نصوص أدبية

نصوص أدبية

أَنَــا مَـجْنُونُ هَـوَاكِ

 أَتَــطَــلَّـعُ لِــلِـقَـاكِ

*

مُـنْـتَـظِـرٌ أَيَّامِــي

 مَـعَ تَـسْبِيحِ لُـمَاكِ

*

أَتَــطَـلَّـعُ بِــجُـنُـونٍ

 لِـلـطِّـيبِ بِـمَـأْتَـاكِ

*

وَرْدَةَ عُـمْـرِي هَـيَّـا

 قَـلْـبِـي رَامَ نَــدَاكِ

*

عَيْـنَاكِ تُـلَاعِـبُنِي

 وَتُبَشِّرُ بِهَوَاكِ

*

هَلْ لِي فِي تَقْبِيلٍ

 أَسْـتَـبِـقُ مُـحَـيَّاكِ

*

أَحَـيَاتِي مَـا أَحْلَى

 ثَـغْرِي قَبَّلَ فَاكِ !!!

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي

شاعر وروائي مصري

مررت من هنا

كعصفور مهاجر

تحمل في كفك زنبقة

مرصعة بالبياض

وسبحة تفيض بشوق

الابتهال

من هنا مررتَ طفلا

يحضن القمر

على شفتيك ترتعش

ابتسامة وداع

ومن عينيك يلوح

بريق غريب

أيها الفتى الحالم

لكم عَبثتَ بالسنين

ورسمت دائرة للفرح

وحدودا بألوان قوس قزح

أيها الماسك بعصا الحلم

خطوك الواثق نحو السماء

يقهر ألم الجسد الحاضن

للأوجاع

ويبحث عن الحقيقة في

كبد الأشياء

أنت الآن تسبح في رحابة

السحاب

وتفتح قلبك لنور الفجر

أنت الآن تغرد بانتشاء

وتبدأ رحلة الصعود

دون مقدمات

***

محمد محضار

27.11.2015

متكئانِ

على شجرة

نحتا على لِحائها

قلباً وأولَ حرفٍ

من اسمها واسمه

وفي وسطِ القلبِ

كتبا الى الابد

عهداً، ووعدا

وانحنى يقبلها

فسقطت سهواً

من شفتيها المرتجفتينِ

قبلة

أنعشت بها نبضَ المكانِ

مثيرةً في عزلةِ الريحِ

حفيفَ الرغبةِ

حينما تداعبُ

الوردَ الخجولَ

ليرتجفَ الرحيقُ

في قلبِ النرجسِ والأقحوان

وتبقى بصمةُ الشذى

شفيفةً كأجنحةٍ بيضاءَ

تلوحُ في ذاكرة الأشياء

حقيقةً أزليةً

وليست محضَ

خيالٍ شعري

لوردةٍ عاشقة

تلتفتُ الاشواكُ

بشماتةٍ حاسدة

كيف اجتمعت الأضدادُ

في استقامةٍ واحدة؟

لو تعلمُ كيفَ ارتوت

من تأوهاتِ الاجسادِ الشجر

لما استبدلت لحاءها

بقشرةٍ معدنيةٍ

نسغها

عاليةٌ جودته الإلكترونية

ولو أنصتت أكثر

للأوصالِ التي تمزقت تحتها

لهجرتِ البلابلُ الاغصانَ

وأضربتِ الاشجارُ

عن خصوبتها

عن ثمرها

عن أوراقها

عن العالم

إلى الأبد

***

أروى السامرائي

محمد عبدالحليم غنيمقصتان قصيرتان جدا

1- المرة الأولى

- هذه هى المرة الأولى.

- لا بأس.

- أشعر بالندم.

- طبيعى

- سأظل أشعر بالندم.

- لن يستمر طويلاً

- أعرف نفسى.

- أنت لا تعرف شيئاً.

- آه.

- ألم تستمع؟

- آه.

- هل شعرت بمثل هذا الشعور من قبل.

- هذه هى المرة الأول التى....

- أعرف، لا تكمل، لكنك استمتعت  أليس كذلك؟

- ماذا تقصدين؟

- أقصد أنك استمتعت وأنت تغوينى. اسستمتعت وأنت تكذب على زوجتك وتقول هناك عمل آخر...

- لكن...

- لكن ماذا؟

- لكننى لم أكن أعرف...

- تعرف ماذا؟ أننى جيدة فى...

- لا أقصد.

- لماذا تنكر أنك استمتعت وأنك أنت الذى بدأت تغوينى، هل تنكر؟

- لكن...

- أمازلت تشعر بالندم؟

- الندم؟

- هل تندم على متعتك؟

- لكنى؟

- لكنك ماذا؟

- لكننى مازلت أريدك؟

- لكننى اكتفيت.

- أرجوك.

- لا.

- أتوسل إليك.

- إذن لم تعد تشعر الآن بالندم.

- نعم.

- حقاً؟

- حقاً.

- اخرج.

- أتوسل إليك.

- اخرج ولا ترينى وجهك بعد الآن.

ثم انقلبت إلى عجوز شريرة، بارزة الأنياب منكوشة الشعر، صرخ بصوت عالٍ وهو يكاد يسقط من فوق السرير، فى تلك الغرفة المظلمة التى تركته فيها زوجته الآبقة. تلمس خطاه فوق الأرضية الدبقة، محاولاً الوصول إلى مفتاح الإضاءة. بعد ذلك جلس فوق حافة السرير واضعاً رأسه بين يديه وهو يشعر بندم حقيقى لأنه لم يقتلها وهى تتوسل إليه وتبكى ’’ هذه هى المرة الأولى ‘‘.

***

2- وجه مألوف

انتبه لوجودها.

هذا الوجه مألوف جداً، لا يمكن لذاكرته أن تتجاهل مثل هذا الوجه،وإلا فهى ذاكرة غبية أوبليدة، بلا إحساس، قال لنفسه :’’ هذا الوجه مألوف جداً ‘‘ ثم  تراجع خطوة للخلف، كاد ينطق بالاسم  إلا إنه تراجع فى اللحظة الأخيرة، اختلطت فى ذهنه الأسماء، سعاد.. سلوى.. سناء،  أطال مدّ الألف فى سناء، ومع ذلك شعر أنه ليس الاسم الصحيح. وأخيراً نطق، لكنه لم يذكر اسماً، قال كلمة أخرى :

- أنتِ !

ابتسم ابتسامة من يحاول أن يعرف، شجعته بابتسامة أجمل وأعرض من جانبها، فعاد وقال من جديد :

- أنتِ !

اتسعت ابتسماتها، وقالت وهى تفتح ذراعيها :

- أنت !

تكررت’’ أنت ‘‘واستطالت بينهما وهما يتعانقان.

همس :

- حبيبتى !

وهمست

-  حبيبى !

انتبها معاً لوجود الناس من حولهما،عقدت لسانهما الدهشة، تراجعت خطوة للخلف، وتراجع هو أيضاً خطوة، ثم على غير توقع اقتربا بشدة، ودونما اعتبار لأحد حولهما فى الحجرة الممتلئة بالبشر، والتى تزداد ازدحاما بمرور الوقت، تعانقا من جديد، وبصوت مسموع هذه المرة، قالت :

- أحمد.

صاح هو من جانبه :

- سعاد.

ثم سحبته من يده وخرجا معاً، دون أن يأبه أحد بهما.

عندما سارا معاً فى الطريق العام،وقد تحررت يده من يدها، لم يقل شيئاً، ولم تقل شيئاً، افترقا وكأن لم يلتقيا أبداً من قبل.

***

تأليف: د. محمد عبد الحليم غنيم

يا ديرتي ما لك علينا لوم

لومك على الّي للوطن خوّانِ

إن ما روينا سيوفنا من الكوم

تحرم علينا شفة الفنجانِ

من التّراث

***

قمْ للغزاةِ

هي المَشاعرُ يا دمشقُ تقلقني

فكيف لي بغيابٍ شاءَهُ القدَرُ

*

يا دارَ مكرمةٍ  لمن نُعزّهُـــــمُ

يا صَخرة الطّود ِلمّا جاءَنا شَرَرٌ

*

يا دربَ أجدادِنا نحـــــو الدّنى عَبَروا

تاريخُكِ المَجدُ، أنتِ المَجدُ مُذ حَضروا

*

حَقّ الشهامةِ أن تكونَ عالية ً

ففي الأعالي يَعيش النّسرُ والكِبَرُ

*

نأبى الهوانَ ففي أخلاقِنا شَرفٌ

لا يقبلُ الّـــــــــذلّ إلا آبقٌ خدِرٌ

*

غزو العراقِ به طعنٌ لأمّتِنا

فَهل تموتُ ولا يبقى لها أثَرٌ

**

قلبي على إخوةٍ عانوا وقد صَبَروا

صاحَ الضّميرُ، وشابَ الطّفلُ، والحَجَرُ

*

عذراً فُراتُ فَإنّ دمعَهُم لؤلؤٌ

في قاع سَيلِكَ، لا يَنامُ بل يَسْهَرُ

*

النّفطُ والعُهرُ ها قد مَزَّقا بَلَداً

أين الطّغاة ُ؟ وأينَ السّجنُ والخفرُ؟

**

دارَ السّلامِ ربى التّاريخ تحضرُني

جارَ الزّمانُ... على أبوابكِ التترُ

*

وَصحتِ: يا عُرْبُ، حَبلُ "بوشَ" في عُنقي...

كيف الخلاصُ، وجيشُ الغدر ينتظِرُ!!

*

إدارة َالمَحقِ ِ... يا سَوادَ كوكبنا

أأنتِ خادِمَة ُ الشّيطانِ ، أم بَشرٌ؟

**

آتٍ هو النّصرُ من علمٍ ومن عَمَلٍ

آتٍ هو النّصرُ إنّ الجيلَ يَقتَدِرُ

*

وما شُعوبُ بلادِنا  بجاهلةٍ

فالحمد ُلله فينا العَقلُ والبَصَرُ

*

ألعيدُ يأتي كما الثمارُ والشّجَرُ

والصّومُ والصّيفُ، والإفطارُ والسّمَرُ

*

بغدادُ أبحثُ عن خَيلٍ لِمُعْتصِم ٍ

شِدِّي الرّكابَ فبالجهادِ نعْتمِرُ

**

متى أردّ لكَ الدّيونَ يا بَلدي؟

فَكلّما غابَ نجمٌ يَقرُبُ الكِبَرُ

*

إني تعبت وهَدّ كاهلي التعَبُ

وسلوتي اليومَ صارَ الشعْرُ والوَترُ

**

دارَ السّلامِ رُبى التّاريخ تحضرُني

جارَ الزّمانُ ...على أبوابكِ التترُ.

***

د. إسماعيل مكارم

كراسنودار – 2003

...................

هذه الأبيات كتبت في صيف 2003 أي في أول صيف بعد العدوان على العراق من قبل القوات الغازية الأمريكية والبريطانية، وهي تحكي عمّا عانى الشعب العراقي من ظلم نظام صدّام وأزلامه،وفي نفس الوقت في هذه القصيدة استنكار للغزو الأمريكي- البريطاني،

هذا الغزو، الّذي يذكرنا بغزوالتتروالمغول للشرق العربي ودخولهم بغداد. إن غزو العراق بغض النظر عن كل ما قدمت أمريكا من أسباب ملفقة إنما هو مشروع صهيوأمريكي بغرض إخراج العراق من جبهة المواجهة وذلك بالعمل على تقسيم العراق وبناء نظام المحاصصة الطائفية فيه بغرض جعله بلدا ضعيفا.

 

و أنتَ عائدٌ من الصفرِ

أغبطكَ

لانك دونما حقائب تمسّد حزنكَ

تشفي الطريق من معجم قدميك

أغبط المنفى

إذْ يصنع العُزلة

التي ترمّم قلبك بها و الكلمات

و أسأل أقرب جُرح

أيقظ غيمة الأمنيات

كيف لي أن أضعَ ما لا أفهمه

في سلّة الخيال

لأكتب عنه

قصيدة تتربّصُ بالجراح !

دعني أنتظر بذرة

تأخذني إلى براري الحرف و المعنى

إلى سماءِ التوتِ

وأنتشي في صدر الضباب

وأنْ لا تخمدَ أنتَ هذا العبور

بحرّاسٍ و قوارض

***

زياد كامل السامرائي

قصي الشيخ عسكرلقد قرف الجميع منه حقّا، وبدّلوا اسمه إلى دعبول. كان يركض ساعات كلّ يوم بين السواقي والأنهار الصغيرة يصطاد الضفادع بشبكته المقعرة التي تشبه شبكة صيد الفراشات، وربما أقنع نفسه أنّه أصبح من ذوي المقاولات أو رجل أعمال بعد أن قبل عرض جامعة البصرة في أن يجلب لها ضفادع حيّة غرض إجراء تجارب عليها وتشريحها في كلية العلوم والطب البيطري والطبّ والزراعة، ويظن الكثيرون من أهل التنّومة أن الجامعة عرضت على آخرين غيره هذه الشغلة المقرفة التي تسبب الفألول والحساسية فأبوا كل ذلك مقابل فلس لكل ضفدعة، وأقصى مايستطيع صيده على وفق التخرصات مائة ضفدعة باليوم حتّى إمام الجامع الشيخ الجليل، الذي يحظى باحترام أهل التنومة، منعه من دخول المسجد خشية على المصلّين من الثًالول والحساسية وحفاظا على طهارة بيت الله!

غير أن الأمور لم تجر حسب رغبة دعبول أو هوى الناس إذ حلّت الحرب فتغيّر كلّ شئ فهرب كثير من أهل التنومة ورحل آخرون أو ماتوا. أنا نفسي لم أضع في بالي أن ألتقي دعبول ثانية. كنت ذات يوم أنتظر القطار لأعود إلى مدينتي ولديّ متسع من الوقت فخرجت من المحطة أتنزه.. قادتني قدماي إلى حيث لا أدري ولفتت نظري لوحة كبيرة لضفدعة تنيرها أضواء متراقصة تبهر النظر، ولاح لي من خلال الزجاج الشفاف وأنا على الرصيف شبح ما.. خيال رجل ليس بالغريب عنّي.. كان قد غيّرت ملامحه السنين ولم تخفها. دعبول نفسه. تمعّنتُ فيه وأطال النظر إليّ.. نسيت أن أناديه عبّود باسمه قبل أن نغيّره بعد امتهانه مطاردة الضّفادع ففتحت ذراعي وهتفت: دعبول!

فضمّني إليه وكادت دمعة تترقرق في عينيه: هل تقرف مني؟

لا أظن قلبك أسود إلى هذه الدرجة! ماذا أرى؟

فقال مبتسما:

هذا المطعم لي ولدي في أطراف المدينة مزارع للضفادع. أنا الآن أكبر مصدر ومنتج للضفادع في أوروبا!

أخذتني الدهشة وانعقد لساني فواصل: لا تظن أن جامعة البصرة خرجت أطباء ومهندسين وعلماء يشتغلون في العالم. أنا أيضا أعدّ نفسي مثلك واحدا من خرّيجيها.

مازلت في دهشة مما رأيت فقلت بفضول: لكن كيف وصلت إلى هنا؟.

حالي حال الناس أعرفك لا تحسد. لست بذي عين حارقة. لا أدري.. هربت حتى وصلت إلى هنا. قلت لنفسي يا عبود ليس معك شهادة. ماذا أفعل بشهادة المتوسطة. فكرت بالضفادع ومطعم صغير. ثم تمعّن فيّ كأنّه  يتيقّن من أني لست شخصا آخر وتساءل بضحكة شامتة: لا أظنك تقرف مني!.

فقلت ساخرا: الضفادع الأوروبية مثل خنازيرهم جميلة لا تثير القرف!

فضحكنا ضحكات لفتت نظر العاملين والزبائن الذين انهمكوا في تناول طعامهم.

حقا لم أكن أقرف لكنه التفت إليّ وقال: ماذا قلت هل تبقى معي الليلة فنذهب غدا إلى مزارعي. فقلت وأنا أهز رأسي بتأمل: جئت إلى هنا بشغل، ولست بعيدا عنك. ساعتان بالقطار. أعدك سأزورك وأبقى معك بضعة أيام.

ثم نهضت ومددت يدي مودّعا وخرجت، وفيّ رغبة للعودة ثانية لمشهد قرفت منه ذات يوم!.

***

قصة لمحة

قصي الشيخ عسكر

 

بمناسبة ذكرى استشهاد امام المتقين

المَـجْــدُ، والعِــزُّ، والعَـلـياءُ، والــشِـيَــمُ

فـي جَـوْهرٍ، عجَـزَتْ عن وصفِه الكـَـلِمُ

*

لـمّـا الـعَـلِـيُّ قــضى، أنْ يُــولـدَ  الأمَــلُ

فـي الكعــبةِ ، ازدانَـتْ الأركانُ والحَـرَمُ

*

وشـاءَ أنْ يَصطفي للمُصطفى، عَـضُـداً

بــه المَـسِـيـرَةُ ، نِــبْــراسٌ  ومُــعـتَـصَمُ

*

لــلأفــقِ إشــراقــةٌ ، فــي يـوم مـولِــدِه

ولِـلكـواكـبِ  مِــــنْ عَـــليائــهِ ، سَـــهَــمُ

*

إرادةُ الـلــهِ ، أنْ يــخــتـارَ  فــاطـــمــةً

لـِـمَـنْ ، لـِـوالِـدهــا  أزْرٌ ، بـــه  شَــمَـمُ

*

فَـحـاطَ بالـنـور نـورٌ ، فــي اقـتـِرانِهـما

وبـارَكَ الـمُصطفـى ، فانْهـالـت النِـعَــمُ

*

ولــلـكـرامـاتِ  أحْــداثٌ ،  مُــؤرَّخَــــةٌ

ولـلمَـواقِــفِ رأيٌ ،  فـــيــه تـنـحَــسِــمُ:

*

لمّـا فـدَيْـتَ رســولَ الـلـه ، مُــلـتَـحِــفــا

تصدّعَ الـقـومُ ، حـــتى بــانَ  مَــكـرُهُـمُ

*

والـشمـسُ مَـدّتْ سـناهــا فــي تـألُـقِـهـا

فانـسـابَ بـين يـديـهـا الحِـلـمُ  والحِــكـَمُ

*

وَزانَـهــا، أنّ طـيْـفـاً مـِــن مَـحـاسِـنِـهـا

نــظِـيرُه  فــيك، حـيـث الـنـورُ يـرتــسِـمُ

*

مَـن رامَ وَصْـلَ المَعالي، صِرتَ قدْوَتَه

والـشـأنُ تـُـعْـلِـيـه أســـبابٌ، لـــهـا قِــدَمُ

*

خُـلِقْـتَ أن لا تُـحابـي فــي الخَـفـاء يَـداً

لأن كــفَّــكَ  فـــي وضح الـنـهــار، فَــمُ

*

لـلـتِّـبْـرِ أمْـنِــيــةٌ،  فــــي أنْ تُــقَــلِــبَــه

يَــداك، حــيـث تَـباهـى الـسـيفُ والـقـلـمُ

*

والعَـبْـقــريـةُ، مُـذ  فـعَّـلـتَـهــا سَــجَـدَتْ

لله، إذ  أصـبحَـتْ  لـلـعَــدلِ،  تـحـتَـكِــمُ

*

أكــرَمْـتَ  كــلَّ  يـَـدٍ ، الـعَـوْزُ ألجَـأهــا

حــتى  وأنــت تُـصَلـي ، نالـهـا الـكَــرَمُ

*

وفـي القضاء ، انحَنى كلُّ القُضاةِ  لـِـما

حَـكَـمْـتَ فــيه ، فزالَ الـشـكُ  والـوَهَــمُ

*

أنصفْـتَ حتى عَلا، في الأفق صوتُـهُـمُ:

(عَــدلُ عَــلـيٍّ ) صِراط ٌ، فــيـه نـلـتَـزِمُ

*

حــتى السِــراجُ  بـبـيـت الـمال صار لــه

حديثُ حــــقٍ ، بـــه الأمـثـالُ  تُـــخـتَــتَـمُ

*

والـمَعْـنَـويَّـةُ  قـــد فَــعَّـلـتَ هــاجِسَـهــا

فـي نَـفْـسِ مَـن قـد غزاهُ الوَهْـنُ والهَـرَمُ:

