نصوص أدبية

نصوص أدبية

راضي المترفيبعد طرده من الحانة ثملا مفلسا ترنح بمشيته على الرصيف باحثا عن مكان يرتاح به بعيدا عن ضجيج السكارى وصراخهم على الندل ولم يعثر حتى عتعته السكر وانهكه السير فوقع على الرصيف فاقدا الوعي وبعد فترة مر به احدهم تبدو العافية على محياه والصحة والعنفوان على جسمه فاصطحبه لبيته القريب من مكان سقوطه وفي حديقة البيت مدده على لوح خشب وسلط عليه ماء الموتور المندفع بقوة حتى بان اللون الحقيقي لكل قطعة من ملابسه ثم سحله من قدميه بدون رحمة ودخل به حمام قريب من غرفة الضيوف وطلب منه خلع ملابسه فامتنع فكرر عليه الطلب ولما امتنع ثانية أخرج صاحب البيت سوطا لا اعرف اين كان يخفيه وجلده به مرتين فامتثل للامر ثم ساعده في غسل جسده بكل انواع الصابون والمطهرات والمعطرات الموجودة بعدها حلق له ذقنه ورتب شعره وزوده بملابس على قياسه تماما فبان شخصا آخر غير ذلك السكير الشعث الوسخ المخمور ثم اقتاده إلى غرفة الضيوف وبعدما اجلسه التقط له عدة صور من جوانب مختلفة وادخل تلك الصور في حاسوبه الشخصي وأجرى بحثا عنه بعدها طلب فنجانين قهوة وجلس قبالته وسأله بعد اول رشفة من فنجانه..

- كم لغة تجيد غير العربية والفارسية والإنكليزية؟

نظر بوجهه بهدوء وقرأ ملامحه بصمت ثم خفض رأسه للأسفل للحظات ثم رفع نظره إليه بثبات ورد على سؤاله بسؤال.. ماذا يعني لك معرفة ذلك؟

- يعني الكثير خصوصا وأن ملابسك التي في الحمام وما وجدنا فيها قد يسر لنا الكثير من الأمور

- طيب انا اجيد التركية والروسية والفرنسية والألمانية وبعض لهجات الدول العربية

- منذ متى انت هنا؟

- منذ تسعة اشهر وعدة ايام

- كم منطقة تواجدت فيها خلال هذه المدة؟

- كل المناطق التي ممكن نصنع فيها رأي عام لكن غالبا ما اقضي الليل في المناطق التي يتواجد فيها كل طبقات الشعب.. حكام.. ضباط.. مثقفين.. مدمنو خمر.. قتلة.. عشاق المال وغيرهم.. لكن لماذا لا تصل إلى غايتك بالمباشر وتريحني وتريح نفسك؟

- كيف؟

- قبل أن أخبرك أود تطمينك اني لست خائفا وانا محميا تماما وفي مجلسنا هذا يجب أن تكون انت الخائف وليس انا مع اني اعرف انك تلاحقني منذ أيام وشاهدتك في أكثر من مكان وموقع ولا حظتني كيف ابدل جلدي بما يتناسب مع كل مكان احضر فيه ولم تستطع الإمساك بي اليوم لو لا اني متعب من عمل تطلب مني الجهد والسهر لمدة (٧٢) متواصلة.

- طيب حدثني عنك؟

- انا فرد من مجموعة يبلغ تعدادها (١٨٠) رجل وامرأة فينا من يحمل جنسية بلدكم وآخرون يحملون جنسيات بلدان مجاورة وبلدان بعيدة وكلنا نعمل ضمن برنامج واحد يتعلق ببلدكم وكلنا لنا القدرة على تبديل جلودنا مثلما تبدل ملابسك في الثقافة نحن مثقفين وفي السياسة مطلعين وفي الدين متشرعين وهكذا لكننا أساتذة في التحشيد للغاية التي يطلب منا تنفيذها وقد عملنا هنا في هذه الأشهر القليلة ما يعجز عن عمله جيش جرار في سنوات

- مثلا؟

- لقد تمكن من يحكمونكم وعلى مدار أعوام طويلة رغم كل ما فيهم من مساويء من الاتفاق على صيغة تعايش بينهم للحفاظ على تماسكهم ظاهريا رغم الخلافات والعداوات الشديدة بينهم من أجل إكمال ما أوكل إليهم من تخريب ودمار لبلد كان يشكل غصة في حلق من نعمل عنده وقد أنجز هؤلاء الحكام كل ما أوكل إليهم بجدارة يستحقون الشكر عليها لكن بما انهم من النوع الذي لا يشكر فلا يحصلون عليه

- ماداموا انجزوا ما طلب منهم أو أوكل إليهم فما سبب وجودكم انتم؟

- سؤال ربما لم يكن ذكيا لكنه يبدو مهما وعليه سأخبرك-

- تفضل

- اريد فنجان قهوة اولا

- لك ما طلبت

- هناك مبدأ مخابراتي ثابت تتعامل أجهزة المخابرات في كل العالم يقول هذا المبدأ (كل عميل ينفذ ثلاثة عمليات ناجحة يصبح خطرا على الجهة التي استعملته لذا يجب التخلص منه) وهؤلاء نفذوا عشرات العمليات وأن كانت ضمن برنامج واحد هو تخريب بلدكم وقبضوا عن ذلك ثمنا مجزيا إلا أن التخلص منهم أصبح حتميا لذا جئنا انا ومجموعتي لزرع الفتنة بينهم ودفعهم للاقتتال وتصفية بعضهم البعض جسديا وهذا سيتم في غضون أشهر قادمة أن لم تكن اسابيع

- ماذا لو حدثت حربا أهلية جراء ذلك؟

- اطمئن أغلب شعبكم يحب الحياة وليس على استعداد للتضحية بنفسه من أجل آخر حتى إذا كان معشوقه أو اخيه وما تراه اليوم هو المقدمات وما أن يلعلع الرصاص حتى يختفي الآخرون تاركين أصحاب الشأن يصفي بعضهم بعضا

- وبعد هذا؟

- لا من اختصاصي وليس من علمي وأن طال بك العمر اذكر جلستنا هذه بخير رغم اني اخاف عليك من الموت بنيران صديقة.

***

راضي المترفي

 

ما كان شيئاً عابراً

ذاك الشعور

أعاد تشكيل الفكرة

رسم للحرف

أجنحة

فانطوت كل الحدود

بات الكون بداخلي

يحتمل أن يصبح

قصيدة

وأن يمسي

لحناً

فترقصُ المدن

على أوتار الاغتراب

حد التعرق

ومساحاتُ الفراق

تتقلص بكلمة

تكسر العناد

بابتسامةٍ على شفاه الزهر

تغازل الندى

وتسافر في الأيام عطراً

يؤرخ للحظات من العمر

لا تشيخ

فيها خلاص الروح

من أشجان قديمة

تتكدس على هيئة أوراق متغضنة

تحجب الرؤية

وتحبس اللغة

في لون الوحدة

نحن

بداية تعتمد كل الفصول

لانجاب المزيد من التفاصيل

تنجبنا الشمس

ظلان يلتقيان في قبلة

ينجبنا المطر

نقطتان تعلقان في مظلة

ينجبنا الصقيع

معطفان يضمهما العناق

ينجبنا الربيع

زهرتان تحملان سر اللون

ميلادٌ للدهشة

نحن معاً

في حقائب الأيام

نسافر نحونا

في كل حين

في صمتنا كل الكلام

في شعرنا أصل الحكاية

***

أريج محمدأحمد

الشارقة  25/8/2022

 

 

أنا المبحوث عني

أنا المختفي بجسدي...

التائه في عمري

القابض على ضوئي

اسير بعكاز الحرف

والعين

تنظر إلى الخلف

أمشي والرجل

تدبر لا تقبل

كأن الريح

سطت على أمري

أنا المبحوث عني

وكل الطرقات والحارات

زعيق أبواق

وأنا المختفي

بأدغال آهات وأشواق...

فمن يعثر عني

يرديني حالا

حيا أو قتيلا

في جبي...

***

محمد العرجوني

 

لِلحُسْنِ، في شَتَّى اللُّغاتِ، نَماذِجُ

ونُضارُ حُسنِكِ جَسَّدَ الأُنموذَجَا

*

مُذ وَشّحَتْ يَقَقَ الجَبِينِ زَبارِجُ،

وأَنابُ خَدِّكِ أَسْكَرَ البابُونَجَا...

*

لِتَحُلَّ في نَبْضِ الوَرِيدِ لَواعِجُ

مِن سِحْرِ عيْنٍ تَحْضُنُ الفَيْروزَجَا،

*

وتُؤجِّجَ وَجْدَ الشُّغافِ عَرافِجُ

بِسَوادِ خالٍ يَرْسُمُ الإِهْلِيلَجَا

**

كَم دَغدغَتْ رَمْلَ الخَيالِ هَوادِجُ

تَتَمايلُ، وتُعَبِّقُ الرّاتِينَجَا…

*

وتَراقَصَتْ فوق النِّطاقِ سَفارِجُ

أَحْيَا شَذاهَا الآسَ، والهِدْرانَجَا…

*

تَتَقاذَفُ القَلبَ المَشُوقَ أَرائِجُ...

فيَحُطُّ... طَيْرًا يَنقُرُ الشَّهْدانَجَا...

**

لِرُضابِكِ ولَمَى الشِّفاهِ تَواشُجُ

كلَذِيذِ شهدٍ، زَيَّنَ الفالُوذَجَا

*

ورَحِيقُ ثَغرِكِ بَلسمٌ ومَباهِجُ

لفُؤادِ صَبٍّ يَلثِمُ المَيْبَخْتَجَا

*

فتَحُضُّه تَحْتَ الشِّفاهِ سَكارِجُ

لِيَذُوقَ طَعْمَ العِلْكِ والبَسْفايَجَا...

***

شعر: د. المنتصر العامري

 

من أيّ الأبوابِ سأدخلُ

إنّي مُرتابْ

مما يَحْصلُ خلفَ البابِ الأولِّ

أو  باقي الأبوابْ

فأنا في الفجرِ مررتُ

ورأيتُ

أفواجَ نساءٍ تبكي

خرجتْ تتراكضُ من أولِّ بابْ

ومن البابِ الثاني كانت تخرجُ

أفواجُ ذئابْ

كلّ الأبوابِ قد انفتحتْ

ثمّ اِنغلقتْ

خرجتْ منها أفواجٌ غاضبةٌ

وثعالبَ تضحكُ

ورجالٌ لا لونَ لَهَمْ

لا صوتَ لَهَمْ

أيّ عذابٍ هذا؟ أيّ عذابْ؟

أينَ سنمضي؟

قلتُ لها

صَمَتَتْ

ظلّتْ صامتةً .. وبَكَتْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

 

 

عِزَّةُ النَفسِ ونَفسُ العِزَّةِ

مَرَضٌ ذلَّ عَزيزَ المُهْجَةِ

*

كِبْرياءٌ في مَيادينِ الرُؤى

يَتهاوى بحَضيضِ الحُفرَةِ

*

عُمْرنا دامَ ببَحْرٍ هائِجٍ

ونُهانا في صِراطِ الغَفلةِ

*

وإذا الداءُ نِداءٌ مُرْعِبٌ

وعَدوٌّ مُستقيمُ الصَوْلةِ

*

صُفِعَ الروحُ ونَفْسٌ إشْتكَتْ

مِنْ وَجيْعٍ لشَديدِ الوَثبَةِ

*

أيُّ وَهْمٍ قادَنا نحوَ الدُنى

ورَمانا بأتونِ اليَقْظةِ

*

يا عَزيزَ النفسِ ما عِشْتَ بها

أنتَ طيفٌ كبَريقِ الومْضَةِ

*

أنتَ مِنْ نَسلِ تَرابٍ جامِعٍ

لخَليقٍ مِنْ غبارِ الكُثرةِ

*

آكِلٌ أنْتَ ومأكولٌ بها

هكذا شاءَتْ بدارِ الرحلةِ

*

وكَذا دامَتْ وجاءَتْ عِندنا

وتَرانا في فَزيعِ الحَيْرةِ

*

كُنْ عَزيزاً رُغْمَ أنّاتِ الضَنى

وتَحَدّاها بسَيْفِ الحِكْمةِ

*

وتَمادى بعَطاءٍ خالدٍ

واجْعلِ الأيّامَ بَيْتَ الألفَةِ

*

إمْرةُ السُوءِ لنَفسٍ نارُها

واسْتطابَ الخلقُ سُوءَ الإمْرَةِ

*

غابُ فعلٍ فاعلٌ في حالِها

شِرْعَةُ الغابِ عَمادُ العِلّةِ

*

لا رِسالٌ واهْتداءٌ أو تُقى

وارْتهانٌ بعَسيرِ الرِفقةِ

*

إنّهمْ قالوا وقوْلٌ قدّنا

فَسَقَطْنا بسَحيْقِ الهوّةِ

*

وتَدَحْرَجْنا لقاعٍ مُظلمٍ

فتَناسَيْنا مَعاني القوَّةِ

*

أشْرَقَتْ روحٌ ونَفسٌ غادَرَتْ

وتَلاشَتْ برِحابِ الفِتْنَةِ

*

جَوْهَرُ الإنسانِ في مَعْنى الأنا

عَسْجَدٌ أضحى خَسيْسَ القيْمةِ

*

يا رَسولَ الشَوْقِ مِنْ بَدْءٍ مَضى

إنْتَهَيْنا بأتونِ القبْضَةِ

*

وعلى الدُنيا سَلامٌ واجِبٌ

ومَقامٌ بديارِ الوَحْدَةِ

*

أيّ عزٍّ يا فؤاداً خاوياً

وكياناً برَميْمِ الهَيْأةِ؟

*

فتَعَلّمْ كيْفَ تَحْدوها إلى

بُقعةٍ فيها أريْجُ الرَوْعَةِ!!

***

د. صادق السامرائي

 

أتُرانا نستحقُّ أن يحبَّنا اللهُ

نحن من سَرَقَنا الوقتُ غفلةً

لازلنا نَتشدقُ بحروفِ أجدادنا

لم يَعدْ التاريخُ يذكر منا

غير رائحةَ الدمِ

النتنةِ

يَعدُّ علينا حروبَنا العبثيةَ

ألا زلنا

نحلمُ بالوطنِ السعيد ؟

وحبيبة لم تخن

لتكون شاهدَ صدقٍ

على تصدعِ الوطنِ

تعالوا لنطببَ خاصرةَ الوطنِ وهي تنزفُ

وذلك الذي يحلمُ

ان يثملً وهو يعاقرُ

ماءَ الفراتِ في الغربة

أتُرانا نستحق أن يحبنا الله

ونحن لم نفصحْ بعدُ

عن حبنا لجديلةٍ

أو

حتى خصرِ الغانيات وهو يتمايل

أترانا نستحق أن يحبنا الله

ونحن نشهد تصدع الوطن خانعينَ

لنبتكرَ أبجديةً جديدةً

للاعتذارِ عن كل المواعيدِ

المجهضةِ

لعودةِ العصافيرِ الى الحقولِ

والضحكةِ الى حضنِ الوطن

***

كامل فرحان حسوني

 

يا أيُها النهرُ المقيدُ بالسلاسلِ والرصاص

لن تذهب الايامُ حتىٰ تنحني

الهامات عند مقصلةِ القصاص

*

نهرٌ تَسابَقَ مَوجُهُ ماءاً زلال

ينزو علىٰ ملح الجنوب

من الشمال

*

تصطفُ أعوادُ الأرُزِ علىٰ

الطريق

تعانقُ المَوج الرشيق

عِناقَ عاشقةٍ تَغَشاها عَشيق

*

وأنسل من أحضانها قبل

صِياح الفجرِ بعد ما أنبتَ فيها

سُنبلةً بيضاءَ تسُرُ

المُنتظرينَ

أقواتهم

*

مُتجهاً نحوَ الجنوبِ حيثُ العرائس الباسقات

اللاهثات

يُكللُها

بياضَ الملحِ

المُتراكمِ فوق جُذوعها

الحمراء

*

يقطرُ من اذيالها البيضاء

فوق زهور الحِناء

*

إذن ....

