتصل بالمنظمات الإنسانية والطبية، العراقيل والمعوقات والمراجعات اصبح عددها كثير جداً بعد سقوط النظام، ألتجأ إلى الوساطات بين المعارف والأقارب علها تعينه على بلواه، لكن دون جدوى؛ لكنه لمْ ييأسْ، وَلَمْ يفقد الأمل.

بَعْدَ مُراجعات مضنية قاربتْ السنة تمكن من الحصول عَلَى جواز السفر الجديد، له ولطفله العليل، إحدى المنظمات تكفلتْ بتزويده بمجموعة من التقارير الطبية، ووعدته بمساعدته بعلاج طفله خارج القطر، لكنْ يتطلب الأمر ان يكون في الدَّور" الطابور" فقبله مجاميع كثيرة تشبه حالة (ابنه) وقد راجعتْ وتنتظر دورها هي الأخرى؛ طلبوا منه أن يعطيهم رقم هاتفه، أعطاهم رقم هاتفه النقال" الموبايل"، أخبروه أنهم سوف يتصلون به عندما يحين موعده، بعد أن أكملوا له الفحوصات والتقارير الطبية.

وَما هيَّ إلا أشهر قلائل حتى دَخلتْ البلاد في أتون حرب أهلية دمويَّة طاحنة، مستعرة يغذيها عديمو الضمير بالمال والسلاح والخداع والكذب والنفاق، من مافيات الأحقاد والانتقام والتصفيات، أريقتْ فيها الدماء بالشوارع، وشلتْ الحياة بالبلاد وخصوصا في (العاصمة بغداد).

 ذات صباح من خريف عام (2006) رنَ هاتفه النقال، نظر إلى الرقم وفتح الموبايل بلهفة هيَّ نفسها المنظمة الإنسانية التي سوف تنقذ فلذة كبده، كان ينتظر هذه المكالمة على نارٍ أحرِ من الجمرِ فهيَّ أمل العائلة الوحيد:

- ألو، نَعَمْ أنا سَلمان

- حدثوه بلطفٍ وطلبوا منه التريث والانتظار إلى أن تنفرج الأَزمة التي تعصف في البلاد.

- عندما أخبرني (سَلمان) بذلك كانتْ عيناه تغرقان بالدموع.

- واخبرني كذلك أن (زوجته) قد أغميَّ عليها ونقلتْ إلى المستشفى، عند سماعها ما دار بالمكالمةِ، وضرورة التريث.

في ربيع عام (2008) لمْ يَزَلْ البلد يغلي والاضطرابات مستمرة كما المد والجزر تهدأ ساعة و تزداد ساعات أخرى، المعاناة والمشاكل والفوضى تعم البلد، تتراكم الهموم عَلَى الهموم، أعلن الإنذار في المدينة، المدينة محاصرة، أصوات المدفعيَّة وأزيز الرصاص يسمع ليل نهار، قصف عشوائي، وقتل عشوائي، الطيران يجوب السماء القصف لا عَلَى التعين، الجميع في حالةِ هلعٍ وَ خوفٍ، أحدى المنازل التي بالقرب مِنْ دارهم وفي نفسِ شارعهم، في أحدى زخات القصف سقطتْ عَلَى دارهم قذيفة مدفع، هدمت الدار على مَنْ فيها، كانوا (خمسة) ضحايا جميع افراد الأسرة الزوج وزوجته وثلاثة أطفال، أخرجتْ أشلاؤهم من تحت الأنقاض.

كنت شاهد (عيان) عما حدث بهذا اليوم الدموي، في مساء ذات اليوم زرت بيت صديقي (سَلمان)، للاطمئنان عليهم، والحديث معه عن أخر الأخبار، أستقبلتني (أم قاسم) بأبتسامتها وكلماتها المعهودة (هله يمه، كل الهلا بسلام)، كركرات الأطفال وصخبهم يبدد الخوف المحيط بالمكان.

كانت في الدار ثلاثة (فوانيس) نفطية موزعة في البيت، تبدد عتمة الظلام وَتخفف من الرعب الرعب، يجلسون كالمذعورين بالقرب من طباخٍ نفطيٍّ صغير، ينفثُ (القدر) الذي فوقه بخار حساء العشاء؛ في هذه اللحظة رن الهاتف النقال ألتقط (سَلمان) التلفون وفتح (مكبر الصوت الجميع في البيت يسمع ما يدور من حديث) المكالمة من قريب له في طرف المدينة الأخر، من أبن عمه (جبار) أخبره أن حريقاً هائلاً يضرب الأسواق والمخازن وأسواق الجملة قرب منطقتهم التجارية، فيما هو يهاتف قريبه؛ صوت انفجار مدوي هائل يقتلع الأبواب والشبابيك، تتهاوى أجزاءٌ من البيت، تعيق الحركة، حاول عبثاً إنقاذ (زوجته وأمه) بعد ان تمكن من إنقاذ طفليه، الحريق أمتد ليلتهم عدة أجزاء من الدار، تجمهرت الناس في محاولة لإنقاذ العائلة المنكوبة مثل ما يحدث في مثل هذه الظروف التي تحتاج الغيرة والنخوة العراقية، وما هي إلا دقائق حتى أخرجوا (زوجته) وهي تصرخ بهستريا وأثار الحروق على وجهها... لكن للأسف الشديد رغم المحاولات التي بذلها الجيران لإخماد الحرائق والإتصال بسيارات الإطفاء لكن دون جدوى فخط مديرية الدفاع المدني/ الاطفاء(مغلق) فالمدينة ساحة حرب محاصرة منذ ثلاثة أيام والقصف على أشده عليها.

(أم قاسم) بقيت محاصرة داخل البيت تصرخ وتتوسل وتستغيث لنجدتها؛ فقد حاصرتها النيران، وَالجدران المتهاوية التي راحت تضيق الخناق عَلَى تلك المرأة المنكوبة سلفاً، رويداً رويداً خفتَ صوتُ استغاثتها وَتوسلاتها، ثمَ تلاشى صوتها الخارج من تحت ركام الغرفة المتهاوية المحترقة، بعد ساعتين من محاولات نجدتها، أخرجت من تحت الانقاض جثة هامدة تشوهها الحروق المتفحّمة، صراخ وبكاء وعويل الجمهرة الكبيرة من رجال الحي وشبابها وأطفالها ونسوتها يشق عنان السماء، وهو يختلط مع أصوات الإنفجارات و أزيز الرصاص ونباح الكلاب المذعورة هي الأخرى.

وقف(سَلمان) مذهولِاً، مذعوراً، عيناه تذرفان دماً بدل الدموع، وأحتبس لسانه فأصبح لا يجيب الناس عن استفساراتها وأسئلتها الكثيرة، كأنه يَعيش في عالمٍ أخر لكنه لا ينقطع عن الحديثِ بصوتٍ مسموعٍ يناجي به ربه، يداه وساعداه مفتوحتان مرفوعتان في الهواء بتجاه السَّماء وهو يردد نفس العبارات:

{رَباه لِمَ كلُّ هذا العذاب

 أيّ ذنب اقترفناه

اِحترق البيت

اِحترق كلُّ ما في البيتِ أحلامنا، أمالنا،

المال الذي جمعناه

جوازات السَّفر الأوراق الثبوتيَّة

التَّقارير الطبيَّة

زَوجتي،

 حَتى أُمي

رَباه ما هذا البلاء،

رَباه ماذا أبقيتَ لَنا}

لَمْ نستطعْ تهدئته، بقيَّ يُردد نفس العبارات كأنها ترانيم درويش صوفيّ في محراب، يحفظها عَلَى ظهرِ قلب، إلى ان بزغتْ أول أنوار الفجر، فَبانَ وجهه شاحباً معفراً بالتُّرابِ وَالسُّخام وَبشعرٍ أشعثٍ مَشُوبٍ بالشَّيب، وهو يترنَح ذات اليمين وذات الشمال كمن أثمله الإسراف في شربِ الخَمر؛ حتى سَقط أرضاً مغمياً عليه...

سادَ الصمت، ورانَ الحزن والألم عَلَى الجميع، وَبصوتٍ خافتٍ متهدجٍ حزينٍ أختتم (سَلام) حديثه: لقد أنظمَ(سَلمان) إلى قافلةِ الضحايا الطويلة ... لَقَدْ أحترقتْ أَحلامَهُ، وَلَمْ يَعد يشعر بشيء.

***

يَحيَى غَازِي الأَميريّ

كتبتْ في نيسان/أبريل 2008

مالمو ــ مملكة السويد

 

" قالوا: ليقمْ إسماعيلُ ويذهبْ إلى الشرق،

سَيكونُ له بيتٌ في الصّحراءْ،

فليسَ هنا بيتٌ لإسماعيلْ ".

من التراث

***

لبسوا قناعَ الحَضارةِ،

بَكوا على أمسِهمْ،

قالوا: كنا مُشردين.

أقاموا المَذابحَ،

والحَرائقَ،

وشرّدوا النساءَ،

والأطفالَ،

والشيوخَ،

وسرعانَ ما اتقنوا مهنة َ الجَلادينْ!

نادوا:

لنا هنا أرض ٌ ليسَ فيها شعبْ،

وجَعلوا من شعبنا

إسماعيلَ القرن العشرينْ.

**

خذيني إليكِ

خذيني إلى ساحاتِكِ

يا أختَ حطينْ*

لأمسحَ دموعَ الثكالى

وأقبّلَ الأولادَ

وأصافِحَ الرّجالَ الرّجالَ.

**

خذيني إلى شعبك المُقاومْ

خذيني إلى قدسكِ الطاهِرْ

خذيني إلى شبّان أريحا والخليلْ

لأحملَ شيئا من حزنكِ الكبيرْ،

لأرميَ حَجَرا

بوجه كلّ سياسيٍّ عَميلْ .

خذيني لأسهرَ مع المقاومينَ

في البيرة، في الناصرة،

بمَضافاتِ الخليلْ،

كي أصرخَ على مَسمَع ِ

كلّ جُنديّ مُغتصبٍ، دَخيلْ:

نحنُ لم نمُتْ بَعد!!

نحنُ لم نمُتْ بَعد!!

عَبثا تهيئونَ لنا القبورْ!!

نحنُ لم نمُتْ بَعد...

يا إخوتي بغزّة َ، وجنين، وبالجَليلْ.

***

بقلم إسماعيل مكارم

.........................

هوامش ومراجع:

* وقعت معركة حطين بالقرب من قرية المجاودة في فلسطين في الرابع من تموزعام!1187 بين العرب والمسلمين من جهة والصليبيين من جهة أخرى، وكان قائد هذه المعركة صلاح الدين الأيوبي الشهير، الذي حقق نصرا عظيما على الصليبيين. مع الأسف نحن في مدننا لا نحتفل بذكرى الإنتصار على أعدائنا، كم نحن بحاجة إلى تمجيد ماضينا لأجل نهضة حاضرنا.

* دونت عام!1993، وألقيت في حفلة أقامها الشبابُ الفلسطينيين بمناسبة يوم الأرض بدار الموسيقى، في مدينة كراسنودار، في روسيا الإتحادية.

 

نظر الضابط إلى هويّة الرجل الجالس أمام مكتبه، بعد أن قلبها وعرف ما فيها من معلومات، ثم نظر للرجل قائلاً:

- نعم يا سيد وحيد.. على رسلك وخذ وقتك واحك لي قصتك لكي نستطيع مساعدتك

أخذ وحيد شهيقاً طويلاً، ومسح قطرات العرق المتناثرة على جبينه العريض بمنديله ثم قال:

- عذراً جناب الضابط.. ينادونني في المحلّة "وحّودي"

- لا يهم.. نحن نتعامل مع اسمك في الهويّة الرسمية.. نعم أخي.. احك لي ماذا عندك؟

 تنهّد وحيد بحسرة خرجت مع زفير:

- إنها أحداث قد تبدو غريبة ولكنها حدثت معي.

ابتسم الضابط وقال بنبرة تشجيع:

- لا عليك فأنا لن أدعك تغادر حتى نتعرف على ما حدث معك، ونضع حداً لما يريبك. فقط تكلم ولا تهتم يا صديقي

انشرح صدرُ وحيد حين استمع لكلام الضابط، ودلق ابتسامة عريضة من فمه قبل أن يبدأ بالكلام قائلاً:

- حدث هذا قبل ثلاثة أو أربعة أسابيع لا أذكر بالتحديد. حين رفعت سماعة الهاتف وأنا في شقتي،  وخاطبني رجل قائلاً أن ابني سيخطفونه من المدرسة.

- هل تعرف أو سمعت من قبل صوت الذي اتصل بك؟

- لا يا جناب الضابط.. لقد كان صوته مجهولاً بالنسبة لي..

أومأ الضابط لوحيد في أن يكمل كلامه فاستدرك قائلاً:

- كنت أظن ان هذا الاتصال من شخص يريد مضايقتي أو ابتزازي. ولكن ما حدث قد كسر قلبي حيث لم أأخذ بالكلام وأحمله على محمل الجد. بعد أن فقدتُ زوجتي التي ماتت ولم يرها ابني، إذ توفيت وهو بعمر أشهر تقريباً. ها أنا ذا أعاني من مرارة الفقد مرة أخرى ولكن هذه المرة مع ولدي المسكين.

انزل وحيد رأسه واضعاً كفيه على وجهه وبدأ بالبكاء. لكن الضابط شجّعه على اكمال حديثه والتحلي بالقوة والصبر. مسح وحيد دموعه وبعد دقيقة استدرك قائلاً:

- لم أكن أملك سوى هذه الأسرة، وأمي التي تعيش في قريتنا السابقة التي تبعد بضعة كيلومترات عن مدينتي الحالية، وأتواصل معها بين الحين والحين. وكذلك صديق الطفولة الذي كان زميلاً لي وصديقاً في قريتنا. والصدفة الجميلة أنه كان يحمل اسمي نفسه. وتواصلي معهم كان من خلال الهاتف الأرضي.

تساءل الضابط مقاطعاً وحيد:

- تتصل بالهاتف الأرضي ذاته؟ ألا تملك يا سيد وحيد هاتفاً نقّالاً لكي نحفظ رقمك؟!

لوهلة نسي وحيد حزنه مع ابتسامة متبادلة بينه وبين الضابط ثم قال في حماسة:

- لا بالطبع لا أملك هاتفاً نقّالاً.. أنا أعتمد على هاتفي الأرضي لأنه من إرث العائلة. لقد أشتراه أبي رحمه الله منذ ثلاثين سنة ولم أفرط به. ولا يتصل بي سوى أمي وصديقي وصاحب الصوت الملعون الذي عاد مرة أخرى ليبلغني أن أمي قد ماتت

- كيف أبلغك وماذا قال لك.  تساءل الضابط فأجاب وحيد:

- لقد أتصل بي في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ليخبرني أن أمي ماتت، وأن أقاربي في مغتسل الأموات ينتظرونني في قريتنا

- ربما يكون أحد أقاربك اتصل بك ليبلغك بوفاة والدتك؟

- لا يا جناب الضابط.. أنا أعرف صوته جيداً.. فهو لم يبلغني بهذا وحسب، بل قال لي بصوته الذي لا يغادر أذني ورأسي، أنه كان جالساً عند رأسها حين توفيت. وأنها تمتمت باسمي قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

هزَّ الضابط رأسه ثم سأل:

- حسناً وماذا حدث بعد وفاة والدتك.. هل اتصل بك مرة أخرى؟!

أجاب وحيد:

- نعم.. اتصل بي لاحقاً ليخبرني أن صديقي، صديق الطفولة، يرقد في المستشفى بعد أن تعرض إلى طعنة بسكين، وهو عائد من عمله الليلي في شارع من شوارع القرية الخالية.

- هل ذهبت للمستشفى للتأكد؟. تساءل الضابط فأتاه الجواب:

- نعم بلا شك.. كيف لا أذهب؟. فأنا أعرف جيداً أنه بلا أهل، ويعيش يتيماً، لهذا لم يكن له أحد يسأل عليه سواي. وقد راعني ما رأيت من منظر حين طالعت صديقي ممدداً على سرير وقد وضعوا على وجهه شرشفاً. وحين سألت الممرضين والطبيب عزّوني به بعد أن فارق الحياة نتيجة الطعنة. ولا أشك أن صاحب الصوت الذي يتصل بي هو من وراء هذه الجريمة. وهو الذي خنق أمي المسكينة على سريرها، واختطف ابني الوحيد منّي، وربما قد رماه في النهر أو دفنه تحت الأرض وهو حي.

عاد وحيد إلى نوبة البكاء مرة أخرى. نهض الضابط من مكانه وقدّم له كأساً من الماء وربّت على كتفه طالباً منه أن يتحلى بالصبر متسائلاً:

- دعنا يا سيد وحيد نرتب هذه الأحداث.. هناك من يتصل بك كل مرة، ليبلغك عن مصيبة ستقع أو وقعت لأشخاص من عائلتك وأصدقائك. اتصال هدّدك بخطف ابنك، واتصال آخر ابلغك بوفاة والدتك والاتصال الأخير أخبرك بمقتل صديقك.. هل لديك عداوة مع شخص أو تعرضت للتهديد أو لديك مشكلة ما؟؟.

أجاب وحيد وهو يهزّ رأسه نافياً:

- لا يا جناب الضابط.. لم تكن لدي أية عداوة مع أي شخص. وحتى لو كانت لدي عداوة مع أحدهم، لماذا لم يستهدفني صاحب الصوت بشكل مباشر. لماذا يذهب ليقتل أحبابي؟!.

عاد الضابط إلى كرسيه وسأل وحيداً هل قدّم شكوى سابقة عن اختطاف ابنه فأجاب:

- نعم بلا شك.. قدّمت شكوى لكنها لم تُعامل بشكل جدّي. فقد طلب مني الشرطي المسؤول عن تلقّي الشكاوى صورة لابني. ولأنني لا أملك له صورة قابلني بتجاهل عجيب. ثم أن الشرطة حين ذهبوا إلى المدرسة التي كان ابني تلميذاً فيها، اخبروني أن مديرة المدرسة نفت وجود تلميذ لديهم بهذا الاسم. وقد أُقفل التحقيق لعدم وجود أدلة على شخصية ابني العزيز المسكين الذي صار مصيره مجهولاً.

نفخ الضابط على راحتي كفيه ثم دعكهما قائلاً:

- حسناً يا سيد وحيد.. سنجري بعض الإجراءات ومنها مراقبة هاتفك لكي نتعرف على مصدر الصوت. وأريد متمسكات رسمية عن عائلتك. ولكن قبل هذا، أريد منكَ الآن أن تذهب معي إلى شقتك، لكي ألقي نظرة إن لم يكن لديك مانع. وبالمرة نحاول العثور على صورة لولدك لكي ننشرها فيتم التعرف عليه.

هزَّ وحيد رأسه موافقاً وبالفعل نهضا الضابط ووحيد ومعهما شرطي سائق لسيارة الشرطة. وحين وصلوا إلى الشقة اعتذر عن الفوضى، وأخبر الضابط أن الشقة حالها كما يرى، بسبب أنه بلا عائلة بعد أن توفيت زوجته ولم يتزوج احتراماً لمشاعر ابنه المفقود. ثم أن الضابط سأل وحيداً باحثاً عن صورة لابنه ولعائلته وصديقه فقال وحيد هاتفاً:

- أه.. يا لخيبتي.. لستُ من هواة التصوير وجمع الصور. ولكن الصورة الوحيدة التي أملكها هي صورة لأمي، تلك التي تراها أمامك معلقة على الجدار.. سأذهب إلى غرفتي لعلي أعثر على صورة تخص زوجتي وابني المسكين أو صديقي الذي قتله المجرم صاحب الصوت اللعين.

وحين دلف وحيد إلى غرفته طالع الضابط صورة والدة وحيد، والتي كُتب تحتها عبارة ترحم على روحها، والسنة التي ماتت فيها، وقد كانت قبل ثلاثين سنة. وحين عاد وحيد من الغرفة خائباً ومعتذراً أنه لم يعثر على صورة واحدة لعائلته سأله الضابط:

- لم تقل لي يا سيد وحيد.. كم عمرك؟

- عمري ثلاثون سنة.. سأدخل في السنة الواحدة والثلاثين بعد شهرين ربما

نظر الضابط إلى وحيد طويلاً ثم سأله:

- ألم تقل أن أمك كانت تعيش في القرية وأنها توفيت خلال الأسابيع الماضية؟! فكيف قد توفيت قبل ثلاثين سنة كما هو مكتوب في تاريخ الصورة؟! هذا يعني أنها ماتت وعمرك مازال صغيراً ربما كنت بعمر شهور!!.

ترك وحيد الضابطَ ولم يجبه، وتوجّه فاغراً فاه إلى صورة أمه المعلقة، ونظر إليها طويلاً وصدره يتحرك كما يتحرك صدر حيوان صغير بعد الولادة. ثم أن الضابط سأله مرة أخرى عن مكان الهاتف الأرضي الذي يتصل به، لكن وحيداً لم يحرك عينيه عن صورة امه المعلقة. هذا ما دفع بالضابط إلى التوجه للبحث عن الهاتف. ثم عثر عليه بسهولة فقد كان موضوعاً على طاولة، وإلى جنبها مرآة قديمة لم تمر عليها فوطة تنظيف منذ مدة. بدأ الضابط بتقليب الهاتف والنظر إليه، فانتبه إلى أن سلك الهاتف كان مقطوعاً وليس فيه رأس، ذلك الذي يدخل في مفتاح الهاتف. فتش الضابط عن مفتاح في الجدار فلم يجد. حينها أدار وجهه لوحيد وسأله أن كان هذا الهاتف صالحاً ولديه خط من خطوط التوصيل. لكنه ظل واقفاً وصامتاً لبرهة ثم أرجع الهاتف ووضعه على الطاولة.

خاطب الضابط وحيداً وهو يطالع الهاتف العتيق:

- إذن يا وحّودي.. سنتأكد من هوية صاحب الصوت، بعد أن نجري مراقبة لهاتفك فلا تخف على نفسك. وربما سنعثر على ابنك المخطوف سالماً ونعيده إليك. إنه هاتف قديم!!. لعل أباك قد اشتراه بثمن غال في ذلك الوقت!!.

أنتبه الضابط إلى طول مدة الصمت. نفض كفيه ثم سار بهدوء صوب باب الشقة، بعد أن ألقى على المكان نظرة أخيرة، ثم خرج واقفل الباب على مهل. تاركاً صاحب الشقة وحيداً،  الذي ظل يطالعُ متسمراً كالتمثال صورةَ امه المُعلقة على الجدار..

***

أنمار رحمة الله

في المطار، وقبل أن يأتي موعد طائرتي فكرت أنه قد يحصل لي، كما في الأفلام، تلك التي يتعرف فيها ضائع وحزين ما، بفتاة من نوعه مختلفة، جميلة وغامضة وعميقة العينين. كان هناك وقت كاف، ثمة ثلاث ساعات  تفصلني عن موعد رحلتي، وأنا هنا وحيد، مع حقيبة سفر، وحلم جامح ورغبة في الحديث والضحك ومشاركة الطعام معها، تلك التي ستأتي، كما رسمها كتّاب الروايات والقصص. ربما في البدء ستمرُّ بشكلٍ عابر، تسألني عن مكانٍ ما في هذا المطار الكبير، بعدها تتشكّل الكلمات والأفكار لتنتج حديثا، سأنبهرُ بعينيها السوادين، ويديها وصوتها، وألمح حزنا وحكايات خلف حديثها المقتضب وصوتها ذي البحّة العذبة.

ستكون تلك الساعات القليلة، مفعمة بحديث عابري السبل، عندما تجمعهما محطات السفر، حيث يشجعهما كونهما غريبين على البوح والشكوى والتذمر وحتى البكاء، فهما أحرار من صِلات القرابة وتبعاتها.

على مقعدي في زاوية من المطار البارد ذي المساحة الشاسعة ومع حركة المسافرين الدائبة، الراحلين والعائدين، الحزينين الذين يلوحون بأكف الوداع، والفرحين بحلاوة اللقاء والعناق، كنت هناك، أنتظرها، تماما كما في الأفلام، حين تجيء مثل حُلم لتشرق شمس كانت قد أفلت في قلب البطل، البطل مثلي، على مقعده يشعر بالخذلان، مثلي أنا الآن في هذا المكان، مع هذا الكتاب الممل والحقيبة المحشوة بأمتعة تافهة، ومظلة لم تعد تجد في المطر إغراءً. انا بائس جدا مثل بطلٍ في روايةٍ  لكافكا، يرسمُ كيف سيطرق سمعه وقعَ كعب حذائها على البلاط الصقيل، وتغشاه نفحة من عطرها، ليحصل ما يحصل. حيث سنتحدث حتى سماع النداء  بالتوجه للطائرة، وعندما نفترق، يحدث أن أمسّ يدها، فتتشبث بي، ومن يدري قد يحصل أنها تغير وجهة سفرها كما يحصل في الكتب تماما.  مثلما  تمنيت واشتهت روحي المثقلة بحنين لا يوصف.