*

فـكان عـدلك ، فــي قــوْمِ الـمسـيـح لـــه

صدىً يُــعـززُ  فـــي الأخــلاق نهْـجَهُـمُ

*

لــِذي الـفــقـار اقــتـِرانٌ فــيــك، أرَّخَــهُ

مـا كـلُّ سـَــيـفٍ ، بــه الأعـداءُ تَـنهـَـزِمُ

*

ســـيـفٌ، إذا كـفُّـك الـمهــيـوبُ أمْـسَـكـهُ

قــبـل الـنِـزالِ ، يَـحُـلُّ الـيـأسُ عــنـدهُـمُ

*

بـه، قطعتَ جــذورَ الشِـركِ، مُـرتَـجِـزاً

واسـتسـلمَ الخَـصمُ ، لا ســيـفٌ ولا عَـلـمُ

*

خـُـطىً مَــشــيـتَ، بإيـمانٍ  وتــضحـيــةٍ

فـانْهارَ مِــن وَقْـعِهـا الطاغـوتُ والصَّـنَـمُ

*

يامَـن أخَـفْـتَ الـعِــدا فـــي كـلِّ مَـلحَـمَـةٍ

إذ كـلـمـا قَــيـل:  ذا  الــكـرّارُ ، هـالَـهُــمُ

*

إذا رجَــزْتَ ،  فـلِلأجـواءِ  هــيْــبَــتُـهـــا

ولـِلحَـمـاســةِ ، فــــي أصـدائهــا  حِــمَـمُ

*

تَــزلزَلَ الخَـصمُ ، فـــي (بَـدرٍ) وأرَّقَـهُـم

قـبـل الطِعـانِ  فـتىً ، فـانهـارَ عَــزمُــهُـمُ

*

طـيّـبتَ  نَــفْــسَ رســول الله ، حـيـن دعـا

في (خندق) الحَـسْـمِ ، حيثُ الحربُ تَحتدِمُ

*

زَهْــوُ الـرؤوس  تَـهـاوى بـَعـدَ مُـعـجِـزةٍ

بـ (بابِ خـيـبـرَ) أوْدَتْ، واخـتـفـتْ قـِـمَـمُ

*

دَيْـمـومَـةُ الـنصرِ، فــي قــوْلٍ يـُجَـسِّــدُهُ

فِـعـلٌ، وقـــد فُـقْـتَ في التجْـسيدِ خَطوَهُمُ

*

أعطيتَ دَرسـاً لِمَن ضَلَّ السَـبـيلَ، وعـنْ

مَـن اهـتدى،  زالَ عـنه الـوَهْـمُ  والـعَـتَـمُ

*

إذا تـصَعَّـرَ قــومٌ ، فــي الــذي كــسـَـبـوا

ثـمّ  اقـتـدوا  بـك ، زال الـزّهْـو والـزَّعَـمُ

*

تَـبـاشَــرَ الجُـنـدُ  لمّـا الــنـصرُ حالـفَـهـم

وكَــبَّـروا:  لا فــتـىً  إلّاكَ ،  بَــيــنَـهـُــمُ

*

مـــا دارَ طـرْفُــكَ ، إلّا الـحَـقُ هـاجِـسُـهُ

والحـقُ صِنْـوُكَ ، مـوصولٌ بـــه الـرَحِـمُ

*

نـاداهُــمُ المصطفـى : انــتَ الولِـيُّ لـهـم

فـصَــوَّتَ الــقـومُ ، بالإيــجـاب  كُــلُـهُــمُ

*

إنّ الأنـاةَ ونــهْــجَ الحِـلـمِ، إنْ جُــمِـعَـتْ

كـما أشَــرْتَ لــها ...تـعـلو بـــها الهِـمَـمُ

*

والصَّـمْتُ إنْ لاءَمَ الأجْواءَ، يَسْـمو بهـا

والـهَـذْرُ آخِـــرُه ... الإحْــبـاطُ  والــنَـدَمُ

*

كــلامُــك الــدُّرُ ، والآفـــاقُ تَــشــهَــدُه

قــد حَـرّكَ الـوعـيَ (فـيـمَـن قـلبُه شـبِـمُ )

*

فـي سِـفْـرِ نَـهْـجِـك، للأجـيـال مَـدرسَـةٌ

تَـبْـني الـعُـقـولَ،  وفيـهـا تـزدهي الـقِـيَـمُ

*

الخُــلــدُ لــلــعـلــم، والآدابُ تَــصــحَــبـُـه

(أيـن الأسِـــرَّةُ ،والـتـيـجـانُ) ، والــخَــدَمُ

*

عَـقـلٌ بــلا أدبٍ ، مِـثـلُ الشــجـاع بــلا

ســيـفٍ ، وقــولـك هــذا مــنه نَـغْــتَــنِـمُ

*

بــلاغـة الـقـول ،  للـفـرســان مـوهـبـة

والمقـتـدون بـهــم  يـسـمـو ســلـوكُـهُــمُ

*

بَـلغْـتَ فــــي صِـلةِ الأرحـام مَـرْتَــبَــةً

مَـن ســارَ سَــيْـرَك، لـم تَـعْـثـرْ  به قَـدَمُ

*

طـمْأنْــتَ أنْــفُـــسَ أيــتـامٍ، جَـعـلـتَـهُــُم

يَــرَونَ فــيـك أبـاً، يـَـجْـلـي  هُـمُـومَـهـُمُ

*

أوْصيْـتَ: أنْ يَسْـتَـشيرَ المرءُ مَنْ وثقتْ

بــهِ العُـقـولُ ، ومَـنْ بالـرأي  يـُــحــتَـرَمُ

*

كـمـا اسـتَـشَـرْتَ عقيلاً ، إذ  أشــارَ الى:

(أم البنين).. بِــبَـيـت الطُـهْـرِ   تَــنْــتَـظِـمُ

*

فـكان مـنهــا ابـو الـفضل الــذي افتَخَـرَتْ

بــنَـهْــج سَـــيْـرِه ، فـي تـاريـخـهــا الأمـمُ

*

أرسـى ابــو الحـسَـنيـن ، الـعِـزَّ  فـي عَـمَلٍ

بـــه الـكــرامــةُ غَــرْسٌ، لــيس يَــنـفـطِـــمُ

*

لاطـائـفـيّــةَ ، لا تــفــريــقَ فــــي  زمَـنٍ

قــد كـان رأيـُك،  فـيــه الحَـسْـمُ  والحَـكَـمُ

*

فـــي قـولِـك:  الناسُ صِـنـفـان  فـإمـا أخٌ

في الدِّينِ ، أو في صفات الخَـلْقِ يَـتَّــسِــمُ

*

لـمّا الخِـلافــةُ قــد حـيَّـتْـك قــلــتَ لـــهـم :

بــسـيرة المصطفى ، الأجــواءُ تـنـسـجـمُ

*

ناديــتَ : إنّــي بــجُـلـبـابــي  أتــيْــتُــكُــمُ

وفـــيـه أخـرُجُ ، حيث الحــقُ  والـنُـظُـمُ

*

اسْـتـهـدَفـوك  بـبـيـت الــلـهِ ، إذ غــدَروا

ما اسْـتمكـنوا منـك فـي حـربٍ، لها ضَرَمُ

*

إنّ الشــهـادةَ قـــد عَـــززّتَ رُتْـــبَــتَــهـــا

إذ  قلتَ : فُــزْتُ ، وفــــيما قُــلـتَــه قَـسَـمُ

*

الحَــقُّ يَعْـلـو، فـطُـوبى لـلـذيـن  سَــعَــوا

أنْ يَــقْــتَـدوا، لِــيَـزولَ الـظُـلْـمُ  والـظـلَـَمُ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

تَعَالَيْ نَعِشْ فِي ظِلَالِ الْمُرُوجْ

وَنَحْيَ بِجَوٍّ جَمِيلٍ بَهِيجْ

*

دَعَوْتِ مَعَ النِّتِّ لَا يَسْتَجِيبْ؟!!!

لِأَنَّ اللَّئِيمَ بِطَبْعٍ مُرِيبْ

*

تَعَالَيْ فَحُبُّكِ وَرْدَةُ عُمْرِي

أَلُوذُ بِهَا لَحَظَاتٍ وَأَجْرِي

*

رَسَمْتُكِ أُرْجُوحَةً فِي خَيَالِي

لِأَرْكَبَهَا فِي ظَلَامِ اللَّيَالِي

*

رَنِينُ الشَّوْقِ يَأْسِرُنِي

وَحُبُّ لُمَاكِ يُجْبِرُنِي

*

أَطْلِقِي مَا شِئْتِ لَكِنْ

أَنْتِ لِي يَا حُبَّ عُمْرِي

*

سَأَرْسِمُ نِصْفَكِ حُبًّا جَمِيلَا

يَدُومُ مَعَ الْعُمْرِ دَهْراً طَوِيلَا

*

دَنْدِنِي لَحْنَ الْغَرَامْ

فِي صَفَاءٍ وَابْتِسَامْ

*

وَخُذِي مِجْدَافَ حُبِّي

وَاعْبُرِي بَحْرَ السَّلَامْ

*

وَاتْرُكِي أَحْلَى خِطَابٍ

فَاضَ مِنْ أَحْلَى كَلَامْ

*

غَادَرَتِ الْحُلْمَ وَدَاوَتْهُ

بِيَدَيْهَا طِيلَةَ أَعْوَامْ

*

بَحْرُ الْمُتَدَارَكِ يَا حُبِّي

يُدْرِكُهُ بَعْضُ الْأَعْلَامْ

*

مَا لَكِ يَا...فِي الْبَحْرِ غَرِيقَةْ

هَلْ أَنْتِ لِمَأْوَايَ عَشِيقَةْ؟!!!

*

أَمْ جَرَفَكِ حُمْقُ التَّيَّارْ

وَالْقَلْبُ عَلَى الدَّرْبِ يَغَارْ؟!!!

*

يَا لَيْلَ الْحُبِّ أَنَا مُغْرَمْ

وَحَبِيبَةُ قَلْبِي لَا تَعْلَمْ

*

أَخْبِرْنِي كَيْفَ أُنَبِّيهَا

أَتَأَمَّلُ حَلَقَاتٍ فِيهَا؟!!!

*

فَأَنَا مَا زِلْتُ التِّلْمِيذْ

فِي الْحُبِّ وَأَشْتَاقُ التَّعْوِيذْ

*

حَبِيبَتِي يَا جَنَّةً

أَشْتَاقُ مِنْهَا نَفْحَةً

*

أَرْجُو بِجَنَّتِكِ الْوِصَالْ

يَا عَالَماً يَحْوِي الْجَمَالْ

*

أُحِبُّكِ يَا بَلْسَماً لِجُرُوحِي

أُحِبُّكِ أَنْتِ حَيَاتِي فَبُوحِي

*

لَوِ الْكَوْنُ يُعْطِي اللِّقَاءَ الْجَمِيلْ

وَنَمْشِي عَلَى ضِفَّةِ الْمُسْتَحِيلْ

*

إِحْسَاسُكِ الْحَزِينْ

وَهَمُّكِ الدَّفِينْ

*

يَزُولُ بِالتَّلَاقِي

يَا نَبْعَ حُبِّي الْبَاقِي

*

تَذَكَّرِينِي بِجَنْبِكْ

وَأَيِّدِينِي بِحُبِّكْ

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي

شاعر وروائي مصري

أدري بأنَّك لا تعودُ ... يا أيُّها العيدُ السعيدُ

وبأنَّ حلمي صارَ لحدًا فوقهُ علتِ اللحودُ

*

صدّقتُ ليلي غير أنَّ الصبحَ آخرهُ وعودُ

عيدٌ ولكنْ ليس فيه لوحشِ حزني ما يُبيدُ

*

قلبي تدثرَ بالسوادِ ولم تظلْ في الرأس سودُ

كيف اسْتحالَ صباح قلبي عتمةً وانا غريدُ

*

ودّعتُ كلَّ شبيبتي قل لي إذن: فيمن أجودُ

قلبي تشظّى بالشجونِ وانتَ في العليا وحيدُ

*

يا راحلاً بدءَ الشبابِ المستطابِ اما تعودُ؟

اضرمتُ في قلبي لظًىً و رميتني حيثُ الصدودُ

*

مذ غبتَ عن عينيَّ غابَ رفيفُ نبضي والوجودُ

الناسُ تنتظرُ الهلالَ وليس غيرَك ما أريدُ

*

لكنما هيهات ترجعُ واحةً خضراءَ بِيدُ

ويعودُ ذاكَ العيدُ يعلو صوتُه: عيدٌ سعيدُ

*

يا صاحبي هوّنْ عليكَ فإنّني صبٌّ عميدُ

قادتني نحو فجيعتي رِيَبُ الزّمانِ فما أقودُ

*

حتى وجدتُ الموتَ حولي رائدًا وانا أرودُ

ساءلتُ عنه وجدتني امضي ويسبقني الهجودُ

*

والليلُ يسألُ عن أمير عاشقٍ نادته خودُ

فمضى إلى العلياء يحملُ سرّهُ أنّى يعودُ؟

الليلُ تخرسه الرعودُ .. وانا بلا مأوى وحيدُ

***

د. جاسم الخالدي

 

لمّا يَثبُ القَلبْ

نَحوكِ في وَطأةِ عشقْ

يَطوي كلّ دَفاترهِ الأولى

يأخذُهُ وَلَعُ بالفَتحِ إليكْ

لا يَعبأُ بالحَرْبِ ويَنسىٰ

أنّكِ فارسَةٌ تُتقِنُ طَعنَ الظَهرْ

وخيانَةَ عَهدٍ أبرَمَهُ صُلحُ سَريرْ

**

حينَ يُناولُني كفّكِ كأساً

مَرَّ علىٰ شَفتَيكْ

تلتَفُّ عَليهِ كأفعىٰ موسى كفّي

فيهِ شُعاعٌ مِن عَينيكْ

أسمَعُهُ وَحياً يَدعوني

أُدخُلُ في دينكِ..

في شُرككِ

في سَقَرٍ

أأتي منهُ إليكْ

**

أعرِفُ أنّي جاوَزتُ العُرفْ

وسَهوتُ كَمَن يَشردُ في فَرضِ صَلاة

ومَشيتُ إليكْ

أتَعثّرُ في حَقلِ سنين

فرَغَتْ كلُّ سَنابلهِ

إلّا مِنكْ

تَينَعُ من ثَغركِ أعوادي

فأعودُ كمَغروقٍ بَلَغَ الجُرف

**

قلبي ..

لا يُلقي في حَوضكِ صَخرةَ شَكّْ

كي لا تَكبرَ دوّاماتُ ظُنوني

وتُحيلُ نُعومةَ أورادي شَوكْ

أنا أُغمِضُ عَنكِ يَقيني

أرضىٰ بكِ كاذِبةً

تَستَلقي جَنبي

**

عادل الحنظل

الى .. صديقي فائز حسين حمودي ..

رفيق رحلة الحياة، ذكرى مجنونة لأيام مضت .

**

وأقولُ على أعْتابِ الخَمسينْ

يا صَديقي ..

هيَ عـندي أحْلى مِنْ كلِّ الكلِماتْ

أسَفـاً ..

ــــــ ليسَ عَـلـيْنا ــــــ

على وَطنٍ ضـيَّعـتهُ الحـروبُ

ولمْ نجْـنِ مِنهُ سِوى الخَـيْباتْ

وعِــشْقاً طفـولياً ..

لحَـبيباتٍ مَجـنوناتْ

والعـمرُ يا صَديقي ..

ما مـرَّ كـقـطارِ المَوصِلِ

ولا تبادلَ العـشِقَ مع القُـرى والمَحـطّاتْ

مِثلَ نَيـزكٍ مُتمـرّدٍ كانْ

لمْ يَكنْ بالحُـسْبانْ

أنْ يُفـلِتَ دونَ جاذبيةٍ

ودونَ أنْ نَدري

تَجاوزَ نبَضاتَ القـلْبِ

وَلمْ يَـتبقَ مِنهُ ..

سِوى ..

ذَوائبَ بيضٍ

وعمراً

أتعَـبتْهُ السّنَواتُ

والذِكـرَياتْ ..

في (دَرابيـنِ عُلـيْباتْ)!

في بَساتيـنٍ تَـنامُ على الضِّفـافْ

وما بينَ النّهـرينِ (كَـرْكَـراتٌ) و (رُفـْرافْ)

قـناطِرٌ تُـرابيةٌ

بَقاياها ..

(دَشاديـشٌ) مُعـفّـرةٌ بالغُـبارْ

وأحْلامُ صِبْـيةٍ صِغـارْ

خَـلّفـت وراءَها ..

بِضْعَ أوْراقٍ بينَ الأدْراجْ

كِتاباً عَلى الـرَّفِ العَـتيقِ

بينَ الانْتِـظارِ وَالاحْتِضارْ

كَأنّهُ عَـقـيـقْ!

جُـعْـنا ..

مزّقَـتْـنا الحَياة

وزّعـتْ أشْلاءَنا على أطْرافِ الدُّنيا

وَما تَفـرّقْـنا

وَما ضيّعـناهُ رغْمَ الضّيقْ

**

ماذا كانَ يَجـري يا صَديق

لو بَقـينا حُـفاة؟

لو بَقـينا عُـراة؟

أما كانَ أجْـدى مِمّا جَـنيناهُ منْ مَسرّاتْ؟

كانت بسماتُـنا تُكحِّلُ النّهارْ

نَقـفِـزُ كالمَجـانين فـوقَ الأنْهارْ

وفي المَساءِ ..

نَترقّـبُ ..

خـلفَ البابِ الموصَدِ

بنتَ الجـيرانِ

بيـنَ الحـيطانِ

تَـتَـسلّى بِضفائِرِها

وَتُكـرْكِـرُ في سـرِّها

على خَـيْباتِـنا!

**

يا صَديقي ..

أتَـذْكُـرُ لقاءاتِنا

في العُـطلةِ الصَّيفـيةِ؟

ـــــ يومي الإثنين والخـميس ـــــ

ثالـِثَـنا كانَ الكِـتابُ

ألمْ يكُنْ مِثـلَكَ خـيرُ جَـليسْ

وأفـضلُ أنـيسْ؟

**

ثُمَّ اقـتـفي بَعضَ آثارِ أقـدامِنا الصَّغـيرةِ

وكـيفَ كُـنّا نَمْسحُ بالأكْـمامْ

ـــــ بعـدَ يَـومٍ مُـرهِـقٍ ـــــ

عَـرقـاً يَـتصَبّبُ

وعُيوناً أتْعـبَتها (اللالات)!

كانَ الفـرحُ

يَتدلّى مِن كُلِّ غُـصنٍ لَمسْناه!

لا آه

في الشِّـفاه المسْكونَةِ بالضَحِـكاتْ

**

أتَـذْكـرُ يا صَديقي ..

كمْ سـرٍّ مَدفـونٍ في ذاكِـرتِكُ مِنّي؟

كَمْ أُمـنيةٍ ..!

كمْ نُكْـتةٍ ..!

كمْ أُمـسيةٍ ..!

كمْ نَـزوةٍ مَجـنونةٍ رويْتُها عـني؟

**

أتـذْكـرُ ..

المُـلتقى - يومُ الجـمعةِ - في مَقهى شاهـينْ؟

وذاكَ الصانعُ الحَـزينْ

يَأتيـنا بالقهـوةِ الحُـلوَةِ

نَقـتَرِحُ له الأدْوارْ!

نلْعـبُ ..

نَضحَـكُ ..

نتـبادلُ الحِـوارْ ..

وبعـدَ أنْ يَنْـتهي المِشوارْ

(فـياضُ)!

يغْـسِلُ (الخالصَ) مِن بَقـايا ذُنوبِنا

بَيْنـما يَدلِفُ (... الطّبْلِ) المَقْهى العَتيقْ

لَيْلاً بِدشْداشَةٍ مُهلَهْلةٍ بِلا عِنْوانْ

بَعْدَ أن تَجرّعَ آخر كَأسٍ للنِسْيانْ

مَعَ بَقايا أغْنيةِ لأمِّ كُلثوم

(ستائِرُ النِسيانْ

نَزلتْ بقى لَها زَمانْ)

وَصاحِـبُه ــــــ ابنُ عَـلوانْ ــــــ

بِلا مَلامِحَ أو ألـوانْ

مُـتّسخٌ ..

تُـلطّخُـهُ الأوْحـالْ!

وفي آخرِ اللّيـلِ الشّـتوي

ثـمِلاً يتـرنَّحُ في الطّرقـاتْ

أنينَهُ نَشيج!

يتـأوّهُ في نفْـسهِ ..

مُدنْـدِنـاً ..

بأغُـنيةٍ حَـزينةٍ

لحَـبيـبتـهِ ، جَـميلةُ الجَـميلات

حُـبّهُ الذي أمامَ عـيْنيهِ

بحـسْرةٍ في ريْعانِ الرَّبيعِ مـاتْ

**

آه لوْ تَـدري يا صَديقي

كمْ يُحْزنُني الحَنينْ!

حينَ يَشدُّني الى ذاكَ الماضيَ الجَميل

كمْ دمْعةٍ تُحْـرقُـني بلا أنيـنْ؟

أتــرانا نـذْرفُها يَوماً

على سَنواتِ عُـمرِنا الذي فاتْ؟

أم نُعـتّـقها منْ جَـديدٍ ..

حُـباً لوَطـنٍ شوّهَ ذِكرياتنا

في غَـفــلةٍ

واغـتالَ أيامَنا الحانياتْ

**

ومنْ عَجـبِ الأقْـدارْ!

أنْ نَبـقى طِوال المَدى

يَأتيـنا الصّدى ..

صَوتُ أعـماقِـنا المبْحـوح

ينْـشِدُ ..

موْطِني!

موْطِني!