فَليحضُن النهرُ الخَصرُ

فينهالُ عليه التمرُ

*

في حفلِ زفافِ النَهرِ

علىٰ بيضاءَ الخَصرِ

*

فانطفأ الجمرُ

وتراقصت أزهارُ الحِناء

فوق جدائل النساء

*

فلقد ذاب لسانُ الخليجِ

في قافلة الموجِ

البهيجِ

***

بقلمي

فاضل الجاروش

26/5/2022

 

 

كم أمقت السماء والنجوم يا إلهي

وأحب الحرب في الصيف

كم أحب القناصة إذ يطردون الميتافيزيقا

و يمارسون فن اليوغا بعيون من الكريستال

كم أحب ضجيج مروحيات الأباتشي

رعاة البقر في التلة المنطفئة

رقصة العميان في الجب

صرير عجلات القلب

الجنود وهم يوزعون شطائر البيتزا على الأموات

هروب شجرة الفستق من الحديقة العامة

الزجاج المتساقط على رؤوس الأرامل

وأنا في شقة متحصن بالفرار

أمزق فريستي بأنياب فهد أشقر

أفرغ عمودها الفقري من الفضة والغيوم

أحب رائحة البومة النافقة.

رائحة الأصابع المقطوعة في الشرفة.

رائحة الخيول التي تركض في براري دمي.

أحب ممارسة العادة السرية

تحت مطر القنابل

إيقاع أقدام الشياطين العذبة

أحب سمل العيون المشمسة بآلة حادة

صناعة مطريات جيدة من جلود الموتى

أحب الرصاصة التي تعض جارتي من إليتها المكتنزة

الرصاصة التي تقيم في القلب

تنبش كيس مخيلة الرهينة

تلتهم نهديك المقوسين

أيتها الإوزة المشبعة بالشك والنميمة

لمسدسي طعم الكاكاو

وعلى نافذتي ترتطم أشلاء القديسات

كم أحب ديدانك المتلعثمة

***

فتحي مهذب

 

تماضر كريمالأمر بدأ بفكرةٍ مضحكة، في لحظة منفلتة، كانت تسكب الشاي في الأكواب بكلّ أريحية، بعد أن وضعت كمية كبيرة من السكّر لابنتها وكمية متوسطة لزوجها وتركت كوبها بلا سكر، حسنا، ماذا لو أنهتٔ حياتها، انفرجت شفتاها عن أسنان سليمة لامعة وهي تتخيل شكل عائلتها وأصدقائها بعد سماعهم النبأ، كادت تضحك بصوت عال، لشدة غرابة الفكرة واستحالة وقوعها، عندما حملت الأكواب بخفة، وبهجة قلّ نظيرها، انفجر السؤال بداخلها (لم لا)؟

كثيرا ما أحب زوجها طريقتها في فعل الأشياء، لم يخبو شعاع انبهاره بها، حتى بعد عشر سنوات من الرِفقة، عندما حمل الشاي إلى شفتيه صدرت منه صيحة، لقد احترق لسانه، ضحكت بدلال وتهكّمت عليه، ما لبث أن حلّ صمتٌ مفاجيء، صمت غريب، ثم خيم على قلبها إحساس عميق بالحزن، وهي تشرب شايها المُر، يا للعجب، إنها تُمطر، إنها زخة مطر عجولة غزيرة، تطرق النوافذ بإلحاح واضح، وترسم على النوافذ خطوطا متعرجة وعلى الطرقات خرائط غامضة، والفكرة ذات الفكرة تنرسم في خيالها، كيف تُنهي هذا الوجود.. هذا الكيان، لمَ قد تكون هذه الفكرة مستحيلة، إنها قابلة للحصول، فتحت خزانة ملابسها، ألقت نظرة على كلّ شيء، الحقائب، الحليّ، علب التجميل، هنا حاسوبها وأقلامها التي تختارها بعناية، ودفاترها، ومكتبتها ذات الرفوف شديدة الترتيب، والجدران التي تزينها اللوحات الباهضة والصور التي تشرق بالبسمات، كل شيء هنا يريد أن يعيش، أن يدوم، أن يعانق الصباح  كلّ يوم، ويسهر مع النجوم كل ليلة، لكنها لم تفهم، لماذا كانت تشعر أنها تودّع كل أشياءها التي تحب، كأنها تلوّح لها.

هل هي لعنة الفكرة التي باغتتها؟ (نعم لمَ لا؟ لم قد تكون تلك التفاصيل مهمة، وتلك الأشياء ذات قيمة؟ ألم يكن أولئك الذين أنهوا حياتهم قبلي، في لحظة ما مستغرقين في أيامهم بتفاصيلها الحلوة والمرة، وربما كانوا في أوقات ما يعيشونها بشغف كبير، نعم، أظن أن ضحكتي المبالغ فيها اليوم حول فكرتي المباغتة كانت سخافة لا أكثر، فالأمر جاد، إنه ليس مضحكا أبدا) . أغلقت الخزانة، والكتاب الذي بقي مفتوحا على صفحة ما منذ ليلة، نزعت الخواتم من أصابعها وباقي الحلي.

رفعت شعرها الطويل إلى الأعلى، عندما خرجت من غرفتها كانت قد وضعت خطة لتنفيذ فكرتها، ذهبت  بثبات لتبدأ بالخطوة الأولى، لكن صوت ابنتها أوقفها لوهلة (ماما أين دفتر الرسم ..لم أعثر عليه في حقيبتي)، قالت لنفسها أن من ينوون عمل شيء مهم لن يثنيهم الأطفال عن ذلك، الأطفال سبب عاطفتنا الزائدة وسبب ضعفنا، كانت تفكر في ذلك وهي تبحث عن دفتر الرسم، تبا لدفتر الرسم، تحت السرير وجدته  بعد بحثٍ قصير، حملته بلا مبالاة إلى ابنتها (لا تُلقي أشيائك هكذا.. لقد نبهتكِ مرارا)، أدهشتها فرحة ابنتها بدفتر الرسم، ماذا سترسم الآن ؟ تبدو متحمسة.

لكن ماذا لو انتظرت قليلا ريثما تُنهي رسمتها، هذه الطفلة مذهلة في استعمال الألوان، نظرت إلى الأرض والسماء والبيت ذي النافذة الصغيرة وشجرة الرمان، في لوحة ابنتها، كان كل شيء كاملا هنا، عدا الأشخاص، إنهم مغيبون، حسنا تفعل، عالم بلا إنسان، هذا ما يجب أن نرسمه، لم تُظهِر ثناءً لابنتها، كانت غارقة في تفاصيل اللوحة، (ماما  ماما هل هي جميلة)؟

كلمّا علينا فعله أن نتجاهل جمال الأشياء من حولنا، الأطفال، لوحاتهم، الأصدقاء، الأيام القادمة، التفاصيل الحلوة، نكهات الشاي والقهوة مثلا، طعم الكعك المحلى، كل شيء، ينبغي أن نكون شجعانا، الأشياء العظيمة تبدأ بفكرة، فكرة مضحكة أحيانا، صدقيني يا صغيرتي حتى لوحتك هذه لن تصمد أمامها، حتى ابتسامتك، ورغبتك في الثناء، فقط لا تؤخري رجاء ما أريد البدء به !

***

تماضر كريم

 

راضي المترفيثلاثة قصص قصيرة جدا

تبديل

 تعرض إلى حادث سير كارثي ونقل للمستشفى شبه ميت وبعد إجراء الفحص أعلن كبير الأطباء أن الحالة ميئوس منها مالم يتوفر متبرع بقلب خلال ستين دقيقة فتحرك الجميع وقبل نهاية المهلة اخبروا الطبيب بعثورهم على قلب عاهرة كانت تبرعت به عند موتها عله يكون سببا للتكفير عن سيئاتها فوافق الطبيب فورا وادخل المريض غرفة العمليات وبعد ساعات أعلن الطبيب عن نجاح العملية وبقاء المريض على قيد الحياة وبعد عدة أشهر اكتسب الشفاء التام لكن لوحظ عليه انه غالبا مايرتدي ملابس الزهاد لكنه يتصرف تصرف المومسات.

**

خذلان

كانت تجلس وحيدة في مقعد الباص عندما صعد هو، حرك في صدرها مشاعر تراكمت فوقها سنين طويلة وبين لحظة صعوده ووصوله قريبا منها مر أمام ناظرها شريط ذكريات الصبا والشباب ومشاكسات ابن الجيران وقصة حب ذبحتها الأعراف، كان كل ما يهمه وجود مقعدا شاغرا يرمي جسده المكدود عليه بعد يوم عمل شاق وحين اقترب منها دعته باسمه للجلوس جنبها. اعتذر بأدب قائلا: عفوا أكره ثرثرة النساء، وتجاوزها دون اكتراث.

**

خيبة

اجتاز الشارع من الجهة المقابلة ليركب الباص الصاعد إلى مركز المدينة. نظر إلى وجه المرأة التي تقف أمامه على ناصية الطريق فتأكد له أنها تلك المرأة التي لم تستطع واحدة أخرى مزاحمتها على قلبه قبل سنوات وأسرع الخطى نحوها وحياها بكلمات راعشة فردت ببرود واستغراب وعندما هم أن يعلمها بنفسه كانت تضع قدمها على عتبة باب سيارة متجهة إلى جهة لايقصدها.

***

راضي المترفي

 

ابراهيم تبلسم جراحاته وجوه الصبايا اليافعات وتلابيب السماء هباته مثل الغيوم الباسمات تجرجر الرياح في اذيالها تصطنع الحياة أمه الوجلى ببسمتها تجلي السماء وبحيرات النشامى وأنهار خريف الذكريات صحبه من الفتيان يشيرون ذاك طريق مغلق النهود لنعود فاتحين إلى الوراء يا ويحكم هذا الطريق الأمن يوصل إلى الجنان والباسقات تتراقص مع اليمام يا صحبتي ثمة ثعبان كبير وتماسيح مجلجلة بدماء الأبرياء يقيمون حاجزا للاتقياء في لحظاتي هذه الشمس أكثر قربا من الروح ونسيمات المطر يترشرش منها الآفاق هي طريقي يتفصد منها ملح الأرض من الدماء لتوليد الشهوة في امي حتى العناق في خطونا إلى الوراء تزهر الهاوية فرحا وتتغشاني تسابيح النار في الفضاء في حضرتي تعانقني أمي وكأني لم ازل في أحشائها امتع نفسي بهوى الجنان مزمارهم يبحث عن رخويات الاهرامات وحدائق بابل والملك العربي النعمان قلبي يتلفع الجميلة بسمة أمي يطلق صيحات العناق في الزوايا الشامخات ثمة موسيقا صافية تنبعث من عبق حارة الياسمين والزوايا الهادئة في اللامكان تتجول الروح في حارات بلدتنا العتيقة تستنشق عبق المجد وعبير الكبرياء تستحثني بسمتها يتوالد الغضب كي يغلي الدم في عروقي وتلتحم اهات الشعب قلبي يدندن فرحا بالاتي يستمطرني شوق مدينتنا فالحرب المقدسة تستطرق الوجدان في بضع خطوات كي التقيك إلى سمرات الموت كي اتدفأ حبك يا ملح الأرض يعرض عليها قلبه فهو ماض إلى الحرب الجهمة في ليل يخلو من ظلمة اليباب يزهر التفاح في وادي العذارى يتبختر النسر البري يتهادى ضباب النهر يمجد الألحان هي مجدها تصنعه تصون متغيرات الدهر وينساب عطر البارود يجلجل الزمان جاءوا في غمرات الجمر الحاني على جلود المتعبين مع ظلال طرب الصخور والآفاق من صولته يرتفع مجد اللقاء عمودا تسند به الحسناوات أركان الخباء والبسمات يحمل ألمه في صدره يردد لحن دمه النازف يوصل رسائله إلى وجنتي الشمس في الأدغال دمه صوتها انتظرني حتى اعود لكن صمت الصمود يلجلج انتظار الأنين من الأمطار روحه تناجي جرزيم وعيبال تمضي مسرعة على دروب الأجداد الفاتحين وشموس القتال نفسه روحه تخاطبان مجد الثرى والطفولة والكهولة وتموجات الأنهار سمموا وكر من يحب ترابه وتبينوا حبيب الغيرة والخجل وانبعاث جذوة الأعماق اني اعشقك تسري جذواته في الأعماق تعشقينتي بصمت يتماثل جرحي للشفاء هي الروح تعبث بندف الثلج الاتي مع التماسيح يندفع وجد التيار ورقرقة الاوقات هي ظلمة من يموتون على موائد الثرى وتودع اليمامة غاليها والالم يتغلغل في الآهات ابراهيم يدندن لحنه القرمزي زمن الرجولة قد حان في ساعتها وما من خوف من ميت تحت الأنقاض ليس من الرجولة أن نفر ولا نروي مجدها هي أمنا وارضنا الجميلة لها صولات الكبرياء مقراتهم مرسومة في العتمة وابراهيم تتوضأ بدمه جديلة الشمس والنجم الساجد للرحمن أمي تلقن النفس بأن الحب يكتشف أسرار الصمت وتباشير الحياة والدلال زمني يا أم إبراهيم هو الثمين وزمنهم لا حكمة فيه ولا سرمديات ولا غلال طفولتي حلم الحياة ينبعث بها وصية الاله ونياشين انتصاف الليل حين يمتهن الصواب نصرنا مرح والجسور يغنيني فرحا في ارتياح الوجد وقصائدي فيهمو شدو الحياة.

***

 نادي ساري الديك رام الله _فلسطين 14/8/2022م

إليها ودمه يعيد الينا الطرق المقتولة في فواجعها وبسمتها تقف شامخة كانتصاب شعر الماجدات.

 

انعدام الرؤى

جعل شعاع

قوس قزح الصباح

ينحرف عن مساره

صوب القلوب اكثر

روعة وبهاء واكثر

تعلقا بالشفق الازرق

وبالمطر وببنفسجات

واقحوانات

العطاء

وجعل بنات اوى

الثعالب

والذئاب

تعوي في حقول

رؤاها الرمادية

الجرداء

والبومة الصلعاء

في خرائب احلامها

السود تنعق

والهداهد

العاشقة والمعذبة

في مروج امالها

وامنياتها

تعزف على اوتار

قيائر قلوبها الحزينة

لحن البرق

لحن الغيم

ولحن المطر.