مع أن نصف ساعةٍ مرّت دون أن تظهر، لكن المشهد أمامي شديد الوضوح والألق حيث تلتقي عيوننا وتشتبك نظراتنا التي تنتظر لحظة، قد تكون هي اللحظة الأهم في العمر. ومن حولي وجوه  أصدقائي الذين لطالما ظنوا أنني خائب في الحب، وأمي التي توقعت دائما أني سيء الحظ وزوجتي التي تركتني بحجة عزلتي وغرابة اطواري وهوسي بالقراءة، جميعهم أمامي الآن حزينون لأن حلمي يضيع، وابتسامة مرة صفراء على وجوههم التي تُظهِر العطف. وتتهمني بالسذاجة، كدت أصدق أنا الآخر، لولا أن عطرها غمرني، وخطواتها على البلاط طرقت سمعي، تماما كما في خيالي. اقتربت مني، صارت بمحاذاتي. رأيت وجوه اصدقائي وأمي وزوجتي تبتسم مرة أخرى بسخرية، لكن تلك الإبتسامة اختفت عندما التفتت نحوي وسألت عن مكان ما.  إبتسامتها كانت أجمل بكثير من تلك التي رسمها خيالي. لا أعرف إلى أي حد كانت عيناي مفضوحتين، فقد قرأتُ في عينيها أنها تفهم كلّ شيء، كانوا هم حولي فاغري الأفواه، ينتظرون إن كانت ستجلس أم تمضي في طريقها غير آبهة. لكنها  لمحت عنوان كتابي، فقالت بفرح (عجبا .. منذ مدة وأنا أبحث عن رواية 'الوشم" كيف حصلت عليها)، قلت لها فورا إنني أهديها لها، ترددت قليلا (لا يمكن ذلك إنه كتابك)

- لقد قرأته..ويسرني أن تقبليه مني

- شكرا.

لقد تصفحت الكتاب وهي جالسة على المقعد قريبة مني، بيديها اللتين اعرفهما كما اعرف جزءا مني. فيما بعد تكلمنا عن أبطال الرواية وأحداثها، للحظة نسيت أين أنا وماذا انتظر وأين كنت أنوي الذهاب، حتى الوجوه المحدِقة بي، تلاشت، ولم تبق سوى رموشها وهي تومض مثل قنديل في قرية نائية. وقفت فجأة، وقد عدلت من وضع حقيبتها متوسطة الحجم، كان موعد رحلتها قد حان. لم أرد أن تمضي أبدا، كانت فاتنة ورقيقة وتحب القراءة مثلي، ماذا لو جميع الكتاب وضعوا نهايات سعيدة لقصصهم؟ كنت أسير معها وقد اقتربت لحظة الرحيل.  مددت يدي في جيبي، ثمة علكة بطعم النعناع، أخذتْها مني ضاحكة. لقد رغبت في حصول شيء مهم، شيء خطر قد يحول دون سفرها، في هذا البلد تحصل دائما أشياء سيئة، كنت أفكر فقط لكني لم أقصد حقا أن ينشب حريق في إحدى صالات المطار، لقد ارتبك الجميع، وعمت الفوضى، وحده قلبي كان سعيدا، محلقا، يمسك بيدها ويركض، كان الدخان كثيفا وسقط كثيرون وارتبكت حركة الطائرات، وتناثرت بعض الحقائب، ودوت أصوات سيارات الدفاع المدني والإسعاف، لكني كنت مطمئنا..هادئا جدا،  أمسك بيدها الصغيرة  وأخبرها أن كلّ شيء سيكون بخير.

***

تماضر  كريم

 

صفعه عطرها حين ارتقى سلم الطابق الثاني في البناية التي كان يسكنها، امرأة تكبره بعشرين عاما تقريبا، نظر اليها بفضول ودهشة حين صادفته وقت عودته من عمله وهي خارجه من البناية، تركته في حيرة من امره فربما تكون قد جاءت لزيارة أقاربها، هو شاب ثلاثيني متزوج وله طفلين، واصل صعود السلم والسير بخطوات بطيئة قاصدا شقته ليلقي بجسده على كرسيه الكبير المغلف بالجلد الأسود الطبيعي تاركا ذراعيه متدليتين وهو يفكر بعطر تلك المرأة المثير. كان يوما مختلفا عن باقي الأيام فقد كان أكثر هدوءا، استقبلته زوجته وأعدت له مائدة الغداء وتبادلت معه حديثا معتادا بشكل يومي عن مشاغلها المنزلية وذكرت له أيضا بأن أناسا جددا قد سكنوا في نفس الطابق في الشقة المجاورة لشقتهما، نظر اليها بصمت محاولا استدراجها في الكلام أكثر عن اية معلومات أخرى تكون قد حصلت عليها، وواصلت زوجته الحديث، يبدو أنها ارملة ولديها ولد واحد. أظهر عدم اهتمامه بالموضوع وقام في تثاقل باتجاه الحمام وهو يقول: لو طلبت منك أي مساعدة ساعديها، قال لنفسه يبدو أن الأمنيات تتحقق دفعة واحدة في بعض الأحيان وأن السعادة ربما تحط على الانسان بصورة مفاجئة.

اعتاد على أن يتأخر في النوم يوم الجمعة ولكن جرس الباب أيقظه في الثامنة صباحا وتساءل من يطرق الباب في هذه الساعة المبكرة؟ عندما فتح الباب شعر بالدهشة المقرونة بالفرح إذ كانت الطارقة هي المرأة التي سكنت بجوارهما وهي تلقي عليه تحية الصباح بصوت خجول، رد عليها التحية وقلبه يخفق وسألها أن كانت في حاجة لأي شيء قالت لا اعرف كيف يمكنني ربط الكهرباء بالشقة وأخشى أن اتسبب بحادث ولايوجد من يمكنه مساعدتي الان. كان ينظر في عينيها وهي تتحدث وعندما أكملت كلامها قال لها (تدللين).

ذهب معها وقام بربط الأسلاك وشعر بان يده ترتجف وكأنها عصفور تعرى في ليل شتاء بارد، سألته ان كان يرغب في شرب الشاي او القهوة؟ فقال لها ربما الشاي يكون أفضل، قدمت له الشاي وتبادلا حديثا مقتضبا وخجولا عن الكهرباء وهو ينظر إلى بعض تفاصيل جسدها التي لم تستطع أن تخفيها ثم عرض عليها ان تأخذ رقم هاتفه فيما إذا احتاجت بعض الأمور ولكنها ترددت وهي تقول: لا اريد طبعا ان اسبب لك إحراجا فانت رجل متزوج ولكنه أكد لها بأن الموضوع طبيعي جدا وانهم جيران طبعا وليس هناك أي احراج في الموضوع وهكذا تبادلا أرقام هواتفهما وسألها بماذا يعرفها فقالت الاسماء ليست مهمة او اكتب أي اسم تريده لعله يكون افضل بالنسبة اليك، ثم غادر مع شعور لا يوصف من الاسترخاء رغم أنه لم يسألها عن ايه أمور شخصية من قبيل وضعها الاجتماعي مثلا. حدث نفسه قائلا: تذكر بأنك متزوج وعليك ألا تفكر بامرأة أخرى ثم أنها امرأة أكبر منك سنا بكثير. لكن أي زواج واي زوجه تلك التي أفكر فيها، لم يكن زواجي سوى وظيفة اجتماعية القت على أعباء كثيرة وجاءت بزوجة ضعيفة لا أستطيع حتى ان اضع برأسي على صدرها الهزيل ليستريح، لقد بدأ الآن يلقي بحبال افكاره لكي تلتف حول جسدها الممتلئ والمثير رغم فارق العمر الذي يريد ان ينساه. في اليوم التالي ضغط بقدمه على دواسة البنزين وأطلق العنان لسيارته لتنطلق كطائرة تحلق به في السماء قاصدا عمله متمنيا ان تكون هناك فرصة للاتصال بتلك المرأة بعيدا عن أنظار العالم وبالفعل بعد الانتهاء من عمله اتصل ليطمئن عن العطل الذي أصلحه وردت عليه بكلمات لطيفة تعبر عن مدى اعجابها بشهامته، كان سعيدا بكلامها وقال لها بأنه سيكون في خدمتها إذا احتاجت اي شيء آخر.

لم يتصل بها منذ ثلاثة ايام او يراها واستغرب أنها لم تفارق ذاكرته طوال هذه الساعات، فكر في أشياء كثيرة أخرى يتمنى لو أنها تتحقق لكن من الصعوبة جدا ان يتخيل شكل العلاقة التي يتمناها مع هذه المرأة ليس لأنها أكبر منه سنا بل لدواع نفسية واجتماعية أيضا، لكنه قال لنفسه انها تجربة مثيرة وعميقة لاسيما مع وجود تلك الفوارق، لأيهم قال وهو يحدث نفسه عندما نظر الى زوجته وسيقانها النحيلة وفمها المفتوح كفم سمكة ان تكون بديلا مناسبا لما اشعر به وهو يقارنها بالمرأة المثيرة، أنها هزيلة وضعيفة الشخصية أيضا وأنا أحب المرأة القوية الممتلئة التي تفيض بالمشاعر والتي تضعف بين يدي حين المسها، ولم يتردد في هذه الأثناء لحظة واحدة حينما أمسك بهاتفه وأرسل وردة لها عن طريق الواتس آب واغلق هاتفه ونام بعد أن أنتظر عشر دقائق لم ترد فيها على رسالته .

قبل انتصاف النهار في اليوم التالي أضاء هاتفه بأشعار قد وصل منها قالت فيه (أنت عطرها) أجاب على الفور بابتسامة ملئت وجهه، كيف حالك جارتي العزيزة: قالت أشكرك، استأذنها ان يتصل بها صوتيا فوافقت وبسعادة بالغة اتصل بها وبدء حديثه بتحية جميلة، ثم قاده الحديث للسؤال عن زوجها وأهلها: إجابته توفي زوجي بحادث اثناء عمله وأهلي يسكنون خارج العاصمة ليس لي أحد هنا سوى أنا وولدي هذا سألها لماذا لم تتزوجي أجابت: من يقبل للزواج بأرملة في هذا السن اعتادت على وحدتها ولديها ولد مراهق. صمت لدقيقة ثم قال لها بتردد: هل يمكنني دعوتك على الغداء، هناك مطعم عائلي يقدم طعام ممتاز، وافقت فورا بدون تردد، في اليوم التالي انتظرها قرب المطعم ولمحها تنزل من سيارة الاجرة، تعثر بخطواته ليجلس على اول طاولة يصادفها بالمطعم وهو يشعر بالخجل، أشعل سيجارة، ثم رحب بها بابتسامة عريضة قائلا لها انرت المكان ماذا تحبين ان اطلب لك؟ اعتدل على كرسيه وارتسمت على وجهه ملامح الإعجاب بهذه المرأة الانيقة والمثيرة، كان المكان يضج بنظراتهما لبعضهما فلتلك المرأة حضورها الطاغي على المكان وسرح بخياله بعيدا، بعيدا جدا الى اقاصي احلامه ورغباته المكبوتة. وبعد ان انهيا طعامهما وحديثهما الجميل غادرا المطعم، ذهب كل منهما لوحده. عندما عادت الى الشقة نظرت في المرآة كانت اخاديد العمر ترتسم على وجهها، قبل هذا اليوم لم تكن تهتم اما الان فهي تود أن تقبض على عمرها وتتوسله ان يتوقف، ولن تدع ابنها يلتهم سنوات عمرها التي اضاعتها، لن تدع الزمن يلتهم تفاصيل حياتها، لقد اخذت الموضوع بصورة جدية تامة ولم لا؟ من حقها ان تتمتع بحياتها وتعيشها فهي مازالت تلفت نظر الرجال، لقد شعرت بحيويتها فعلا وهي تجلس معه وتتبادل الحديث، وماذا لو كان أصغر عمرا منها؟ المهم هو ما يشعر به اتجاهها وما تشعر به اتجاهه.

ارتدت زوجته فستانا جديدا وهي تحاول اثارته كعادة الزوجات وجلب انتباهه لكن نظراتها لم تعد تغريه بل كانت تطرده على العكس من نظرات تلك الارملة والتي كانت تتقن فن المناداة دون أن تتكلم. أصبح يضيق ذرعا بتلك الزوجة الخجولة التي لأتعرف سوى التنظيف والإنجاب، فكر بان يتصل بالجارة المثيرة فلم يعد يطيق الانتظار وقرر ان يتصل بها في اليوم التالي اتصل بها بعد ان أنتهى وقت عمله ردت عليه بسرعة وكأنها كانت بانتظار ذلك الاتصال، تكلم معها في امور شتى ثم قال لها لابد من أن ألتقي بك اليوم عند المساء زوجتي سوف تزور اهلها وستبيت الليلة عندهم سأكون بانتظارك لا تتأخري، وبقت صامتة ولم ترد ولكنه قال لها سأكون بانتظارك ايتها الملكة. عندما حل المساء لم يداخله الشك في انها ستحضر ما أن طرقت باب حتى فتح لها الباب جاذبا يدها إلى الداخل فقد كان في انتظار تلك اللحظة المذهلة التي سيكون فيها معها لوحدهما وربما هي أيضا كانت بشوق لذلك اللقاء الذي سيطفئ لهيب جسدها في غرفة نومه التي أعدها بشكل يليق بلقاء حميمي بين رجل وامرأة. جلست على طرف السرير وجلس يقربها ونظر في عينيها الغائرتين وجفنيهما المتهدلين وكأنه يراهما لأول مرة بوضوح، كم كانتا قريبتا الشبه من عيني امه، دفن وجهه في صدرها وتصبب منه العرق وشعر بحرارة تغزو جسده وضعفا يعتريه، ونسى كل شيء، كان راسه فارغا تماما، ربتت على كتفه وأزاحت رأسه من على صدرها وتركته وحيدا وغادرت.

***

نضال البدري - بغداد

 

كان ألم الرحيل الابدي الأخير لخالي من هذه الدنيا، في مثل هذا اليوم قبل سنتين، مُضاعفًا، كون خالي هو آخر الرجال الكبار الراحلين واحدًا تلو الآخر في اسرتي الصغيرة المهجرة من قريتها سيرين، المقيمة حاليًا في الناصرة، وكونه كان دائم الحُلم ولم يقطع الرجاء بالعودة إلى قريته المنتظرة المسترخية على الروابي والتلال البعيدة، طوال أيام حياته، فجاء الموتُ ليضع حدًّا قاسيًا لهذا الحلم، ولينقله بالتالي إلى الابناء والاحفاد... من يعلم.

ولد خالي عوض عبد الكريم- سيدي- نسبة لوالدته، قبل 87 عاما في قريته الوادعة سيرن... حتى عام 1948. في هذه السنة، سنة النكبة، كان والداه قد رحلا عن هذا العالم، تاركين إياه هو وشقيقه الاصغر، محمد موسى عبد الكريم-سيدي، في عُهدة والديّ، وكان من الطبيعي أن يرافق خالاي حديثا السنّ في حينها والديّ ليتشرّدا في طول البلاد وعرضها، وليتنقّلا بالتالي من قرية إلى بلدة ومن بلدة.. إلى أن استقرّ بهم المقام في المدينة التي سأولد فيها وسأحبها حبي لأمي وأبي.. مدينتي الحبيبة الغالية الناصرة.

تنقّل خالاي برفقة أهلي في الناصرة من بيت مستأجر إلى آخر، وكنت أراهما، أنا الطفل حديث العهد بالحياة آنذاك، مثل وردتين تتفتّحان في حديقتنا الحزينة المتواضعة، وتكبران يومًا اثر يوم وسنةً بعد سنة. كان خالي الاصغر محمد الموسى حريصًا على الدنيا، خائفًا متوجّسًا منها ومن عقاربها اللسّاعة القتّالة، وقد كتبت عنه وعن رفيقة دربه خضراء حسين الفودي، في كتابي "حياض غثيم- سيرة ذاتية من خلال آخرين"، لذا أحيل من يُود معرفة المزيد عنه إلى هذه الكتابة، أما خالي عوض، موضوع كتابتي، حزني وألمي الآن، فقد كان لاهيًا معتزًا بنفسه، يهمه مظهرهُ الخارجي.. ارتداء الملابس الملائمة وتصفيفة الشعر، بصورة كبيرة ولا تقارن بتلك التي اتصف بها شقيقه الأصغر، وقد عمل خالي الراحل في مجال البناء طوال فترة عمله المركزية في الحياة، وعندما نضج ارتبط بابنة مهجرين مقرّبين من بلدتنا هي آمنة حسن عبد الغني العجاوي( 1941- 2009)، وانكبّ على عمله واصلًا الليلَ بالنهار، لإعالة أسرته الصغيرة التي كبرت سنة اثر سنة، وعقدًا بعد أخيه..، والغريب أنه كان يصرف كل ما يتقاضاه مقابل عمله، غير حاسب حسابًا لأيام يقلُّ فيه العملُ وتضيق فيه ذاتُ اليد، فأدخل نفسه في ديون ضيّقت عليه الحياة إلى أخريات أيامه. وقد قضى خالي في مهنته الشاقة هذه وقتًا مديدًا، تجاوز العشرات من السنين، إلى أن كبر وكان عليّ بعد كل ذلك السعي في مناكب الحياة، أن اقترح عليه عملًا آخر يريحه من معركة الاسمنت، الرمال والجير، فسألني عمّا يمكنه أن يفعله وقد كبر في العمر، فاقترحت عليه العمل في الخفارة- الحراسة، وقد عمل فيها حتى انتهاء فترة عمله وإحالته إلى التقاعد.

بعد رحيل زوجته، قبل أحد عشر عامًا، عام 2009، وانتقال كل من أبنائه ذكورًا واناثًا للإقامة إلى جانب أزواجهم وأزواجهن في بيوت مستقلة، عاف خالي بيته القديم في سوق الناصرة- البلدة القديمة، وانتقل للإقامة في بيت مستأجر في الحي الشرقي من المدينة، وكان هذا البيت يقع قريبًا من بيت آخر مستأجر أقامت فيه ابنته الصغرى- أفراح- برفقة زوجها عبد، لذا انتقل في السنة الاخيرة الماضية بعد أن نالت منه الشيخوخة والاعاقة الجسدية الطفيفة ( العرج)، للإقامة مع ابنته هذه، وكان ابّان هذه الفترة دائم التردّد على مسجد السلام القريب من مكان إقامته لأداء الصلوات والالتقاء بأناس ما لبث بعضٌ منهم أن تحوّل إلى صديق له يتقاسم معه تمرة الافطار في الايام الرمضانية، كما ذكر الشيخ فارس العابد في كلمة اختتامية له في يوم العزاء.

كان خالي رجلًا بسيطًا متواضعًا، وأكاد اقول درويشًا، أحب الناس فبادلوه الحب، وكان متسامحًا لا يحمل الضغينة والغلّ إلا لوقت قصير، ويغلب على ظني أنه ما إن كان يلتقي بمن اختلف معهم من الأقارب والمحيطين، حتى ينسى الخلاف ويمدّ يده لمصافحتهم، فاتحًا صفحة جديدة ملأى بالتسامح والمحبة، وقد شهد بيتُ العزاء على مدى محبة بُسطاء الناس، من رفاق الجامع والشارع أيضًا، لشخصه المُسامح الكريم. ومما أذكره بصدد الحديث عن شخصه الرقيق الطيب، أنني عندما كنت في سن الثالثة أو بعدها بقليل، عبّرت عن رغبتي في الحصول على ساعة يدوية، وكان أني حلُمت خلال نومي في بيته أنه يضع هذه الساعة في يدي، لاكتشف في الصباح الساعة حقيقة قائمة وتلتف حول يدي.. التفاف اسوارة حول معصم غالٍ .. اسوارة تساوي الكثير.

قبل سنتين.. في يوم اربعاء ماطر حزين، شيّعنا خالي إلى مرقده الاخير، في مقبرة الناصرة القديمة، القريبة من مستشفى الناصرة/ الانجليزي سابقًا، وآوبناه هناك إلى جانب زوجته آمنة حسن عبد الغني، بعد أن انتظره مدفنه ذاك أحد عشر عامًا، دون أن يشغله متوفىً آخر، رغم ضيق مساحة المقبرة.. بعد انتهاء التشييع وانفضاض الابناء والاحفاد.. ابتدأ المطر بالهمي رذاذًا.. رذاذًا ثم.. انهمر.

***

ناجي ظاهر

 

جميع الفراغات ملأتُها بالكلام

بالمواويل ..

بالعتابِ المرِّ

بالبوح الشفيف ...

و رسمتُ قنديلا،

ضوءهُ أخضر، ثابتٌ كالنخيل

في الحجرِ

رتّبتُ مكتبتي،

و نسّقتُ ما يدور في خاطري من سنين

وتعلّمت الخياطةَ، وشربت ُ  أشياء أكرهها

كالحليبِ، والقرفةِ  واليانسون

وفكّرتُ كثيرا في تجربة قراءة الفناجين

في الحجر ..

أدمنتُ معرفة أعداد المرضى والميّتين

أدمنتُ حزني عليهم

و بكيتُ، بكيتُ كثيرا،

على هذا الكوكب الملعون

في الحجر،

السحبُ خلف نافذتي،

و الشمس تنامُ في شَعري

والستائر تغمزُ للعتمةِ والظلال

لا أنتظرُ أحداً،

لا أحدَ ينتظرني

وثمّة كف تنفض الغبارَ عن القابعين

خلف الجدار ..

هناك الملايين منهم حيارى

محبطين ..

خلف الجدار ...

في الحجر،

قلبٌ يحبُّ،

يرقص ُمثل عصفورٍ جريح

يبحثُ عن وجهٍ يظنّهُ المستحيل

عن يدٍ تلمسهُ

عن همسةٍ تحتويه ...

في الحجرِ ...

لم أُشاهد وجه أُمّي،

ولا صوتها وهي تعاتبني:

لماذا قصائدك بلا قافيةٍ يا تمارا؟

في الحجرِ  ..

قرأتُ معلقةَ اليشكريّ،

و قصائد الخنساء في أخيها صخرْ

وأنا من قَبْلُ لا أحبُّ سوى الشّعر الحُر

حيث نزار والسيّاب والماغوط

في الحجر،

قرأتُ حين تركنا الجسر

وعيون إلزا ..

والرجع البعيد

ومضيتُ مع الأبطال وحيدةً

بلا تبعات

عشتُ هناك، فصلاً من الفصول

تجلٍّ من التّجليات

في الحجر،

نسيتُ من أنا

من أنتم

نسيت أبعاد غرفتي

والتّواريخ

والأشكال والأسماء

نسيتُ طلاء أظافري

بلونِ الحزن الَّذِي بعينيّ

ولونِ البنّ الَّذِي بنكهة الهال

في الحجر،

تمرُّ وجوه  الرّاحلين

كُلَّ  دقيقةٍ بخاطري

أكفّهم تلوّح من بعيد

كأنّها قاربٌ للنجاة  ...

في الحجر،

تبدأ ُ الأشياء ُ لوحدٍها

وليس لها انتهاء !

***

تماضر كريم

 

 

عام 1963

تدنو منه أمه في الغرفة الجديدة، ماذا تفعل هنا؟ أقرأ، يقول لها، ماذا تقرأ؟ تسأله، يرسل نظرة صامتة إليها، ويتابع القراءة. تسأله أمه وهي مولّية ألا تريد أن تتناول الطعام؟ بعد قليل يا أمي، بعد قليل.

تنصرف أمه، يواصل القراءة في كتاب " الأم" يطوي الصفحة تلو الصفحة، يتوقّف عند بعض الكلمات يعيد قراءتها لا سيما تلك التي تتحدث عن صمود الأم وثباتها على أرض لا تميد، أم مكسيم جوركي تشبه أمه من العديد من الجوانب، الاثنتان مناضلتان في هذه الحياة، الفرق بينهما أن المجال اتسع أمام أم جوركي وضاق أمام أمه، أمه جاءت مع أبيه وأخويه الأكبرين من قرية سيرين بعد أن طردهم منها اليهود، كم من مرة حكت له عن كفاحها من أجل أن تحافظ على ما تبقى من الحياة.

يواصل القراءة، كم هو معجب بما يقرؤه، يشعر بقدمي أمه تدبان بين الغرفتين، يفتعل عدم رؤيته لها، تدنو منه تضع يدها على رأسه بحنو لا حدود له، ألا تريد أن تتناول الطعام يا ولدي؟ بعد قليل يا أمي، بعد قليل. الساعة متأخرة يا ولدي أخشى أن أنام دون أن أضع لك الطعام، لا تخافي يا أمي لا تخافي، بعد قليل أعدك أن أفرغ من القراءة، وأن آتي إليك.

