 نصوص أدبية

يَحِيكُ مِنْ رَمْلِ الثَّنايَا بُرْدَةً لِعابِرٍ

تَعَثَّرَ في رِحلةٍ تَوالَدَتْ شِعابُها...

تَجُرُّه أحلامه، وهذه أَقدامُه

تَأَكَّلَتْ...أعقابُها...

حتّى دَمَتْ!...

ويَرْتُقُ مِن صَوْتِهِ المَكْدُودِ صَرْخَةً

بَدَتْ... كأنّها تَنْسابُ مِنْ عَلْيائِها:

"يا حادِيًا قوافلي، حَنانَكَ!

ألَا تَرَى عَيْسائي قَدْ تَمَلْمَلَتْ؟...

فَعلّها ناءَتْ بِما تَحَمَّلَتْ!!"...

*

يا جُرْحَهُ!

كَمْ مَرَّةً تَنَهَّدَ، ورَدَّدَ:

"لَمَّا تَشِيخُ الدّهْشَةُ...

ستَفْقِدُ الأشياءُ، حَتْمًا، سِحْرَها

ويَختفِي ظِلُّ الجَمالِ

من حُدودٍ خَطَّها خَيالُنا"

فَرِحلةٌ بدون عِشقٍ...

تُصْبحُ مجرَّد مَتاهةٍ،

بَلْ عِشقُنا حَدَّ الجنون...

يُصبحُ مُجرَّد تَفاهَةٍ!!

وتُصبحُ آهاتُنا بدون رجعٍ

في خِيامِنا التي تَأَبَّدَتْ...

*

وذاتَ فَجْرٍ، رُبّما!...

مِن مَعْبَدِ الحُلمِ العتيقِ...

يَظهَرُ فينا ملاكٌ عاشقٌ،

يُرافقُ بِصوتِه أنينَ نايٍ خافتٍ

فنَحْسَبُ اليَرَاعَةَ مِنْ وَجْدِها تَأَوَّهَتْ!!...

يُغَمْغِمُ:

"يا جارةَ الوادي،

وَهَلْ حَقًّا أنينُ النايِ يَبْقى بَعدَ أن...؟ !"

ويَصْمُتُ...

*

يُعِيدُه الصَّوْتُ المَلائِكِيُّ لِلْبِدايةِ...

يَحِيكُ مِنْ رَمْلِ الثَّنايا بُرْدَةً لِعابِرٍ...

بَلْ ها هُوَ طِفْلٌ... يُطارِدُ خُيوطَ النُّورِ

مِنْ شَمْسٍ تَوَهَّجَتْ...

لِكَيْ يُضِيءَ بَدْرًا ساكنًا خَلْفَ التِّلالِ

أَذَّنَ بأنه سَيَرْحَلُ...

فربّما!...

قَبْلَ الشُّروقِ يَأْفُلُ...

وربّما!...

تَثْنِيه عَمَّا يُزْمِعُ، فَيْرُوزُ إنْ تَرَنَّمَتْ:

"سنَرْجِعُ...هَيَّا بِنَا..."

أو ربّما!!...

***

أ.د. المنتصر العامري

 

إلى روح والدتي

هناك شيء ما

شيء يشبه الوجع

يلوذ بصدري

يذكرني

بأن ورقة

سقطت

وبأن الخريف كان

قاسيا

وبأن أشياء كثيرة

ستصبح مجرد ذكرى

وحتما سماء المدينة

لن تمطر إلا حزنا

وأنَّ عليّ أن أتعلم كيف

أنسى؟

هكذا إذا بكل بساطة

ماض جميل يُمحى

وتاريخ مَشاعرَ

وحبّ يُطوى

أيها الحضنُ الدافئ

جدران البيت صقيع

ووحشة تتربع على

القلوب

وليل رهيب مريع

وصمت يرسم لوحة

الغروب

بألوان يخنقها الشحوب

أيها القلب الوديع

لم يعد لك حضن

إليه تنيخ

ويد تربت على الظهر

تمسح وحشة الأيام

ولسان عذب يسكب

حلو الكلام

لم يعد لك أيكٌ

إليه تؤوب

وابتسامة دافئة

تحضن حلمك

المرمري

و تهدهد روح

صباك الموهوب

أمي تَعجّلتِ الرحيل

وكان سفرك خارج

المألوف

سفرا بلا موعد

معروف

طواكِ ليل حزين

في غفلة منا

احتضنتك يد القدر

في مساء لاهب

فحلقتِ بعيدا عنا

كعصفور مَقرور

يبحث عن أيْكِ

حنين

*

أمي

من سيعاتبني

كالعادة؟

من سيسألني عن

أحوالي؟

وينثر في دربي

ورد السعادة

من سيقدم لي كأس

الشاي؟

ويدافع عني

بشراسة

من سيرسم البسمة

على شَفَتَيّ؟

ويحدثني بكل

بشاشة

من سيشير بسبابته

لرسم الغزالة

في باحة بيتنا؟

ويقول : ما أجمله

من سيدعو الله لي

عند العسر والحاجة؟

*

هناك شيء ما

يحدثني بِرَوِيّة

يفسر لي معنى الرحيل

يكشف لي مغزى الصعود

يفتح لي باب التأويل

يعلمني بتأنٍّ

كيف أنسج عباءة للفرح

كيف أنظم قصيدة للقمر

كيف أفتح لأمي بابا في قلبي

وأدعوها لتسكن خلايا دمي

هناك شيء ما

يهتف بي:

ترحل الأمهات

ويبقى صدى حبهن

يحرس أحلام الطفولة

ويشرق شمسا دافئة

عند كل صباح

ويبقى عِطرهن

درة عبير في الهواء

نستنشقه عند الفجر

ضوعا أصيلا

*

أمي

سأعود إلى مدينتي

سأبتسم للورد

وأفتح باب البيت

وأحمل ذكراك

في قلبي

في عقلي

سيتقاطع نغم الرحيل

مع تراتيل الحياة

وستبقين نورا يومض

في ذاتي

وسرابيل لأحلامي

***

محمد محضار 22 ماي 2022

 

نصان عن الهجرة والإغتراب والحلم بالعودة 

1

دَرْبُ الآلام

ظَننتُ حياتي كرمَ خيرٍ مُباركاً

وجدتُ حياتي كأسَ مُرّ بحنظلِ

*

أما العَيشُ آمالٌ نحققها غداً

لمَ العَيشُ والدّنيا أضاعتْ مُدللي

*

هو الدّهرُ خوّانٌ وقاسٍ بأمرنا

عُيوني رأت همّاً فحطّمَ كاهلي

*

أيا مَوتُ عَجّلْ إنّ أمركَ قادمٌ

ويا نفسُ لا تبكي ولا تتساءلي

*

فوالله لم أذهبْ لأمرِ مُسالماً

وكنتُ قويَّ البأسِ صَعبَ المَناهِل ِ

*

وما بانَ حسنُ الطّيبِ حتّى أحاطنا

بعالَم قبحٍ ردّ كلَّ مَسائلي(*)

*

وكانَ لنا بيتٌ متينٌ عمادُهُ

وفاقدِ بيتٍ عاشَ دوماً كَسائِل ِ

*

فيا حسرتي قد كانَ صَعباً رحيلُنا

ويا غربة عايشتها بالتنقل ِ

*

صَحيحٌ هو القولُ القديمُ لأهلِنا

"وغائبِ قومٍ صارَ يوماً كمثقَلِ"

كتبت عام 2014

ودونتْ حسب البحر الطويل.

***

2

مُغتربٌ يحلمُ بالعودة

ها نحن اليوم قد عدنا

عودة بحّار

مزق اليمّ شراعَهْ

أتعب الليلُ ذراعَهْ

وكان الصّبحُ الباردُ

فوق الشاطئ المقفرْ

رجعنا رجعة جُنديّ

قد استسلم

وكان حصادُهُ الخيبة،

وصلنا دون ما دعوة

ولم نسألْ (*)

يراجع شخصنا الماضي

ولا يقبلْ

يضيع في زحمة التاريخ

ويشربُ منه مُرّ الكاس

ولا يشبعْ.

دعوني أدفن أوراقي

بلا حًبّ ولا أطلال...

فهذي الأرضُ تعيش ليلها الكحليّ

وأحبابي يبيتون بلا بسمة.

دعوني.. دعوني أعود

قبل أن يغرسَ الدهرُ في صدري

تينة الصّبّار

قبل أن تخدشَ وجهي

هذي الرياح العاتية

دعوني .. دعوني أعود

ولن أرحل.

**

أنا عاهدتُ أيامي

أنا عاهدت ُ أحزاني

أنا عاهدت ُ أشواقي وأحلام

إذا ما عدتُ لن أرحَل

فهل يا قدري تقبل؟؟

***

الدكتور إسماعيل مكارم

دونت عام 2001

....................

* الضّمير في أحاطنا عائد على الدّهر، مَسائلي : طلباتي.

* النون فوقها ضمة، والفعل مبني للمجهول.

* في" الثلج يأتي من النافذة" يعالج الروائي حنا مينه مصير فياض، الهارب بسبب قمع الحريات في مجتمعه السوري حينذاك، ولكن هروبه لم يسعفه بالعيش بأمان.بطل "الثلج يأتي من التافذة" يردد: عبارة : "لن أهربَ بعد الآن" ..الكاتب السوري المعروف يؤكد على وجوب المواجهة بدلا من الهروب.

