نصوص أدبية

نصوص أدبية

في فضاء ممر الحديقة

في فصل يضم كل الفصول

كانت روحي مشدودة

تتنفس بإيقاع صامت

في مزيج من الشعر، والتعرجات على بستان الفلسفة

وفي السماء قطع من غيوم بيض، عالية جدا

وعلى فمي مذاق قريب لحلاوة نهر خوز

وبهبات صبا

رأيتُ من صرفتُ ثلث العمر معها

تقتربُ مني

انتصبتْ امامي

وكان وجهها شعاعاً لؤلؤياً

–  صباح الخير

–  صباح الخيرات والمسرّات

تراجعتْ

خطوة الى الوراء

اخرجتْ كتابا من حقيبتها

–  ليس لدي من الوقت ما يكفي

ابتسمتْ

وكأنها تقول:

- انّ روحي تحفظ حقيقة قلبك....!

وبصوت هامس جاءت كلماتها

- اتوقُ إلى  النهار جميل

احن والقلب على فطرته، كانه في طفولته

غير ان الصدأ يعلو افكاري، فلم اعد اسمع نغمة الروح

–  سلامتك امسحي الغبار عن عينيك الواسعتين

ستتمخض الأفكار عن احساس، لن ينضب الخيال فيه

ولن يجف القلب، لا ولن تموت الطفولة

– هذا صوتك الشاعري بمخارج حروفه

ووقاره القرويّ الاصيل

اشكرك على كل حال

نظرتُ اليها وعلى محياها ندى قصيدة

– وددتُ لو تبقين معي....!

نتحدث كثيرا  ...!

انك النبع المتدفق بين اشجار روحي

وعلى كل جوانب الحياة التي احبها -

اعادتْ الكتاب الى حقيبتها الكبيرة

استرجعتْ انفاسها

وكأنها تقول لي:

استمتع بهذا الفضاء وكفى

تقدمتْ خطوة الى الامام

سارت ، وكادت حقيبتها الكبيرة تضربني

لكنها لامستْ كتفي

(وهي ضاحكة)

- اعتذر منك لقد مررت على الهامش ...!

اعتذر وانحني اليك

– طريقك الى القمة...وسبيلك الى النور

تابعتْ مشيتها

تضفر الخطوات ياسمينا

والنسيم الخفيف يداعب خصلات شعرها

***

حامد عبد الصمد البصري

بين الظاهر والمستتر ثمّة هرولة أضلّت السبيل

إيه... يا أنت

يا أنتم

يا أنا

يا نحن

يا من لم تدخر جهدا

إلا وأنفقته

لتشنّها

حربا لا رابح فيها

إلا متعة تبرق

فُيمَرّغ في الوحل

ضمير ظاهر يتبجح

وآخر يستتر خجلا

والمآل ذاته

لوح خشبي يبحث لبياض

اسموه كفنا

عن حفنة تراب تواري خطيئته

فآه يا هذا

أما تكتفي؟!

ارفق بحالك

إنك الإنسان

***

ابتسام الحاج زكي/العراق

 

طال بها الانتظار، لرسالة تصلها من الحبيب البعيد الذي سافر لبعض الوقت ووعدها انه عائد اليها ليتما فرحهما بحضور الأسرة والأصدقاء، كثيرا ما جوبهت بسؤال متكرر

- ما اخبار احمد؟ الم تصلك رسائلة ويطمئنك انه سيعود الى الوطن من جديد

- لا خبر جديد

- وما زلت تنتظرين؟

- احساسي يخبرني انه صادق وسيعود

- جميل ان تشعري بمثل هذا الشعور انت واثقة بنفسك، يا ليتني كنت مثلك

 ويطول انتظارها ويكثر طرح الاسئلة عليها وكل سؤال تشعر انه يصوب إليها محاولا النيل منها والقضاء على إرادتها وقدرتها على الانتظار

 أسرتها واثقة منها وتدرك ان ابنتهم تفعل الصواب وحين تعلم ان الانتظار لا يجدي فانها حتما سوف تغير المسار

 انها ناجحة بالعمل سعيدة مع الاسرة لها الكثير من الصديقات المقربات اللاتي تثق بهن وتتبادل معهن الأفكار والاهتمامات وحتى الزيارات، يتبادلن الزيارات ويرقصن ويستمعن الى الموسيقى والأغاني ويضحكن ساعيات الى قهر التوتر الذي يشعرن به جراء العمل والروتين والكلمات الطاعنة والتي لا تأمل بها خيرا ولا ترجو منها الشفاء

- عام واحد وأعود لنتزوج ويضمنا بيت ونكون أسرة وأولاد

 والعام يطول ويتعه العام الثاني والثالث دون ان يصلها خبر واحد يخفف متاعبها الأخذة بالازدياد

في عيد المرأة هذا العام كل صديقاتها احتفلن بالمناسبة السعيدة وتلقين باقات من الورد من الأحبة الا هي فلم تتلق الورد من الحبيب الغائب بل وصلتها باقات من صديقتها سامية واخيها منير وزميلها الصديق المقرب في العمل زهير، وهذا الاحتفاء يكفيها ليبين انها محبوبة ومعها من يفكر بها ويتمنى لها السعادة والهناء

فتقرر شيئا وتقول لنفسها :

نفسي اولا وسعادتي مع أسرتي ومن يحبني هي الأولى في سلم الاهتمامات

 ***

صبيحة شبر

29 فبراير 2024

 

بمحاذاة محكمة المدينة؛ يجْلسُ العمّ "عبد الله" على كُرْسيّ مُهْترئ، تآكلتْ أطرافه، وغاب لوْنُ قصَبِهِ الأصْفر.. المِخدّةُ الرّخْوَةُ في قعر الكُرْسِيّ؛ يستخدمها العمّ "عبد الله " كقطعة طريّة، ترفع عنه آلام طول الجلوس أوْ آلامَ "البواسير".. سيّان.. ! أمَامَهُ توجد طاولة صغيرة؛ تشرّبَها الصّدأ.. فتبرْقع لونُها وبدأتْ مادّتُها الأصلية؛ تتحوّلُ إلى قشور بُنّيةٍ؛ كثيراً ما تعْلَقُ بالأوراق المتواجدة على يمين وعلى شِمالِ الآلة الراقنة. تحت الطاولة؛ توجد مؤونة العمّ "عبد الله": وِعاءُ كاظم الحرارة؛ يحفظ قهوة اليومِ كلِّهِ.. عُلْبة بلاستيكية؛ متوسّطة الحَجْم، تحْرصُ زوْجتُهُ على مَلئِها بمَا تيسّر من الأكْلِ الخفيف.. حبّاتُ بيْض مسلوق، حفنة زيتون، وقد تستبدل الوجبة بشيء من الأرز اللذيذ الذي تُزَيّنُهُ دائما بأوراق الغار.. دُونَ أن تنْسى إضافة فطيرة أو فطيرتيْن – حسب الموجود – تلفُّهُما بعنايةٍ؛ في قطعة قماشٍ صغيرة، ناعمة.

عشرون عاماً والعمّ "عبد الله" يتعاطى هذه الحِرْفة.. يُدبّرُ بها قوت عائلته على امتداد الأسبوع.. يظلُّ يوم الرّاحة لديْهِ؛ هو يوم "الجمعة" أو فترات الأعياد الدينية والوطنية؛ حيث تكون المحكمة مُغْلَقة.

تعوّدَ النّاسُ عليْه.. وتعوّد هو على هموم النّاس.. وضعَ لهُمْ كُرْسِيّاً أحسَن حالاً من كُرْسيّه، إقتناه منْ محلٍّ لِبيْعِ الأثاثِ المُسْتَعْمَل.. يتناوَبُونَ على الكرْسيّ كُلّما قصَدهُ أحدهُمْ؛ من أجلِ كتابة طلَبٍ أو تحْرير رِسالة، أو تقْديم شكوى.. وما أكثر أنواع الطّلَبَات.. ! أمّا الشكاوى فقد فاقت كلّ التّصوّرات.. ! دعاوى الطلاق والحضانة ومُنازعات الإرْث واعتداءات شباب المخدّرات وسط الأحياء الشعبية والسرقات وغير هذا كثير..

**

على أنغام الآلة الراقنة..

أصابعُ طويلة، نحيلة، حفظتْ أماكن الحروف.. فكأنّها تتراقص فوق الخانات بانسيابية لافتة، صوتُ ضغط الأصابع على الآلة الراقنة؛ يسكنُ أذُنَيْ العمّ "عبدالله"؛ يسْتَشْعِرُهُ نغَماً فريداً؛ يُلازِمه حتّى وهو في البيت.. يَفْرِكُ أُذُنَيْهِ وكأنّه يأْبى أن يختلط ذلك النغم بضجيج أهل الدّار.. العلاقة الوشيجة التي ترْبطه بهذه الآلة؛ جعلتْهُ مُدْركاً لِخباياها، عالِماً بمُكوّناتها الدقيقة وجزئياتها؛ حتّى أصبح هو منْ يُصْلِحُها كلّما أصابها عُطْلٌ ما؛ مهما كلّفَهُ ذلك من السّاعات.. يتفقّدُ خانات الحروف حرْفاً حرْفاً، يمسح ما علق بيْنَها من الغبار بريشة ناعمة؛ يحتفظ بها منذ سنوات مع أشيائه الأخرى داخل محفظة جلدية قديمة؛ تعود لأكبر أبنائه الذي توفي عرض البحر في قوارب الهجرة؛ صُحبة جماعة مِنْ شباب الحيّ.

**

نحيبُ الورق..

كانا خارجيْنِ من المحكمة؛ بعد أصبوحة ضاجّة، قضَيَاها بيْن المُرَافعات وبيْن مكاتب الإجْراءات؛ حين سمعا صوتَ ارتطامٍ قويٍّ، مصدره الشارع.. هرْولا إلى المكان ووراءَهُما جمعٌ كبير ممن سمعوا الصوت.. عقدَ المشْهَدُ الألْسِنة.. أوراق متطايرة في الهواء.. بقايا آلة راقنة مُبَعْثرة هُنا وهناك.. قهوة جارية على الطريق بعد أن تحطّم وعاء كاظم الحرارة.. رغيف خبز اختلط بالتراب.. طاولة عجنها الارتطام.. مِخَدّة تناثر صوفها فوق شُجيْراتٍ تُحيط بالمحكة.. أصواتُ المارّة تعلو: "يا لطيف! يا لطيف! يا الله.. أين العمّ عبد الله.. أين.. ؟" عيونٌ زائِغة، لا تستقرُّ على شيْء.. ينْظر "هاشم" إلى "عبد الودود" وكأنهما يتساءلان عن مصير الرّجل.. يلحق بهما القاضي "معاذ " ثم القاضية "حكيمة" ومساعِدتها السّيدة "نجاة".. تتدخل الشرطة لِفكِّ الاخْتِناق المروري بعد أن وصَل الإسْعاف. سائق ُمتهوّر في حال سُكْر؛ يتسبّبُ في كل هذا الهلع.. يحكي شهود عيان؛ أنّهم رأوا السائق يسوق بسرعة جنونية، ثمّ انفلت منه التّحكّم في السيارة فقفز فوق الرّصيف وارتطم بالحائط الخلفي ِلمُلْحَق المحْكمَة. ويحْكي شاهدٌ أنه رأى العمّ "عبد الله" قبل الحادث ببضع دقائق؛ يُساعدُ مكفوفاً على اجتياز الطريق؛ بعد أن ترك أحد زبائنه إلى جانب طاولة الكتابة، وأوصاه بالانتظار قليلاً ريثما يوصِلُ المكفوف إلى الوِجْهة الآِمنة..

**

ومع القدَر.. لا ينْفعُ الحَذرُ..

عندما رأى الزّبونُ انزلاق السيارة فوق الرصيف؛ جرى - دون تفكير- في اتّجاه الحائط؛ لكن قبل أن يصل؛ دهستْهُ السيارة وارتطمت بالحائط، ولم يعُدْ بالإمْكان رؤية شيء؛ سوى الدماء المرشوشة هنا وهناك.. صُرِعَ الزّبون.. ونجا العمّ "عبد الله".. ! إلّا أنّهُ ورغم نجاته؛ سيظلُّ أيّاماً تحت وقْعِ الصّدْمة..  كان يبكي حظَّ الزّبون "رشيد" الذي تعرّف عليْه منذ سنة؛ حين قصده لكتابة شكوى من أجل مُلاحَقة حقٍّ مسلوب.. جمعتْهُما أُلْفة جميلة؛ جعلتْهما يتشاركان قهوة العمّ "عبد الله" كلما سنحت الفرصة باللقاء. "رشيد" عامل بسيط في ورشة تلحيم الأنابيب لدى أحد الخواصّ، قضى أكثر من نصف عمره في جمْع النفايات والمُخلَّفات داخل أكياس كبيرة، ثم حمْلها إلى داخل شاحنة الورشة؛ حيث يتولى السائق توصيلها إلى ورشة أخرى للرّسْكَلة. تمضي السنوات و"رشيد" بين النفايات؛ سعيدٌ بعمله؛ إلى أن توفي الحاج "صالح"؛ صاحب الورشة.. خلَفَهُ أحد أبنائه مِنْ زوْجَتِه الأولى.. تغيّرَالنّظامُ القديم.. وتغيرتِ المُعاملة مع العُمّال.. وكأنّ الوافد الجديد؛ أراد أن يتخلّص من كل الوجوه القديمة؛ فبدأ يفتعل الأسباب ويُمارس ما تنوّعَ من الضغوطات؛ حتّى وصل الحال بالعمال إلى المُجابَهة؛ ثم الاحتجاج؛ وهو ما سيزيد من عناد صاحب الورشة؛ فيبدأ في اقتطاع أجرة أيامٍ من الرّواتب.. وقدْ يلجأ إلى درجة الطرد من العمل؛ دون تقديم تعويضات؛ في الوقت الذي كان فيه الحاج "صالح" يربت على كتف العامل المريض؛ ولا يمسُّ فِلْساً من راتبه؛ بلْ يُرْسِل إليْه ما تيسّرَ من المُساعَدَات.. فِعْلاً.. شتّان بين هذا وذاك.. ! غادر "رشيد" الورشة بعد أن اشتدّت العداوة بيْنه وبيْن مرْؤوسِه؛ ولسُوءِ حظه؛ كانت المُغادَرة خِلالَ فترة صَبِّ الرّواتب. طالبَ بحَقّه، تشاجر مع المُحاسِب، بلغ صُراخُه الطابقَ العُلْوي حيْث المكتب الرئيسي لصاحب الورشة، ليجد نفسَهُ في الأخير بين أيدي حَارِسيْ أمْنٍ؛ يجُرّانِه خارج المكان.. عاد في اليوم الثاني للمطالَبة بحقّه، أبْلغَه الحارس – وهو يتأسّف - أن صاحبَ الورْشة غادر لقضاء العطلة مع أولاده في بلاد أجنبية. اكتفى "رشيد" بالتعليق: " لن أترُكَ حَقّي للُّصوص.. " يومَها تعرّف على العمّ "عبد الله" ؛ أشهَرُ كاتب على الآلة الرّاقنة في المدينة.. أفْضى إليْه بما يشْغَلُهُ.. طمْأنَهُ العمّ "عبد الله" بِاسْتعراضِ تجاربَ مُماثلة، طال على أصْحابها الأمَد؛ ولكنهم في الأخير؛ رَبِحوا حُقوقهمْ فارْتاحتْ قلوبُهُمْ..

**

نورُ الجبّة السوداء..

عندما نصحه العمّ "عبد الله" بتوكيلِ المحامي "هاشم"؛ تردّد "رشيد" في البداية، ثم رضخ في الأخير خاصة لمّا عَلِم بأنّ هذا المحامي؛ يُنْعَتُ بأنّه "مُحامِي المُسْتضعَفين" وأنه يكتفي بمبلغ زهيد تّجاهَ أتْعابه؛ بلْ وقدْ يستغني عن أخذ الأتعاب تماماً؛ حسب أحْوال ُموَكّلِه. عُرِف في المدينة كلّها بالسِّيرة العَطِرة.. كان نبيلاً، شهْماً، مُحْسِناً، مُسْتَجيباً لِمنْ دعاه، متواضعا تحْت جُبّته السَّوْداء، لا يهُمُّهُ سوى تأدية الرّسالة التي اعْتبرَها دوْماً نُوراً يُثَبّتُ ميزان العدالة في دهاليز الظلم الإنْساني بعديد أشكاله.. شاركَهُ زميله في المهنة؛ وصديقُه في الآنِ ذاته؛ نفس الأخلاق العالية؛ إنّه "عبْد الودود" الذي أحبّهُ كلُّ مَنْ تعرّف عليْه.. يدْخُلانِ تِباعاً؛ قاعة المرافعات بالجُبّتيْن السّوْدَاوَتيْنِ وفي ضَميرِ كلٍّ واحدٍ منْهما؛ نُصْرة المظلوم ليْس إلّا. كانا يُلْقِيان التحية على العمّ "عبد الله" وهما في طريقهما إلى مرآب السيارات ويستغلّ العمّ "عبد الله" اللحظة القصيرة؛ للسؤال عن قضايا بعض زبائنِه المُقرّبين – فهُوَ مَنْ كتَبَ الشكاوى لهمْ - أصْبح يحْمِلُ همّهُمْ؛ ويستعْجلُ أنْباء الفرَج وتباشير الفرح.. إنها أنوار الإنسانية الأخرى.. تشِعُّ مهْما كانت الدّهاليزُ مُظْلِمة.. يكتفيان بابتسامة الواثق ويُتابعان سيْرهما..