يبقى وحده في الغرفة لا يشعر إلا بحركة الحياة تنبعث من الكتاب بين يديه، المقارنات تتواصل، الناس عند جوركي يقاومون الظلم، الناس حوله مستسلمون له، لا حول بيدهم ولا قوة، أبوه يعمل بعيدًا عن البيت وأمه تحاول أن تسد الغيبة، أحيانًا تعمل في أراضي اليهود، اليهود أخذوا البلد وأخذوا معها راحة البال، لم يخلّفوا وراءهم سوى الشقاء.

الليل يمضي متقدمًا دون أن يشعر بأنه في ليل، الكائنات في كل مكان صامتة إلا هو هناك في غرفته هو يقرأ الصفحة تلو الصفحة، حالمًا بامتلاك عالم ما يقرؤه.

يواصل القراءة. تهل تباشير الفجر، تستيقظ أمه من نومها، يشعر من حركتها تدب في ساحة البيت، تدنو منه مرة أخرى، أما زلت تقرأ منذ مساء أمس؟ لماذا تفعل هذا كله؟ أريد أن أكون كاتبًا، يرد عليها بشمم، أريد أن أكتب القصص عنكم وعن عذابكم مع الأيام. تنظر إليه أمه كمن لم يفهم، ماذا تقول ستكتب القصص؟

عام 1968

يكتب قصته الحقيقية الأولى، قبلها كتب الكثير من القصص، ما إن كتب تلك القصة حتى شعر أنه وضع قدمه على بداية الطريق، ليس مُهمًا ما يقوله آخرون، المهم ما نقوله نحن عن أنفسنا، هو شعر بنفسه أصبح كاتبًا، أخيرًا تمكن من الكتابة عن أمه ومدينته، بل عن حبيبته المتخيّلة، لكن ماذا عليه أن يفعل كي يتأكد من أنه أصبح كاتبًا؟ الكثيرون من أصدقائه القلائل آمنوا به قالوا له أنك كاتب بالفطرة، قرؤوا كتاباته بانبهار، أنت مولود لتكون كاتبًا، هو يعرف أنه أصبح كاتبًا لكن كيف يتأكد؟ كيف يعرف أن ما يسمعه من أصدقائه لا يعدو كونه شفقة ورأفة بولد مهجّر ابن مهجّر؟

ظل يفكر إلى أن توصل إلى تحد ليس سهلًا، ما لبث أن بادر إلى خوضه، فإما يكون أو لا يكون، إما أن يواجه فشله وإما أن يضع قدمه في خطوتها الأولى على طريق المجد (كان متأثرًا فعلا بكتاب" طريق المجد للشباب لسلامة موسى).

طوى القصة عدة طيات وضعها في مغلف اشتراه من المكتبة خصيصًا، كتب عليه عنوان مجلة" الجديد" المجلة الأهم في بلاده تلك الفترة، وأودعها صندوق البريد الأحمر القريب جدًا من بناية البريد في الناصرة، أودعه هناك إبعادًا لأي سبب قد يحول دون وصول الرسالة إلى عنوانها.

في نهاية الشهر اشترى مجلته المقدسة، ليفاجأ بقصته منشورة فيها، حمل المجلة كأنما هو عرف أنه يمكنه أن يفعل شيئًا للمرة الأولى في حياته، وركض إلى بيته، كان فرحًا يريد أن يشارك الإنسان الأعز على قلبه فرحه بقصته.

اقترب من أمه احتضنها، لقد أصبحت كاتبًا، أصبحت كاتبًا يا أمي. أمه ترسل نظرة مستفسرة، ماذا تقول؟ أصبحت كاتبًا؟ يعني ستكتب الرسائل لمن لا يعرف كتابتها ستعمل قبالة المسكوبية؟ كلا يا أمي، انتظري ها هي أهم مجلة في البلاد نشرت واحدة من قصصي. ماذا يعني هذا يا ولدي أنا لا افهم عليك، هذا يعني أنني أصبحت كاتبًا يا أمي، سأملأ الدنيا قصصًا عنكم وعما ذقتموه من عذاب. لا أفهم لا أفهم يا ولدي، على كل حال " على الله يطلع من بيت هالمطبلين مزمر"، سأزمر يا أمي سأزمر، سأكون كاتبًا، سأكتب أجمل القصص.

عام2006

تأتيه أمه في منامه، تقترب منه، هو ما زال يقرأ الكتاب تلو الكتاب، أما زلت تقرأ الكتب يا ولدي؟ نعم يا أمي، الكُتّاب لا يتوقفون عن قراءة الكتب، إلا في واحد من أمرين حينما يرحلون من هذه الدنيا، أو حينما يفقدون أبصارهم، ويستدرك حتى حينما يفقدون أبصارهم فإنهم يبحثون عمن يقرأ لهم الكتب.

تتمعّن والدته في ملابسه، لماذا أراك تزداد فقرًا يا ولدي؟ لقد أصبحت كهلًا وبعد قليل تصبح رجلًا مُسنًا، وأنت كما أنت ما زلت فقيرًا، إلى متى ستبقى فقيرًا يا ولدي، ألا يفيدك أنك أصبحت كاتبًا؟ لست فقيرًا إلى هذا الحد يا أمي، ثم إنني لا أعرف ماذا يخبئ لي الغد، كم كنت أود لو أنك بقيت إلى جانبي في عالمي الفاني هذا لنقطف ثمرة أحببت أن نقطفها معًا. تتمعن أمه في ملابسه، لكن لماذا ترتدي هذه الملابس الرثة يا ولدي؟ يحاول أن يشرح لها أن يقول لها إن الإنسان الجميل يبدأ من الداخل إلى الخارج، وليس العكس، وإن من يبدؤون من الخارج إنما هم أناس تعساء، يشرح ويشرح ويشرح، إلى أن تستوقفه أمه بإشارة من يدها لا أفهم ما تقوله يا ولدي، أنت تعرف أنني أميّة لا اقرأ ولا اكتب، إلا أنني افهم أن الواحد منا نحن بني البشر إنما يحاول أن يحسّن حياته. أنا أحاول أن أحسن حياتي يا أمي، لا تقلقي، أرجوك لا تقلقي، طريق الكُتّاب كثيرًا ما تكون طويلة، أطول من أعمارهم، لهذا هم يعيشون أحيانا بعد رحيلهم، لا أفهم عليك يا ولدي، ما افهمه انك ينبغي أن تعيش حياة أفضل من هذه، وماذا تقترحين يا أمي؟ أقترح عليك أن تبحث عن عمل آخر يمكنك من أن ترتدي أفضل الملابس، لن ابحث يا أمي، قلت سأكون كاتبًا، يعني سأكون كاتبًا.. ولن أتنازل عن حلمي.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

للمرة الألف، ولن أسأم، أقول لك: إن مكانك ليس على قارعة الطريق. ويدك لم يخلقها الله كي تكون في الموضع الأسفل. أنت رجل كرّم الله مقامك. فكيف تمد يدك متوسلا المارة من أجل قطعة نقود، يرميها لك المارة على عجل. كم من مرة هممت بركلك كما يركل الأطفال كرة مطاطية. كم تمنيت أن لا تراك عيني، وأنت محتب في تلك الزاوية النتنة، وروائح البول تزكم أنوف المارة. كنت شبيه كيس قمامة مهمل منذ أيام. تلتهم بنظراتك عيون الراجلين.

أحيانا كانت ترنو لي فكرة مفادها:

ـ إنّك تسيء للوطن والإنسانية جمعاء. لم يهدِ الشهداء أرواحهم من أجل أن تقبع أنت على قارعة الطريق تستجدي غيرك. أنت تجرد الإنسان من ذرات الكرامة والعزة.

آه منك، كلما مررت بذلك الشارع المزدحم، ألفيتك مغروسا في عين المكان كوتد خيمة نسيّه صاحبه لحظة الرحيل. فأشعر بوخزات في كامل جسدي. أكاد أصرخ في وجهك بكل قواي الصوتية:

- انهض يا خنزير، انهض.

ثم أستدير نحو المارة قائلا:

- هذا الإنسان محتال. لا تعطوه (دورو) * واحدا. إنّكم ترمون دنانيركم في بالوعة. أنتم تدقون وتد الفشل أكثر.

لكنني أتراجع عن ذلك. أتعرف لماذا أتراجع عن الصراخ في وجهك القذر، وأوجه المارة؟ لأنّ مشاعر الشفقة تغلبني. وكلما زاد إشفاقي، زاد حقدي عليك. وكلما ارتفع منسوب الحقد، ازداد إشفاقي. تلك معادلة عذبتني، وملأت دلوي حيرة. وجعلتني أرجوحة بينهما.

كان أجدر بك أن تحيا رجلا محترما ككل الرجال. أو على الأقل تحيا حياة امرأة مترجلة. يا لغرابة هذا الزمن. كيف أصبحت الرجولة عملة نادرة؟ كأن تكون فلاحا في مزارعنا القاحلة. أو معلما في مدارسنا المجانية التي تعلم أبناء الشعب الشعر الجاهلي. أو مهندسا في معاملنا المفلسة. ما أكثر الوظائف المفيدة، المنتجة وغير المنتجة. لو امتهنت الرقص في الكباريهات، أو لعبة كرة القدم، لكنت أشهر الناس وأغناهم. هذا زمن الحكمة في الأقدام لا في الرؤوس.

أنصحك قبل أن تفلت مني أعصابي، وتذوي إنسانيتي نحوك. غادر هذا المكان الموبوء. لم يخلقك الله عالة على الناس، وعمودا على حافة الطريق تنخره الأرضة.

-2-

كدت لا أصدق بصري عندما رأيتك آخر مرة تعبر الشارع الرئيسي. ارتجف قلبي، وأحسست بقدميّ قد ابتلعتهما هوّة هوجاء. عقلتني الدهشة. تبعتك، خفت أن تضيع مني، هرولتُ خلفك، لحقتُ بك دون أن أشعرك بوجودي، راقبتك، تفحصت جزئيات جسدك. أدركت أنّك أنت. لا،لا، ليس أنت. هو شبيهك. كان حذاؤك أسود ملمعا بعناية. بدلتك الرمادية من صنع إيطاليّ على ما يبدو. ربطة عنق أرجوانية، وقميص أبيض، وتسريحة شعرك، كلها تنبيء بأنك رجل مهم، ذو مركز وجاه ومال. آه، لولا أنّي أعرفك شكلا ومضمونا، لصدقت عينيّ. لقد كنت في هيئة عريس في ليلة زفافه.

ساءلت نفسي والعجب موج أطلسيّ يغمرني:

- كيف يحدث هذا؟ هل تاب الرجل؟ كيف تحولت كومة القمامة – فجأة – إلى ربوة مزهرة خضراء؟

وتعقبتُ خطواتك، ولم أتعب. بل زادني فضول الاكتشاف نشوة كنشوة الكمين بعد النصر. ها أنا أمارس هواية جديدة لا أتقن أبجدياتها. والسبب، أنت الذي دفعتني إليها مكرها لا بطلا. أنا لست ممن يراقب الناس، كأولئك المقعدين، الفاشلين، التائهين بين المقاهي والأرصفة وأزقة الروائح الكريهة التي تزكم الأنوف. أعرف أنّ من راقب الناس مات هما وكمدا. وأنا لا أريد أن أكون كذلك من أجل كلب، بل خنزير بريّ مثلك.

ثم امتطيتَ سيارة فاخرة، سائقها شابة جميلة عمرها في حدود الثلاثين. وانطلقت بك. فاضطررتُ إلى ركوب سيارة أجرة لألحق بك.

قلت في سري:

- لا تهم الخسارة من أجل حضرتك. المهم معرفة نهاية الخيط.

لم تبارحني هواجس الغيرة والحسد، وأنا أراك تمتطي سيارة بسائقة أنيقة المظهر. كيف يحدث ذلك. هل تنكّر هذا الزمن لذوي القلوب الطيّبة، والنوايا الورديّة؟ وتبسّم لهذه الكومة الملتصقة طول النهار برصيف مشبع بالبول والبصاق.

توقفت بك السيارة الفخمة عند مدخل ملهى فاخر لا يدخله أمثالي. رأيتك تدلفه مختالا، بينما بقيت أنا مشدوها، حائرا بين نارين. أأقطع الخيط بيني وبينك وأضع حدا لهذه المغامرة الطفوليّة المجنونة، وأدع الأمر لصاحب الأمر؟ أم أواصل حتى النهاية؟ هل يعقل أن أدخل الملهى، وأنا الذي ما دخلته قط. أيسمح لي الحارس بالدخول بهذا اللباس غير المكوي والحذاء المغبر. ثم ماذا لو رآني معارفي داخلا أو خارجا من الملهى؟ وبأيّ وجه أقابلهم في الغد؟

أأقول لهم:

- كنت أطارد متسولا محتالا.

- وما حاجتك به؟

- أردت معرفة حقيقته.

- وهل أنت رجل أمن حتى تطارد الناس ليلا؟

- مجرد فضول.

- أنت على حافة الجنون على ما يبدو.

دنوتُ من باب الملهى، ووابل من القلق يغمرني. أيسمح لي ذلك الحارس بالولوج؟ أم يردّني خائب الأمل؟ ولحظتها سأنصرف، وأخمد في فراشي البارد بجانب زوجتي التي لا تكف عن الشخير، كأنّها بقرة هرمة في جوّ قائظ؟ أم أتكئ على حائط موشوم ببول السكارى وقيئهم؟ أم التصق بجذع شجرة إلى بزوغ الفجر؟ حينها ستخرج يا صاحبي وأنت تتمايل من أثر الشرب والرقص وأشياء أخرى.

و قررت أن أواصل مغامرتي معك حتى آخر خيط من ظلام تلك الليلة. كنت أعلم بأنّني سأخسر الكثير بسبب هذه الحماقة والرعونة. لن أفلت من الأسئلة البوليسية لزوجتي وملاحظاتها:

ـ أين كنت؟ ولماذا تأخرت حتى الفجر؟ ومع من كنت؟ ليس من عادتك التأخر إلى هذا الوقت. لا، لا، هذا أمر لن أسكت عنه. وووو

أأخبرها بكل برودة أعصاب، بأنّني كنت أتبعك أيّها المتسوّل. سترد عليّ بدهشة

و سخريّة وغضب:

- تتبع متسولا. أهاه، هل تريد تعلّم حرفة التسوّل ليلا حتى لا يراك أصدقاؤك؟

- لا، لا، ليس هذا هدفي.

- أم فقدت عقلك يا رجل؟

- لا، لا، عقلي مازال في رأسي.

وتشتدّ بيننا المحاورة. ينضب الكلام الزلال، الحلو، وتحل محله الألفاظ الحنظلية. تملأ العمارة صراخا، حتى تينع الشرفات والنوافذ برؤوس قاطنيها.

قال لي الحارس:

- أرني البطاقة والدعوة من فضلك.

و أفرحتني كلمة من (فضلك).

- أما البطاقة، فهاهي، وأمّا الدعوة فلا أملكها.

- آسف.

- لم أكن أعرف بأنّ الدخول إلى ملهى يحتاج إلى دعوة.

- يبدو أنّك جديد على عالمنا.

و قررت أن أكذب كذبة بيضاء في ليلة حالكة.

- لا، لست جديدا، من عادتي الدخول إلى الملاهي دون دعوة.

أدار رأسه يمنة ويسرة وردّد:

- تلك ملاهي غير محترمة إذن. أما هذا فهو ملهى محترم.

ـ3ـ

باءت كل توسلاتي بالفشل. فالحارس الذي أصبح فظا، أمرني بالانصراف أوالابتعاد، وإلاّ استدعى الشرطة. فاخترت المحافظة على سلامة عزّتي وكرامتي. وإلاّ قضيت بقيّة الليلة في مخفر الشرطة بتهمة الاعتداء على مرفق عام.

ومن أجل أن لا أعود خائبا، فارغ الدلو، كمن وقع بين مخالب الأسد هربا من الذئب. رحت أنتظر خروجك من ملهاك على كومة الجمر. نعم، أيها المتسول (المحترم). صرت أنت السيّد، وأنا العبد.

و تثاقلت خطى الليل، كأنّ نجومه قد أرهقتها وعورة الدروب وطولها. أو كأنّها قد كبّلتها الأغلال. كان رأسي يترنّح بين اليقظة والكرى. بينما كنت أنت غارقا في لهوك.

كانت أحيانا تعتريني أفكار ومشاعر:

- ماذا سأربح من ورائك؟ وجع الدماغ لا غير. أخشى أن يبلغ اهتمامي بك درجة الحقد.

و لم الحقد على متسوّل مثلك؟ لا،لا، أنت – في دائرة اهتمامي – لم تعد متسوّلا. بل أنت محتال. خطرك لا يقل درجة عن المرتشين ومختلسي أموال الشعب والناهبين وواضعي أيديهم في جيوب المساكين. ثم، ماذا سيكون ردّك لو عرضت عليك وظيفة ما؟ وقلت لك:

- دعك من التسول يا هذا. اليد العليا خير من اليد السفلى. العمل شرف وصون للوجه.

تمثلتك أمامي، وأنت تردد:

- هذا أيضا عمل. ألا ترى - يا صاحبي – أنّني أشقى طول النهار.

ألا تقولون أيّها النبهاء:

ـ أن عليّ كسب الرزق بعرق الجبين.

وها أنا أتصبب عرقا كل يوم، وفي كل الفصول. كم ستدر عليّ وظيفتك؟ أنا لا أقوى على تحمّل شتائم المدراء وطلباتهم الغريبة. أنا حر. متسوّل وأفتخر. لست ابن أَمة أو قنّ. لي قلب مثلك وضمير. لا أدعي العمل وأنا بطّال مُقَنّع. لا أستغلّ رزق الشعب لأجل مصلحتي الخاصة. لا أتاجر بالشعارات الثوريّة. لا أدعي المثالية.

قل لي بربك:

ـ ماذا تفعلون بأموالنا القارونية؟ متى يرفع الوطن رأسه من وحل التبعية؟

و صرخت في وجهك:

ـ كفى، كفى....

ما خطر على بالي يوما – ولو في الحلم – أنّك متسّول وفيلسوف. من وهبك كل هذه النباهة يا هذا؟ ألم أقل لك بأنّ الرصيف لا يليق بك؟

وبينما أنا أتخبط في أحلامي التي طوّقت رقبتي، لمحتك - فجأة – تخرج من الملهى رفقة تلك الحسناء. قفزت واقفا كأنّ عقربا لدغتني على حين غفلة. اتجهت نحوك. اقتربت منك. كانت آثار السهر بادية عليك.

رمقتني صديقتك المشبعة بروائح الخمر والماكياج والعطور الفاخرة، وقالت:

- أف، من هؤلاء المتسولين. كأن النهار لم يكفهم.

رمت لي قطعة نقود ورددت ثانية:

- هيا، اركب، يا حبيبي، ودعك من جنس المتسولين.

و غادرتما المكان على عجل. وتسمرت أنا في مكاني أجتر حيرتي. كنت – وأنا عائد إلى البيت – كجنديّ فرّ من معركة حاسمة قبل بدايتها. كانت مرارة الهزيمة لا تُطاق. أجرّ قدميّ، وفي حلقي غصص، كأنّ شوك الحمير ألقى بأنيابه فيه.

أقسمت بأغلظ الأيمان، بأنّني سأركلك هذه المرة أمام الملأ. لن أرحمك، سأفضحك، إن وجدتك في ذلك المكان. سأخبرهم بحقيقتك:

- هذا المخلوق محتال، لا تعطوه. اركلوه. ابصقوا في وجهه وكفيه.

(تمت)

***

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

......................

* دورو: أصل هذه العملة النقدية من الإسبانية، متداولة في عموم المغرب العربي الكبير. مقدارها خمسة (سنتيمات). duro

ازح سوطك المسعور عن ظهر صابرِ

فما الصبر يبقى أو يطول لثائرِ

*

إذا يرتقي حبل المنون وينثوي

كما الشمس يأتي من مغيب المقابرِ

*

غداً ينجلي الليل البهيم و ينبري

لنا الفجرُ حتماً بازدهار الأزاهرِ

*

غداً تقتفي دربَ النضال مواكبٌ

مع الشمس تأتي في مدار الدوائرِ

*

غداً لا نرى إلّا الصحيح بعالمٍ

بهِ ينتهي الجور المحيق بجائرِ

*

غداً لا نرى إلّا الحقوق تتابعتْ

إلى كلِّ من ألفى سعيرَ مجامرِ

*

هنا يبتدي العهد الجديد بموطنٍ

به لم يكن من يزدريه بآمرِ

به أُمَّةٌ تأبى الخنوع لظالمٍ

به أُمَّةٌ لن تستعينَ بآخرِ

*

هنا يرتقي الشعب الكسير بقادمٍ

إذاما غدا كلٌّ إليهِ بناصرِ

*

إذاما اعتلى فيه القياد مواطنٌ

يرى ما ترى عينٌ تراه لطاهرِ

*

فلن يفسدوا من يفسدون.. تبدّلوا

و لن يبقى فينا مِنْ صَنيع مُقامرِ !