في السِّـر والتجَـمّعاتْ

**

عُـذراً يا صَديقي

تلكَ (شخابيط) الذّاكِـرة

بعْضٌ منْ نـزيـفِها

استوْطَنتْـني

وما فارقَـتـني

تلْهثُ وَرائي مَراتٍ ومراتْ ..

تقِـدُّني مِن دُبـرٍ أو قُـبلٍ

لا فَـرقَ عِـندي

دَعْــنا يا صَديقي ..

ونَحنُ على أعتابِ الخـمْسينْ

نَـتسكّعُ صَعالـيكاً على الذّكْـرياتْ

***

د. ستار البياتي

.........................

* من ديواني (تأملات في ذاكرة الوجع)                   

يا عيون الأرض في وجه السماء

هل تلاشى في جفون الحبِّ دائي؟!

*

وطنٌ لن يستعير الذلّ  خبزاً

ها هنا سوريَّتي صلَّت شفائي

*

أسدٌ في الحرب تخشاه المنايا

في الجلاء الحرِّ كم يزهو انتمائي

*

أسدٌ في السلم تنبينا القضايا

بوح شعبٍ في ميادين الوفاء

*

حطَّ طيرٌ في فضاء العربِ يبكي

دمعة التاريخ بشّارٌ عزائي

*

قام نسرٌ في مضاء السهم يشكو

مأمن الأوطان بشَّارٌ ندائي

*

يا جلاء الغرب عن أديار عشقي

شرقنا باقٍ على صدر العطاءِ

*

يا جلاء الذلِّ عن أوجاع زندي

مشعل الأحرار يشفي من شقائي

*

يحكم الأذهان فكرٌ قد تعالى

يدمل الشطآن بحرٌ من نماءِ

*

كي يعيد الحقَّ صدِّيقاً تسامى

لم يكنْ مستوحشاً غار الحراءِ

*

كم أذاق الوهم مبكىً قد تصدَّى

في دموع الغدر رمحاً من رضائي

*

ها هو الناتو تباكى في جموعٍ

ها هو البوتينُ إذ يحمي فضائي

*

أسدٌ في الشام قد أهدى شعوباً

من نجومٍ سوف يبقى في سمائي

***

ياسين الرزوق زيوس

روسيا - موسكو

مصابيح

مصابيح المحبين

من زمرد

ومن ياقوت

وعنبر

**

2 - جدار

جدار المنافقين

خراب

ايل الى

السقوط

**

3 – كرة ثلج

كرة ثلج الحب

تتدحرج تتدحرج

لتستقر في

شغافي

**

4 - سنونو

السنونو الذي

احببته في طفولتي

الان يبني

عشه في

قلبي

**

5 - متحدون

متحدون

ضد هجمة الدود

العناكب

والجراد

**

6 - قوس قزح

قوس قزح قلبي

سيضيء

تخوم حقول

ومروج

الغزلان العاشقة

والمطاردة

**

7 - شموع

ساوقد شموع

حلمي واملي

في ليل حزن

القبرات .

***

سالم الياس مدالو

قبّلتُ أرضَكِ

يا حبّذا جبل ٌ عالٍ ومِضيـــــافٌ

فالنّسرُ عانقَ نورَ الشمسِ نشوانا

أهلوكَ يا وطني أصحابُ مكرمة ٍ

بالعزّ والشعـــــــر والتهليلِ تلقانا

فاسألْ لنا الشّامَ عن أيّام غابرنا

تلقاكَ بالجودِ والأمجادِ دُنيانا

* *

قبّلتُ أرضَكِ يا شــــــآمُ إجلالا

يا دارَ أجدادنا ، يا بنت َ مروانا

تلكَ القصورُ عَجاجَ خيلِنا شهدَتْ

واليومَ أضحتْ لِسائليكِ برهانا

هذي المَساجدُ عن ماضٍ تحدّثنا

بكلّ فخر وإكبار لمــــــــا كانا

قبلتُ أرضَكِ يا شآمُ مَغمورا

بعِطرِ تاريخِنا وفوحِ نيسانا

* *

مشروعهم دارُنا والأرضُ والتينه

وعزّهـــــــم ضَعفنا، وكثرُ قتلانا

ناديتُ ساداتهم أن يَفخروا تيها

بمَوتِ أطفالِنا، وقتلِ أسرانا

إنّ الكرامَ إذا ما استنجدوا قاموا

فهل نباركُ عدوانا وطغيانا !؟

عهدٌ علينا أمامَ الرّبّ مرسوم ٌ

أن نحمِيَ الدّارَ كي نرُدّ عدوانا

الحق ُ واللهِ ليسَ الوعدُ صانِعه ُ

فانشد ْ طريقكَ تحصيلا وإيمانا

قلبي عليكم أيا أبناءَ أمّتِنا

بَكيتُكمْ زمَنا للنّصر ظمآنا

* *

دعِ المَلامَة َ إنّ الليلَ تهزمُهُ

بَشائرُ الصّبح في ديار غسّانا

يا جبهة َ المَجْدِ حيّا اللهُ وقفتكِ

سَطرْتِ للأرضِ تاريخا وديوانا

نصرٌ من اللهِ آتٍ أيها البَلَدُ

يا من فقدتَ بسوقِ الحربِ فرسانا

بِكَ الفخارُ وفيكَ المَجدُ يَبتسِمُ

يا من رَفعتَ بدار العِزّ بُنيانا

سَلامُ كبُر ٍ اليكَ أيّها الوَطنُ

يا من دَحرْتَ بساح الحربِ غيلانا

* *

قبّلت ُ أرضَكِ يا شآمُ إجلالا

يا دارَ أجدادِنا ، يا بنتَ مروانا

***

دكتور إسماعيل مكارم

روسيا الاتحادية – مدينة كراسنودار.

......................

كتبتْ هذه القصيدة بعد بدء الحرب الكونية ضد الوطن السوري، بمناسبة عيد الجلاء- جلاء المستعمر وقواه وجنوده عن الأرض السورية المقدسة في السابع عشر من نيسان عام 1946 .

أخشى عليكَ مِنَ الأعداء يا ديني

فقد غدا البعضُ أشباهَ الشَّياطينِ

تلبَّسَ الشَّكُّ فيهم حَدَّ ما فتئوا

يلقونَ باللّوم بهتاناً على الدِّينِ

 *

لا يعبدون ولا يألـــون منزلةً

لله قَطُّ وما صلَّوا على حينِ

 *

مراوغيــــــــــن بلا وعٍ بظنّهمُ

لم يعرفِ النّاسُ أبناءَ الثَّعابينِ

هُمْ فاشلون .. هُمُ آتون مِنْ (لَهَبٍ)

تبتْ يداه على كلِّ المياديــــــــــنِ

 *

أخزاهمُ ﷲ مُذْ جاءوا بخسَّــــــتِهمْ

مُذْ أن تلاقتْ حروفُ الرَّاء و الشِّينِ

مُذْ أنْ تراءوا لكي يبدوا تديّنَهمْ

زوراً يمــــورُ على نيران غسلينِ

 *

مشّائمون .. بلا آمالِ وجهتِهمْ

إلّا التفاهات تؤذيهم و تؤذيني

كي لا أكونَ - أنا الإنسانُ - في وطني

خليفةَ ﷲ في عدل القوانيـــــــــــــنِ

 *

باعوا الضَّمير و لم يشروا كرامتَهمْ

إِذْ يشترون بهِ وِدَّ السَّــــــــــلاطينِ

 *

القاتـلون .. بما في القتـل من لغةٍ

حمراءَ تغلي على شـتى العناوينِ

 *

حتى إذا قام سيفُ الحقِّ منتقماً

منهمْ تراهــمْ كما مطواعةِ الطِّينِ

***

رعدالدخيلي - العراق

ناجي ظاهرما الذي حدث لنا. لك ولي. لماذا ابتعدت كل هذا الابتعاد؟.. تعتقدين أنني مجنون وأن البعد عني غنيمة.. ألا يمكن أن تكوني أنت المجنونة.. بدليل أنك تنازلت عني بكل تلك البساطة؟.. أعرف أنك تبتعدين لتقتربي، أعرف هذا جيدًا. هذا ليس الابتعاد الاول. بإمكاني أن أذكّرك بأكثر من ابتعاد. أول ابتعاد لك، إذا لم تخنى ذاكرتي المخلصة الوفية، كانت يوم تمرّدت عليّ وقلت لي: إذا أردت أن تتحدّاني ستكون أنت الخاسر ولست أنا بأية حال.. يومها لم أعرف بماذا أجيبك.. كنت ادرك تمام الادراك.. أن مناورتك هذه قد تقضي على علاقتنا ولو مؤقتًا.. وما كان بإمكاني أن أستغني عنك وعن كلماتك الشاعرية الجريئة تطير عبر المسافات طاوية المسافات الواسعة الشاسعة بجبالها.. سهولها ووديانها.. لتستقر هنا في أذني.. قلبي وروحي. يومها ارتبكت.. حققت لك ما أردت.. صمت.. وطال صمتي.. فما كان منك إلا أن أخذت صمتي ذاك ذريعة لأن تقولي إنك قرّرت ألا تتصلي خلال شهر.. وحدّدت اتصالك المظفر ذاك باليوم والساعة بل الدقيقة والثانية.. في فترة انقطاعك تلك كنت كلّما رنّ تلفوني أهرع إليه معتقدًا أنك أنت المتصلة الكريمة.. إلا أن اعتقادي هذا كان يخيب ليكون المتصل أحد الثقلاء.. أعترف أنك صدقت يومها.. ففي الساعة .. الدقيقة والثانية المحددة.. رن تلفوني لتكوني أنت المتصلة المنتظرة. ولأنعم بسماع صوتك المخملي الرنان:

-ها أنذي عدت إليك.. إياك وإغضابي. قلت.. بعدها عبثًا حاولت إقناعك بأنني لم أغضبك.. بل انني بالغت بوعودي السخية لك.. فتبرعت بألا أغضبك مهما كلّفني الامر. في الابتعاد الثاني، وأنا لا أنسى تلك الابتعادات، فقد خبرت سياطها على جلدي العاشق الطري.. حدث أمر آخر لم يكن في حسابي ولم أكن اتوقعه. فقد تناقشنا في أمور شتى كالعادة، فما كان منك إلا أن تطلبي مني أن أعيد ما قلته لك. وهو أننا يفترض أن نلتقي، أن نتقارب أكثر. فسألتني بأية صفة.. تطلب هذا الطلب؟ قلت لك بصفة من انتظر المطر يهمي ليسقي ربوعه و.. وروده العطشى. قلتِ افصح.. فأفصحت وليتني ما فعلت.. قلت بصفتي سكنك وبصفتك سكني.. نهاري وليلي.. يومها قلت إنك لن تلتقي بي إلا بصفة محدّدة.. ولما كنت افتقر لمثل هذه الصفة، صمتُ وطال صمتي، فما كان منك إلا ان أجريت لي محكمة ميدانية وقرّرت الابتعاد مدة نصف شهر. مُكررةً تفاصيل تلك القطيعة.. أمامك نصف شهر ابتداءً من اليوم بإمكانك ان تسرح به وتمرح.. أطلقت عقال هذه الكلمات.. بعدها حدّدت موعد الاتصال.. حينها انتهت المكالمة بيننا وأنا اندب حظي.. واصبّر نفسي على بعدك الغليظ. في الموعد المحدّد رنّ تلفوني وبالفعل جاءني صوتك ليصل فيما بيننا ما انقطع من حلم بهي استرخى في ديارنا. 

فعلت هذا كله وأنا لا اتخذ ضدك أي إجراء فقد غلبني حبي لك وغلّبني.. 

لقد بقيت على هذا الوضع من الشدّ إذا ارخيت والرخي اذا شددت (قاتل الله معاوية ابن ابي سفيان فقد علم الناس كيف يتصرفون في لحظات التواصل الجدية)، بقيت كذلك إلى أن أيقظتني كلماتك الاخيرة تلك.. وابتدأت استوعب أن الوقت حان لأن أردّ عليك وأن آخذ زمام المبادرة، فإما حياة تسرُّ الصديق وإما ممات يغيظ العدا)، لا تصدّقي كلامي هذا، أنت تعلمين أنني لا استغني عنك.. حتى لو كانت حياتي الثمن.. أعرف أن هذا ليس مهمًا حاليًا.. المهم أنني قرّرت أن ادخل اللعبة، لعبة المحبة، بأسلوبي الادبي الخاص. قلت لك في إحدى مكالماتنا، إنني لا استطيع أن ابقى هكذا بعيدًا عنك وأن بُعدك عني يكاد يقضي على روحي. يومها سألتني بالحرف الواحد الواضح، والحلّ؟.. اجبتك الحلّ هو ألا تبتعدي وأن تقتربي أكثر، فأنا إنسان وبحاجة إلى من تأخذ بيدي فتشنّف أذني بأبهى الكلمات وأرق الروايات. يومها شعرت أنك اقتنعت بما قلته، وهو ما أفصحت عنه في فترة تالية حين قلت لي إن كلماتي كانت أشبه ما تكون بعصافير بلادنا ذات الارياش الملونة. بعد اقتناعك ذاك انفتح الباب السري في علاقتنا أنت وأنا، وابتدأتُ انعم بسماع صوتك بصورة يومية تقريبًا. كانت تلك فترة ذهبية في علاقتنا المشتركة، فما كنت أطلب منك أي طلب مهما كلّف.. وأيا كان.. حتى كنت تستجيبين لي زاحفة وماشية وراكضة.. كانت اسلاك التلفون حينها تجمعنا. تلك كانت الفترة الذهبية في علاقتنا التاريخية. وكان كل منّا يعيش كل لحظة وكل دقيقة وثانية كأنما هو ينتزعها من قلب الخلود وصميمه الدافئ. ما أروع تلك اللحظات.. ما زالت حلاوتها تبعث الحياة في لسياني وأكاد اقول في وجودي. لكن مثلما يحدث وآه مما يحدث هذا، لم يدم نعيمُنا، وعدت بقسوة راسك المعروفة المعهود إلى شخصيتك القديمة، شخصية معللتي بالوصل، وفاجأتني بما لم احسب له حسابًا. قلت لي الآن انتهى، إفعل ما يحلو لك. لن انساق وراء كلماتك الدافئة بعد اليوم. 

قلت لك يومها:

- والحلّ؟

- الحلّ عندك. أجبتِ.

ما أن سمعت كلماتك هذه.. حتى شعرت بنفسي تهتز وبوجود يرتعش، وتابعت قسوة راسك قلت بصريح العبارة: أريد أن اتحدث إليك بصفة محددة. قلت لك أنت كل الصفات. إلا أنك رفضت الاستماع إلى حجتي هذه. وأصررت على موقفك. قلت إن ذاك هو قرارك الاخير. وأكدت أنك ستبتعدين مدة ثلاثة أيام، بعدها ستعودين لتصغي إلى قراري الأخير. إما أن تكون لك صفة وإما لا تكونين.

بعدها أغلقت هاتفك.. وتركتني لأحلامي أكاد أقول لأوهامي.. ليمر اليوم الاول والثاني.. في موعدك المحدد رن تلفوني... رن.. رن.. رن.. كنت أعرف أنك انت المتصلة.. إلا أنني لم أرد، وبقيت مُصرًا على عدم الرد، إلى أن صمت تلفوني ودخل في حالة موت سريري.. لم يكن لدي ما أقوله لك.. كل ما كان بإمكاني أن افعله هو أنك تريدين مني شيئًا واحدًا هو الصفة.. أما أنا فقد كنت أريد أن امنحك كل الصفات.. يا نجمة الفجر الاولى.

***

قصة: ناجي ظاهر

احمد بلقاسمأبغض الدروس لدى الأطفال هي تلك التي يستعملون فيها ذكاءهم، لأنهم يخشون الوقوع في الخطأ أكثر من رغبتهم من تذوق لذة التفوق، و يؤثرون عنها نسبيا دروس الحفظ حفظ الخلاصات والأناشيد، وتنفتح شهيتهم لقراءة النصوص الشعرية أكثر من انفتاحها على النصوص النثرية، لكن حبهم وإقبالهم على دروس الأعمال اليدوية والرسم لا يضاهيهما حب وإقبال.

فما إن ينتهي المعلم من تسجيل كلمة رسم على السبورة حتى تكون قد تلقفتها عيونهم و شرعت أيديهم في إنزال عدة الرسم من أوراق، وأقلام التلوين، ومَبارٍ، ومَماحٍ.

وأسعد اللحظات لديهم أيضا هي تلك اللحظة التي يخيرهم فيها المعلم بين محاكاة رسم من الرسوم وبين إبداع حرّ، ومعظمهم يفضل الاقتراح الثاني، ليعبر عن فكرته دون قيد أوشرط. وعادة ما تكون رسوماتهم محاكاة ما أبدعته الطبيعة من لوحات جميلة، كقوس قزح، أو عصافير تحلق في زرقة السماء تحت أشعة قرص الشمس الذهبية، أو سفينة تمخر عباب بحر أزرق، رفقة سرب من الأسماك الزاهية الألوان.

هكذا استفتح فناننا الصغير حديثه عن تجربته الفنية، فجأة أحجم عن الكلام، دون سابق إنذار واستغرق في لحظة وجوم ماشاء من الوقت، ثم استأنف حديثه من جديد بابتسامة ناصعة أنارت محياه:

- لو لا سوء الطالع لكنت الآن رساما ماهرا، أو فنانا تشكيليا لا يشق له غبار، لكن للأسف الشديد الحظ العاثر حال دون ذلك.

- أية مطبة تعثرت فيها ريشة فنك وتكسرت، وأية صخرة تحطمت عليها لوحات مرسمك؟!

- مادمت تصر على معرفة ذلك، فإليك القصة أو بالأحرى الحدث المثبط كما وقع، ولك أن تحكم في النهاية.

- أن تحكم عليّ إن كان من حقي أن أكون واحدا من رواد نادي الفن التشكيلي أم لا.

- طبعا ستجدني حكما حكيما، هيا، هات قصتك يا فناني العظيم.

- ألم نتفق أن تؤجل الحكم حتى نهاية القصة؟!

- عفوا، اقصص علي قصتك وستجدني إن شاء الله من السامعين.

- حدث ذات طفولة وأنا تلميذ في المدرسة الابتدائية، أن رسمت في حصة الرسم رسما جميلا، انتزعت به إعجاب معلّمنا انتزاعا، ولقد وقع على إعجابه ذلك بعلامة جيدة مشفوعة بعبارة حسن جدا.

- جميل.

- ليس هذا فحسب!

- ماذا أيضا؟

- لقد اشرأبت أعناق زملائي في الفصل إلى ما أبدعته أناملي.

- رائع.

- هذا الافتتان بإبداعي تناقلته الألسن حتى خارج أسوار المدرسة، فكنت لا أفتأ أعيد ورقة الرسم إلى المحفظة، حتى يرجوني زميل أو أكثر لإلقاء نظرة عليها.

- لعلها بل من المؤكد أنها كانت لوحة فنية شغفت الناظر إليها حبا.

- طبعا لقد كانت كذلك، وهذا ما جعلني في النهاية أن أبقيها خارج المحفظة، أمتع بها نظري ونظر زملائي. وفي لحظة لا أدري ماذا أسميها، أهي لحظة سهو أم لحظة افتتان بسحر الفن، طارت الورقة اللوحة من بين أناملي الفتية.

- كيف طارت!؟

- بفعل الريح، وكأن عفريتا خطفها من بين أناملي، وطار بها رويدا رويدا إلى السماء، وأنا في أثرها ألهث، علّني أنتزعها منها وأخلصها من مخالبها، إلى أن..

- إلى أن حررتها من خاطفها أليس كذلك؟

- كلا.

- ماذا حدث إذن؟

-إلى أن وقعت المسكينة من يدي الريح.

- فالتقطتها!

- لا.

- تمزقت!

- لا.

ماذا وقع لها إذن؟

- لقد علقت بعجلة دراجة هوائية.

- أطلقت ساقيك للريح في إثر صاحب الدراجة، وناديته فساعدك على انتشالها من من وراء القضبان.

- ليته سمع ندائي وانتبه إلى لهاثي وراءه.

- ماذا حدث لسجينة الفن التشكيلي؟

- لما نأى بعيدا عني، توقف عند بقعة أرض مهجورة، وطرح دراجته أرضا، فحثثت السير من جديد نحوه.

- وأخيرا خلصتها من الأسر.

- وبينما أنا أدنو منه لأحررها من براثن العجلة، وهو منهمك في قضاء حاجته، امتدتّ يده إليها وسحبتها من العجلة..

- وسلّمها إليك.

- ليته فعل.

- ماذا فعل!؟

- لقد دعكها دعكا ثمّ للأسف..

- ثم ماذا؟

- ثم جعل منها منديلا ورقيا.

- يا لخيبة أملك!

- ألم أقل لك: إن سوء الطالع حال دون ولوجي نادي التشكيليين؟

- وسوء توقيت النازل من أمعاء صاحب الدراجة أيضا.