مثْلَما كان العمّ "عبد الله" يبكي حظ الزبون والصّديق "رشيد " الذي لمْ يمُرْ وقتٌ طويل على فوْزه بالقضية.. كان يبكي حظه العاثر الذي أفقدَه مصدر رزقه: الآلة الراقنة.. الخسارة كبيرة.. يُضافُ إلى ذلك الشعور بالذّنْب؛ وهو ما أتْلف ما تبقّى منْ أعصابه.. فكثيرا ما كان يُردّد جهْرا وسرّاً: " لماذا طلبتُ من الرّجل أن يظلّ إلى جانب الطاولة.. لماذا.. ؟ لماذا.. ؟ ساعدتُ إنسانا وتسبّبْتُ في موْتِ آخر.. !! " تُحاولُ زوْجتُهُ ُموَاساته فتُكرّر: " لا تلُمْ نفسَكَ يا رَجُل.. أجلُهُ أخذَهُ.. لا دخْلَ لكَ في تحْديد ساعة موْته.. "

ينْتبهُ المُحاِميانِ الشّابّانِ إلى طولِ غياب العمّ "عبد الله"، فيلْجآنِ إلى الاسْتفْسار عن أمْرهِ.. يعْلمانِ سُوءَ حاله، فيهْرعانِ لتقْديمِ ما ُيمْكِنُ من المُساعَدة : يُحْضِرانِ آلةً راقنةً جديدة، وطاولةً وكُرْسييْن رَفيعيْنِ، وحُزْمة أوراق بيضاء، ثمّ يمْنَحانِهِ مبْلَغاً مالياً؛ لسَدِّ بعض حاجاته. يدبُّ الأملُ من جديد.. تبدأ الأصابع الطويلة في ُمداعبَة الحُروف.. يسْتبشرُ أصْحابُ الشكاوى بعوْدةِ العمّ "عبد الله" إلى حِرْفتِه..

**

شكوى النّزيف..

تفاجأ العمّ "عبد الله" هذا الصباح ِمنْ تواجُدِ زبونٍ صَغير؛ ينْتظرُ دوْرهُ مع المُنْتظِرين.. "عدنان"، التلميذ النجيب بإحدى المدارس الحكومية الرائدة؛ يتقدّم بخطواتٍ واثقة بعد أن حان دورُهُ.. يُقَدّمُ دَفْتَراً أنيقاً مكتوباً بخطّ اليد إلى العمّ، يطلُبُ منه إعادة كتابة مُحْتَواهُ بالآلة الرّاقنة.. قبل أن يتصفّحَ العمُّ "عبد الله" الدّفتر؛ يسْأل بِاسْتغرابٍ الزبونَ الصّغيرَ: " ما هذا يا بنيّ؟ " يُمرِّرُ "عدنان" أصابعه الرّقيقة على جبينِهِ؛ يتأمّلُ الدّفترَ وهو بيْن يديْ العمّ؛ ثمَّ يجيبُ بصوتٍ مُنْخفض؛ وكأنّه لا يودُّ أن يسمَعَهُ أحدٌ من المُتواجِدين:" كلّفَتْنا أستاذتُنا "نصيرة" بضرورة عرْضِ نشاطٍ إبْداعي جماعي؛ تزامُناً مع اقتراب نهاية الموسم الدّراسي، فاتفقْتُ مع بعْضٍ مِنْ زُملائي على أن يكون نشاطُنا عبارة عن نصٍّ مكتوب بالآلة الرّاقنة، وبعد كتابته؛ سنُصوّرُ نُسَخاً منه؛ نُوزِّعُها على الحاضرين يوم عرْض نشاطاتِنا.. " ابْتَسَمَ العمّ "عبد الله" وهو يُعَقِّبُ على طلبِ الزّبونِ الصّغير:" إعادة كتابة كل هذه الصفحات؛ يتطلّبُ الكثير من الوقت.. ها أنت ترى طابور أصحاب الشكاوى.. لا أستطيع تلبية طلبِكَ يا بُنيّ. " بِرَجاءٍ عظيمٍ وحمَاسٍ كبير؛ أوْضحَ الزَّبونُ الصّغير؛ أنه سيترُك الدّفترَ للعمّ لمُدّة أسبوعٍ أو أكثرَ، وأنّهُ باستطاعتِهِ أن يكتبَ وهو في بيْته أثناءَ العوْدة مَساءً.. هزَّ العمُّ "عبدالله" رأْسَهُ اسْتِحْساناً للفِكرة وهو يُقلّبُ صفحات الدّفتر دون أن يُركِّزَ على المكتوب، ثمَّ اقترح على الصّغير أنْ يتفقّدَهُ بعْد أسْبوعٍ كاملٍ. ابْتهَج "عدْنان" وغادرَ المكانَ وفي مُخيِّلتِه أشْياء وأشيَاء..

ليْلاً؛ يحْتسي العمّ "عبْد الله" شايَهُ المُعْتاد، ويُجَهِّزُ آلتَهُ لنقْلِ ما في الدّفْتر.. تعْظُمُ دَهْشَتُهُ وهو يقرأ الخطوط الأولى.. يُبْعِد أصابعَه ُعن الآلة، ويُتابعُ القراءة.. يتملّكُهُ شعور مُفاجئ، يتصاعدُ التّشويق.. يتزايَدُ الانْبِهار.. يُغادِرُ الكُرْسِي ويَتمدّدُ على لِحَافٍ صُوفِي وأمامَ عيْنَيْه؛ تشهَقُ الحُروف شهْقَتَها الأخرى.. يقرأ.. ويقرأ.. :

بينَ ذرّاتِ التُّراب وحُبيْباتِ الحصى البيْضاء، بيْن توْقيعاتِ الرّياح وتجاوِيفِ الصّخْر، بيْن تسبيحات النُّجوم وهُتافاتِ النّسَمات.. على كل ورَقة شجَر، ومع كلِّ حكاية فجْر، أبُثُّكَ شكوايَ جدّي.. ! أعْرِفُ أنّ رُوحَكَ الطاهرة كانتْ تُحلِّق في سماءِ بيْتنا القديم؛ يوْمَ أنْ كان لنا بيْت.. ! نحنُ في العَراء جدّي.. ومع ذلك؛ نسْتشعِرُ رُوحَكَ في هذا العَراء تطوفُ بِرُؤوسِنا، تُقَوِّينا، ترْحلُ معنا فوق ألواحِ الشّتات؛ لِتنْقشَ لحظات الموت بعطر الدّم المهراق.. أبُثُّكَ شكْواي يا جدّي بعد أن ضاقتْ بيَّ السُّبُل.. بعْد أن ضاع منّي كل شيء في الوقت الذي أصبحْتُ فيه "أنا" كلّ شيء.. ! في كل زاوية يا جدّي؛ تتناسَلُ مُوسيقى جنائزِية؛ تعْبُرُ إلى تُخومِ الروح الهاربة مِنْ شظايا المشهَد الرّهيب.. أتْرابي.. يا جدّي؛ نهشتْ أجسادَهُم الطرية مخالبُ كلابٍ مسعورة.. أتْرابي قطّعَ أوْصالَهُمْ منْشارُ الحِقْد الأعْمى.. فقدوا الرِّجْل، فقدوا اليَد، الوُجوهُ مُشوّهة.. الأضلاعُ مُهشّمة، الحروقُ شبِعَتْ من الجلود، النّدوبُ أوْجعتِ القلوب.. أبُثُّـــكَ شكواي يا جدّي.. منذ مدّة؛ قتلوا والدي، اعْتقلوا إخوتي، اليوم؛ فجّروا رأس أمّي وهي تسِيرُ بيْن الخراب، كانتْ تحْمل كيساً من الرَّغيف لِنِسْوَةٍ ثكالى؛ احترقتْ أكبادُهُنّ أمام أغلفة بلاستيكية؛ حَوتْ جثامينَ أبْنائِهِنّ.. لم تعدْ لهُنّ رغبة لا في الطعام ولا في الحياة.. اكتفيْنَ بالإنزواء والشكوى إلى:"الله".. الأنقاضُ يا جدّي؛ تسْتغيث.. تصْرخ..  حُبْلى بأشلاء العِباد، المَخاضُ يشتدّ.. رِفاقٌ فوق الأرض؛ يُحاولون الدخول تحْت الأرْض، يعلو الصراخ، تلفظُ الأنقاضُ بعْضا من الأشْلاء، ويظلُّ المَخاضُ يأكلُ الأنقاض.. ! ويظلُّ الرّفاقُ في بحْثٍ مُتعاقب عنْ بقايا.. رفاق.. !

أبُثـكَ شكواي جدّي.. مساميرُ الغصّة تنْدكُّ في حلْقي.. أبْحَثُ عن بلدي داخل بلدي.. أبْحث عن رائحة أمّي، عن مِسْبحة أبي، عنْ أحلام إخْوتي.. أبحث عن شجرة الزيتون يا جدّي.. نهبوا ميراثي.. صادروا طفولتي.. طمسوا بريق الحياة في صدري.. ولكنّهمْ لا يعلمون يا جدّي؛ أنَّهُمْ لن يتخلّصوا منّي.. ! أنا الصغير.. سأرْميهم بالطّوب، بالرّمل، بِلَعْنَة الأنْقاض، بهدير الرّعْدِ، بأشباح الليل، سأسْكُنُهُم ولن يعرفوا مكاني.. سأعيش بداخِلِهِمْ؛ أزْرَعُ بذور الخوف في جُبٍّ أوْهامِهِمْ.. أجدّدُ فتيلَ الحريق في عُقْر صدورِهِمْ.. أُطْفئُ السّراج في أدْغال أحلامِهِم..

قتلوني ألف مرّة؛ يا جدّي.. ولم يهْزِموني.. أتمسّكُ بأرْضي.. بصوامعي.. بقداسة المكان.. بشهادة التاريخ.. بحَكايا الثوار البواسل، بأهازيج ليالي النصر القادم.. أبثُّكَ شكواي يا جدّي.. أجفِّفُ دمْعي بين قبور أحِبّائي، وعلى كلّ شاهدة قبر؛ أكتب كلمتي الأخيرة:  " أنا على العهْد.. باقٍ.. يا جدّي.. ".

إمضاء: عدنان الجزائري على لسان "طارق" الغزاوي.

لم يكنْ بالمُسْتطاع نسيان هذه الشكوى؛ فقد أثّرتْ في العمّ "عبد الله"؛ إلى درجة أنّه احتفظ بنسخة منها بعد أن سلّم النسخة الأصلية للزبون الصّغير.. كان الحفل بهيجاً؛ تعانقت فيه الأعْلام.. واتّحدتْ فيه الأحلام.. ونجحت الأستاذة "نصيرة" في غرس القضية الفلسطينية في عقول تلاميذها وهي تُعْلِنُ الفوز الكامل لفريق "عدنان" بالميدالية الشرفية أمام جمهور غفير؛ كان من بين الحاضرين فيه؛ القاضية؛ "حكيمة" باعتبارها الصديقة المقرّبةُ للأستاذة "نصيرة. " وكانتِ المفاجأة الأكبر؛ دخول العمّ "عبد الله" ومعه المحاميان: "هاشم" و"عبد الودود" بعد أن دعاهُما العمُّ لمُرافقتِه؛ إثْر حصوله على إذْنٍ خاص من مديرة المؤسّسة التّرْبوية.. تكلّفَ ثلاثتهم؛ بإلصاق مجموعة من نُسخِ "شكوى النّزيف" على جدران القاعة والساحة.. ووزّعوا قُمْصاناً بألوان وطنية وأخرى فلسطينية على الفريق الفائز..

***

شميسة غربي / سيدي بلعباس / الجزائر

مع النّسيم

الشّمسُ تتأرجح

على حَبل قلائد النّعناع

قلائدُ النّعناع ظلالُها تيجانٌ

تيجانٌ تنُوسُ على المرمر

مرمرُ فِناءِ بيتِنا مُشَعْشَعٌ

مُشَعشعُ الأريج

*

في الرّكن المُقابل

جاثمًا ينتصب بَرّاد الشّاي

على الكانون

الكانونُ مُتوقّد الجمرات

أمام بيت المؤونة

أمّي جَذلى تغنّي

تغنّي وتراوح الماء بين الأواني

أواني النّحاس والبلّور

فتسّاقط قطراتُ الزّهر

قطرةً

قطرةً

*

أمّي

أمُّ الرّبيع تُقَطّر الزّهرَ

تُهديهِ قواريرَ قواريرَ للأهل

للأحبابِ

أكبرُ القوارير

تملأها تمامًا تمامْ

لحَفيدِها الجديدِ

هذا العام .

***

سوف عبيد - تونس

 

في اللاشيْ كان يغور، يبحث عن شيء لايعرفه بالضبط، وما مر في مخيلته، ولازاره كومضة كامره تخثر اللحظة وتحنطها، فقط يبحث عن شيء في اللاشيء.. ماهو.. ؟

-لا ادري.. !

- أدري انك لاتدري، مثلما اعرف انكَ لاتعرف.. !

- ومن أنا.. ؟!..

- حين اعرف من اكون، ساقول لكَ من انتَ...

وراح يواصل البحث، يلتقط الاشياء، يتأملها، ويرميها وسط الماء.. تتسع الامواج وتتصادم في صراع واشتباك.. تخرّ بعضها صريعة، والاخرى تستمر بالاتساع، والنهر يزمجر لاحتدام الامواج.. ويحسب الامواج الراكضة وهي تتنسابق..

واحد، اثنان، ثلاثة، اربعة، خمسة.. إلخ

بعدها، يقلد الموجة الرابحة، قلادة من محار..

ويعاود الجريان والابتلاع والتثائب.. !

رحت اساعده بالبحث والتنقيب، وأنا الاخر لا أعرف عن منْ أبحث.. !

ووجدته يصرخ بي:

هذه بقعتي لاتزاحمني عليها.. هيا انصرف وبسرعة..

قلت: أين هي بقعتك وهي لاشيء.. !

قال: بل هي شيء في اللاشيء..

قلت: وهذا صحيح،

واعتذرت له رابتا على كتفه، فتطاير الغبار الكثيف من فوق كتفه المتهدل..

حينها، إبتسم بفرح غامر وراح يطارد الغبار محاولا الإمساك به

ويردد:

شكرا لك.. شكرا لكَ

هذا ما كنت ابحث عنه.. !!

***

د. جودت العاني

24 / 2 / 202

 

ـ ملامح، شقائق، خواطر وأجنحة ـ

من يخشى على الحَمَل

لا يكون إلى مائدة ذئب.

*

ما الشأن أن تسبرَ غورَ عتمة

ولا تخرج شمسٌ ولا حتى شمعة؟.

*

الفضيلة

أقصى ملجأ الجهل

والرذيلة

أيضاً

إنتحار علني.

*

جناحُ مآلٍ أخير

مخالب، أنياب كثيرة*

وخطوات طفلة.

*

الحياة

بمقاسِ ما الموت

يسمح.

*

كلُّ جهة

ولا جهة؟.

*

مرّات

تقول وتضحك

مرّات

صخرة

ومرّات

قلب حبق.

*

ريح

تصيبُها صدفة وصدفة

وصدفة.

*

القصد

أن تسمع عيناه أيضاً

القصد

أن ترى أذناه أيضاً

الإصغاءُ جذور

والفكرُ زهور.

*

"العصيان

كثيراً هو صوتُ الذين

لا صوت لهم".

*

أنا آكلُ ـ أنا حي

مثل أنا أفكّر ـ أنا حي؟.

*

رجل دين

علمتُ منه كيف خُلِق الهرّ*

قال: أعربتِ الكائنات

وهي في سفينة نوح

فراراً إلى الحياة

لنبيِّ الله نوح

عن خوفِها الشديد

أن يقرضَ الجرذُ حبالَ السفينة

فأمرَ الله نوحاً أن يضرب بيدِه "خيشوم" الأسد

ولمّا فعلَ

عطسَ الأسدُ وخرجَ القِطُّ

من رأسِه.

*

رجل دين آخر

سمعتُه في برنامج تلفزيوني

يقول إنّ الإمام كرّم الله وجهه

كان برفقته الصحابي الجليل

في وادي النمل ـ

وأين هو وادي النمل، يا فضيلتك؟

لم يذكر ـ

كان النمل في الوادي بالمليارات

قال الصحابي ناظراً بعجب: يا سبحان محصيها

قال له الإمام ـ

وشخصيّاً لا أدري من أين تأتي مثل هذه الأخبار ـ

لا، لا تقل سبحان محصيها

قلْ جلّ أو سبحان باريها

والذي نفسي بيده إنّي أعلمُ عددَها

وأعلمُ عدد ذَكَرِها من أنثاها

ويقول له المحاوِر:

وماذا يفيد أن نعلم عددَ النمل في وادي النمل

وعدد ذكرِها من أنثاها

ولو كان النبأ صحيحاً: لماذا لم يعلم

وهو عِلمُ اللهِ عزَّ وجلَّ وحده

أنّ ابن ملجم آتٍ بسيفِه المسموم ليقتله؟.

*

لا بدَّ من موسيقى

لكي تنجبرَ العظام.

*

الأنبياء

سيقولون أنّه حرّ

والصغار

سيقولون أنّه كافر.

*

كلُّ طريق:

المُنير، الصخريّ

المهجور، القريب، البعيد*

وبيتُ القصيد

مُغلَق.

*

مع الفجر

مع النسائم

مع زيتونة تُصِرّ

مع أسراب طيور إلى أُلفتِها

وهو إلى غربته.

*

العاصفة

من كلِّ اتّجاه

بالأوراق، بالرمل

بالسمك.

*

الأجواء تُستباح ـ

أناس كثر يتدافعون.

*

الهجرة

مورد مالي

لا بقرة للذبح.

*

في

ذهابِ وإيابِ

خيبةِ صدفة.

*

الميْت أم الحيّ

هو الذي نجا؟!.

*

لا إنفجار

إلاّ من ضغط.

*

الأسف

هو هذا الأسف.

*

السياسة الإقتصاديّة

وليس النظام الإقتصاديّ؟

أنت نمله وأنا فيل

فماذا تعمل؟

وأنا سمكة وأنت حوت

فماذا أعمل؟.

*

زمانُ

عبادةِ العجل

الذهبي

أيضاً.

*

"فرسانُ الهيكل

من القرون البائدة

كانوا ـ عسكريّاً ـ

نوعاً من أعلى

صنوفِ الكلابِ

الشرسة".