**

رعدالدخيلي

أطلت مبكرة من الشرفة التي كانت على شيء مريح من الاتساع، ولكن السور أمامها كان مرتفعا لذا لم يتسن لها أن تشاهد إلا صفحة السماء والطيور المهاجرة في أسراب متوالية، السماء في هذا الوقت من العام واجمة مكفهرة ولم تعد سحبها كما عهدتها خفيفة وجميلة بيضاء ولم تعد ترى فيها أثرا للأطيار التي ألفتها تحلق في كل الأوقات، ظلت خلف زجاج النافذة تنظر لأعلى إلى حيث بدأت تتساقط قطرات المطر، تأملتها كيف تهطل وتتساءل، كيف حملت السحب كل هذه الكميات من المياه لتضرب الزجاج بعنف؟ ثم أين تلك العصافير المغردة التي لم تكن تبرح شرفتها؟ كم تمنت أن ترى سريعا السماء صافية كما رأتها ذات مرة زرقاء تزورها السحب البيضاء الناصعة مرورا لطيفا، لجأت نادية إلى غرفة بنتيها قبل نهوض زوجها، كانتا لازالتا نائمتين وقد علت شفاههما ابتسامة بريئة  أيقظتهما بضع لمسات حانية من أنامل والدتها وهي تهديهما القبلات الصباحية مليئة بكل الدعوات الجميلة الدافئة، ابتسمتا للنهار الجديد ولمحيا والدتهما التي اقتربت من وجنتيهما لتقبيلها بكل ما في الكون من حنان، نهضتا تراقصان أشعة شمس الشتاء التي تسلل بعضها للغرفة من بين السحب، كرهت نادية غربتها، ترجع بذكرياتها إلى تلك البقعة البيضاء التي تعودت عليها مع أهلها وصديقاتها حيث ألفت أن يخفف عنها شدة قهر زوجها لها وتوحشه معها والذي لم يرحمها ولم يترك رحمة ربنا تنزل عليها بردا  وسلاما، انه يعشق إذلالها وتعذيب بنتيها ولاء وشدى،استفرد بها في الغربة، تنهدت وهي تتذكر كم جميلة ساعات الفجر في بلدها، إنها تشعرها كل يوم وكأنها أخرجت للحياة من جديد ونشأت في أحضانها كمثل كل الأولاد والبنات، عندما لعبت وضحكت وركضت في تلك الطرقات الضيقة التي تعرفها، أعادت التنهيدة مرة أخرى لكن من أعماقها فخرجت أنفاسها ساخنة كسخونة العواطف عندما تتغلب على دواعي الإنصاف حتى في نفوس العقلاء، أخطأ أهلها بتزويجها، كان كل همهم أن يوفروا لها الستر في عباءة رجل، لم يشفع لها عندهم شهادتها الجامعية التي نالتها بعد جهد وسهر ومستواها الثقافي المرموق كانت تظن أنها ستأخذ بعض من الحرية حتى تحدد اختياراتها واكتشفت أن الأمر في النهاية سيان سواء درست أو لم تدرس فالمجتمع يختصر الأمر بالنهاية في بلادها في شخص الرجل ولا وجود لحكمة المرأة ولا لرأيها حتى ولو كانت  منطقية وواقعية لأنها مرفوضة لكونها فقط امرأة، تنتصر دائما أخطاء الرجل وما أدراك ما الرجل، قال يوما سنهاجر، لم يعترض أهلها فهو المسئول، ولكنه متهور وقاسي القلب، لم يهمهم هذا الأمر كثيرا بل كانوا يصبرونها  فالفأس وقعت على الرأس وعيب وعار عندهم  لفظ "مطلقة " طالبوها بالصبر كما صبرت الكثيرات مثلها، سيكبر وتكبر بناته وحتما سيتعقل، لم يمنح للانتظار مهلة و قرر السفر إلى عالم جديد مختلف تماما،ومع الأيام صارت جزءا من الحياة اليومية لفرنسا ومن وقت لآخر وعلى هامش الذاكرة المتعبة تصحو فجأة على ضحكة تقفز منها عنوة لتدق أبواب القلب المشرعة للهواء المحمل بشيء من حنين الوطن والمفتوحة دائما لاستقبال نسماته، عاد أخر النهار من عمله ورائحة الخمر تفوح منه وبدأت الملحمة اليومية ضرب وسب وتكسير الأشياء كعادته، قبعت محتضنة بناتها تصبر حالها بغد تجد فيه حلا لنفسها، مضت السنين وكبرت البنات، وبقي هو على حاله، لم تصلحه الأيام بل زاد سوءا، وذات ليلة عندما اقترب كعادته كل مساء لضربها،عاندته شدى ابنتها الكبيرة كي تحول بينه وبينها، أرادت أن تغطيها بجسدها الطري الغض لتمنع عنها اللكمات، فيما بقت ولاء تتأمل الموقف خوفا من وراء باب غرفتها الموارب، رأته وهو يربط قدمي أختها ويعلقها ويبرحها ضربا ويمارس عليها كل أنواع التعذيب حتى إذا ما شارفت على الموت فك قيدها خوفا من السلطات الفرنسية بعدما هدده أحد الجيران بأن يرفع شكوى ضده، بقيت متمددة  تتألم في فراشها، استجمعت شيئا من الشجاعة واعتدلت في جلستها وأخبرت أختها التي ظلت بجوارها وواظبت على مداواتها أنها لن تكمل حياتها في هذا البيت وستهرب، ليلتها  باتت ولاء فزعة من ما سمعت وحذرتها أن الشارع لا يرحم، اشتكت شدى من جروحها وكسورها التي لا تسمح لها حتى بالحركة لكنها مع ذلك صممت على الذهاب إلى الكنيسة المقابلة للبيت، وترجت أختها أن لا تخبر والدها بمكانها مهما كان الأمر وحتى أمهما فلو أخبرتها سوف تضعف وتخبره المهم عندها أن تبتعد بأي طريقة عن جحيم والدها الديكتاتوري المتوحش الطبع وسيء التصرف.. وهربت شدى. عاد الأب مساءا وكعادته راح يبحث عنها محاولا إيجاد أي سبب ليواصل عقابه لها وتعذيبها، لم ينس أنها  تجرأت يوما وحاولت أن تدفع عن أمها شروره، كسر كل ما وجده في طريقه وهو يصرخ صراخا هستيريا ونادية تبكي وتقسم إنها لا تعلم أين ذهبت، مرت السنون وشدى تعيش في دير الراهبات وتنتقل من كنيسة إلى أخرى، طال انتظار نادية لترى ابنتها وفشلت في العثور عليها وفي غمرة انشغالها فاجأها خبر وفاة والدها وقد علمت أنهم بانتظارها قبل أن يدفن حتى تأتي وتراه، ولما أخبرت زوجها السكير بالأمر وأنها ستأخذ  ابنتها ولاء لتحضر جنازة جدها مانع ورفض، ولاء تريد أن ترى أهلها وحتما ستعود لتكمل دراستها الجامعية وكذلك ستعود شدى إلى حضن أمها بعدما تركت البيت منذ سنين طويلة، تحججت نادية بكل الحجج حتى يطمئن ويطلق سراحها، ووافق على مضض ..أعدت ولاء كل أوراقها وأشياءها خفية عن والدها وما أن أقلعت الطائرة حتى تنفستا الصعداء، سافرتا معا في أول رحلة عودة إلى بلدها وعزمتا على أنه لا رجعة للجحيم بعد اليوم، انه فصل الربيع الذي طالما انتظرته، استقبلتهما السماء الضاحكة بدفئها،عادت العصافير إلى تغريدها على  شرفاتها التي ألفتها، اليوم عرفت أنه خارج أحزان سنين عمرها العالم كبير وما أوسعه، راحت ولاء ترمقها بعيونها الجوزية المتوقدة حنانا وذكاء وكبرياء وقد صدق ظنها في السعادة وراحة البال التي تنعم بها ..لانت لهما الظروف واستغلتا فرصة كل لحظة لإضفاء أجواء السعادة بحجم شوقهما لها، لقد ودعتا ذلك الشتاء الفرنسي الشمالي القاسي الذي لا يكاد ينقطع، أخيرا خرجتا من سكونهما الحزين وانعقتتا من استكانتهما المهينة،انفرجت ابتسامة عريضة على ثغر ولاء تعلن إشراق دنيا جديدة في حياتهما ولعل أروع ما فيها أنها رأتها بعيونها وأنها تحمل أكثر مما كانت تتصور محملة بأجمل الأماني في تلك الأفاق المذهلة أن يجمع الله تعالى شملهما مع شدى،، أما هو فانتظر سنينا بعدما هجرته زوجته وابنته طويلا وعاش وحيدا إلى أن أتى اليوم وجاءها اتصال مبتسر أن تحضر إلى المطار في موعد معين، راحت ولاء رفقة والدتها التي أصبحت مشرفة على قسم الطب الشرعي بالمستشفى العسكري، قصدتا المطار وكم كانت المفاجأة لما رأت ابنتها شدى مسرعة نحوها، احتضنتها برفق، دام عناقهما طويلا في هدوء وصمت  كانت مواجهة حارة بالحنين المتبادل، إنها المسافة التي باعدتهن كثيرا وكانت أطول مما ينبغي، مسافة أكبر من السنين، مسافة العمر الذي انقضى في الهم والغم، نطقت عيون الأم هاتفة، ها أنت يا بنيتي بين أحضاني من جديد بنفس الملامح البريئة وشوقك وطيبتك، لم ينقص منك شيئا حتى آن لنا فالتقينا، وجدت معها طفلها الصغير "يونس " أسمته على اسم والدها الذي غادر الحياة مريضا في مصحة للمدمنين، سألتها والدتها عمن كان يعتني وعلمت أنها هي من  كانت تراقبه عن بعد وكانت تدري كل أخباره ولما علمت انه دخل المصحة فعلت كل ما بوسعها لأن يحيا بقية أيامه مرتاحا لكن عذاب الضمير وشدة الندم وقهر الحسرة عجلت بموته بائسا تعيسا، لقد ظلت شدى الابنة بارة بوالدها رغم كل إساءاته لها، أقبل عليهم زوجها ليكسر الأجواء الثقيلة بمرحه وثرثرته وكان يتصبب عرقا ومتلهفا لرؤيتهم، انه مدير إحدى المدارس العربية الخاصة حيث تعمل شدى، هو من ساعدها على استعادة ثقتها بنفسها وكان له الفضل في تقوية عزيمتها للنجاح في الحياة، هو من قبلها زوجة عن اقتناع بها، رحبت به ولاء وأمها وقد كان أنهى لتوه إجراءات إخراج التابوت من المطار،انه نعش والدها، فسرت شدى الأمر لوالدتها أنها لم ترض إلا أن يدفن والدها بأرضه ويتوسد ترابها فهنا يلتقون جميعا،وبقلوب رحيمة يحيون في عالم من الصفاء والمحبة.

***

بقــلم / صبحه بغوره

 

هذا الصباح يشبهني إلى حدٍ بعيدٍ...

يعيد إلي ملامحي القديمة ورهافة شعوري الخاطف ما بين ساقية قلمي وقلبي...

لا بد إنك متعجب مما أكتبه من كلمات منعشة في صباح تشرييني يوشك أن يزفر برداً ومكتمل البهاء وكأنه صباح مغسول بماء مطر طوال الليل ليصبح مبتل الزوايا كأنه مرآيا عاكسة لنبضه...

هل قلت لك يوماً إنني أخاف من العواصف الكتابية كخوفي من إنشطار البرق في السماء ومن صوت الرعد الذي يهبط على مسامعي بإنحدار مخيف....؟

أريد أن أستقيل من كتابة الجمل المقطوعة كنقطاع النفس ومن لهاث الأحرف التي تعبت وهي تحاول أن تلحق بمعزوفة لحن في سكة سطر عابرة.....

هذا الصباح أكثر الصباحات وضوحاً وأكثر الصباحات عمقاً كأنها قادرة على أن تخرجك من نفسك ومن إنشغالك لتتركك تمتلئ بالضوء المنبعث من النهارات لا الإنهيارات....

أفتقد جداً لهذه الصباحات الورقية التي تأتي بتواقيت مؤقتة كأنها إستثناءات تتسلل إلى مخادعنا كأنها تسابق تلك الصباحات الماطرة دون مطر إلا من رشقات حبر يخيل إلينا إنها فصل البكاء...

رغم كل هذه الرسائل التي نكتبها دون أن تقرأ وهي تجوب المحيطات. وهذا العالم المكتض بالأسرار والآمال والأوهام إلا إنني أجر قلمي ليترك أثراً على ظل الورق الأبيض دون أن أكترث للمصير الذي ينتظر الأحرف المغزولة بخيوط من الضوء الأصفر على جانب النوافذ الزجاجية....

***

مريم الشكيلية - سلطنة عُمان

 

 

 

كُلما مرَّ يومٌ عليكَ

إزددتَ حباً وعذابا

وترنحتْ أحلامك التائهات

على الدربِ اضطرابا

نحتتكَ الريحُ طفلاً

حجراً يبكي انتحابا

عزفتْ في قلبكِ الأوهام

آمالاً عراضاً وارتيابا

فرنوتَ عن بعد لأفقٍ

كي تدنو بعينيكَ اقترابا

ضمِئاً فارقتَ أماً

باحثاً في ماءِ عينيها شرابا

وتمنيتَ إذ هرِمتَ أخيراً

أنْ تعد فتىً ، بالعمرِ شابا

لا تمني النفسَ في أملٍ

كاذبٍ، كان وهماً وسرابا

وتذكرتَ حين فاتَ الأوانُ

أنَّ في الغربةِ كرباً واكتِآبا

كمداً فيها، يموت الشعراءُ

من علةِ الشوقِ إغترابا

شرِبوا من كأسِها الأمرينِ

كما شرِبَ  المظفرُ النوابا

يا أبتِ المرفوع الهامة أبدا

سأُقبله إن عدتُ اليكَ إيابا

لم أجحدْ يوما أنك للأبناء

خيرُ الأباءِ فضلاً واحتسابا

أهديتُ وطني قصيدةَ حبٍ

بأكفِ دموعٍ تطرقُ الأبوابا

وسلامٌ على ابناءِكَ الأوفياء

طيفاً في الحلمِ، أتاهم غيابا

تغربتُ  لا أهلاً سواكَ حللتُ

ولا سهلاً كأرضكَ، نزلتُ رغابا

وأنا على عهدي ذاك  محبا

واتخذتك في صلاتي محرابا

علقتك في عنقي، قلائد شعر

شمساً ساطعةً، نخيلاً وقبابا

وشربتُ حُبكَ ماءَ الرافدينِ

فكانَ عذب المذاقِ رضابا

آليت يا وطني إنْ متُ غريبا

لأعودنَّ اليك ترابا

***

صالح البياتي

أستراليا / سدني

20 / 6 / 2022

بحر ونهر وماء

يقول الماء للنهر

علمني كيف أنساب من عليائك

فأنهمر على ضفافك مطرا وضياء

علمني كيف أصير رفيقا للنوارس

ولموج البحر ساعة الغروب

لكي  يصير لوني بلون السماء

**

جحيم الغياب

أهرب مني  إليك

كأني قطرة شاردة تحن لفيض الماء

من جحيم الغياب أفر إليك

ومن بعيد كلما اقتربت من شرفاتك

أسمع طيفك يردد هيت لك

فتسبقني خطاي...

أراها تعدو...

كأنها عربة تجرها خيول جامحة

من شوقها إليك تطير.

***

عبد االرزاق اسطيطو

 

مالي و ما للشِّعر يفرضُ أمرَهُ

في كلِّ وجدي كي أموسقَ شِعرَهُ

*

يأتي مدى الأيام مثلَ غريزةٍ

تدعو كياني أنْ يدوزِنَ فِكرَهُ

*

يأتي من الوجدان حين يهزُّني

شوقٌ من الأعماق يوقِظُ هَجْرَهُ

*

يأتي مع النِّيران حين يشبُّني

حتى يوجِّرَ في الحشَاشَةِ جَمْرَهُ

*

يغزو كما قد شاء .. دونَ مشيئتي

أسلا بهذا الغزو .. أَرغبُ أَسرَهُ

*

حتى إذاما غاب، كان أغاظني

إِعتَدَّتُ قيداً لا أحاولُ كَسْرَهُ

*

إنْ غابَ عني تستشيطُ دَواخلي

أَخشاهُ يمضي .. لا يعاودُ ذِكْرَهُ

*

آثرتُ أحيا في رُؤاهُ مُعَذَّباً

أو لا أعيش ؛ إذا إفارقُ سِرَّهُ

***

رعد الدخيلي

 

 

في يومٍ ما

قالتْ لي قارئةٌ ما

منذُ عقودٍ و حروفُكَ تكتُبْ

أشعارَ  الحُبّ

ما نفدتْ كَلِماتُكَ

يوماً

ما صمتتْ هَمَساتُكَ

دوماً

هل تَعْشَقُ حقاً

أم تَعْشَقُ وهماً..؟!

أم تَكْذِبْ..؟!

- 2 -

في يومٍ ما

قالتْ لي الأيّامْ:

لا تأمنْنّي

فأنا لستُ أنامْ

وأنا أرقبُ أنفاسَكَ

أسرقُ أحلامَكَ

إن كنتَ بصحوٍ

أو كنتَ تنامْ.

كنتُ أودُّ الرّدَ، و لكّنْ

تركتني

أغلقتِ البّابْ

لَمْ تسْمَعْ منّي

أيَّ جوابْ

- 3 –

في يومٍ ما

تشرينُ الأوّلِ

قال لتشرينِ الثّاني:

قصّرْ خُطُواتِكَ

مطِّطْ لحَظاتِكَ

طوِّل ساعاتِكَ

أخّرْ  مَقْدَمَ ديسمبرْ

فهو عدوٌ  لكلينا،

ويُنقِّصُ عاماً من عمرينا

نَحَبَ الأولْ

وبكى الثّاني

سَكَتا

بعد ثوانٍ قالا: سننامْ

***

شعر: خالد الحلّي - ملبورن

كان يريد الانعطاف يمينًا إلى الجسر البحري متجهًا إلى منزله، عندما سمع صوت المنبّه (الهورن) والأنوار المتكرّرة العالية (الفلاشات) الصادرة من السيارة التي كانت خلفه، إذ وقفت بصورة جنونية جعلته يفقد إيقاعه الطبيعي. أخذ نظرة سريعة لا تتجاوز الثواني في المرآة الخلفية، قفز خوفًا ورعبًا إلى خارج السيارة. أشار بيده اليمنى رافضًا ومستنكرًا الموقف السّلبي الذي حدث.

سمع صوتها وهي تصرخ بطريقة هستيرية: "أنت الغلطان"، تضرب بكلتا يديها على مقود سيارتها على بُعدِ خمسين مترًا، مشفوعة بتلك الألفاظ النابية القبيحة، من شتم ولعن وتهديد.

أرخى الليل سدوله، فحال ذلك دون رؤيتها بوضوح، شعر بالخزي والعار والألم وسقوط هيبته أمام نفسه، من شابة مجرّدة من الأخلاق، وهو رجل تجاوز الستين عامًا. ثمة ما يدعوه إلى مواجهتها وردّ الصّاع صاعين، لكنّه فَطِنَ إلى أنّها امرأة لا تستطيع كبح جماح غضبها تجاه أسهل المواقف، فكيف بها أمام موقف قويٍّ كانت سببًا فيه، وترك أثرًا سيّئًا على طرفي النزاع.

فكان لا بُدّ له من ضبط النفس، وحتى يفوّت على الفضوليين فرصة توثيق المواجهة الدامية، حيث كانوا بالمرصاد حاملين كاميرات رصد الأحداث الساخنة بُغية نشرها على أوسع نطاق. انعطف نحو الجسر، والتزم المسار الأوسط يقود سيارته. مزاميره المزعجة أحدثت ضجيجًا قويًّا، تحت تأثير ألم حادّ يضغط على حلقه، متبوعًا بشعور بالاختناق والاحتقان، بعد أن أعطته جرعة لا تتناسب مع مبادئه وتاريخه الأخلاقي.

تداعت الصور التي يحملها في ذهنه عن المرأة قديمًا وحديثًا، فتملّكه شعور جارف يدفعه لأن يكون قاتلاً هذه الليلة؛ بسبب الاضطهاد النفسي واللفظي الذي يشعر به، يُسائل نفسه ما إذا كان موقفه الليلة أهو من الحكمة في شيءٍ أم هو خوف من مواجهة فتاة؟

ربما الحكمة لم تكتمل بعد عندما تبعته بسيارتها الفارهة، تحدّق في شابة أخرى، حاولت ترويعه في دفعه بسيارتها خارج المسار قليلاً، لكنّه بقي في المسار دون انحراف. نظر سريعاً في المرآة الخلفية، تأكّد من عدم وجود سيارات أخرى قريبة.

جاءه النبأ الأعمى، أشعل سيجارته يفكر في الخطوة التالية، تذكر مارك عن قولته الشهيرة "تحرّك سريعاً وحطّم الأشياء". مشهد الانتقام، أخذ في مجاراتها، حاول أن يدفعها خارج الجسر بعيدًا إلى البحر، ولسان حاله: لم تعد الأشياء كما هي ممثلة بألوانها الأبيض والأسود".

في حياة كلّ إنسان لحظة لا يعود فيها كما كان، المغفرة والتسامح، أصبحت كلمات لا قيمة لها، والانتصار على النفس توقف حتى إشعار آخر! يقول كيف يتحول رجل حضاري مثلي إلى شخص متجرّد من الإنسانية، لديه رغبة الانتقام والقتل، بسبب امرأة لا يستطيع أن يغفر لها أو يتجاوز الحدث بكلّ تفاصيله!.

حين يصفعك القدر بشدّة على وجهك تصرخ أمام تلك المكالمة الهاتفية، إنّها والدته، لم يرد عليها، توقف عن القرار قبل البدء في دفعها خارج الجسر، تجاوز طابور السيارات بشكل متهوّر من الأمام والخلف، أخذت المسار الأوسط وحافظت على تتبعه حتى تجاوز الجميع الإشارة الخضراء.

الخوف في التوقف والحديث معها، كان مقدارًا من المجازفة في تكرار الصّراخ والتجاوز أمام الناس في قصة مفبركة، تأثيرها على وضعه الاجتماعي والثقافي، بسبب المكانة المكتسبة، الفكرة التالية الدخول في الأحياء القديمة الضيقة، ما زالت تتبعه، انعطافه داخل الحيّ عبر الأزقة الضيّقة، والممرّات التي قد لا تساعد سيارتها الفارهة استيعابها، مع ذروة أحد المنعطفات وجدت نفسها غير قادرة في الاستمرار.

اختفت فجأة من المرآة، لم يكن سعيداً بذلك؛ بسبب محاولته استدراجها إلى المزارع المظلمة، هناك سوف يكون الغرور والكبرياء، أمام تلك المرأة التي لا يتذكر ملامحها. بدأ طريق الظلام يتغلغل في المكان أمام غضبه الذي لم يتوقف. إنّها الليلة التي لا يلد فيها الإنسان إلّا مرة واحدة. تأنّى في قيادته حتى أصبحت أنوار المدينة نجوماً صغيرة، بدأ طريق الظلام يتغلغل في المكان، إلّا من ضوء شحيح يصله ميتًا بين منعرجات الطريق.

أغلق مصباح السيارة، ووقف أمام منبع العين (الزراعية) الحارة الدافئة المتبخرة في فصل الشتاء البارد في بدايته، يتأمل الماء، ذكريات الطفولة البريئة، المليئة بالذكريات والقصص المضحكة المبكية والحزينة في بعضها.

أشعل تلك السيجارة في هدوء قاتل، ينفخ بشفتيه، يتذكر إهانتها بتلك الطريقة الوقحة، لكمة قوية كانت وليست مجرّد صفعة كفٍّ، تركت له جُرحًا ينزف. كلمات الوقاحة والشتائم (العضوية) المتنوعة التي احتدّت بها تجاهه، أصبح الأمر مخيفًا أمامه في بعض سلوك النساء أثناء القيادة، حتى أصبحت ثرثرة الرجال في المجالس المختلفة توازي ثرثرة النساء.

شعر بالرعب يجتاح جسده، فجأة أطلقت صرخة مدوّية من خلف رأسه، لا تتحرّك أيّها الكلب، المسدّس الذي بيدي يستطيع قتلك في أقلّ من ثانية، حافظ على وقوفك، استدارتك سوف تكون نهايتك.  

تذكر البيت القديم، بين الخيال أو الحقيقة التي يراها من النافذة، الظلام احتكر المكان، شخصٌ ما ينظر إليه، ذهب إلى جدّه يخبره بذلك الشبح الذي يراه، نهض جدّه خارج المنزل، أمام النافذة، نظر جدّه: هل ترى شيئاً؟، ابتسمَ، اِسمع "يا بابا"، لا تخف، الخوف لا يمنع من الموت ولكنّه يمنع الحياة.

- أنتِ تعلمين لم أفعل شيئاً يؤذيك.

- اِخرس، أيّها اللعين، أنا امرأة لم أخطئ يوماً في حياتي.

لا تحرّك رأسك، مصيرك بيدي هذه الليلة، اعتقدت أنك ذكي، لا أحد يستطيع الوصول إليك أيتها المرأة، توقفي عن جنونك، قلت لك لا تحرّك رأسك، أعدك بأنه سوف ينفجر.

شعر بأنّ الموت أفصح عن نفسه مع هذه المجنونة، كيف يتحول الإنسان من الشعور الطبيعي، إلى قاتل في الدفاع عن النفس! توقفت عن الانفعال فجأة، لكنّ هناك شيئاً يدعو للقلق والخوف.

- لا تحاول الالتفاف أو النظر إلى الخلف!

- أنا أكرهك، لماذا تكرهينني؟ لم يسبق أن التقينا.

- اِجلس على الأرض، لقد بحثت عنك طوال ثلاثين سنة، أنت اليوم بين يدي، أريد قتلك ثم تقطيعك إرباً للكلاب الضالة التي تسمع صوتها.

- أنتِ مخطئة فيما تقولين.

- اِسمك راشد عبدالله، تبلغ من العمر ستين عامًا. غادرت البلاد للدراسة لسنوات طويلة.

بدأت بعض الفلاشات تبرز شيئاً من ذكرياته تحت طقوس الظلام والوجع، همست في أذنه بصوت رخيم عابق مخملي في شهوة الجنس، لا شك أنك سمعت هذا الصوت من قبل؟

استأذن منها أن يذهب إلى السيارة لإضاءة المصابيح لرؤية وجهها، حتى يتذكرها جيّداً، لكنّه أدار ظهره سريعاً. ضربها على رأسها بواسطة الحجر الذي التقطه أثناء جلوسه على الأرض. صرخت ثم استوى على جسدها، ولما انتهى من قراءة ملامحها، كان الشتاء قد تدحرج في مفصله يُنذر بقدوم المطر.

 أيّها اللعين، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، قالت: المسدس ليس حقيقيًّا، أنا شهرزاد التي أحببتها، الفتاة التي كانت تصرخ ابنتك.

قبل أن يبكي جاءته الطلقة الحقيقية في رأسه، ارتفعت الستارة، وصفّق الجمهور في رحلة البحث عن القاتل.   

***

فؤاد الجشي - البحرين  

 

الاحتفال في ذروته او قريبًا منها، هيصة لم ترَ البلدةُ مثلها منذ عمر. المكان يعبق بشذى الحركة، هذا يروح وتلك تغدو، الجميع منهمكون كلّ بذاته. يهيمن ظل مديرة المدرسة على الاماكن دون أن يراها أحد. كلهم يحبونها ويحترمونها، لدقتها ومبادراتها الخيرية. شعور طاغ يجتاحني أنا المعلّم الضيف في المدرسة.. شعور يهمس في أذني ان الاحتفال أوشك على نهايته وانه من الافضل والاكمل لي أن انسحب قبل صمت النهاية. منذ وعيت على الاحتفالات اتخذت قرارًا بيني وبين نفسي هو ألا أنتظر حتى نهاية الحفل وأن أغادره وهو في الذروة بل إن رؤيتي هذه ابتدأت في التبلور مع مضي الوقت، فصرت أنتظر اللحظة العالية المرتفعة لأستعد للمغادرة، ولترك المحتفلين الثملين بأجواء الاحتفال يصلون معه إلى نهايته، فيخرجون يرافقهم إحساس بالنهاية، يدفعهم للثرثرة الجوفاء أو.. الصمت الرهيب.