***

سالم الياس مدالو

نامت على نَزْفِ البراءةِ أعينٌ

باســـم العروبةِ دمعُها مِـدرارُ

*

اُسْـــدٌ عـلى إخـوانِهم بتَطرُّفٍ

ومـــع الغُــزاة بوَهْنِهـم أبـقـارُ

*

أنـفـاسُ غــزّة مزّقتْ أستارَهم

فَـتَسـرَّبـتْ مِن جُـبْـنِهم أسْـرارُ

*

عــارٌ عــلى نوْط الزّعامةِ يَعـتلي

صَـدرَ الخــيانـة، فاثأري يا نـارُ

*

ياطـُهرَغزّة قد كشفتَ رؤوسَ مَن

فــيهــا الـنّــفـــاقُ مُعَـشِـشٌ مِـكْـثارُ

*

تــعـلـو مـآذنَهــم بِـصَوْتِ مـُكـبِّــرٍ

وَدَمٌ لإخـــوانٍ لــهــم ، أنـــهـــارُ

*

مِعـوان صاروا للعــدو بِصَـمْـتِهم

والحــقُّ أبـْلـجُ ، مـا عـليه غُــبارُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

أحتاجُ النومَ قبلَ أنْ يسرقني الوجعُ

أحتاجهُ لأن أطيافه

لنْ تتكررَ

بهِ أغادرُ كلَّ أشكالِ العبوديةِ

يحررني من جسدي المتعبِ

من أقوالٍ تتراكمُ فوقي

بحراً هائجاً

أحتاجُ النومَ كي أغادرَ  تعسفَ الأزمنةِ

أو ربما اكتبُ رسالةَ غرامٍ

عجزتُ أنْ اكتبها ساعةَ الصحوِ

أني لأساجلُ الذاتِ بالذاتِ

أتحررُ من قلمي المفرطِ بالأنا

أتحررُ من سماعِ صوتِ طفلٍ

يقتلهُ الجوعُ في وطنٍ

أشبعتهُ الخرافةُ دونَ أنْ يتحررَ

أني أشتهيكَ ايها النومُ

لاتكن عنيداً معي

كفكفْ عني تمردي

خذْ بيدي رسائلاً لم اكتبها

طوقني عقداً من الوردِ

أنا المقيدُ بنرجسيةِ الصبرِ

أحتاجُ اليكَ

حتى أني ما عدتُ اسكاتَ وسادتي

أتدثرُ فيكَ

وأقولُ متى ألقاكَ

أحتاجُ اليكَ رفيقَ الدربِ المؤبدِ

مَنْ سواكَ يذكرني بعشيقاتِ سلوتي

او حتى خطاباتِ ثورتي المحبطةِ

وحدكَ تتمشى معي

وحدكَ وهبتني نشوةَ الحبِ والغرامِ

شاركتني أسراري

ايها الحارسُ الأمينُ

كمْ مرةٍ حاربوك بيقضتي

لكنكَ كنتَ الاكرمَ

تعودُ تزقني احلامَ العصافيرَ

او ربما تأخذني لسواحلِ الغربةِ

تأتيني بكلِّ طيورِ السماءِ

تجعلني ارتلُ آياتٍ لا تعرفُ العبثَ

تعال لي معكَ مواثيقُ واسرارٌ

تعال قبلَ أنْ يسرقكَ مني الغبشُ

تعال شاركني البقاءَ

أنا لا اريدُ أنْ اصحوَ

ثمةَ جلادينَ ينتظروننا

ثمةَ من يمسكَ الاغلالَ علينا

يسلبُ منا سحرَ الجمالِ

ياصديقي يامن اورثني

وثاقَ العشقِ

وحدكَ الذي كنتَ معي وفياً

***

عبد الامير العبادي

قدر

على ضفافك المخضرة ولدت

كما شاء القدر

وكما شاءت رؤاك هلين

وكما شاءت الأساطير والحكايات

وكما وددت وتمنيت وانتظرت

وكما اشتهت البساتين والحقول

مطرا..مطرا

وغيثا..

ونبعا..

وفيضا..

ونهرا جارفا على ضفافك تدفقت.

سفر

كل مساء  يحن  إليها

يشرع بحب نافذة قلبه

المطلة على جنانها

كفيض  النهر المتدفق

يحرر من القفص مشاعره الحالمة

فيطير..

***

عبد الرزاق اسطيطو

إنتهت ..

إنتهت ..

إنتهت "اللعبة"!

لمْ يبقَ لي إلاّ "اللعب بالوقت الضائع"!

عَلّقتُ سلاحي على سِدرةٍ عتيقة ..

...................

لا بطولةً،

لا بَراعةً، أو فِطنةً أنّني أحيا!

سأَنكَبُّ على "مؤجلاتي "، فلا وقت للتبذير!

إنتهت اللعبة!

إنتهت!

لم تَعُد هناك فرصة أخرى ..

**

لمْ يَتسنَ لي أنْ أُهنِّأ أُمي بسلامتي معطوباً ..

كلُّ مَنْ حَوْلي هَنَّأني على "السلامة" المنقوصة!!

لكنني بقيتُ سيّدَ ذاتي،

لا  أنسى ولا أَتذكّرُ الماضي إلاّ حينَ يَشرَقُ الهواءُ بغبار "الآنْ"!

لمْ أُسائل نفسي لماذا أحتفي بصداقةِ اليومي،

وأَنتشي بالنَزرِ المُتاح!

ربما أكونُ أرجأتُ إستذكارَ "المَلاكَ" إيّاه كي أُموِّهَ ما إستبطنتُ من حُطامي!

وأَعرفُ أَنه ساديٌّ مراوغ،

يقضمُ "رأسمالي"/ أصدقائي من حولي .. واحداً، واحداً لينفَرد بي!!

أَتُراه خائفاً مِنّي ؟.. أَنا المعطوب ..؟!

**

هلْ يَمرَضُ مَلاكُ الموتِ مثلما نَمرَضُ ..؟!

أَيُصابُ بالأنفلونزا، وفقدان الذاكرة(ألزهايمر) أو يدَخَلَ  "الكوما" ..؟!

إذا كان كذلك .. لنْ أَدعو له بالشفاءِ والعافية،

كي أَكتُبَ نَصّي الذي أَحلَمُ به!

فَبِيْ شَبَقٌ إلى ما لستُ أَعرِفُ ..

وأُريدُ أنْ أحيا وأنساه!

........................

كلُّ ما في الأمر أَنّي أُصدِّقُ حواسّي، بأَنَّني لمْ أَزَلْ أَحيا ..

أتأبطُ ظِلِّي كي لا يتعثَّرَ فوقَ رصيفٍ مَجدورَ الوجه، فينكسَّرْ،

لمْ يأتِ موسمُ "القِطاف"،

لمْ يأتِ،

لمْ ..!

وساعتي لمْ تَحِنْ بعدُ !

**

وسطَ ضوءٍ نحيلٍ يَخبِزُ الليلَ، نَجوتُ مصادفَةً،

حاولتُ تعديلَ مسيرتي، كيف ما أَشتهي!

إذْ ما كُنتُ لأكونَ لو أَنَّ الموتَ لم يكنْ عشوائيا،

إختطفَ أخَوَيَّ الأصغرين قاسم  ورسول!

يزورني في المنام، دون دعوة، ويقولُ:

" ما نسيتكَ، لنْ تَفلِتَ منّي، وإنْ نَجَوتَ بضعَ مرّات!"

فأقولُ له: " غَلبتُكَ يا موتُ غير مرة! أما تستحي  ؟!"

**

ما كنتُ لأحيا لو أنَّ الرصاصةَ الغبية لم تُخطيء مسارها بعشرينَ درجة،

فتَستقرَّ  في ركبتي مرتين:

في ساحة السباع  وفي كردستانْ.

....................

ما كُنتُ لأَحيا  لو لمْ أُشاغل ضابط الجوازات صالح منهل- زميلي في المتوسطة –

فلو أَلقى نظرةً على قائمة " الثلاثونَ المُبشّرونَ بجهنم "*لَرُحتُ بشُربة ماء!!

...................

ولا كُنتُ سأحيا  لولا جَلَبَةٍ قام بها اليمنيون الجنوبيون في مطار الكويت، دفاعاً عنّي،

يومَ أرادت مخابرات جارهم الأكبر إختطافي!!

..................

ما كنتُ لأحيا في قصر النهاية، لو لمْ يكتشفوا أنني لستُ يحيى بابان **!!

..................

وأخيراً .. ما كنتُ لأحيا  لولا فَزَع صديقي د. إلياس البطل لما إكتشف بأن لديَّ سرطانٌ

فأرسلني إلى المستشفى فوراً!!

**

ما يُنسيني الموعد مع "المَلاك" إياه،

بُنيَّتي ندى، شَغَفي بزهرةٍ يانعةٍ شقَّت الجدار لتعرضَ فِتنتَها،

هَوَسٌ  بالطبيعة ..

كثرةٌ من الكتب تنتظر القراءة،

*

وبلسم الروح موسيقى وأعمال فنية .. وكــاس!

كلُّ هذا يبقيني أُناطحُ الموتَ ..!!

***

يحيى علوان

.....................

* المقصود قائمة بثلاثين إسماً من المثقفين صدرت أوامر من مركز النظام عام 1978 بمنعهم  من السفر وجرى تعميم ذلك إلى  دائرة الجوازات والمطارات والمنافذ الحدودية، وقد ضمت القائمة زهير الجزائري، نبيل ياسين، فاطمة المحسن، فالح عبد الجبار وكاتب السطور وغيرهم مما لا أتذكر الآن .

** يحيى بابان واحد من نشطاء القيادة المركزية، زميل لي في أتحاد الطلبة . كان يدرس في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية عام1969.

إرتفاعٌ

يغمر الإنحدارات حولي

بالخِصْب ..

2

تموّجٌ

يمتدُّ ويمتدُّ

حتى ينتهي

بنصف كرة الأرض ..

3

الأمطارُ لا تعلو

الأمطارُ دوامُها الهطول

وما سواها

نافورة شوق ..

4

مدوّرةٌ تبقى الأحلام

حتى يزورها

عمود ضوء ..

5

بوحٌ

تسرّب

وما تركَ زاوية

إلّا

وأيقض فيها الهواء ..

6

ساكنةً كانتْ

حتى

إعتراها صهيلٌ

وأفزعتْها شرارة ...

***

إنهاء الياس سيفو

 

حميد الحريزياخذت تتقاطر طوابير سوداء صوب المبارك، ذاع صيته بين ضفتي نهر (الياس) كما يذيع خبر هروب عشيق مع عشيقته في قرية عراقية، تبدو هذه الطوابير من بعيد وكأنها مزدوجة الراس، لما تحمله من هدايا ونذور للمبارك الذي (اشهر) توا في قرية (العميه)، الحمير محملة بأثقالها تبدو فرحة وهي تغذ السير نحو المبارك، كفرح لقاء حبيب لحبيبه، تطلق العنان لحناجرها بين حين وآخر اعلانا للفرح وكأنه يخصها برابطة قربى ....

كان (ريحان) حنونا، مميزا بالإيثار، مشبعا بروح المشاركة، فقد ولدا في يوم واحد هو و (حمدان) الذي توفيت امه اثناء عملية المخاض والولادة، فكانت ام (ريحان) هي امه الثانية، حيث اقتسم هو و (ريحان) ثديها، فترعرعا معا برعايتها، كانت، سخية في منحهما حليبها، مما جعل والد (حمدان) يوليها رعاية خاصة، رغم كونه كان جلفا قاسيا في تعامله مع زوجه محملا اياها سبب عدم الانجاب لعدد من السنوات، هذه الامنية التي تحققت اخيرا بولادة (حمدان)، وموت والدته كنيجة طبيعية لما عانتها من قسوة وقهر زوجها، وحدوث مضاعفات لم يحتملها جسدها العليل ...

لم يبخل وهو المعروف ببخله الشديد، على ام (ريحان) بالطعام وعمل سقيفة خاصة تحميها من حر ومن برد، فلابد ان ينمو (حمدان) معافى، ليكون (حزام) ظهر، وعزوة، ووريث عهد والده، على اقطاعيته ومواشيه وامارة عشيرته، مما دفعه الى مضايقة (ريحان) ومنعه من رضاعة صدر امه، ليكون ضرعها من نصيب ولده من صلبه، فعمل واقية تحمل واخزات تمنع رضاعته، مما يجعل الام تجفل منه عند محاولته الرضاعة، لما يسببه لها من الم .

اخذ (حمدان) يتألم لما يلحظه من ضعف وتردي صحة اخيه بالرضاعة، يوما بعد آخر، دون ان يتمكن من مساعدته، فلم يعد قادرا على مشاركته اللعب والعدو في الحقول والبساتين، مما أثار مخاوفه وقلقه على اخيه، وعلى مرضعته التي بدت حزينة، عاجزة عن فعل شيئا امام قسوة وغلظة والد (حمدان) على ولدها ورضيعها المسكين ...

ذات صباح لم تشرق غرة (ريحان) كعادته كل يوم، مما اثار مخاوفه وهرع صوب مضجعه، فوجده جثة هامدة متخشببة لاحياة ولا حرارة فيها، والدته (الاتان) منكسرة منهمرة الدموع تحوم حوله، محاولة ايقاظه دون جدوى، ما جعله يصرخ هائجا باكيا مهرولا صوب والده لإخباره بما حدث، استقبله الوالد ببرود كبير مثير للقرف والاستغراب وكأنه على علم بما جرى، قام متثاقلا استجابة لجزع وصراخ ولده، بإجراء مراسيم دفن ل (ريحان)، وهو ينظر شزرا لوالدته المفجوعة برضيعها العزيز ...

احس (حمدان) بفراغ كبير بعد فقدان اخيه الجميل تحت التراب قرب فسيلة طالما كانا يتسامران مستظلين بظلها، فأصابته كآبة شديدة، ارتفعت درجة حرارته، مما اقلق والده كثيرا، ولم تنفع لشفائه لا اعشاب الجدات ولا تعاويذ الملالي ولا حتى ادوية اطباء المدينة،وربطه بشباك (السيد) الذي يقع مرقده في الجانب الاخر من النهر، والنذور المتعددة الموعودة التي وعد بها والده ل (السيد) عند اكتساب ولده الشفاء، فسيطر الهم على والده زعيم القبيلة التي شاركت اميرها حزنه وكمده على ولده الوحيد، خصوصا وقد شح حليب مرضعته وهي تعيش الم فراق رضيعها، وهو يرفض رضاعة غيرها ممن تبرعن بذلك عطفا على (حمدان)، اخذوا يجلبون له الهدايا واللعب وأنواع الاكلات دون جدوى ....

في لجة هذيانه وموجات الحمى الشديدة طلب ممن حوله اخذه لزيارة قبر اخيه، في البستان، فكان له ما اراد، حيث حمل الى قرب القبر، وضعوه تحت ظل الفسيلة وشجرة الرمان والفسيلة الاثيرة لدى اخيه، شمته مرضعته منهمرة دموعها حزنا على حاله لفقدانه اخيه، انكفأ على وجهه يشم تراب القبر، متلفظا بكلمات لها صوت كصوت النهيق ...

حاول والده ان يلاطف مرضعته، فعاجلته برفسة خلفية قوية، افلت منها باعجوبة، فقد كادت ان تحطم رأسه وتذهب بحياته ...

شيئا فشيئا بدأ (حمدان) يستعيد حيويته، وتغادره رجفة الحمى، طلب شربة ماء، شرب وسكب الباقي على قبر اخيه ممزوجا بدموعه وحسراته، جلس طالبا الاكل فاطعم رطبا ولبنا، فكان محل استغراب الحضور وعجبهم للتحسن السريع والمفاجئ لصحته، تهللت الوجوه بالفرح وعمت بينهم البشرى، فرقص الرجال وزغردت النساء، نحرت الخراف، فرحا واستبشارا بشفاء عزيزهم، وهو عند قبر المبروك (ريحان)، فشاع خبر شفائه بين سكان قريته والقرى المجاورة، اخذ الناس رجالا وتساءا وأطفالا يتوافدون الى قبره، للتبرك وطلب الشفاء وتحقيق المراد، وقد تحدث الكثيرون عن كراماته، فمن كان مريضا شفى، ومن تعثر عيشه اصبح موسرا، ومن جفاها زوجها عاد اليها صاغرا، وووو، فتضاعفت النذور والهدايا، على مختلف انواعها، حبوبا، ودجاج، وخرافا وعجول وأقمشة وفواكه، وقد اصبح (ابو حمدان) راعيا لقبر المبروك، متلقيا النذور، وموقدا للشموع والبخور، وسط حيرة ودهشة (حمدان).

لوحظ عزوف الزوراق التي كانت تحمل الزوار كل خميس الى مزار (السيد) في الجانب الثاني من النهر، رغم ضخامة ووثوقية شجرة نسبه وحسبه، في حين يزداد عددها باطراد لتتوقف عند قبر (ريحان)، مما اثار حفيظة القيمين على ضريح (السيد)، وقد شنوا حملة تشكيك واسعة النطاق، حول اصل وفصل (ريحان) ولكن دون جدوى، فلم يطل بهم المقام حتى اتوا حاملين نذورهم للتبرك، وطلب المغفرة ...

تبرع اهل (العميه) ببناء (ضريح) للمبروك، وتم تسييجه بسياج امتد لعشرات الامتار، و فرشه بالحصران والسجاد والوسائد المزخرفة المزينة بالنقوش، و تعيين يوم يوما خاصا بزيارته وهو نفس يوم شفاء ( حمدان) من مرضه الوبيل، تفتح الابواب مشرعة للزائرين في هذا اليوم مع ملاحظة عدم السماح بدخول الدواب والحمير، مما جعل ام ( ريحان) تطوف ناهقة حول سياج قبته، مما اضطر (ابو حمدان) الى طردها بعيدا عن السياج،وان يسدد لها طلقة من مسدسه مرديا ايها جثة هامدة لمنعها من تدنيس قدسية المكان، لتكون وجبة دسمة للكلاب والثعالب والعقبان !!! .