 ***

أحمد بلقاسم  / شتنبر/ 2020

أهدانا عبدُ اللهِ

من ابنِ آوى الحكمة

و من الذئبِ الشريرِ أخذَ المكرَ

أخبرنا  أن الفأرَ عدوٌ للهرة

وان القطةَ الوديعةَ دائمةُ الخوفِ من الكلبَ

لم نناقش يوماً عبدَ اللهِ في فهمه

أو كيفَ استنتجَ حكمه

سلمنا بما قال

ومن جيلٍ لجيلٍ ترسخَ فينا فكره

كحباتِ المطرِ

غيمةٌ تنثّنا فوقَ المدنِ

بلادُ اللهِ ندخلها

عبرَ ممراتِ الدموعِ

والزمنِ المكتومِ

يداعبُ الذاكرةَ

بحكاياتٍ لم تكتمل

وبعض القصاصاتِ من الصور

فيها رأيتُ كيفَ أصبحت حياتي

مثبتتةً فوقَ خشبٍ عائمٍ في مياه الحروبِ

وانا خطيئةٌ

ترسو في موانئِ العالمِ الجديدِ

يا سادتي: من اللورداتِ

كيف تداركتم عللَ الحيوان

وآخيتم بين نقائضها

فغدا موروثُ عبدِ اللهِ من نسغِ أَلاوغاد

لكلابكم أجملُ الثيابِ

ومالذَّ من الطعامِ

حتى أنفت نفوسهم

المطارداتِ والصغائرَ من الاحقادِ

مترفينَ بنعيم العيشِ

من كل الجهاتِ

وان مررتُ خائفةً أمامهم

جاءني الصوتُ

Don’t be scared Madame

He is just a baby

***

أروى السامرائي

بَلَغنا ذُرْوَةَ الأعْلى فَتُهْنا

ومِنْ عَلياءِ سامِقَةٍ هَوَيْنا

ومِنْ عَجَبٍ إلى عَجَبٍ خُطانا

كأنّا فــــي مَواضِعِنا احْتَرَقْنا

على أكْتافِ واعِدَةٍ بأمْرٍ

تَوَثَّبَ غاشِمٌ وبهِ اهْتَديْنا

وعِشْنا فَوْقَ آثِمَةٍ وأخْرى

تُبادِلُنا مآسيَنا بكُنّا

وفي بَرَحٍ تَنامى مُنْطَوانا

وما شَفِيَتْ مواجِعُنا فَخُرْنا

نَلوبُ بها كمَطْعونٍ بسَهْمٍ

ومَلدوغٍ بأنْيابِ انْتَهَيْنا

خَطايانا بسامِيَةٍ تَبَدَّتْ

لنا دِيْنٌ وفي دِيْنٍ سُجِرْنا

تَنابَزَ جَمْعُها والقَوْلُ فَصْلٌ

تُؤَوِّلُهُ النَواهِيُ كيْفَ شِئْنا

فلا دينٌ سيَبْقى عضْدَ دِيْنٍ

وكلُّ شَديْدةٍ فيها رَتَعْنا

نَوازعُها بِما نَظرَتْ تَشظّتْ

بأحْزابٍ بلا دِيْنٍ سَقَطنا

نُحاربُ بَعْضَنا والكُلُ يُرْدى

كأنّا في سَذاجَتِنا انْغَمَسْنا

أ مِنْ نورٍ إلى نارٍ سَعَيْنا

فأيْنَ عُقولُنا ولِمَ انْطَلَقْنا؟

أباليسٌ تُخاطِبُنا ببُهْتٍ

وتَضْليلٍ وما عَنها ابْتَعَدْنا

نفوسُ السوءِ جُمْجُمُها مُسيئٌ

تُقاهِرُ عالِماً وبها انْعَضَلْنا

وعَنْ عَرَبٍ وأعْرابٍ وغَيْرٍ

تحدَّثَ باقلٌ والجَمْعُ يَضْنى

بِضاعَتُهمْ إذا حَقّتْ رُعاعٌ

عواطفهم مُبرمَجَةٌ  لتَفنى

هيَ الدُنيا ومَذْهَبُها اتْجارٌ

بمَخلوقٍ بخالقهِ تَعنّى

فمِنْ أزلٍ إلى أبَدٍ هَواها

مَصيرُ مَسيرِها يَسْعى لأدْنى

عَلائمُ نهْجِها غيْبٌ بغَيْبٍ

فما كَشَفتْ خَلائقُها المُكنى

هو الغيْبُ الذي فينا تَنامى

فأرْعَبَنا الرَحيلُ وما عَرَفْنا

تُعللنا رَغائِبُنا بوَهمٍ

ويأكُلنا ترابٌ فابْتَليْنا

سَماواتٌ وأكوانٌ وجُرْمٌ

وآياتٌ تُحاورُنا بدُمْنا

وما بَرِحَ اللبيبُ بها شقياً

ومَرْهوناً بعاديةِ ارْتَأيْنا

سراباتٌ منَ الأفكارِ تتْرى

تُقيِّدنا بداهيَةٍ فكِدْنا

مَعاقلها مُشنّأة ببُغْضٍ

ومِنْ غَفَلٍ بأحْقادٍ رُجِمْنا

تطايَرَ شرّها والبؤسُ يَطْغى

وكذّابٌ على صِدْقٍ تجَنّى

ضلالٌ أبْعدَ الحَقَ المُزكى

بواهيةٍ أصابَتْ ما وَرِثنا

فكمْ لبثتْ مُدَنّسةً بأفكٍ

تُغَفِّلُ أمّةً نُحِرَتْ بقُلنا

وما وَصَلتْ مَساعِيُها لحَدٍّ

ولا فَرِحَتْ بما جَلبتْ عَليْنا

أ يُنشبُ شرُّها في صَدْرِ خيْرٍ

وتُدْحى كلُّ ساميةٍ بخُنّا

تَواصى جُرْحُ حاديَةٍ بآهٍ

فأشْقى قلبَ مَسْرورٍ تَمَنّى

***

د-صادق السامرائي

7\2\22

العالمُ الأَحمق

والحروبُ العبثية

الكوابيسُ السودُ

والمنفى الخادعُ

وأَنتِ يا إبنةَ الكلب،

ياحبيبتي ...

قدْ جَعلتُم حياتي

"ملكْ وكتابة"*

وأُمي كانتْ دائماً تصيح:

اوووف ياربي ... والله صِرْنا"

"طُرّهْ كِتْبَهْ "*

والمنافي حوّلَتْنا

الى "حَيّه ودَرَج"**

وأمريكا الماكرةُ

قَدْ جَعَلَتْنا مثلَ

"توم وجيري"***

والطواويسُ والذئابُ

والجنرالاتُ والعاهراتُ

والطغاةُ والقَتَلةُ

الخنازيرُ واللصوصُ

ومُشْعلو الفتنِ والحرائقِ

وملوكُ المكائدِ والطوائفِ

جعلوا حياتَنا

أحلامَ كارتون

بالاسودِ والأبيضِ

والرمادي والغامضِ

والمفخخِ والدامي

وبطعمِ الكوابيسِ أَيضاً

***

ياآآآآآآآآآآآآآآآهْ ياحياتنا

ما أقساكِ

وما أغباكِ

وما أبشعَ وجهكِ

وأنتِ ترتدينَ أقنعةَ الفتنةِ

والخديعةِ

والغوايةِ

والوشايةِ

والقسوةِ

واللعنةِ

والموتِ الوشيكْ

***

سعد جاسم

........................

اشارات:

* "طرّه كتْبَهْ" و"ملك وكتابة"، تعنيان وجهي العملة المعدنية، ولهما تسميات أُخرى مثل الـ " تُرّهْ ونقش" وهي اللعبة المعروفة التي كنا نلعبها نحن ومعظم الاطفال العرب في سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات .

** حيّة ودرج: لعبة طفولية معروفة في العالم كله .

*** توم وجيري: هو المسلسل الكارتوني الشهير . 

 

حبيبةُ قلبي صغيرةْ

مهندسةٌ للخيالِ كبيرةْ

ببغدادَ مولودةٌ وكأيِّ أميرةْ

تعيشُ بحيِّ الأميرات هنا

يُحاصرها الحسنُ من كلّ أعضائها المستطيلةْ

ومن كلّ أعضائها المستديرةْ

أميرةُ بغدادَ تعرف كلَّ محالِ العطورْ

وكلَّ محالِ الزهورْ

بفرجالها ترسمُ الأرضَ نورْ

وبحرَ بُذورْ

ولكنْ ويا للحيرةْ

تخافُ من الشعرِ والجملة المستثيرةْ

حبيبةُ قلبي الصبيّةْ

تهيمُ بذوقِ الطعامِ خلالَ الكلامْ

وتهوى مشاهدةَ القصصِ العاطفيّةْ

ويُعجبها التركُ أهلَ البياضْ

وليس لأملحَ منّا لديها عَطيّةْ

أتتْ مثلَ شمسِ الظهيرةْ

بليلة عشقٍ مَطيرةْ

ومازلتُ أرقُبُ طلعتَها في السَّحورْ

أُهنئها بالطعامْ

وقَبول الصيامْ

وأطلبُ منها الدعاءْ

لأنّ الإلهَ الجميلَ أميرْ

وهيَ جميلةْ

وطيِّبةٌ وأميرةْ...

***

لطيف القصاب

لعنة

الزورقُ كلما تحركَ

طاردته لعنةُ الموجِ

أهاتُ السمكِ الجريحِ

**

الاشباحُ

تتزوجُ من الظلمةِ الكالحةِ

وشهادةُ عقدِ القرانِ

أضواءُ نهارٍ منتحرةٌ

**

القضبانُ

لا تتفائلُ بالجمالِ

حبيسةٌ تخشى دائماً

يدَ السجناءِ

يعتقدُ الأغبياءُ أن للمقصلةِ رحمةً

**

العملاءُ

خلقوا بعينٍ واحدةٍ

لا ترى خستهم

ولاتعرفُ طعماً غيرَ الخيانةِ

لاحرجَ عليهم أبداً

**

النجباءُ

يمتشقون العري لهم فخراً

والشمعُ يبكي لأنه ينطفئُ

قبلَ أنْ يعرفَ الأخرونَ عفتهم

**

الاصحاحُ

أفتشُ في القصائدِ

أرى مواريثها

نسيجاً لدائرةٍ تتحرجُ  فوقها

أقلامٌ وكتاباتٌ تنتظرُ ممحاةً

**

الورقُ

تحتَ قبضتهِ تتلوى الكلماتُ

أما هبوطها للقاعِ

أو ترسمنا رجالاً. نعانقُ كلَّ البقاعِ

**

التابوتُ

خشبٌ حقيرٌ

كلما مضى به العمرُ هشيمُ

لذتنا نأتي به لحتفٍ يطاردنا

التابوتُ سمسارٌ للجميعِ بلا

إجرةِ سمسرةِ

أنباءٍ

ويستنبئونك عن ظلمةِ وطنٍ

قلْ أنهُ رغيفٌ أسقطَ

بقاعِ التنورِ لأنه بلا خميرةٍ

وإن الخبازَ ما كان وصياً

**

غربان

ياليت قمحَ هذه البلادِ

لا تأكلُ منهُ الغربانُ

ليته يوزعُ على الخونهِ

ربما يأتي لهم الرشدُ متأخراً

**

غياب

لنا أوزارُ.ٌ تتلبسُ فينا

نحنُ قراءُ مناهجِ التاريخِ

المحنِ،يومياً تحاورنا

تبقي لنا فرحاً غائباً

***

عبد الامير العبادي

ايّامٌ تتجدّد

الظلمةُ تبكي مطراً

أسودْ

وأنا بين الظُلْمةِ والنورْ

أبقى منتظراً

أترصّدْ

أن يأتي وجْهُكِ،

مبتهجاً،

مسرورْ

بعد غيابِ أسابيعٍ و شهورْ

صارتْ في ظنّي أزمنةً وعُصورْ

فَتَعالَيْ

بنسائمِ عِشقِكِ

أيّامُ حياتي تتجدّدْ

**

قالوا .. قالوا

قالوا: لا تتغزلْ!

سألوا: كيفَ سَيُعقَل؟!

أْنْ يتغزّلَ إنسان في عُمِرِكَ،

أو يَعْشقْ

قالوا..

قالوا ..

قلتُ لهم:

إنّ الحبَّ لأنهارِ  حياتي زورقْ

و حياتي إِنْ أهوى تُصبِحُ أعمقْ

**

كَلِماتٌ عاشقة

كلماتٌ متعبةٌ جاءتني تبكي

قالتْ لي: لا تحرمْني من حبّي

فأنا أهوى ما تهوى من أحرفْ

دَعْها لي، واّنسَ هواها

و اِترُكْها لي، فأنا أَعْشَقُها،

دونَ سواها

دعها لي،

واَبحثْ عن أحرفَ أخرى

بكلامِكَ تحلو

أو تَتباهى

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن – أستراليا

لولاك ما كان الجنوب مسامقا

نخلَ العراق و لا استقام مَفارِقا

*

ولكان إقليمُ الشَّمال قواعداً

للأجنبيِّ لكي يشبَّ حرائقا

*

و يعيدَ من بعد السَّلام حدودنا

حرباً تدور لكي تغيظ مشارقا

*

و يعودَ (بعث) الظَّالمين بظلمهِ

يبني السُّجون لكي يعيدَ مشانقا

*

فيكونُ هـــــذا الإنفراجُ خرافةً

و يكونُ للفرج (العراقُ) مُفارِقا

*

حتى وقفتَ لها الهِزَبْرَ تحدّياً

يا بيرقاً يزهو .. يرفرف شاهقا

*

يا من ورثتَ من (الحسين) بطولةً

دوّتْ بفتـــــواك العظيمةِ ناطقـــا

*

فدحرتَ أعداءَ الحياة بصولةٍ

لـــــم تُبْقِ منهمْ حاقداً ومنافقا

*

فرّوا كمــــــا فَرَّتْ شراذمُ خائفٍ

يخشى يواجهُ في مضيقكَ (طارِقا)

*

فعبرتَ شرَّهمُ المحيق بهمّةٍ

فيها تركتَ إلى الوراء مُسابِقا

*

لتكونَ في شطِّ الأمان بلادُنا

وعبرتَ بالعزم الكبير مضائقا

*

يا سيدَ (الفتوى)؛ و أيُّ نباهةٍ

يوماً أتتكَ لكي تُذِلَّ طوارقا!؟

*

لمّا تداعى الثَّاغرون جحافلاً

علّمتهم درساً يفيض طرائقا

*

و جعلتَ من (فتوى الجهاد) معاولاً

حطَّمتَ (د١عشَ) إذْ حَشَدتَ مَطارِقا

*

فتكسّروا بين الصُّخور كواسراً

بعظامِهمْ رجسُ النُّخاعِ تلاصقا

*

حتى غسلتَ (الرَّافدين) مُطَهِّراً

(أرضَ السَّواد) لكي تعزَّ شواهقا

***

رعد الدخيلي

3552 السيد 

إلى مريم التي أتقنت الرقص قبل الكلام.

***

بين احضانِ النغمِ المهووسِ

تبدأ الرقصة

أيادٍ رفرفت

كأجنحةِ الفراشِ

حينَ تلامسُ الزهرَ

والخطوةُ

لحنُ سُرِبَ

من أوتارِ كمانٍ

تهزهُ النشوة

مصابيحٌ مضاءةٌ

انحناءاتُ الراقصين

نقلةٌ .... فنقله

أما أنتِ يا مدللتي

فوسطَ الجموع سوسنة

لا يملكُ الناظرُ إليك

غَيرَ البسملة

والمسرحُ

تلهبهُ إيماءةٌ

وتشعلهُ نغمة

بطاقةُ القلبِ

رقمها خمسه

تجسدُ القصة

لعاشقٍ أحبَ

إلهة ً بابليَّة ً

ولم تبلغْ القصةُ أهله

أطفأ عقيقَ دمعه

بين ثنايا السطورِ من عمره

ما طابَ يوماً جرحهُ

ولم يعرف الهوى طعمه

يا كلماتي المسترسلة

لقصائد َ مؤجلة

غزلتُ الظنونَ خيوطاً

حولَ تولِ* الخصر

غيمةً مثقلة

لعلها تمطرُ

فوق لحظةٍ هاربةٍ

من أجنداتِ الوعودِ الكاذبة

لتبددَ السرابَ من قلبِ الصحراء

وتفجرَ في الإنسانِ واحةً وارفة.

***

أروى مصطفى السامرائي

.......................

*  الزي الذي ترتديه راقصة البالية

 

3549 لوحة

هدية من الفنان التشكيلي الاستاذ فراس البصري

 

مع ترجمة للأنلكيزية

بقلم: د. يوسف حنا

****

-هل حقا ستفرين مع قائد الأوركسترا محملة بسلال الكاكاو؟.

- هل ستحملين السوتيان الأحمر الذي قتل لصوصا كثرا؟.

- قبعتك التي تحدق في المارة النائمين.

- روحك التي بمترين ونصف.

- فستانك الباريسي المتخم بعطور النار.

- أكسسوارات الزينة وبرتقالة سهوك اليومي.

- ضحكتك المغرورقة بالدموع والصلاة.

- صوتك المليء بالفراولة.

- ما مصير الغزالة التي نسيتها في نصك الدادائي الأخير؟.

والثعلب القطبي الذي ألقمته نهديك الحارين؟.

- هل فعلا ستذهبين إلى سمرقند؟

تركبين البحر وتمسحين دموع الغرقى.

تتبعك عائلة مضطهدة من الدلافين

لحماية قاربك من الهذيان.

لتهذيب طبائع الأمواج في العتمة.

- المهم:

- سأطلق رصاصا حيا باتجاه فيلة الوداع الضخمة.

- سأنزع فلذة كبدي وأطعم نسر الجنون.

- سأنزع نظاراتي وأرمي عيني المتورمتين من شباك الطائرة.

- أنسيت كم إفترسنا من أرانب الساعات الحلوة.

- في الباص الذي يأكل المتناقضات مثل هزبر في السافانا.

في الحدائق التي تفكر مثل الرواقيين.

في الغابة التي يحكمها فهد النوستالجيا.

- كان قلبك سمكة مذعورة.

- وصدري أكواريوم من الزجاج والقصب.

- هواجسك تمطر باستمرار.

- صمتي يتكلم بفصاحة.

- يخطط لانقلاب معرفي.

- يطاردنا شرطي على ظهر نعامة

فاتحا زخات متتالية على ذكرياتنا المكتنزة بإيقاع السرد القصصي.

- يطاردنا مقاتلو طالبان بزجاج حارق.

- يطاردنا حفارو القبور بتوابيت من البلاستيك.

- مشركو قريش بقذائف الهاون.

- كنا نختفي في باخرة التايتنيك.

في الشتاء

- نذهب إلى الكنيسة على أطراف أصابعنا.

يعمدنا يسوع بخيوط شفيفة من الضوء.

يهدينا سلة من سمك السردين الطازج.

ويظل يستدرجنا بعينيه الزرقاوين إلى سرير بنات نعش.

بينما صلواتنا الهشة تتخبط في البهو.

- هل حقا ستفرين مثل ملكة بعد سقوط العرش؟.

تمضغين قلبي وترمينه للوحوش؟. .

تاركة كما هائلا من الثيران تجتر شراييني في الإصطبل. ؟

- الشتاء قادم يا حبيبتي

مثل مقاتل شركسي.

-المسرحيون ماتوا رميا بالرصاص.

- كلبنا باسط ذراعيه على عتبة النص.

يحرس مخيلتي من اللصوص والقراصنة.

أنا غاضب جدا يا حبيبتي

(سأقطع خصيتي وأرميهما في المرحاض).

- سأقتلع مؤخرة الغرسونة.

- النبيذ له طعم نهديك الساهرين.

- أعلم أنه سيكون شتاء قاسيا جدا.

مليئا بالسعال والسكاكين والبراز.

- سأبكي وحدي

مثل راهب من التيبت في مبغى.

الذين أحبهم ذهبوا إلى النسيان.

- القباطنة يهشمون الغيوم.

والمارة ينبحون بشراسة.

- سأطرد العزلة مثل بغي من حجرة النوم.

- سألاحقك يا حبيبتي

مثل فهد جائع.

- سأقتل قائد الأوركسترا بضربة فأس.

- الطقس غير ملائم بالمرة.

- هولاكو فوق سطح البيت.

- الزنوج يدقون الطبول بالجوار.

وأنا مصمم على حرب الشوارع

- لاسترداد تاجك أيتها الملكة

- خنق قائد الأوركسترا بأظافر مخيالي.

***

فتحي مهذب – تونس

....................

Your soul, two and a half meters

By Fathi Muhadub / Tunisia

Translation from Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Are you really going to flee with the conductor of the orchestra, laden with baskets of cocoa?

- Will you carry the red tux that killed so many thieves?

- Your hat staring at the sleeping passersby.

- Your soul, which is two and a half meters.

- Your Parisian dress filled with the perfume of fire.

- Your daily accessories and orange of omission.

- Your laughter drenched in tears and prayers.

- Your voice filled with strawberries.

- What is the fate of the deer you forgot in your last Dadaist text?

And the arctic fox that you fed your hot breasts?