أنسحب من ساحة البلدة أتعمّد ألا يراني أحد في محاولة مني لإغلاق باب التفسيرات الخاطئة، فأنا لم أغادر يا حضرة البيك لأن الاحتفال لم يعجبني، وإنما أنا أغادره لأنني امتلأت به ولا أريد أن أنتظر نهايته الصامتة. ليصلوا.. جميعهم.. إلى تلك النهاية أما أنا فإن لي شأنًا آخر. أسير في الطريق المؤدية إلى بيتي في راس الجبل. أمضى تلامس يدي الفرحة أغصان الاشجار المتكئة على الاسوار. ما أحلى بلدتي.. أما تلك الورود المجنونة فإنها تبهرني وتكاد تتربّع على عرش قلبي.

أشعر بسيارة تتوقّف إلى جانبي، أرسل النظر إلى داخلها أرى زملائي معلمي المدرسة الرسميين. يدعوني نائب المديرة لأن أرافقهم، إلى احتفال تكريمي تقيمه مدرستُنا احتفالًا بنجاح الحفل، تعال لن تخسر شيئًا، البيت لن يهرب.. ثم إنك واحد منّا ولا يصح أن يتم التكريم بدونك. أرسل نظرة إلى بيتي في راس الجبل، فيدرك النائب رغبتي في العودة إليه، إلى مكتبتي، ذكرياتي وأشيائي الصغيرة هناك. يقول لي مرفقًا كلماته بابتسامة ودّية. تعال البيت لن يهرب.. يفتح لي باب السيارة.. أتخذ مقعدي بين بقية المسافرين. وتنطلق السيارة. تنطلق إلى مرتفعات الجبال.. ما هذه الاماكن وأين تقع.. إنني أراها أول مرّة.. الله يستر.

ينزل الجميع من السيارة.. يلفت نظري أنهم جميعًا يرتدون القمصان البيضاء والبناطيل السوداء.. إلا أنا فإن ملابسي عادية.. عادية جدًا.. وصف أحد محبي ومحبي كتابتي حالتي فيها بـ" المهرجلة"، ينتظم جميع المعلمين، في صف واحد، أقترب منهم أشعر أنني الشكل الشاذ بينهم، لا مكان لك يا كاتبنا المحترم بين هؤلاء المنظمين المرتّبين. ابتعد عن صف المعلمين يبدأ الاحتفال.. أشعر بنفسي غريبًا.. يبدأ المغيبُ في الزحف إلى رؤوس الجبال تنازعني نفسي بالعودة إلى البيت.. أبتعد عن المحتفلين. أبحث عن طريق أعود عبرها إلى بيتي.. بيت ذكرياتي وأشيائي الحبيبات، أرسل نظرة إلى الجبال المحاذية الشاهقة، أنا لا استطيع أن أعبرها.. للعودة إلى بيتي.. مع هذا أمضي في الطريق المُفضية إليها. قبل أن أصل إلى حافة الجبال القريبة.. أكتشف أنني إنما أتوقّف قريبًا من هُوةٍ يفصلهُا سور يشبه سور الصين العظيم. أجلس هناك وأفكّر فيما عساي أفعل والمساء يقترب ولا أحد يشعر بي وبرغبتي في العودة إلى بيتي .. عالمي الدافئ الحنون.. يمضي الوقت ثقيلًا بطيئًا، أشعر بوقع قدمين رقيقتين تدنوان منّي حيث أجلس.. أشعر بأمل مشرق.. يقترب منّي.. أرى طفلًا ذا عينين لامعتين برّاقتين تشبهان عيني عندما كنت طفلًا صغيرًا، الطفل يقترب مني.. أساله أين طريق العودة.. يبتسم .. لا أعرف.. قد تكون كل الطرق إلا هذا.. ويشير إلى الجبال المنتصبة السامقة قُبالتنا. ما إن أشعر ببصيص أمل الطفولة يقترب مني حتى يبتعد.. يختفي الطفل من جاني.. أهتف أين ذهبت يا صغيري فتردّد الجبال البعيدة أين اختفيت يا صغيري.. لا صوت يُشبِهُ صوتي سوى صوت الجبال العالية. يلسعني بردُ المساء.. أغادر موقعي.. أبحث عن ذلك الطفل.. أرى كل الناس.. إلا هو.. لا أراه، أين اختفيت يا طفلي الحبيب.. أنت فقط من سيعيدني إلى ذلك البيت.. البعيد القريب.. أمشي في الطريق وحيدًا.. أوجّه السؤالَ ذاته إلى كل من أراهم، من نساء ورجال شيوخ وعجائز، أكتشف أن أحدًا منهم لا يعرف طريق العودة، وأن لديه سؤالًا يشبه سؤالي.. هم أيضًا يريدون العودة.. أين أنت أيها الطفل الغرير.. أين أنت أيها الامل المُنير.. عد إلي.. أهمس في أذن نفسي..

المساحات تتحوّل إلى متاهاتٍ أعرف بداياتها ولا أرى نهايتها.. أعرف هذه الاشجار وتلك الحيطان.. لكن أين رأيتها لا أتذكر.. أتوقّف قريبًا من ثلاث نوافذ متقاربة.. أطلُّ من النافذة القريبة الاولى.. أرى نائب المديرة.. يحرّك شفتيه.. ربّما كان يتحدّث إليها.. لكنني لا أسمع ما يقول.. أفهم أنه يدعوني للدخول.. إلا أنني لا أجد الباب.. يبتسم النائب.. يتركني ويعود إلى سيّدته المديرة و.. إلى زملائه المعلّمين.. القاعة تضج بالأفخاذ والطرب.. أما أنا في هذا الخلاء الرهيب.. فإنني الغريب الوحيد.. أنطلق في الساحات والشوارع أهرب من الحيطان العالية والاشجار المحدودبة على أسوارها.. أريد أن أرى أناسًا مثلي.. تقلّ الاطياف المارّة قريبًا منّي.. أستوقف عازفًا على آلة موسيقية قديمة.. أسأله هل تعرف طريق العودة فتهمي من عودة دمعة.. ليتني أعرف.. ها هو عمري قارب أعمار تلك الجبال ( ويشير نحو الجبال البعيدة)، وأنا أبحث عن الطريق.

أتخذ مجلسي فوق رابية تطلّ على المكان. قلبي يقول لي إن ذلك الطفل لن يتركني وسوف يعيدني إلى ذاتي المشتاقة.. إلى هناك.. حيث البيت.. بيتي.. وحيث ورداتي المجنونات الحنونات.. أجلس وأنتظر.. أغمض عينيّ فأراه مُقبلًا .. أفتحمها فيغيب.. يتأكّد لي مرة تلو مرة أن ذلك الطفل في الطريق إلي وأنه سيصل إلى حيث أنتظره فوق تلك الرابية.. شعور غامر يجتاحني.. إني أراه.. يركض باتجاهي.. ووراءه يركض رتل المعلمين تتقدّمهم مديرتُنا.. يركضون جميعهم بلباسهم الأبيض والأسود.. لكني.. لا أرى أحدًا.. سوى ذلك الطفل الشقي.. طفلي أنا..

***

قصة: ناجي ظاهر

هَلَّ الرَّبيعُ  فَيا عَنادِلُ غَرِّدي

هذا أوانُ السَّعْدِ واليومِ النَّدي

*

وَتَنَقَّلي ما شئتِ أنْ تَتَنَقَّلي

جَذْلانةً بين الحُقولِ وأنْشِدي

*

لحنَ الخلودِ يَعُمُّ أرجاءَ الدُّنى

فيثيرُ فيها الروحَ لا تَتَرَدَّدي

*

هَلَّ الرَّبيعُ فَحَلَّ يـومُ المَوْلِدِ

وَزَهَتْ شِعابٌ إذْ زَهَتْ بِمُحَمَّدِ

*

وَتَنَفَّسَتْ كلُّ الرُّبى واخْضَوْضَبَتْ

وَتَمايَلَتْ خُضْرَ البراقِعِ تَرْتَدي

*

بَزَغَ الصَّبـــاحُ مُجَلَّلًا بِبَهائِهِ

أجْمِلْ بِنورٍ فاقَ نورَ الفَرْقَدِ

*

وَأُزيحَ ليلُ الجَهْلِ إذْ وُلِدَ الهُدى

يا سَعْدَ مَنْ بِهُدَى النُّبُوَّةِ يهتدي

*

وَتَهاوَتِ الشُّرُفاتُ من إيوانِها

وهَوَى الإلهُ اللاتُ مشلولَ اليَدِ

*

زمنُ الجَهالَةِ قد توارى مُذْعِنًا

واسْتَبْشَرَتْ بَطْحاءُ مكةَ بالغدِ

*

قُشِعَ الظَّلامُ فما يُرى وثنٌ وَلا

صنمٌ بَنَوْهُ سَذاجَـةً من جَلْمَــــــدِ

*

اللهُ أكبرُ قالَها وأقولُــــها

بعدَ النَّبِيِّ، فإنَّني بِهِ أقْتَدي

*

يا مَن عَشِقْتَ مُحَمَّدًا خُذْ منهُ ما

يُعْليكَ شَأْنًا فـــي الوَرى وَتَزَوَّدِ

*

وإذا بَحَثْتَ عنِ المكارمِ كُلِّها

يَمِّمْ الى خيرِ الرِّجـالِ  مُحَمَّدِ

***

عبد يونس لافي

 

الى أميرتي، زوجتي الغالية، فاطمة.. (1)

من باريس، مدينة السحر، والرومانسية، والجمال،

أبعث اليك برسالة حيرتي من أرض لا أنتمي اليها، إلا في أحلام الصبا..

***

هُنا الآنَ..

حلّتْ أحلامُكَ في ميدانِ (الباستيل)

المُقِـترنِ بالعذاباتِ

أمامُكَ عامودَ (المَجـدِ)

يُذكِركُ بصَخبِ الثوّارِ الذينَ كانوا هُـنا يوماً

إذنْ أنتَ في باريسَ الحُلمِ مُـنذُ كـنتَ صبيّاً

(تُتأتِأُ) ألفَ باءِ الحَـرفِ

تتوجّسُ أولى مراحلَ العبثِ الصِبياني

بِخُطى صَبيّ منْ زُقاقٍ مَهجـورْ

مِنْ مَحلّةٍ..

تَقبعُ بيَن آلافِ، آلافِ البحورْ

تتكوّرُ روحَكَ !

في تلكَ الغُـرفةِ الطينيّةِ المـنْسيةٍ

*

تنطلقُ أحلامَكَ منْ (رازونةِ)(2) بيتِ الطينْ

الى فَضاءاتِ المَحـبّةِ التي لا حُدودَ لها

تتابعُ إذاعةَ (مونتِ كارلو) بِشوقٍ طُفوليّ

وفي عُـنفوانِ الشّبابِ تَقـرأُ (الحيَ اللاتينيّ)(3)

ولاحِقاً..

في يومٍ ما

تَقـرأُ (قِصّةَ حُبٍّ مَجوسيّة)(4) بِشغَفٍ شرْقيّ

دقِّـقْ بلَهفةٍ في وجوهِ المارَّةِ

تمعّـنْ..

في الجَميلاتِ

ناصِعاتِ البياضِ

ذَواتِ الشَعـرِ الأشْقـرِ

والقَـدِّ المَمْشوقِ ك (شطْبِ) الرُمّـانِ(5)

قـدْ تُقابلَ (جانينَ)(6) قادمةً من الحيّ اللاتينيّ

تبْحثُ بينَ الكُتبِ، والمَمرّاتِ الضيّقةِ

عـنْ عربيّ أسمرْ

عـنْ فارسٍ آخـرْ

قادِمٌ منَ الشّرقِ

على حِصانٍ أبيضٍ، أم طائرةٍ ورقيةٍ، أم زحفاً

لا فرقَ في الوسائلِ

ولا رغْـبةَ في الدّلائلِ

لعلّهُ ينقِـذُها منَ المتاهةِ بعـدَ القُـبلةِ الأولى

ويمحوَ منْ وجدانِها آثارَ الحِرْمانْ(7)

الذي اقـترنَ بِهَمسِ ذاكَ الليلِ المخْمَليّ

وحَـملَها بِرغبةِ الأنُثى نحوَ قُـبلةِ اللا أمانْ

أو لعلّ القادِماتِ منْ مُتحفِ (اللوفـرَ)

بينهُـنَ (باولا)(8) و (رادميلا)(9)

وربّما تلكَ (ليليان)(10) الواقفةُ أمامَ كاتدرائيةِ (نوتِـرْدام)

التي طالَها حَريقُ الوجْـدِ لاحقاً

**

في باريسَ..

الحبُّ والجَمالُ توأمانْ

آآآآه ليليانْ

بهجةُ الشّبابِ أنتِ

وحُلمُ ذاكَ الماضي الجَـميل منَ الزَمانْ

أينَ أنتِ الآنْ؟

لقـدْ ضاعَ العُـمرُ في البحثِ عنكِ !

**

وأنتَ القادمُ منَ العَـدمِ

تمعّـنْ في الوجوهِ ثانيةً،

تمعّـنْ ثانيةً، وثالثةً، ورابعة، و....

وامتحِنْ فِـراسةَ ذاكَ العربيُّ المَجْهـول

المليءُ خيالَهُ بالوَهمِ

وابحثْ في ميدانِ (كونكورد)(11) عـنْ تاريخٍ مَضى

وحَضارةٍ قـدْ تجِـدُ فيها بَعضاً منْ ذاكِرةٍ مَجنونةٍ

فَـمسلّتُها الشامِخةُ تَروي مجدَ الشّرقِ كحِكاياتِ جدّتي

يتأرجحُ بينَ اللصوصيةِ والهِـباتِ

نِصفُ تاريخِـنا سُرِقَ مِـنّا

وحينَ رُحْـنا نتفرجُ عليهِ في أوربا

ابتهجَ اللصوصُ بمديحِنا

ولهُمْ بكبرياءٍ فارغٍ

قدّمنا الشُكـرَ والاحْـترامَ والتقـديرْ

بأروَعِ معانيَ المودةِ والتعـبيرْ

ربّما كانوا أكْـثـرَ وفاءً منْ(سَمؤَلِـنا)(12)

إذْ حفِـظوا تاريخَنا منْ (حواسِـمِـنا)(13)

أسمِعْـتُمْ بِشعْـبٍ سرقُ نفْـسَه؟

يا للخَـيْبةِ !

**

دعْـكَ منْ هَـذَيانِكَ..

وتأمّلْ حضارةً قـدْ تجدُ فـيها بَعضاً منْ ذاكرةٍ مجْـنونةٍ

بهُدوءٍ كالصَمتٍ، تأملْ تاريخكَ المـبْصومِ بالدّمِ !

واجلسْ على رصيفِ هذا المَقْهى

اشرَبْ قَهوتَك (العربيّةَ أمْ التُركيّة)..

على حافةِ الجسرِ، وضفافِ نهـرِ (السين)

وبينَ أحْلا وأحْلا الجَميلاتِ

دَعكَ يا هذا منَ المُسمّياتِ !

هُنا للقهوةِ مذاقٌ مُـرٌ بطعمِ الحرمان منْ تاريخِكَ المسروق

ونشوةٌ عذبةٌ بِطعْمَ قُـبْلةِ (جانينْ) !

التي انفرطَ عقْـدُ ذكرياتِها في تلكَ الليلةِ العَجـيبةِ

بارييييـييسُ..

كانتْ بعضَ ذاكَ الحُلمْ

كيفَ تسَنّى لكَ أنْ تحتفِـظَ بهِ كلَّ تلكَ الحروبِ التي عِـشْتها رغْـماً عنْ أنفِـكْ؟ !

تتوجسُ في خطواتِك بِجادّةِ (الشانْـزِليزيه)

وعَـيناكَ صوبَ قوسِ النّصرِ

تسمعُ طَقْـطقاتِ حوافِـرَ خيلِ (بونابرتَ)

وتتأملُ جُـنوداً ببِـزاتِ الفَـرحِ، والنصرِ تمرُّ منْ هُـنا

و(جنّياتٌ) يُلوِحْـنَ بقـلبٍ يرتعـشُ بالبهجةِ والأُنوثةِ

بَيْنما قلبكَ ينبضُ بكلِّ هذا الجَمالِ في عاصمةِ الجُنونِ والرومانسيّةِ

تعيشُ لحَظاتِ دهْـشَةٍ عَجيبةٍ، وفـريدةٍ

لمْ تكنْ مُصدّقاً ما أنتَ فـيه !

هلْ حقّاً أنتَ هُـنا؟

هلْ عَـمّدتَ ذِكرياتَكَ بماءِ نَهـرِ السينْ؟

وهـلْ لوَّعَ قـلبَك الحَنينْ

هل حقّاً حـيّتكَ (الموناليزا)(14) بابتسامتِها الغامِضَة؟

وهل حقّاً لامسَتْ يَداكَ مَسلّةَ حَمُورابي؟

كيفَ شعَـرتَ بالشّموخِ حـينَما شاهدْتَ اللونَ الأسودَ للمسلّةٍ؟

وتلمّستَ تلكَ الحُروفَ المُبهمةِ المحْفـورةِ بأعَـماقِ كُلِّ القُـرونْ التي مـرّتْ

حَمورابي أيّها الملكُ العّـظيمَ الذي صاغَ أولَ قانونٍ مكتوبٍ في العالم

هنا وجَدتُ بَعْضاً منْ أثـرِكْ

وَلكِنْ أسَفاً لمْ نَهتَمُ لِأمْرِكْ

يا الله..

في قصْرِ (فِـرساي)(15)

وتلكَ حدائِقُ الأحْلامِ تطوفُ حوْلهُ

كأنَّ العالمَ بينَ يدَيكَ على أطرافِ نَهـرِ السّينْ

الذي عـمّـدْتَ فيه روحكَ

و(برجُ إيفـل) يُطاردُكَ بالسّحرِ والخَـيالْ

يا لهذا الحُسْنِ والجَمالْ

أنّا حَـلِـلتَ في كُلِّ شِـبـرٍ هُـنا

يا لهذهِ الحَـياةِ المُفعَـمةُ بالحَـياة

بينما لا تزالُ ذكرياتكَ تحْفـرُ في الرّوحِ شَوقاً

لِذاكَ الصّبيّ الّذي لا يَزالُ في بَيتِ الطينِ حالِـماً !

باريس

***

د. ستار البياتي

في 10/11/2013

..........................

1. من ديواني (لا أحد سواك) قيد الاصدار، الذي سيصدر عن مؤسسة شمس للنشر والاعلام في مصر.

2. فتحة صغيرة للتهوية، ومرور الضوء تحفر في أحد جدران غرفة الطين، تقوم بديلاً عن الشباك المعروف.

3. اشارة الى رواية الحي اللاتيني للكاتب سهيل ادريس التي تدور احداثها في هذا الحي مع بطلة الرواية جانين، وهي ضمن أفضل مائة رواية عربية، تصور العلاقة الجدلية بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، من خلال المرأة باعتبارها هي المحك الأساسي لهذه العلاقة، والرمز الإنساني.

4. قصة حب مجوسية: رواية رومانسية للروائي الرائع د. عبد الرحمن منيف.

5. شطب الرُمّـان: تسمية يطلقها العراقيون على غصن الرمان، جميل لعدالته وقلة اعوجاجه، ومجازاً يتم وصف أو تشبيه المرأة الجميلة ذات القوام الطويل الممشوق به.

6. جانين: هي الشخصية الرئيسة في رواية (الحي اللاتيني) للروائي سهيل ادريس.

7. اشارة الى ديوان الحرمان الذي اشار اليه الكاتب في رواية الحي اللاتيني.

8 و9 و10. شخصيات في رواية (قصة حب مجوسية) للروائي عبد الرحمن منيف.

11. كونكورد: احدى ساحات باريس المعروفة، تقع في نهاية شارع الشانزليزيه، وفي وسطها تقف شامخة مسلة كبيرة من آثار الحضارة المصرية.

12. السموأل: شاعر جاهلي يهودي عربي، ذو بيان وبلاغة، كان واحداً من أكثر الشعراء شهرة في وقته، عاش في نهاية القرن الخامس وفي النصف الأول من القرن السادس الميلادي، ضُرِب به المثل في الوفاء.

13. الحواسم: الكلمة أو الصفة التي أطلقها الناس على الذين قاموا بعمليات السرقة التي طالت مؤسسات الدولة على أثر الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية على العراق في العام 2003.

14. الموناليزا: لوحة نصفية رسمها الفنان ليوناردو دا فينشي في القرن السادس عشر، خلال عصر النهضة الإيطالية، معلقة في متحف اللوفر خلف لوح زجاجي مقاوم للرصاص، توصف بِأنها أكثر الأعمال شهرة في تاريخ الفن.

15. قصر فرساي: يقع في ضاحية فرساي التي تبعد (25) كم غرب مدينة باريس، تم تشيّده في فترة حكم لويس الرابع عشر في العام 1682م وأقام فيه، ثم كان مقراً للملك لويس الخامس عشر. وبعد (100) عام سكنه الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري انطوانيت اللذان تم إعدامهما بالمقصلة على أثر الثورة الفرنسية في العام 1789.

 

شُحٌ ...شح

إلا من ذكر الله.

شحَّ الماء،

الضوء،

حتى

أصواتُ العصافير،

أعشاشُ البلابل

في وطني.

آهٍ وطني

سرقوا الضحكة

من أفواهِ الصِبية

وجدائلَ شقرٍ

من قرنفلِةٍ غَضَّة.

شحَ رغيفُ الخبزِ ،

وطبشورُ الصفِّ.

أما انا

فالبؤسُ

نصيبي منه

قضمةُ جًمرٍ،

وكسرةُ خَوف.

وأنا كمن يغرسُ

الجَلَدَ ليِثمر.

**

كامل فرحان حسوني - العراق

 

كنا على مائدة الإفطار حين رن جرس الباب، كانت الرنات متسارعة مقلقة، تتلوها دقات متوالية، تحمل معها رعدا وبرقا، أوخطرا داهما، قالت أمي: حتما تورية أختي لا تأتي الا والقيامة في أعقابها..

صدقت، فقد دخلت خالتي وهي ترمي شرارات لسانها سبا وشتما، بلا تحية أو سلام، قالت لوالدي وكأنها تصدر له أمرا بلا مقدمات: يلزم ان تنهي الامر مع زوجي اليوم قبل غد..

رفعت أمي اليها نظرات لوم و تأنيب متثاقلة، وكأنها أدركت ما أقدمت عليه:

ـ ياك ما جبتي الثالثة معك؟ ارجو ان تتركي زوجي بعيدا عن مشاكلك، فهو لا يعمل بأمر من أحد..

ردت خالتي بنوع من التحدي وكانها تفرض أمرا وتزيح ثقلا على أكتافها قد رزح:

ـ ومن بعد، لم أعد أحتمل العيش معه.. لا عليك سأعرف كيف آخذ حقي وزيادة..

تنهدت أمي بغصة حارقة على أنثى لم تحاول يوما أن تنظر الى نفسها ومشاكلها بعقل ومنطق، تهور الى أبعد الحدود وأنانية طاغية في جموح:

ـ ربما العكس هو الصحيح، فمن يتحمل حياة معك وعليها يصطبر؟، رغباتك ألوف.. طيش، حمق وطلبات لا تنتهي.. الى متى تورية، الى متى؟..

لم أكن أصغي لحديثهما فانشغالي بصور تترى على التلفاز ضمن أخبار الصباح، أبعدتني عن متابعة ما يقال.. "قوم اصطفوا على الطرقات كالفطر يغسلون السيارات وقد تعمدوا قطع أوصال أنابيب الماء المدفونة في باطن الأرض، كغيرهم داخل المدن ممن سدوا المنافذ والشوارع في فوضى مستغلين الملك العمومي بلا رقابة أو احتراس، أنانية، فوضى وامعان في التحدي، بداوة صارت تأتي على الأخضر واليابس بلا وعي وكأنها تنتقم لإهمال طال البوادي والقرى، عمقت جراحه سنوات القحط ودعايات العمل المكذوب في المدينة، فباع القرويون أراضيهم لسماسرة الانتخابات ممن تصدروا المجالس والقيادات وهاجروا يكتسحون المدن كالجراد يعيثون فيها فسادا..