نحن في النص الأول نلمح إلى مسألة من أجبرتهم قوى الإرهاب إلى الهجرة. بينما في النص الثاني نشير إلى ألم العيش بعيدا عن الأهل والوطن، حيث يتحول الأمر إلى حلم في العودة، البعض يسعفه الحظ في تحقيق أمرين : النجاح والعودة، ولكن هذا النجاح لا ينسحب على الجميع، وليس حصة كل مغترب - النجاح.مسألة الهجرة أو ربما الأصح أن نقول موضوع الهجرة في أدبنا العربي من أيام الأندلس إلى يومنا هذا - موضوع غني ومتعدد الجوانب.

ولم أدرِ ما ضَمَّ الخِمارُ بوجهِها

ولكنْ زَهَتْ عينا رشا و حواجبُ

*

فمُذُ أنْ رأت عيني انبرهتُ بحبِّها

ومن أجلِها طولَ الزَّمان أحارِبُ

*

فما أنّني نلتُ المرام بوصلِها

ولا أنّني مهما دنوتُ أُقارِبُ

*

أرى في الحصى جمراً يمور بخطوتي

بهِ سَعَّرَتْ سُمّاً يفور عقارِبُ

*

إلى أنْ هَمَتْ شمسُ الأُفول بأفقِها

و قد عَسْعَسْتْ في المَشرقين مَغاربُ

*

هوتْ مهجتي في الخافقين كويكباً

على البحرِ .. لكنْ ؛ لن تمرَّ قواربُ !!

*

فمن يا تُرى يقوى يغوص بعمقِها

وهل يشتهي ماءَ الإجاجةِ شاربُ!؟

*

فقد أُمحِلَتْ حَدَّ المشيبِ بعمرِها

و قد أٌبرَمتْ قطنَ البياض شواربُ

*

فما يجتني ساعي القِطافِ بقفرةٍ

إذا عوسَجَتْ صدرَ البِطاح ترائبُ

*

و هل يُستفى منها الشَّذاءُ بشهوةٍ

إذا سَوَّرَتْ فصلَ الخريف خرائبُ!؟

*

لقد ضُعضِعَتْ .. جسمٌ ينوءُ بشيبِهِ

فلم تستطع حملَ الغرام مَناكبُ

*

أَرى كلَّما ضاعتْ حقوقُ تتطالبتْ

سوى في الجَفَا عافَ الحقوقَ مُطالِبُ

***

رعد الدخيلي

ارغب ان احبك بشيء غير مألوف

دون ان اقع في مثاليته الباهضة

كما وقصص العاشقين المنسية

مترفاً بالبروق الوامضة على جسد المحارات الزهرية

حب يستقطر القطاف من اخيلة الليل الملغى

بالهمهمات الغرائبية وبانفلاجات الغريزة البالغة

اهيم بندبة خدك الايسر، المرتفعة عن الزغابات المديدة

اصارح النجوم المنفلتة من ضوء القمر، اشير لها بأصبعي الحالم

باليقظة المذهلة، بالحرقة الممتزجة مع انفاس الشمس

بالقبلات الجارية على ظهر الفهود المنقطعة الانفاس

تجري بي، الى ما لا هناك من دم بارد

نحو البقعة الممهورة بخطم الزمن المثالي

نطأ العشب القصير بحرارة الأبدية

***

رغيــــدة العلــــي

 

دجلة السمراء تشدو

نايها يرمض حنين

لأنيس بالفرات يرشف الدر ويرنو

لنخيلٍ وضفاف

شاطئ العُرب ينادي

هيت درّي هيت درّي

إستقي من جوفي درّا

يملأ الفجرارتواء

وينابيع استقاء

من دعاء الغيث فيظا

ترتوي الأرض وتنهل

للفراتين صمودا وإباء

وبلادي تتعافى

يابلاد الرافدين

من بطين وأذين

في شغاف القلب شلال حنين

ترتوي منه الجداول

تستقي منه السحاب

تتورد منه دجلة

وتغني للضفاف

تنتهل منه نواعير الفرات

تتوسد فيه قبلة

لجبين الصبح ترتيل دعاء

وصلاة تستقي منها الجرار

كهرمانة ستعود

***

مريم لطفي

 

تحت

جنح الظلام

يتناغى العشاق

اعلن الفيتو صوت

غراب

*

يلاحقها  الصقر

حمامة تائه، لتستمر الحياة

أحتضنت

بيوضها

*

خرجدت الدجاجة

باكية

ليس كل البيوض فاسدة

فلماذا البكاء

(المخصي)

*

ابعد سكينك عن

رقبتي

تذكر من يوقضك

كل صباح

الديك

*

لست حرا

شبابيك أقفاصك لاتتسع

رفيف أجنحتي

البلبل

*

لاتعرف معنى السلام

أسال كرشك

صاحت رؤوس

العصافير

*

اللقالق

لاتستحق الاحترام

حملت اعشاشها على

رأسي

لوثتني  بذروقها

المنارة

*

لم

يقدروا زعيقي كل

صباح

مقلاتهم حرمتني

حق الامومة

الدجاجة

*

هائم

يبكي جفاء حبيبته

نصب له الانسان

المصائد

يحمل عظمه اسرار

العشق

الهدهد

*

يملأ

البساتين صياحا

متحديا بندقية صياد

مغرور

ديك الحجل

***

حميد الحريزي

 

إنْ تبحثَ عن الأحجارِ

في أرضٍ ليستْ لكَ

إنْ وجدتها علقها

عندَ المفترقاتِ

وأخترْ نجمةً سماويةً

تضيؤها لتكونَ نوراً

يفكُ طلاسمَ عزلتنا

*

خذْ ألفَ مسمارٍ

دقَّ ما تشاءُ منها

ليرى أحفادُ الشرِ

صورهم ممزقةً برؤوسها

*

كلما تتدلى الغرساتُ

في جسومنا

بعثنا من صبرنا للآخرينَ

نسكاً ورثناهُ من تسلقنا للسماءِ

*

لماذا لا نسرقُ البحرَ

كي نبرئهُ من جرائمِ

إنتحارِ العشاقِ

*

لو صرتُ ملكاً

الغيتُ عقودَ التفريقِ

زرعتُ بالتناسلِ أبديةَ الحبِ

*

العيونُ التي لا ترسلُ

ومضاتِ العشقِ

أغطيها بسوادِ الكونِ

*

لا أخشى عنصريتي

حينَ أختارُ دفئَ المدنِ

أجملها عنواناً لفتنةِ النساءِ

أجزمُ أنَّ الربَّ يباركني

لأني اخترتُ من خلقهِ الجمالَ

*

سوفَ أفتشُ عن مبدعي الرسمِ

أشيدُ لهم أبهى المعارضِ

كي لا يرسموا إلا نخلةً عراقيةً

أنزلها الربُّ في كتبهِ

مازالَ جذعها يهتزُ يشبعُ جوعنا الأزليَّ

*

أصدقائي الشعراءَ

مهلاً، إياكم وحبٍ

لا يمتطي مهرةً بيضاءَ

فالريحُ تمزقُ ما نكتبُ

والغربانُ تلتهمُ البقايا

*

الثيرانُ تعتقدُ انها سيدةُ الأهوارِ

تتناسى أنَّ الطيورَ

حينَ تحطُ على الأمواجِ

تقلدها أبهى قلائدِ الجمالِ

تحتَ عزفِ القصبِ سمفونيةً للحبِ

***

عبد الامير العبادي

 

الى صديقي الأنيق:

سلام عبد ساهي الكناني

***

في الجامِعةِ . .

وفي لحْظةٍ فارِقةٍ

لعنَ صَديقي الحُبَّ

ومزّقَ أشعارهُ غاضباً

لمْلَمتُ ما تبقّى

واحْتفظتُ بهِ بينَ ثنايا القلْبِ

وبعدَ أربعينَ سنةً تمَعنْتُ في الأوراقِ ثانيةً

فوَجدتُهُ حاضِراً

كأَنّهُ لمْ يَغِبْ أبَداً

***

د. ستار البياتي - بغداد

20/7/2022

القصيدة التي ألقتها الشاعرة أمان السيد

في مهرجان الجواهري 2022 م

في مدينة سيدني – أستراليا

***

لا رائحة للأمكنة المزيفة:

المطعم الفرنسي،

الخبز أمامي برائحته المفقودة،

الأنغام،

صوت المغني الفرنسي،

وقع خطوات الراقصين،

وذراعا المغني تشبِكان خصري.

الحرمانُ يعانق حتى خشب الكراسي.

كُثرٌ من ابتسموا لأحمر شفاهي،

ليس إلاكَ يدركُ كُنه الأحمر في نزفي.

**

أيتها الموسيقى:

كلّي قدمان،

والماء يُغويني، يجرجرني يتسقّى من قدمي.

ليس لي إلاكَ في غربتي.

طرقاتُ الأسفلت الملتهبة

تصبح بردا في جوار جحيمي.

يذوب المكان،

وأغدو متخمة بالعبث، بعينين أقصيتُهما.