***

قصة قصيرة

حميد الحريزي

مُعلقةً

في جيدْ البُندُقِيةِ

تلك الحبوبُ الذهبيةِ

التي وقعت في الأسرِ

عند عبور الجسرِ

الممدودِ

من بَحرِ آزوف

الىٰ البحر الأسودِ

*

ياربَ القَمحِ والشعيرْ

ورب الغني والفقيرْ

*

لقد أَسروا حَبةَ القَمحِ

وَحَرمو منها التنورْ

وتَوقفَ الناعورْ

الذي كان يدورْ

ليملأ السواقي

      والدمعُ في المَآقي

والخوفُ في التراقِ

    والتَفَّتْ الساقُ بالساقِ

*

كي يَشربو أنخابَ النَصرِ

بعدَ أِختمارِ العَّصْرِ

*

مُغَمسَةً بالسنابلِ

والنساءُ تحت القنابلِ

والأطفالُ في

المراجِلِ

*

أوكرينيا ياحَبةَ القَمحِ

الشقراء

وبذور الزيت السوداء

من جعل أرضك جرداء ؟

*

وفي الضِفةَ الأُخرىٰ من البحرِ الأسودِ

تقفُ المجرشةُ والتنورْ

تنتظر امواج البحرِ المسجورْ

*

طوفاناً يَهربُ

من أسرٍ

*

ليبدأ العناقُ

وينضُجُ الرِقاقُ

وتهدأ الاشداقُ

وتنعس الأحداقُ

*

وليَذهَب الأربابُ

الىٰ الجحيمْ

وليشربو من الحميمْ

*

فقد عَبرَتْ قوافلُ

الأسرىٰ بَحرَ آزوف

الىٰ البحرِ الأسودْ

***

بقلمي فاضل الجاروش

11/6/2022

تباركت ثورة "المؤمنين"!

هل كنت تسعى

لترسم دفئ الشمس

على كوخ المحرومين

وتشعل من دمك الضوء

كي يطلع فجر المظلومين؟

ها هم أصحاب النَزَقَ الثوري

حفظوا كل إشارات السير تجاه الموت

مروا دون توقف

و(الزامل) أضحى مثل (الكيتامين)

هبطوا من عصر (الجَمَلَ وصِفِّين)

من بطون قباب الميتين

نبتوا في أرضِ النار

عاصمة الحرب الأزلية

دخلوا الآن مدائننا

جاؤا بالحاكم دون المحكومين !

**

وسقط  العزيز

فسقطنا بين سبعٍ عجاف

من فوقها سبع سنين

وحدهم الشهداء هناك ارتحلوا

سَكَنوا عِلِّيين

والبقية منهم ونحن هنا

أسفل السافلين !

تَبَارك القصر والحراس

تَبَارك تجار (البارود)

تَبَارك جيشٌ من العاطلين

تباركت النقاط والتباب

والرُتب الكبيرة للأقربين

تَبَارك القتلى

منسوخة وجوههم على الجدران

والأشجار

والأحجار

تَباركت الجرعة

والعُملة المرقعة

تَبَارك الدائنُ والمَدِين

تَبَاركَ درسُ الدِّين

تَبارك البنكان والبنكنوت

والروضةُ والتابوت

ونِعَم الولايةُ في ثورةِ " المؤمنين"

***

نجيب القرن - اليمن _ تعز .

18 /8/ 2022م

 

ذكرى لعيبيـ كيف أنتِ؟

ـ كيف أنا وكأني طفلة صغيرة، تفترشُ الأمنيات على الأرصفة بغيابهِ.

ـ هل تزعلين لو قلتُ لكِ أنتِ المخطئة؟

ـ لا.. لا أزعل؛ أعرف يا صديقتي أنا المخطئة، ظننته يختلف عن طباع الرجال الشرقيين كونه عاش فترة طويلة بعيدًا عن الشرق.

ـ الرجل الشرقي؛ يبقى تفكيره شرقيًا مهما ادعى إيمانه بالتحرر، الرجل الشرقي يغادر العادات والتقاليد التي تخالف أهواءهُ فقط، الرجل الشرقي عندما يتغرّب يصبح كائنًا منشطرا.

تركتها غارقة بدمعها وخرجتُ أسابق الوجع الذي بداخلي إلى موعدي مع طبيب الأمراض الصدرية.

كانت تبكي بحرقة كبيرة، بقهر، بندم .. وبحب عميق أيضًا

قررتُ أن أهاتفهُ وألتقي بهِ لأعرف سبب انقطاعه عنها، أو بالحقيقة لأواجهه بسوء فعله، ثم عدلت عن قراري، لا أحب الجبناء، ولا الرجال الذين يجعلون من قلوبهم معابر ومحطات .

هي وثقت به وظنته الحبيب المنتظر بعد سنوات الضيم والخذلان، لم تطلب منه علاقة حب عادية، كانت تريده رفيقًا أبديًا، جعلته لصق ضلعها ونبض قلبها، كانت سعيدة بهِ، أخبرتني عن لهفته قبل اللقاء الأول، عن اشتياقه وتواصله بعد اللقاء الأول، أحاديثهما الطويلة عن تلك الأغنية، وذلك الفنّان، وهذا الشاعر، وتلك المدينة، عن برجيهما، علاقاتهما، أمنياتهما، كانت تريده أن يكون موجودًا كما هو في أيام ليس لديها القدرة على تقبّل أي أحد سواه .. لكنه أهملها بعد اللقاء الثاني، بشكلٍ أدّق بعد معاشرتها!

اتصالاته باتت شحيحة جدًا، وإن أصابها طارىء ولم ترسل له تحية الصباح، الأمر عادي جدًا، لن يبادر ويرسل أو يسأل.

أي حب هذا؟  الحب بكل بساطة واختصار:

احترام، اهتمام، سؤال، وصال، تفقّد، أفعال.. 

ما عدا هذا أعتبره خارج نطاق الحب، قد يكون أعجابًا أو أي مسمى آخر.

بعد أن انتهيت من مراجعة الطبيب، ذهبتُ إلى مخبز قريب من العيادة لأشتري صحن فطائر شامية بالجبنة والزعتر والسبانخ والمحمرة الحارّة التي أعشقها، ثم رجعتُ إلى شقتنا، لأجد صديقتي كما تركتها:

ـ أنتِ مجنونة؟ ما زلتِ تبكين ؛ لأجل مَنْ؟

ـ كنتُ أنا الصادقة بحبي دائمًا، أتغيّر من أجل من أحب، أضحّي، أقدّم مشاعري على طبق من نور، لأكتشف بالنهاية أنهم وجدوني بطريقهم في وقت شعورهم بفراغ، لحظات احتياج لمن يسد هذا الفراغ، كمن تعثّر بقربة ماء وسط صحراء، متى ما ارتوى ظمأهم تركوها.

ـ المشكلة فينا، ضعفنا أمام مشاعرنا، ثقتنا، يا حبيبتي علينا أن نتخلى من هذه الطيبة الزائدة، ألاّ نعكس دواخلنا النقية على كل من نقابلهم أو نصادفهم بحياتنا، الأنانية بالمشاعر مطلوبة في وقتنا الحاضر، مواجهة المخادع بحقيقته مطلوبة، علينا عدم التشبث ألا بمن ينتشلنا من أحزاننا ويتحملنا ويدللنا ويؤمن بمشاعرنا، هؤلاء فقط يستحقون السُكنَى في أرواحنا.

ـ أنا جدًا متعبة صديقتي، جدًا ...

ـ من حبكِ لهُ، أم من الأثم الذي ارتكبته معه، أم من ماذا بالضبط؟ على فكرة نويت أن اهاتفه وأتحدث معه، لكن خشيت ردة فعله وبصراحة لا يعجبني الحديث مع رجل يكسر قلب امرأة.

ـ متعبة من نفسي، من تعلّقي به، كيف آمنت به وظننت أنه الوطن الذي أبحث عنه؟ كيف تعريتُ أمامه بأفكاري وأحلامي ومن ملابسي ؟ كيف تجرأتُ على كل هذا ؟ كيف؟

ـ حصل ما حصل، عندما نحب بصدق نعطي، نمنح المحبوب حتى جلودنا التي تسترنا، هذه ليست خسارة صديقتي، خسارته هو أكبر ثقي، وسيعرفها بعد أن تلطمه امرأة لعوب، نتجاوز الغياب الكبير والخيبات الكثيرة متناسين ولسنا ناسين، لنستمر بالحياة.

هيّا انهضي لنتعشى قبل أن تبرد الفطائر وتفقد لذّتها، سأعمل قدحين شاي ساخن..

نعم كنتُ أحدّثها بهدوء، لكن أوارًا يغلي بداخلي مثل مِرجـَل من طين ناره مستعرة من سنين، موجة غضب تجتاح كياني وكأني أنا صاحبة هذه الخيبة؛ قهر ذكّرني بخيباتي المرّة التي تتوالى عليّ المَرّة تلو الأخرى، كان لابد من فعل شيء الآن.. هذه اللحظة.. لتهدأ موجة الغضب الوقحة، لم أجد حيلة غير أن أكسر أحد الصحون وأتظاهر أنه سقط من يدي كي لا تشعر صديقتي:

ـ أوووف ربي، لماذا نشقى وقلوبنا ممتلئة بالحب؟

تشظّى الصحن على الأرض وكل شظية ذكّرتني بكسرٍ ما.. كسر ظهري عندما مات والدي، وكسر ضلعي عندما غادرتُ وطني، وكسر قلبي عندما تزوج رجلي عليّ، وكسر روحي عندما غدر بي الأقارب، وكسر خاطري عندما أعطتني الدنيا ظهرها وسرقت المسرّات من عمري.. تلاشت قواي أمام هذا الزخم من ذكرى الانكسارات؛ فهويت بوجهي على المنضدة القريبة ورحتُ بنوبةِ بكاءٍ جزع.

ـ نحنُ قوِيّات.. أ لم تقولي هذا دائمًا؟

قالت جملتها هذه وهي تمسح دمعتي بيمينها، وبيسارها تمسح دمعتها، مما جعلني امتدُّ بنوبة بكائي أكثر..

ـ ضعفتُ من حجم قوتي، تعبتُ.. فجأة وجدتُ نفسي أمام مسؤوليات تفوق طاقتي، أمرض بمفردي، دون يد تطعمني ملعقة حساء أو تربّت على وجعي، انجرح وأضمّد جرحي بصبري، اتعثّر واسقط وانهض وأسير على الجمر مبتسمة وبداخلي قهر كبير وحزن وألم؛ فقط لأثبت للعالم أني قويّة، تعبت، تعبت من قوتي المزيفة هذه.

لو كان هناك رجُل واحد فقط صادق معي، يحبنّي، يحتويني، يُعينني على نوائب الدهر، يجعلني من أساسيات يومه، والله لأقمتُ له وطنًا في روحي وقلبي وفديته بروحي، وربما لاضمحلت معاناتي وإندثر هذا الانكسار.

ـ نحنُ قوِيّات.. نحنُ قوِيّات؛ وكل خديعة ونحنُ بخير جدًا، كل تجربة نكتشفُ فيها أن المذكّر يعتبر نفسه منتصرًا بنيلهِ من امرأة أحبتّه، نجدُ مبرّرًا لنغرس "شوكة" أقلامنا في قلبه.

جلسنا نتناول العشاء على نغم صوت السيدة: " وبديت أطوي حنيني إليك.. وأكره ضعفي وصبري عليك.. وإخترت أبعد وعرفت أعند.. حتى الهجر قدرت عليه.. شوف القسوة بتعمل إيه"

وصلتْ رسالة منهُ إليها: مساؤكِ النور والعبير، أحبكِ

قرَأتها وعيناها مغرورقة بدمعة مقهورة.. وبتنهيدة طويلة قالت:

ـ هل الحب كلمة تُكتب فقط؟ تحيّة ؟ جملة تصل برسالة باردة؟

ـ ستردّين عليه؟

ـ نعم أكيد، أنا أحببته بكل جوارحي، ومخلصة لجوارحي!

ـ أنتِ حرّة.

كتبتْ له:

لنقدّر ظروف بعض.. اتفقنا؟

أنا سأقدّر أنك مشغول ولا تجد وقتًا للحديث معي حتى لو لدقيقة، أو اللقاء بي حتى لو بالشهر مرّة، أو الأطمئنان عليّ حتى لو كل يومين مرّة؛ وأنتَ قدّر إن أصبحتُ امرأة أخرى.

***

ألمانيا - ذكرى لعيبي

الطيب النقرلم يرق للفتى الذي يميس في شرخ الشباب وميعته السكن الجامعي الذي أتحفته به جامعته التي أصرت على غيها، ومضت على غلوائها في تكبيل حريته ووضع القيود والأغلال أمام نزقه ومجونه، فهي ترفض في إباء وشمم أن يدخن لفافة تبغ في حواشيها المترعة بالعلم والمزدانة بالجمال فضلاً عن المخدرات التي يزعم أنها تهبه الذهن المتقد، والبيان المشرق الجميل، كانت جامعته توصد الأبواب أمام أصحاب السفه والفجور، وتسدل الستور في وجوه الراغبين لاجتراح المعاصي واقتراف الذنوب في تلك المدينة التي لم يداخلها صلف، أو يشوب وجهها كلف، المدينة التي يحاكي نساءها ملاسة المرمر، ونداوة الزهر، وتضوع العنبر، المدينة التي تصدح بالأهازيج، وتعج بالأناشيد، وتقصدها قوافل السياح ورواد اللذة الذين يجنونها في يسر، ويتداولونها دون تعقيد أو وجل من جلاوزة النظام المنتشرين على أقاريز الشوارع، ومشارف القنوات، مدينة يتضرع الصالحون فيها على قلتهم بأن لا تصيبها عوامل الذوي والبلى الذي اجتاح مدن قريبة على شاكلتها، الصالحون الذين لا تنغمس أيديهم في منكر، أو تسعى أرجلهم لخطيئة هم الذين يملأ دعاؤهم جوانب أرضها وخوافق سمائها بأن لا تصير مدينتهم التي تاهت عن الطريقة المثلى، وفارقت العروة الوثقى أثراً بعد عين.

كان وائل عبد الحميد الفتى القسيم الوسيم الذي ينحدر من أسرة كظها الغنى وبشمتها الثروة غارقاً حتى أذنيه في أوضار الانحراف والضلال، فهو منذ أن طرّ شاربه، وترقرق في عطفيه ماء الشباب، عابثاً، متهتكا، ماجناً، سفيهاً في الجملة، خليعاً في التفصيل، دأبه أن يقارف اللذة، ويفني نفسه في تحصيلها، حتى طارت له هيعة منكرة، وخضّب أسرته بميسم العار، فلم تجد عائلته التي إنجذم حبل رجائها، وضل رائد أملها في صلاحه وتقويمه، سوي ترحيله إلي خاله الأستاذ الجامعي النابه الذكر بدوي المتعافي، البروفيسور الذي يملأ شعاب كل قلب بالإعجاب والذي يعمل في ذلك الركن القصي من المعمورة، في تلك الديار المتعددة الأعراق التي سعى الغرب لترويضها واستئناسها من قبل دون طائل، عقد وائل العزم على أن يمضي خلف شعوره الذي طغى على فطرته، فلقد وجد نفسه منسجماً مع الخطايا والمنكرات، وسيمضي على هذا المنوال حتى تخترمه المنية وتطويه الغبراء، ولن يستطيع أي أحد مهما أوتي من قوة وصلابة أن يزحزحه عن عزمه، لقد أقسم وائل في قرارة نفسه ألاّ يبارح شريعته التي أوحاها له شيطانه الرابض في صدره قيد أنملة، تلك الشريعة التي تكفل له مواتاة كل لذة، ومقارفة كل إثم، نعم لقد عاهد شيطانه أن يظل عاكفاً على اللذة وقد أوفى بعهده فهو منذ مقدمه لتلك الأراضي الموشمة البقاع، الناتحة النقاع يحرص علي حصد الشهوات والسير في مدنها الخربة الحافلة بأصحاب الرايات الحمر وبغايا الرذيلة، حرص الشحيح على ماله.