 حاول والدي التدخل بحديث لكن أمي صدته قائلة:

"كمل فطورك ونوض لشغالك، الله يعطي لبلا للي يقد به.. فران قاد بحومة "

خالتي تورية أصغر من أمي بأربع سنوات، لكن العلاقة بينهما دوما متوثرة لا تصفو، خالتي تنظر الى أمي بعين الغيرة والحسد، فأمي كلمة الصدق التي لا تكسر في البيت، عزم وإرادة، وقد عوضها الله بهما عن جمال هو ما لبسته خالتي رداء غرور، تحد وطيش الى حد الانحراف، اقله ما يتردد في عائلتنا، أن خالتي قد استحوذت على خطيب أتى لأختها السعدية التي هي اليوم أمي بعد ان عنست لجمال محدود ولخصلتين يكرههما الرجال في النساء: الصرامة وقوة الشخصية، فالسعدية لا تسمح لأي كان أن يتقافز على أكتافها، يتحكم في قراراتها، أو يخالف أوامرها، أو يفسد نظاما تعود عليه البيت حفاظا على طقوسه وأناقته، وقد استطاعت خالتي ان تقتفي أثر الرجل فاستمالته بإغراء ونزق منها، أعدته السعدية طيشا، اذلالا لكرامة المرأة وقلة حياء منها، كما هو فقدان رجولة، وضعف قرار، من الخاطب الذي أبت ان ترتبط به بعد أن جرب ألاعيب خالتي، من طيش ورغبات لا تنتهي ثم عاد متوسلا، فركلته السعدية بعد ان تحققت من رعونته وتقلبه..

تم طلاق خالتي، وصارت ثقلا ولسانا لاغطا يعيش بيننا، أنف مدسوس بفضول في كل صغيرة وكبيرة، صراع يومي بين عقليتين متناقضتين ضاعف من مشاكل قلما تخبو بين ما يأتيه أبي من سلوكات وبين ما يظل يردده مما يستبطنه محفوظا بلا تأويل ولا سبب نزول من كتاب الله وأحاديث الرسول، وما يحاول أن يفرضه على أمي وبه لا تقتنع، كارتداء الحجاب، و عمل المرأة بين الرجال بألبسة شبيهة بما يلبسه الذكور بالرغم من أن أبي شخصية انفصامية فهو أول من يقع في نقائص وتباينات ما يجتر فتضيع معها محفوظاته و قراراته كلما رأى انثى، او تبسمت له صبية، أو مر على مسامعه حديث زواج من قبل أحد دعاة التعدد.. كما أنه كان لا يتعفف من أن يقضم من المدخول اليومي ما يخفيه عن أمي فتتظاهر بلا مبالاة.. كانت أمي تكره أن تتسرب أمور بيتنا خارج أسوار البيت مفضلة أن تظل بعيدا عن الأنظار والأسماع، فهي تكره أن تجد نفسها تعيش بين مطرقة وسندان لسان أبي الذي يمطرق عقولنا بلا وعي ويتكلم بلا دراية كالرحى تدور ولا تدري لها طحينة، وبين سلوكات كانت تنتزع منها ضحكات سخرية وهي تردد بينها وبين نفسها:" معذور، حديث عهد بنعمة، مقهور ضربته الدنيا بحظ دون أن يتمزق له سروال على مقاعد الدراسة، او تتهرأ له جفون على البحث والتحصيل، أو يجد نفسه بين أمواج البحر مقدما روحه للمتاجرين في البشر "..

 لم ترتح أمي لوجود خالتي بيننا، فهي تمقت الدسائس أو التعامل بوجهين، كما تكره أن يطول تفكيرغير تفكيرها في بيت هي صاحبته وأعلم بما يدور فيه..

ذات صباح نهض ابي ليجد حقيبة ملابسه قرب الباب، وكأنه أدرك السبب بعد عبارة رمتها أمي على وجهه:" شدة الحرص على الأمانة دليل خيانة، ولن يؤتمن رجل خائن يركل ما وهبه الله بلاحساب" فلم يجد أبي غير الصمت، ولم يتوان في حمل الحقيبة ويفتح الباب، قبل أن تضيف أمي ما قد يفرقع الرمانة، فأعرف ما لا يريد أبي أن يبلغني، لكن قبل الخروج قالت له أمي بكل ثبات ورباطة جاش:

ـ ألم تنس شيئا؟..

تطلع اليها كانه يستفسرها عما يمكن ان يكون قد غاب عنه دون أن يتوقف لسانه عن اجترار ما يحفظ، فتبادره:

ـ يمين الطلاق ومفاتيح المتجر..

لأول مرة أتأكد ان التجارة التي كان يديرها أبي هي خالصة لأمي مما ورثته عن جدي لا شراكة بينهما، وان ابي لم يكن غير عامل من عمال جدي الذي توسم فيه الخير فزوجه أمي بعد ضغوط قوية عليها، فالرجل "درويش" خدوم أمين، حافظ لكتاب الله أو هكذا رآه ويستطيع أن يساعد بنته بعد أن بلغ بجدي العجز والوهن ؛ لكن تقلبات الانسان في الزمان تجعله قضية مطروحة دوما للنقاش، ثم لماذا هذا السلوك المفاجئ من أمي؟ أي جرم اقترفه ابي حتى يستحق هذا العقاب القاسي من قبلها؟ اعي تفكير أمي الإيجابي والذي حققت من خلاله نموا تجاريا واتساعا لما ورثته عن جدي، وانها لم تكن مع ابي تترك أي شيء للصدفة، فرغم ما تعرفه عنه فهي تحاول ارضاءه بما يحقق له استقلالا ماديا، على الأقل ظاهريا، فهي لا تتوانى في محاسبته، توجيهه، والتغاضي عن هفوات تتعمد على الا تثيرها بحك على الدبرة فكيفما كان الامر فهو رجل يلزمه نوع من الاستقلال المادي.. كانت لا تتوانى في اقتراح حلول لما قد يداهمه من مشاكل تجارية، كما أنها كثيرا ما كانت ترافقه في سفرياته لعقد الصفقات والبحث عن أسواق جديدة، خصوصا وهي تخشى أن ينساق لنزواته أو يقع تحت اغراءات أصحاب المشاريع ممن أسسوا بنوكا إسلامية غارقة في الضبابية وعدم الانسجام مع الواقع المالي، هيمنوا على السوق التجارية بالمظاهر واغراءات الربح الحلال، وهذا ما كان يحرك طمع أبي وميولاته ؛ ويوم وشوش بعض افراد العائلة بعلاقات يعقدها ابي خارج أسوار البيت لم تنزعج أمي، فليس من عادتها أن تؤمن بما تسمع بلا دليل، فهي تكره ان تسمح لأي تفكير سلبي بغزو نفسها أو احباط ثقتها في عزيمتها وقوة شخصيتها، فهي دوما توظف قوة تفكيرها الإيجابي وتتطلع الى المستقبل بثقة وهذا سر نجاحها، حتى في تربيتي كنت لا اعرف غيرها فهي من يقوم نحوي بكل شيء، والحق يقال أنها تكون مبدعة في كل ما تأتي به، ما خلقت واقعا الا كان النجاح في ركابه، ومن هذا السلوك كانت توجهني، وتعلمني الحياة بحرص وضبط وصرامة أحيانا وهي تتابعني خطوة خطوة، لهذا فأثر أبي في حياتي يكاد يكون منعدما، أولا لان ابي لم يدخل مدرسة في حياته، وكل ما يتوفر عليه من معارف هي محفوظات غيبية التقطها من بيوت عشعش فيها الجهل والقهر الظلامي، و من مسموعات تتكررمن هذيان فقراء الزوايا وأساطير الأضرحة، ثانيا لانه لا يملك قوة شخصيتها، وقد كنت لا ادري هل سلوكات ابي من طيبته أم من مشحوناته وسذاجته؟!!.وكما غادر والدي البيت لا يحمل غيرحقيبة ثيابه، كذلك لحقت به خالتي في أقل من اسبوع بعد ان اشترت شقة بعيدة عنا، فيها تزوجت ولم يكن الزوج غير أبي..

وقد علمت من خلال نقاش حاد بين أمي وخالتي يوم رحيلها، أن أمي افتقدت أبي ذات ليلة فوجدته نائما في غرفة خالتي وبين أحضانها.. وحيث ان أمي لا تعالج مشاكها بالصياح والتشهير فقد افترقت مع أبي بلا دراما ولا قيل وقال.

تولت أمي تجارتها بنفسها، وأعادت ترتيب اعمالها متكئة على حبها لأن تتعلم كل جديد، وعلى صيانة رأس مالها، مستعينة بانفتاح عقلي مبدع، وبنساء ممن كن يقدرنها ويحترمن قوة شخصيتها، صدقها واخلاصها مع نفسها و غيرها.. صارت أمي في السوق التجارية بعد أن أسست شركة خاصة بالنساء رقما يضرب له ألف حساب، فكل متعامل يدرك انها ليست ممن يمكن التلاعب معها، تقدر قيمتها وتحترم قيم الغير..

لم تستقم الحياة بين أبي وخالتي غير سنتين وبضعة اشهر، فقد رزقهما الله طفلة ماتت بعد أن تركتها خالتي قرب سخانة كهربائية جرتها الصغيرة فاحترقت وماتت بعد ان لم ينفع معها علاج؛ وكان الطلاق..

كلما كبرت ازدادت لهفتي لرؤية أبي، يعصرني اليه حنين قاتل فأتساءل: هل هو حقا أبي؟ لماذا عني لا يسأل ابدا؟.. كان يتلبسني تفكير يؤرقني حول شخصية أمي بذكائها وأفكارها، وشخصية أبي بضعفه وسلبيته واستسلامه المتسرع لنزواته، فمظهر أبي وما كانت تفرضه عليه امي من اناقة حتى يظهر بمظهر التاجر الميسور السعيد ليس هو عمقه الهش والذي يتصاغر أمام كل انثى تلاعبه بنظرة أو تغريه بكلمة ؛حين كنت أسأل امي عن هذا الإهمال من قبل أبي كان يأتي ردها منطقيا في كلمات:

ـ هاتفه معك، كلمه أولا، حق الأبوة عليك يلزمك بالسؤال عنه..

أكثر من مرة يعدني بان يأتي الي ويخلف وعده، لا أدري لماذا كان يتهرب من رؤيتي؟..

للمرة الخامسة تتزوج خالتي، فقد كانت لاتخرج من عدة حتى تجد نفسها مرتبطة برجل آخر دون أن تكلف نفسها مراجعة قناعاتها وإعادة ترتيب افكارها، كانت تعي أن أزواجها ممن يلهثون وراء غناها وطمعا في بيتها، لكن سرعان ما يتحسرون على طمع لم يقدهم الا لحتفهم وفشل مسعاهم فقد صارت خبيرة بما يجعلهم يفرون قبل أن يبلغوا مأربهم..

أصيب والدي بسرطان في غدة البروستات سنة تخرجي من كلية الطب، حين علمت أمي بمرضه جهزت له غرفة في بيتنا وخصصت له خادمة للسهرعليه:

"ـ كيفما كان الامر فهو أبوك وأنت من صلبه، كما أنه شرف وجهك ومرآة مستقبلك، فربما لم يكن له اختيار في تشكيل بنيته النفسية وضعف شخصيته..

كانت حالته تسوء يوما بعد يوم بعد ان استنفذ كل وسائل العلاج بلا نتيجة، فقد انتشر الداء في جهازه التناسلي الى أن أتى على عمره.. لقد أكبرت أمي وأنا أراها تبكي لحاله، وهي التي قلما تسمح لماء عينيها بجود، كانت تحس وهنه وعيناه تتعلقان بها، تتوسلان تجاوزا عما بدر منه، كانت ترفع عينيها اليه وتحدق فيه بثقة وتمعن، ثم لا تلبث ان تشهق وكأن رجفة قوية تلف جسدها بقشعريرة من رهبة الموت فتتمتم بهمس:

يرحمك الله ويغفر لك، فقد سامحتك، فأنت أبو ابني أولا وأخيرا..

يومها أدركت أن أمي أنثى بقلب رجل لفيف قوة وحزم ورباطة جأش بين ثناياها تتولد الرقة والحنان والنعومة ومنها لا تموت حقيقة أو يغيب منطق..

تم استدعائي يوما على عجل لاجراء عملية فورية لسيدة تشكو نزيفا حادا في رحمها.. لم أمكث في غرفة العمليات غير وقت وجيز جعلني اعود أدراجي باكيا منتحبا فلم تكن المريضة غير خالتي التي بلغت درجة مستفحلة من سرطان الرحم يستحيل معه القيام بأية عملية وكأن المريضة كانت غائبة عن وعيها، منشغلة عن الداء الذي ينخرها بلا انتباه او إحساس بنزيفها وآلامها..

بعد يوم فقط توفيت المريضة.. مرة أخرى أرى صرة الدمع تنفجر في عيون أمي مترحمة طالبة الغفران لخالتي التي كم أساءت لنفسها ولغيرها..

كبرت وصرت جراحا وأتحمل مسؤوليات، وانا قريب من أن اصير أبا لوليد ثالث بعد بنتين، تعلمت الكثير وامتلكت خبرات عن الوجود والمعرفة والأخلاق، وصرت أنا نفسي معيارا للخير والشر وحين أتذكر كل ما مر ببيتنا من نزاعات عائلية اتراجع عن كثير مما اولته وفسرته حول علاقة امي بخالتي وعلاقتها بابي وعلاقة ابي بكل من امي وخالتي وغيرهما.. ترى من كان منهم يقرر الحقيقة؟ أم أن كلا منهما كان خيرا لنفسه بمقدار ما يحقق مصالحه الشخصية ومنافع ترضي غروره النفسي؟

ربما لم تكن أمي خيرا مطلقا بإرادة من حديد كما كنت اراها، ولا ابي كان ضعفا مطلقا الى درجة العته، رغم ما كان يستبطنه من محفوظات الحلال والحرام لم تردعه عن هوى النفس، وعن الذوبان برغبة الى انثى قد تشده بهمسة أو لمسة او نظرة اغراء كما كان يتبدى لي وتراه أمي، أو ما كان يقضمه من المدخول اليومي للمتجر بلا علم أو إذن من صاحبته، ولا خالتي كانت شرا مطلقا، أنانية وتطاول على كل ما ليس لها، والاستحواذ عليه لنفسها..

ربما هي التربية والتنشئة وما يتلاعب في عقول الناس متسربا بلا ارادة وفي غفلة من كل رقابة، او يفهمه و يتشربه كل فرد حسب ما يعي ويفهم ويستبطن، وحسب مايتعلم ويتلقى ويمارس بل وكيف يسوس ويساس..

أخيرا تبقى لكل منا نزعته الإنسانية، حقيقته ومعرفته والتي على ضوئها يمارس حياته وحقيقته، وبها يصير مرآة أمام نفسه وغيره..

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

إنكريد، هي أول إمرأة أتعرف عليها في هذه البلاد الغريبة، بعد شهور طويلة من الوحدة والتسكع، إلتقيتها في المترو النازل الى وسط المدينة.

جلست قبالتها وكنا متجاورين، بعد أن تركت السيدة المُسنة الجالسة أمامها، مقعدها ونزلت في المحطة التالية، ليتسنى لي النظر إليها والحديث معها.

كان ذلك في عصرية يوم مشمس من نهاية شهر آيار..

لم تكن على قدر كبيرمن الجمال، فهي قصيرة وممتلئة بعض الشيء، ترتدي نظارات طبية وتكبرني بعامين

لكن وجدت فيها شيئا مغريا، جذبني لسبب أجهله!

صرتُ أهتم بمتواضعات الجمال من النساء،على شاكلة إنجريد، بعد أن يئست من التعرف على فتاة شقراء جميلة، تلائم ذائقة شاب شرقي حالم..

سألتها بلغةٍ هولندية ركيكة:

هل يصل هذا المترو الى محطة راينهافن؟

كنت أعرف كل محطات المترو والترام ومواقف الباصات، أكثر من أهل المدينة ذاتهم، لكني أردت بسؤالي هذا مدخلاً للحديث معها..

أجل، يصل الى هذه المحطة، قالتها وإبتسامة عذبة أشرقت من عينيها الحشيشيتين الصغيرتين..

شكرتها بلطف، ثم رحت أنظر اليها عبر زجاج النافذة الذي عكس صورتها بوضوح تام.

خلعت سترتها البنية القصيرة، طوتها وألقتها الى جانبها، أبهرني ذراعها الأبيض وصدرها المُنمش الممتليء.

تنبهتُ الى جمالها، وفي الحقيقة لا أدري إن كانت جميلة، أم أن الحرمان صورها لي بهذا الشكل؟!

خشيت أن أرمي صنارتي التي طالما عادت بخيباتي وإخفاقي، لكني إستجمعت ما لدي من جرأة وسألتها:

هل أنتِ من هذه المدينة؟

كلا، أنا من مدينة فلاردينن، على مبعدة عشرين دقيقة من السنترال بالقطار.

وأنتَ؟ لا تبدو من هنا..

بلى، أنا أسكن قرب المحطة التي صعدنا منها قبل قليل..

قالت : وكيف لاتعرف بأن المترو يصل الى راينهافن وهي على مبعدة ثلاث محطات من محل سكناك؟!

في الحقيقة أنا أعرف، لكني وددت أختلاق أي موضوع، ليكون مُستهلاً للتعرف بك..

ضحكت بصوت عال وظلت تقهقه للحظات، مسحت دموع الضحك وقالت:

كان لدي أحساس بإنك كذّاب..

 ضحكت بدوري، لأداري حرجي، قلتُ:

صح، أنا كذاب، لكنها كذبة بيضاء، بيضاء، صدقيني..

ألقت نظرة على جسدي الرياضي الممشوق وظلت تحدق بعيني، قالت:    

 أحب هذا النوع من الكذب والكذابين..

إذاً مازال الأمر هكذا، ما رأيكِ بفنجان قهوة؟

قالت: لا بأس..

هبطنا من المترو وسرنا شارعين خلف محطة القطار، دخلنا مقهى صغيراً، جلسنا في أحد اركانه، طلبتُ لها قهوة، ولي زجاجة بيرة..

تحدثنا لساعة كاملة بإنشراح ومرح، وكأننا تعارفنا منذ اعوام، تركت لي رقم هاتفها، صافحتني مبتسمة، ثم إنصرفت.!

إنتشلتني إنكريد من وحدتي وتعاستي، كانت طيبة وسخية، في عطاءها الروحي والجسدي، عُدتُ معها ذلك المُراهق الحالم.

بعد أيام من ذلك اللقاء، كنتُ أجلس بمنتصف الليل في شرفة شقتها الصغيرة، أترشف شراب (الجنيفر) وأدخن، كانت إنكريد نائمة بثوب قصير، لاشيء تحته، وقطتاها تغفوان فوق الأريكة المخملية الصفراء..

قناني النبيذ والبيرة الفارغة، مبعثرة على الأرضية والطاولات، ومنافض السكائر ممتلئة، وتفح منها رائحة خانقة...

في الصباح إستيقظت وعليها روب إستحمام أبيض، فتحت النوافذ كلها، رحتُ أساعدها في جمع القناني وغسل الصحون،

قالت لي ضاحكة:

قلبت شقتي رأساً على عقب وصيرتها فوضى يا كذاب، ظلت تنعتني بهذا اللقب القبيح إلى آخر يوم من علاقتنا.

بعد أيام من تلك الليلة عرفتني بإمها، جلسنا في حديقة دارهم نحتسي القهوة ونثرثر، أبواها منفصلان منذ سنوات، لها أخت تسكن في ذات الشارع الذي تقيم فيه أمها، وأخ في مدينة أمستردام.

كُنتُ أتصبب عرقاً عندما يكون أخوها حاضراً بيننا، فإنكريد اللعينة عرفت طبعي الشرقي، فكانت تقفز الى حضني أمام أنظارهم وتطبع قبلات على وجهي، لتتسلى بخجلي وأضطرابي..

لم أستطع الإنسجام معهم، كنت أشعر بالضيق والملل من أحاديثهم التي لاتعنيني، فأنا بينهم مثل أطرش في زفة، اتبسم حين يبسمون، وأعبس عندما يعبسون.

إنفصلنا، ولم يكن هنالك سبباً مباشراً للإنفصال، كلانا كان يدرك بأن هذه العلاقة عابرة، نزوة، هي أيضاً كانت تعاني مثلي من الوحدة والضجر، لعلها إعتبرت علاقتنا القصيرة، محطة إستراحة في حياتها الرتيبة المحصورة بين بيتها ومحل عملها!

كانت بداية النهاية قد حلت، بعد أن أحست بسأمي ومللي الواضحين، صرتُ أتهرب من لقاءآتنا اليومية، الى لقاء أسبوعي ومن ثم مرتين في الشهر، ثم أختفيتُ تماماً من حياتها.

إلتقينا صدفة بعد عشرة أعوام، وفي ذات المترو النازل الى وسط المدينة، تصافحنا بحميمية، لم نأت على سيرة الماضي بكلمة واحدة، زاد وزنها قليلاً، وتبدلت قَصَةَ شعرها، لكنها ظلت تحتفظ بضحكتها الحلوة وبسمتها المُشرقة، من عينيها الحشيشيتين الجميلتين.

***

علي صالح جيكور

 

هذا الشتاءُ أطل علينا

بثوب ٍيُقرِّبنا للإذاعة ِزلفى

ويلعنُ رأس شؤون ِالقنابلْ

يخلعُ ناب التحرُّش ِبالوقت ِ

يطحنُ ضرسَ المواجعْ

بأقدامِه ِالعَشْر

يشربُ نَخْبَ (النشامى) اللذيذْ !

هذا الشتاءُ..

يُزَوِّجُ عاميِّة البَدْو

بالحَضَر ِالمُجْد ِبينْ !

يُعَبِّرُ فيمايقلْ

عن ثلاث لغات ٍتَدُعُّ النبيذْ !

له ُرغبةٌ كضيوف ِ المطاعِمْ

يَطلبُ صحن كلام ٍ قديم ٍ..

ووصْلة حُمَّى..

ورُبْع مزاج ٍمُعافى..

ومنفضةٍ تتحلى بطَبْع ِالمُحَاسِب

نادِلها المُسْتَطابْ !

هذا الشتاءُ..

يُتاجِرُ بالغيم ِفي نشوة الاحتِفاءْ

يُلِحُّ علينا

أن نُجريْ بحثاً على شاربيه ْ

وندرس قهوتهُ في المساءْ

ونشرقُ من كل ثلج ٍ حكيم ٍ

ونعطي الندى إصبعاً ذات خَصْر ٍ

ووجه ٍ على رأسِه ِألف عام ْ !

هذا الشتاءُ..

يجيد السباحة في كل معنى

يُمَلِّسُ لحيتهُ بالرصاص الرجيم

يُفضَِلُّ كأس النصيب ِ

وثوب الضباب ِالعتيق

وذاكرة العندليب ِ

له ُروح فن ٍّ

يُحَمِّلها ماتناسل من أدب التقنياتْ !

هذا الشتاءُ..

يُعَلِّقُ شارته ُ STOP

في وجْنَتيهْ

فلن يصنع الشِّعر ديوانهُ المصرفيُّ..

ولن ينضج الخبز في راحتيهْ !!

***

محمد ثابت السميعي - اليمن / تعز

2009

مَجـْـدُولة صاغها وزنــاً وقافـيـــةً

حتــى تَجَلَّتْ عروساً فـي مُحيّـاها

*

ترنيــمة مِن بليـــغ القولِ جوهرها

ما أسْعدَ القـلبَ لمــا كـانَ مَأواها

*

يشدو بها ورَفيـفُ الشَوقِ يُـؤنِسُه

شَــدْوَ الحنيـــنِ لأيـــامٍ بذكراهــا

*

إنّ البيــانَ الـــذي قــد زادَها ألَقَـاً

قــد شَعَّ فارْتَدَّ طَرْفي حينَ وافاها

*

مَزْيونَة قـد بَراها فارْتَقَتْ وزَهَتْ

ما أجملَ الوصــفَ فتـّاناً بمَغْنـاها

*

كأنّ كلَّ ربيـــعِ الشـــعرِ جالَ بها

فَزادَها رَوْنقاً فـــي حُسْنِ مَرْعاها

*

ما كلُّ حَرْفٍ يُضِيءُ الجَوَّ مُنْفَرِدا

إنّ القِـلادةَ تزهو فــــي مَزايـــاها

*

ظَلّتْ تُراوِدُ سَمْعـي نَغمةٌ نَهَضَتْ

مــِـنْ بيـــنِ مَوْجَةِ الفـاظٍ تَلَقّـاهــا

*

ان البَديـــعَ اذا صاغَتْ روائـِـعَــه

مواهبُ الشعر تسمو فــي مداياها

*

اذا المعانـي تسامَتْ فـي تناسُــقِهـا

بفضلِ تَرنيمةٍ قَــــدْ لامَسَتْ فاهـا

*

يحلُو النشيدُ بها فـــي كــلِّ ناحيةٍ

قصيدُ زهـوٍ لمــن بالـودّ نـاغاهــا

*

يامَن تَرُوم العُلا كُنْ صادقاً فَطِناً

مَراتِبُ العِـزِّ لا تَرْضــى بأدْناها

*

فَمَــنْ تَوَلّى شؤوناً لا يُجيــدُ بـها

فقَد اضافَ انكِساراً فــي ثناياها

*

يَزْدانُ قولُكَ فــي حقٍ نَطقتَ به

فكُــنْ جريــئاً ولا تَعْبأ بأقذاهــا

*

مِن باقَةِ الشِعر أهدي الودَّ قافيةً

لِمَــنْ يُواكِبُ إصلاحا بِمَسْراها

*

العبقرية فــي رفْــد القوافي لهـا

من (الرضي) امتيازٌ في مُؤدّاها

***

(من البسيط )

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

بوقُ السّواقي الهاربةِ إلی الفاصل الرّفیع

واسع التّوقع في جولةِ ثباتِ

تصویب قوسِ لا یفي بمرونتهِ

برهان تواجدِ لا یعي بجدارتِهِ

بملیء الصّمتِ تروم العفوَ خواطرُ

عن کثبِ استشعرت ذاکرةَ

البساتین المخفیّةِ

خیوطُ شغفِ تسحبها قصصُ الجسور

بوهلةِ الدّافع حنینُ لا یُزاید

علی السّفر الفصل

في جناح الخَزنِ مصدحُ الاِحتواءِ یکسو مجراه حسمًا

مِصیَدَةُ لِعُبور الفرص نابغةُ

الْكفِّ عن التّبریر

قَدَرُ الرّساٸل أن یکسوها ستار عنوانِ مٶجَّلِ

أدوار تقلّبُ بنغمِها مقادیرَ اللّفظ المُدوّي

نفاذُ الرّدِ نظیرُ مظلّةِ قشًّ

متأهّبِ لِتخطّي الهشیمِ

مهارةُ تدفع صیدَها سمةَ وازنةَ إجهازًا علی اِحتمالِ

معضلتهُ حشدُ

لا یجدّد معیارَهُ

قوالب جزرِ تحبّذُ الاِنسحابَ

في وجه إعصار الصّفیح

مَوقدُ مسالمُ أطفأ یقینَه

ومضی یتجوّل بین التّلال ...