يَلذّ لي رفيفُ سِرب من العشاق حولي،

وأن أكون امرأة يشتهيها البحارةُ العابرون،

والعازفون على أبواب الموسيقى.

سأعرَقُ بالفلّ والياسمين

كمدينة تطوّقها الجنائن.

**

لا رائحة للأمكنة المزيفة

سينبتُ حبيبي

الذي سيكسو جلدي بالورود.

أيتها الموسيقى:

أنا من يلقّح كلّ نَفَس منك،

كلّ نغمة، كلّ انشطارة،

كل شريان، كل لمسة،

وأحبو،

أحبو كأصابع عاشق فوق جسدي.

أيتها الموسيقى:

لا رائحة للأمكنة المزيفة

في مدن لا تشبعُ من أنفاسي المبثوثة،

لا تدعُ لي وقتا

لأواصل ارتكاب آثامي.

من عينيّ، من عنقي، من بين ثدييّ،

من سرّتي

تنبتُ الأمكنة التي

تلتصقُ روائحُها بالنخاع.

أنا من أهبُ الموسيقى بهاءَها،

أنا من أهبُ الرقصَ حياتَه،

ليس لي إلاكَ في غربتي

يدركُ كنه الأحمر في شفاهي.

جسدي القيثار.

موسيقاك تعزِفني

أنغاما وطيورا خرافية.

ألا اصدحي يا بلابل.

***

أمان السيد – سيدني / أستراليا

.....................

القصيدة طقس من طقوس الديوان " النهر أنت يا حبيبي وأنا الأفعوان" للأديبة " أمان السيد". 

 

أنا من أهدهدُ الليلَ نجمةً تلو الأخرى

لتغفو الظُلمة في سُباتٍ أبدي

وأستبينُ النورَ فجراً حالماً

ممتطياً خصرَ القصيدةِ ...

*

كم مِن سمواتٍ شهِدت تمرُدي

أناكفُ الأقدارَ أبني مدينةً مِن وحي عينيكَ

يُظللها الغمامُ ويتكيءُ على زِندها طائرُ اللقلاق ِ

يتساقطُ شيءٌ مِن حزنهِ

يخترقُ رحمَ الأرضِ

لينفلت مِن ذاتِ العمق

ماردٌ له وجه طفلٍ

وأقدامِ عنكبوت و بيدهِ صولجان

تُضيءُ ابتسامتُه مابين المشرِقِ و المغرِب ِ...

*

وهُناكَ في جوفِ الفراغ

أنصبُ فزاعةً لها رأسُ سمكةٍ

ينسابُ نهرٌ مِن خياشِيمها

وعلى ضفتيهِ تقفُ الحياة ُ

تنشدُ أغنيةَ العودةِ  ...

*

مَد يدَك لتُراقصني

على وقعِ هارمونيكا اللحظةِ الغارقة ِ

في أقصى درجاتِ الشهوةِ

هُنا لا أحدٌ سِوانا

لاعين ترانا

*

تحرر ...

المدينةُ لك

مِفتاحُها مُخبأ بين شفتيك

*

تحرر ...

لن يصمدَ الماردُ طويلاً

ستأتي أنثى العنكبوت عاجلاً

وتُغريها سيقانُه

ومن ثم يسري سمها

*

تحرر ...

فمدن الشِّعر لا تصمدُ كثيراً في انتظار ِ

سذاجةِ العُشاق

تستقبلُ الفاتحين

مُن صوبِ بوابةِ الجرأةِ

و جنونِ الفكرةِ

لا تختبر صبري

فاتكائي على كتفِ الحروف

لحظاتُ احتراق

قد تُهديك نصاً لكنها تمضي

تورثُني الرماد

كُنْ ما أردت

مالكاً لمدينتي ...

أو

قارئاً لقصيدتي ...

وستكون حينها مُلهِماً خالي الوِفاض

فالقصيدةُ لا تورث

وسأعودُ للنجماتِ ليسَ يهمني

فالشعرُ لي ولك التمنِي ...

***

أريج محمد احمد

.................. 

* من ديوان (منازل الوجد) الصادر من دار الأديب للطباعة والنشر والتوزيع في القاهرة يناير 2022

 

رَحِيلٌ أنْصَفَ الذِّكْرَى

وجُرْحٌ قَدْ أبَى ذِكْرَا

مَواعيد ضَرَبْناها

ورُوح زادَها قَدْرَا

هُبوب لم يَنَلْ مِنْه

سُقوطُ الضِّفَّةِ اليُسْرَى

*

تَضَرَّعْ أيها البَدْرُ

وكابِرْ  يَنْقَضِ العُمْرُ

أراكَ غَيمةً تَحْلُو

بِعَينٍ عابَها الكُحْلُ

*

وُعُودُ الصَّيفِ قد نامَتْ

ومَوجُ الحَظِّ ها يَغْفُو

شِفاهُ الريحِ قد صاحَتْ

وما مِنْ مُهْجَةٍ تَرْفُو

حَنِينَ الجَذْوَةِ العَطْشى

لِغَيْثٍ دَمْعُهُ يَغْشَى

*

أَلاَ يا قَلْبُ لا تَبْكِ

أَلاَ يا ثَغْرُ بُشْراكَ

بِما تَتْلُو  وما تَهْذِي

بِهِ  مِنْ فَيْضِ مَوْلاكَ

*

تَبِيعُ اللَّهْوَ مِدْرارَا

وَتمْحُو اللَّيْلَ كَفَّارَة

فَسَرِّحْ طائِرا أَبْلَى

ومَا حُكْمُ الْهَوَى أَحْرَى

لَنا يَوْمٌ، لنا يَومٌ

لَنا يَوْمٌ فَحاذِرْ أَنْ

تُجَارِي قَلْبَكَ سُكْرَا

***

د. سعاد درير

قصي الشيخ عسكركان ينتظر ثانية تفصل رأسه عنه.

2

لا أرى قالها الفيلسوف فظنه الأعمى مثله.

3

كلما بصقت هبّت العنكبوت باتجاه بصاقي على الشبكة، بعد محاولات بقيت ساكن وتركتني أمارس اللعبة وحدي.

4

أغلق الطفل عنق القنينة وراح يراقب الذبابة بنشوة عارمة.

5

حدث المعلم الصغار عن بكتريا تنشطر فلا تموت وحين سألهم من يرغب في تلك الحياة الأبدية لم يرفع أحد يده.

6

ترك وجهه في المرآة وهاجر وحيدا.

7

يرسم وجوه بشر بأجساد حيوانات وحشرات.

8

تحدث عن بحر بماء عذب.

9

فكر في أشياء لم تراوده في الأحلام.

10

ضاق ذرعا بالصمت والكلام.

11

هجرته الأولى كانت إلى مدن الصمت والثانية إلى مدن تثرثر.

12

رحلوا بعد نجاتهم ومازال الرعب يكتظ خوفا من زلزال جديد

13

الكاتبة المغمورة كتبت إلى لجنة جائزة نوبل أرجو سجب اسمي من قائمة الترشيح للأدب لأنكم شؤم فكل اديب مات بعد 7 سنوات من فوزه بالجائزة

***

قصي الشيخ عسكر

 

 

هوس

هوسا بالنور من رمادي أبعث محاربا

كما ولدت أول مرة

مازلت عاشقا لهدير موج البحر

ولغناء الحوريات

وللمرافئ البعيدة

ولسيرة أوديسيوس المهووس بالحرب

فارس اسبرطي

كفارس  اسبرطي

تقبل على الحرب بلاهوادة

فالحرب وجدت للفرسان

هكذا تقول الملحمة في اليونان

تعانق الموت بحب كأنه رفيق العمر

والوغى بخيلها وفرسانها

شاهدة على عمق هذا الوصال

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

 