لقد أوصاه خاله بدوي الذي أدرك أنّ ابن اخته قد علته غبار الشهوات، وصرعته حبائل الشيطان، فلا طائل من نصحه، ولا جدوى من إرشاده، بعد أن استفحل فيه الداء وأعضل، ولأنه يعلم جلياً أن قمع جيشات أباطيله، وكبح صولات أضاليله، ضرباً من المحال، وغاية دونها خرط القتاد، أوصاه وصية أحسن فيها وأوفي، وأوجز فيها وأكفى، أوصاه ألا تنقطع الصلة بينه وبين ربه الذي صاغه من عدم، فالصلاة تمحص الذنوب، وتجلو الخطايا، وترد مرتادها إلي الله وإن طالت غربته، أمره خاله الحاني أن تكون الصلاة عنده أعذب من الصهباء، وأشهى من ثغور الحسان، كما أوصاه بأن يتصدق من ماله بعد كل جريرة يقترفها، وذنب يرتكبه، لأن الصدقات تطفئ غضب الرحمن وتجعله جلا وعلا يتغاضى على آثام عبده إلي حين رغم تهافت عبده الفاحش على نيل اللذة التي يسعى لنيلها وإن نالته مشقة في نفسه، ونقيصة في عرضه، ووكس في دينه، هذا بالطبع إذا لم تقتضي مشيئته عزّ وجلّ أنّ يذيقه وبال أمره، فيهتك ستره ويجعله أحدوثة تتقارضها الألسنة،لأنه تجبر وطغى وخلع عِذار الحياء، وأصاب الأخلاق في مقتل.

كان وائل وصديقه في الخنا والفجور أحمد ابراهيم الشاب الوضئ الطلعة، الفارع الطول، الفاحش القول، الذي يتقلب في حمأة المعصية، ويحرص عليها حرص العابد الأواب على صلاته، ينتظران مطلع ذلك اليوم بصبر نافذ، ومهج صدئة دائبة النزوع لمواخير الفساد ومواتاة الرذيلة، وما أن تبزغ شمس ذلك اليوم الفضيل الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد في الأعوام، حتى يغادرا سياج الفضيلة (جامعتهم) التي لا تيسر لهم مراماً، ولا توفر لهم سانحة، لإخماد شهواتهم المتأججة، إلا في تلك الأيام التي يهول (كُتّابِهِمَ) فيها إسرافهم في المعاصي، وإغراقهم في السيئات، لقد نسى هذين العبدين المارقين أن الدنيا ليست بباقية لحي، وما حي على الدنيا بباقي، ففي بواكير كل يوم جمعة ينتبه كل طرف وسنان، وينتعش كل عضو ذابل، لينساب كالسهم النافذ إلي المهفهفة الدعجاء التي تحتوي على شتى الألوان من الحسن، ومختلف الأشكال من الملاحة، تغمرهم أمواج نزواتها، وتطويهم لجج شهواتها، ويظلوا عاكفين على صفحة خدها الأسيل المرصع بالرياحين، لاثمين ومكبرين حظهم الذي قادهم لتلك الأماكن التي صفا عهرها، وخلصت كعابها من كل كدر وعيب، وبعد نيل الرغائب، وقضاء الحوائج، يتحلقوا حول معبودتهم التي لها أشياع وأتباع في كل مكان، الصهباء التي لم يقلوها أو يسلوها ، تسقيهم إياها رّعبوبة ملداء، لينة الأطراف، ثقيلة الأرداف، ترتدي ثياب تشف عن جسدها الذي يفتن الضرير، ويضرم شهوة من أزفّ للرحيل، جسدها الذي يضاهي زهر الربيع في ألقه وسحره، خلياً من الهوى، بريئاً من الصبابة، مولعاً بالعناق والدراهم العتاق، وأخرى تتمايل كأنها قضيب خيزران على وقع الموسيقى الصاخب الذي يروق لوائل سماعه بعد أن يخمد غُلمته، ويشبع نُهمته، حتى يطغى ضجيجها على صوت أحمد ابراهيم الأجش الذي تستك منه المسامع وهو يتغنى بأغاني موغلة في القدم، لمغنيين لم يكن يتألف قط من مجموع حياتهم صواب، أغاني لا يتذكرها إلاّ حينما تدب الخمر في عظامه، وتعربد في مفاصله، وبعد قضاء الوطر وبلوغ اللذة يبدأ وائل وخله الوفي أحمد في التردد على منازل من علائقهم بالسماء مزعزعة الأركان، متداعية البنيان، أصحاب النزق والمجون..الذين تصرعهم سكرة اللذة وتأخذهم حُميا الشهوات،كان أولّ من يوفدون إليه هو ذلك الرجل المديد القامة، الضخم الهامة، الذي تعلوه سمرة لا تعيها العين إلا حينما يشعُ بهاء ثغره...الباشمهندس الصادق سلطان الذي هجر الفرائض، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أماً وأباً، الصادق الذي منذ أن طوى عهود الصبا وبلغ مبالغ الرجال ما طاش له سهم، ولا سقط له فهم في صيد اللآلئ وثقبها بفرحٍ جم، وزهوُ جامح ، المهندس الألمعي الذي بسط الله له في الرزق ولم يتزوج بعد رغم أنه قد أرزْم على الأربعين، وقد خطت وقائع الدهر توقيعها على شعره الذي يحرص دوماً على تصبيغه باللون الأسود، كان إذا سئل عن سبب تأخره في الزواج يجيب ببيت من الشعر لا يحفظ غيره

لنْ تُصادِفَ مْرعىً مُونِقاً أبداً..... إلاّ وجدْت بهِ آثارَ مأكولُ

ذلك البيت الذي يدل على سوء ظنه بقبيلة النساء، يعقبه بقول اقتضته فلسفته في الحياة: إذا أردت أن تكون آمناً من كل سوء، نابياً عن كل كدر، لا ترتبط بأنثى قط، وأجعل منها شبحاً يزور مخدعك ولا يمكث فيه...لقد استحق هذا الفهم العليل الذي يمتهن المرأة ويختزلها في إطار المتعة منزلة الثبات، ومرتبة االرسوخ عند الصادق الذي تستهويه من النساء المرأة التي أعلاها عسيب، وأسفلها كثيب، فلم يسبق لطرفه الوسنان قط أن حدج امرأة هزيلة الجسم، نحيلة الجسد، كما لم يسبق للسانه أن جاد بالتحية لامرأة ضعيفة الخلق، رقيقة البدن.

***

د. الطيب النقر

 

يَحِيكُ مِنْ رَمْلِ الثَّنايَا بُرْدَةً لِعابِرٍ

تَعَثَّرَ في رِحلةٍ تَوالَدَتْ شِعابُها...

تَجُرُّه أحلامه، وهذه أَقدامُه

تَأَكَّلَتْ...أعقابُها...

حتّى دَمَتْ!...

ويَرْتُقُ مِن صَوْتِهِ المَكْدُودِ صَرْخَةً

بَدَتْ... كأنّها تَنْسابُ مِنْ عَلْيائِها:

"يا حادِيًا قوافلي، حَنانَكَ!

ألَا تَرَى عَيْسائي قَدْ تَمَلْمَلَتْ؟...

فَعلّها ناءَتْ بِما تَحَمَّلَتْ!!"...

*

يا جُرْحَهُ!

كَمْ مَرَّةً تَنَهَّدَ، ورَدَّدَ:

"لَمَّا تَشِيخُ الدّهْشَةُ...

ستَفْقِدُ الأشياءُ، حَتْمًا، سِحْرَها

ويَختفِي ظِلُّ الجَمالِ

من حُدودٍ خَطَّها خَيالُنا"

فَرِحلةٌ بدون عِشقٍ...

تُصْبحُ مجرَّد مَتاهةٍ،

بَلْ عِشقُنا حَدَّ الجنون...

يُصبحُ مُجرَّد تَفاهَةٍ!!

وتُصبحُ آهاتُنا بدون رجعٍ

في خِيامِنا التي تَأَبَّدَتْ...

*

وذاتَ فَجْرٍ، رُبّما!...

مِن مَعْبَدِ الحُلمِ العتيقِ...

يَظهَرُ فينا ملاكٌ عاشقٌ،

يُرافقُ بِصوتِه أنينَ نايٍ خافتٍ

فنَحْسَبُ اليَرَاعَةَ مِنْ وَجْدِها تَأَوَّهَتْ!!...

يُغَمْغِمُ:

"يا جارةَ الوادي،

وَهَلْ حَقًّا أنينُ النايِ يَبْقى بَعدَ أن...؟ !"

ويَصْمُتُ...

*

يُعِيدُه الصَّوْتُ المَلائِكِيُّ لِلْبِدايةِ...

يَحِيكُ مِنْ رَمْلِ الثَّنايا بُرْدَةً لِعابِرٍ...

بَلْ ها هُوَ طِفْلٌ... يُطارِدُ خُيوطَ النُّورِ

مِنْ شَمْسٍ تَوَهَّجَتْ...

لِكَيْ يُضِيءَ بَدْرًا ساكنًا خَلْفَ التِّلالِ

أَذَّنَ بأنه سَيَرْحَلُ...

فربّما!...

قَبْلَ الشُّروقِ يَأْفُلُ...

وربّما!...

تَثْنِيه عَمَّا يُزْمِعُ، فَيْرُوزُ إنْ تَرَنَّمَتْ:

"سنَرْجِعُ...هَيَّا بِنَا..."

أو ربّما!!...

***

أ.د. المنتصر العامري

 

إلى روح والدتي

هناك شيء ما

شيء يشبه الوجع

يلوذ بصدري

يذكرني

بأن ورقة

سقطت

وبأن الخريف كان

قاسيا

وبأن أشياء كثيرة

ستصبح مجرد ذكرى

وحتما سماء المدينة

لن تمطر إلا حزنا

وأنَّ عليّ أن أتعلم كيف

أنسى؟

هكذا إذا بكل بساطة

ماض جميل يُمحى

وتاريخ مَشاعرَ

وحبّ يُطوى

أيها الحضنُ الدافئ

جدران البيت صقيع

ووحشة تتربع على

القلوب

وليل رهيب مريع

وصمت يرسم لوحة

الغروب

بألوان يخنقها الشحوب

أيها القلب الوديع

لم يعد لك حضن

إليه تنيخ

ويد تربت على الظهر

تمسح وحشة الأيام

ولسان عذب يسكب

حلو الكلام

لم يعد لك أيكٌ

إليه تؤوب

وابتسامة دافئة

تحضن حلمك

المرمري

و تهدهد روح

صباك الموهوب

أمي تَعجّلتِ الرحيل

وكان سفرك خارج

المألوف

سفرا بلا موعد

معروف

طواكِ ليل حزين

في غفلة منا

احتضنتك يد القدر

في مساء لاهب

فحلقتِ بعيدا عنا

كعصفور مَقرور

يبحث عن أيْكِ

حنين

*

أمي

من سيعاتبني

كالعادة؟

من سيسألني عن

أحوالي؟

وينثر في دربي

ورد السعادة

من سيقدم لي كأس

الشاي؟

ويدافع عني

بشراسة

من سيرسم البسمة

على شَفَتَيّ؟

ويحدثني بكل

بشاشة

من سيشير بسبابته

لرسم الغزالة

في باحة بيتنا؟

ويقول : ما أجمله

من سيدعو الله لي

عند العسر والحاجة؟

*

هناك شيء ما

يحدثني بِرَوِيّة

يفسر لي معنى الرحيل

يكشف لي مغزى الصعود

يفتح لي باب التأويل

يعلمني بتأنٍّ

كيف أنسج عباءة للفرح

كيف أنظم قصيدة للقمر

كيف أفتح لأمي بابا في قلبي

وأدعوها لتسكن خلايا دمي

هناك شيء ما

يهتف بي:

ترحل الأمهات

ويبقى صدى حبهن

يحرس أحلام الطفولة

ويشرق شمسا دافئة

عند كل صباح

ويبقى عِطرهن

درة عبير في الهواء

نستنشقه عند الفجر

ضوعا أصيلا

*

أمي

سأعود إلى مدينتي

سأبتسم للورد

وأفتح باب البيت

وأحمل ذكراك

في قلبي

في عقلي

سيتقاطع نغم الرحيل

مع تراتيل الحياة

وستبقين نورا يومض

في ذاتي

وسرابيل لأحلامي

***

محمد محضار 22 ماي 2022

 

نصان عن الهجرة والإغتراب والحلم بالعودة 

1

دَرْبُ الآلام

ظَننتُ حياتي كرمَ خيرٍ مُباركاً

وجدتُ حياتي كأسَ مُرّ بحنظلِ

*

أما العَيشُ آمالٌ نحققها غداً

لمَ العَيشُ والدّنيا أضاعتْ مُدللي

*

هو الدّهرُ خوّانٌ وقاسٍ بأمرنا

عُيوني رأت همّاً فحطّمَ كاهلي

*

أيا مَوتُ عَجّلْ إنّ أمركَ قادمٌ

ويا نفسُ لا تبكي ولا تتساءلي

*

فوالله لم أذهبْ لأمرِ مُسالماً

وكنتُ قويَّ البأسِ صَعبَ المَناهِل ِ

*

وما بانَ حسنُ الطّيبِ حتّى أحاطنا

بعالَم قبحٍ ردّ كلَّ مَسائلي(*)

*

وكانَ لنا بيتٌ متينٌ عمادُهُ

وفاقدِ بيتٍ عاشَ دوماً كَسائِل ِ

*

فيا حسرتي قد كانَ صَعباً رحيلُنا

ويا غربة عايشتها بالتنقل ِ

*

صَحيحٌ هو القولُ القديمُ لأهلِنا

"وغائبِ قومٍ صارَ يوماً كمثقَلِ"

كتبت عام 2014

ودونتْ حسب البحر الطويل.

***

2

مُغتربٌ يحلمُ بالعودة

ها نحن اليوم قد عدنا

عودة بحّار

مزق اليمّ شراعَهْ

أتعب الليلُ ذراعَهْ

وكان الصّبحُ الباردُ

فوق الشاطئ المقفرْ

رجعنا رجعة جُنديّ

قد استسلم

وكان حصادُهُ الخيبة،

وصلنا دون ما دعوة

ولم نسألْ (*)

يراجع شخصنا الماضي

ولا يقبلْ

يضيع في زحمة التاريخ

ويشربُ منه مُرّ الكاس

ولا يشبعْ.

دعوني أدفن أوراقي

بلا حًبّ ولا أطلال...

فهذي الأرضُ تعيش ليلها الكحليّ

وأحبابي يبيتون بلا بسمة.

دعوني.. دعوني أعود

قبل أن يغرسَ الدهرُ في صدري

تينة الصّبّار

قبل أن تخدشَ وجهي

هذي الرياح العاتية

دعوني .. دعوني أعود

ولن أرحل.

**

أنا عاهدتُ أيامي

أنا عاهدت ُ أحزاني

أنا عاهدت ُ أشواقي وأحلام

إذا ما عدتُ لن أرحَل

فهل يا قدري تقبل؟؟

***

الدكتور إسماعيل مكارم

دونت عام 2001

....................

* الضّمير في أحاطنا عائد على الدّهر، مَسائلي : طلباتي.

* النون فوقها ضمة، والفعل مبني للمجهول.

* في" الثلج يأتي من النافذة" يعالج الروائي حنا مينه مصير فياض، الهارب بسبب قمع الحريات في مجتمعه السوري حينذاك، ولكن هروبه لم يسعفه بالعيش بأمان.بطل "الثلج يأتي من التافذة" يردد: عبارة : "لن أهربَ بعد الآن" ..الكاتب السوري المعروف يؤكد على وجوب المواجهة بدلا من الهروب.