- Are you really going to Samarkand?

Riding the sea and wipe the tears of the drowned.

followed by a persecuted family of dolphins

to protect your boat from delirium.

to refine the nature of waves in the darkness.

- The important thing:

I will shoot with live fire at the giant farewell elephants.

I will take out my liver and feed the eagle of madness.

I will take off my glasses and throw my swollen eyes out of the

plane window.

- Did you forget how many sweet hour rabbits we have eaten.

- On the bus that eats contrasts like a lion in the savannah.

In gardens you think like the Stoics.

In the jungle ruled by the leopard of nostalgia.

- Your heart was a panicked fish.

and my chest is an aquarium of glass and reeds.

- Your obsessions are constantly raining.

- My silence speaks eloquently,

plotting a epistemic revolution.

- A policeman is chasing us on an ostrich back

opening successive showers on our memories, packed with the

rhythm of narrative story.

- Taliban fighters chase us with burning glass.

- Grave diggers chase us with plastic coffins.

- The polytheists of Quraish with mortar shells.

We were hiding in the Titanic.

In winter

- We go to church on tiptoes.

Jesus baptizes us with transparent threads of light,

giving us a basket of fresh sardines

and he keeps luring us with his blue eyes to the bed of the Ursa Major.

While our fragile prayers flounder in the court.

- Are you really going to flee like a queen after the fall of the throne?

Chew my heart and throw it to monsters?

leaving a huge number of bulls regurgitating my arteries in the

Stable?

- Winter is coming, my love

like a Circassian fighter.

- Theatre actors were shot dead.

- Our dog spreads its arms out over the text threshold.

guards my imagination from thieves and pirates.

I'm so angry my love

(I will cut off my testicles and throw them in the toilet.)

- I'm going to rip off the butt of the waitress.

Wine has the taste of your watchful breasts.

I know it will be a very harsh winter,

full of cough, knives and feces.

- I'll cry alone

Like a Tibetan monk in a brothel.

The ones I love have gone into oblivion.

- The captains smash the clouds.

and passersby bark furiously.

- I will drive solitude out of the bedroom like a punk.

- I will chase you, my love

like a hungry leopard.

- I will kill the conductor with an axe.

- The weather is totally unfavorable.

- Hulagu Khan on the roof of the house.

- Negroes are beating drums around.

And by street warfare I'm determined

to take back your crown, queen

and to strangle the orchestra conductor with my imaginary nails.

قال عالم الجراثيم

ان الارض أضحت تعج بالبشر

وان نسمة العالم

تتكاثر وتتناسل كالفطر

لهذا اقتضت الضرورة أن نتسلح بالفيروسات

ونشيد المقابر الجماعية

ونوسع كل الحفر

2

كلنا نمشي على سطح موجة مائلة

كلنا عميان كالقطيع نتيه بين الجبال والوديان

لا عصا تقودنا

ولا مرشد ولا خريطة ولا ميزان

معصوبي العينين

على افواهنا صدى أخرس

وعندما نحس بالعطش

نغرف من رمق السراب ما يروينا

3

ما الذي كان سيفعله ذلك المهاجر

القادم من العالم الثالث والرابع والخامس

ماذا لديه غير وطن افتراضي

على خريطة ثلاثية الابعاد

4

الثوب لا يصنع الراهب

والذئب المتنكر بلباس النعاج

ما هو الا جسد غريب

في مخيلة الراعي المضطهد

5

أبحث عن الدفء

في شاشة هاتفي النقال

فأرى عمري ينسحب ببطء

كأنه عجوز مترهل

6

أفكر في الهجرة

ولا أعلم وجهتي

الامواج تبتسم لي

والبحر يراودني

قاربي مكسر

ومجاذيفي تعبت وملت

من محاولاتي الفاشلة

في مهب العواصف والرياح الجارفة

أنا الآن في ريبة من أمري

كيف أكنس الطحالب

وفي أعماق الغياهب

أرى يوسف في الجب

رغم أني أجهل قوانين اللعبة

ما زلت أحتفظ بأسرار الفوز والفشل

بامكاني أن اكون عصفورا

يطل من مرفأ مهجور

أخطط وأتمرن لشق مسالك العبور الى قفص بديل

قرأت تعليقا سياسيا

في جريدة حزبية تعنى بالتنويم المغناطيسي

ما قاله الشعراء المنتحرون قبل انتحارهم:

ان زمن الشعر قد ولى

وانه حاليا يرقد في مستشفى الامراض العصبية

في جزيرة نائية تغمرها غابة من الاشواك دائمة الاشتعال

وانه صار غليظ الطبع يقتات من قصائد محنطة

اما الشعراء الجدد فقد با توا ينقبون عن بقايا الطعام

في مستودع لرمي النفايات

وليس ثمة قمامة معصومة بالجرذان

لم يحتلها الذباب بعد"

***

بن يونس ماجن

مقيمٌ علــــى الأعتابِ أرقُبُ بوّابي

متى تفتحينَ القفلَ ترجوكِ أبوابي...

*

متى تنتهي أوجــــــــاعُ أخرسَ كَهْلانٍ

ومَنْ يوصلُ المرسالَ للأعمشِ الشابِ!

*

أيا عالمَ الأرقامِ رفقًا بخلق الله

العلمُ بالأرقــــــــام قولةُ كذّابِ

*

أيا عالمَ الأرقامِ احسبْ حسابَ الحبِّ

هلّا تقيسُ الحبَّ يا كلَّ أحبــــــــابي...

*

إذن هاتِ حجمَ الهولِ والألمِ الصوفيْ

إذ  يرتدي الإيمـــــــانُ جُبةَ مرتاب ِ

*

أيا عالمَ الأرقام إنّي أريدُ الماءَ

مذْ صُمتُ كان الماءُ حِلًا لأترابي

*

أيا عالم الأرقام والمــــــاء مبذولٌ

فهلّا تردينَ الظما عن لظى ما بي؟

***

لطيف القصاب

فِي هَدْأَةِ لـَيْلِي

يَضـْطَرِبُ قـَلـْبـِي

يَتـَمَوَّجُ

كـَالـْبـَحْرِ الصَّاخِبْ

تـُنـَادِينـِي الـْقـَصَائِدْ

وَالـْقـَصَصُ الـْقـَصِيرَةْ

اُكـْتـُبـْنـَا

يَا شَاعِرَ أُمَّتـِنـَا الـْخَالِدْ

يـُنـَادِينـِي قـَلـْبـِي

آهٍ آهْ

اُكـْتـُبْ مِنْ نـَبـْضِي

بـَعْضَ رِوَايَاتٍ

وَأَغَانٍ

تـُعِيدُ الـْبـَسْمَة َلِلـْجِيلِ الصَّاعِدْ

وَتـُنـَوِّرُ دَرْبـَهْ

**

نـَادَتـْنـِي أَحْلاَمُ الأَجْيَالْ

شَبَابٌ شَابَّاتٌ

وَرِجَالٌ وَعِيَالْ

اَلـْمُسْتـَقـْبـَلُ يَا شَاعِرَنَا

قـَدْ يُصْبِحَ بـَعْضَ خَيَالْ

**

قُلـْـتُ: اَلـْمُسْتـَقـْبـَلُ

لاَ يَعْلـَمُهُ إِلاَّ اللَّهْ

فَافـْرِدُوا شِرَاعَاتِ الأَمَلْ

وَأَقـْبـِلـُوا مُسْتـَـبْـشِرِينَ بِالـْعَمَلْ

فَاتِحِينَ أَذرُعَكـُمْ لِلـْحَيَاةْ

***

د. محسن عبد المعطي - شاعر مصري

قصيدة العراق

بشرى البستاني

**

تلوبُ الطيورُ:

الجبالُ، الجبالُ

الجبالُ تؤرِّقُني

وتلفُّ بأغصانِها جرحَ روحي،

الجبالُ صبايا،

تجزُّ ضفائرَها الطائراتُ

فأجمعُ عنها شظايا القنابلِ

أمسحُ وجنتَها،

فتسيلُ الغيومُ على مهلِها …

فوقَ وردِ الصباحْ …

والجبالُ حيارى

الجبالُ التي شرَّدَتْني

الجبالُ التي هَجَرتْني

وأهجرُها …. وأحنُّ إليها،

فتبكي جروحي

وأنسى الذي كان ما بينَنا

من مَلامْ ….

والجبالُ تلوبُ: العراقُ،

العراقُ متاحفُ نخلٍ، مرايا، وعاجٌ

وأروقةٌ من لُجينٍ،

وأزمنةٌ من دمٍ، وأكفٌ تدقُّ رتاجَ العصورِ

فتنهض إنساً وجانْ ...

وتعدو الفيالقُ، تعدو البيارقُ،

تعدو الخيولْ ..

**

والعراقُ الرّؤى، والمدى،

والأمانُ، العراقُ الأماني

العراقُ حديقةُ روحي

تضمُّ إليها غيوماً، وبرقاً،

وأزمنةً من لظىً

وجداولَ شهْدٍ تشقُّ أكُفَّ الترابْ.

والعراقُ عباءةُ أمّي،

وثوبُ العذارى،

اللواتي يمُتْنَ على السفحِ

من ظمأٍ وأغترابْ.

- يا قمرَ الجبالْ.

عَرِّجْ على السفوحْ.

فوجهُكَ الأبهى.

يطلعُ في الجروحْ …

- يا قمرَ المنفى.

عَرِّجْ على الحقولْ.

فوجهُكَ الأبهى

يولدُ في البذورْ .

**

فيا شجراً لا يهادِنُ

يا شجراً يستفزُّ الرياحَ

لماذا فتَحْتَ النوافذَ

والشمسُ داكنةٌ

والعيونُ قميئهْ؟

لماذا توضّأتَ بالدمِ، بالأمنياتِ،

ودهرُكَ أعجزُ من باقلٍ

والعدوُّ يهدهِدُ صبيانَهُ

والرياحُ تسيرُ بما يشتهي القتلهْ؟

أنتَ علَّمتَني أن أموتَ

كما ينبغي

وأُلَبّي الحياةَ

إذا انبلَجَتْ قنبلهْ ..

فلماذا ذهبتَ وخلَّيتَني؟

ولماذا عبَرتَ إلى جهةٍ أنا أجهلُها؟

في الطريقِ إلى مكّةٍ عيَّرتْني القوافلُ

أنْ سأموتُ بلا كفنٍ، أو سدورْ.

وفي المغربِ العربيِّ وجدْتُ ثيابي

معلَّقَةً فوق صاريةٍ،

وثيابي على جبلِ الشيخِ في الشامِ

منشورةً،

فوق حبلٍ يخطُّ هويةَ أهليَ

بينَ البنفسجِ والنارِ

بين المُدى والقتيلْ.

هناكَ وجدتُكَ تبتاعُ خبزاً لوردِ العراقِ …

وتنحَتُ صخراً لأحلامِهِ

نسيَ النّيلُ ما كانَ

آفةُ هذا الزمانِ التذكُّرُ

آفتُهُ الموتُ فوق حجارةِ أمسٍ تلَبَّدَ

تلكَ الجبالُ، الجبالُ،

الجبالُ طيورٌ تكابِدُ.

منافٍ

حصونٌ،

حقولٌ من الزَّعترِ المُرِّ،

نعناعُها كَرَمُ الأرضِ،

شحَّتُها،

قمرُ الأرضِ، لوعتُها

والجبالُ الجحيمُ،

الجبالُ النّعيمُ،

الجبالُ سياطٌ تغالبْ …

تهادِنُني،  لا أهادِنُ

والجبالُ المناراتُ:

خضراءُ،

حمراءُ،

سودْ …

والجبالُ:

القبابُ، الوعولُ، المرايا

مراكبُ تسرحُ في الغيمِ،

تبحثُ عن لوعةٍ،

ولظىً يَسَعانِ هواها …

تؤرجِحُني ….

أتهاوى إلى القاعِ،

أصعَدُ عبْرَ الجذوعِ،

أرى ذِمَماً تُشترى

وشعوباً تباعُ …

وأُبصرُ تاريخَ حبّي على السّنديانِ

ممالكَ أهلي وتيجانَهم

ونُضارَ خُطاهم وأزمانَهم

فتلوبُ الكهوفُ

وتشعلُ أنيابَ فيلٍ تمرَّدَ …

أبرهةٌ لا ينامُ،

يفتِّشُ عن بابِ مكّةَ بين السفوحْ ..

والجبالُ ملاعبُ أهلي …

أحسُّ دبيبَ سواهم على قمَّةٍ،

هي وردةُ روحي

على ربوةٍ هي جرحُ الضّفافِ

التي طهَّرَتْني،

على نبعِ ماءْ …

تغوصُ حمامةُ قلبي بأغوارِهِ

فأفوحُ شذىً ….

أتأرجَحُ ما بين ليلٍ وفجرٍ،

وعطرٍ ووجدٍ،

وما بين نارٍ، ونارْ.

وفي لحظةِ الشوقِ،

ما بين شِعبينِ،

في شجرِ الجوزِ،

في جذعِ لوزٍ يخبّئُ تاريخَ آشورَ،

في جنَباتِ الصّنوبرِ

أو عنفوانِ الشَّقائقِ،

يلتاعُ جلجامشُ، السرُّ يفقأُعينَ الخطيئةِ،

تحتدِمُ الأرضُ في قاعِ وادي العقيقِ،

الحُداةُ،

الحُداةُ،

الحُداةُ يصيحونَ بالمُدلجينَ الذينَ

يجزُّونَ شعرَ الغزالِ،

الغزالُ مُسجّىً على قاعِ رملِ الخليجْ ..

*

- يا قمرَ البستانْ.

عَرِّجْ على الشّرفهْ.

فوجهُكَ الفتّانْ.

يموتُ في سعفهْ.

يا قمرَ الجبالْ.

عَرِّجْ على السفوحْ.

فوجهُكَ الفتّانْ

يولدُ في الجروحْ.

**

وشريفُهم في الليلِ يضربُ كفَّهُ

ماذا سنفعلُ دونما تَتَرٍ ؟

همو وعدوا سيأتونَ العشيَّهْ

والعلقميُّ إذا تأخَّرَ،

من سنعطيهِ مفاتيحَ القضيّهْ

يختضُّ تاريخُ الرّماحِ

على ظهورِ علوجِهم

ترتجُّ أحذيةُ البرابرةِ، التتارِ،

على سفوحِ جباهِهم

يا ويلَ ماضيهم من الآتي …

وآتيهم من الأصنامِ والأزلامِ،

والزّمنِ المُضرَّجِ بالأسى،

ومجازرِ التفّاحِ،

هذا البحرُ غربانٌ،

وأوحالٌ، ودَمْ .

ومراكبٌ تهوي، وأخرى تُحْتَدمْ …

والبحرُ أهدى الفجرَ قُبَّعةً، وراحْ …

لم يستبِحْ وردَ الطفولةِ،

بانبلاجِ الأفقِ كان البحرُ يؤمنُ

بالخطيئةِ، بالرياحْ ..

باللّعنةِ الكبرى، وبالوطنِ المباحْ ..

أبوابُ حيفا مُذْ خرجنا …

ظلّتْ مفتَّحةً لأسرابِ النميمهْ …

سِفرُ الجريمةِ أينَعَتْ أغصانُهُ،

وعناكبُ الديجورِ،

تحجُبُ في الرّبى وردَ الصباحْ ..

ماذا ستعطيكَ الحياةْ ؟ ….

النارُ أشعلَتِ السّنابلَ في الحقولِ،

ونارُهم غرّاءُ، لا تؤذي القتيلَ،

حضارةٌ زهراءُ،

من دمِنا إكفهمو تسيلُ

فلا تمُتْ في القيظِ لا ماءٌ،

ولا خبرٌ، ولا قمرٌ ظليلْ .

أعطَتْكَ هذي السنديانةُ ذاتَها،

وهبَتْكَ عرشاً يستريحُ، ولا يريحُ،

فلا تبِعْ تاجَ الطفولةِ،

فالجبالُ هي الجبالُ،

هي الجبالْ …

وشجيرةُ الرّمانِ ألقَتْ زهرَها

فوق الرمالْ

ماءٌ يسيلُ من الغصونِ،

إلى يمامِ الرّوحِ،

أجنحةٌ تحطُّ على ذرى القلبِ،

الجبالُ منافذٌ للبحرِ،

ذاك البحرُ كان أذايَ،

كان مظلّةً سوداءَ،

كان البحرُ مرسالي إلى قيظِ الجزيرهْ

- يا قمرَ المنفى،

عَرِّجْ على البيوتْ …

فوجهُك الأبهى

ياقوتةٌ تموتْ .

- يا قمرَ الصحراءْ.

عَرِّجْ على الواحاتْ.

فوجهُكَ الوضّاءْ.

يذبلُ في الفلاةْ.

**

أهذا زمانُ الرّجوعِ  ؟

إذنْ …

أنتَ تكتبُهُ،

وتهادنُ سراً يمزِّقُنا

لا نبوحُ بهِ …

نكتوي، لا نبوحُ بهِ،

ونسيرُ إلى حيثُ تهوى المسيرَ

إلى حيث ريح الصّبا غضّةٌ

والمناديلُ آمنةٌ،

والمنايا نذورْ ..

***

بشرى البستاني

غريب هنا..

أرتّب غربتي

وأرنو إلى قمر غائم

يتوارى خلف..

صهيل الكلام..

أراني ممعن في الرؤى

غير أن المدى سوف ميضي

بمن خان عهدي..

وخضّب جرحي

عن عش عشقــــي

وشرّد الطير عن عش عشقي

ولوّن بالغدر

هديل الحمام

**

هنا سأظل أؤثّث بالحب منفى

الثنايا

وأسقي جنوني..

رحــــيق االمدام

سأظل.. هنا..

في خمائل وجـــــــــــدي

أضــــــــــــيء الأماني

بجمر العشايــــا

وأعير على صهوة الجرح

تخوم الصبايــــا

أنحت فوق جدار السديم

تواريخ مجدي

وأنبجس كالنور من طبقات الظلام

علّ  حنيني الذي مارس كل وهــــــــــم

يحمل عني وزر الأمانة

حين أنام

**

دعوني هنا..

أقول..هنا

أقلّب وجه المرايا

ألتحف أغطية الضـــــــــــــــوء

وأستضيء بما خلّفته الوصايـا

علني  أستردّ من مهجة العمر

ما بعثرته الثنايا

وأرسم على مسلك الجرح

جدولا للغـــرام

**

دعوني..

فقد خرّب الدّهر شعري

وهدّني الحزن

هدّني الوقت.. والإنتظار

ونما بأصل الروح وجعي

ثملت روحي..

وثمل المدام..

***

محمد المحسن

شاعر وناقد تونسي

 

قالوا له للمرة السّبعينْ:

- اِحْذر العاصِفهْ.

قال:

- ليكن ما يكون.

قالوا:

-أنتَ لم تمتْ بعدْ

بل ماتَ قبلكَ ألفُ ألفٍ

وستة ٌوأربعون!

الأمرُ لا يعنيني،

لا يهمني من ماتَ ومن بقيَ حيّا.

دعوا السّنين وشأنها،

دعوها  تمشي،

دعوها  تسير،

منذ أكثر من عقدِ

ننتظرُ هذا القادمَ العظيمْ .

من كان لا شأنَ له، عليه أن يصبحَ من الأولين!

*

أستاذ ُ الجامعةِ الجهبذ

أصبحَ  ناشطاً  سياسياً،

وأعلنها ثورة ً ...

من هناكْ

من قصور الجَواري والعبيدْ

من هناكْ

من مُدن العهر والضّبابْ

َسمعناه يردّدُ ويصيحْ:

هبوا لقد طلعَ النهارْ.

هبوا ضدّ أصحابِ السّعادةِ والفخامةِ

والوقار.

-2-

تدحرجتِ الأحداثُ،

مرتِ الأيامُ تلوَ الأيام،

والأشهرُ تلوَ الأشهرْ،

سَقطتِ الأقنعة ُ

مثلَ أوراق الخريفْ ،

بقي الأطفالُ بلا سَقفٍ

أو جدارٍ أو رغيفْ.

افترش العيالُ أرصفة الطريقْ،

سَدّ الأوباشُ أبوابَ المخازنْ،

وشبّ في كل ناحيةٍ حَريقْ.

تكسّرت أبوابُ البُيوتْ،

صار المَحظورُ مَسموحاً والمَسموحُ مَمنوعا،

ساد الرّعبُ في كل مَكانْ.

دخلتِ البلدة ُ عالمَ الحِكايهْ

كان يا ما كانْ

لقد رجعنا الى بدايةِ الزمانْ.

هنا الخوفُ

هنا السّقوط ُ

هنا القساوة ُ

هنا دموعُ بنتٍ غدَرَ الثوارُ بها،

وهناكَ  جدرانٌ  مبقورهْ،

وفي البلدةِ بارودٌ وظلامْ.

لقد دخلنا الحِكايهْ

كان يا ما كانْ

لقد عُدنا الى بدايةِ الزّمانْ.