تأوَّهَ مَنْ رأى وجَعَ الليالي

وما بلغتْ مُعاناةُ الأهالي

*

ولا سُرَّتْ بها أبداً بلادٌ

تُعاقِرُها النواكبُ بالعِضالِ

*

تَساقطَ توأمٌ وهَوى ضَريحٌ

وأنوارٌ بداهيةِ الزوالِ

*

فعمّ وجودَها ألمٌ وكيْدٌ

وتَحْشيدٌ لقاسيَةِ النِزالِ

*

وكمْ دارتْ وما جَلبتْ مُفيداً

ودامَتْ في مُباركةِ المُحالِ

*

تُؤجِّجها مَطامِعُ مُنْطَواها

فَتَسلبُها مَواثيقَ العَقالِ

*

فهلْ تَبقى مُكَبّلةً بحَيْفٍ

تؤرِّقها مآلاتُ الضَلالِ

*

ألا سُرَّتْ برائعةِ افْتِكارٍ

وإمْعانٍ بسامِقةِ العَوالي

*

تلوّتْ في مَرابِعِها رُؤاها

وشادَتْ صَرْحَ أمْجادِ النِضالِ

*

وما وَهَنَتْ مَعانيها وعاشَتْ

تُعانقُ لهفةً ذاتَ ابْتِهالِ

*

سَمَوْنا فوقَ أكْتافِ ارْتِقاءٍ

إلى مَجْدٍ بعَلياءِ الوِصالِ

*

بها الأجيالُ مَرَّتْ ثمَّ غابَتْ

وحاضِرُها سيَحْيا في الخَيالِ

*

يَنوءُ تُرابُها منْ قَهرِ دَهْرٍ

تَداعى نحوَ فائقةِ الجَمالِ

*

ليَهْدِمَ شاهداً نَطقَ افْتِخاراً

ويَأتينا بحاديَةِ الخَبالِ

*

مُعللتي بأحْلام اقْتدارٍ

صَبَرْنا مِثلَ أيّوبٍ بحالِ

*

فما عادَ الزمانُ لنا صَديقاً

وكلّ قرينةٍ بنتُ اهْتِبالِ

*

ومِنْ ألمٍ إلى ألمٍ خُطاها

وإنْ نَطقتْ أفاضَتْ بالجِدالِ

*

سَعَيْنا نَحْوَ فاضِلَةٍ وطيْبٍ

وإيْمانٍ برائدَةِ المِثالِ

*

ودُمْنا رَمْزَ إنْسانٍ عَزيزٍ

يُبادِرُها بطاهِرةِ الخِصالِ

*

فهلْ نَفعَتْ جَواهرُ مُبْتَغانا

وعِشنا مثلَ إخْوانٍ عِيالِ؟

*

لماذا صارتِ الدُنيا عَليْنا

تُكبّلنا بأسْبابِ انْتكالِ؟

*

وتَرْجِمُنا بجائرةٍ وأخْرى

تُسوّقها أبابيلُ افْتِعالِ

*

ألا عَرَفتْ لنا مَجْدَ ابْتِداءٍ

تُبَرْهِنهُ الشواهِدُ بالكَمالِ

*

وتُظهِرهُ الخَرائدُ في قَريضٍ

وتَسْطيرٍ لماجدةِ المآلِ

*

الا تبَّتْ رؤى الأحْقادِ تَباً

سَتُصْلى عِندَ قاضيةِ السِجالِ

*

مَعالمُ إنَّنا أقْوى سِلاحٍ

فَكنْ فيها كمَحْزومِ النِصالِ

***

د. صادق السامرائي

13\3\

 

هشام بن الشاوينعم، ستغيبين..

سيكون غيابك متلكئا، قاسيا، طويلاً، موحشا...

ستسرقين من الأيام طعمها وأسماءها. لن أنشغل بالجمعة، لن أنتظر السبت ولن أبالي بالأحد، ولن أفكر في غربة بقية الأيام الميتافيزيقية، فالألم  - ببساطة - لا يعرف العطل، ولا يتقاعد.

كل الأيام ستغدو يوماً سرمديا،  مدته عام كامل؛ يوم كئيب، جنائزي مثل شتاء لا يريد أن ينتهي، وكل ما سأدركه أن غيابك سوف ينكل بدموع هذا الطفل اليتيم: قلبي.

قلبي سوف يصادق ذلك المكان في غيابك، كمن يحرس هشيم اللوعة، سيبقى وفيا لذكرى ذلك المعول الذي انهال - بكل وحشية، ذات هاجرة-  على جدار فاصل بيننا، لا يراه سوانا، وأنت تنحنين في جلستك المتوارية، لكي يندلع بستان البهجة فوق أحراش الإسفلت.

ستغيبين مثل طائر مهاجر ، يتكاثر في الصيف، غير مبال بقلب ينوح على الضفة الأخرى للفجيعة..  فهل كان ينبغي أن تنحني، لكي تسددي رصاص عينيك نحو قلبي الأعزل؟! هل كان من الضروري أن تشي بوحشة منتصف العمر (عمرك/عمري؟!)،  وتزجين بسىرب من الدموع  في  هذا الحداد الطويل، القادم.. اللاينتهي: غيابك؟!

هل كان ينبغي أن نمرح، هنيهة، في بستان ملتقى النظرات، ذات قيظ، لكي تزهر - الآن، غدا وبعد غد- هذه الدموع على قارعة هذا الحزن الأعشى؟.

***

هشام بن الشاوي

ليلةٌ ولكن!!!

في ليلةٍ ليْلاءَ يُرهِبُ صَمتُها

سِرْتُ الهُوَيْنا لا أرى غيرَ الظَّلامْ !

أَسْرَعْتُ تحملُني همومي حائرًا،

مُتَثاقِلًا، مُتَسائِلًا،

أَإِلى النجاةِ أَمِ الحِمامْ؟

*

وتَباطَأَتْ قَدَمايَ

شَيْءٌ قد تَخَلَّلَني،

أُحِسُّ بأنَّه يمشي معي،

ينسابُ في مجرى دمي.

تَتَدافعُ الأفكارُ في رأسي

اضاعتني!

كذا الكلماتُ ضَيَّعَها فمي.

*

وهنا تراءى من بعيدْ

قَبَسٌ حثَثْتُ السيرَ لكنْ دونما

شيءٌ يُفيدْ

فَوقَعْتُ في جُبٍّ عميقْ

وإذا بِوَحْشٍ رابِضٍ

سالتْ نواجِذُهُ دمًا

قد سُرَّ بي،

وأنا اعيشُ ثوانيًا

كادت تمزِّقُني، فقد كانت تعيسَةْ

فأنا الفريسةُ سهلةً

جاءَتْهُ دونَ متاعبٍ، وأنا الفَطيسَةْ.

*

أجْهَشْتُ أبكي لا أُطيقْ

لا أهلَ قُربي لا صديقْ

أأموتُ؟  تلك مصيبةٌ

من سوف يحملُني الى قبري ومن

يُبلغُ أهلي والأقاربْ؟

من سوف يرحمُ وحشتي

وسْط الغَياهبْ؟

*

ياربِّ آنسْ وحشتي

إني وحيدْ،

يا ربِّ إني راعَني هذا الظلامْ

فأنِرْ سَماكَ فإنَّ عينيَ لن تنامْ

يا ربِّ أدعوكَ النجاةْ

يا ربِّ إني أرتجي نورَ الحياة

فَرَفعْتُ رأسي في أناةْ

وإذا بشيخٍ أَصْبَحِ الوجهِ

أَزاحَ الرَّوْعَ عني

راحَ يسألُني لماذا

أنت في هذا المكانْ؟

فَأَجَبْتُهُ

إنّي ضَليلٌ منذ ساعاتٍ الأصيلْ

فَدَنا فَأَدْلى دَلْوَهُ

فخرجتُ لكنْ

لم أجِدْ أثَرًا لهُ!!!

***

شعر عبد يونس لافي

 

عبد المجيد احمد المحموديطلّ عليّ من النافذة، وتارةً من كوةٍ في الحائط، وكثيرًا ما أشعر بخطوه خلفي خاصة حين أكون وحدي في البيت، وكلما طُرِق الباب اعتقدت أنه هو من في الخارج...

حتى حين أفتح دفتر مذكراتي أجده متربعا على صفحاته...

عائلتي باتت تلحظ ما يعتريني...

بدؤوا يتهامسون بينهم عن احتمال إصابتي بالجنون بعد تلك الحادثة...

من أين نَبَتَ أمام سيارتي لست أدري؟!

 كان شيئا مرعبا بحقّ...

لم أكن مجنونا كما يظنون...

إن كلّ ما يحدث معي حقيقةٌ.. حقيقةٌ صارخة لا تخيلات، ومع أنهم أكدوا لي خبر بقائه على قيد الحياة، وعودته للمنزل سليما معافى، لكنني كنت أؤكد لهم أنه قد مات، فكيف لرجل تدهسه سيارة ضخمة أن يعيش، وسائق تلك السيارة لم يقم بإنقاذه؟!!

***

د.عبد المجيد أحمد المحمود - سوريا

مهما أقول فلن يفيك فصيحُ

إنَّ المديح لمن سواك جريحُ

*

أنا بعض ما عانى الحسين وإنني

بالضَّيم في أمضى السُّيوف ذبيحُ

*

أبكي أضجُّ مدى الزمان بغربتي

مازلتُ أبكي في دمي و أنوحُ

*

لا صوتَ لي يحكي.. يقولُ بعالمي

صوتي على سمع المدى مبحوحُ

*

شتّان في ذاك الزَّمان و ما على

هذا الزمان.. فذا الفراغ فسيحُ

*

قد كنتَ بالأمس البعيد مناضلاً

قد صار بعدك للنِّضال طموحُ

*

كنا نثور فلم نصلك كرامةً

إذ كنت وحدك و الزمان شحيحُ

*

و غداةَ ساد الظَّالمون.. تحكَّموا

في كلِّ شيءٍ في الحياة أُطيحوا

*

و بقيت أنتَ أيا حسينُ منارةً

للعزِّ تزهو و الفضاء صبوحُ

*

لمّا قفوناك الطَّريق تعبّدتْ

كلُّ الدُّروب.. فذا الحسين صحيحُ

*

يا فارسَ الطَّفِّ المجيد بثورةٍ

أثنى لها طه النبيُّ و نوحُ

*

قد كان يوسفُ في الظَّلام  بجبِّهِ

يدعو و بسمك (يا حسين) يصيحُ

*

ذو النون كان على البحار بحوتهِ

أنجاه ربُّهُ (يا حسين) يصيحُ

*

في النار إبراهيم الخليل ممنجقاً

يهوي وبسمك (يا حسين) يصيحُ

*

الكلُّ صاحَ أيا حسين بضيقهِ

و الكلُّ يبقى (يا حسين) يصيحُ

***

رعد الدخيلي

 