نحن في النص الأول نلمح إلى مسألة من أجبرتهم قوى الإرهاب إلى الهجرة. بينما في النص الثاني نشير إلى ألم العيش بعيدا عن الأهل والوطن، حيث يتحول الأمر إلى حلم في العودة، البعض يسعفه الحظ في تحقيق أمرين : النجاح والعودة، ولكن هذا النجاح لا ينسحب على الجميع، وليس حصة كل مغترب - النجاح.مسألة الهجرة أو ربما الأصح أن نقول موضوع الهجرة في أدبنا العربي من أيام الأندلس إلى يومنا هذا - موضوع غني ومتعدد الجوانب.

ارغب ان احبك بشيء غير مألوف

دون ان اقع في مثاليته الباهضة

كما وقصص العاشقين المنسية

مترفاً بالبروق الوامضة على جسد المحارات الزهرية

حب يستقطر القطاف من اخيلة الليل الملغى

بالهمهمات الغرائبية وبانفلاجات الغريزة البالغة

اهيم بندبة خدك الايسر، المرتفعة عن الزغابات المديدة

اصارح النجوم المنفلتة من ضوء القمر، اشير لها بأصبعي الحالم

باليقظة المذهلة، بالحرقة الممتزجة مع انفاس الشمس

بالقبلات الجارية على ظهر الفهود المنقطعة الانفاس

تجري بي، الى ما لا هناك من دم بارد

نحو البقعة الممهورة بخطم الزمن المثالي

نطأ العشب القصير بحرارة الأبدية

***

رغيــــدة العلــــي

 

دجلة السمراء تشدو

نايها يرمض حنين

لأنيس بالفرات يرشف الدر ويرنو

لنخيلٍ وضفاف

شاطئ العُرب ينادي

هيت درّي هيت درّي

إستقي من جوفي درّا

يملأ الفجرارتواء

وينابيع استقاء

من دعاء الغيث فيظا

ترتوي الأرض وتنهل

للفراتين صمودا وإباء

وبلادي تتعافى

يابلاد الرافدين

من بطين وأذين

في شغاف القلب شلال حنين

ترتوي منه الجداول

تستقي منه السحاب

تتورد منه دجلة

وتغني للضفاف

تنتهل منه نواعير الفرات

تتوسد فيه قبلة

لجبين الصبح ترتيل دعاء

وصلاة تستقي منها الجرار

كهرمانة ستعود

***

مريم لطفي

 

ولم أدرِ ما ضَمَّ الخِمارُ بوجهِها

ولكنْ زَهَتْ عينا رشا و حواجبُ

*

فمُذُ أنْ رأت عيني انبرهتُ بحبِّها

ومن أجلِها طولَ الزَّمان أحارِبُ

*

فما أنّني نلتُ المرام بوصلِها

ولا أنّني مهما دنوتُ أُقارِبُ

*

أرى في الحصى جمراً يمور بخطوتي

بهِ سَعَّرَتْ سُمّاً يفور عقارِبُ

*

إلى أنْ هَمَتْ شمسُ الأُفول بأفقِها

و قد عَسْعَسْتْ في المَشرقين مَغاربُ

*

هوتْ مهجتي في الخافقين كويكباً

على البحرِ .. لكنْ ؛ لن تمرَّ قواربُ !!

*

فمن يا تُرى يقوى يغوص بعمقِها

وهل يشتهي ماءَ الإجاجةِ شاربُ!؟

*

فقد أُمحِلَتْ حَدَّ المشيبِ بعمرِها

و قد أٌبرَمتْ قطنَ البياض شواربُ

*

فما يجتني ساعي القِطافِ بقفرةٍ

إذا عوسَجَتْ صدرَ البِطاح ترائبُ

*

و هل يُستفى منها الشَّذاءُ بشهوةٍ

إذا سَوَّرَتْ فصلَ الخريف خرائبُ!؟

*

لقد ضُعضِعَتْ .. جسمٌ ينوءُ بشيبِهِ

فلم تستطع حملَ الغرام مَناكبُ

*

أَرى كلَّما ضاعتْ حقوقُ تتطالبتْ

سوى في الجَفَا عافَ الحقوقَ مُطالِبُ

***

رعد الدخيلي

إنْ تبحثَ عن الأحجارِ

في أرضٍ ليستْ لكَ

إنْ وجدتها علقها

عندَ المفترقاتِ

وأخترْ نجمةً سماويةً

تضيؤها لتكونَ نوراً

يفكُ طلاسمَ عزلتنا

*

خذْ ألفَ مسمارٍ

دقَّ ما تشاءُ منها

ليرى أحفادُ الشرِ

صورهم ممزقةً برؤوسها

*

كلما تتدلى الغرساتُ

في جسومنا

بعثنا من صبرنا للآخرينَ

نسكاً ورثناهُ من تسلقنا للسماءِ

*

لماذا لا نسرقُ البحرَ

كي نبرئهُ من جرائمِ

إنتحارِ العشاقِ

*

لو صرتُ ملكاً

الغيتُ عقودَ التفريقِ

زرعتُ بالتناسلِ أبديةَ الحبِ

*

العيونُ التي لا ترسلُ

ومضاتِ العشقِ

أغطيها بسوادِ الكونِ

*

لا أخشى عنصريتي

حينَ أختارُ دفئَ المدنِ

أجملها عنواناً لفتنةِ النساءِ

أجزمُ أنَّ الربَّ يباركني

لأني اخترتُ من خلقهِ الجمالَ

*

سوفَ أفتشُ عن مبدعي الرسمِ

أشيدُ لهم أبهى المعارضِ

كي لا يرسموا إلا نخلةً عراقيةً

أنزلها الربُّ في كتبهِ

مازالَ جذعها يهتزُ يشبعُ جوعنا الأزليَّ

*

أصدقائي الشعراءَ

مهلاً، إياكم وحبٍ

لا يمتطي مهرةً بيضاءَ

فالريحُ تمزقُ ما نكتبُ

والغربانُ تلتهمُ البقايا

*

الثيرانُ تعتقدُ انها سيدةُ الأهوارِ

تتناسى أنَّ الطيورَ

حينَ تحطُ على الأمواجِ

تقلدها أبهى قلائدِ الجمالِ

تحتَ عزفِ القصبِ سمفونيةً للحبِ

***

عبد الامير العبادي

 

تحت

جنح الظلام

يتناغى العشاق

اعلن الفيتو صوت

غراب

*

يلاحقها  الصقر

حمامة تائه، لتستمر الحياة

أحتضنت

بيوضها

*

خرجدت الدجاجة

باكية

ليس كل البيوض فاسدة

فلماذا البكاء

(المخصي)

*

ابعد سكينك عن

رقبتي

تذكر من يوقضك

كل صباح

الديك

*

لست حرا

شبابيك أقفاصك لاتتسع

رفيف أجنحتي

البلبل

*

لاتعرف معنى السلام

أسال كرشك

صاحت رؤوس

العصافير

*

اللقالق

لاتستحق الاحترام

حملت اعشاشها على

رأسي

لوثتني  بذروقها

المنارة

*

لم

يقدروا زعيقي كل

صباح

مقلاتهم حرمتني

حق الامومة

الدجاجة

*

هائم

يبكي جفاء حبيبته

نصب له الانسان

المصائد

يحمل عظمه اسرار

العشق

الهدهد

*

يملأ

البساتين صياحا

متحديا بندقية صياد

مغرور

ديك الحجل

***

حميد الحريزي

 

الى صديقي الأنيق:

سلام عبد ساهي الكناني

***

في الجامِعةِ . .

وفي لحْظةٍ فارِقةٍ

لعنَ صَديقي الحُبَّ

ومزّقَ أشعارهُ غاضباً

لمْلَمتُ ما تبقّى

واحْتفظتُ بهِ بينَ ثنايا القلْبِ

وبعدَ أربعينَ سنةً تمَعنْتُ في الأوراقِ ثانيةً

فوَجدتُهُ حاضِراً

كأَنّهُ لمْ يَغِبْ أبَداً

***

د. ستار البياتي - بغداد

20/7/2022

رَحِيلٌ أنْصَفَ الذِّكْرَى

وجُرْحٌ قَدْ أبَى ذِكْرَا

مَواعيد ضَرَبْناها

ورُوح زادَها قَدْرَا

هُبوب لم يَنَلْ مِنْه

سُقوطُ الضِّفَّةِ اليُسْرَى

*

تَضَرَّعْ أيها البَدْرُ

وكابِرْ  يَنْقَضِ العُمْرُ

أراكَ غَيمةً تَحْلُو

بِعَينٍ عابَها الكُحْلُ

*

وُعُودُ الصَّيفِ قد نامَتْ

ومَوجُ الحَظِّ ها يَغْفُو

شِفاهُ الريحِ قد صاحَتْ

وما مِنْ مُهْجَةٍ تَرْفُو

حَنِينَ الجَذْوَةِ العَطْشى

لِغَيْثٍ دَمْعُهُ يَغْشَى

*

أَلاَ يا قَلْبُ لا تَبْكِ

أَلاَ يا ثَغْرُ بُشْراكَ

بِما تَتْلُو  وما تَهْذِي

بِهِ  مِنْ فَيْضِ مَوْلاكَ

*

تَبِيعُ اللَّهْوَ مِدْرارَا

وَتمْحُو اللَّيْلَ كَفَّارَة

فَسَرِّحْ طائِرا أَبْلَى

ومَا حُكْمُ الْهَوَى أَحْرَى

لَنا يَوْمٌ، لنا يَومٌ

لَنا يَوْمٌ فَحاذِرْ أَنْ

تُجَارِي قَلْبَكَ سُكْرَا

***

د. سعاد درير

القصيدة التي ألقتها الشاعرة أمان السيد

في مهرجان الجواهري 2022 م

في مدينة سيدني – أستراليا

***

لا رائحة للأمكنة المزيفة:

المطعم الفرنسي،

الخبز أمامي برائحته المفقودة،

الأنغام،

صوت المغني الفرنسي،

وقع خطوات الراقصين،

وذراعا المغني تشبِكان خصري.

الحرمانُ يعانق حتى خشب الكراسي.

كُثرٌ من ابتسموا لأحمر شفاهي،

ليس إلاكَ يدركُ كُنه الأحمر في نزفي.

**

أيتها الموسيقى:

كلّي قدمان،

والماء يُغويني، يجرجرني يتسقّى من قدمي.

ليس لي إلاكَ في غربتي.

طرقاتُ الأسفلت الملتهبة

تصبح بردا في جوار جحيمي.

يذوب المكان،

وأغدو متخمة بالعبث، بعينين أقصيتُهما.

يَلذّ لي رفيفُ سِرب من العشاق حولي،

وأن أكون امرأة يشتهيها البحارةُ العابرون،

والعازفون على أبواب الموسيقى.

سأعرَقُ بالفلّ والياسمين

كمدينة تطوّقها الجنائن.

**

لا رائحة للأمكنة المزيفة

سينبتُ حبيبي

الذي سيكسو جلدي بالورود.

أيتها الموسيقى:

أنا من يلقّح كلّ نَفَس منك،

كلّ نغمة، كلّ انشطارة،

كل شريان، كل لمسة،

وأحبو،

أحبو كأصابع عاشق فوق جسدي.

أيتها الموسيقى:

لا رائحة للأمكنة المزيفة

في مدن لا تشبعُ من أنفاسي المبثوثة،

لا تدعُ لي وقتا

لأواصل ارتكاب آثامي.

من عينيّ، من عنقي، من بين ثدييّ،

من سرّتي

تنبتُ الأمكنة التي

تلتصقُ روائحُها بالنخاع.

أنا من أهبُ الموسيقى بهاءَها،

أنا من أهبُ الرقصَ حياتَه،

ليس لي إلاكَ في غربتي

يدركُ كنه الأحمر في شفاهي.

جسدي القيثار.

موسيقاك تعزِفني

أنغاما وطيورا خرافية.

ألا اصدحي يا بلابل.

***

أمان السيد – سيدني / أستراليا

.....................

القصيدة طقس من طقوس الديوان " النهر أنت يا حبيبي وأنا الأفعوان" للأديبة " أمان السيد". 

 

أنا من أهدهدُ الليلَ نجمةً تلو الأخرى

لتغفو الظُلمة في سُباتٍ أبدي

وأستبينُ النورَ فجراً حالماً

ممتطياً خصرَ القصيدةِ ...

*

كم مِن سمواتٍ شهِدت تمرُدي

أناكفُ الأقدارَ أبني مدينةً مِن وحي عينيكَ

يُظللها الغمامُ ويتكيءُ على زِندها طائرُ اللقلاق ِ

يتساقطُ شيءٌ مِن حزنهِ

يخترقُ رحمَ الأرضِ

لينفلت مِن ذاتِ العمق

ماردٌ له وجه طفلٍ

وأقدامِ عنكبوت و بيدهِ صولجان

تُضيءُ ابتسامتُه مابين المشرِقِ و المغرِب ِ...

*

وهُناكَ في جوفِ الفراغ

أنصبُ فزاعةً لها رأسُ سمكةٍ

ينسابُ نهرٌ مِن خياشِيمها

وعلى ضفتيهِ تقفُ الحياة ُ

تنشدُ أغنيةَ العودةِ  ...

*

مَد يدَك لتُراقصني

على وقعِ هارمونيكا اللحظةِ الغارقة ِ

في أقصى درجاتِ الشهوةِ

هُنا لا أحدٌ سِوانا

لاعين ترانا

*

تحرر ...

المدينةُ لك

مِفتاحُها مُخبأ بين شفتيك

*

تحرر ...

لن يصمدَ الماردُ طويلاً

ستأتي أنثى العنكبوت عاجلاً

وتُغريها سيقانُه

ومن ثم يسري سمها

*

تحرر ...

فمدن الشِّعر لا تصمدُ كثيراً في انتظار ِ

سذاجةِ العُشاق

تستقبلُ الفاتحين

مُن صوبِ بوابةِ الجرأةِ

و جنونِ الفكرةِ

لا تختبر صبري

فاتكائي على كتفِ الحروف

لحظاتُ احتراق

قد تُهديك نصاً لكنها تمضي

تورثُني الرماد

كُنْ ما أردت

مالكاً لمدينتي ...

أو

قارئاً لقصيدتي ...

وستكون حينها مُلهِماً خالي الوِفاض

فالقصيدةُ لا تورث

وسأعودُ للنجماتِ ليسَ يهمني

فالشعرُ لي ولك التمنِي ...

***

أريج محمد احمد

.................. 

* من ديوان (منازل الوجد) الصادر من دار الأديب للطباعة والنشر والتوزيع في القاهرة يناير 2022

 

قصي الشيخ عسكركان ينتظر ثانية تفصل رأسه عنه.

2

لا أرى قالها الفيلسوف فظنه الأعمى مثله.

3

كلما بصقت هبّت العنكبوت باتجاه بصاقي على الشبكة، بعد محاولات بقيت ساكن وتركتني أمارس اللعبة وحدي.

4

أغلق الطفل عنق القنينة وراح يراقب الذبابة بنشوة عارمة.

5

حدث المعلم الصغار عن بكتريا تنشطر فلا تموت وحين سألهم من يرغب في تلك الحياة الأبدية لم يرفع أحد يده.

6

ترك وجهه في المرآة وهاجر وحيدا.

7

يرسم وجوه بشر بأجساد حيوانات وحشرات.

8

تحدث عن بحر بماء عذب.

9

فكر في أشياء لم تراوده في الأحلام.

10

ضاق ذرعا بالصمت والكلام.

11

هجرته الأولى كانت إلى مدن الصمت والثانية إلى مدن تثرثر.