-3-

في مَلاجئ السّلامهْ،

هناكَ في مُدن الحريرْ

أستاذ ُ الجامِعةِ الجهبذ ،

تذكرَ دعوة َ ذاك الحِمارْ!

في الدعوةِ سرٌ وإصرارٌ وغبنْ.

لكنّ في موطنِ الأحرار والحريهْ،

لا يجوز حتى للحِمارْ

أن يرفضَ الدَعوه . (2)

-4-

دَوّن قراراتِ أصدقاء سوريه..

تصفحْ تلكَ القراراتْ

القديمة َمِنها والجَديدَه،

واقرأ

إقرأ عن مُحبي سوريه.

ألا تذكرُكَ تلكَ السّطورُ

بثعابينِ الحُقول ِ

وعقاربِ القبورْ ؟

-5 -

ضِعنا  ... وضاعتْ

تلك العَناوينُ القديمَه.

اختلفَ أصدقاءُ الأمسْ،

مشى كلّ في طريقِه.

عندما تنفرط السّبحة ُ

لا يبقي منها

سوى الخيط الأسودْ.

أصبحَ أصدقاءُ الأمس ِ

غيرَ قادرين على التمييز

ما بينَ السّوادِ

وما بين البياضْ،

دخلتْ مَحطاتُ زيتِ الكاز

مركزَ الوعي واللاوعي

لّديهمْ.

عُيونهم

أصبحتْ ليستْ تلكَ العُيونْ.

ذاكرتهم

أصيبتْ بمرضِ النسيانْ.

أحلامُهم

صارت مُلوّنة ً.

شفاههم

فقدتِ الابتسامَهْ.

غلبَت عليهم نزعة ُ الانتِقامْ:

( ليكنْ ما يكون).

**

أصبح رفاق ُ الأمس ِ

غيرَ قادرين على التمييز

ما بينَ السّوادِ

وما بينَ البياضْ.

***

د. اسماعيل مكارم

روسيا الاتحادية - كراسنودار في أوائل آب 2014

...............................

1 ) حصيرم: اسم من رواية شعبية منتشرة في جنوب سورية، عن بدوي كان زعيما لاحدى العشائر أعجبه كيفَ يَعدو الجحشُ الصغير فاقترح على أبناء العشيرة أن يبيعوا الخيل ويشتروا بدلا منها الجحاش، وفعلا صار كما أراد ولكن ندمهم كان عظيما بعد أول غزو  عليهم،  وصار الأمر مثلا يُقال - مشورة حصيرم  لقومِه!!  إذا كانت الخيول في الماضي تأتي بأهميتها بعد العرض والأولاد، ومرتبطة بالعزة والشهامة، فإن الوطن اليوم يأتي بمرتبة الخيول في الماضي، ومن الخطأ الكبير تبديل ماهو أصيل بما هو مبتذل لا قيمة له.

2) في الذاكرة الشعبية عندما يرادُ وصف استغلال انسان ما في أمرٍ لا يعود عليه بالفائدة يُقال (عزيمة حمار على العُرس)!

في سمَاءِ لَيْلي

تترَاكَضُ خيُولٌ منْ ضوْءٍ

تُنِيرُ عتْمَتِي

وأنَا محْمُولٌ علَى ظهْرِ غيْمةٍ

تسْبحُ في الهَواءِ

كرَاقِصةِ بَالِيه

تغْمُرُني زُرْقةُ السَّماءِ

وهمْسُ النُّجومِ

منْ هُنا

منْ هذِهِ الأعَالي السَّاحِرةِ

أراكِ يَا حَبِيبَتي تُقْبِلينَ

عاريَّةً كأوَّلِ الفجْرِ

صامِدةً كرَبَّةِ البُرُوقِ

شعَرُكِ لَيْلَكٌ

سَاقاكِ تَرْتعِشانِ معَ النَّسِيمِ

نَهْداكِ تُفَّاحتَانِ لَازَورْدِيَّتانِ

أرَاكِ منَ هذِهِ الأعَالي

قِدِّيسَةً بلِباسٍ أخْضرٍ شَفَّافٍ

تشْرَبِينَ حَلِيبَاً صَافِياًّ

يتفَجِّرُ منْ عُيُونِ الشَّفقِ

أمُدُّ لكِ يَديْنِ منْ حَريرٍ

تَخْترِقانِ بابَ الضَّبابِ

الذِي يُطَوِّقُ جسَدكِ المُشْتعلَ بالأَشْواقِ

أمْتصُّ ظِلالَ الحُزْنِ في قلْبِكِ

وأنِينَ الرَّغبَاتِ الظَّامئَةِ

ثُمَّ أرْتَمي في أحْضانِكِ

كاللُّؤْلؤِ المَنْضودِ

***

عبد اللطيف الصافي / المغرب

(يا لائـمي فـي هـواه والهـوى قــدَرٌ)

لــو تـعـلمُ الصـدقَ فـي القلبين لم تـلمِ

*

ديمومــةُ الوصْـلِ إخــلاصٌ يُـعــززه

مُــستوحيا من نــقـاء القــلبِ والقــلــمِ

*

إنّ التصنـعَ فــــي حُبٍّ، يـُــراد بــــه

خِلاف مــا يُرتجى، يودي الــى الندم

*

وللتـعـفف إشـــــراقٌ، تــــدومُ بــــه

خـُطى الـمودة ، أعمـــارا بـــلا هَرَمِ

*

حتــى اذا اورَقـتْ ، صانت براعمَها

أنوارُ أفـــقٍ، لتحمـيها مــــن العَـتَـم

*

إنْ كــان للحرف سِــفْـرٌ يَستظل بـــه

فـمـوطِنُ الحُـبِ قـلـبٌ مُـوصَلٌ بِـفَـــم

*

مَنْ يحجب السمْـعَ عن نصح ومأثرةٍ

كمَــنْ يُعَـلِـلُ: أنّ الأذنَ فــــي صمــم

*

مهمـــا المَظاهِـرُ أخفتْ ما يُســاءُ به

فـمُـقـلةُ العينِ تــحكي قِــصةَ الــسَّـقَـمِ

*

يُـعَـزِزُ الـعَهـدَ طُهْـرُ الـنـفس مؤتَـلِـقا

وللعهــود وفـاءٌ، فـــي دُنــى القِـيـَـمِ

*

ذِكْـرُ المَحاسِـنِ في الذكرى له عَـبَقٌ

والأنْـسُ فيـــه كأنْسِ العَزْفِ بالـنّـغَم

*

فـــي الأيـْكِ شـوْقٌ، لترنيمٍ وقافيــــةٍ

يا شاعرَ الرّوضِ، حَقـقْ مُنْيَـةَ الحُلـم

*

إنّ الفـصاحـةَ، إنْ جَـفّـتْ روافـِدُهـــا

مِـن العَــطاءِ، فَـعُـقباها الــى العُـقُـــمِ

*

(إنـّـي رأيــتُ ركودَ المــاء يُـفسده)

فاجعـَلْ حراكَكَ صوْبَ الخير والنِعَـم

*

عِــبارةٌ فـــي لِـــقاءٍ ، إنْ حَـوَتْ سَفَها

هـَـــدْمٌ لِـهَـيْـبَــةِ نَـهـْــجٍ راسِــخ القَــدَمِ

*

مَـنْ زاد في حَـجْـمِه، سـَدّا لِـمَنْـقَـصَةٍ

وإنْ تَـقـنّـعَ، يـبـدو العَـوْز فـي الهِـمَـم

*

إذا النـفـوسُ ارتَـقَـتْ ، تبغي مكانَـتَهـا

فـفي الـثـريا ، لـها حَـرفٌ مـن الكَـلِــمِ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبدالنبي البلداوي

أغنّيك للبحر

لطيور البحر

على زبد البحر أغنّيك

*

أغنّيك للرّيح

بأنامل الرّيح

في همس الرّيح أغنّيك

*

أغنّيك للرّمل

بحرير الرّمل

نرسم وردة الرّمل

أغنّيك

***

1972

سُوف عبيد

فالتحفت رؤاي

محفوفة بالرغبات المضيئة

فكيف لي ان اعزف معزوفة

العشق والرغبات

والطرقات ملاى

بالشوك بالعوسج

والحنظل

وصهاريج

العطاء تنتظر

مطر الكينونة

الوارفة

وسعة الرؤية

تطلق مقلدير

خطواتي

فالتحفت مويجات البحر

محتضنا شوق

االاوزات المهاجرات

صوب افق احلامها

وامنيتتها

كي احميها من كل

ضيق او يباس

فالوجه الاخر للحقيقة

لا يتجلى الا بتلالؤ

مرايا الحكمة المشتهاة

وقيظ اثر قيظ

قرب حقل بنفسجي كان

لكن الوقت قد حان

كي تعلن

اسراب القطا

العصافير واليمام

للسائرين في درب

الخديعة عن انبثاق

انشودة البنفسج

انشودة الخصب

وانشودة المطر

***

سالم الياس مدالو

يا سيد زمانه، يا عُروة الماضي والحاضر، من أين نبدأ الحكي؟ في زمن شذ فيه المعنى، واختلف الدال عن المدلول، وأصبحت الصياغات متنافية مع السياقات، من أين نبدأ الحكي؟ ونواصي السرد تفر مدبرة نحو اللبس والإبهام، والمتن الحكائي يوغل في الغموض، وبؤر التوتر تكبر وتتوحش، وتصبح لحظات التنوير ككسرة خبز في عام جوع ومسغبة .

يا سيد زمانه، الحبكة في اليد جمرة، وسلسلة الأحداث تلبس ثوب النشاز وتفقد قوة التماسك، وهاهو الراوي يقف في مفترق الطرق تائها يبحث عن مخرج لورطته، بعد أن صارت الوقائع عصية والشخصيات أقرب إلى الكراكيز لا سمات تميزها ولا علامات تعكس أبعادها النفسية أو الاجتماعية، بل هو الاعتباط يعلن عن نفسه واقعا أكيدا، والبلبلة الغير الخلاقة تقتل زمن الحكي، وتخلق التوتر لدى المتلقي .

يا سيد زمانه، الزمن والمكان فقدا نكهة الجذب، وأصبحا مجرد تحصيل حاصل لضحالة منتشرة كعدوى، تعطل نشوة الاستمتاع ولذة الاستيعاب،

أشياء كثيرة تغيرت وليس هناك اليوم إلا سقط كلام منتشر، ولسان سماجة مستحوذُ، وبكائيات على أطلال مطمورة في حمأة القبح .

عذراً أيها الراوي، لم يعد لسَردك غاية، وخطابك أصبح مجرّد لغو لا يؤَخّر شيئا أو يزيد وسنترك أَمرك لسيد زمانه علّه يُغير المعنى والمبنى ويمنحك نفس التَمَرّد على وَقاحات لا أصل لها، تنبت كالفُطر.

***

بقلم: محمد محضار

اَلْأُمَّهَاتُ اللَّوَاتِي يَرْتَقِينَ هُنَا

فَوْقَ الرِّمَالِ وَثَوْبُ الْحَرِّ قَدَّادُ

*

كِعَابُهُنَّ بِقَصْرِ الْقَلْبِ قَدْ طُبِعَتْ

وَالْحَافِيَاتُ بِسِفْرِ الْحُبِّ عُبَّادُ

*

قَدِ ارْتَقَينَ رِمَالَ الْعِشْقِ فِي وَلَهٍ

يَشْرِينَ نَبْعَ الْهَوَى وَالْحُبُّ مَيَّادُ

*

أَقْدَامُهُنَّ بِرْوحِ الْقَلْبِ هَائِمَةٌ

وَبِالتَّلَامُسِ لِلْمَكْلُومِ أَجْوَادُ

*

يَغْضُضْنَ طَرْفَ الْهَوَى فِي كُلِّ مُعْوِزَةٍ

خُلْخَالُهُنَّ عَوَى وَالْفَقْرُ أَبْنَادُ

*

سَاقَ الْحِكَايَةِ لَا تَتْرُكْ خَلَاخِلَنَا

وَاحْفَظْ رَنِينَ الْهَوَى إِذْ حَانَ مِيعَادُ

*

مَوَاكِبُ الْأُمَّهَاتِ الْحَافِيَاتِ سَرَتْ

وَقَدْ شَدَا فِي سُجُونِ الْقَلْبِ عَدَّادُ

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي

شاعر وروائي مصري

بغابِ وجودِنا عَصَفَ الزمانُ

فأوْهَنَ شأننا وخلى المَكانُ

وحوشٌ في ضَراوتِها اسْتعارٌ

وقاسيَةٌ يؤجِّجُها احْتِرانُ

وأنْيابٌ مُكَشّرةٌ تَبارَتْ

يُسابقُها التوَجّدُ والشَنانُ

فهل سَئِمَتْ وأشْقَتْ مُرْتَقاها

إرادةُ أمَّةٍ أقادوها وخانوا

وما سَقَطتْ ولكنْ أوْهَموها

تَوابعُ ذِلَةٍ وَفَدوا وَهانوا

يؤلّمها التواصيُ باحْترابٍ

وتخْريْبٍ يُسانِدُهُ امْتهانُ

وكَمْ قُلِبَ الجَميلُ إلى قَبيحٍ

فسادَ رَذيلُها وطَغى المُدانُ

وما انْتَصروا إذا قَدِموا بعَوْنٍ

وأطماعٍ يُعزِّزها الهَوانُ

وتَضْليلٍ بمَظلَمَةٍ أصابَتْ

يُباركُها التَغنّمُ والضَمانُ

أراها في مَرابعِها تَجَلّتْ

بإشْراقٍ يُوهِّجُهُ البيانُ

وما انْكسرَتْ بتأريخٍ وسِفرٍ

كأنَّ وجودَها مَددٌ رِصانُ

ألا بعُصورِها زهوٌ وعِزٌّ

وما نَضَبَتْ إذا حانَ الأوانُ

تُقَلبُها الدُهورُ على هَواها

فتُعجزها ويَرْعاها الأمانُ

مُدَوَّرةٌ مُوَشَجَةُ بكَوْنٍ

مُخَلدّةٌ ويَحْفُظها اقْتِرانُ

إذا سَجَعَتْ على أيْكِ ارْتقاءٍ

تَراقَصَتِ الحَمائمُ والجِنانُ

رفيقةُ عِزَّةٍ بَلغَتْ ذُراها

مُتوَّجَةٌ يُكَللها الجُمانُ

تَمُرُّ بها أهاويلُ اعْتداءٍ

فَتَرْجِمُها إرادتُها العَوانُ

سَتَبْقى رُغمَ إجْحافٍ وظُلمٍ

بسامِقَةٍ يُشيّدها السِنانُ

هيَ الدُنيا ومَوْصولٌ هَواها

بأفْئدةٍ يُنَبِّضُها الحَنانُ

وما غُلِبَتْ وإنْ هُزِمَتْ بكَيْدٍ

بمَعْرَكَةٍ يُعَضِّلُها الجَبانُ

تَدومُ بنورِها أرْضٌ ومِنْها

بسلاّفٍ تُساقيها الدِنانُ

أراها ومْضَ إشْراقٍ بروحٍ

يُواصلها بباقيةٍ جَنانُ

فقل تَحْيا بأجْيالِ انْبثاقٍ

وواعدةٍ يخُاطِبُها الهِجانُ

مُصَفَّدةٌ تدورُ بنا بكوْنٍ

وفيضُ بهائِها وَقَدٌ عَيانُ

ليوْمٍ مِنْ تَباريحٍ وهَمٍّ

بهِ الأيّامُ مِنْ وَجَعٍ طِعانُ

سَنَرْقى رُغْمَ حاديةِ المَنايا

وكلُّ تليدةٍ منّا تُزانُ

هيَ الغابً التي فيها سنَحْيا

بهَزْبَرها وثعلبها تُشانُ

***

د. صادق السامرائي

9\4\2021

بعـد اعتقال اخـي حاذق مباشـرة، ذهبـت الــى محــل عملــي فــي مستشــفى بعقوبــة المركــزي الــذي يبعــد عــن بيتنــا ســاعة بالسيارة، وطلبــت إجــازة لمـدة ثلاثــة أيــام، ثــم توجهت الــى كــراج النهضــة واستقليت الحافلة الكبيرة المتوجهة الــى السليمانية وكان برفقتي اخـي قحطـان الـذي عاد أدراجه الــى بغــداد.

فــي السليمانية التقيت بأخــي ماموستا كمــال الــذي كان يقــود محليــة الســليمانية مـن بيـت سـري وفـي ظـروف قاســية، أخبرته باعتقال حاذق، فأهتــز بدنــه مــن هــول الصدمـة، وراح يرتب لـي مستلزمات إلتحاقي بحركــة الأنصــار. بــدا الخــوف يساورني كلمــا دنــت الســيارة مــن سيطرة التفتيـش. الوجــوه القاسية كانــت تنظــر إلــي بعينين مملوءة بالريبة والتوجس.

شعـرت بطـول المســافة رغم قصرها، كمـا ان دوران عجلات السيارة باتت ثقيلة. كانــت لحظــات صعبــة، وتفكيــري تركــز فــي الخلاص مــن جحيــم الدكتاتوريــة وايضــا فـي صـورة أمـي التـي تخيلت حزنهــا المفرط وهـي تفقـد فلـذات كبدهـا فـي صبـاح واحـد، أحدهمــا وقــع بأيدي الوحــوش الضاريــة والأخر مــازال فــي عالــم مجهــول.

فــي سيطرة عربــد، يتقــدم العســكري باتجاه سيارة الاجرة، ويلقي نظــرة ســريعة علـى المـرأة المتجلببة بعباءة سـوداء وتجلس فــي المقعد الخلفي والتــي كانــت تتصـرف وكأننــا لا نعــرف بعضنــا. ســألني العســكري:

- هويتك

قدمت له دفتر الخدمة. تمعن قليلا.  قــال العســكري:

- شــنو هــذا. ليــش الخــط بهالشكل.... َ

مالَ بالدفتر بحركــة مــن يــده اليمنــى وبمسـاعدة إصبعـه الصغيـر مـن يـده اليسـرى يمسـك حافــة الصفحــة لكــي لا تنطوي.

أجبته بطريقـة واثقة وبنبرة فيها شـيء مـن اللطافـة:

-  جـان خطـه مـو حـلـو، علسـاس يعدلـه. خطيـه راد يكحلها، عماها.

وتابعت حديثي:

- بــاوع بالصفحــة الثانيــة مرتــب وواضــح ومكتـوب بأنـي مؤجـل مـن الخدمة العسكرية لمـدة سـنة.

وقـال وهـو يمـد يـده مـن خلال النافذة الــى داخــل السـيارة ليعطينــي دفتــر الخدمـة وهــو يرنــو الــى الطريــق دون ان ينظــر الــى وجهــي:

- وين رايح.

- رايح ال دربندخان.

- اتفضل مع السلامة.

- شكرا.

تحركــت السيـارة قليلا ثــم توقفــت، واستقليت سيارة أخـرى، لاندكروزر يقودها شــاب فــي الثلاثينات مــن عمــره. بينمـا ظلــت المــرأة فــي ســيارة الأجرة، والتــي لاحقاً التقيت بهـا حـال وصولي الـى القريـة. بعـد مسـافة قصيـرة مـن انطلاقها، انعطفـت السـيارة وخرجــت عــن الطريــق السـريع، دلفــت إلـى اليسـار، لتنطلق باتجاه الجبـال العاليـة مخترقة طريـق الحصى، حيـث هنـاك بيــن وديانها معاقل الأنصــار.

توقفـت السـيارة لبرهة. ترجـل السـائق منهـا واخـذ يتظاهر وكأنـه يفحـص المحرك، بينمـا كنـت أقوم بتبديل ملابسي القديمـة بالسروال الكـردي الـذي يتناسـب مـع البيئـة الجبليــة، وبعدهــا انطلقت السيارة باتجاه احمـد آوى. مـازال الخـوف مـن التعـرض الـى كمين قائمـا، فالقـوى المواليـة للنظـام تنتشـر فــي المنطقــة وربايــا الجيــش تتمتــرس فــوق القمـم. حــال وصولــي الــى قريــة احمــد آوى، وقــع نظــري علــى مجموعــة مــن المســلحين، فشـعرت فـي لحظتها أننـي أُنتشلتُ مـن بئـر كالــح بعــد ان استغرق انقاذي وقتا طويــلا، وانــي بحاجــة إلــى هــواء لأملأ رئتــي.

الأحــداث المؤلمــة تبقــى راســية علــى مرافـئ الخلايـا المتعبـة، وتهزهـا رياح الألـم مـع تقـادم الزمـن. كان الليـل قد كسـاه السـواد فـي جبـال كرجـال القريبـة مـن القريـة، التـي كانـت تتمتع بطبيعة خلابة، وفــي وديانها تكثــر الأشجار الكثيفة والمثمرة، كالتين، والرمان، وتنبعث منها روائــح طيبــة تزيــل عنــا غبــار العزلة، وتنعش فــي ذاتنا حيــاة ربيعيــة صافية. امــا الشلالات الرائعــة فتنساب بمائها الصافي باتجاه الــوادي. ورغـم هـذا الرخـاء التـي أوجدته الطبيعة، إلا أنهـا كانـت عاجزة عـن إبعـاد تلـك الذكريات الأليمة التي ظلــت راسخة فــي الــرأس.