*

فالمسألة

هي في أوطان

والمواطن

يريد فيها كرامة

بالمساواة

في الحقوق والواجبات

إسمحْ لي وأنتَ صديقي

أن أختلف معك

إذا الوطن يضيق*

أنا معك بعزّةِ نفسِك

ولكن أن تكون مخاصِماً

لفكرة الدولة المدنيّة، العلمانيّة

والمجرَّبة كنظام حكم

في كثير من بلدان العالم

بإيجابيّة

ولو بأشكال دنيا

فإسمحْ أن لا أوافقك

ليست المسألة شخصيّة

بل المسألة مستقبل وأجيال مقبلة

حقّها أن تعيش عزيزة، حرّة، كريمة.

*

والناس

وحدهم قائد مخلّص.

***

شوقي مسلماني

انام واحلم

بزمرد وبفضة بيضاء

وبغزلان وايايل

ترعى في السهل

الخصيب مبتسمة

وبعنادل تغرد

قرب تلال من

الكرستال واليشب

لكن الالم الالم

في خاصرة الزمان

جعلني اكتب

سيناريو احلامي

المقبلة وان اوقد

شموع الامل الاخضر

والبهجة الخضراء

في  خاصرة  الالم

منتظرا عنادل

البرق وعصافير

قوس قزح الصباح

والشفق الازرق

لتغني مع الايايل

والغزلان والكراكي

في وطني الحزين

اغنية ا البرق

واغنية المطر .

***

سالم لياس مدالو

فيوضُ الروحِ عَنْ روحٍ تَناءَتْ

ومِنْ بَشرٍ إلى بَشرٍ تهادَتْ

*

فكَمْ سَمَقتْ رؤانا في عُلاها

وجابَتْ فوقَ أنوارٍ تَلاقتْ

*

فؤادُ الصَبّ مَسْكونٌ بوَجْدٍ

توجّدَ كلهُ والنارُ قادَتْ

*

سَكبْتُ الروحَ في أنْهارِ أدْري

فكمْ جَهلتْ وما حَذقتْ وغابَتْ

*

وما حَمَلتْ رَسائلها لذاتٍ

إليها غادَرتْ روحٌ وتاقتْ

*

أ يُمْسكُها ترابٌ دونَ ذنبٍ

ويَقهرُها بأوْجاعٍ فطارَتْ

*

بأنوارٍ تَجَلتْ ثمَّ تاهَتْ

على سُفحٍ مِنَ التِسْآلِ دامَتْ

*

أراها شَعْشَعتْ , فِكراً أضاءَتْ

فأوْقدَتِ النواهيَ واسْتهامَتْ

*

أعانقُ عَرْشها والمَوْجُ يُطمى

فأغرقُ في بحارٍ إسْتقادَتْ

*

هيَ الدنيا وَميْضٌ مُسْتعادٌ

فهلْ بَقيتْ لواحِدها وطابَتْ

*

تحرّرْ مِنْ ترابٍ لا يُبارى

سَيأكلُ كلَّ شيئٍ كيفَ دارتْ

*

أسامِرُها وحُبّي حَتفُ قلبي

وأنْساها وروحي ما أصاخَتْ

*

عَجائبُ قدرةٍ مِنْ كُنهِ ذاتٍ

تُزَعْزعُها الهواجسُ فاسْتجارَتْ

*

ورُبّ خطيئةٍ برَزتْ كحَقٍّ

تبرّرُها النوازعُ فاسْتكانَتْ

*

تقدّم أيّها المَسْكونُ فينا

بواعدةٍ عَناصرها تآخَتْ

*

تُعللنا المَنايا قبلَ حَيْنٍ

بمُنتقلٍ مَرابعهُ تناجَتْ

*

فنسْعى في مَناكِبها نِياما

ولا نَدري بما فَعَلتْ وشادَتْ

*

لنا يَومٌ وأيّامٌ بغيْبٍ

تعاضدها النوازلُ فاسْتباحَتْ

*

مَرَرْتُ بها على أقوامِ باقٍ

ولا أدْري لماذا إسْتفاقَتْ!!

*

تُعلمُنا الخطوبُ جراحَ هَمٍّ

وتَنكرنا إذا وفدَتْ وغارَتْ

*

أجالسُ عَرْشها والروحُ كَلْمى

بنفسٍ عنْ مَساوئها أشاحَتْ

*

أفاضَتْ مِن جنانِ الشوقِ قطراً

يُساقي مُهْجَةً طربَتْ وآبَتْ

*

حنينُ الكونِ في ذاتٍ تَعتّقْ

فأسْكرَ خلقها والروحُ هامَتْ!!

*

على مولايَ مِنْ ألمٍ أنادي

فهلْ أُسْقى بأنوارٍ تَهادتْ.

*

سَمِعتُ صَريخها في جوفِ أرْضٍ

وأمْعنتُ التفكّر فاسْتراعَتْ

*

عَليمٌ عارفٌ كُنهَ انْطلاقٍ

وإبْحارٍ بدائرةٍ أدامَتْ

*

فلسنا مثلَ أحْرارٍ كخلقٍ

تقيَّدْنا بجاذبةٍ أبادَتْ

*

فسَلْ عنّا طيوراً في عَلاءٍ

إلى عَرْشٍ بساميةٍ تبارَتْ!!

***

د. صادق السامرائي

 

إذا استعصت بأيـــــدينا نذودُ

فما قد كان يدريه اليهــودُ

*

بـ(خيبرَ) يشهد الأعداء يوماً

بهِ هُدَّتْ بصمصامٍ ســــــدودُ

*

بهِ بابٌ له العشرون ضعفاً

بكفٍّ واحدٍ هُـــــزَّ الحديدُ

*

فسالتْ أنحرٌ عاثتْ ضلالاً

وآذتْ أنبياءً حتى يحيدوا

*

ولكنْ كلُّـــــــــــهمْ ظلّوا ثباتــــاً

على دين السَّماء .. وهم أبيدوا

*

فهل بعدَ الحقيقةِ كانَ شـــــكٌّ

وهل غيرَ الإله حوى الوجودُ!؟

*

لنا في الله عهدٌ لا يضاهى

وعهدُهمُ بهِ شــانتْ قرودُ

*

إذا قلنا ســنمحوهم جميعاً

نخافُ ﷲَ.. يكفينا الصّمودُ

*

نقاتــلُ بطشَهمْ ليلاً نهاراً

ولن نلوى.. لنا يوماً نعودُ

*

نؤذّنُ في المنائر عند (قدسٍ)

لـــــــــــه صلّى بقبلتهِ الحميدُ

*

(مُحَمَّدُ) خاتمُ الأديان منهُ

تعالـــى للسَّماءِ هو الوحيدُ

*

وعادَ بليلةٍ ضمّتْ زمانـــــــاً

على المسرى المبارك لا تعودُ

*

إذا يُجلى عن (الأقصى) يهــودُ

ففي التَّحريـــــــــــر أعراسٌ وعيدُ

*

لذا نبقى إلى (الأقصى) نصلّي

وعنهُ دائمــــــــــــــــاً إنّا نذودُ !

***

رعد الدخيلي

تعالي

لنتعلم النسيان

لننّسى أننا يوم التقينا

نتجاهل ذكريات الأمس

نكره عطرَ تعرقنا

نتناسى شفاهنا الرطبة

الاتزال رطبة من فرطِ

القبل.؟

ونحن نصطاد القبل قبلة قبلة بسنارة اللهفة

ننتهز اول أبتسامة لنمضغها

طازجة.

تعالي لننّسى الحب كما

نتناسى

النكبات التي توالت على خد الوطن صفعة صفعة

من أول الطغات

لآخر الغَزَاةٌ

علنا نفلحُ بالنسيان.

***

كامل فرحان حسوني - العراق

في سمعي يَهْتِفُ بي هاتفْ:

يــــــاولدي: (غَــزَّتنا) نازفْ

*

وعِقَــــــــالُ الفِسْقِ بِمَعْقَلِهِ

يَعتَـــــــقِلُ الفِكْرَ المُتكاتِفْ

*

وعِمَــــــــــامَتَهُ في طَيَّتِها

زُنَّـــــــار أبيهِ المُتَحـــالِفْ!

*

ظَــلَّتْ.. وأظَــلَّتْ.. وأعـاقَتْ

(وعْـــيَاً) بظلامٍ ومَخَاوِفْ

*

أَلْقَـــتْ وتَخَلَّتْ عن دِيـــنٍ

لِتُدِينَ بفتواها (مُخَــالِفْ)!

*

فاصْدَعْ ياولدي.. ماتُــــؤْمَرْ

واعْرِض عن نُظِمٍ... وطَوائِفْ

*

والْجِـــمْ نَعَــرَاتَ سياستِهِمْ

كي تُخْمِدَ عُنــفاً... وقــذائفْ

*

واقْتَـصْ مِنْ ظُـــلَّام العَصْرِ

كي تُنْــهِ الظُــلْمَ المُتضاعِفْ

*

ما وَطَّـــــأَ رأس عُروبتِـــــنا

واقتـــــادها بَعْلٌ... وزواحِفْ

*

إلا زُعمــــاء بني بَطْــــــحٍ ...

و(مَدَالـــيز*) الثَّوْبِ الـزائِفْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي - اليمن

18/5/2024

........................

* مَدَاليز: مفردها مدلوز / عامية تعني المُخَنَّث... وهنا كناية عن الذين يزعمون أنهم رجال الدين بجميع أصنافهم...

جلست يوما

أتفيأ بظل نصب الحرية

وأقرأ في كتاب "العبودية"

عن كيفية صياغة أحلامي المتأجلة

منذ أعوام

وأنا أصر على المشي

على حافة المنفى

أتوكأ على عصا مرخية

كلما جرفتني رياح الغربة

أحمل خطواتي فوق بساط التيه

*

فر العمر

وتركني أغازل فقاعات

على وجه ساعة متوقفة

داخل جيب سترتي

*

ها أنا الآن أهاجر

مع أوراق الخريف

وتحت ابطي مفاتيح المدينة العتيقة

وباقة من زهور ذابلة

*

مالذي سأفعل

بمخالب قطة وديعة

تجلس معي

في قاع المنفى

وما معنى أن تحرضني

سيدة مسنة

على مداعبة الأرانب السوداء

*

وعندما تراخت

الظلمة البهيمة

على مناكب الأرض

وتدلى الصدى

من أجراس خرساء

كانت أحداقي

تتشظى

وتعتلي فراغ الأمسيات

*

لعل في نباح الكلاب

ما يشفي الخيول الجامحة

في قافلة تخلت عن ركبها

*

هكذا تبقى الحياة

مجرد كلبة ذات جراء

متعددة الأعراق

*

وأنا لم أزل أحفر في تضاريس عائمة

على أعتاب العمر

أمرغ سحناتي الشاحبة

في تجاعيد الزمن

وأعاقر ما تبقى من نخب الشيخوخة

*

كنت أظن أن الحرية

نعمة من نوع آخر

فوجدتها سوى ورقة يانصيب خاسرة

تحتضر في سلة المهملات

*

كأني شبح ثمل

في حانة مهجورة

روادها كالزنابير

يتدربون على التحليق

خارج السرب

ويرقصون على نقرات

الطبول الأفريقي

أشجار الخروب

تطل من شرفات

مغروسة في الخواء

والظهيرة

مكتظة بناس

يتنكرون بمنامات بهلوانية

*

أنا الآن في سن

أصبحت فيه كعصفورمنبوذ

يتسكع خارج القفص

***

بن يونس ماجن

غدا؟

غدا !

وبتُّ أُخاتل ليْلي

أُقشِّر وجْهَ الشَّمسِ

من الغسقِ

يُقلِّبني طيفُه

على فراش الأرقِ

يُذكي ضِرامَ الصَّبِّ

يٌمزِّقُني

ثمَّ على مهلٍ

يَرتقُ مِزقي

حتَّى رقَّ لحالي اللَّيلُ

وَنهَرتْه عينُ الشَّفقِ

طرتُ له

كما النُّور من الحِدقِ

مَلأْتُه منْ حُميَّاي

وامتلأْتُ به

وَ في لجَّة عينيْه

سَكبتُ وهْج الشَّبقِ

***

زهرة الحوّاشي. تونس.

من مجموعة وميض الماء.

يقولون ،

أن الصقيع

تلاشى

وعلى أعتابه جاءَ الربيعُ

يحمل بصماته

ويسمع وقع اقدام هؤلاء الرقيع ..

مملؤة بالوحل، أشكالهم

نراها ملطخة بالنجيع ..!

**

وحين السؤال..

لِمَ كلَ هذا الهراء الشنيع..؟

لماذا المواسم ظلت جحيماً

تعاني نزيفاً ونسفاً وعصفا..؟

يجيبون ماذا ترانا نراها

فكل الذي جاء بعد هذا الهجيع

نذير تعالى

أن يديم الزمان رهانه

على مذبح الحقد والكره

حتى غدونا نسيرُ سيرَ القطيع..!

وتهنا

وتاهت بنا اقدامنا في متاهاتها

وظلت تواري سوءات

هذا المسار الوضيع..

**

يقولون هب ، ان الصواري

غدت في مهب الرياح طلاسماً للنزوح..

وماجت بها كل تلك الدروب

وتلك السفوح..

ثم انتهت مهجعاً للخلاص ..

وحارت بلاغات هذا الزمان الكسيح

ألا ترون النهار الذبيح..؟

وكيف نداوي الجروح..

بتوصيفة

النسف والعصف ورشق الرصاص

كأن العوالم باتت خواء وجدبا..

واحكامها في الحق

ماتت من القهر حد القصاص..؟

**

يقولون،

ماذا ترانا نقول ؟

نقارب الهوس المشبع بالنزيز وبالغبار..

من يبرح الفجر المدمى كلما طلع النهار..؟

ونقول ماذا ترون؟

هم يحرقون طقوسهم

ويصبون زيت النار في جوف الغيارى..

ويزهقون العابرين على الطريق

ويفر الناسُ جمعٌ في العراء حيارى..

ماذا يحل بنا لو ان بارقة

تداعت خلف هذا الهول من وهج الحريق..؟

ماذا تراه على الوجوه وجومها

تلك النقوش تحولت

نغماً يضاجعه النعيق..؟

نشروا المهازل والرذائل

والمزابل والرقيق..

وكأنهمُ يمشون كالموتى ولا أحد يفيق..!

(2)

واقول للجمع المدمى

لا ترتجون النصح من فقد المحبة والحنين

زفوا لهذا العمر صرخات السنين

شدوا سواعدكم ، فوق الركام وعند قارعة الطريق

فأن ملحمة الخلاص تصاعدت نغماً عريق..(*)

***

د.جودت صالح

22/كانون أول 2023

..........................

 (*) من وحي مقولة لفيلسوف اليونان الحكيم "بطليموس" حين سأل زوجته (ألا ترين ، أن العالم فاسد الذي نعيش فيه، لا كما نريده أن يكون)؟

التاريخ يسخر منا

والجغرافيا تنحسر

تتحول إلى مجرد كأس قهوة باردة

على طاولة مهترئة

في مقهى طاعن في السّن

ونصف سيجارة في منفضة

قديمة

الأمر يشبه اليوم حربا على طواحين الهواء

دعوني أعلن تدمري بل تمردي

على شرائع الغاب ولغة الخساسة

دعوني أجهر بعقوقي لسادة الظلام

لمن يحكمون بناموس المواربة

وفرائض الاجْتراح و الخطيئة

دعوني أعلن عصياني على ضرائب

الشيخوخة وقانون نزع الكرامة

دعوني أصرخ في وجه جُبَاةِ المكوس

وحجز لزوم الدواء والغذاء

2

أعلم أن صوتي لن يخترق الأذان الصماء

وأن تسويق كلومي مجرد هراء

وتحصيل حاصل خارج السياق

لن تتحقق نبوءة عرّافة القرية

لن تغرد عصافير المساء

لن يَلجَ الجمل في سَمِّ الخِياط

وسأقف وحيدا في وجه العاصفة

أتلو مزاميري

أرقص كديك مذبوح

أشعل شمعة سوداء

أحرق عود الصندل

وأستحم برحيق الصهيل

3

أقيم صلاة الجائع

عند الربية الخضراء

تلبسني فقاعات الاهتراء

تلسعني صفاقات التلاشي

أخرج من حلقة التكرار

أكتشف أن الحزن قدري

وأن لون قمري معتكر

رِفقا بي يا غيم المساء

دع ضراعتي تصل السماء

فأنا مالي صبوة ولا جهالة

والفجر يشهد لي أني ما كنت يوما

من الأشقياء

***

محمد محضار

كانت تحاول أن تحرك لسانه فيتكلم، يحكي، أن يستفرغ ولو قليلا مما يكتم ..

تسأله وكأنها تستشيره في بعض أمورها أو أمور تمس مستقبلها معه حتى لا تحسسه بحرج مما عنه يتكتم .يحاول ثم يتراجع، يطبق شفتيه، يتنهد بغصة حارقة..صمته لا يزيدها منه الا خوفا ..

تعلقت به لأناقته ولباقته، مظهره الذي يعكس أكثر من ميزة كأنه يتعمد إخفاءها رغم أن كلماته القليلات منه كثيرا ما كانت تفضح جذورا أصيلة، ثقافة ووعيا ..

تتعمد أن تشجعه على أن يلمس يدها، أن يبقي على احتضان كفها بين يديه، دون أن تسحبها أو تبدي اقل معارضة، كانت تلاحظ نوعا من غيبوبة تسرقه عنها كلما لمسها، تستغرقه دقائق وكأنها ترحل به بعيدا عنها، عن كل ما يحيطه ويجمعها به، يضغط على يدها كأنه يتأكد من وجودها المتفاعل معه، إذ يخشى أن يفتح عينيه فلا يجدها أوعنه تتحول الى غير ما يعرفه عنها ومنه قد تأكد ..

مرة وقد التصقت عيونه بوجهها تفجرت مقلتاه دمعات ساحت على خديه، غمرتها فرحة داخلية تكتمت عنها حتى لا تشعره بحرج قد يثنيه عن الكلام ..