12

رحلوا بعد نجاتهم ومازال الرعب يكتظ خوفا من زلزال جديد

13

الكاتبة المغمورة كتبت إلى لجنة جائزة نوبل أرجو سجب اسمي من قائمة الترشيح للأدب لأنكم شؤم فكل اديب مات بعد 7 سنوات من فوزه بالجائزة

***

قصي الشيخ عسكر

 

 

هوس

هوسا بالنور من رمادي أبعث محاربا

كما ولدت أول مرة

مازلت عاشقا لهدير موج البحر

ولغناء الحوريات

وللمرافئ البعيدة

ولسيرة أوديسيوس المهووس بالحرب

فارس اسبرطي

كفارس  اسبرطي

تقبل على الحرب بلاهوادة

فالحرب وجدت للفرسان

هكذا تقول الملحمة في اليونان

تعانق الموت بحب كأنه رفيق العمر

والوغى بخيلها وفرسانها

شاهدة على عمق هذا الوصال

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

 

تأوَّهَ مَنْ رأى وجَعَ الليالي

وما بلغتْ مُعاناةُ الأهالي

*

ولا سُرَّتْ بها أبداً بلادٌ

تُعاقِرُها النواكبُ بالعِضالِ

*

تَساقطَ توأمٌ وهَوى ضَريحٌ

وأنوارٌ بداهيةِ الزوالِ

*

فعمّ وجودَها ألمٌ وكيْدٌ

وتَحْشيدٌ لقاسيَةِ النِزالِ

*

وكمْ دارتْ وما جَلبتْ مُفيداً

ودامَتْ في مُباركةِ المُحالِ

*

تُؤجِّجها مَطامِعُ مُنْطَواها

فَتَسلبُها مَواثيقَ العَقالِ

*

فهلْ تَبقى مُكَبّلةً بحَيْفٍ

تؤرِّقها مآلاتُ الضَلالِ

*

ألا سُرَّتْ برائعةِ افْتِكارٍ

وإمْعانٍ بسامِقةِ العَوالي

*

تلوّتْ في مَرابِعِها رُؤاها

وشادَتْ صَرْحَ أمْجادِ النِضالِ

*

وما وَهَنَتْ مَعانيها وعاشَتْ

تُعانقُ لهفةً ذاتَ ابْتِهالِ

*

سَمَوْنا فوقَ أكْتافِ ارْتِقاءٍ

إلى مَجْدٍ بعَلياءِ الوِصالِ

*

بها الأجيالُ مَرَّتْ ثمَّ غابَتْ

وحاضِرُها سيَحْيا في الخَيالِ

*

يَنوءُ تُرابُها منْ قَهرِ دَهْرٍ

تَداعى نحوَ فائقةِ الجَمالِ

*

ليَهْدِمَ شاهداً نَطقَ افْتِخاراً

ويَأتينا بحاديَةِ الخَبالِ

*

مُعللتي بأحْلام اقْتدارٍ

صَبَرْنا مِثلَ أيّوبٍ بحالِ

*

فما عادَ الزمانُ لنا صَديقاً

وكلّ قرينةٍ بنتُ اهْتِبالِ

*

ومِنْ ألمٍ إلى ألمٍ خُطاها

وإنْ نَطقتْ أفاضَتْ بالجِدالِ

*

سَعَيْنا نَحْوَ فاضِلَةٍ وطيْبٍ

وإيْمانٍ برائدَةِ المِثالِ

*

ودُمْنا رَمْزَ إنْسانٍ عَزيزٍ

يُبادِرُها بطاهِرةِ الخِصالِ

*

فهلْ نَفعَتْ جَواهرُ مُبْتَغانا

وعِشنا مثلَ إخْوانٍ عِيالِ؟

*

لماذا صارتِ الدُنيا عَليْنا

تُكبّلنا بأسْبابِ انْتكالِ؟

*

وتَرْجِمُنا بجائرةٍ وأخْرى

تُسوّقها أبابيلُ افْتِعالِ

*

ألا عَرَفتْ لنا مَجْدَ ابْتِداءٍ

تُبَرْهِنهُ الشواهِدُ بالكَمالِ

*

وتُظهِرهُ الخَرائدُ في قَريضٍ

وتَسْطيرٍ لماجدةِ المآلِ

*

الا تبَّتْ رؤى الأحْقادِ تَباً

سَتُصْلى عِندَ قاضيةِ السِجالِ

*

مَعالمُ إنَّنا أقْوى سِلاحٍ

فَكنْ فيها كمَحْزومِ النِصالِ

***

د. صادق السامرائي

13\3\

 

هشام بن الشاوينعم، ستغيبين..

سيكون غيابك متلكئا، قاسيا، طويلاً، موحشا...

ستسرقين من الأيام طعمها وأسماءها. لن أنشغل بالجمعة، لن أنتظر السبت ولن أبالي بالأحد، ولن أفكر في غربة بقية الأيام الميتافيزيقية، فالألم  - ببساطة - لا يعرف العطل، ولا يتقاعد.

كل الأيام ستغدو يوماً سرمديا،  مدته عام كامل؛ يوم كئيب، جنائزي مثل شتاء لا يريد أن ينتهي، وكل ما سأدركه أن غيابك سوف ينكل بدموع هذا الطفل اليتيم: قلبي.

قلبي سوف يصادق ذلك المكان في غيابك، كمن يحرس هشيم اللوعة، سيبقى وفيا لذكرى ذلك المعول الذي انهال - بكل وحشية، ذات هاجرة-  على جدار فاصل بيننا، لا يراه سوانا، وأنت تنحنين في جلستك المتوارية، لكي يندلع بستان البهجة فوق أحراش الإسفلت.

ستغيبين مثل طائر مهاجر ، يتكاثر في الصيف، غير مبال بقلب ينوح على الضفة الأخرى للفجيعة..  فهل كان ينبغي أن تنحني، لكي تسددي رصاص عينيك نحو قلبي الأعزل؟! هل كان من الضروري أن تشي بوحشة منتصف العمر (عمرك/عمري؟!)،  وتزجين بسىرب من الدموع  في  هذا الحداد الطويل، القادم.. اللاينتهي: غيابك؟!

هل كان ينبغي أن نمرح، هنيهة، في بستان ملتقى النظرات، ذات قيظ، لكي تزهر - الآن، غدا وبعد غد- هذه الدموع على قارعة هذا الحزن الأعشى؟.

***

هشام بن الشاوي

ليلةٌ ولكن!!!

في ليلةٍ ليْلاءَ يُرهِبُ صَمتُها

سِرْتُ الهُوَيْنا لا أرى غيرَ الظَّلامْ !

أَسْرَعْتُ تحملُني همومي حائرًا،

مُتَثاقِلًا، مُتَسائِلًا،

أَإِلى النجاةِ أَمِ الحِمامْ؟

*

وتَباطَأَتْ قَدَمايَ

شَيْءٌ قد تَخَلَّلَني،

أُحِسُّ بأنَّه يمشي معي،

ينسابُ في مجرى دمي.

تَتَدافعُ الأفكارُ في رأسي

اضاعتني!

كذا الكلماتُ ضَيَّعَها فمي.

*

وهنا تراءى من بعيدْ

قَبَسٌ حثَثْتُ السيرَ لكنْ دونما

شيءٌ يُفيدْ

فَوقَعْتُ في جُبٍّ عميقْ

وإذا بِوَحْشٍ رابِضٍ

سالتْ نواجِذُهُ دمًا

قد سُرَّ بي،

وأنا اعيشُ ثوانيًا

كادت تمزِّقُني، فقد كانت تعيسَةْ

فأنا الفريسةُ سهلةً

جاءَتْهُ دونَ متاعبٍ، وأنا الفَطيسَةْ.

*

أجْهَشْتُ أبكي لا أُطيقْ

لا أهلَ قُربي لا صديقْ

أأموتُ؟  تلك مصيبةٌ

من سوف يحملُني الى قبري ومن

يُبلغُ أهلي والأقاربْ؟

من سوف يرحمُ وحشتي

وسْط الغَياهبْ؟

*

ياربِّ آنسْ وحشتي

إني وحيدْ،

يا ربِّ إني راعَني هذا الظلامْ

فأنِرْ سَماكَ فإنَّ عينيَ لن تنامْ

يا ربِّ أدعوكَ النجاةْ

يا ربِّ إني أرتجي نورَ الحياة

فَرَفعْتُ رأسي في أناةْ

وإذا بشيخٍ أَصْبَحِ الوجهِ

أَزاحَ الرَّوْعَ عني

راحَ يسألُني لماذا

أنت في هذا المكانْ؟

فَأَجَبْتُهُ

إنّي ضَليلٌ منذ ساعاتٍ الأصيلْ

فَدَنا فَأَدْلى دَلْوَهُ

فخرجتُ لكنْ

لم أجِدْ أثَرًا لهُ!!!

***

شعر عبد يونس لافي

 

عبد المجيد احمد المحموديطلّ عليّ من النافذة، وتارةً من كوةٍ في الحائط، وكثيرًا ما أشعر بخطوه خلفي خاصة حين أكون وحدي في البيت، وكلما طُرِق الباب اعتقدت أنه هو من في الخارج...

حتى حين أفتح دفتر مذكراتي أجده متربعا على صفحاته...

عائلتي باتت تلحظ ما يعتريني...

بدؤوا يتهامسون بينهم عن احتمال إصابتي بالجنون بعد تلك الحادثة...

من أين نَبَتَ أمام سيارتي لست أدري؟!

 كان شيئا مرعبا بحقّ...

لم أكن مجنونا كما يظنون...

إن كلّ ما يحدث معي حقيقةٌ.. حقيقةٌ صارخة لا تخيلات، ومع أنهم أكدوا لي خبر بقائه على قيد الحياة، وعودته للمنزل سليما معافى، لكنني كنت أؤكد لهم أنه قد مات، فكيف لرجل تدهسه سيارة ضخمة أن يعيش، وسائق تلك السيارة لم يقم بإنقاذه؟!!

***

د.عبد المجيد أحمد المحمود - سوريا

مهما أقول فلن يفيك فصيحُ

إنَّ المديح لمن سواك جريحُ

*

أنا بعض ما عانى الحسين وإنني

بالضَّيم في أمضى السُّيوف ذبيحُ

*

أبكي أضجُّ مدى الزمان بغربتي

مازلتُ أبكي في دمي و أنوحُ

*

لا صوتَ لي يحكي.. يقولُ بعالمي

صوتي على سمع المدى مبحوحُ

*

شتّان في ذاك الزَّمان و ما على

هذا الزمان.. فذا الفراغ فسيحُ

*

قد كنتَ بالأمس البعيد مناضلاً

قد صار بعدك للنِّضال طموحُ

*

كنا نثور فلم نصلك كرامةً

إذ كنت وحدك و الزمان شحيحُ

*

و غداةَ ساد الظَّالمون.. تحكَّموا

في كلِّ شيءٍ في الحياة أُطيحوا

*

و بقيت أنتَ أيا حسينُ منارةً

للعزِّ تزهو و الفضاء صبوحُ

*

لمّا قفوناك الطَّريق تعبّدتْ

كلُّ الدُّروب.. فذا الحسين صحيحُ

*

يا فارسَ الطَّفِّ المجيد بثورةٍ

أثنى لها طه النبيُّ و نوحُ

*

قد كان يوسفُ في الظَّلام  بجبِّهِ

يدعو و بسمك (يا حسين) يصيحُ

*

ذو النون كان على البحار بحوتهِ

أنجاه ربُّهُ (يا حسين) يصيحُ

*

في النار إبراهيم الخليل ممنجقاً

يهوي وبسمك (يا حسين) يصيحُ

*

الكلُّ صاحَ أيا حسين بضيقهِ

و الكلُّ يبقى (يا حسين) يصيحُ

***

رعد الدخيلي

 

لا تَرغبُ المرآةُ بي

عَيني ترىٰ فيها الغُصونَ الخضرَ

في جِذعٍ يُقشّرهُ انحِسارُ الوَقتِ

عن شطآنيَ العَطشىٰ

وقد عَدّتْ وقوفي بدعَةً

لمّا انحنيتُ مُنقبّاً عن شامةٍ

جَلَسَت بغيرِ مَكانِها

زَحَفتْ كما لو أنَّ وَجهي شَمعَةٌ

ذابتْ

فساحَ الى أركانِها

ما كانَ غضّا لم تَطأهُ رحى السنينْ

لكنّني .. مُتفائلٌ

عَلّلتُ صَدعاً في الزُجاجِ

لَوىٰ عُروقي

وانتهىٰ بي

غيرَ ما أنا في عُيونِ الآخرين

ولَعَنتُ مِرآتي

فقد شاخت لتُظهرَ عاجزاً يَطأُ العَرين

**

ماذا تقولُ مَلامحي

وعوارضي ملويةٌ

إنْ عُدتُ أنفُضُ عن أديمي غُبرَةَ الأيّامِ

هل تأتي بما يَخفىٰ

وتَسردُ قِصّةً أخرى جَهَلتُ فُصولَها

ألتَفُّ حولي.. راثياً

وأدورُ في العَدَمِ الرهيبِ

أناولُ الأفُقَ الأمانيَ والرجاءْ

عَبّثاً أُحاورُ جَبهَتي

لو كانَ فيها ما يُزيلُ ذُبولَها

تَعَبتْ يَدايَ ولم تزلْ

معلولةً

تَشكو الى الغَيبِ الكَتومِ خُمولَها

**

ها عدتُ كالجَوّالِ في زَمنِ الظُهور

قلَمي العَصا

وصَحائفي الحيطانُ أنقشُ فوقَها

اشباحَ أُنثىٰ

غادرَتْ سَفحي

وعافَتني بقايا عابثٍ

أستلُّ اشيائي من الذكرىٰ

فأبسمُ دامعاً

كوّرتُ أطرافي أُمَجّدُ ماضياً

ضاعتْ لأجلِ رجوعهِ

أغلىٰ النُذور

**

عادل الحنظل

 

ذوو البَدَلاتِ الفاخرة

والقُبّعاتِ الأَجنبيةِ الأَنيقة

والأربطةِ والأَحذيةِ اللمّاعة

وذواتُ الوجوهِ المَطليّةِ بأحدثِ

مُستحضراتِ التجميلِ والمساحيقِ

الباذخةِ منها والفاقعةِ حدَّ القرفِ والتهريجْ

و" الفائخونَ والفائخاتُ "

من ذوي وذواتُ المُؤخراتِ والعجيزاتِ

والكروشِ والبطونِ الرجعيةِ والتقدّمية كلِّها

وكذلكَ تُجّارُ الحروبِ والقلوبِ

والصفقاتِ والبورصاتِ والعُملاتِ والبترودولاراتِ

والمُخدَّراتِ والبغايا والعاهراتِ والغلمانِ والخصيانِ

والمثليين والمؤمنينَ والمُلْحدينَ

والظلاميينَ والغواني والجنرالاتِ المُجرمينْ

كلُّهم يدخلونَ الفنادقَ الفارهة

ليمارسوا كلَّ عوالمِهم

ووطقوسَهم وملذّاتِهم وجنوناتِهم الفنتازية

*

أَمّا مُعوقو الحروبِ

والآباءُ المُتعبونَ من القهرِ والفاقةِ والجوعِ والحرمانْ

والأُمّهاتُ ذواتُ الامراضِ المُزمنة

فيعرضونَ أقدامَهم وأَذرعَهم المُمَزَّقةَ

وأَدويتَهم الرخيصةَ و " الإكسباير "

أمامَ حضراتِ السادةِ الاثرياء

وسيداتِ الصالوناتِ السرّيةِ

والخاصةِ جداً جداً .

عسى أَن يعطفوا على هؤلاءِ الضحايا والسبايا

ويتصدّقوا عليهم ببضعةِ

ملاليمَ وفلْساتٍ ودراهمَ وليراتٍ

بالكادِ يقدرونَ أَنْ يشتروا بها

" ساندويشات " فلافل وطنية

***

سعد جاسم

2022 - 8 -7

هشموا مرايا

الامل والحكمة

ومضوا مضوا

زارعين في طرقات

الحب والعطاء

شوكا

عوسجا

وحنظلا

غير مبالين بغضب

البرق الريح

والمطر

حينذاك قلنا سنحتمي

بقرص الشمس

بقوس قزح الصباح

وبالشفق الازرق

ونطرز بيارق

احلامنا  امالنا ورؤانا

بشاع نور

التصميم  الازرق

فهشموا هشموا

مرايا الحب والحكمة

واختبأوا خلف جدر

اسفلت الاقاويل

غير مبالين بغضب

البرق الريح

والمطر.