***

سامِیة سالِم الجَیلاني رمّٛان

 

قلت لك:

تَصُدِين أروقة السلام .....

تَسِرين في دروب الحرب

أرجلك حافية يا أنتٍ .....

أرضك كلها شوك وزجاج

هنا أفعى تنتظر الغفلة.....

هنا قطيع من الهلاك

ما بك يا أنت .....

ما دهاك.......

امشي رويدا ....

لا تجعلي بصرك في قفاك ...

سار متعجلا لم يتأنى

لم ينل ما يتمنى

غدا الفرج جميل

ما بقي إلا القليل

غدا تجري رياحك بما تشتهي

ويصير الضيق فضاء

والألم شفاء

**

هنا الجزائر

أنا هنا

ألفا تحمل ألفا من السنين

قلبي كرحابة التراب

وانتفاضة البحر الثائر في كل حين

نصبت خيمتي

زرعت بذرتي

أحرقت المتسللين

نحن لا نستكين

خائن نزل بلا موعد

بلا قامة.. بلا هامة

ليمحي ذاكرتي

هنا ساحتي

أرواح لا تموت

مليون شهيد، تعقبه الملايين

هنا القائم والمقام

هنا الحرب والسلام

هنا صرير الأقلام

هنا أشجار باسقات

وقطوف دنيات

هنا الجبال الشامخات

لا تسعى لكيد

فيبيدك زئير الراجمات

**

لفلسطين الحبيبة

صوت الجرافة يلعن السائق

النية خبيثة

يقلع ألف شجرة زيتون

يزرع مستوطنة جديدة في طريق الوريد

ستموت التلة مع شهداء التين والزيتون

ينتظر العربي عهدا جديدا

ينتظر ملاد بقرة صفراء

نضرب الجذع على رصيف المدينة

تقوم الشجرة من جديد

من قتلك

قتلني عربي رضي بالتطبيع والسلام

من قناة إلى قناة

أنهى المهمة واستلم اللعنة

مات العقرب في ظل المهملات

في قصور قاصرة

في ملهى الطواحين وطائرة

قرار كخوار بقرة

مشاعر نهضة حائرة

تخلف في آخر القاطرة

مرابط الخيل ننتظر

نربي صغارنا جوارح

نغني أغنية العرس

وأخرى للحرب

وثالثة للنصر

وندفن شهيدا ثم شهيدا

موعد للعودة

موعد أكيد

اقتلعوا شجرة أخرى هدا الصباح

نما برعم جديد

***

الشاعر: رابح بلحمدي - الجزائر

من ديواني في ظلال أشجار الزيتون

 

بعد أن تزوجتْ آخر العنقود، وجدتُ نفسي وحيدة؛ بدا البيت موحشا جداً، وواسعا جدًا، أكاد أسمع صدى صوتي .

لم تسعفني الساعات التي اقضيها في العمل للتخلي عن هذا الأحساس.

ولا الأوقات التي أقضيها أحيانًا في التسوق أو زيارة بعض الصديقات.

لا بد من أنيس..

لكن هل يحق لي بعد هذا العمر؟

بدأتْ هذه الفكرة تختمر في رأسي، بل قادتني إلى سنوات ولّتْ، سنوات رفضتُ فيها كل من تقدّم إلي بحجّة تربية الأبناء تارة، ونظرة المجتمع تارة أخرى، للأسف لم أكن أنظر لنفسي..

اتصلتْ بي صديقتي سمية ذات مساء كالح:

ـ اليوم حفل غنائي ستحييه فرقة آشور، وأكيد سيغنّون أغاني فلكلورية جميلة، وقد حجزت تذكرتين، هيَّئي نفسكِ، سأمرّ عليكِ بعد ساعتين

ـ لكن لا نفس لي لحضور حفل غنائي

ـ ولأن لانفس لكِ، ستحضرين معي، هيا جهزّي نفسكِ.

قمتُ من سريري ومشيتُ باتجاه الحمام، خلعتُ ملابسي وعلقتّها خلف الباب، ثم وقفتُ تحت المسحاح وهو يصبُّ الماء الدافىء فوق رأسي، لينزل على كتفّي وصدري حتى قدمي، أراقب قطرات الماء وهي تنزلق على سطح جسدي وتتسابق بتقبيل خلاياه، أو هكذا يُخيّل إليّ.

ـ ما زلتُ أنعم ببشرة بضّة وجسدٍ ممتلىء..

حدثتُ نفسي؛ ثم أطلقتُ تنهيدة طويلة..

لماذا نخلص أكثر من اللازم لذكرى رجال يكذبون في أول الحب، ويهجروننا في منتصفه، ويغدرون في النهاية؟

كيف أضعت سنواتي الفتيّة من دون أن ألتفتتْ إلى نفسي؟

توقعت عندما نصل إلى تلك الدائرة، ندخلها، ونغلق الباب خلفنا، ثم نتفحص وجوه من في داخلها، نأمل أن من يبقى معنا في كل حالاتنا أفراد عائلتنا وربما صديق صدوق واحد.

توقعاتي خاطئة، وصلت الدائرة، دخلتها، ولم أجد أيًا من أفراد عائلتي أو أبنائي، وجهي وحده مع ظل ألف خوف وألف قلق وألف ترقب وتوجس وخيبة.

جففتُ شعري، وجلست أمام المرآة لأضع بعض الزينة، رسمتُ الكحل بعيني، شذبتُ حاجبّي، أغرقتُ رموشي بالماسكرا، ثم وضعت أحمر الشفاه بلون التوت البرّي الأرجواني، وأخيرًا رفعت شعري عاليًا بمشبكٍ ذهبي.

فتحتُ خزانة ملابسي واخترت فستانًا من الدانتيل مقفل الصدر والأكمام، طويل، يزيّنه عند الخصر حزام بدبوس ذهبي تتوسطه ياقوتة أرجوانية.

أنا جميلة.. وتأملت نفسي كثيرًا..

أها،، تذكرت العطر ..

أمسكت بقارورة ديور جادور، ثم تركتها، هذا العطر كان يحبّه كثيرًا..

أعتقد عطر أمبر نويت مناسب جدًا.. وأعشقه جدًا..

قمتُ برفع يدي إلى الأعلى وبدأت برشّه في الهواء أمامي، ثم دخلت تحت قطرات العطر وكأني أدخل نحو المطر..

هذا العطر يشعرني بأني على قيد الأنوثة والجمال،، هكذا مجرد شعور ليس إلا..

جلستُ على الأريكة في الصالون أنتظر سميّة، وبعد دقائق رنّ جهازي المحمول:

ـ هيا انزلي أنا تحت البناية

ـ حالًا

فتحت باب السيارة وجلست، كانت سميّة أنيقة جدًا ومشرقة:

ـ الله، الله على الأرجواني

ـ الله، الله على التركواز

ضحكنا وتندرنا، حتى وصلنا مسرح المدينة المقام فيه الحفل، استمتعنا كثيرًا وتمايلنا مع بعض الأنغام.

في طريق العودة سألتني سميّة برأيي فيما لو تقدم لي رجل، قلت لها: إن كان مناسبا لي؛ لمَ لا!

ـ هل تصدّقين أنا تعرفت إلى لؤي عن طريق موقع للتعارف والزواج

ـ معقولة؟

ـ نعم، ما رأيكِ تُجربين؟

ـ أنا! بهذه الطريقة سمية، وبهذا العمر؟

ـ وما به عمركِ؟ ثم أنا بعمركِ وتوفقت، سأرسل لكِ رابط مودّة ورحمة، افتحيه وسجلي، قد تجدين ضالتكِ

ـ ضالتي في موقع إلكتروني سميّة!

ـ جربّي

عندما وصلتُ للبيت شعرتُ ببعض التعب، فاستلقيت على السرير بعد أن غيرت ملابسي وغسلت وجهي.

ما أن وضعتُ رأسي على الوسادة حتى لمعتْ أمامي فكرة سمية.

مسكت تلفوني وفتحت الرابط الذي أرسلتهُ؛ موقع جميل مزخرف بالورود والآمال، والأهم تتوسطه آيات قرآنية (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

تمام.. بداية لا بأس بها؛ تمتمتُ مع نفسي

الصفحة الأولى من الموقع تضم حقولا عدة: بحث عن زوج، بحث عن زوجة، طبعًا اخترت البحث عن زوج، أوك ماذا بعد.. جنسيته، مقيم في.. عمره.. حالته الاجتماعية..

ملأت الخانات المطلوبة، لتفتح مغارة " رجال أشكال ألوان "

صرتُ أبحث حسب المواصفات التي اخترتها:

الاسم: نجم الكون، رقم العضوية......، الجنسية ......، العمر...، لون البشرة، الحالة الاجتماعية: أرمل، نوع الزواج: زوجة أولى، الطول، الوزن، العمل، المؤهل الجامعي، الدخل الشهري، الحالة الصحية، الالتزام الديني..

طيب لا بأس، قلت مع نفسي، لأرى مواصفات الزوجة التي يرغب في  الارتباط بها:

" ملتزمة، صادقة، جادة في الزواج من دون تسلية وضياع وقت، ذات أدب وأخلاق، غير مهم العمر والشكل"

طيب، لأرى خانة التعريف عن نفسه: " أعيش لوحدي، أبحث عن زوجة صالحة تشاركني حياتي وتعينني على الدنيا"

غدًا سأرسل رسالة في خانة المراسلة وأرى..

وجاء الغد، وأرسلت رسالة واستلمت الرد، وترحيب جميل، إلى هنا ينتهي دور الموقع، إن رغب الطرفان في التواصل عن طريق تبادل أرقام هاتفيهما.

تبادلنا الأرقام وتواصلنا :

ـ مرحبًا، أنا صفاء، ممكن أعرف اسمك الحقيقي؟

ـ مرحبًا، صوتكِ جميل جدًا، اسمي صلاح

ـ ما هذه المصادفة، اسمينا يبدئان بذات الحرف

ـ مصادفة خير، حدثيني عن نفسك

وبدأت أحدّثه بكل صدق وعفوية، ثم سألته لماذا يبحث عن زوجة هنا؟

قال: كما أنتِ تبحثين هنا!

خجلت من سؤالي الساذج، فأنهيت المكالمة بحجّة انشغالي .

استمرت المحادثات، لكنني كنت أستشعر بأنه كاذب، أو لعوب، حتى جاء اليوم الذي طلب فيه أن يفتح كاميرا ليراني بلبس البيت، أو بشكل أدق بقميص نوم!

حينها مسحت رقمه بعد أن حظرته.

تبدو لعبة مسلية لأشغل وقت فراغي

لأدخل ثانية واكتشف :

الاسم: لليل الصب، رقم العضوية.....، الجنسية.....، بلد الإقامة: بلجيكا، نوع الزواج: زوجة أولى، الحالة الاجتماعية: أرمل، العمر....، عدد الأطفال ٣، الوزن، الطول، لون البشرة، العمل، المؤهل الجامعي، الحالة المادية: جيد، الالتزام الديني: ملتزم وملتحي...

جيد، جيد، قلت مع نفسي، لأرى مواصفات الزوجة التي يرغب فيها:

" ذات دين وخلق، أعتقد الطلب مستحيل في هذا الموقع، كما أنه شبه مستحيل في حياتنا بالواقع، مثقفة، جميلة، أنيقة، متعلمة، تتقن الحوار"

أما عن نفسه، فكتب: ما يقوله الناس عنّي أني ذكي، هادىء، صبور، لا اتكلم بكثرة، استمع بتمعن، غيور، أبدو أصغر من عمري، الأطفال يعيشون مع أهل أمهم"

قلت: ربما يكون لي نصيب.. لأرسل رسالة

وكما حدث في المرة الأولى، جاء الرد:

شرف كبير لي أن نتعرف، قرأتُ مواصفاتكِ ومعلوماتكِ وأعجبتني كثيرًا، أتمنى أن يكون لي نصيب فيكِ، يبدو من أسلوب رسالتكِ أنكِ انسانة راقية ومتعلمة.

حقيقة عندما قرأت ردّه قلت مع نفسي: رد محترم والمهم أنه أرمل وأطفاله عند أهل أمهم وهو يعيش في بلد أوربي ، فرصة لأرى العالم وأخرج من هذا الجحر !

كتبتُ له: حقيقة من المؤسف أن نبحث عن نصفنا الآخر هنا، في عالم افتراضي وكأننا نعرض موهبة ما، لكن أحيانًا الظروف تحكمنا.

ردَّ: الآن العالم كلهُ تحت تاج ملك افتراضي، يسيره كيفما شاء من دون أن نستطيع التدخل، ما نحن ألا قطع شطرنج، ما رأيكِ نتواصل بالهاتف أسرع وأفضل من الرسائل هنا بالموقع؟ وهذا رقم هاتفي....

وهو كذلك، وهذا رقم هاتفي....

تواصلنا، تحدثنا كثيرًا في أمور الحروب ومعاهدات السلام المزيفة، والملوك والرؤساء الجبناء والسلاح والنفط، لديه موسوعة كبيرة من المعلومات.

سألته :

ـ عذراً عن السؤال، ممكن أعرف كيف ماتت زوجتك؟

ـ حقيقة هي لم تمت، أنا مطلق

ـ ولماذا كاتب أرمل؟

ـ لأنها غير موجودة في حياتي

ـ أين هي الآن؟

ـ هنا في بلجيكا مع الأطفال، في بيت آخر طبعًا.

نحن النساء خصنّا الخالق بميزة استشعار عجيبة غريبة، حدس لا يملكه الرجل، وهذه الميزة عندما تعمل تستنفر معها جميع حواسنا بشكل لا إرادي.

مشكلتي هي أنني بدأت أنجذب إليه ، ثقافته وحديثه وأسلوبه في الحوار، تواصله بشكل منتظم ودائم.

وصلنا إلى مرحلة أننا صرنا نتحدث كاميرا

ـ أعتقد عرفنا بعض بشكل يرضينا، هل فكرتَ أين سيتم زواجنا؟

ـ حقيقة لا أدري، فأنا هنا ما زلت لا أملك إقامة!

ـ ماذا؟ لكنك كاتب غير هذا

ـ نعم لأنني أعيش هنا

ـ لا عفوًا هذا غير صحيح، لابد أن توضح الأمر من البداية.

طبعًا بدأت أفكاري تتلاطم، تجمع وتطرح وتعيد الحسابات، حتى الآن كذبتان كبيرتان، ماذا بعد يا ترى؟

ـ أنتِ جميلة جدًا، امرأة حقيقية، أنثى كنت أحلم بها

ـ أشكرك جدًا

ـ لو بيدي لصنعت لكِ ثمثالًا

ـ أنا لست طاغية، الطغاة فقط يحبون التماثيل والتمجيد

ـ والعظماء أيضًا

ـ مخطىء، بعض العظماء خلدهم الناس بعد رحيلهم

وبينما كنّا نتحدث، وإذا بصوت امرأة تفتح الباب وتدخل عليه، ارتبكَ فسقط الهاتف من يده لأرى قدميها وهي مقبلة نحوه!

قطعَ المحادثة.

ذُهلت، صُدمت، حزنت، ثم بكيت..

كيف تُبنى علاقة على أساس من وهم؟ كذب، خداع؟

عاودَ الاتصال:

ـ طبعًا آسف قطعت المحادثة لأني تفاجأت بدخول ابنتي

ـ ابنتك؟

ـ نعم جاءت لزيارتي

ـ هل ابنتك كبيرة لدرجة أن ساقيها يوازيان ساقّي امرأة ؟ وتقول لها " أي رحم الله والديك" !!

ـ قلت هذا لأنها جلبت لي الشاي.

سكّتُ وكأن لساني انعقد، لأني تيقنت أنه كاذب

ـ ألو.. لماذا صامتة؟ صدقيني ما قلته الحقيقة

سكوتي ليس رضا، بل صدمة.

ـ سأعرف الحقيقة عاجلًا أم آجلًا، فأرجو أن تخبرني بنفسك من دون أن تكشفك الصدف، لتبقى لك مساحة ولو بخرم إبرة من الاحترام.

ـ الحقيقة لست مطلّقا، لكننا منفصلان!

ـ منفصلان وفي بيت واحد وتأتيك بالشاي!

ـ نعم، باقيان لأجل الأبناء، لكن لا تربطنا أي علاقة جسدية.

ـ كذب، وما دمت كذبت أكثر من مرّة فلم أعد أثق فيك

ـ والله كذبت حتى لا أخسرك.

ـ  لديك إقامة وعمل، أرمل، ثم مطلق، ثم منفصل، وكل هذا كذب، هل هذه المواقع أوكار للتعارف المشبوه والكذب ومآرب أخرى؟ كيف تحترم نفسك وأنت تكذب؟

ـ أنا صادق بمشاعري.

ـ أي صدق تتحدث عنه، زمن ملعون ...

انهيت المحادثة وغلقت باب القلب الذي كان مفتوحًا له، ثم دخلتُ الموقع حذفت حسابي وكل ما يتعلق بي ، حتى لا تسول لي نفسي بتجربة أخرى.

صباح اليوم التالي وجدت رسالة منه:

ـ والله أحبكِ ولا أريد أن أخسركِ.

ـ حياتنا واسعة، أوسع من أن أتمسك بكَ، أو بأي رجل يخدعني أو لن يضعني ضمن اعتباراته وأساسيات يومه، وأكبر من أن أعيش كذبة أن من نحبهم لا يتكررون!لأنهم يتكررون وبشكل محسّن، وأفضل، وربما أكثر تطورًا، تمامًا كما يحدث في عصرنا الإلكتروني هذا.

 احترقَ قلبي حقيقة، وددتُ لو لم اسمع كلام سميّة، فلستُ بحاجة لألم مضاف.

ومع خيبتي اعتبرتها تجربة من تجارب الحياة المخادعة، وبدأ شيء ما يوسوس في صدري:

تُرى هل هو فرصتي الأخيرة؟

 فهاتفتُ سمية وأخبرتها بكل ما حصل، شعرتْ بالأسف وحاولت التبرير، لكنها عادت وقالت:

ـ إلاّ الكذب، لأنه سيعتاد عليه، ما بكِ؟ هل أحببته؟

ـ لا أعرف.. مشاعري متخبّطة.

ـ بوضعهِ الحاضر لا ينفعكِ.

تسبب لي بأرق وقلق وتفكير وحيرة بين أن أسامح وأكمل المشوار، وبين أن أضع الشمع الأحمر.

في المساء رنّ هاتفي، رقم لا أعرفه.. كانت المتصلة زوجته:

ـ مرحبًا، حضرتك صفاء؟

ـ نعم تفضلي

ـ أنا زوجة منذر، زوجته وأعيش معه في البيت نفسه والغرفة، وعلى فكرة هو أي امرأة يتعرف عليها يقول لها أنه أرمل ومطلق...

وبدأتْ بالسب والشتائم..

ثم لحقت المكالمة رسالة بذيئة من أحد أبنائه..

حينها تيقنت أن شخصيته معدومة تمامًا في بيته، وألا ما تفسير ما حصل؟ من أين جاؤوا برقم هاتفي إن لم يسرقوه من هاتفه، وكيف يسرقونه إن لم يكن له أي اعتبار أو احترام..؟

إذن صار لزامًا أن أضع الشمع الأحمر على هذه العلاقة.

لا أكره الأشخاص الذين أنسحب من حياتهم، لكنني أتنازل عن محبتي ليكملوا مسيرة كذبهم بعيدًا عنّي.

الذين يفارقوننا أو نفارقهم، لا نتذكرهم بالصورة التي رسمناها لهم قبل أن نلتقيهم، بل بما عشناه معهم  من أحداث ويوميات.

فلا مودّة ولا رحمة من دون صدق وصفاء نيّة وتواصل على أرض الواقع، تحت نور الخالق وشهادة المخلوقات. 

***

ذكرى لعيبي - ألمانيا

تمر السِّنينُ شقية

ويلتهم الزمن من العمر نصيبا

فلا أرى سواك يقول لي:

"لازال أمامنا كثير من الفرح

وابتسام أيام خضراء

لازال أمامنا حقل قرنفل نرتع فيه

وبستان فواكه طرية

موسم قطافها قد حان

وتغريدة عنادل

تشدو في دواخلنا

وحلم بِغد تسكنه طفولتنا الأزلية

لازال ربيع قلبينا دافئا يحضنُ

وردة برتقالية وسنابل شقراء

تغازل شمس الظهيرة"

2

تَمُرُّ السِّنينُ مُهَرولة

ولا أرى غَيرك

يُقاسمني عَبير اِنكسَاراتي

لا أَرى غَيْرك

يَسْألني عن كَوابيسي

ويفك طَلاسِمها الغَريبة

لا أرى غيرك

يتوغل في مجاهل ذَاتي

ويقرأ رُموزها العَميقة

3

أرنو لعينيك كل صباح

وأقرأُ تفاصيل مَاضي وحَاضِري

أحدّق في وجهك

تُحاصِرني أنفاس تاريخ أشواقنا

القُزحي

يرسم لي بين رُبى الانبلاج

شَمسا ونُجوما راقصة

4

أيُّها الخريف الذهَبِي

قُلْ لَهَا:

أنتِ في قلبي نور

أَنتِ موَّال شحروريّ يسكن

الحَنايا

قُلْ لَهَا :

أنتِ رَنينُ الذِّكرى يُفَجِّرُ

نبعَ أحاسِيسي

أنتِ قصيدة تَحضن هَمس حُروفي

قل لها:

أنت تراتيلُ صوفية تُعلِّمُنِي أبجدية التبتل

في محراب الكبرياء

أنت عَقِيدتِي وعنوان  حقيقتي

بلا قناع

5

سعيدة:

ثمة كثير ما يقال

ثمة حكايات منسية

وقصائد حب كتبتها

عندما كنا نتعلم الهمس

وفنّ المُهادنة

اليوم أقرأها بانتشاء

وحنين

حنين لِمَا مَضَى

لذكريات موشحة بالاخضرار

لبهجة تضيئ اِمتدادات ما تبقى من العمر

***

محمد محضار

قالَتْ لهُ:

لَوْ لَمْ أكنْ معكْ

منذُ سنينٍ، عندما

كنتَ تروغُ كلّما

عن وِجهةِ المسيرِ أسألَكْ

لكنتَ قَدْ

ضيّعْتَ مسلَكَكْ

و كانَ قَدْ

تِاهَ و تيّهَكْ

في دربِكَ السّرابْ

لَوْلايَ ..! لَوْ ..!

لا ينتهي العتابْ

**

قال لها : لَوْ  لَمْ نكنْ معاً

أكنتِ تعرفينَ ماذا خبّأ الزمنْ

في دربِنا المحفوفِ بالشجنْ؟

و ما الذي اِخْتَزَنْ

لدربِ كلِّ واحدٍ

منّا، وما اِرْتَهَنْ

لَوْلايَ ..! لَوْ ..!