لا تَرغبُ المرآةُ بي

عَيني ترىٰ فيها الغُصونَ الخضرَ

في جِذعٍ يُقشّرهُ انحِسارُ الوَقتِ

عن شطآنيَ العَطشىٰ

وقد عَدّتْ وقوفي بدعَةً

لمّا انحنيتُ مُنقبّاً عن شامةٍ

جَلَسَت بغيرِ مَكانِها

زَحَفتْ كما لو أنَّ وَجهي شَمعَةٌ

ذابتْ

فساحَ الى أركانِها

ما كانَ غضّا لم تَطأهُ رحى السنينْ

لكنّني .. مُتفائلٌ

عَلّلتُ صَدعاً في الزُجاجِ

لَوىٰ عُروقي

وانتهىٰ بي

غيرَ ما أنا في عُيونِ الآخرين

ولَعَنتُ مِرآتي

فقد شاخت لتُظهرَ عاجزاً يَطأُ العَرين

**

ماذا تقولُ مَلامحي

وعوارضي ملويةٌ

إنْ عُدتُ أنفُضُ عن أديمي غُبرَةَ الأيّامِ

هل تأتي بما يَخفىٰ

وتَسردُ قِصّةً أخرى جَهَلتُ فُصولَها

ألتَفُّ حولي.. راثياً

وأدورُ في العَدَمِ الرهيبِ

أناولُ الأفُقَ الأمانيَ والرجاءْ

عَبّثاً أُحاورُ جَبهَتي

لو كانَ فيها ما يُزيلُ ذُبولَها

تَعَبتْ يَدايَ ولم تزلْ

معلولةً

تَشكو الى الغَيبِ الكَتومِ خُمولَها

**

ها عدتُ كالجَوّالِ في زَمنِ الظُهور

قلَمي العَصا

وصَحائفي الحيطانُ أنقشُ فوقَها

اشباحَ أُنثىٰ

غادرَتْ سَفحي

وعافَتني بقايا عابثٍ

أستلُّ اشيائي من الذكرىٰ

فأبسمُ دامعاً

كوّرتُ أطرافي أُمَجّدُ ماضياً

ضاعتْ لأجلِ رجوعهِ

أغلىٰ النُذور

**

عادل الحنظل

 

ذوو البَدَلاتِ الفاخرة

والقُبّعاتِ الأَجنبيةِ الأَنيقة

والأربطةِ والأَحذيةِ اللمّاعة

وذواتُ الوجوهِ المَطليّةِ بأحدثِ

مُستحضراتِ التجميلِ والمساحيقِ

الباذخةِ منها والفاقعةِ حدَّ القرفِ والتهريجْ

و" الفائخونَ والفائخاتُ "

من ذوي وذواتُ المُؤخراتِ والعجيزاتِ

والكروشِ والبطونِ الرجعيةِ والتقدّمية كلِّها

وكذلكَ تُجّارُ الحروبِ والقلوبِ

والصفقاتِ والبورصاتِ والعُملاتِ والبترودولاراتِ

والمُخدَّراتِ والبغايا والعاهراتِ والغلمانِ والخصيانِ

والمثليين والمؤمنينَ والمُلْحدينَ

والظلاميينَ والغواني والجنرالاتِ المُجرمينْ

كلُّهم يدخلونَ الفنادقَ الفارهة

ليمارسوا كلَّ عوالمِهم

ووطقوسَهم وملذّاتِهم وجنوناتِهم الفنتازية

*

أَمّا مُعوقو الحروبِ

والآباءُ المُتعبونَ من القهرِ والفاقةِ والجوعِ والحرمانْ

والأُمّهاتُ ذواتُ الامراضِ المُزمنة

فيعرضونَ أقدامَهم وأَذرعَهم المُمَزَّقةَ

وأَدويتَهم الرخيصةَ و " الإكسباير "

أمامَ حضراتِ السادةِ الاثرياء

وسيداتِ الصالوناتِ السرّيةِ

والخاصةِ جداً جداً .

عسى أَن يعطفوا على هؤلاءِ الضحايا والسبايا

ويتصدّقوا عليهم ببضعةِ

ملاليمَ وفلْساتٍ ودراهمَ وليراتٍ

بالكادِ يقدرونَ أَنْ يشتروا بها

" ساندويشات " فلافل وطنية

***

سعد جاسم

2022 - 8 -7

هشموا مرايا

الامل والحكمة

ومضوا مضوا

زارعين في طرقات

الحب والعطاء

شوكا

عوسجا

وحنظلا

غير مبالين بغضب

البرق الريح

والمطر

حينذاك قلنا سنحتمي

بقرص الشمس

بقوس قزح الصباح

وبالشفق الازرق

ونطرز بيارق

احلامنا  امالنا ورؤانا

بشاع نور

التصميم  الازرق

فهشموا هشموا

مرايا الحب والحكمة

واختبأوا خلف جدر

اسفلت الاقاويل

غير مبالين بغضب

البرق الريح

والمطر.

***

سالم الياس مدالو

 

 

إلى روح أمي التي وافتها المنية دون أن أفلح بزيارتها

كنت أروم زيارتها مترقبا أحوال الوطن الذي غدر الزمان به من قبل أحزاب السلطة الفاسدة، لكنني على حين غرة وجدت نفسي أمام كلمات التعزية التي كتبها أخي الأكبر في يوم السبت المصادف 7 من الشهر الثامن لعام 2022 ، وذلك في تمام الساعة 3:52 بعد منتصف الليل بتوقيت العراق قائلا فيها: "عقيل حبيبي البقاء في حياتك توفيت والدتنا العزيزة"

هنا وأنا في حرقة الشوق كتبت:

إلى التي تزاحمت في ليل حدادها الصباحات،

ومن بريق طهارتها تشع رائحة الحياة،

إلى التي من تراب حضورها أصنع أقراط مسبحتي،

ولعفة صبرها أتلو الكلمات

**

دعيني أصلي بجوار ظلك أيتها الروح!

أغتسل بنقاء طهرك أيتها الطهور،

فها أنذا اليوم أجلس في حديقة مأتمك الموصدة،

أنصت لأنين أنفاسك المتعبة،

أبحث عن طريقة للعزاء،

أتلو لطقوس قبرك الصلوات،

هنالك حيث يستفيض الخير،

ينبعث النور وتنجلي الظلمات.

***

عقيل العبود سان دييغو

حاولتُ يا سيِّدي..

حاولتُ كلَّ مرَّة..

حاولتُ في الماضي ألفَ ألفَ مرَّة..

لكنَّني لم أرَ الماءَ

منبجسًا من عمقِ صخرة..

*

حاولتُ أنْ أكظمَ غيظي

أتناسى أعمارَنا الملقاةَ

في مهبِّ الرِّيحِ..

و حياتَنا المُرَّة..

*

حاولتُ جاهدًا أن أُسكِتَ

الأجراسَ في رأسِي

أنْ أقهرَ الوساوسَ و الظُّنون

لكنَّها كانت تعصفُ فيهِ

كبركانِ ثورة..

*

أنا لم أكنْ شيئًا يا سيِّدي

أقتاتُ همومي كالحمارِ

في الليلِ و في ضوءِ النَّهارِ

نصحوني بالأفيونِ و أغاني الصَّبرِ

لكنَّني لم أفقدْ ذاكرتي

لم أفقدْ من أحزانيَ الغُبرِ

قيدَ شعرة..

*

كم قد زفرتُ أنينيَ المبحوحَ

في مداخنِ الحذرِ المريرةِ

و كبحْتُ أعنَّةَ الأحلامِ و الأقوالِ

و كلَّما صحوتُ..عُدْتُ

أمزِّقُ أفكاري التي اجتاحتْ

عليَّ فضاءَ سَكْرَة

*

يا سيِّدي..إنِّي رفضْتُ الأحزابا

أوصدْتُ على فكري الأبوابا

فأنا ابنُ الأرضِ..

أحبُّ كتابي و قهوةَ أمِّي

أكرهُ الإرهابا..

أحبُّ عيونَ العاشقين..و بساطةَ الفقراءِ

و العسلَ المعقودَ من زهرة..

*

يا سيِّدي أنَّى لحرفيَ المقتولِ

أنْ يصحو؟!!

و سياطُ جلَّادِ البلادِ في ظهري

على لسعاتِها السُّودِ أرسمُ

أنَّاتي و قهري

فأينَ أرحلُ يا سيِّدي و قد أغلقوا

علينا أبوابَ المجرَّة؟!!

*

يا سيِّدي لقدْ شبعَتْ

من لمسِ أناملي الحيطانُ

و اغدودنَ البؤسُ في قلبي

و نسيتُ أنَّني إنسانُ

و نسيتُ طعمَ الثَّلجِ و التُّفاحِ

و طعمَ اللونِ و الفكرة..

*

يا سيِّدي إنَّا نعيشُ في بلدٍ

عبيدُها يغنُّونَ للجلَّاد

و الذلُّ عنوانٌ عريضٌ

باتَ يقرأُهُ الغرابُ

في وجهِ العباد

و غدا الفقيرُ ليسَ يشكو

في ليالي الهمِّ...فقرَه

ها قدْ تشبَّعَتْ شفتايَ بالدِّماء

و الكرسيُّ خلفَ رأسي صارَ مثلي

ضحيَّةً خرساء

يا سيِّدي هذا وطنٌ..