سألها : "ألا تجدينني ثقيل الظل ؟.."

بسرعة ردت : ابدا، أحترم صمتك وأعلم أن في أعماقك تجيش مشاعر حب نحوي تكفيني لأحضنك ومنها أستمد سعادتي .. منذ نظرتي الأولى اليك أحسست رغبة قوية لان أرتبط بك صديق عمل ثم مع الأيام صرت محور تفكيري، حبيبا بلا اعتراض اوتوجس من غد ..إنسان صادق في إنسانيته لاتنقصه الا بسمات تمحوهذا الحزن الدفين ألذي يطل خوفا مؤثرا من هذا الوجه الذي أحب ..

ـ أخشى ألا أستطيع ترتيب أفكاري، بالدقة التي تمنح حبيبتي الصبر على متابعتي، لذا فالصمت كان افضلية مني تبقى على اسراري، أما وقد أدركت رغبتك فقد عولت على الكلام ..

ـ يكفيني هذا الإحساس الذي يغمرني كلما وجدت نفسي معك، أنا لك بحقيقة أناي بكل قيمها ومبادئها الإنسانية ..

تقولها وأعماقها تتحرق لهفة لأن تسمعه، ماذا عنها يخفي و أعماقه بسرعة تتحول الى بركان حارق هادر يقاوم شرارات غضبه حتى لا تتأثر بها وعنه قد تبتعد ..

مرة أخرى تكويه دموعه على خده، يستل منديلا من جيبه وينشف به خده ..

تتابعه بقلق تتعمد أن تخفيه، حتى لا يتبدى الحاحا ورغبة فضول على وجهها ..

ـ "كان عمري عشر سنوات حين ماتت أمي وتركتني وحيدا مع أبي تخدمنا امرأة شابة كنت أناديها خالتي متوهما أنها كانت أخت أمي..

خالتي أبعدت عني كل ما يمكن أن يخلفه موت أم في طفل صغير، تغلبت على أحداث جسيمة، عميقة بقدرة صلبة تفل الحديد.. فالبيت هو البيت كما كان في وجود أمي التي لم تكن تتحرك فيه الا وهي تستعد للاستحمام أو في مناسبات تقام في بيتنا، فكسل أمي الذي فاجأ الجميع كان قد اورتها سمنة فاقت الحد، يعشقها أبي أو هكذا كان يتخيل لي أو يمثله في حضوري؛ كانت خالتي هي ربة البيت الحقيقية، أصغر من أمي وان لم تكن اقل منها جمالا ، أملود لينة تستطيع أن تخضع لرغباتها جميع من تتعامل معهم، بدلع طفولي أحيانا كأنها أحد أترابي أو اقل، أوعبر عيون واسعة ناعسة تنومها في اثارة لا ادري ان كانت بها واعية أوغير واعية، تمارسها مع أبي كما معي ومع أي ممن يأتي لبيتنا، كانت تلبي رغباتنا في البيت بسرعة وبسمات حب وإرادة لم نتعودها من أمي حتى قبل أن تسمن وتلازم سريرها ، كل ذلك في حرص على ألا يطلع على حقيقتها أي كان من افراد عائلتنا، قليلة الكلام لا ترد الا بمقدار السؤال، ولعل ذلك ما جعلها حاضرة البديهة بصفاء لايمكن أن يكشف دواخلها الحقيقية كما أن السحر الذي في عيونها هو ما تعوض به لسانها، فهي لا تنم أحدا أو تسمح أن يذكر أحد في حضورها بنميمة أو تتدخل فيما ليس مخططا في عقلها او تبدي تهافتا لكل ما قد يحقق لها منفعة وفائدة .. هكذا كانت تظهر لي أو تجاهد النفس لتبدو كذلك، سياسة لمواقفها الشخصية لتحقيق أغراض بكفاءة جبارة ..

أحيانا كانت الغيرة من سلوكها كاستحواذية على أبي تثير حولها اقاويل عائلية لكنها كانت لا تبالي ولا تشغل نفسها برد أو عداوة :

ـ "تظل الأقوال في فم القوالين كلمات واهية هم أول من يتلطخ بها "

كانت لأمي غرفة نوم تستغلها بمفردها ولأبي أخرى قريبة منها ليس بينهما غير جدارفاصل، غرفة نومي تقابل الغرفتين وجميع الغرف في الطابق الفوقي، كل غرفة لها حمامها الخاص بها، لكن كثيرا ما كنت أنهض صباحا فاجد أبي يستحم في أحد حمامات الطابق السفلي حيث غرفة نوم خالتي .. لم أكن يومها أدرك أن غيثة خالتي هي عشيقة لأبي، أشياء لم أكن أدركها بل لم تكن تخطر على بالي خصوصا وأن معاملة غيثة لامي هي معاملة حب وأخوة وحرص من خالتي أن تكون أمي سعيدة لا تقنط من حالتها ولا تسأم، وحرص من أمي أن تكون خالتي راضية بوجودها بيننا تتصرف وكأنها ربة بيت تنازلت لها أمي عن كل ما قد يغير نظام البيت، طقوسه وعاداته اليومية خصوصا أمام كل زائر من أفراد عائلتنا.."

يصمت ثم يتنفس بقوة كأنه يزفر ما يريد أن يتابع قوله، أو أنه يرتب أفكارا تتزاحم على عقله، أو ربما يختارمن بين ما يتداحس عليه من أفكار ما لا قد يثيرني أو يوقظ تساؤلات هو في غنى عن الرد عليها ..

ـ"كلما ازدادت أمي سمنة توثقت علاقة أبي بغيثة حتى أنهما ماعادا يشعران بحرج أن أضبطهما في أوضاع كثيرا ما ابكتني، لكن غيثة بقوة شخصيتها وديبلوماسيتها كانت تمحو كل أثر قد يجعلني افضح أمرهما لأمي ..

ـ حبيبي صالح، ربما لا تعرف اني وابوك متزوجان بعقد ورغبة من أمك التي كانت تصر على ألا يصلك خبر خشية على مشاعرك الطفولية، لذا ارجو حبيبي لاداعي لاخبار أمك بما رأيت..

" كنت أثق بأقوالها، أصدق كل ما تصبه في أسماعي وياتيني هدايا من أبي يغدقها علي من أموال لم تكن له وانما هي مما استحوذ عليه من أمي بمساعدة خالتي غيثة وإمضاءات مزورة لا ادري كيف كانت خالتي تغري أمي بتوقيعها ...

تموت أمي بعد عملية جراحية لشفط الشحوم أصرعليها أبي بإيعاز من خالتي، رغم شكوك الطبيب الذي كان يخشى على قلبها ...

وثائق كثيرة وقعتها أمي ليلة العملية بإغراء من خالتي والتي على إثرها وجدت نفسي بلا أم ولا عائلة، غصن مقطوع من شجرة، طفل لقيط ولد تني رذيلة من مجهولين، لا اصل ولا فصل، جنين في سلة قمامة أتى بي أبي الى البيت بعد يأس من قدرته على الخلفة، ورغم وجودي في دفتر الحالة المدنية أحمل نسب أبي فما تركته أمي موقعا بيدها كان الحجة القاطعة أني منذ اليوم الأول لوفاة أمي صرت نغلا بلا اصل ، وحدها خالتي غيثة تحمل عبء أمي حملها لكل ثروتها ..

ضمني أبي الى صدره وقال : لا شيء سيتغير أنت ابني وذي خالتك هي أمك، في خيرها كنا نعيش وسنعيش ..

حين خلت بي خالتي توهمت ضغطات عناقها ودمعاتها التمساحية حبا يحتويني ويعوضني أمومة عشتها سرابا وهميا من وضعي الذي فاجأني باكتشاف..

بعد خمس سنوات من موت أمي صار بيتنا يغلي بخصومات بين أبي وخالتي، كراهية تسير بينهما كدلال حقد وتنابز يجهدان النفس على ألا يصلني ..

سألت خالتي عن السبب ولماذا تغير حالهما من حب وتوادد الى كراهية حيث استقل ابي بغرفة أمي وعادت خالتي الى غرفتها في الطابق السفلي ؟

لأول مرة أرى خالتي في صورة لم أكن لأتخيلها ابدا أو تخطر ولو في حلم على بالي : عيون قدت من جمرولسان يرمي بشرر بدئء :

ـ اهتم بنفسك ولا تتدخل في ما لا يعنيك أو ألحقك بها ..

انكتمت بل أخرسني وجهها الذي بدا شيطانا وعيناها سماء رمادية تحلق داخلهما النسور .. رعب مفزع يساورني في يقظة ومنام ..

حتى أبي صار لا يحرك ساكنا في حضورها، وما كنت أستغرب له أنه صار يسمن كما سمنت أمي يتركن زاوية في البيت لا يتحرك منها الا بمساعدة خادمة أتت بها غيثة لتلبي مطالبه الضرورية لان منظره صار مقرفا وكما سمعتها تقول لخادمتها يوما :

ـ افعلي به ما تشائين ماعاد يصلح لعادة ولا لعبادة وعيناي لا تحتملان الوقوع عليه .، وليس لي وقت لذلك .

صارت تقضي يومها بين فنادق حمامات التجميل والسباحة وزيارات الصويحبات ..ومولات التقليعات الحديثة ..

حين أرادت يوما أن تصالحني أتى سلوكها مخجلا لا يليق بها كأنثى ربتني وعاملتها معاملة أمي ..انسحبت فارا الى غرفتي ابكي طفولتي التي انكسرت في لحظة وعي بوجود ما كنت أدري حقيقته من زيفه، وشبابي الذي تعاظمت فيه غربتي وقد صممت أن أعالج قهري بالصمت لان لا احد صار يستحق أن يعرف حقيقتي الى أن تعرفت عليك كأنثى تشاركني مكتب عملي، وفي نفسي تقذف صورا رائعة عن أنثى لم أعرفها في بيتي ولا في معاهدي الدراسية

يموت أبي بما ماتت به أمي سمنة مفرطة والمتهم بقتله أنا ..

ادعت غيثة أني مذ عرفت حقيقتي وأنا أحمل له حقدا، من أجل ذلك تم حبسي على ذمة التحقيق الى أن كشفت الأبحاَث الحقنة التي سببت سمنة أمي ثم أبي من بعدها وموتهما ..

صمت وكأن منه الصوت قد غار و ضاع، شرعت أصابعه تتحرك بعصبية وأنفاسه كأنها كير حداد تنفخ صدره فطواه ألم جعلني ابادر باستدعاء سيارة إسعاف ..

يومان قضاهما في عيادة لم افارقه فيهما وهو ما كشف علاقتي به بين أمي وأبي، كانت تمهيدا لأن يتقدم الى خطبتي وأن يعرف أبي حقيقته فيتبناها كمحامي استطاع أن يكشف سر خالته كخادمة لا تربطها بأبيه أية رابطة موثقة، تمكنت بذكاء أن تلعب دورا في حياته وأن تقتل أمه بتأييد من أبيه ثم تستولي على أبيه لتنفرد بثروة خططت لها وكان زوجي نفسه في الطريق ..

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب 

في خضم ما يحدث في العالم لا بأس من الرجوع إلى رواية "زغب الخوخ" ولو عبر هذه الفقرات.

***

حتى أن لسانا يشبهه همس في أذنه:

- إنك تريد أن تثير هيجان هذه الألسن لتسحب بطونها ناحيتك فتلتوي على خوختك الآمنة.

عندما أصر ولم يسحب لسانه دفعته تلك البطون بالقوة، ولم تتوقف عند هذا الحد، بل راحت تتحدث فيما بينها، فاتفقت على أن هذا اللّسان العربي الخبيث الذي تمكن فأسرى ليلا، قد يكون يخبئ شيئا خطيرا يمكن أن يلوث كل الخوخ في هذا الشرق الذي توسط واستعصى علينا، اتفقت أن تلاحقه في كل مكان.. أتعبها بعض الشيء، فقد قيل بأنه يختبئ وراء ألف وجه، ويتحدث بألف لسان، وقد شاع أيضا أن هذا من يخلص العالم من المكائد والشرور، حتى شاع بين البؤساء أن هناك نشدا من الصالحين يؤكد صحة هذه الإشاعة، إشاعة أحبّها الضعفاء والمهزومون والمقهورون في العالم العربي.

لكن تلك البطون التي تحالفت وشكلت أمما متحدة خافت أن يفتك منها زغب الخوخ الفائض بالماء والسكر، الطيع منه والمكره، والساذج الذي طفح بخيراته دون إرادة، وذاك العاجز عن استخراج خيراته من تحت وسادة رأسه، وكذلك أولئك الأغبياء المنتبهون جدّا إلى وعود القرية الصغيرة، خصوصا حرية الخوخ المسلوخ وحبوب منع التفكير، قرية أبو جهل التي يعرفها العرب، المنصة التي كان يعرض عليها أجدادهم جواريهم..

فعلا فقد تأكد أن من يشبه أبا جهل يسكن في بيت أبيض جميل، وتأكد أنه ينزح لإعادة بيت كان قد فقده منذ الأزل، وقد سحر الناس بلغته المشرشرة المنحدرة من حجرة غاشمة، حتى عرب قريش كفروا بلغة الله حين التوت هذه الحيّة حول جسد الجزيرة العربية.

ذهب بخياله إلى هذا المعنى، ثم جاء رويدا إلى واقعه المفروض وأخذ ينسحب تدريجيا من المكان، وهو يسير بطريقة خلفية إلى الوراء رأى العرب صرعى، وكالبركان يخرج من أفواههم سائل غازي سحري بلون اليابسة العربية ووجوهم فاحمة بالرذيلة.

رفع رأسه فرأى سماء غاضبة ملبدة بسحاب محنط لا يبشر بالمطر، وحشودا عربية تهرول بين أودية الدماء لا تدري أين تتجه، وأكثرهم يجرون لإدراك حفل دموي تحييه كوكبة من النجوم الزرقاء والخطوط الحمراء في تحالف جاهر بالمكيدة.

في فيحاء تكاد تشتعل من وهج النار صلى استسقاء للمطر كلما شعر بالعطش، لكن السماء لا تستجيب له، ربما كان عليه أن يغوص فيها غوصا تاريخيا قبل الصلاة، وكم هو مثير للأعصاب إذا جمع بين الشهوة والخشوع، ولأن له جهازا جنسيا يطغى على جميع الأجهزة، بدا كأي راغب يريد أن يصير آدم ليبني كيانه من جديد، فضل أن يُبقي عقله في جمجمة رأسه، وأن يرش روحه كل مرة بماء بارد فلا يترك من كيانه إلاّ نفسا منتصبة، تتأمل شواطئ الماء وشواطئ الشهوة كشكل من أشكال التمويه، ليرى أغصانا متدلية بخوخ مسلوخ يقطر من زغبه ماء حلو بنكهة العسل، تظاهر بأنه من جموع العرب المتلذّذين، وأنه يغض بصره عن شلّالات النفط المنهوبة، وإلّا كيف يرضي دول التحالف يا عين قلبي؟

السماء أمطرت غبارا أسود حزنا على الأبرياء الذين ماتوا وهم لا يفهمون ما يحدث، وقد كانوا من قبل يستطعمون الْحُب كما ينبغي، يعرفون الفجر كما يعرفون أبواب بيوتهم، وكم كانوا يحرصون أن يشهدوا أول قرن لشمس الحياة الجميلة كلما غمزت لتوقظ الكادحين والعصافير.. هكذا تفرح بهم قطرات الندى كلما استيقظوا باكرا، وهكذا كلما تستثيرهم إلى الحياة إذا تدحرجت على أكمام الورد الذي أباح رحيقه للنحل المخلص بالشفاء.

المتصارعون على الآدمية الغاشمة شرّدوا العصافير والفراشات، وأضافوا نصف ليلهم إلى نهارهم.. حجزوا المساء لأطفالهم، والياسمين وكل العشب الأخضر.. أرادوا الصباح لهم وحدهم.

يفعلون ذلك ولا يأبهون بمن انتخبوهم ومنحوهم السلطة ساخنة، أولئك الذين كانت تتقاذفهم الحملات السياسة هنا وهناك، يركلهم الجوع والعراء في صباح ومساء المدينة الطيبة، المساكن التي اتخذت من الإسمنت والقش والقصب قواقع لتحميهم من الأفاعي والزواحف الهائمة، ينامون في العراء ورغم ذلك لا يخافون من الموت كما يخافه هؤلاء المتصارعون، يتحسسون الموت حتى من الخربشة البسيطة فوق السطوح وتحت أسرّتهم وموائد أكلهم وشرابهم، هكذا لا ينامون نوما هانئا كلما تقوقعوا داخل قصورهم العالية، واستلقوا على أفرشتهم الحريرية، لأن قلوبهم تقطر بالسواد وتنبض بالفزع، يتنفسون الأكسجين الأحمر لأن عيونهم تتهيأ الذين ماتوا تحت جرّافاتهم المتوحشة، وهياكل الأبرياء كالأشباح تحوم في غرفهم لا تفارق أخيلتهم، عيونهم لا تهدأ من الترقب، وكلابهم في الحديقة الواسعة لا تسكت عن نباحها ولا تهدأ من حراكها.

ومع كل صباح يتفنّنون في قتلهم، لأنهم رغم النار والرصاص والسياط والماء الساخن خلدوا في نومهم، ولم يروا في أحلامهم سوى الورد والفراش، ناموا بلا حرص ولا كلاب ولا سهام تحصن محيطهم، هكذا ناموا على فراش رقيق وكثير من الرمل، لا يغطي أجسادهم إلا لحاف يتخلله كثير من الهواء البارد.. مطمئنون وراء باب مشقق يشدّه سلك واه.

يتوسدون أرغفة يابسة للصباح القادم، والصباح حلو مع قهوة سوداء، وأمام مدخنة تأكل آخر قطعة خشب تراهم يتزاحمون لاقتناص دفء البصيص الأخير، ثم يسارعون إلى أغطيتهم قبل أن تبرد أجسادهم النحيلة، هكذا يتسابقون وهم يلعبون ويمرحون، رغم أن الموت ينتظرهم على عتبة الباب المشقق.