هل ينتهي الكلامْ؟

**

و اِفترقا

صارا على اِنفرادْ

تذكّرا كل الذي قالاهْ

فراحَ كلٌّ مِنْهما

يقولُ نادِما:

لو كنتُ لَمْ أقُلْ

كلَّ الذي قَدْ قُلْتْ

لو أُذُني  لَمْ تَسْتَمِعْ

لكلِّ ما سَمِعتْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

من الأول خالص يا أفندم؟من الأول؟ حاضر. تمام أفندم. محمود حمزة يا أفندم. بس معروف باسم بلية من وأنا صغير، لأني قصير شوية. من غير كثرة كلام؟ حاضر. لا مؤاخذة يا أفندم. عمري 27 سنة. نقاش أدهن حيطان وأبواب. والدي صعيدي على قد حاله وصل القاهرة واشتغل بواب عمارة فأعطوه حجرة صغيرة تحت السلم عشت فيها مع أمي ووالدي الله يرحمه. أنا على فكرة شبه والدي بس هو كان طويل شوية وصوته ثخين لما يتكلم. نعم؟ أخليني في الموضوع؟ أنا بأحكي من الأول خالص لأن سيادتك قلت لي من الأول. من بعد الأول بشوية؟ حاضر يا أفندم. لما مات والدي اشتغلت صبي مكوجي وعند حلاق وأيامها عمي قال لي تعالى أعلمك صنعة تنفعك..أنا آسف قوي..حاضر من غير حكاية عمي؟ فهمت يا أفندم. سبب معرفتي بالطلبة الثلاثة السياسيين إني بعد الشغل أروح أقعد في قهوة عنبر طول الليل. بس يا أفندم حكاية القهوة مهمة.. لأن الطلبة جاءوني هناك. أيوه يا أفندم. وقالوا لي أبيض لهم الشقة. وأنا والله يا أفندم لا أعرف سياسة ولا إنهم سياسين. لا يا أفندم لم تكن لي سابك (سابق) معرفة بهم، وأنا نقاش أرزقي من غير دكان، أي شغل أقبله. أيوه يا أفندم. الثلاثة حسين ومؤنس وفؤاد. الخدمة العسكرية؟ لا يا أفندم أنا رحت للكشف لما وصلني استدعاء للوطنية. وقفت في طابور طويل يا افندم كله لامؤاخذة فلاحين وصنايعية، وحضرة الضابط لمحني في آخر الطابور فأشار لي بيده: " تعال هنا". رحت له ووقفت قدامه فسألني: "أنت جاي تعمل إيه؟". قلت له: "استدعاء الخدمة الوطنية"، فشتمني يا أفندم وقال لي: "وطنية إيه يا ابن العرص وأنت أقصر من ماسورة البندقية؟! خذ ورقة الاعفاء آهي واختفي من قدامي إياك أشوفك هنا تاني". عندي اعفاء من الوطنية يا أفندم. من غير كثرة كلام؟ حاضر. فهمت. قلت لهم ماشي، أبيض الشقة. وكان في دماغي يا أفندم اني اطلع لي بقرشين، لأني كنت عاوز أتزوج بنت عمي، تخدم أمي لأن أمي ست كبيرة حركتها ضعيفة وتنسى تأخذ الدواء. كبيرة يا أفندم. من غير حكاية أمي؟ أختصر يعني؟ فهمت يا أفندم. أيوه. رحت لهم شقتهم في شارع عزمي الدور الثالث. لاء يا أفندم، هم كانوا يتكلموا مع بعض، لكن أنا في شغلي لم أكن أسمع، ولما كنت أستريح شوية وأشرب شاي معهم لم أكن أفهم بيقولوا إيه. كلامهم لا مؤاخذة يا أفندم غير كلامنا. بالضبط يا أفندم. كانوا يشتموا على طول بس أنا ما أعرفش الحكومة كانت ضمن الحاجات دي ولا لاء، لأن كل تفكيري كان في بنت عمي، أتزوجها وتخدم أمي لأنها ست كبيرة وضعيفة، لكن عمي رفض وقال لي أنا لا يمكن أزوجك بنتي، أنت واحد طول الليل في القهوة تضيع فلوسك على الطاولة والكوتشينة. لا يا أفندم والله ما كنت أعرف أنهم طلبة مظاهرات من الجامعة.. أنا في شغلي بس، وبسبب الشقة الشؤم قعدت عشرة أيام في قسم البوليس، ودلوقت بقى لي أكثر من سنة محبوس احتياطي ومازلت، لكن ليس لي سابك (سابق) معرفة بالطلبة، ولا توجد علاكة (علاقة) معهم. أيوه يا أفندم. كلام سيادتك صح. كان يأتيهم أصحابهم بالليل ويقعدوا يتكلموا مع بعض. شباب. لاء يا أفندم لم يتكلموا معي. لكن مرة واحد منهم قال لي الحائط قدام التلفزيون لونه كريمي غامق يحتاج يبقى فاتح شوية. وسيادتك عارف أن صنعتنا تحب المفهومية والأسطى منا لازم يعرف يخلط الألوان كويس يعني الأحمر والأزرق يعطي بنفسجي بدرجاته.. متأسف يا أفندم. باختصار؟ حاضر. بس أرجوك يعني سيادتك لما بتزعق أنا بأتلخبط يا أفندم. حاضر. أختصر؟ بس أنا يا أفندم فوق من سنة ما شفت أمي، عاوز أطمن عليها لو عاوزة حاجة. الورقة؟ الورقة دي يا افندم؟ تمام أفندم. ايوه القلم قدامي. سيادتك تقول لي وأنا أكتب. تمام . " أعترف أنا محمود حمزة الموقع أدناه، بطاقة شخصية رقم ٩٥٠٢٢١٦ المقيم بالمنزل رقم 4 عطفة الحمصاني بالسيدة زينب، بقيامي بكل الجرائم المنسوبة إلي من الاشتراك في المظاهرات والتعدي على الأملاك العامة والانضمام لجماعة ارهابية محظورة ونشر.. أشعات؟ كاذبة أيوه..أيوه..فهمت .. اشاعات.. فيها ألف يا أفندم.. اشاعات كاذبة. صح. امضاء محمود حمزة. كتبت يا أفندم كل ما قلته حضرتك. بس ممكن لو سمحت يا افندم طلب؟ لا مؤاخذة.. لما أنا أطلع من الحبس والناس يسألوني عن سبب حبسي أقول لهم أنا عملت إيه؟ إيه اللي أنا عملته يا أفندم؟!

 ***

قصة قصيرة

د. أحمد الخميسي

 قاص وكاتب صحفي مصري

جلست عند نافذة الطائرة القادمة من لاس فيغاس إلى ساندييغو، صرت أنظر إلى المسافر الذي كان يجلس في المقعد الأمامي، كان منهمكا في التقاط صور الرحلة منذ لحظة الإقلاع حتى الهبوط، لم تتجاوز مدة الطيران أكثر من خمسين دقيقة.

بدت السماء أشبه بعالم مسكون بنقاء زرقة لا حدود لها من الانتشار، لا يوجد مع العلو أي حاجز يحجب هذا النوع من الامتداد إلا مجموعة غيوم ترقد عند رقعة اتخذت مكانها النائي عبر لا مرئيات تلك الحركة من الزمن.

تزاحمت أفكاري، توقف جناح الطائرة، صار يعانق أنفاسه وسط محيط اكتظت أحشاؤه بفراغ مطلق، تراجعت اسطورة الأرض وفقا لانعكاسات باتت تسكن عند طيات فضاء بليد، تقاطعت بعض أشلاء روحي مع ضجيج ابتعد دويه استجابة لحركة مربعات أمست تسكن في مساحات قابلة للتضاؤل، والتضخم؛ ذلك بحسب درجة العلو، والهبوط.

وجدت ذاتي متحدا مع ذرات كوكب تم تتويجه بهذا المدى من الانشطار. كانت الشابة التي تجلس قربي تقرأ كتابا، أما طاقم الطائرة فقد غدا وكأنه يراقب وضع المسافرين لحين خط الانحدار.

صرت أصغي إلى سريرتي التي أضحت تحلق مثلي بعيدا، ما يجعلها تمضي على نحو خطوط اتفقت مدياتها، لتبدو عالقة بين ذرات عالم زهوها الوقور.

رسمت في ذهني خارطة تركبت جزيئاتها مع بعضها مصطحبة معها لغة التقاطع تارة، والتخالف اخرى، أخذت أنظر إلى اللاشئ لأرى كيانات، ورسومات لا حدود لمجرياتها،  فالسماء وغيومها تحيط بهذا العالم الفسيح الذي تحده البحار، والأنهار، وتنبت فوق أرضه الأشجار،  لتتشكل في رحم هذا الوجود، أما أنا فليس إلا ذلك الكائن المحدد الذي يعيش في قفص ماهيته، تحركه أحاسيس مصحوبة مع تداعيات تسعى لإزاحة ستائر صراعها الهش، لتقف بوهن هكذا معلنة إذعانها لحقيقة ارتباطها الذي لا يختلف عن حقيقة ذرة تبدو متصالحة مع نفسها، متخالفة مع غيرها ذلك وفقا لأشكال لا حدود لها من المشاهدات.

***

عقيل العبود

كم ضاق صدري؛ ولولا الفيس ما سلما

قلبي من الغيظ .. حتى ينشرَ السَّأما

*

مما نعانيه في الدُّنيا ؛ على أملٍ

يستوعبُ النّاس ما أعني أنا و لما

*

لكنْ أعودُ إلى الأدراج منتكِساً

فلم أرَ الكلَّ ما أعنيه قد فهما !!

*

هم يحلمون بأشياءٍ تخالفني

أدريهم اليومَ شاءوا الظَّنَّ و الحُلُما

*

هم يحلمون بأشياءٍ تباعدهمْ

عمّنْ يرى العُمْرَ طالَ الشَّيبَ و الهَرَما

*

هم يحلمون بآفاقٍ تناغمهم

ما بين في البال .. لا هذا الذي نُظِما

*

هم يعشقون رباباتٍ تموسقُهم

فيطربون إذا أهدتْ لهم نغَما

*

هم يفرحون إذا يوماً تبشِّرهم

بأنَّ لا شيءَ يبدي الحزن و الألما

*

هم يحلمون بأحلامٍ بلا كُرَبٍ

فيها البلابلُ تصحي الغصنَ مبتسما

*

لا يحلمون بأشياءٍ تؤرِّقهم

مثلي و مثلك .. إذ أعطى و إذ قسما

*

لذا ترى الجيلَ لم يقرأْ رسائلنا

بمثل ما نحن ندريها ، و ما علما

*

لذا نويتُ بأنْ أبقي لنافذتي

ماذا أشاء .. ولا أأبه بمن سئما !

*

أقولُ رأيي .. أبثُّ الشِّعرَ مبتهجاً

و كلُّ مرءٍ له أنْ يطلقَ الكَلِما

*

حُرّاً .. كما كان .. لن تخبو ذبالتُهُ

في كلِّ عتمٍ أوار النَّار قد ضرما

*

كي يستضيء ظلامَ اللَّيل في زمنٍ

قد أسدرَ التيهُ فيه العتمَ و الظُّلما

*

كي تستقيمَ حياةُ الوعي في ألقٍ

تزيحُ ما غامَ في الآفاق محتدما

***

رعدالدخيلي - العراق

 

 

نحنُ المتكئينَ على عصا

او نبحثُ عن حوتٍ

نستريحُ في جوفهِ

أنْ ركبنا هودجاً نسينا عذاباتِ الاخرينَ

*

كمْ مررنا على تخومِ مدنِ الاهاتِ

وجدنا لنا ثورةً من الاحلامِ

وحينَ شعرنا بالصقيعِ آتياً

تدثرنا برمالِ الدنيا

تناسينا عوراتنا

أردنا الخلاصَ، أرتحلَ وبقينا

*

آهٍ ،متى نتسلقُ جبالاً رحيمةَ

اللجوءِ نتلبدُ في كهوفها

ربما يأتي ملاكٌ

يرسمُ لنا  صوتاً

يدلنا لواحاتٍ تُبرِئ انطفاءَ جذوتنا

*

سأشتري الذهبَ

أأطرهُ بالمحارِ

أعلقهُ بينَ السماواتِ

أغسلُ عيونَ النساءِ بالغيمِ المصفى

أصرخُ من أعالي مملكتي

يا نساءَ  العشقِ أتحدنَ

قِلاعُ الربِ تحتَ أقدامكن تعزفُ

*

لستُ ناسكاً الا في الحبِ

تلك هويتي

تلكَ سفنُ إبحاري

لقدْ أرتضيتُ جودَ اللهِ لي

خاتمتي لنشوةِ دربي  وسكرةٍ

لن تثملني

أنا غيمةٌ جوالةٌ فوقَ القممِ

*

خذْ ماشئتَ من شذى الالحانِ

أنتَ هنا تقلبكَ الاعاصيرُ

هذهِ الارضُ لغزٌ

لن تستفيقَ ،اقدامُ الغرباءِ

حوافرُ خيلٍ لا تنتظرُ سوى

فروسيةٍ قيلَ تعانقُ السماءَ

وهذهِ لعمري أضغاثٌ وترّهاتٌ

لن أغادرَ حاناتٍ تبهجني

تسلبُ مني ،أعاليَ غضبي الغريبِ

أنا ما كنتُ الا مأذنةٍ تصدحُ

في أرجاءِ المعمورةِ،تهتزُ لها

أجنحةُ طيورِ الربِ

*

أنبأتني مليكاتُ الجنِ

خذْ أعشابَ الولهِ والغرامِ

أسقي جوفكَ

سكرتكَ آخرُ أنتفاضةٍ

غداً تأتيكَ معجزةٌ تلقيكَ

في أوديةِ البياضِ

ياأنتَ ضعْ تحتَ وسادتكَ

آنيةَ عطرٍ من دموعِ الجميلاتِ

*

هنا لا تعريفةَ لطأطأةِ الرؤوسِ

لا أسرارَ أو عبراتٍ حبيسةً

لا أشتري سوى أنعتاقِ نظراتٍ

أنامُ وسادتي (صخبُ البحرِ)

أغانٍ  لن تأتيَ تجلدُ الذاتَ

يافاطماتِ الحبِ في بلادي

المخيراتُ عنوةً على السوادِ

كذبةٌ من قالَ: (السوادُ يسبي ألعباد)

*

لماذا نشتري الحريةَ بالدمِ؟

نغزو بالترفِ جهاتِ الكونِ

لتتأصلَ حكاياتٌ أردناها

مهرةً نعانقُ بها الشمسَ

نرسمُ على جدراننا نساءَ الربِ

تحتَ أجملِ الناياتِ

*

كمْ أنتِ بهيةً (ياحجولَ) السيقانِ

ونديةً تتراقصُ كماءٍ في آنيةِ سبيلٍ

يتحدى لغاتِ العطشِ

الماءُ  بركاتٌ ونذورُ حبٍ للجنانِ

*

ياأنتِ مرجانةَ الخلجانِ

يكفيني أن البحرَ يحسدكِ

يغطيكِ بموجهِ الغاضبِ

تتفرسينَ في عيونِ الليلِ

تبحثينَ عن صناراتٍ نساها

صيادو الغفلةِ الذينَ

نفدَ صبرهم

وأنتِ تتسلقينَ خيوطَ الصيدِ

ربما تصلينَ أعاليَ الموجِ

تعودينَ مرةً أخرى تغطينَ

جبروتَ البحرِ

وأنتِ ريشةٌ تدغدغينَ تقلبَ

الريحِ حتى تذوينَ جنيةً للبحرِ

معشوقةً للرقابِ الزاهيةِ

*

نحنُ الذينَ ترافقنا البلايا والمنايا

نحنَ الراكعينَ لصبرنا

لقد اخفتنا سرعةُ الريحِ

وما اخفتْ عناقيدَ  وأغصاناً

كنا نتدلى منها طعماً لأجملَ الطيورِ

يالعمري كمْ  تطولُ أنفاسنا

إننا علقنا ما بينَ النجوم

***

عبدالامير العبادي

بَيَانٌ / أَنَا وحِمَارِي وسَاحَةُ التَحّْريّْر.

قالَ لي حِمَارِيَ المُدلَّلِ:

سأَذّْهَبُ غداً إِلى سَاحَةِ التَّحريّْر.

قُلّْتُ:

وَ مَاذا سَتَفّْعَلُ هُناكَ ياحِمَاريَ الغَريّْر.

قَالَ حِمَاريَ الكَريّم:

سَأَخْطُبُ خُطْبَةً عَصّْماءَ في الجَماهيّْر.

و سأَكشِفُ أَسرارَ السِّياسَةِ للصَّغيرِ والكبيّْر.

و سأَضَعُ النِقاطَ على الحُروفِ بحكمةٍ وتَدبيّْر.

و سأفضحُ غِربانَ السِياسَةِ، مِنَ العَظيمِ إِلى الحَقيّْر.

قُلتُ:

يا حماريَ العزيزِ، وما شأنُكَ بما يَجري ويَصيّْر؟.

قالَ حِمَاري بصَوّْتٍ جَهيّْر:

كيّْفَ لا شأْنَ لي بما يَهِمُّ اخوانيَ الحَميّْر؟.

قُوتُنا حُرِمّْنا مِنهُ، فلا أَعلافَ ولا شَعيّْر.

الماءُ لا يَسِدُّ الرَّمَقَ والضَمَى أَماتَ الكثيّْر.

الجَفافُ حَرَمَنا مِنّْ كلِّ طعامٍ يَسيّْر.

من كلِّ مُخضَوّْضِرٍ أَو يابسٍ حَسِيّْر.

وَ لو كانَ كَمُّهُ بمقدارِ قِطْمِيّْر.

أَرزاقُنا قُطِعَتّْ ... ولا سَامعٍ لنا ولا مُجيّْر.

وَ المعايشُ في ضَنَكٍ كالموتِ المُسّْتَطيّْر.

لا وَظائِفَ ولا خَدماتَ ولا إِعمارَ ولا تَعميّْر.

فقدّْ ضاقَ صَدري واشتَعلَ بقلبي السَّعيّْر.

أَرامِلُنا أَيتامُنا عَجائزُنا شيوخُنا بلا مَصيّْر.

أَطفالُنا مِنَ الجُوعِ والعَوّْزِ تَستجيّْر.

سأَخطُبُ وأَهتِفُ بأعلى صوتٍ هديّْر.

و خِطابي سيسمَعُهُ الأَصَمُّ والأَبكَمُ والضَّريّْر.

أَ كُلُ هذا يا (ابنَ سُنّْبَه)؛ ولا يحركُ في النَّاسِ ضَميّْر!؟.

قُلتُ:

يا حِمارُنا اللبيبُ الحَصِيّْفُ الخبيّْر.

إِهدأْ ....فإِنّي أَخَافُ عَليكَ مِنّْ هذا المَسيّْر.

وَ هوِّن عليكَ فالامرُ خَطيّْر.

فَسأُخبرُكَ بما هو بائِنَ حتّْى للضريّْر.

قالَ حماريَ الجليّْلِ:

قُلّْ يا (ابنَ سُنّْبَه) بدونِ تَعليلٍ ولا تَبريّْر.

قُلتُ:

لكَ ذلكَ يا حِمارَنا الفَهيّْمُ البَّصيْر.

فالحَّقُ والحَّقُ أَقولّْ بِلا نَقصٍ ولا تَكثيّْر.

فالعِلَّةُ في أَهلِ الحَلِّ والعَقّْدِ والتَّدبيّْر.

هَؤلاءِ وعدُونا بأَنَّ حَاضِرَنا في تَغييّْر.

وَ أَنَّ مُستَقبَلَنا خيرٌ وخيرٌ كثيّْر.

و بعدَ عقّْدَيّْنِ مِنَ الزَّمَنِ المريّْر.

اكتَشفنَا بأَنَّنَا خُدِعنَا من الأَوّل للأخيّْر.

و استَغّْفَلوا عُقولَنا كأَنَّها عُقولَ عَصافيّْر.

و أَردَفْتُ لحماري بقوّْلٍ ناعمٍ كالحريّْر:-

هَوّْن عليكَ يا حِماريَ الخبيّْر.

فأَنتَ حَليمٌ حَصِيّْفٌ ذُو عَقلٍ كبيّْر.

وَ لو كانَ الأَمرُ بيَدي لعَيَّنتُكَ سَفيّْر.

و رُبما رَئيّْساً للوزراءِ تَصيّْر.

وَ لكنْ أَخشَى أَنّْ يَتهمُكَ الفَاسدونَ بالتَّقصيّْر.

وَ بخرقِ القوانيّْنِ وتَحَدِّي الدَّسَاتيّْر.

وَ يحكمُونَ عليكَ بالسِّجنِ أَو التَّسفيّْر.

وَ سأَفقِدُ عَزيزاً  على قَلبي الكَسِيّْر.

أَعرِضّْ عَن هذا فأَنتَ حَليمٌ وبالصَّبرِ جَديّْر.

وَ فَوّْضّْ أَمّْرِي وأَمّْرَكَ للواحدِ الجبَّارِ القَدِيّْر.

***

مُحَمَّدّ جَوَاد سُنّْبَه

قلبك أيها الميت

ترك دمعتين على طاولة التشريج.

**

كان يرضع حليب المسدسات

بدلا من حليب الأم.

لذلك أمسى قناصا

من البلكونة

يفتح النار على ظلال المشائين.

**

قبل موتها بثلاث سنوات

أنا وأمي وكرسيها المتحرك

كنا مثل إخوان الصفا

نتأمل الفراغ الذي يمشي مقلوبا على رأسه

تحت قدميها المتجمدتين.

حيث تتبدى الساعات الطوال

مثل أحجار كريمة.

والندم كلب أسود

ينبح في باحة البيت.

**

موتي خسارة لا تقدر بثمن

لأني منذ ستين سنة

عيناي مسمرتان إلى أعلى

لعل الله يمضي مسرعا من هناك.

**

النهار وحش قذر

الناس سيئون للغاية

وغير جديرين بفاكهة العناية الإلاهية.

بينما العزلة تملأ خزانتي بالذهب.

**

قدري أن أمثل دور الأبله

في هذا المسرح العبثي.

**

قلت للسماء: أنت لاشيء.

سأطردك بعكازة الفيلسوف

لأنك كذبت علي سبعين ألف مرة.

**

المرأة فراشة

هشة وقصيرة النظر

مكلفة جدا جدا

ومغرية حد الإغماء.

**

في المبغى

المومسة تطعم الجسد

لفيفا من السراخس

مثل أرنب بري.

**

جن في المنفى

لم يجد زهرة  تشيعه

إلى بستان العائلة.

**

أنت تعاملين قلبي

مثل سيدة فرعونية مطلقة

ترغبين في تحنيطه

لإكسابه معنى أبديا

وإخفائه في مكان سري

داخل إهرامات (الجيزة)

مثل كنز ثمين من كنوز توت عنخ أمون.

قلبي لا جىء فلسطيني عالق في معبر (رفح)

لا يهمه غير شميم عرق الأسرى.

أنا يا سيدتي

ليس لي متسع من الفقد

لأحدق في تابوت العلاقات المحنطة.

**

أنا ممزق جدا يا سيدتي

لعبة الكوريدا لم تتوقف أبدا

في الحلبة اللامتناهية.

عقلي ثور جامح

بقرنين من البرونز الخالص

يهاجم دائرة الضوء الأحمر

وقلبي مصارع ثيران

مشبع بأنساغ الميتافيزيقا.

الحرب دائرة على قدم وساق

وأنا بحجم ألف ضحية في اليوم.

**

كأي مهاجر  غير شرعي

أبحث عن إمرأة جيدة

بقامة سبعين موجة

لتنتشل حياتي البائسة من الغرق

في الوحل والجنون والماليخوليا.

**

الشتاء قادم على مهل

وكهوف قلبي مشرعة تماما

مليئة بأسماك السلمون

بمياه النوستالجيا الحار

في انتظارك يا دببة أفكاري المتوحشة.

في انتظار قيامتي الأثيرة

***

فتحي مهذب - تونس

 

 

مثقلٌ بالوحدة

تفتح ُ نوافذ الليل للضجيج

علّك تنام

**

الأحلام ألتي كانت تعترشُ وسادتك

تنتظُركَ لتبحرَ فيها

كيف تلاشت !

من أجهضَ روحكَ

حتى مات فيكَ الحلم ؟

**

تتآلفُ المدن والأحلام

مدنٌ يختنقُ فيها الهواء

مدنٌ تصاهرُ القلق

ومدنٌ تأسركَ كالأحلام

**

كل ليلةٍ

أفكرُ في الذين مازالوا يحلمون

أفتحُ نوافذي للضجيج

وأبكي مدينتي الحلم

***

د هناء القاضي

2-10-22

 

 

العدد: 5991 المصادف: الاثنين 30 - 01 - 2023م