ليسَ يحيا في جنانِهِ الفقراء

و عيونُ اليتامى ليسَ

تعرفُ ما المسرَّة..

*

يا سيِّدي..ها هنا يضيِّعُ النَّهرُ بحرَه

ها هنا يقيِّدُ الليلُ فجرَه

ها هنا يصلبُ الحقُّ سِفرَه

*

إنَّا وُلدنَا نصلِّي للساسةِ الكبار

معَ الخبزِ نحترمُ الكبار

معَ الطَّعامِ و الشَّرابِ

معَ الغناءِ..مع البكاءِ

معَ الشَّقاءِ..معَ البقاءِ

نقدِّسُ الكبار

حتَّى غدونا عاجزينَ في وطنٍ

عاجزٍ عنْ أيِّ موتٍ أو قرار

و صارَ الضَّعفُ فينا عدوًّا

لم نستطِعْ بعدُ قهرَه

*

يا سيِّدي..إنَّا نعيشُ في وطنٍ

كلماتُ المرءِ فيهِ

تصنعُ قبرَه

***

د. عبد المجيد أحمد المحمود - سوريا

احمد الحليمفارقات

بقيت غرفةُ الفندقِ ذاتُ الرقمِ 11 ساكنةً وهامدةً لبعضِ الوقتِ، ولا يدري أحدٌ كيف اتّفقَ أن يجتمعَ فيها ثلاثةُ مَعطوبينَ في وقتٍ واحدٍ: المصباحُ وساعةُ الجدارِ وجسدُ نزيلٍ يُحتضَر .

**

كابوس

كان الصمتُ والوجومُ يخيّمانِ على المكانِ المقفرِ الذي قادتني خطاي إليهِ ، بدا لي كلُّ شيءٍ مريباً، تملّكني هاجسٌ أن ثمةَ بين هذه الخرائبِ من يصوّبُ بندقيّتَه نحو رأسي وأنه يوشكُ أن يُطلقَ رصاصةً ، تذكّرتُ أنني منذ يومينِ لم أحلق ذقني .

**

تتوجَّسُ الوردةُ

أن تمتدَّ لها يدُ عابثٍ

فتؤذيها

لكنها ، ما إن رأتكِ

حتى صارَ هاجسُها

أن تقطفيها

*

تتقدُ فوقَ رأسي

شُعلةٌ

حينَ لا تصطدمُ

خُطواتي إليكِ

بعثرة

**

شبكةُ العنكبوت

منذُ أمدٍ بعيدٍ

وهذهِ الشبكةُ المُمَوَّهةُ

منصوبةٌ فوقَ رؤوسِنا

تلتهمُ أيّامَنا بشراهةٍ

تمتدُّ خيوطُها اللزِجةُ

لأبعدِ نقطةٍ في الأفقِ

وعلى الرغمِ من أنها

موغِلةٌ في القدمِ

لكنها لم تهتريءْ

أو يتطرّق إليها الوهنُ

لم تزلْ تحتفظُ

بنضارتِها وسحرِها

على الأقلِّ بالنسبةِ للذبابِ

الذي يتساقطُ فيها بإطّرادٍ

فيُصبِحَ جزءاً

من كينونةِ

عنكبوت

** 

هايكوات

يتركُ شطراً

من فريستِهِ للصّ

الذئب

*

تتمنّى لو تتلقّفُها

يدا ساحرة

المكنسة

*

لا تنخدع بسكونِها

ستعقِبُه عاصفة

تاء التأنيث

*

بحذرٍ وتوجُّسٍ

يقتربونَ من جُثتِهِ

الأسد

*

يتباهى بأنه شجرةٌ

وأنّ ثمرتَهُ تُضيء

عمود الكهرباء

***

أحمد الحلي

 

أشتهي الآن أصابعك الناعمة، وهي تغوص في شعر راسي الابيض المُقمر، تنبش مثل حمامة، عُشَ جمجمتي الملقاة على ركبتيك، وأنت تحكي لي بصوت خافت فيه بعض ضوء.. كقنديل أمي القديم.. تتحدثي..

عن يوم الغد الذي لم يعد يهمنا.. عن أمنيات تضيء قليلا ثم سرعان ما تتلاشى كانها قوس قزح..

- كنت تقول لي:

لا تدع اصابعي ترتخي يا حبيبي.. لا تَفرح قَبْلي...

إنّ قلبي موحش مثل الوطن، غريب مثل جسر مهجور..

جارح كانه الزجاج المكسور..

أنا " مراثي قرطاج" كلها

تستجدي ضجيج العابرين

مع هديل الحمام..

لا راهب يشم عظامي..

يرش عند خرائبي ماء الكنائس..

*

لماذا تركتني أذبل

كل هذا الوقت

مثل عشبة في قَبْو مهجور

انتظر..

على الرّيق

مثل طائر البطريق

عند شاطىء مهجور..؟

كنت أظن..

سوف تعود

في زَبَد الموج

وانّ البحر لا يخون،

أنت الريح التي تشمني

وانّ النوارس

ومراكب الصيادين البعيدة..

سوف تراني.

مَنْ اخذك من حضني،

من أحرق في بستاني

عود الأقمار...؟

*

لا تدع الخيط ينفلت من الإبرة هذه المرة..

توجد بعض اوهام جميلة ورياح اخرى تبرعم في الذاكرة مثل ازهار القطن..

.. أن تُحِــبَّ،

ليس بالضرورة أنْ تُنَقّـِطَ كل آهات حروفك،،

وليس إشاعةً أن تكون قد بكيتَ، وآحترقْتَ، ونزفْتَ مثل جُرْح خفِي..

أشتهي،

أن يلفّنا دخان الحرائق وروائح النار،

ننصرف إلى حديقة منسية أخرى في منعطفات البدن، لم تَمْسَسْها بَعْدُ حوافر اللّعنات،، ولم يَشْمَلْها أيُّ نعيقْ....

*

أشتهي يا حبيبي،

ان تَكْتمِل أجمل الغَيْمات وأحزان الحبّ فيك، وتصبح سيّد المَعْبد..

تجري كنهر يتيم..

- انا احبك، أنت قميصي البالية المتبقية في هذا العراء، وانا البرتقالة المضحكة...

- دَعْني أتوهّم

انك ما زالتَ تُحبني

ايها الطفل الجريح.

وأنّ قرنقلة القلب..

لم تسقط من يدي،

لم يأخذها تيّار النهر،

الى بُحَيْرات الملح...!!

***

* عبد الرؤوف بوفتح / تونس

 

إلى سبارتاكوس الثائر

الْتَقَت نيراننا على متنِ تلكَ

القصيدة..

يا لهذا المكانِ الفَسيحِ

محميّةٌ بواباتُهُ بالعيون

اقتنيتُ ابتسامتكَ بعينيَ الممتلِئةِ بكَ

مزجًا أوّلًا واغتيالًا للحروفِ

*

مَنْ يُوازنُ الغضَبَ في جَنباتِ الجُنونِ

عابرًا لذّةَ الوَحلِ

فيكتُبُ ميلادَ الحريّةِ

إنّ أكوامَ الطينِ تثيرُ شهيّةُ مناضلٍ

تُفضي إلى سَماحةِ العُروش

و ربّ القصيدة يغارُ من قَطْرٍ مغموسٍ

في سراديبِ السّحابِ

لأتعلّقَ في محاولات الوصول

أرعى السّرابَ في حدودِ اللّانهائيةِ

*

أدونيس .. هل مازال حاضنًا سنبلةَ الوقتِ

أم تحضنُها الجبالُ البائدةُ

واللّيلُ يسامرُ هدوءَ أبراجِ النّار

يثور الوقتُ كلّما حبِلَتِ الأرضُ بالعيونِ الكاذبة ِ

لاتقفْ كطفلٍ علِقَ في نسيجِ أسطورةِ

التّغريبِ

*

بعدَ الانعتاقِ لن نرقصَ بدَرْوَشةِ السّوقيين

فالأغاني العطْشَى مازالتْ تُنادينا

ومازلتُ أحتفظُ بذلكَ الإعجابِ

أنتَ سيّد الخيالِ الجامحِ في المتُون

*

لربّما التَقينا..

على متنِ تلكَ القصيدةِ القادمةِ

من صدى العويلِ

تحتَ ظلّ القياصرَةِ

لنكسِرَ عقدَ الملحِ والسّحابِ

نُحرّرُ الماءَ من الغرقِ

أو ننتهي هنا.. هنا

في عشّ النّشوَةِ

وهمسِ التّسابيحِ

*

لتكتبَ على صدري أبجديّةَ

الحزنِ العميقِ

بأناملِ النّورِ

فيكون الميلادُ خالدًا على

عروش ِالسّماءِ

ومع انحسارِ الخيالِ

يغيبُ اللّهبُ

وتتراءى لي كالذّهولِ في

متنِ القصيدةِ.