وككل اجتياح المؤمنون متفرقون فرادى، يصلون صلاة الإستشهاء، يتمنون أن تتلبد الأرض بلحم رقيق يكسوه زغب كزغب الخوخ الطازج اللذيذ، متأهبة ألسنتهم دائما للعزف والمتعة، ويُحذرون الذين يقولون "لا" ألّا يرموا بأنفسهم إلى التهلكة.

***

عبد الباقي قربوعه

الطير غنت للسلام

وبالرثاء قصيدتي

ماذا تقول القوافي

حين تغرز الريح مخالبها بأعشاش الطيور

فتروح تندب

تستوقف الأشجار كما  كان أسلافي القدامى يفعلون مع الطلول

قد تبدو البوم سعيدة حقا

كونها في مقبرة تبدو مثل مدينة  تحيطها الأسوار

لا أحد يجرؤ على اقتحامها

وكل من فيها يبدون سعداء

إلا الزّوار يجشهون بالبكاء

وقد نسوا أنهم مثل  الطيور التي تغني للسلام تارة وتندب أعشاشها تارة أخرى

ما أضيق السراب اذن

وما أوسع الأرض اذا التوت بنظرة الوعيد

مادامت الديار لا تستغني عن الأبواب والنوافذ مثل القبور

ستظلّ تنسجها الرياح وتطمسها الرمال

حتى تظل الطيور تبحث عن اوطانها

وتظل القصيدة تبحث عن رجاء او رثاء

***

د. قصي الشيخ عسكر

 

مِنْ حِنْطَةِ الْأَشْيَاءِ يجْمَعُ بِيْدَرا

وَعَلَى وَصَايَا الْمَاءِ

يَنْقُشُ مَعْبرا

*

وَيَرُشُّ دَرْبَ الْعَائِدينَ بِدَمْعَةٍ

عَشِقَتْ صَلَاةَ اللَّيْلِ

كَيْ تَتَحَدَّرا

*

وَرَعاً يُسَبِّحُ بِانْتِظَارِ فَسيلَةٍ

بِعَفَافِهَا تَصْحو الضِّفَافُ لِتَسْكَرا

*

وَعَلَى الْقِبَابِ الصُّفْرِ

كَانَ شِعارُهُ:

مَنْ مَسَّ أَضْرِحَةَ الْعِرَاقِ تَطَهَّرا

*

قَصَدَ الْبِحَارَ

وَحينَ غَادَرَ عِيدَهَا

تَبِعَتْهُ أَحْلَامُ الْغُيُومِ لِتَمْطُرا

*

كَفَّاهُ كُوخٌ، يَسْتَجيرُ بِوَحْيِهِ

قَلَقُ النُّجُومِ إِذَا الضِّيَاءُ تَبَعْثَرا

*

شَفَتَاهُ آيَاتٌ،

تَوَطَّنَ فِيهمَا

أَجْرُ الْحُروفِ لِكَيْ تَحُومَ وَتُبْحِرَا

*

زنداهُ أَجْنِحَةٌ،

تَلوذُ بِصَبْرِهَا

سُفُنُ الرَّحيلِ إِذَا الشَّرَاعُ تَقَهْقَرا

*

هذي بِلَادُ الرَّافِدَيْنِ،

تُرَابُهَا يَفْتَرُّ نُوَّاراً، وَيَضْحَكُ عَنْبَرا

*

تَشْتَقُّ مِنْ غَبَشِ الْهُمومِ يَرَاعَهَا

وَتصوغُ مِنْ قَصَبِ الْمَوَاجِعِ دَفْتَرا

*

تهْفو مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ لِأَرْضِهَا

عِشْقاً مُذْ اصْطَفَتِ الحُسَيْنَ وحيدرا

*

مَنْ أَنْتَ حَتَّى تَسْتَخِفَّ بِقِبْلَةٍ؟

تَشْتَاقُهَا الْعُقْبَى،

وَتَعْشَقُهَا الذُّرَى

*

يَا طَارِئَ الصَّوْتِ اسْتَفِقْ...

فَلَأَنْتَ يَا...

صِفْرٌ عَلَى جِهَةِ الشَّمَاتَةِ، لَا يُرَى

*

للهِ يَا هذَا تحجُّ قَوَاِفلي

وَنَصَبْتَ لِلَّاتِ الْمُدَنَّسِ مِنْبَرَا

*

أَنَا لَا أَكيدُ، وَلَا أُلَوِّثُ غَايَتي

بِالْكُفْرِ، وَاللَّا كُفْرِ ضِدَّ مَنْ افْتَرَى

*

لَمْ أَهْجرِ الْإِنْسَانَ، تِلْكَ وَسيلَتي

مَا أَعْذَبَ الْإِنْسَانَ يَسْكُنُهُ الْوَرَى

*

مُذْ كَانَتِ الْأَكْوَانُ كُنْتُ حَديثَهَا

وَاسْمي عِرَاقُ الْخَيْرِ،

مَا اسْمُكَ يَا تُرَى؟

***

عبد الكريم الياسري

......................

* قصيدتي المنشورة في مجموعتي "حين يحتفل القصب"

الحليب ينز من آلة الساكسفون

ريش الموسيقى يتساقط من البلكونة

شكرا أيها البهلوان

حاملا إجاصة القلق واليوطوبيا

شكرا أيتها الراقصة

ستعبر باخرة المحبة بين نهديك

سيولد ناس جدد على الخشبة

تمطر المصابيح بالحنطة والذهب

أرقصي بجناحين من العسل

لتسعد الأشباح وتهتك جوهر الأشياء

ليقوم الأموات من المقابر

النساء يتسلقن  أحاسيسهن الوعرة

بجرار مليئة بأرز الشهوة

أخطف قبعة الضوء

يطاردني عميان كثر

خيول برية من  المتناقضات

قبل أن يطل وجه الحقيقة من البلكونة

قبل أن تسقط صخرة الرب

قبل أن تستيقظ الجثة في المبغى

قبل أن تمطر السهرة بالثعالب

سأفتح النار على الوراء

أرفو قميص الوجيعة

السهرة مترعة بالذئاب والمسدسات

بعيون أفاعي المامبا

بالقوارض والعظايا

أنا المهرج العبثي

صاحب الأقنعة الكثيفة

والسيف المصنوع من القش والغبار

السهرة مليئة بالمومسات والفيلة

الغراب يلعق دم الرهبان

لا تسدلوا الستار قبل دخول المطرب في سم الخياط

قبل سطوع القباطنة في الشرفة

قبل سقوط البرج  على كتف البهلول.

قبل أن يقفز  المايسترو من شجرة الجنون

حاملا إيقاعه الحار بين أسنانه

وبراهينه تثغو مثل شياه المجرة.

***

فتحي مهذب - تونس

 

خسران

تطحَنُ السنينُ نَضيرَ العُمر، وما تبقّى، يتلفّتُ ملتبساً، يَبحَثُ عن تَعويض.

**

ارتباك

كانَ يرىٰ أنّ للّيلِ فَماً، يَشتُمُ ما فَعلَ النَهار، ولا يدري، لأيّهِما يَنحاز.

**

تضادّ

إعذروا نَزَقي، فالأشياءُ التي لا أفهَمُها، هيَ أجمَلُ الأشياء.

**

جهل

السٰاعونَ الى الجَنّة، سيَخسَرونَ صِراطَهم، إذا ظنّوها في مَوضِعٍ آخَر.

**

مَسألة

الماءُ بلا لَون، بلا طَعْم، بلا رائِحَة، جُعِلنا منَ الماء، ما الذي تَغَيّر؟.

**

غش

لم أكُن مُبالياً، لماذا يَنوحونَ قُربي، جَميعُهم، كغِربانٍ حَولَ جثّة.

**

مُحترف

قفزَ يقبّلُ ظهرَ الراقِصَة، تُغَيّرُ الأعضاءُ مَوضِعَها، بعد عَمليّات التَجميل.

**

غرابة

أفكّرُ بالحُلولِ، الناجعةِ أحياناً، وأنا أنحَني علىٰ الحِذاء، أشدُّ الرِباط.

**

عذر

أمسَكتُ الفراشةَ، أبهَرَتني، لم تُغادِر، أحبّتْ دِفءَ يَدي، واستَشهدَتْ.

**

تطوّر

حتّى دموعُ الشُموعِ اختفَتْ، لم تَعُد تَحرقُ ذاتَها، لغَيرِها.

**

لاجئ

أحلامُهُ الوَرديّة، أركَبَتْهُ البَحرَ على قِطعةِ مَطّاط، أوصلَتْهُ الى فمِ قِرش، الحُدودُ في الأفق.

**

حماسة

حَمَلَ العالمَ على ظَهرهِ، وهو يَقرأُ في كتاب، خارجَ النافِذَة، لا أحدَ يعرفُه.

**

استبداد

حُكِمَ بالمَوت، فقد قرَأَ بصَوتٍ مُرتفع، شِعراً سياسيّاً، لشاعرٍ ميّت.

**

بلاغة

مددتُ يدي بالطَعام، لذلكَ الجائِعِ على بابِ المَسجِد، أمطَرَ الشُكرَ من عَينيه، بفَمٍ مُغلَق.

**

حرمان

في سِجنهِ الإنفرادي، المُعتم، كانَ نِباحُ الكلاب ، أعذَبَ موسيقىٰ.

**

عادل الحنظل

يومُ زَفافِ القَمر..

سَأولَدُ من رَحمِ الحُلم

أستَعيدُ نُجومِيَ المُحْتَّلة

هذهِ الأرضُ ليسَتْ طمُوحِي

لا أقبَل بِنصفِ السَّماء...

في مَهدِ الخَيال زَرعتُ وَطنَا

و هناكَ في البُحيرةِ المُقدَّسَة

سَألدُ عاشِقاً

يَرقُصُ على أهدابِ النَّخيل

يَرتشِفُ الضَّوء مِنْ شَفتَيَّ

نتَحوُّلُ إلى ذرَّاتٍ معاً

في غَفلةِ الهَواء

نَقبضُ على حُلمِ جلجامش

نصنعُ كَوكباً أخْضَرَ ..

شُهباً زاهِرة

وزَخارِفَ طائِرة

لَستُ أُنثَى..

أنا طيفٌ بلونِ المَلائِكةِ  يُناغِي ..

يشربُ الرِّيح

شُعاع  ماءٍ  يُعانقُ نَهدُ السَّماء

***

سلوى فرح - كندا

 

ليس للعتمةِ ظلٌّ وليس من ظلٍّ للنّور..

هو الحزنُ أشجارٌ تتفرع أغصانها بسراب الفرحِ.

ومثل سرّ أزلي يخترقُ الجدار ليذيبَ ثمارَ المحّارة، ويصوغَها حنينًا إلى البعيد، هذا الحنينُ يشدّني لظلّ روحٍ مازجت دمي تتفرّع منه ظلالنا ونعود بروح الكبرياء..

***

للنّفسِ من الكبرياءِ غابةٌ

تحرسُ أسرارَها العتيقةَ

فتستولي على كلّ لحظةٍ فيها

وتدّعي استقلالَها

الكبرياءُ قصيدةٌ

تنبتُ في صحراءِ اليأسِ

بعزمِ وجبروتِ الموجِ

لتطهّر أديمَ النّفوسِ من دمعةِ استسلامٍ

ومن بقايا صرخةٍ مهزومةٍ

كأنّها أضواءٌ تحتضنُ عِهْنَ الغرامِ

في ساحةٍ تمتدّ حتى أطرافِ السّماءِ

تعانقُ أفكارًا وثنيةً

تملؤها العتمةُ أحلامًا بيضاءَ

تغزوها الأوهامُ المخفيّةُ

تركضُ في السّاحات نحو الغرباءِ

ما أفظعَ الكبرياءَ خارج عقولِ الفلاسفةِ

أو قلوبِ الشّعراء

والكبرياءُ حبيبةٌ

كالنّجم في سماءٍ

وهي مرصودةٌ لآلهةِ الشّرقِ

ونفوسٍ تهوى المُلكَ

مستذكرةً إرثَ الفردوسِ المفقودِ

وللكبرياءِ نُدبةٌ

تختمُ في الأعماقِ جُرحًا عميقًا

كأسطورةٍ لديها كلُّ شيء

وأُخِذَ منها كلُّ شيء

في الكبرياء

تقولُ أمّةٌ أنّها ستعودُ في نسيجِ

التّاريخِ

تستعيدُ ماءَ وجهِها

وتُصلحُ الأزمنةَ الرّاحلةَ في معركتها

بين العزةِ والانكسارِ

والكبرياءُ حكايتي

حين التقيتُ بظلّي

تجاوزتُ فيهِ حدودَ النّورِ والعتمات

مثل قيثارة

تقطّعت أوتارُها

ما عادت تذكرُ من بقايا نغمةٍ

إلا ترنيمةَ الروحِ

فتعيد تشكيليَ من جديد.

***

ريما آل كلزلي

 

لم يظهر

في السماء

لمدة طويلة

القمر

*

قالوا مات

القمر

*

من قال ذلك؟

الذئاب

الضباع

العناكب

بنات اوى

والثعالب

وحتى كلاب

الحراسة

صدقت

ما قيل عن موت

القمر

*

وقالوا رايناه

يحترق

وراينا

عينيه

وذراعيه

يحترقان

ولا يقوى على

الحركة

ولكن انا

والعصافير

واطيار

الحمام

لم نصدق

ما قيل عن

موت القمر

*

وذلك لشدة

محبتنا له

وذات ليلة

جميلة بهية

ظهر القمر

*

بهالته السمحاء

الجميلة

قالت يراعة

انا احب القمر

*

وقال عندليب

القمر نور عيني

فيما هربت

الذئاب

الضباع

العناكب

والثعالب

مخذولة

مخذولة

حزينة

حزينة

صوب

جحورها

لظهور

القمر

***

سالم الياس مدالو

 

لَمْلِمِي خَطْواتِكِ المُضْطَرِبَةْ

مِنْ دُرُوبِ الأمنياتِ الخائِبَةْ

لَمْلِمِيها

واَبْعِدِيها

عن مطبّاتِ يَدِبُّ الحزنُ فيها

مَرِّرِيها

فَوْقَ أَرْضِي

فأنا أَرْضِي لها مُبْتَسِمَة

وبإيقاعِ خُطاها حالِمَةْ

وَهْيَ تَدْرِي

إنّها أنهكها الوقتُ

وأَضْنَتْها رؤىً مُرتَبِكَةْ

كُنْتُ أَدْعُو

و بِرِفْقٍ كُنْتُ أَرْجُو

لَمْلِمِي خَطْواتِكِ المُشْتَبِكَةْ

مَعَ أوقاتٍ يَشِيعُ اليأسُ فيها

لَمْلِمِيها

واُشْطُبِيها

مِنْ تقاويمِ سنينٍ حالِكَة

لَمْ تَكُنْ تَسْمَعُ ما أرجو

وإنِّي

دائمُ الخوفِ وأخْشى

أنْ تَهِبَّ الرِّيحُ يوماً

ومهبُّ الرِّيحِ يبقى

غامضَ التأثيرِ دوماً

فمتى تَسْمَعُني،

مِنْ دونِ ضِيقْ؟

ومتى تُخْبِرُ  روحي:

إنّها تُدْرِكُ مِثلِي

ليسَ للرِّيحِ صديقْ؟

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن – أستراليا

مــا  لــلأشاوسِ فــي اللذَّاتِ قد مَكثوا

وفــي  حِــمَانا يَــعيثُ الــقملُ والعُثَثُ

*

إلـــى مــتى وضِــباعُ الــليلِ تــنهشُنا

ونــحنُ نَــنْظُرُ حــتى يَــنضَجَ الحدَثُ

*

مــالي  أراكــمْ وجــساسٌ غــدا أمــلاً

بــهِ جــميعُ كــبارِ الــقومِ قــد شَــبِثُوا

*

نَــمْ يــا كــليبُ فــما فــي تغلبٍ رجلٌ

عــنْ أخــذِ ثــأرِكَ كلّ القومِ قدْ رَبَثُوا

*

فــفي الــمنامةِ رهــطٌ قــيلَ منْ عَرَبٍ

لــم  يبقَ في ضَرْعِنا مِنْ حَلْبِهمْ رَمَثُ

*

بِــضعٌ وعــشرونَ والأهــواءُ ظاهرةٌ

فــي كــلِّ أمــرٍ تــفانى القومُ وارْتَبَثُوا

*

عــنــهمْ نــأى ثُــلثٌ يــهوى صــهاينةً

ولــلأعــاجمِ يــســعى دائــمــاً ثُــلُــثُ

*

بــاقــي الــجماعةِ لا قَــولٌ ولا عــملٌ

الــنــومُ يــغــلبُهُمْ قــد مــازَهُمْ خَــوَثُ

*

ألــقابُهم لــمْ نَــعدْ نَــحصِي لــها عدداً

أقَــلُّــها  رُســـلاً لــلــناسِ قــد بُــعِثُوا

*

أو  نِــصْفُ آلهةٍ في الأرضِ موطنُهمْ

مــن  قــبلِ آدمَ تِلكَ الأرضَ قد ورثوا

*

هَــمُّ الــرَّعَايا بَــعِيدٌ عــن تَــصوُّرِهمْ

الــحُــكمُ يَــشْــغَلُهُمْ والــمَالُ والــرَّفَثُ

*

نــدينُ نــشجبُ أقــوى مــا ســنسمعُهُ

إلــى مــتى يَــستَمِرُّ الــهَرْجُ والــعَبَثُ

*

لــقــد قُــتِلنَا ومــا اهــتزَّتْ شــواربُهُمْ

بــلً خَــلْفَ قــاتِلِنَا منْ رَكضِهمْ لهَثُوا

*

فــكــمْ سَــلَكْنَا بِــحَاراً سَــهلُهَا خَــطِرٌ

وخــانَــنَا الــرِّيحُ والــملاحُ والــرَّمَثُ

*

فــي غــزَّةِ الــعزِّ إخــوانٌ لهمْ ظُلِموا

الــموتُ  يــحصدُهمْ والــفقرُ والغَرَثُ

*

أطــفالُ غــزَّةِ مِــثلُ الــغَرْسِ قد ذَبُلُوا

هــلْ  مــرَّ بــالجوعِ فــردٌ مُتْخَمٌ فَرِثُ

*

ونــســوةٌ  فـــي  خــيامِ الــذُّلِّ لاجِــئَةٌ

قــدْ  بــاتَ يــطعنُ فــيها التافهُ الخَنِثُ

*

يــاغــزةَ الــعزِّ لا تَــشْكي لَــهُمْ ألــماً

لنْ يسمعَ الصوتَ جِسمٌ ماتَ أو جَدَثُ

*

كمْ  حُرَّةٍ صَرَخَتْ في سجنِ مُغْتَصبٍ

لــمْ يــسألوا أبــداً عــنها ولا اكــترثوا

*

لــو أنَّ عــاهرةً فــي الليلِ قد سَقَطَتْ

هَــبُّوا لــنجدتِها فــي الــحالِ مــالَبِثُوا

*

هــلِ الــعُرُوبَةُ أمستْ مَحضَ عاجزةٍ

قــد بــاتَ يــكْلؤُها الأخــيَافُ والرِثَثُ

*

كـــمْ  أقــســموا أنَّــهم يــحمونَهَا بِــدَمٍ

لــكــنّــهمْ  بــيــمينِ اللهِ قـــد حَــنِــثوا

*

كــأنَّــهمْ خُــشُــبٌ مــاتتْ ضــمائرُهمْ

لــمْ  يَــستجبْ ســمجٌ مِــنهُمْ ولا دَمِثُ

*

مَــنْ يَــأْمَلِ السِّلمَ من صهيونَ معتقداً

بــأنَّهمْ عــنْ حــلولِ الــسلمِ قــدْ بَحثوا

*

فــعــقــلُهُ  دونَ شـــكٍ فــيــهِ عَــائــقةٌ

فــمــا يــصــدِّقُ إلاّ الــهُــبْلُ والــلُّوَثُ

*

الــســعيُ  لــلــفتنةِ الــبــلهاءِ غــايتُهُمْ

فــكــلَّمَا أُطْــفِــئَتْ نــارٌ لــها حَــرَثُوا

*

الــلٌّــؤْمُ  شــيــمتهمْ والــغدرُ دَيــدَنُهُمْ

و كــلَّــمَا عــاهدُوا عــهداً بــهِ نَــكثُوا

*

إنْ  قــالَ مــنهمْ كَــذوبٌ قــدْ نُــصَدِّقُهُ

إنْ لــلعجائزِ عــادَ الــحيضُ والطمثُ

*

إن  تَــذْكُرِ الــفُرْسَ تُصْبِحْ خائناً دَنِساً

عِندَ  الذِّيُولِ التي مِنْ ضَرْعِهِمْ رَغَثُوا

*

لاتــأمنوا  الــفرسَ فالأطماعُ حاضرةٌ

تَــغَلْغَلُوا فــي بــلادِ الــعُرْبِ وانْفَرَثُوا

*

لاتــأمنوا  الــفرسَ فــالأحوازُ تُخْبِرُنَا

عــلى  جــرائمِهِمْ قــد تَــشْهَدُ الــجُثَثُ

*

مِــنْ  ألــفِ عــامٍ نُــعاني مِنْ سَفَالَتِهِمْ

الــحــقدُ  يــسكنُهُمْ والــغلُّ والــدَّعَثُ

*

لا تــأمنوا الــغربَ فــالتارحُ يُــخبِرُنا

هُـــمُ الــذيــنَ لــهذا الــسُّمَ قــد نَــفَثُوا

*

يــا  قــومُ نــطلبُ أحــلاماً مُــزَرْكَشَةً

أمَّـــا  الــحــياةُ فــفيها الــبُرُّ والــغَلَثُ

*

مَــنْ  ظَــنَّ إنِّــي بــقولي كنتُ أقصدُهُ

كــانَ اعــترافاً صــريحاً أنَّــهُ الخَبَثُ

***

بــقلم: عــبد الناصر العبيدي

..............................

المفردات

رَبَثَهُ عَنْ حَاجَتِهِ: حَبَسَهُ، مَنَعَهُ، صَرَفَهُ عَنْهَا

الرَّمَثُ (1): بقيَّةُ اللَّبَن في الضِّرع بعد الحَلْب

ارْتَبَثَ القومُ: تَقَرّقوا

الرَّمَثُ (2): الطَّوْفُ، وهو خَشبٌ يُشَدُّ بَعضُه إلى بعض ويُرْكَبُ في البحر

الغَرَثُ: أَيْسَرُ الجوع؛ وقيل: شِدَّتُه

الفَرِثُ: الشَّبْعان

رِثَث: جمع رِثّة  الرِّثَّةُ:سَفِلة الناس وضعفاؤهم

اللُّوثُ جمع الأَلْوث، وهو الأَحمق الجبان

الدَّعَثُ: الدَّعْثُ: الحِقْدُ. والمطلبُ.والثأرُ.

الغَلَثُ: الترابُ المتلبدُ والحَبُّ الأَسودُ يخالطُ البُرَّ ونحوَه.

 

توقظ حواس الفجر ليتوضأ بشروق لهفتها، فتزيح بصيص العتمة من أجفان الحلم، كي تدثر قرفصة الجوع بحذافير همتها، وحتى تتطاير شراهة الجوع من أحشاء الحرمان، تشعل خدود التنور بكل ما أوتي كبريت اصابعها من أنين جمر، فتغازل شهية الطين دردشة الشجر بحفيف مشاعر: حطب ..حطب، لتستعير تمتمة الاشتعال من سومرية التنهد قبل ان تستأذنها الشمس لتنسج حياء ظلها بشغف الصباح، تُريق دموعها خُمرة تلذذ على شحوب سلالات القمح وتدوف قلبها خبزا بطعم الإنتظار، فتنسكب طفولة الروح بسملة لقمة، تفوح نبضات حنين من عباءة التعفف، كي تضئ مقل الجوع برائحة الشبع. فيا جدة النخيل وأم سعفات برحية الطلع، كلما أصغي لشجن أناملك وهي تردد عبق رغيف شبع خير من عشرة بغصات القحط؟؟، تدندن خفقات أمومتي :آآآهٍ ..آآآه من صبر عشق عشتاري السحنات، لا يبلى بتنور الوجع!!.

***

إنعام كمونة -  أديبة وناقدة عراقية

عند المنحدر في متنزه تحيطه الأشجار الممتدة حيث الفناء الخلفي لبركة تتدفق منها المياه وتسبح فيها الطيور، كانا يسيران على مهل ويتحدثان، وبين آونة وأخرى، تتشابك ايديهما ويتابعان سيرهما، وورائهما صغيرهما يداعب كلبه فوق العشب الأخضر الذي تزينه أزهار شقائق النعمان البرية، التي ظلت على حالها دون ان ينال منها احد.

كان يسأل نفسه بعض الأسئلة البليدة، كما اعتقد أول الأمر.. كيف اجتمع هذان المخلوقان الجميلان، وأي صدفة جمعتهما معاً ؟، وتوقف عند كلمة الصدفة؟ وكيف تحدث، ولماذا تحدث.. وهل تحدث تلقائياً ؟ وهل تأتي في شكل إقرار لكي تتشكل الأشياء عند حركتها، بغض النظر عن ملابسات الصدفة، وهي ملابسات ذات طابع عرضي واحتمالي.

فكر، ووجد نفسه لا يدري كيف له ان يصف ذلك، وربما لا يحتاج كل ذلك الى كبيرعناء.. فالصدفة يمكن ان لا تتحقق اذا لم تتوافق عناصرها.. وان وجود احدهما صدفة قد يلغى بمجرد وجود صدفة لا تتقاطع معها.. فهل ان وجود هذا الكائن في توافق او عدمه عن طريق الصدفة؟، أي ان وجوده كان طارئاً وزائداً واضافياً وغير ضروري في العالم.. فماذا بشأن الأنسان هذا، فهو يشعر ويتحسس بأنه كائن قد قذفته الصدفة الى الوجود دونما وجهة محددة عدا تلك التي يختارها لنفسه بمحض ارادته.. أجل ان ذلك الشيء يجعله في مواجهة الحرية ويمنحه رؤية خاصة للأختيار.

مشى خطوتان واخرى ثم توقف عند حاجز من الآس، وكان الطفل ما يزال يداعب كلبه وصوت والدته يتنائى من بعيد.. انه الآخر جاء نتيجة الصدفة التي قذفت به الى الخارج وليس لديه اي خيار في ذلك.. ولو لم يكن لقاؤهما صدفة او ان صدفة عارضة قد تدخلت وألغت تلك الصدفة من ان تتشكل لما كان هذا الوجود الفعلي للطفل، ولما كانت تلك الصدفة الرائعة التي تجمع الطفل مع كلبه في مداعبات لآحدود لها.!!

الانسان كائن محكوم عليه بالقلق لمجرد شروعه في تأمل حقيقة وجوده أو إشكالية هذا الوجود كحقيقة انتولوجية (Ontology)، وهذا الشيء يمنعه من ان يعيش وجوده بهدوء، ويخلق بينه وبين نفسه مسافة تجسد ما يمكن ان نسميه حرية الضمير، غير ان الحقيقة لا تتوقف هنا، فالمشكلة هي ان هذه الحرية صعبة، لأنها تلقي على كاهل الانسان من دون غيره من المخلوقات مسؤولية ضخمة يستحيل عليه الفرار منها، إلا إذا حاول ان يكذب على ذاته وعلى الآخرين.. بيد أن هذه الحرية تسمح كذلك باتاحة الفرصة امام إبراز مظاهر عظمة الانسان حين يتحمل مسؤولية الحرية في مواجهة كل الحتميات التي تحيطه، والتي ينبع بعضها من داخله، مثلما هو الأمر مع اللآشعور.

غابا عن الأنظار مع طفلهما والكلب ولم يتركا سوى تأملات وخيالات عابثة مع تجربة الاحساس بهشاشة وجود الانسان والاشياء، حيث يكون الوجود كله غير ضروري.. وهنا يمكن التوقف قليلاً عند خلق صدفة تتقاطع بين وجوده كصدفة وبضعة طيور هبطت لتأكل شيئاً كان قد أعد لها، وسرعان ما ادرك ان فرقاً كبيراً بين وجوده والموجودات التي تحيطه من الخارج، يراها ويتحسسها، اما الوجود الكلي فهو شيء يختفي عن مجال رؤيته عادة حيث يظل فعله غامضاً ومستعصياً عن التفكير.

يسير انسان في الشارع او على ساحل البحر او في متنزه عام ولا يعرف شيئاً عن ما سيجري منذ خروجه وحتى عودنه الى منزله.. ولكن الآف الصدف تمر به وتقترب منه او تتجاوزه.. ان وجوده هناك واحدة من تلك الصدف، قد تكون من صنعه وقد تتقاطع مع صدفة اخرى وربما تلغيها من اساسها، اي تلغي وجودها بعدم التقاطع معها، وربما تتشكل معها بمحض الصدفة انه التأمل في صدفة الوجود التي تضفي معنى لهذا الوجود حين يبدأ الانسان يفكر بحرية.. وطالما يشعر بأنه يفكر بحرية، يشعر بثقل المسؤولية وهي تجثم على ظهره ولا تترك له مجالاً لذاته المسؤولة.!

تابع سيره الى حيث يتدفق الماء بغزارة، وبالقرب من اشجار الدردار الباسقة ذات الأخضرار الزاه، جلس على حافة مقعد خشبي تتسلل اليه اشعة الشمس الدافئة من بين الاغصان لتضفي على جسده النحيل دفئاً من نوع يبعث على الأرتياح.. اخرج لفافة تبغ واشعل عود ثقاب وسحب نفساً عميقاً وهو يحدق في الغيوم البيضاء المتقطعة التي تتراكض باتجاه المحيط، فيما كانت طيور الماء تسبح في تلك البركة وتتمتع بدفئ الشمس.

اقترب منه شخص كان يسير على مهل محدودب الظهر يحمل كيساً صغيراً من الورق.. جلس على حافة المقعد الخشبي من الطرف الآخر وألقى عليه التحية، ورد عليه بهمهمة وحركة من رأسه، لأنه لم يكن يعرف ما قاله الرجل، إنما فَهَمَ انه حياه تحية المساء، ثم اطلق بضعة كلمات واستمر بعد ذلك يتحدث، وكأن كلامه قد فهمه الآخر وانه سيرد عليه.. ولكن صمتاً قد ساد بينهما وهمهمات ممزوجة بحركة الرأس كانت هي الأجابة.!

ساد الصمت، وكل منهما دخل عالمه، بعد ان ادرك كلاً منهما انه لا يفهم الآخر، وربما كان احدهما يفكر بأن الآخر أخرساً أو معاقاً أو لا يريد ان يتكلم الى أحد.

تابع تفكيره بجدية لأنه كان على يقين من أن هذا الرجل لا يعكر عليه تفكيره وانه في عالمه الآن، ربما يفكر كيف يعيش يومه الآخر، وكيف يحسب مصروف البيت وحاجيات الزوجة التي تملأ رأسه يومياً بمتاعب لا أول لها ولا آخر، أنها ثرثرة نابعة من رأس قد يكون محشو بالقش... قال له، هل تتكلم الأنكليزية؟ فأجاب بسرعة وبلغته.!!

لو لم يكن هذا الرجل موجوداً في هذه اللحظة لكان تفكيره قد انصرف بعض الوقت أو كله الى امور اخرى، ولكن الصدفة، هي التي جمعتهما معاً في لحظة من الزمان وفي بقعة من المكان.. بيد انه لم يحصل توافق الصدفتين أو أن احداهما كانت غائبة عن الأخرى.

اخرج قطعة الخبز من كيسه الورقي الصغير ورمى بها على العشب، وسرعان ما تهالكت الطيور على قطعة الخبز فالتهمتها بشراهة، ثم بدأت تقترب حتى لآمست اقدامه وحطت بعضها على يديه المعروقتين، وهي تأمل في قطعة اخرى.. رمى لها بأخرى فتراكضت الأقدام وتزاحمت الأجنحة فمزقتها بمناقيرها الصغيرة الحادة، فيما كانت تطير وتحط على كتفه بدون خوف.!!

كان يعتقد انها صدفتان غير متوافقتين ولدت ثالثة في تشكيل ناقص ولكنه يبعث على التأمل.. اطلق صاحب الكيس الورقي ضحكة قوية في شكل قهقهة متتابعة والتفت.. وعلم منه انه لم يعد يستطيع الاستمرار في هذه اللعبة طالما لا يملك الخبز الكافي لأطعام الجياع من الطيور المتهافتة.. ذلك الخبز الذي خلق اجواء الصدفة الثالثة او ما يسمونه بالبعد الثالث لوحدة الكينونة حين تتشكل مع الخارج.. انه مشهد مذهل في اركانه الثلاثة، ولكنه بدون جدوى لأنها الصورة العابثة التي لن تتكرر على الأطلاق.

تحرك باتجاه دير (Jeronimos Monastery)، الذي يضم كنوز العالم القديم حتى ان بعض الناس يتسائلون باندهاش، كيف تمكن الاقدمون من هذا البناء المدهش، وكيف نصبوا اعمدة الرخام العملاقة؟ وكيف صمموا وزخرفوا واجهات هذا الصرح، وكيف استقام، وكيف خلدت لوحاته الجدارية الرائعة كهنتهم ومفكريهم وقادتهم؟، والآن يمر الاخرون يلقون نظراتهم على تلك الوجوه المصنوعة من زيوت نباتية ملونة وكأنها مجرد الوان وضعت بعبقرية فائقة، إلا انها لم تضف شيئاً اكثر مما ترسمه الطبيعة من الوان وتشكيل رائعين.

كان الآخر قد انحدر باتجاه الساحل حيث اصوات النوارس التي تمتزج مع ارتطام امواج البحر بصخور الشاطئ، ذلك الصوت الذي يبعث على الحزن والتأمل، أما الطيور الجائعة فقد انفرط عقدها، ولكنها في كل الأحوال تتجمع على اسطح البيوت القديمة ذات السقوف القرميدية المخضرة أو حافات النوافذ الرخامية لدير (جيرونيموش)، الذي بني في القرن السادس عشر في مدينة (Belem) الساحلية الرائعة.

هو والآخر والطيور الجائعة، كل ذهب باتجاه صدفة أخرى قد تتشكل او تنفرط او تلغي احداهما الأخرى من الوجود.. انه الشرط الغامض الذي يصنع للصدفة خوفها وقلقها.. انه قلق الوجود الانساني القابع في اعماقه يظهر في صورة من الصور، وكأنه شبح هذه الكاتدرائية الذي يحوك عنه القرويون قصصاً، وبملامح في كل حركة يقدم عليها حتى الجدية منها تبدو احياناً مضحكة أو عفوية تقريباً.. وظلت قدماه تسيران على الطريق وهو يصغي لوقع اقدامه نحو المجهول.!!

***

قصة قصيرة:

جودت العاني - Lisbon

51/ 21 / 2005

حـيـنَ مَـرَّ الـربـيـعُ الـذي

تـرتـديـنْ

*

بـكـهـفِ خـريـفـي

الـحـزيـنْ:

*

بـايَـعَـتـنـي الـبـسـاتـيـنُ نَـهـرًا لـهـا

واصـطـفـانـي الـسَّــفَــرجَـلُ والـيـاسـمـيـنْ:

*

إمـامـًا

يَـؤمُّ الـفـراشـاتِ حـيـنَ تـحـيـنُ صَـلاةُ الـرحـيـقِ

ويُـفـتـي إذا قـام شَــكٌّ

وسـاطَ ضَـبـابُ الـظـنـونِ مـرايـا الـيـقـيـنْ (2)

*

يُـقـاضـي إذا اخـتـصَـمَ الـعـاشـقـونَ ..