لا يمكننـي نسيـان تلــك الليلــة وأنــا أغــط فــي نوم عميــق فــي غرفــة الفصيــل، كادت ان تتحول إلى فاجعة. كان الضـوء داخـل الغرفة داكنا، لقد تعرض احد أنصارنا الى اصابة بليغة بشظية اخترقت رأســه، وذلــك مــن جــراء انفجــار قذيفة هــاون انطلقــت مــن الربيئــة المطلــة علــى احمــد آوى ووقعــت بالقرب منــه وهــو يقطــع المســافة مــن بتاليــون الســابع باتجــاه مقــر القاطــع، قد تدهــورت حالتــه بشــدة فــي تلــك الليلــة. وفي هذه اللحظة كنت احلم بكابوس مرعب أيقظنــي علـى أثره النصيـر أبـو حاتـم مـن النـوم. لـم أدرك أو اميــز حــركات الأنصــار داخــل غرفــة الفصيــل واصواتهم المتداخلة. كنــت بين النوم واليقظة. وفـي الخـارج لا تسـمع سـوى حفيــف الريــح.

- خطية، شلون تخربط.

رأيـت النصيـرة سـهام، تخيلتها والدتي، تراءى إلــى ذهنــي، تلــك الليلــة المشؤومة، عندما اقتحم الأمــن منزلنا، ودون شعور سحبت السلاح مـن تحـت الوسـادة. أدرك أبـو حـاتـم علـى الفـور الموقـف بسـرعة، وضغـط بقـوة علـى السلاح ليهبـط علـى سـاقي. وقال:

- انــت صاحـي. رفيقنا تخربط. يحتــاج الــى مسـاعدة.

بعــد مــرور تسعـة شهـور فــي مقــر كرجــال، جثمــت بقايــا الثلــوج المتناثرة علــى قمــم وســفوح الجبــال الشــماء ونــزولا الــى الوديــان المتروكــة مــع صمتها ألازلــي. أيقظنــي الحــرس بتأنــي لأخذ مكانـي فــي الحراســة بعــد أن داهمنــي حلــم مخيـــف وكئيــب. أثنــاء نوبــة الحراســة انتابتني مشاعر ممزوجة بالحــزن والتفــاؤل شــارداً بأحلامــي فــي زمهرير الليــل بصمــت مطبــق تتفــق مــع الحــذر المطلـوب أثنــاء المناوبــة فــي حلكــة الليــل.

وفـي الجبـل، بعـد مكوثـي هنـاك بعيـدا عــن بغــداد، ودفء الأهــل، وفــي الصبــاح والقلــق يحفــر صــدري، كنــت شارد الذهن، متأملا ذلـك الحلـم، الـذي اجتاحني كسـيل جـارف دون سـابق إنـذار. وفجـأة وضـع ابــو لينــا يــده اليمنــى علـى كتفـي. وســألني وعلــى وجهــه ابتســامة لطيفـة:

- اشبيك، اشوفك شارد.

كنــا نمشــي ونتبــادل أطراف الحديث. حكيـت لـه عـن ذلـك الحلـم المخيـف، كيـف تعــرض منزلنا الــى قصف بالصواريخ، أدى الــى انهيـار كامــل لــه وتحــول الــى كومــة ُ تــراب، ولــم ينــج مــن العائلــة أحــد. كنــت أروي له احــداث الحلــم بالتفصيل. عــاد ابــو لينــا أدراجــه دون أن ينبــس ببنت شفة عمــا كان يجــول فـي خاطـره.

كان الثلج ينهمر منـذ منتصـف الليـل حتــى الفجــر. توقف قليــلا. وكأن الســماء تقــدم لنــا هبــة وفرصــة لكَنــس الثلـج المتراكم أمـام الغــرف المبنيــة مــن الحجــر والطين. بعـد أن انتهينا مـن الفطور صباحا، تجمــع الأنصــار مـن أجـل جلـب الحطـب. توجهنا نحــو القمــة الجبلية، المقابلة لمقراتنــا حيــث الأشجار الكثيفة موشاة بقطــرات النــدى المعلقة بأغصان الأشجار كعناقيد العنب.

قمنا بقطع بعـض الأشجار. وعدنا الـى المقـر ودخلنا إلى غرفـة الفصيـل لأخذ قسطا من الراحة. كثافة الثلــوج غطــت قمم الجبال بأكوام اخــرى، والأشجار المتناثرة علــى منحدراتهـا تحولت إلى بيـــاض ناصـع اختفـت فــي غمــرة الثلــوج الغزيــرة. وخرجنــا جميعــا مــن غــرف القاعــات المبنيــة على شكل غرف متباعدة بعضها عن بعض لأسباب عسكرية الــى الهـواء الطلق، حيــث البيـاض غطى الصخـور الصمــاء فــي الجبــل.

نعـم خرجنا لكـي نـرى سـقوط الثلـج، وأن نســتغل هــذه اللحظــات فــي القيام ببعض النشاطات الترفيهية، حيــث قمنا برمي أحدنا للآخر بكــرات ثلجية، نصنعها بأيدينا البـاردة. كانــت لحظــات جميلــة وممتعة. وجـوه تضيء بسعادة عظيمـة. كان قلبــي يتملكه احســاس الفــرح العميـق. الجميــع تغمرهم لحظــات الوجــد والنشـوة.

رميـت الكــرة الثلجيــة باتجاه النصيــرة ســوزان، وارسلت إليهــا ضحكــة الانتصار، لأننــي نجحــت بإصابتها. انزلقت قدمي اليسرى، ففقدت السيطرة، ووقعــت علــى الأرض ضاحكا، مسترسلا بنظراتي الــى سـوزان، ملمحا لهـا بأن سقوطي هـو عقـاب لإصابتي لهــا. نظــرت إلــى بحــزن وكانــت علــى وشــك البـكاء. فـي بـادي الأمـر اعتقدت انهـا تمـزح لان الضربة لــم تكــن قاســية. عندمــا دنــوت إليهــا، وإذا بعيونهـا اغرورقت بالدموع وانهمرت على خديها.

وبعــد الغــذاء افترقنــا جميعــا. طلــب منــي دكتــور سالار ان أضــع اليشماغ علــى رأســي، وان اذهــب الــى غرفــة القاطع. لــم أكــن اعلــم شــيئا، بــل لــم أفكــر قــط ســبب هــذا الاهتمــام، ولا سـيما كان تصـرف دكتــور سالار طبيعيــا جــدا. كنـت أتصـور بـأن هنـاك مهمـة سـوف يتـم تكليفي بهــا، طالمـا تــم استدعائي بطريقــة رسمية ولا سـيما كانــت هنــاك توجهات لإرسال البعــض إلــى الداخــل. وأنــا أســير بخطــى ســريعة نحــو غرفــة القاطــع، وصلــت إلــى فنــاء البــاب، وقفــت لوهلــة ونزعــت الحــذاء دون مشقة وطرقــت البـــاب وقلــت بصــوت واضــح:

- هذا أنا سلام.

جاءني الرد سريعا:

- تفضل بالدخول.

دخلــت إلــى الغرفــة وألقيت التحيــة، كانــت قيــادة القاطــع مجتمعــة، ومــا أن جلسـت حتـى قـام آمـر القاطع بسـرد طويـل لتاريــخ الحــزب، ونضالاته ومــا قدمــه مــن كواكــب الشــهداء عبــر تاريخه الكفاحي الطويــل. شعرت ان خيــوط افكـاري ســوف تنقطــع، وكشــريط سينمائي مــرت امــام ناظـري وجـوه الرفـاق، ونظراتهم لـي، وبـكاء سـوزان حـد الالم يـوم امـس، وانـا كنـت فـي حينهــا فــي نشـوة التلاحم، برشــقات بعضنــا البعــض بالكــرات الثلجيــة، والســعادة ترتســم معالمهـا علـى وجهـي، وصمـت ابـو لينـا عـن البــوح بحقيقــة مــا حــدث وهــو يصغــي الــى ذلــك الحلــم الكئيب، وانــا اعيــش آلامه، كان قلبــي يــدوي باندفــاع شــديد وبصــورة مضطربة داخــل قفصــي الصــدري، بحيــث خامرنـي الشـك يمكـن لـه ان يقفز مـن هـذا الجـوف المغلق مغطاة بجـدار ملمـس. وفـي هـذه اللحظـة الحاسمة تلاشت كل توقعاتـي، شــيء مــا جعلنــي فــي دوامــة الشــك فــي ان مــا ســيأتي مــن اخبــار اشــد ســوء ً مــن كارثـة حلمــي قبــل الليلة الماضية. كنــت أمســك نفســي بقــوة.. واخيــراً أفصح أبــو ســرباز قائلا :أن النظام البعثي قـام بإعدام ١٥٠ إنسـان، ومـن ضمنهم اخـي حاذق فـي تاريـخ ٢٧-١-١٩٨٥.

***

كفاح الزهاوي 

 

همزةٌ ملَتْ مِنَ الأحرفِ، قالتْ بِعَناءْ

إخرجوني مِنْ حروفِ الأَلْفِ باءْ

حرّروني

من إِسارِ الكلماتْ

آهِ ما أكرهَ أن تختتموا الكِلْمةَ بي

لتقولوا :

عملاءٌ، دُخلاءٌ، أدنياءٌ، أغبياءٌ، أردياءْ

اِتركوني

اِرحموني

و إذا لَمْ تستطيعوا اِستبدلوني

بحروفٍ أخرياتْ

فأنا يخجلنى اِستعمالُ بعضِ الكَلِماتْ

- 2 –

قالتِ الهمزةُ : عَفواً

كيفَ أغفَلْتُ اِعذروني

و اِسْمِعوني،

بعضَ ما أعشقهُ من كلماتْ :

نبلاءٌ، أذكياءٌ، شرفاءٌ، كرماءٌ، أوفياءْ

إن للأشياء وجهينِ،

اٍبعدوا عنّي بذاءاتِ الكلامْ

و اِحفظوا لي كلماتٍ لا تُلامْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

مشت حبلى

بكلّ شوارع الغرباء ، والمُدُن ِ

بكاها ضاحك الزمن ِ !!

مشت والدمع ملء العين ِ ، والصمت ُ

يقهقه ُ حولها الموت ُ

رثاها التيه لو يرثي !!

فلم يُعرف لها بلدٌ ، ولا بيت ُ !!

وليس هناك إلّا كبوة النور ِ

وتدوير الأعاصير ِ !!

مشت حبلى من الزمكان حتى في المنامات ِ !!

وفي قلب الجحيم هوت

ملايين الفراشات ِ !!

فأينك أيّها الآتي ؟

أفي غيبوبة ٍ مازلت ،

أم مازلت مرتقصاً على البحرِ ؟؟

فإنّ الأرض مظلمة ٌ

وإنّ صباحها المشلول لا يقوى على الضوء ِ !!

وذي فردوسة الموتى

بها يتضخّم الليل ُ !!

بها تتجوّل الخيبات من باب ٍ إلى بابٍ

بها يتلاقح ُ الويل ُ !!

ويشهد هدهد ُ العصر ِ

بأنْ  ( عشتار ) قد ماتت !!

فلا شعرٌ ، ولا فنٌّ ،

ولا عشقٌ ، ولا كأسٌ ، ولا نغم ُ

فقط يعوي هنا العدم ُ !!!

ويشهد هدهد ُ العصر ِ

على طاحونة  القهر ِ

على نفي ِ الطفولة من مدائنها إلى القفر ِ !!

على الفوضى ، على كسر القوانين ِ

وتشريد الملايين ِ !!

على دمويّة الإنسان

في كلّ الأحايين ِ !!

**

بغداد / الشاعر أبو يوسف المنشد

بَلدي يَتعمّدُ بالنّور

بَلدي يَتعمّدُ كلَّ عام

بهذا النور الطالِع ِ من الشرقْ

بَلدي يَحمِلُ صَليبَه

ويُصَلي لأجل الجَميعْ

لم يَعُدْ يَعتزّ بعَدَد ِ السُيّاح

وجَمال ِ الطبيعَةِ

وبالصّبايا المِلاحْ

لقد نََسِيَ الفرحَ من زمان

ها هو يُجَهّزُ ضحاياهُ

فالتّنينُ آتٍ،

مُطالِباً

بأحسنِ ِ الصّبايا والشّبابْ.

أنا لن أبكيكَ يا وطني

إني أراكَ تجْمَعُ موتاكَ

في كلّ مَوسِم ٍ

ولكنّك تستجمعُ قواكَ من جَديدْ

وتشحَذ ُ إرادَتكَ

مُتحدّ يا هذا الموت.

بلدي يَتعمّد ُ بالنورْ

يَتطهر ُ أكثر من مرة

في العامْ

مُقدّماً على المَذبحِ

أبناءَهُ قرابينا،

مُؤمِنا بِقد سِيةِ الأرضِ ِ والحُريّه ،

مُضَحّيا عن البَشريةِ كلّها.

شاقة ٌوصَعْبَة ٌ

مُهمّتكَ يا ابنَ بَلدي

إنكَ لمُنتصِرٌ  يا "سيزيف"

إنكَ لمُنتصِرٌ بعدَ طول ِ صَبرْ.

لا يَستطيع الصّقيع شيئا

ضِدّ النورْ

ولا الرّيحُ ضِدّ السّنديانْ ،

ولا المُعتدي ضِدّ المُقاومْ.

إني أراهُ يُتابع المَسير..

ها هو يُتابع مَسيرَهُ نحوَ الشمسْ

حَقاً ..

إنهُ يُتابعُ مَسيرَهُ

نحوَ الشمسْ.

***

2020

.................

2 - قرأتُ..

قرَأتُ في كِتابِ العُصورْ

الحَق ُ سَيّدُ  الأشياء ْ

ولكن

لا تجعَلوهُ يَغيبْ

ونحوَ الشّمس ِ

استحِثوا المَسيرْ

استحِثوا المَسيرْ.

جَدّي هنا

زرَع َ الدّوارَه

أخي هنا

نَصَبَ شتلاتِهِ وغِراسَه

شعبي...

بالأهازيجِ، والصّبر، والرجولةِ ، والمُروءَة،

يتلو على الدّنيا

ميثاقا وإصرارا...

حثوا الخطى

يا إخوتي

غدًا سَوفَ يَطلعُ النهارْ

حثوا الخطى

فالشمسُ  بانتِظارْ

الشمسُ  بانتِظارْ.

***

د. اسماعيل مكارم

2018

 

تُرهِفُ أُذُني السمعَ

لوقعِ الخُطوات

ثمّةَ خطوٌ غائبٌ

هو ما يجعلُني

أضيع

*

كثيراً ما أوهمُ نفسي

بأني قادرٌ على احتواءِ

فراقِكِ

وأني متماسكٌ بما يكفي

لمواجهةِ الصِعاب

لكن ، بمجرّدِ أن

تبتعدي عني قليلاً

حتى أجِدَني

أتبعثرُ بكلِّ اتجاه

*

خلالَ الحربِ

حرِصتُ أن أتوارى

عن الأنظارِ

لكن،

وبعدَ أن اختبرتُ

تداعياتِ فراقِكِ

ذهبتُ إليها طائعاً

فهي بالنسبةِ لي

لم تعد سوى

نُزهة

*

وضعتُ على رأسِ فزّاعةِ الحقلِ

خوذةً وجعلت بين يديه بندقيةً

بعد قليلٍ حطّ على كتفِهِ طائرانِ

قالَ الأولُ للثاني : يبدو أن صاحبَنا

تم استدعاؤه للخدمة الإلزاميةِ

ثم ذرقا عليه وطارا

***

 

صائدُ الفراشات

فرحَ كثيراً وهو يرى هذا الكمّ الكبيرَ من الفراشاتِ الملونةِ بحوزتِهِ ، لا سيما وأنه كانَ ينوي تحنيطَها ثمّ لصقَها في دفترٍ لديه ، كان يُخرجُها بعنايةٍ من الكيسِ وهي بآخرِ رمقٍ   خوفاً من أن تتقصّفَ أجنحتُها إلا ان يديه إمتلأتا برذاذِها ، مدّ يدَه فأمسَك بواحدةٍ أعجبته وراحت تخفقُ بين يديه ثم انفلتت لتهربَ وتطيرَ . ترك كيسَه وركضَ خلفَها لكنها كانت تروغ عنه لتحطّ هنا وهناك قريبا منه فيخالُ أنه يستطيعُ الإمساكَ بها .

وظلّ يركضُ وراءَها طوالَ حياتِه من دون جدوى .

***

لا أملكُ في هذا الليلِ

سوى قيثارتي وعزفي

ليس بوسعي

أن أكتُمَ شجني

أو أوقِفَ نزفي

*

أُسقِطَ في يدِ النهرِ

فها قد انتصفَ الشتاءُ

ولم تعُد نوارسُه

- "ليس ثمّةَ ما يُبقيني

واقفاً عند الضفّةِ"

هذا ما قالَ حارسُه

***

احمد الحلي

الإهداء: إلى تلك التي أطلقتني.. نورسا للعناق الوجيع..

(1)

بين جرحَين كنّا معا في التشظي..

كنّا.. وإذ نال الحزن من أضلعي،فلبثت

وأنتِ تضوّع عطرك بين الثنايا..

وظللت وحيدا..

ومنهمرا في الفصول.

في ليل مدينتي حيث لا شيء يشبهني

غير نجمة أراها تضيئ وتخبو

أراني أرنو إليها،علّها تفتح لي دربا إليكِ

فما زلت أخشى عليكِ من شائك الضوء..

ومازلت..

أحيل أيّامي إلى نرجس اعتراه الأفول..

(2)

مرّ عطر مسرّاتنا.. ومرير هو الوقت

لكنّ طيفك أدخلني في ضياء الثمار

وقد فتح الوجد أبوابه للرؤى

ولاح نجم يضيئ على عاتق الليل

فظللت أنتظر.ثقيل هو الإنتظار.

طائر الصحو لا يحتفي بضيائي

يطارد ضوئي.. يوغل في المدى..

ثمّ يحطّ على وجع بأصل الرّو ح

فتلمّ الحدائق أورادها.. ويذبل ورد النهار..

(3)

مذ تخيّلتكِ..

وأنت تعبرين بساط الخزامى..

تلجين فلوات الرّوح في مُترف الثوب..

وتمدّين أصابعك في خيوط الحرير المذهّب..

لكِ هذا الحمام-الجنوبيّ-

علّمته الهديلَ..

في زمن للبكاء

وعلّمتكِ كيف يرشح من الحلم عشق وماء..

صرخت بملء الرّوح علّ يجيء طيفُك

-فأنا أولم الليل نذرا.. وألبس أبهى ثيابي-

ولكنّي وجدتكِ في برزخ الوجع..

بين البكاء.. وبين الغناء

ومن معجزات الزمان..  يتجانس فيكِ الثرى والفضاء..

(4)

آن للوجع العتيق أن يتفادى دروبي

ويعود بي الزّمن إلى حقل صباي

يوم كان اليمام ينام بحضني..  وبقربي تدنو القطوف

وأراك كما كنت أرسمكِ على دفتري المدرسي..

يتهودج طيفُكِ في ثوب شفوف..

وأراكِ ثانية وقد لا مس عطرُك نرجسَ الرّوح..

ثم.. ألتقيكِ وقد نضج النهد قبل الأوان..

(5)

.. كانت لي أمنية..

أن أراكِ كما كنتُ.. قبل البكاء

أن لا أرى،في شهقة الرّيح،عاصفتي

لا أرى في دفتر عمري

ما كنت خبّأته من شجن ومواجع..

.. سلاما على ما تبقّى

.. سلاما -على تعتعة الخمر-

.. سلاما على أمّي التي أحنو على طيفها ما استطعت

.. سلاما على كلّ الرّمال التي احتضنت حيرتي

.. سلاما على غيمة ترتحل

عبر ثنايا المدى..

ها هنا..

أرتّق الموج،وقد أبحرت روحي

دون أشرعة

ترى.. هل أقول للزبد إذا ساح إليّ :

دَعني “أقرأ روح العواصف”

فأنتَ لست في حاجة للبكاء

دَعيني أطرّز عمري وشاحا للتي سوف تأتي

عل ّ يجيء الموج بما وعدته الرؤى

فليس سوى غامضات البحار،تقرأ الغيم

وتنبئ بما خبّأته المقادير

وفاض منه الإناء..

***

محمد المحسن

شاعر،ناقد وكاتب صحفي تونسي 

تعلّمتُ الصراخ همسا

وسط الضجيج... تعلّمتُ الصراخ همسا

محمد حمد

***

جفّ قلبي من الصراخ

همسا

وسط فضاءات مُصابة بالزكام المزمن

والثرثرة المبعثرة

لا تجيد الحوار مع كلماتِِ سريعة الغضب

ولا تحبذ موسيقى الحنين المتصاعدة

من امواج بحر متلاطم الاشواق

وفي حالة عشق استثنائي...