***

ريما آل كلزلي

8-8-2022

 

 

محمد الدرقاويقبل أن يعي علي بعضا من حقائق الناس، وتمحو سلوكات الكبارعبق البراءة من ذاته، قبل أن يميز بين أصناف الناس وسلوكاتهم ومعاييرهم، كان يكره أن يكون معلمه في المدرسة رجلا، فأن يكون معلمه رجلا، فذاك في نفسه إثارة اشمئزاز.. ضيق صدر، وتلبس خوف من أن يداهمه من المعلم شر..

كذلك كان قبل أن ينمو، فتمكنه الحياة وخبراتها من التمييز بين ما هو"مألوف وسائد بين الناس، وبين ما هو مختلف وغريب الأطوار.. حتى انه في سنته الأولى بالمدرسة، لما عاد الى البيت زوالا، وفي اليوم الأول من السنة الدراسية، تمارض، وتعمد أن يدخل ، ويضع اصبعه في فمه حتى يتقيأ،.لما سمعته أمه، هرولت اليه خائفة ان يكون قد اصابه مكروه، او تناول شيئا من أحد الباعة المتجولين..

هكذا تحجج بعدم العودة مساء الى المدرسة، وحين استفسره ابوه، لماذا؟ رد وعيونه تمسح الأرض: "أكره رائحة الدخان في معلمي".. ونسيي ان يكون المعلم ربما لم يدخن سيجارة واحدة في حياته.. وحيث أنه كان ابن اسرة عريقة نسبا وشرفا وتاريخا، فكان من السهل ان تغير الإدارة قِسمه استجابة لرغبة الشريف ـ والده ـ الذي لا يرد له طلب..

كان علي يفضل أن تعلمه أنثى، لان المرأة عنده قدوة، أناقة ومبعث رحمة، وفيض إحساس وذوق ؛كان يرى في كل أنثى تعلمه، أمه التي يحمل لها سرا من أسرار ما يعي ويفهم ، كان يردد في نفسه عبارة كانت تتغنى بها عمته اعتزازا بنفسها:

"لولا الأنثى، ما جرى نهر، ولا غرد طائر، ولا نبت بستان، حتى وهي تخطئ فلن يجرها أو يغريها أو يحرضها على الخطأ الا رجل استغل فيها ثقة، أو خوفا، أو اغتصب طيبتها المتأصلة فيها"..

كل معلم كان عند علي مبعث غثيان ومثاراشمئزاز وكراهية، استغلال وقدرة على دوس كل الشرائع من اجل رغبات شريرة وأنانية فادحة؛ كل معلم عنده كان شيطانا يرتدي زي الصالحين ويتخفى وراء الدين..

بعد فعلة القيء المتعمد بأيام كان علي عند والده في دكانه، سأله عن دروسه، عن قسمه الجديد، عن معلمته، وعن كثير مما يحدث في مدرسته..

صَمت الاب َقليلا ثم سأله: علي !!.. لماذا لا تحب أن يعلمك رجل في المدرسة؟..

طأطا علي رأسه، وترك عيونه تمسح الأرض من تحته، اعتلى وجيب صدره، وخاف أن يبوح لأبيه بالحقيقة كما يعرفها ويخفيها عن جميع الناس..

بتجربته وخبرته، أدرك والده أن ابنه يخفي شيئا، قال:

ــ لن تكون ابني اذا لم تخبرني بالحقيقة..

تدمع عينا علي وقد صار يرتجف، ومن سذاجته يومئذ فكر:

"ومن يصير لي أبا اذا تركني أبي" ؟..

ارتد في سمعه الصدى، وتملكه الخوف من جديد، أحس كأن يدا تعاود مسكه من قفاه، وصوتا بغيضا يقول:

ـ "والله يابوك واخبرت شي واحد بما رأيت حتى نقتلك.".

عيون الأب سهام تخترق ذات علي، تقرؤه، تكشف سره..

"ليت عيون أبي ترى اليد التي مسكتني من قفاي، وتصغى أذناه لألفاظ التهديد التي اخترقت طبلة أذنيّ، وصدى الصوت وقد تجلجل وعيدا مرعبا في اسماعي.. "

صار علي يعايش اللحظة كأنها تعيد نفسها بكل صور رعبها وقسوتها.. وفي نفس الآن يتمنى لو يعفيه أبوه من الرد، لأن قلبه الصغير لايتحمل هذا الهدير الذي يدوي بين اضلعه، فيعيده الى لحظة يكره أن يعود اليها بإلتفاتة أو تلوح بذكرى.

سنة مرت على الحدث، بعد أن غادر الكتاب، وبدأت تتلاشى مع الأيام صورة الفقيه في عقله وصدره، لا تتداعى على البال الا حين كان يشاهد حمالا بين أزقة المدينة القديمة يضرب بهيمة، يستحثها على المشي، فيهتزعلي فرقا وألما نفسيا..

وحين صار تلميذا في مدرسة تعود رؤية المعلمين حوله باطمئنان حذر، يراقب عن بعد أحاديثهم البريئة مع المعلمات، ويتسقط اخباراعن هذا المعلم أوذاك من تلميذاته وتلاميذه، وكلها تمحوالصورة القاسية التي طبعها فقيه الكتاب في نفسه.

ها هو أبوه يثير الحدث من جديد، فيعيده الى الإحساس الاول بكل فظاعته وقسوته ورعبه، وما غابت او تغيرت له صورة، محفورة كرسوم الشياطين على أثر صخري، كم يلزمها من عوامل التعرية حتى تتلاشى وتغيب، فكم اقضت نومه، بأحلام مزعجة مرعبة، كان يصحوعلى اثرها خافق الصدر دامع العينين..

كان علي صبيا صغيرا أو "محضري" كما يقولون في كتاب قرآني يقع قريبا من بيته، وكان الفقيه رجلا أربعينيا اسمر اللون، فاره الطول، عريض المنكبين، لا تفارق راسه عمامة في فصل الشتاء، وطاقية بيضاء في الصيف، وكان حين يعري رأسه يبدو الرأس كبيدر عتت فيه حوافر الحمير أثناء الدرس!!.. بنظرة واحدة كان يحرك زوبعات الخوف في نفوس الصبيان، فيرفعون عقيرتهم باجترار المكتوب على ألواحهم من آيات، يرددونها ولا يفهمون لها معنى، أو يصحون من غفلة إغماضة جراء تعب أو عياء أو رتابة ترديدات ببغائية متراخية حين انشغال المدرر عنهم مع احدى زائراته من النساء..

ذات اصيل من يوم جمعة، وقد كان يوم عطلة، كان الأطفال يلعبون لعبة غميضة قريبا من بيوتهم ؛ركض علي ليختفي وراء باب أحد منازل الحي، اثارته باب الكتاب نصف مفتوحة.. دفعها فانفرجت، صعد الادراج.. مدَّ راسه الى الداخل.. لا أحد.. ربما نسي الفقيه ان يقفل باب الكتاب..

وهو يستدير للعودة سمع أنفاسا قوية تتلاحق، اعاد الاطلالة؛كانت في الكتاب سدة خشبية عالية، هي مرقد الفقيه وشبه مسكنه.. حين رفع علي راسه، رأى الفقيه على السدة في وضع مخجل مع أم أحد المحضرية الصغار ؛ كانت تزوره يوميا ليكتب لها أحجبة، او تحمل له أكلا، او تهديه صحونا صغيرة من حلويات منزلية، وأحيانا كانت تأتيه بملابسه بعد غسلها، دون أن يخلو حضورها من همسات وغمزات وضحكات.. كانت بالنسبة له كزوجة لا تنقصها الا الإقامة الدائمة معه؛ لم تكن المرأة كغيرها ممن يأتينه من النساء، يخط لهن جداول على ورق أبيض، يكتب عليه بصماغ أو زعفران وماء الزهر، فيقدمن له نقودا أو صرات من ثوب كان الصبيان لا يعلمون مافيها، كانت هذه المرأة عنده حظية تطيل الجلوس الى أن يشير عليها بغمزة من عينه اليسرى فتنصرف، ثم يترك الصبيان تحت حراسة أكبرهم من المحضرية ويلحق بها الى بيتها القريب، ام يكتفيان بالوقوف على أدراج سلم الكتاب..

تفاجأ على بما رأى ، وتخيل علي لو أن ابنها هو من شاهد الوضع المخزي !!.. ربما لن يفعل شيئا، فقد ألف أمه، وتعودها وهي تزورالفقيه يوميا في الكتاب، بل كثيرا ماكان يفتخر بزيارة الفقيه لبيتهم كلما عاد أبوه من بلاد الغربة فيكرم الفقيه بالهدايا..

كل المحضرية كانوا ينادون الفقيه "أَسِّي" إلا هو فقد كان يناديه "عمي"

بين ذهول وارتباك، زلت قدم علي وهو يهم بنزول الأدراج.. سقط، ثم وقف، وقبل أن يعاود النزول، كانت يد الفقيه تمسكه من قفاه، ترفعه الى أعلى كمن يمسك أرنبا مذبوحة من رأسها:

ـ والله يابوك وأخبرت شي واحد بما رأيت حتى نقتلك..

ترك الفقيه قفا علي فتدحرج الصبي على السلم، بعد أن رماه كما يرمي أي شيء كان في يده..