فـيَـحـكـمُ بـالـ" جَـمْـعِ " فـي الـمـزهـريَّـةِ

بـيـنَ الـتُـوَيْـجَـةِ والـمَــيـسَــمِ الـمُـسـتـكـيـنْ

*

وحـيـن الـتَـحَـمْـنـا شِـراعـًـا وريـحـًا  ..

وجـفــنـًا وهـدبـًا

وجـذرًا وطـيـنْ:

*

غـدا الـرمـلُ كُـحـلاً تـحـجُّ الـجـفـونُ إلـيـهِ

وصـار الـحـصـى فـي مـفـازاتِـنـا

بُـرتـقـالاً وتِـيـنْ

*

أصـيـخـي ..

ألا  تـسـمـعـيـنَ هـديـلَ الـفـواخِـتِ؟

إنّ الـهـديـلَ رسـائـلُ عـشـقٍ

وهـدهـدُ بـشـرى بـفـيـضِ الـنـمـيـرِ الـسـخـيـنْ

*

وإنَّ الـسـريـرَ الأصـمَّ  يـمـوتُ

إذا كُـفَّ عـنـهُ هَـسـيـسُ الـوسـادةِ

أو حـشـرجـاتُ الأنـيـنْ

*

أعـوذُ بـمـائِـكِ مـن شـرِّ جَـمـري  ..

ومِـنْ شَـرِّ جـوعـي بـمـا تُـطـعِـمـيـنْ:

*

رَحـايَ بـقـمـحِـكْ  ..

وبـردَ شِـتـائـي بِـدِفـئِـكْ  ..

وجـمـرةَ قـيـظـي بـبـردِكْ ..

وشَـوكـي بـوردِكْ ..

وعـلـقـمَ أمـسـي بـحـاضِـرِ شـهـدِكْ

وعُـريـيْ بـمـا تـنـسـجـيـنْ:

*

لـ " يـحـيـاكِ " مـا يـسـتـرُ الـعـاشِـقَ الـسـومـريَّ

ويُـلـبِـسُـهُ بُـردةً مـن حـريـرِ الـعـنـاقِ ..

فـكـيـفَ إذنْ

لا يـكـونُ الـتـبـتُّـلُ مـعـراجَ قـلـبـي

الـى جَـنَّـةِ الـمُـرتَـجـى؟

كـيـفَ لا تُـصـبـحـيـنْ

*

" بُـراقـي " الـقـويَّ  الأمـيـنْ

*

الـى "سِـدرةِ الـمـنـتـهـى" (3)

أسـتـقـي لـلـصـحـارى نـمـيـرًا عـذوبـًا وعـشـبـًـا

وأمْـنـًا لـ " أوروكَ " ..

يُـسـرًا وخـيـرًا عـمـيـمـًا ..

ووردَ الـمـسَـرَّةِ لـلـعـاشـقـيـنْ

*

أريـنـي جـنـونًـأ حـكـيـمـًا كـمـثـلِ جـنـونـي ..

وطـيـشًـا يُـثـابُ كـطـيـشـي ..

ومـثـلـي عـجـوزًا يـعـودُ فـتـىً سـومـريًّـا

يـقـودُ الـى مُـقـلـتـيـكِ الـنـعـاسَ إذا مَـسَّـكِ الـسُّـهـدُ

واشـتـقـتِ  أنْ تُـطـبِـقـي مـنـكِ جـفـنًـا

عـلـى جَـنَّـةٍ عـرضُـهـا قـادمـاتُ الـسـنـيـنْ

*

أكـونُ غـلامَـكِ فـيـهـا (4)

ووحـدكِ  .. وحـدكِ .. وحــدكِ لـيْ

" حُـورُ عِـيـنْ "

*

أطـوفُ عـلـيـكِ صـبـاحَ مـسـاءَ (5)

بـكـأسِ لُـجـيـنٍ

سُـلافـتُـهـا  مـن نـبـيـذِ الـهـيـامِ

وخـمـرِ الـحـنـيـنْ

*

أريـدُ الـذي لا يُـرادُ

كـأنْ:

لـم يـكـن قـبـلـنـا عـاشـقـانِ  ..

ومـاءٌ إذا صُـبَّ فـوق الـحـريـقِ

يُـزيـدُ اشـتـعـالَ الـحـريـقْ

*

وبـحـرٌ إذا  فـاضَ عِـشـقـًا

فـلـيـسَ بـنـاجٍ مـن الـمـوتِ إلآ الـغـريـقْ

*

فـلا تـخـلـعـي مـن إسـارِ أسـيـرِ هـواكِ (6)

فــشُــدِّي  وثـاقـي الـى خِـدرِكِ الـسـومـريِّ

كـمـا بـالـمَـشـيـمـةِ شُــدَّ الـجَـنـيـنْ

*

تـنـامـيـنَ فـي مُـقـلـتـيَّ مَـلاكـًا بـريءَ الـخـطـايـا

وتـسـتـيـقـظـيـنْ

*

عـلـى وقـعِ شـيـطـانِ ثـغـري يـجـوبُ جـنـانَ الأنـوثـةِ

يـقـطـفُ مـا لـمْ تـذُقْـهُ الـطـيـورُ

ولـم يـأتِ فـي صُـحُـفِ الأولـيـنْ

*

ويـتـلـو عـلـى مـسـمـعِ الـوردِ

مـمّـا تَـيَـسَّـرَ مـن  " سـورةِ الــنـمـلِ ":

مـا كـان حُـلـمـاً ..

ولـيـسَ بـ " سـحرٍ مُـبـيـنْ " (7)

***

يحيى السماوي

السماوة 13/5/2024

..................................

(1) من مجموعة جديدة قيد الإنجاز ..

(2) ساط: ضرب بالسوط .. ومن معانيها  خلط الشيء بشيء آخر كخلط الماء بالحليب أو اختلاط ماء النهر بماء البحر وغير ذلك ،  وهو المعنى المقصود في القصيدة .

(3) سدرة المنتهى شجرة سدر عظيمة ثمارها في السماء السابعة وجذورها في السماء السادسة بها من الحسن ما لا يوصف ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة النجم (عندها جنة المأوى) .

(4) حور عين ـ  كما وردت في القرآن الكريم في سُوَر الدخان والطور والرحمان والواقعة: نساء مطهرات في منتهى الجمال .

(5) إشارة الى قوله تعالى في سورة الواقعة: (يطوف عليهم ولدان مخلدون)

(6) الإسار: الحبال التي تُشدُّ بها أيدي أو أرجل الأسير .

(7) إشارة الى قوله تعالى في سورة النمل: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين) .

 

ليلٌ يشاكسني ..

نجومه خلف سحائب الارق نائمات ..

يهذي كثيراً، وينمّ

بمكر ٍعن الشمس ..

يعلم أني أخافه، وأعشقها

يحاصرني بأفواجٍ من الذكريات

هناك .. مابين النهر و تنّور امي ..

غرست اشجاراً للحب باسقات

كل يوم أعمّد صبري عند شروقها

وحين أجرّب أن أغمض عينيّ

يلكزني .. لأصحو

فيسقيني كأساً مذاقها

شبابٌ تشظّى بين المنافي

وزيف المرايا، وسخف الامنيات

ومازال الليل يهذي

كعجوز تشكو وحدتها بصخب ..

الكلمات:

قبل مغيبها راودتني عن نفسها

توسلت بي، وتعلقت بأذيالي ..

كي اوقف اجتياح الغسق الجارف

حتى تلوّن أجنحة الفراشات ..

و قبل ان تغادر مياسم الازهار

وتعانق سنابل القمح

وأعذاق النخل

و اسماك النهر ..

فتفرّ مثل عاشقة

تخاف ان يفضحها ألق الفجر ..

وانا كعصفور أرهقه الندى

اداري هذيان الليل كي يعتقني

اشاغله، لأهرب على صهوة احلامي

أوقد شموعاً خبأتها بين ضلوع لهفتي..

تركتها على وجه "الشطّ" ..

لتبحر وحيدة صوب فنار

ها أنذا أدق مسامير الشوق على باب مدينتي

يا "حُلّةَ" الكون، ياباذخة الطيب ..

يا فاتنة الامصار ..

يا تعويذة بابلية ..

ويا صحائف اذكار

أعيذك بطلاسم "شطّك"..

اسطورة الانهار..

مازالت بقايا طينه عالقة في الاهداب

أعيذك بالقديسين، و كل الاولياء ..

وبالنبي أيوب* وبئره سيّدالآبار ..

ليتني اغتسل من مائك

كي أبرأ من سحر أوتو، وأنليل، ومردوك"

**

تمسّك بي كباقة ورد في يد عروس أرهقها

طول إنتظار ..

خذ أحلامي قرابين اقدمها لنخيلك الباسقات ..

خذني شراعاً لسفينةٍ مات ربانها ..

فتحطمت على بقايا جسد، وقلب مكبل.. بالحسرات ..

مازلت اتنفسك، وأحلّق صوب الشمس اجوب بحار الدنيا، افتش بين موانئها ..

عن مرفإٍ يعلمني كيف أخيط شِباك الصبر

أحسست بدفء الشمس يعانقني ..

يهمس بأذني قد رحل الليل، ولحنٍ

كنت اردده حين أغوص في النهر

وتتقاذفني سورات الماء

***

جواد المدني

..................

* مرقد النبي ايوب عليه السلام، حيث يقع عند ضفاف "شط الحلة" وبجنب هذا المرقد هناك بئر يعتقد انه البئر الذي اغتسل منه فبرئ من مرضه..

** اسماء بعض الالهة التي كان يعتقد بها البابليون ..

 

وقعت أحداث هذه القصة بعد موجة الهجرة الروسية المتجدّدة إلى البلاد، في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، في تلك الفترة تعاقب على الشقة المحاذية لشقتنا في الحيّ اليهودي بنتسيرت عيليت، عدد من العائلات.. كانت آخرها عائلة روسية مكوّنة من والدين وابنة، في السابعة أو الثامنة من عمرها، في جيل ابنتي الصغيرة، وكثيرًا ما كنت أرسل نظرة من نافذة شقتنا المطلّة على الخلاء الرحب، فأرى ابنتي تلعب معها، وكأنما هما اختان، لم تلدهما زوجتي، او زوجة جارنا الروسي. وقد رأيت الاثنتين، ابنة جارنا الروسي وابنتي، اكثر من مرة تلعبان هناك في الخلاء، وكان ذلك في بداية الشتاء، وعندما امطرت الدنيا فاجأتني صغيرتي باصطحابها صديقتها الروسية إلى بيتنا، فسُررت وسرّت زوجتي، ونظر كلّ منا الى الآخر ناسيا العالم وهمومه والموقف العربي العام.. المعارض للهجرة الروسية، ومتذكرا امرا واحدا لا غير: ان صغيرتنا كبرت وباتت لديها صديقة روسية. رحبنا بتلك الفتاة ايما ترحيب، الامر الذي مكننا من ان نراها بصحبة صغيرتنا بصورة شبه دائمة. وان نتتبع امورها باهتمام.. الم تكن صديقة صغيرتنا؟!

لاحظنا ذات يوم ماطر مسحة من الحزن على وجه ضيفتنا الصغيرة العزيزة، فاعتقدنا انها مسحة عابرة، الا انها ما لبثت ان ازدادت في اليوم التالي، وقبل ان نسألها عن سبب تلك المسحة..، جاءت الينا بصحبة صغيرتنا لتفاجئنا بالسبب الفظيع، قالت بصوت متهدّج، إن الاطباء اخبروا اسرتها ان والدها لن يعيش فترة طويلة وان ايامه باتت في عالمنا محدودة، وعندما قلت لها ان ما تقوله لا يركب على العقل، انفجرت بالبكاء حتى ان زوجتي وصغيرتي بكتا معها، وما زلت اتذكر رغم مضي ردح من الزمن على هذه القصة، ان صغيرتي الغالية وزوجتي قامتا باحتضانها، وقد دفعتهما موجة لافحة من العطف عليها، لان تقترحا اصطحابها معنا في رحلة اخر الاسبوع الى بحيرة طبريا. تقبّلنا جميعنا الاقتراح بل رحبنا به فما زالت صغيرتنا... ستكون سعيدة باصطحابها صديقتها، وما دمنا نقوم بواجب انساني نرفّه به عن طفلة يرقد والدها على فراش الموت في المستشفى، فان مرافقة تلك الصغيرة لنا ستسعدنا نحن ايضا، وعندما جاءت جارتنا الروسية تسألنا عما اذا كنا حقا سنصطحب ابنتها معنا في اليوم التالي الى بحيرة طبريا، لم نتردد جميعنا كبيرا وصغيرا في ان ندعوها هي ايضا، فاعتذرت جارتنا الروسية، لأنه لا يمكنها مرافقتنا بسبب وضع زوجها الحرج في المستشفى، وسألتنا عن الوقت الذي ستستغرقه رحلتنا تلك، فأخبرناها اننا سننطلق كعادتنا في ساعات الصباح الباكرة وسوف نعود في ساعات المساء المتأخرة.

في صبيحة اليوم التالي استقللنا سيارتنا الفيات اونو، بعد ان حملناها بكل متطلبات الرحلة من متاع وغذاء، وانطلقنا باتجاه طبريا. خلال انطلاقنا في سيارتنا، كان كل منا ينظر إلى الآخر بنوع من الرضا، فقد ادينا واجبنا نحو صغيرتنا ونحو صغيرة اخرى بحاجة لان نمد لها يد العون، عندما وصلنا شاطئ البحيرة، ترجّل كلّ منا من السيارة وتراكضنا باتجاه الماء، ولا انسى ما حييت تلك الفرحة التي ارتسمت على وجهيّ صغيرتينا، الروسية وابنتنا، بعد ان هيئنا قعدتنا قريبا جدا من حافة الماء، وابتدأنا بإعداد الطعام، ارسلت نظري الى تلك الفتاة، لأرها تلهو وكأنما تمكننا باصطحابنا لها ولو للحظات من جعلها تنسى ما هي اسرتها فيه من وضع صعب، وحمدت الله على انه الهمنا ان نصطحبها. وبالغنا في اعلان المحبة فاستجبنا لطلب صغيرتنا ان تذهب للتنزه بصحبة صديقتها تحت الاشجار القريبة، لتنطلق الصغيرتان مبتعدتين عنا دون ان نلتفت اليهما جيدا، فقد كنا مشغولين بإعداد الطعام للجميع.

فرغنا انا وزوجتي من اعاد الطعام، وتوقعنا عودة صغيرتينا خلال لحظات، غير ان اللحظات مضت سريعة ولم تحضرا، فحملت نفسي، وانطلقت ابحث عنهما تحت الاشجار المحاذية، وعندما طال بحثي، ابتدأت الهواجس السوداء بمطاردتي، فالي أين ذهبت صغيرتانا؟ وهل تعرضتا لأي مكروه.. لا سمح الله؟ ما كان عليك ان تسمح لهما بالابتعاد عن حيث نزلتم، لكنهما صغيرتان ومن حقهما ان تستمتعا معا... ما تقوله صحيح لكن كان عليك ان تجعلهما في مرمى النظر، فلا امان في هذه البلاد، وكنت كلما طال بحثي عنهما ازداد قلقا، وجاءت المرحلة التالي في البحث، فلماذا لا اسال من اصادفه من الناس الموجودين في الشاطئ، عما إذا كانوا قد رأوا صغيرتين احداهما روسية والاخرى عربية؟ وصادف ان سألت عائلة عربية من منطقة الجليل عن صغيرتينا؟ ففتحت ربة العائلة فمها مستغربة ومستفسرة، شو بتقول؟ عربية وروسية؟ فهززت راسي اشارة نعم. وبعد ان عرفت المرأة انني من عائلة فلسطينية مهجرة اعربت عن ذروة استغرابها، وشيعتني وانا اولي عنها باحثا، بنظرة مستفسرة متسائلة.. فما الذي يحدث؟ وبين الطرفين عالم من القسوة؟

تجولت خلال اكثر من نصف ساعة باحثا عن صغيرتينا، وسائلا كل من التقيت به عنهما، دون ان احظى بأية اجابة، ويبد ان ما خالجني من قلق، قد انتقل عبر النسمات الشتائية الباردة الى زوجتي، فلحقت بي لتنضم الي في عملية البحث، هدّأت زوجتي من روعي، طالبة مني ان اتفاءل بالخير لأجده، واقترحت بعد ان استغرقتنا مشاعر القلق.. من اقصانا الى اقصانا، ان يذهب كل منا في اتجاه لمواصلة البحث، تقبّلت اقتراح زوجتي.. وواصلت البحث في ذات الاتجاه، في حين توجهت هي إلى الاتجاه المعاكس، ومضى الوقت دون ان أحظى بأية اجابة عن سؤالي الحائر: إلى أين ذهبت صغيرتانا؟ فكان عليّ ان اعود إلى حيث اقتعدنا قريبا من الماء. ما إن وصلت الى هناك، حتى اطلّت زوجتي من الناحية المعاكسة، وعلى ثغرها ابتسامة... بشّريني.. بسرعة بشريني. طوّل روحك... شو اللي صار؟ لم تجب زوجتي وامسكتني من يدي وجرت على الشاطئ لأجري وراءها، وبقينا نجري إلى أن بلغنا اجمة من الاشجار، وهناك.. هناك.. في حضن شجرة معمرة.. قد تعود أيامها إلى أيام جدينا الاولين.. حواء وادم، رأينا صغيرتينا وقد ابتنتا بيتا وعمرتاه بالاصداف والرمال، وجلستا فيه تتبادلان الكلمات والضحكات.

***

عدنا في المساء باتجاه نتسيرت عيليت.. نطوي الارض طيًا، وكلُّنا رضا عما افضى اليه ضياع صغيرتينا.. من نتيجة طيبة، وعندما توقفت سيارتنا الفيات اونو، بالقرب من بيتنا في الحي اليهودي، فوجئنا بزوجة جارنا تداهمنا بموجة من الدموع والقُبل، فسألناها عمّا يبكيها، فاحتضنت ابنتها بمحبة ام خشيت على صغيرتها من الضياع والموت، واخبرتنا انهم اتصلوا بها من المستشفى ليخبروها ان حالة زوجها في تحسن وان جسده ابتدأ في تقبل الدواء بعد ان رفضه فترة طويلة.