*

تكلّست شفتاي من الادمان على الصمت

بعد أن أصبح الكلام هذيانا مشوّه المعاني

وتمرّدت أقدامي الملطخة بوحل المفاجآت

على عجرفة الشوارع

واستبداد الأرصفة الممتدة امامي

كالثعابين الرقطاء...

*

اهبط إلى الاسفل

واحيانا إلى اسفل السافلين

ابحث عن همزة الوصل في سطور الفراق

عن التي ودّعتنى خلسة

قبل أن ينطفي قمري في سماء العراق

حذرتني من أزمة وشيكة في موسم البكاء...

تشبّثتُ رغم نعومة مخالبي  بخيوط الآمال المنسوجة من فراغات متتالية

كانها قوس قزح شاحب الوجه

يبحث عن سماءِ بديلة

(لا يُطار لها على جناحِ...ولا يُسعى على قدمِ)

واستعنت بآخر ما تبقى لي من حداىق الطفولة:

ورقة توتِ منتهية الصلاحية استر بها

عورة سنيني من زمهرير الجفاء...

***

محمد حمد

في المساء وعند محاولة خلوده الى النوم، راودته أفكاراً كثيراً ومختلفة عن الجامعة التي قُـبل للدراسة فيها، راح يفكر في سنواتها ونوع الدراسة فيها، التي في ضوئها سيتحدد مستقبله، فكر وتساءل في نفسه : من سيكون أصحابه في الجامعة أو القسم الداخلي؟ وأساتذته بماذا سيختلفون عن مدرسيه في الثانوية؟ كيف سيعيش هذه السنوات؟ والبنات، ماذا عن البنات اللواتي سيتعرف عليهن؟

في صباح اليوم التالي، مبكراً ارتدى ملابسه التي رافقها احساس للوهلة الأولى أنها مختلفة عن ما كان يرتديه في السابق، البنطال باللون الرصاصي، والقميص باللون الأبيض، هكذا قال له صديقه الذي سبقه بالقبول والدراسة بجامعة الموصل، مؤكداً عليه هذا هو الذي يسموه الزي الموحد المطلوب ارتداؤه كل يوم في الجامعة طوال السنوات التي ستقضيها فيها،  شعور غريب انتابه، شعر بزهو في نفسه، إنه الآن مختلف عن السابق حقاً، وحينما ألقت به سيارة الأجرة في شارع فلسطين ببغداد، ساقته قدماه الى أقرب بوابة كانت أمامه ليدخل الى الجامعة المستنصرية أول مرة، دخل فضاءً واسعاً، تنتشر فيه أبنية عالية، وحدائق غناء، إنها جامعته التي خطى فيها اليوم أولى خطواته نحو المستقبل في أول يوم جامعي في حياته .

كان مبهوراً بالمكان الذي لم يكن قطعاً يشبه مدرسته التي اعتاد على بنايتها، طلبتها، غرفها، وممراتها الضيقة، نعم كانت مدرسته مختلطة، ولكن أي اختلاط هذا الذي يتحدث عنه اليوم، شعر لوهلة أنه في عالم مختلف لم يألفه من قبل .

بغداد العاصمة التي زارها مراراً وتكراراً، كأنه اليوم يدخلها كالفاتحين أول مرة، عالمه الجديد أكبر بكثير من أن يحكم عليه مديره المتسلط بقبضته الحديدية . وعندما بدأت خطواته يتبع بعضها البعض الأخر ببطيء، راح يتذكر مدينته الصغيرة التي فارقها قبل ساعتين من الآن، أزقتها الضيقة، حاراتها المتعبة التي وطأتها أقدام المتعبين، كان عالمه محدوداً، أطراف محلته معروفة الملامح، معلومة الحدود، طريقه الى مدرسته الذي يكاد لا يغيره، الوجوه التي اعتاد رؤيتها .

الآن، راحت الوجوه التي لم ير مثلها من قبل تمر من أمام عينيه، تملأ باحات الجامعة وأروقتها، وحدائقها التي تفوح منها رائحة ربيع مضى، الأصوات الدافئة تتداخل نغماتها بألحان عذبة الى مسامعه، الضحكات صارت تملأ فضاء روحه . .

وتدافعت الأسئلة في ذاكرته بحثاً عن اجابات كان بأشد الحاجة اليها، كيف سيتكيف مع عالمه الجديد؟ الى أين سيذهب؟ وأي الممرات تؤدي الى كليته؟ ومن يا ترى سيكونون أصدقاءه في السنوات الأربع القادمة؟ ما طبيعة دراسته؟ ما شكل أساتذته؟ ومن من هذا العالم الصاخب المجنون ستكون حبيبته؟ وكيف سيختارها؟

وقبل أن يجد الإجابات لأسئلته المتعددة، كان قد دخل رويداً، رويداً في الزحام الجميل الذي صحى عليه ذات يوم ليأخذه بملابسه التي يرتديها أول مرة بألوانها الثلاثة التي تمثل الزي الموحد، حاملاً ذاكرته المليئة بالذكريات الى ذات الباب الذي دخله قبل أربع سنوات ليأخذه الى شارع فلسطين حيث ذكرياته الأولى . . .

***

د. ستار البياتي - بغداد

في 23/1/2003

 

ركبنا "الترام واي" من  شارع فرنسا أكدال"قال لي السي المعطي: " الرباط تغيرت كثيرا،هناك أشياء جديدة تحدث "، ابتسمت وقلت: "فعلا هناك أشياء كثيرة تحدثُ.. اِحتجاجات بالجملة، وتكنولوجيا متطورة بالمقابل" 

كان الركاب ينتمون لشرائح مختلفة، وكانت الثرثرة سِمة مُشتركة بين الجميع..سمعنا اِمرأة تحكي عن حادثة اصطدام وَقعت هذا الصباح بحيّ كريمة، بين سيارة أجرة وقطار الترام واي.. كانت تقول لصديقتها بانفعال: «الله يستر، أصحاب الطاكسيات لا يحترمون القانون، ها هو خرج على راسو وعلى الناس اللّي معاه"، وردت صديقتها: " احنا بزاف علينا التكنولوجيا..خاصّنا نتعلمو بعدا القانون".

وقال رجل ملتح وهو يوجه الحديث لزوجته المنقبة:" قبح الله المتشبهات بالرجال" وعيناه ترمقان فتيات تلبسن سراويل لاصقة، تبادلت النظرات مع السي المعطي،ابتسمنا ونحن نرى عينا الرجل الملتحي تَشِيان بشهوة مُضطرمة، وهما تلتهما ن أجساد الغيد الواقفات أمامه.

كان القطار يسير بسرعة، وكانت المناظر تنساب إلى الخلف، وكنت أعيش لحظة اِسترجاع لذكريات سنوات ماضية في أحضان الرباط، وكان السي المعطي القاطن بالمدينة منذ ثلاثين سنة يحدثني عن مشروع "المرينا" وعن القنطرة الجديدة المقامة فوق نهر أبي رقراق، ونفق الأودية الجديد، كنت أصغي إليه باهتمام وعيناي تتابعان المشاهد المتحركة عبر زجاج النافذة.

عندما وصل الترام إلى محطة صومعة حسان نزلنا، قال لي السي المكي: " ملحقة الكنوبس وصيدلية الدواء توجد ببارو كبير، المكان قريب من هنا" 

كانت المرة الأولى التي سأزور فيها المكان، تابع السي المَعطي موضّحا: " جميع المغاربة المصابون بالمرض الخبيث يقصدون الملحقة للحصول على الدواء..الله يشافي الجميع" 

علقت باستغراب: "وأين هي الجهوية، هم يجتهدون فقط في الاقتطاعات، والضرائب المرتفعة، قال السي المعطي: " لن تتمكن من الحصول على الدواء لقريبتك اليوم، ستدفع الملف، وتنتظر الموافقة غدا..هذا هو النظام،"

 قاطعته ضاحكا: " البيروقراطية حاضرة في كل مكان وزمن. "

كنّا قد وصلنا شارع الجزائر، سمعنا ضجيجا ولغطا في أحد المقاهي، ورأينا أشخاصًا يقفون مُتطلعين إلى شاشة تلفاز كبيرة في الباحة، ظَنننَا الأمر يتعلق بمباراة في كرة القدم..لكننا سمعنا كهلا يقول لصاحبه " قُتل القذافي واِبنه..لم يرحمه حزب الناتو والثوار "

قال لي السي المعطي " اللي بغاها كلها يخلّيها كلّها" "

قلت وأنا أبتسم: "قل اللّهم مالك المُلك تُؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتدلّ من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، صدق الله العظيم" 

تابعنا سيرنا نحو ملحقة صندوق الاحتياط الاجتماعي، وصورة القذافي وهو يتوسل لقاتليه ما تزال ماثلة أمام عيني.

***

محمد محضار أكتوبر 2011

في غوْر الغابة المحتجِبة عن ضياء القمر المتأرجح بين الأوراق المتكاثفة عند قمم الأشجار، وبين الأحراش والأشواك المنغرزة في الساقين والحذاء المتهرئ يواصل السير الحثيث حينًا والهرولة، متلقفة الأنفاس، الجانحة إلى التحليق أحيانًا للهروب من أنوار المصابيح اليدوية المهتزة بين قبضات حراس الحدود المتعقبين أثره في تلك البرية الشاسعة، تحاذيها فوهات الموت متفرقة الأزيز هنا وهناك.

هناك، حيث كان يستند مقرفصًا وراء كتلة صخرية ضخمة، تمَنى أن تفتح له كوةً تضمه في جوفها بمعزلٍ عن الوجود والأنياب الوحشية، يهجس تحفزها للانقضاض عليه هي الأخرى في أي لحظة، والعويل الحاد يعبر الريح العادية نحوه.

هناك، على وقع مصباحها اليدوي ورشاشها الصغير المصوَّب نحوه، وعلى بعد خطوات معدودة، جمَعها ذعر الأعين برجل الغاب، الكنية التي ظلت تطلقها عليه، أول كلمتين تعلم نطقهما من اللغة الغريبة عنه، ككل ما حوله.

***

حفر بمسحاةٍ ينعكس عليها ضوء مصباحها اليدوي الذي لم يتوقف عن الارتجاف في يدها الرخوة، حال الرشاش في اليد الأخرى.

كان شخصًا آخر سواه، أشخاصًا آخرين، هم من قاموا بحفر قبر ولدها المصلي بالرصاص من الخلف ودفنه، وتوزعت عليهم مشاعر الخوف والتيه وأضغاث أحلام الليالي الثلاث التي أمضاها في مخزن منخفض السقف، أقرب إلى قبوٍ معتم لا يصله الهواء إلا عبر فتحة ضيقة، ملحق بكوخها الصغير، بالكاد وجد في جانبٍ منه فسحة لفرد الفرشة المهلهلة التي رمتها عند قدمه وبطانية صوفية ثقيلة تدثر بها بعض الصقيع المستأذب في خلجاته، ثم أحكمتْ إيصاد الباب الحديدي.

استفاق على لكز فوهة سلاحها تكوُّر جسده، تأمره بحركةٍ عصبية من يدها ووجه سجانٍ عابس النهوض، أعطته بعض الطعام الذي التهمه جوعه دون تذوٌّقٍ لطعمه، أشارت إليه أن يغتسل ويحلق لحيته الشعثاء، ثم يرتدي الثياب التي وضعتها ـ ذات مقاسه تقريبًا ـ على عتبة باب الحمام البدائي، والرشاش الصغير، قديم الطراز، لا يفارقها، مع ذلك كان توَجسها منه يفوق توَجسه مما قد ينتظره، ارتباكها الذي حاولت مواراته ما تستطيع أخبره أنها لن تقوى أو تجرؤ على إطلاق رصاصة واحدة ولو غافلها بحركة سريعة لتجريدها إياه، دون أن يخطر في باله إنه كان فارغ الذخيرة، لكنه لم يجسر على القيام بمغامرةٍ جديدة، قد تستعجل حذفه بعد كل ما واجه، مستسلمًا في خضوعٍ تام، أشبه بالتنويم المغناطيسي، لتنفيذ أوامرها (البكماء).

وجهها تحت النور الشحيح للمصباح المتدلي من سقف صالة الكوخ الحجرية الصغيرة، الخاوية من الأثاث تقريبًا، كتلة عجين محززة بأخاديد العمر، عيناها الذبيحتان بسكين الخذلان المسمومة تحدِّقان طويلًا في ملامح وجه الغريب الذي عثرت عليه لدى بحثها عن جثة ولدها المعلَّقة صورته المحتفية بنسيم ربيع العمر وبهجة حيويته وسط جدار أسندت رأسها إليه، وكأن الغابة قررت استبدالهما ضمن لغزٍ قدري شديد الغرابة، ظل صمتهما يدور في حلقات ريبته دون إيجاد وسيلة للتفاهم عما يحدث سوى لغة الإشارة وتعابير الوجه والحركات التمثيلية كما لو كانا يمثلان في مسرح إيمائي.

لم تكن لها صلة بالمهرِب الذي اختفى فجأة عند لمح جندي من حرس الحدود، مخلِّفًا أكاذيبه عن مدى معرفته بكلٍ منهم ونصيبه من كل عملية تهريب أو تسلل عبر الغابات المنفية من الحياة، وإلا لهتفت بمطارديه كي ترشدهم عن مكانه، أو سلَمته إلى رجال الأمن السياسي الذين تباهوا بقتل ولدها أثناء محاولته الهرب، محذرين أهالي البلدة الصغيرة من مغبة البحث عن جثة الخائن المتمرد ومواراتها الثرى وإلا لنال الفاعل ذات العقوبة بتهمة عصيان أوامر السلطة الحاكمة باسم الشعب.

اشتد توَجس مسراهما في سَجَو الليل، كاللصوص، لدى البحث الطويل والشاق عنها في جوف الحوت قبل أن ينخرها العفن أو تتسابق الحيوانات المفترسة إلى التهامها.

عند عودتهما اللاهثة، كشبحين يتخفيان بين ثنايا الظلام، نحو الكوخ المسوَّرة حديقته مربعة الشكل بأشجار النارنج فواحة الرائحة ألقت بالرشاش وبالشال الذي كانت تتلفع به على الطاولة الخشبية المضعضعة ودخلت غرفتها لتلقي بجسدها المنهك فوق فرشتها وتغط سريعًا في النوم بلا أن تبالي لرد الباب وراءها، ولا لأمره.

فكر بالهرب، الفرار من الورطة الجديدة التي وجد نفسه منغرسًا في مخاطرها، لكن الدوار الذي سكن رأسه والألم القابض على أطرافه طرحاه على إسفنج الكنبة المواجهة للنافذة المطلة على بحرٍ شاسع من الظلمة الحالكة، أشبه بفاقدٍ للوعي.

أيقظته عصر اليوم التالي امرأةٌ أخرى، مفعمة بالحيوية والحنو الأمومي المنفلت من أي هوية، الابتسامة الغريبة عن وجهها المترهِّل تتشبث به، تكاد لا تفارقه، على الطاولة عدة أصناف من الطعام والفواكه التي قطفتها من أشجار الحديقة، مع زجاجة نبيذ أحمر معتَّق شرباها حتى الثمالة، خاف أن تأتي رشفاتها الانفعالية على حياتها البائسة، خاصة بعد رقصتها ـ التي تشبه رقصات بلاده الفلكلورية إلى حدٍ ما ـ المتطوِحة والمتقافزة أمام دهشة نظراته في نشاط شابةٍ عشرينية تحتفل مع صديقاتها بليلة زفافها، تلاحق سقوطها على الأرض وحمل جسدها ضئيل الحجم بين ذراعيه باتجاه غرفتها، دثرها باللحاف، كانت مغمضة العينين، فيما ظلت وداعة ابتسامتها تحيي حفل وجيب قلبها الثمل بانتصاره على الأوامر الحزبية الصارمة، لم يكن لمتسلل عبر الحدود التواري عن سطوتها في مثل تلك القرية الصغيرة لمدةٍ طويلة، إلا إذا كان الحظ حليفاً لا يبيِّت نية الغدر لصاحبه.

هواجسها استبقت هواجسه، لم تكن تود مكافأة الغريب على صنيعه، ولو تحت تهديد السلاح الذي يتناوشه الصدأ، بقدر رغبتها في تعويض شيء من عجزها عن انقاذ شباب ابنها الفتي من القتل دون محاكمة.

احتجزته أيام ثقيلة في سأمها، رغم كرم الضيافة، أعادت إليه وحشة المعتقلات المتلصصة على الدنيا من خلال فتحة ضيقة ملاصقة لسقوف الزنازين المظلمة العالية، خاصةً عند مغادرتها في الصباح الباكر حتى أصيل الغروب، لا يصله خلالها سوى أصواتٍ بعيدة تتلاشى عند خوار البقرة المربوطة في الزريبة الخلفية للكوخ، أو ضجيج الديك ودجاجاته داخل قفصهم المركون إلى سورٍ طيني مائل كما لو كان على وشك الانهيار، كانت تلك الزريبة أو مخزن المؤونة ملجأه ما أن تطرق الباب إحدى أو بعض النسوة اللواتي يطلنَّ الجلوس على أعصابه لمواساة الأم المكلومة ما بين تأوهات وبكاء يعلو إلى النشيج من حينٍ لآخر، وتهامس حول المتسلل الجديد الذي تبحث قوى الأمن في البلدة والبلدات المجاورة عنه، غير مستبعدات تفتيش البيوت.

***

أوعزت إليه أن يمشي وراءها ذات فجرٍ نحو حوض شاحنةٍ يقودها صديق ولدها المقرَّب، دون أن تحاول سؤاله، بالإشارة طبعاً، عن الوجهة التي يسعى إليها، أوصد عليه بابه بسرعة ليواري عنه لمعان عينيها المغرورقتين بحنو الدمع وكفها المشقَّق يلوِح له بالوداع.

حوض الشاحنة المغلق قبرُ تبددت بعض ظلمته مع تمدد خيوط الضياء عبر تقاطعات أسلاك الشبابيك الصغيرة الغليظة، ود لو أن السائق يبطئ قليلاً كي يتسنى له استنشاق فوح الريف السابح بنقاء عبقه المتجدد عند كل صبح، مرَّت نظراته خطفاً على المروج الفسيحة، يجوبها إبكار الرعاة في السعي وراء أغنامهم، يرنو بعضها صوب البحيرة المذّهبة بإشراق الشمس، تختفي وتلوح لناظريه عن بعد بين مسافةٍ وأخرى، والحقول المسيجة بالأسلاك الشائكة للجمعية التعاونية شاسعة المساحة التي كان يعمل فيها ولدها مزارعًا بسيطًا، كثرت مشاجراته مع مراقب العمل، وصلت حدتها إلى مشرفي الإدارة، من ضمنهم كان الرفيق البارز في المجلس البلدي، اتهمه ومرؤوسيه الممجِدين عرق العامل والفلاح باستغلال النفوذ وسرقة حقه وبقية المزارعين من خلال بيع جزء غير قليل من المحصول لحسابهم الخاص في السوق السوداء و..... وتكفي حكاية مثل هذه لتفضي إلى ما وجده في انتظاره ما أن وطأت قدماه أرض البلد الغريب.

جثته كانت مسجاة إلى جانبه، حيث عاود الاستلقاء في جوف شاحنة نقل المحاصيل الزراعية الفارغة، شعر بها، بل عبرت أنفه رائحة الجسد المضرَّج بدمائه المتيبسة، تتوغله رطوبة الأرض الطينية، هدهدتْ وحركة السيارة مستمرة الاهتزاز جفنيّ الرجل المطارَد عبر كل حدود اجتازها، قادتا تذبذب غمضهما إلى غفوات اختزلت المسافات الفاصلة بين مدينةٍ وأخرى، لم يستكشف من أمكنتها شيئًا ولم يعرف عدد المرات التي توقفت فيها الشاحنة ولا فتراتها، داغمت عينيه شمس الضحى، بتسلط سطوع المصباح المنضدي في غرف التحقيقات السرية المظلمة، لدى فتح السائق الطويل الأشقر، منمَّش الوجه الخالي من أي تعبير، الباب الحديدي العريض، ترجل من الرحم المترجرج في صعودٍ وهبوط، بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه الخدلتين ما بين يقظةٍ ناعسة وذبالة حلم متقطع عند منحنى متفرع من سفح الجبل شديد الانحدار نحو المديتة دائمة الحركة، لم يعرف أنه سيضطر بعد عدة أشهر للاختباء داخل جحوره وكهوفه ومنخفضات أوديته، الغريب المتمرد على سياسة نظام الدولة، جزيرة الحرية التي سعى لأجلها طويلًا عبر مجاهل الحدود، يمر خطفًا مثل شبح في براري أحلامه المهزومة في وطنه البعيد.

بأسرع مما توقعت له عاد، يطارده حرس السلطة، تعثر بالأحجار المركومة فوق القبر الذي حفره، دون أن ينتبه له ولا إلى قبرها المجاور، ثم نهض سريعًا ليواصل ركضه عبر الغابة في درب العودة من حيث أتى، تمطره رشقات الرصاص من الجانبين.

***

أحمد غانم عبد الجليل

كاتب عراقي 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م