بحث علي عن قطرة ريق في فمه فلم يجدها، فصار يبتلع جفاف حلقه وكانه يمرر حصرم التمر عبر حنجرته، رفع راسه ليتوسل الفقيه، فأرهبته عين الفقيه اليسرى كورم أحمر يغطي سوادها، وعينه اليمنى كجمرة ملتهبة على وشك أن تحرقه من قلب محجرها..

قاوم علي الرعب الذي داخله بقدر مقاومته لألمه، من رضوض راسه الذي ارتطم بجدار السلم، ومن ركبته اليمنى التي تورمت وغطتها حمرة مشوبة بزرقة غامقة.. عاود الصبي الوقوف نصف راكض الى بيته.. وصورة واحدة هي ما يكتسح ذاته وكيانه، صورة شيطان أسود، يرسل شررا من عيون دموية حمراء تلاحقه..

كان الحاح أم علي كبيرا أن تعرف ما وقع لابنها.. لكن علي أصر على ان الامر لا يتعدى سقطة بسيطة وهو يلعب في الدرب..

عرضته الأم لحمام ساخن، جست فيه جسمه مكانا بعد آخر، ثم ضمدت جروح رأسه وركبتيه وتأكدت أن الامر لا يتعدى رضوضا بسيطة وان كان بعضها بليغا ..

من يومها لم يعد علي الى الكتاب الا قليلا، يتمارض، أو يخرج ثم يعود بعد وقت قصير بحجة غياب الفقيه.. وحتى يتجنب ولوج الكتاب دون أن يثير شكوك أبيه أو أمه، كان يدخل ضريح سيدي أحمد التيجاني يصلي الضحى، ويستمع الى ترتيلات القراء، أو يتهجى أحاديث رياض الصالحين من كتب الضريح الى أن يحين الزوال، وكثيرا ما كان يقصد ضريح المولى ادريس، يندس تحت سترة قبة الضريح، يدعو متوسلا باكيا على الفقيه، أو يتوجه الى مسجد القرويين، يقضي فيه الساعات، مستمعا الى دروس العلماء وفي رأسه ألف سؤال وسؤال عن كل ذي عمامة، وحقيقة ما يمكن أن يخفيه تحتها وما لا يعرفه عنه السامعون..

فقبل أن يكبر علي ويعي مقدار العلماء بتمييز، كانوا عنده اشبه بالفقيه، الكل نسخة من نفس الأصل.. يخفون مالا يبدون، وغلالة التقوى على الوجه ماهي الا رداء مكذوب سيتمزق ذات يوم حين يفضحهم الله ويلبسهم رداء حقيقتهم.

ان الساعات التي قضاها علي في هذه الفضاءات كان لها اثر كبير، في تشكيل بنيته النفسية، وتكوينه المعرفي، وقناعاته التعبدية، ورايه في الحياة والناس بين الظاهر الذي نراه على وجوههم، والمتخفي الذي يتسترون عليه بمختلف التلوينات والمساحيق.. وصار يؤمن أن مظهر الانسان لا يدل أبدا على حقيقته..

إن ما سكن أعماق علي كان أبلغ من السقطة، ومن عيون نارية تملكت كل حواسه، بل وابلغ من أثر لوح مكتوب كان الصبيان يحفظونه عن ظهر قلب بلا معنى او شرح، ما وقر في نفسه، كان صورة مقرونة بسوط وقهر من فقيه سفيه حقير، جبار، كان بكاء وتوسلات، يترقب لها استجابة الله مذل الجبابرة وهازم الطغاة ان ينصفه مما لحقه..

كبرعلي، وتغيرت رؤاه وافكاره، وصار يميز بين أصناف الفقهاء في الكتاتيب القرآنية، وبين علماء يحدثون في مسجد، وآخرون يمتهنون التدريس.. لكن كبرمعه الشك في كل ذي لحية وعمامة يرتدي جلبابا ابيض، عيونه من نار السعير اذا غضب، وتحته يتحرك شيطان في الصدر، ومعول به يهدم القيم والدين والأخلاق..

مازال يذكر أنه بعد أن استمع اليه والده ضمه الى صدره، قبَّل يده وقال:

كنت أظن الامر أكبر من ذلك.. لاعليك الناس معادن يابني !!..

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

من ذكريات الكتاب

 

وطلعتَ كالشمسِ المضيئة

بِجبينِكَ ارتسمتْ نبوءةْ

*

بِلسانِكَ الفُصحى هديـ

ــرٌ يُنطقُ الفِكرَ الجريئةْ

*

في قلبِكَ القرآنُ يُتـ

ـلى لستَ تقترفُ الخطئية

*

يا مَنْ نشأتَ بخيرِ بيـ

ـتٍ خيرِ مُجتمعٍ وبيئة

*

يا مَنْ يُشابِهُ خيرَ خلـ

ـقٍ حُسن أخلاقٍ وضيئة

*

يا فارسًا ما كرَّ إلا

والحقُ قُربتُهُ المليئة

*

ما همَّهُ سيفُ الردى

وبِكفِهِ سيفُ المشيئة

*

وعكستَ بوصلةَ الورى

عن مَسلَكِ الدربِ الرديئة

*

وجهتَها نحو الذي

تتعلمُ الدنيا وضوءه

*

نحو المثيرِ بِمَنْ زكى

ماءَ الكرامةِ والمرؤة

**

يا ناشرًا فينا هوىً

تَشتَاقُ دُنيانا هُدوءه

*

العزُّ شيَّدَ مسكنًا

بالطُهرِ يَلزَمُ أنْ نَجيئه

*

تَتسارعُ الخطواتُ عجـ ـلاها كذلكمُ البطيئة

*

نحوَ اتقادِ عُلاكَ يا

بَدرًا ويا شمسًا مضيئة

*

وغدوتَ رمزَا للتقى

أنَّى لنذِلٍ أنْ يَسوءه

*

لا زلتَ تُشرقُ في العُلى

وعِداكَ في بؤرٍ وبيئة

*

دكدكتَ عرشَ أميَّةٍ

وكشفتَ صورتَها القميئة

*

وبذلتَ نفسَكَ للهدى

بثباتِ خطوتِكَ الجريئة

*

وتركتّ مِنهاجَ الورى

في رَوحةٍ يبكي وجَيئة

*

يرنوكَ ثَغرًا وادعًا

قتلوا ابتسامتَهُ البريئة

*

ويرى النبوةَ في الثرى

بِدمٍ ومُهجتُها ظميئة

*

ويقولُ بعَدَكَ لا صفا

عيشٌ ولا طابت هنيئة

***

أديب عبدالقادر أبو المكارم

21/7/2018م

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا

فوق النِّسيان

لا أذكر كيف زُلزلت الأرض زلزالها في ذلك الفجر المشؤوم، وصوت المدافع والرّشّاشات يزرع في قلوبنا ما لا يحيط به الكلام...

وعندما مسح النّهار بيده البيضاء على ما تبقّى من المدينة أدركت أننّي ما نجوت إلّا ليكون عذابي أشدّ من الموت نفسه... وسط الخراب كان رضيعي البكر يصرخ ملء آذان العالم، وهو يشدّ على ثدي أمّه البارد.. يحرّكها فلا تجيب...

**

أبي.. يروي

خريف سنة 1954

تفقّد بعيره فخرج يقصّ أثره.. هنا برك. هنا رعى قليلا... وها هي الآثار تتّجه إلى...

- آشْ تَعْمِلْ هْنَا؟

- (...)

- ضَاعْلِكْ فِي الجْبَلْ يَا قَوَّادْ فْرَانْسَا!؟

- وَاللهِ خَطِينِي... يَا امِّيمْتِي!!

- مِتْخَافِشْ. امْشِ قُدَّامِي!

- رَانِي وِلْدْ عَمّْكُمْ... بْجَاهْ رَبِّي!!!

مشى خطوات. وفجأة أحسّ بشيء بارد في رقبته فتحسّسها بأنامله.. كان ذلك قبل أن ينفر الدّم ويسقط متخبّطا...

**

الوجه المظلم للقمر

الحقّ أقول ما دفعني إلى الجبل إلّا الجوع. بوثيقة من قائد "الثّوَار" أحصل على الأرزّ...

بتّ ليلتي معهم محاصرا بنظرات الشّكّ ونواح يأتيني من مكان خفّي... صباحا رأيت شيخا وولده الشّاب في الوثاق...

"اقضوا حاجتهما"

"لن تُنصروا ودماؤنا البريئة تلطّخ أيديكم"!

"اسكت يا خائن!"

وقشع الذبّاح رأس الشّاب ومرّر سكّينه... وكان الأب الشّيخ مذهولا، ينظر ولا ينظر...

فكّرت في الهرب ولكن...

لا يحدث دائما

"لعن الله الفقر. ذبح زوجتي أمام عينيّ وها هو يشحذ سكّينه البشعة ليذبح ما تبقّى لي منها."

وأرسل نظرة قلقة على أطفاله الرّاقدين تحت قبّة سماء صيفيّة... رفع رأسه فانحبست أنفاسه فجأة، وهو ينظر مدهوشا إلى ذلك الشّهاب الذي انفلت من السّماء واتّجه نحو بيته...

"قل وداعا للفقر.. ألفا مليون دولار لك وحدك. ثمن النّيزك الذي اختار دارك دون سواها!"

***

حسن سالمي

العدد: 5827 المصادف: الجمعة 19 - 08 - 2022م