هنأنا جارتنا الروسية بما صارت اليه امورها وامور اسرتها.. من امن وسلام، ودلفنا باب شقتنا واحدا وراء الآخر ونحن نتمنى ان ينالنا مثل ما نالها من هدوء وسكينة نفس. اما هي فقد ادخلت ابنتها شقتها واغلقت بابها وراءها دون ان تزيد أية كلمة.

***

قصة: ناجي ظاهر

في البيتِ الابيضِ يا سـادَهْ

عُــبّـــادُ الـشـيـطانِ الـقـــادَهْ

*

صُـهــيـونـيٌّ مـا ســـونـيٌّ

والـمِــثـــلـيُّ صـارَ عِـمــادَهْ

*

قـــامَ الـشـيـطانُ بـدولـتَـهُ

وتَــبَــنّـى مِـنـهُــــمْ أولادَهْ

*

وعـلـيـهمْ أســسَ قـاعِــدةً

مُـخــتـارًا مـنــهُـمْ رُوّادَهْ

*

لِـيَـقـودَ الـعـالـمَ في دِعَــةٍ

ويـكـونــوا فــيـهِ أســـيـادَهْ

*

ويـكـونُ الـبـيتُ ومَـنْ فـيهِ

مَـرســاةَ الــبـغـيِّ وأوتـــادَهْ

*

فـالـداخِــلُ فـيـهِ يُــداخِــلُـهُ

مـا لـــــم تـقــبــلْـهُ الــقَــوّادَهْ

*

وشـريـفُ الـقـومِ بـلا شـرفٍ

يُــقـريْ الاســفـلَ مِـنـهُمْ زادَهْ

*

والـراعـي يـبـقى حــاويَـةً

قَـمّـتْ مَـنْ قَـمّــتْ أجــنــادَهْ

*

كـغُـثـاءِ الـبَـحـرِ وهُــمْ كُـثـرٌ

أحـصِـنـةٌ جــابَـتْ طُــروادَهْ

*

طـوفـانُ الاقـصى عَــرّاهـا

وكـسـاهـا عـــــارًا وزيــادَهْ

*

هُـلُـوكـوسُ الـبـاغي فِـريَـتُـهُ

تَـلـفــيـقٌ فَـجَّـــرَ مِــنـطــادَهْ

*

فـشُـعـوبُ الـعـــالـمِ واعــيـةٌ

كَـيـدَ الـصهـيوني ومُـرادَهْ

*

رَوّعــهـا إجـــرام الـبـاغيْ

فـانـتَـفـضتْ تَـلـعَـنُ أجــدادَه

*

فـجـرائـمُهُ صـارت تَـعـني

فـي غَــزّةَ عُــنــوانَ إبــــادَهْ

*

طُـوفــانُ الاقـصى عَــرّاهُ

فـتَـداعى  مـا كـانَ أشـــادَهْ

*

شـيـطانُ الـبيتِ ومَـنْ فـيـهِ

لـنْ يَـجِـدوا فـرحًا وســعـادَهْ

*

والـنـومُ الـحـالِمُ لَـنْ يـأتـي

مُـذْ سَـلَـبَ الـغـزيُّ رُقـادَهْ

*

ودِمــاءُ الـشُـهـداءِ سـتـبقى

قـــارعـةً تَـصـدَعُ أعــيــادَهْ

*

فالـفِصحُ يـكونُ هـو الـذِكرى

للــيــومِ الاســودِ إنْ عـــــادَهْ

*

فهـو الـنّـاقـوسُ إنْ مَـرّتْ

ذِكــــراهُ تَـســفـعُ عِــــــوّادَهْ

*

ولـــهُ في أُكْـتُــوبـرَ مـاضٍ

فـيـه الـخُـسـرانُ كـالـعــــادَهْ

*

وعـلى أنـقـاضِ هـزيـمـتـهِ

سـيُـطـيـلُ الـشـيطانُ حِــدادَهْ

*

لـنْ يـرجو الـبـاغي أنْ يـهـنـا

في وطــنٍ غَـصـبًـا قـد ســادَهْ

*

وعـلـيـهِ يــبـقى مَـهـزومًـا

ويـكـــونُ الـحــــقُّ جـــــلّادَهْ

*

برجـالٍ قـد صدقـوا الـمولى

فإمّــا نَـصـرُ وإمّـا شــــهــادَهْ

فـإمّــا نَـصـرُ وإمّــا شـــهـادَهْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الثلاثاء في 7 مايس 2024

(1) دائماً

في رأسي دائِماً

معسكرُ تدريبٍ

وجنودُ ثائرون ..

*

نساءٌ كادِحاتٌ

وأطفالٌ يتشاجروَن بوقاحة ..

*

عجائزُ يعرفِن عن ظهرِ قلبٍ

كلَّ حكايا الحياة ..

أما وجهي

فليس سوى تخطيطٍ سريعٍ

لإمرأةٍ متمردة !

**

(2) عاشقان

نتشاجرُ كالساسةِ ..

نتصالحُ كالعصافيرِ ..

نفكرُ ببعضِنا كالأمهاتِ ..

نذهبُ للسيِنما كالأصدقاءِ ..

نلعبُ سويةً كالأرانبِ ..

ونرتبكُ من الحبِ كالأطفالِ!

*

وكي لا نفترقَ كالغرباءِ:

أتصلُ بكَ لتدعوني للفطور

ولنضحَك كالملائكةِ!

***

سمرقند الجابري

....................

(*) من مجموعتي (رابط لأغنية ساحرة) منشورات الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق

 

حين افترقنا

وباتتْ مسافاتنا تستجير الهوى

انشطرَ الحبُ نصفين في الوجودِ

نصفٌ هنا ، ونصفٌ هناكْ..!

*

تقولين ماذا دهاكْ..؟

لمْ أر في الكونِ نسراً سواكْ..!

فكيفَ أشغِلُ نفسي،

وكيفَ أبعدُ عني هواكْ..؟

*

وبعضي أراه يأكلُ بعضي

يصارعُ هذا الزمان الكسيحْ..

ويحملُ صلبانَ هذا الوجود الذبيحْ..

لعلَ خطاي تلاحق طيفاً

ينادي :

تعالَ فأني

ما أزالُ على مسار خطاكْ..!

*

انشطرَ الحبُ نصفين

نصفه يشتكي ويغني لألآمه

والعوالم من حوله فاغرات الفم..

وآخر يحتمي من جليد البعاد

والسحاباتُ فوقه

تزخ نزيف الدم..

*

فكيفَ أشعِلُ وهجي

في ركامِ الجليد

وكيفَ أأتي اليك

وكيفَ أشبع مقلتيكْ..؟

*

انشطر القلب في معبد الحب

عن هالتين:

بالشوق ملمومتين

تقتات من مهجتين

دماً ولحماً وعظما..

لتبقي عوالم هذا الزمان

تمتحن الصبر

سحقاً وقضما..!!

في نزيف الرعاف

عبر إثنتين :

أنين الجياع

يطاله صخب الضباع....

هوَ  ذا الوجع الدفينْ..!

***

د. جودت العاني

12 / 03 / 2024

.......................

*  قصيدة مستلة من الديوان الرابع (من أين يدخل الغرباء..؟)

 

أعيش في قبر

من فرط ضيقه

لا اجروء الخروج منه

*

في ليلة مظلمة

جئت الى غزة

لابحث عن جثتي

في مشرحة لبقايا أشلاء

طائر في الجنة

*

بين الانقاض

وتحت الركام

نعش ملفوف بوردة خضراء

مضمخة بالمسك والريحان

*

سمعت أطفال غزة

يتحدثون عن نعم الفردوس

وعن خريطة جديدة من النهر الى البحر

وعن وطن  ذا أقواس نصر كثيرة

*

وسمعتهم يتحدثون

عن تقويم سنوي جديد

يبدأ من السابع أكتوبر

*

وعن عجوز تنفش صوفا

لكوفية وعقال

تراقبها حمامة بيضاء

*

منذ عقود

ونحن ننتظر قمرا

مفعما بضوء قرمزي

لكي يتراقص مع قوس قزح

*

تحت الركام

رائحة الموت تزكم الانوف

ودموع حبيسة في الظلام

تلمع كسراب يترنح في الآفاق

***

بن يونس ماجن

ثعلبُ القضيّة

الثعلبُ الذي أكلَ دجاجاتِ

أمُّهاتِنا الطيّباتْ؟

قطعةً قطعةْ

وجلدةً جلدةْ

وعَظْمَةً عظمةْ

وريشةً ريشةْ

هَلْ يُمْكنُ أنْ يكونَ

حمامة َ سلام؟

لعلَّنا نستطيعُ نحنُ

أنْ نتخلّص َقبلَ قيامتِنا

من أسطورة الثعلبِ الطيّبِ

وقضيةِ الدجاجةِ الحمقاء؟

- 2

الحكايةُ كلُّها

تعالي كي أَدُلَّكِ

على شجرةِ الغواية

ولكنْ ارجوكِ

لاتقطفي منها

تفاحةَ اللذَّةِ والخطيئة

فأبتلي أنا هذه المرّة

كما ابتلى من قبل

أبي المُغَفّلُ المسكين

الذي اصبحَ ضحيةَ ابدية

تدعو للسخرية والمرارة

أَلَيْسَتْ هذهِ هيَ الحكاية

في حقيقتِها المغيَّبةِ

في أَساطيرِ الأوَّلينَ

والآخرينَ أَيضاً؟

-3

بــلاد قاتلة

كُلَّما يموتُ شاعر

تسّاقطُ نجومٌ

تذوبُ شموعٌ

وتَجفُّ زهورٌ

من هَولِ الأسى

والأسفِ والحنين

والبلادُ التي نُحبُّها

ونُحبُّ ترابَها وانهارَها

وبساتينَها وأُمهاتِها

وناسَها الطيّبينَ

أصبحتِ الآنَ

وبكلِّ قسوةٍ

وجلافةٍ وبلادةٍ

تُثقّبُنا بالرصاص

وتطعنُنا بالخناجرْ

ياااااااااااااااهْ ...

كمْ أَنتِ لئيمةٌ وقاسيةٌ

يابلاداً تَحتضنُ القَتَلَةُ

والظلاميين والمُتوحشين

ولا تَمشي في جنازةِ الشاعرْ

-4

عاشقة كندية

صديقتي العاشقة الكندية

كُلَّما اقولُ لَها:

- I love you baby

يتوهّجُ جسدُها الفارعُ

والساطعُ والشاســعُ

بالضوءِ والرغبةِ والشهواتْ

***

سعد جاسم - كندا

أفعى بأعماق الحذاء تخبّأتْ

وتناسلتْ أصلالها و تبوّأتْ..

*

هذا المكانَ لكي تميتَ براءةً

منها على طول الزَّمان تبرّأتْ

*

خطّتْ على درب الرِّمال مسارها

كيما تجيء .. وما تظنُّ بأخطأتْ

*

أفعى كما يدري الجميع نزوعها

مالم تسمَّ الأبرياء؛ تجشّأتْ..

*

سمّاً على الحَجَر الذي في ليلها

لاذتْ بهِ مِنْ بردِها وتدفّأتْ

*

حتى إذا حانَ الصَّباحُ تسلّلتْ

ومضتْ إلى صوتِ الهزار وأطفأتْ

*

لا تستحي ممَّنْ تراهُ مُغَرِّداً

حتى على قتلِ الطّيور تجرّأتْ

***

رعد الدخيلي

 

من اجل اكمال الصفقة

هكذا تتقدم بنا الايام ونحن نشيخ

وعصافير ذواتنا تمد اجنحتها البريئة

صوب مدارات قوس قزح ونحن

لم نتراجع عن حماية حقول ومروج

ذواتنا في ظل هذا اللهيب وهكذا سنتقدم

من اجل اكمال صفقة احتضان غزلان

وايايل السهل الحزين بعيدا بعيدا عن

مثالب للشوك العوسج والحنظل

وقريبا قريبا من من نخلات واحة

العشق المباركة.

2 -

نقش على جدار الصمت

النقش على جدار الصمت ما هو

مطلوب منا في هذه اللحظة الحاسمة

لحظة عناق قرص الشمس ومدارات

قوس قزح الصباح والشفق الازرق

ولحظة اتمام عملية عناق الوراوير الحزينة

في الكرمة المستباحة وعصافير شجيرات

اللحظة الحاسمة.

3 -

هكذا تفكر

هكذا تفكر الجرذان الدود والجراد

في احتلال السهل الفسيح ونبع

القلب المضيء وهكذا هكذا تفكر

بتهشيم كل مرايا الصمت الهداة والامان

وبتهديم كل جدران قلعة الحكمة

المضيئة والامل المضيء.

***

سالم الياس مدالو

رقصةٌ ليبراليّة

في خيمة الشيخِ الهُمام

***

في خيمةٍ عربيّةٍ أوتادُها

دُقّتْ عميقاً في تخاريفِ القبيلةِ والرمالْ

*

والرملُ  رَخْوٌ لا يقاومُ

عُنْفوانَ الريحِ والصحراءِ مُذْ بَدأ الزمانْ

*

فَكَثيبُهُ  هَشٌّ مَهيلٌ طَيِّعٌ

كَهَشاشَةِ الفَذِّ الدَعيِّ المُدّعي

مدنيّةً سالتْ لُعاباً حولَ مائدةِ الأميرْ

*

أمّا تقاليدُ القبيلةِ كُلُّها أو جُلُّها

فَروايةٌ مثقوبةٌ

مَتْناً وإسناداً تَشي بِرَذيلةِ التقليدِ

أو كَذِبِ الرُواةْ

*

جلسَ الأميرُ بِرُكْنِ خيْمتِهِ وفي

يُمناهُ فِنجانٌ لِقهْوتِهِ وقد

فاحت مُعتّقَةً بكافورِ الخديعةِ والضَلالْ

*

أسَفاهُ ياقلبي على

كَرَمِ الفوارسِ والمجالسِ والدِلالْ

*

بعدما تُهْنا وَضيّعنا المناقِبَ والرِجالْ

*

وَعَلى يَسارِ أميرِنا شيخْ

لَهُ قلبٌ (يمينيُّ) الهوى

كَجبينِهِ المِسْوَدِّ مُحْتَقِنٌ عَبوسْ

*

موفورُ حَضِّ إنّما وغدٌ

غليظُ الطبعِ  مُرتابٌ فخورْ

*

هُوَ نَجْلُهُ وَيَمينُهُ قد عادَ مُنتصراً على

مَنْ غرّدوا لسقوطِ مُنتجعِ الهزيمةِ

والطغاةْ

*

صاروا خوارجَ عصْرِهِ لمّا رأوا

في قسمةِ الأرزاقِ  ضيزي

مُعْلِناً حرباً ضروسْ

*

أفنى بها الفقراءَ طُرّاً خدمةً

للنجمةِ الزرقاءِ في ثوبِ العَروسْ

*

وَعَلى يَمينِ أميرِنا السادي

يَساريٌّ  قَديمٌ قد صَحا  من سَكْرةِ

الأفيونِ  تَوّاً  أو أقانيمِ الشغيلةِ

والجَدَلْ

*

فَدَراهمُ الأمراءِ حِكْرٌ للذي

غالى بِهَزِّ الخَصْرِ رقصاً وتفانى

في أحابيلِ الدَجَلْ

*

فَنَعى مناجِلَ حزبهِ مُتَخفِّفاً

وَرَمى على هاماتِ حَشْدِ الكادحينَ

المِطْرَقه

*

صلّى وراءَ مُضيفِهِ

وَشَدى  إلى الشيخِ  الوَقورِ مُعَلّقهْ

*

وَأكادُ ألمحُ من بعيدْ

في مُنتدى الساعينَ للشيخِ السعيدْ

*

أحرارَ مُجْتَمعِ النُهى

فكراً  كَبنّائينَ قد رَضعوا معاً

أسرارَ تَلْمودَ الخنا

مَدَنيّةً وَلَغتْ بأوردةِ  الشُعوبْ

*

وَثَنيّةً  تسعى خشوعاً في رِحابِ

البيتِ مِبْيضّاً فَتمْتلِئُ الجُيوبْ

*

وعلى صدى وَتَرِ الرَبابةِ أبدعوا

للمسلمينَ رسالةَ التنويرِ في

دُنيا العبيدْ

*

وَتَشاوروا بفضاءِ باديةِ الجزيرةِ

نُخْبَةً تهوى معاقرةَ الغُبارْ

*

وَتَذوبُ زُهداً وانتشاءً بالحداثةِ والرِيالْ

*

وَنِكايةً رفعوا صدى

نَغَمِ الربابةِ مُحْدِثاً

وَقْراً بِآذانِ القبيلةِ والأنامْ

*

فَتَراقَصوا  وتجاهلوا

حِمَمَ الرصاصِ مُدوّياً

برؤوسِ من طلبوا الكرامَةَ والحياةْ

*

لَعَنوا صلاحَ الدينِ كي يَئِدوا

خيولَ الفَتْحِ في حطّينَ

فالأقصى هُراءٌ في هُراءْ

*

وعقيدةُ الإسراءِ  يَغْمِزُها  دَعيٌّ عبقريٌّ

عابثٌ بتراثِنا  مُتَحاملٌ لا مُسْتنيرْ

*

والمسجدُ الأقصى غريبٌ عن ترابِ

القدسِ قد عثروا على أسوارِه

مدفونةً بجزيرةٍ منسيّةٍ في زُنْجبارْ

*

كفروا بغزّةَ شامتينَ  بِأهْلِها

وَبِمنْ (تَحَمّسَ) للفِداءْ

*

حجزوا بشابكةِ العناكبِ موقِعاً

لِضياءِهِ  تهفو الغرائزُ  والنفوسْ

*

وَمَعَ الأميرِ مقاعداً

خيطتْ نهاراً من خيوطِ العنكبوتْ

***

د. مصطفى علي 

 

في نصوص اليوم