***

سالم الياس مدالو

 

 

احمد الحليمفارقات

بقيت غرفةُ الفندقِ ذاتُ الرقمِ 11 ساكنةً وهامدةً لبعضِ الوقتِ، ولا يدري أحدٌ كيف اتّفقَ أن يجتمعَ فيها ثلاثةُ مَعطوبينَ في وقتٍ واحدٍ: المصباحُ وساعةُ الجدارِ وجسدُ نزيلٍ يُحتضَر .

**

كابوس

كان الصمتُ والوجومُ يخيّمانِ على المكانِ المقفرِ الذي قادتني خطاي إليهِ ، بدا لي كلُّ شيءٍ مريباً، تملّكني هاجسٌ أن ثمةَ بين هذه الخرائبِ من يصوّبُ بندقيّتَه نحو رأسي وأنه يوشكُ أن يُطلقَ رصاصةً ، تذكّرتُ أنني منذ يومينِ لم أحلق ذقني .

**

تتوجَّسُ الوردةُ

أن تمتدَّ لها يدُ عابثٍ

فتؤذيها

لكنها ، ما إن رأتكِ

حتى صارَ هاجسُها

أن تقطفيها

*

تتقدُ فوقَ رأسي

شُعلةٌ

حينَ لا تصطدمُ

خُطواتي إليكِ

بعثرة

**

شبكةُ العنكبوت

منذُ أمدٍ بعيدٍ

وهذهِ الشبكةُ المُمَوَّهةُ

منصوبةٌ فوقَ رؤوسِنا

تلتهمُ أيّامَنا بشراهةٍ

تمتدُّ خيوطُها اللزِجةُ

لأبعدِ نقطةٍ في الأفقِ

وعلى الرغمِ من أنها

موغِلةٌ في القدمِ

لكنها لم تهتريءْ

أو يتطرّق إليها الوهنُ

لم تزلْ تحتفظُ

بنضارتِها وسحرِها

على الأقلِّ بالنسبةِ للذبابِ

الذي يتساقطُ فيها بإطّرادٍ

فيُصبِحَ جزءاً

من كينونةِ

عنكبوت

** 

هايكوات

يتركُ شطراً

من فريستِهِ للصّ

الذئب

*

تتمنّى لو تتلقّفُها

يدا ساحرة

المكنسة

*

لا تنخدع بسكونِها

ستعقِبُه عاصفة

تاء التأنيث

*

بحذرٍ وتوجُّسٍ

يقتربونَ من جُثتِهِ

الأسد

*

يتباهى بأنه شجرةٌ

وأنّ ثمرتَهُ تُضيء

عمود الكهرباء

***

أحمد الحلي

 

إلى روح أمي التي وافتها المنية دون أن أفلح بزيارتها

كنت أروم زيارتها مترقبا أحوال الوطن الذي غدر الزمان به من قبل أحزاب السلطة الفاسدة، لكنني على حين غرة وجدت نفسي أمام كلمات التعزية التي كتبها أخي الأكبر في يوم السبت المصادف 7 من الشهر الثامن لعام 2022 ، وذلك في تمام الساعة 3:52 بعد منتصف الليل بتوقيت العراق قائلا فيها: "عقيل حبيبي البقاء في حياتك توفيت والدتنا العزيزة"

هنا وأنا في حرقة الشوق كتبت:

إلى التي تزاحمت في ليل حدادها الصباحات،

ومن بريق طهارتها تشع رائحة الحياة،

إلى التي من تراب حضورها أصنع أقراط مسبحتي،

ولعفة صبرها أتلو الكلمات

**

دعيني أصلي بجوار ظلك أيتها الروح!

أغتسل بنقاء طهرك أيتها الطهور،

فها أنذا اليوم أجلس في حديقة مأتمك الموصدة،

أنصت لأنين أنفاسك المتعبة،

أبحث عن طريقة للعزاء،

أتلو لطقوس قبرك الصلوات،

هنالك حيث يستفيض الخير،

ينبعث النور وتنجلي الظلمات.

***

عقيل العبود سان دييغو

حاولتُ يا سيِّدي..

حاولتُ كلَّ مرَّة..

حاولتُ في الماضي ألفَ ألفَ مرَّة..

لكنَّني لم أرَ الماءَ

منبجسًا من عمقِ صخرة..

*

حاولتُ أنْ أكظمَ غيظي

أتناسى أعمارَنا الملقاةَ

في مهبِّ الرِّيحِ..

و حياتَنا المُرَّة..

*

حاولتُ جاهدًا أن أُسكِتَ

الأجراسَ في رأسِي

أنْ أقهرَ الوساوسَ و الظُّنون

لكنَّها كانت تعصفُ فيهِ

كبركانِ ثورة..

*

أنا لم أكنْ شيئًا يا سيِّدي

أقتاتُ همومي كالحمارِ

في الليلِ و في ضوءِ النَّهارِ

نصحوني بالأفيونِ و أغاني الصَّبرِ

لكنَّني لم أفقدْ ذاكرتي

لم أفقدْ من أحزانيَ الغُبرِ

قيدَ شعرة..

*

كم قد زفرتُ أنينيَ المبحوحَ

في مداخنِ الحذرِ المريرةِ

و كبحْتُ أعنَّةَ الأحلامِ و الأقوالِ

و كلَّما صحوتُ..عُدْتُ

أمزِّقُ أفكاري التي اجتاحتْ

عليَّ فضاءَ سَكْرَة

*

يا سيِّدي..إنِّي رفضْتُ الأحزابا

أوصدْتُ على فكري الأبوابا

فأنا ابنُ الأرضِ..

أحبُّ كتابي و قهوةَ أمِّي

أكرهُ الإرهابا..

أحبُّ عيونَ العاشقين..و بساطةَ الفقراءِ

و العسلَ المعقودَ من زهرة..

*

يا سيِّدي أنَّى لحرفيَ المقتولِ

أنْ يصحو؟!!

و سياطُ جلَّادِ البلادِ في ظهري

على لسعاتِها السُّودِ أرسمُ

أنَّاتي و قهري

فأينَ أرحلُ يا سيِّدي و قد أغلقوا

علينا أبوابَ المجرَّة؟!!

*

يا سيِّدي لقدْ شبعَتْ

من لمسِ أناملي الحيطانُ

و اغدودنَ البؤسُ في قلبي

و نسيتُ أنَّني إنسانُ

و نسيتُ طعمَ الثَّلجِ و التُّفاحِ

و طعمَ اللونِ و الفكرة..

*

يا سيِّدي إنَّا نعيشُ في بلدٍ

عبيدُها يغنُّونَ للجلَّاد

و الذلُّ عنوانٌ عريضٌ

باتَ يقرأُهُ الغرابُ

في وجهِ العباد

و غدا الفقيرُ ليسَ يشكو

في ليالي الهمِّ...فقرَه

ها قدْ تشبَّعَتْ شفتايَ بالدِّماء

و الكرسيُّ خلفَ رأسي صارَ مثلي

ضحيَّةً خرساء

يا سيِّدي هذا وطنٌ..

ليسَ يحيا في جنانِهِ الفقراء

و عيونُ اليتامى ليسَ

تعرفُ ما المسرَّة..

*

يا سيِّدي..ها هنا يضيِّعُ النَّهرُ بحرَه

ها هنا يقيِّدُ الليلُ فجرَه

ها هنا يصلبُ الحقُّ سِفرَه

*

إنَّا وُلدنَا نصلِّي للساسةِ الكبار

معَ الخبزِ نحترمُ الكبار

معَ الطَّعامِ و الشَّرابِ

معَ الغناءِ..مع البكاءِ

معَ الشَّقاءِ..معَ البقاءِ

نقدِّسُ الكبار

حتَّى غدونا عاجزينَ في وطنٍ

عاجزٍ عنْ أيِّ موتٍ أو قرار

و صارَ الضَّعفُ فينا عدوًّا

لم نستطِعْ بعدُ قهرَه

*

يا سيِّدي..إنَّا نعيشُ في وطنٍ

كلماتُ المرءِ فيهِ

تصنعُ قبرَه

***

د. عبد المجيد أحمد المحمود - سوريا

أشتهي الآن أصابعك الناعمة، وهي تغوص في شعر راسي الابيض المُقمر، تنبش مثل حمامة، عُشَ جمجمتي الملقاة على ركبتيك، وأنت تحكي لي بصوت خافت فيه بعض ضوء.. كقنديل أمي القديم.. تتحدثي..

عن يوم الغد الذي لم يعد يهمنا.. عن أمنيات تضيء قليلا ثم سرعان ما تتلاشى كانها قوس قزح..

- كنت تقول لي:

لا تدع اصابعي ترتخي يا حبيبي.. لا تَفرح قَبْلي...

إنّ قلبي موحش مثل الوطن، غريب مثل جسر مهجور..

جارح كانه الزجاج المكسور..

أنا " مراثي قرطاج" كلها

تستجدي ضجيج العابرين

مع هديل الحمام..

لا راهب يشم عظامي..

يرش عند خرائبي ماء الكنائس..

*

لماذا تركتني أذبل

كل هذا الوقت

مثل عشبة في قَبْو مهجور

انتظر..

على الرّيق

مثل طائر البطريق

عند شاطىء مهجور..؟

كنت أظن..

سوف تعود

في زَبَد الموج

وانّ البحر لا يخون،

أنت الريح التي تشمني

وانّ النوارس

ومراكب الصيادين البعيدة..

سوف تراني.

مَنْ اخذك من حضني،

من أحرق في بستاني

عود الأقمار...؟

*

لا تدع الخيط ينفلت من الإبرة هذه المرة..

توجد بعض اوهام جميلة ورياح اخرى تبرعم في الذاكرة مثل ازهار القطن..

.. أن تُحِــبَّ،

ليس بالضرورة أنْ تُنَقّـِطَ كل آهات حروفك،،

وليس إشاعةً أن تكون قد بكيتَ، وآحترقْتَ، ونزفْتَ مثل جُرْح خفِي..

أشتهي،

أن يلفّنا دخان الحرائق وروائح النار،

ننصرف إلى حديقة منسية أخرى في منعطفات البدن، لم تَمْسَسْها بَعْدُ حوافر اللّعنات،، ولم يَشْمَلْها أيُّ نعيقْ....

*

أشتهي يا حبيبي،

ان تَكْتمِل أجمل الغَيْمات وأحزان الحبّ فيك، وتصبح سيّد المَعْبد..

تجري كنهر يتيم..

- انا احبك، أنت قميصي البالية المتبقية في هذا العراء، وانا البرتقالة المضحكة...

- دَعْني أتوهّم

انك ما زالتَ تُحبني

ايها الطفل الجريح.

وأنّ قرنقلة القلب..

لم تسقط من يدي،

لم يأخذها تيّار النهر،

الى بُحَيْرات الملح...!!

***

* عبد الرؤوف بوفتح / تونس

 

محمد الدرقاويقبل أن يعي علي بعضا من حقائق الناس، وتمحو سلوكات الكبارعبق البراءة من ذاته، قبل أن يميز بين أصناف الناس وسلوكاتهم ومعاييرهم، كان يكره أن يكون معلمه في المدرسة رجلا، فأن يكون معلمه رجلا، فذاك في نفسه إثارة اشمئزاز.. ضيق صدر، وتلبس خوف من أن يداهمه من المعلم شر..

كذلك كان قبل أن ينمو، فتمكنه الحياة وخبراتها من التمييز بين ما هو"مألوف وسائد بين الناس، وبين ما هو مختلف وغريب الأطوار.. حتى انه في سنته الأولى بالمدرسة، لما عاد الى البيت زوالا، وفي اليوم الأول من السنة الدراسية، تمارض، وتعمد أن يدخل ، ويضع اصبعه في فمه حتى يتقيأ،.لما سمعته أمه، هرولت اليه خائفة ان يكون قد اصابه مكروه، او تناول شيئا من أحد الباعة المتجولين..

هكذا تحجج بعدم العودة مساء الى المدرسة، وحين استفسره ابوه، لماذا؟ رد وعيونه تمسح الأرض: "أكره رائحة الدخان في معلمي".. ونسيي ان يكون المعلم ربما لم يدخن سيجارة واحدة في حياته.. وحيث أنه كان ابن اسرة عريقة نسبا وشرفا وتاريخا، فكان من السهل ان تغير الإدارة قِسمه استجابة لرغبة الشريف ـ والده ـ الذي لا يرد له طلب..

كان علي يفضل أن تعلمه أنثى، لان المرأة عنده قدوة، أناقة ومبعث رحمة، وفيض إحساس وذوق ؛كان يرى في كل أنثى تعلمه، أمه التي يحمل لها سرا من أسرار ما يعي ويفهم ، كان يردد في نفسه عبارة كانت تتغنى بها عمته اعتزازا بنفسها:

"لولا الأنثى، ما جرى نهر، ولا غرد طائر، ولا نبت بستان، حتى وهي تخطئ فلن يجرها أو يغريها أو يحرضها على الخطأ الا رجل استغل فيها ثقة، أو خوفا، أو اغتصب طيبتها المتأصلة فيها"..

كل معلم كان عند علي مبعث غثيان ومثاراشمئزاز وكراهية، استغلال وقدرة على دوس كل الشرائع من اجل رغبات شريرة وأنانية فادحة؛ كل معلم عنده كان شيطانا يرتدي زي الصالحين ويتخفى وراء الدين..

بعد فعلة القيء المتعمد بأيام كان علي عند والده في دكانه، سأله عن دروسه، عن قسمه الجديد، عن معلمته، وعن كثير مما يحدث في مدرسته..

صَمت الاب َقليلا ثم سأله: علي !!.. لماذا لا تحب أن يعلمك رجل في المدرسة؟..

طأطا علي رأسه، وترك عيونه تمسح الأرض من تحته، اعتلى وجيب صدره، وخاف أن يبوح لأبيه بالحقيقة كما يعرفها ويخفيها عن جميع الناس..

بتجربته وخبرته، أدرك والده أن ابنه يخفي شيئا، قال:

ــ لن تكون ابني اذا لم تخبرني بالحقيقة..

تدمع عينا علي وقد صار يرتجف، ومن سذاجته يومئذ فكر:

"ومن يصير لي أبا اذا تركني أبي" ؟..

ارتد في سمعه الصدى، وتملكه الخوف من جديد، أحس كأن يدا تعاود مسكه من قفاه، وصوتا بغيضا يقول:

ـ "والله يابوك واخبرت شي واحد بما رأيت حتى نقتلك.".

عيون الأب سهام تخترق ذات علي، تقرؤه، تكشف سره..

"ليت عيون أبي ترى اليد التي مسكتني من قفاي، وتصغى أذناه لألفاظ التهديد التي اخترقت طبلة أذنيّ، وصدى الصوت وقد تجلجل وعيدا مرعبا في اسماعي.. "

صار علي يعايش اللحظة كأنها تعيد نفسها بكل صور رعبها وقسوتها.. وفي نفس الآن يتمنى لو يعفيه أبوه من الرد، لأن قلبه الصغير لايتحمل هذا الهدير الذي يدوي بين اضلعه، فيعيده الى لحظة يكره أن يعود اليها بإلتفاتة أو تلوح بذكرى.

سنة مرت على الحدث، بعد أن غادر الكتاب، وبدأت تتلاشى مع الأيام صورة الفقيه في عقله وصدره، لا تتداعى على البال الا حين كان يشاهد حمالا بين أزقة المدينة القديمة يضرب بهيمة، يستحثها على المشي، فيهتزعلي فرقا وألما نفسيا..

وحين صار تلميذا في مدرسة تعود رؤية المعلمين حوله باطمئنان حذر، يراقب عن بعد أحاديثهم البريئة مع المعلمات، ويتسقط اخباراعن هذا المعلم أوذاك من تلميذاته وتلاميذه، وكلها تمحوالصورة القاسية التي طبعها فقيه الكتاب في نفسه.

ها هو أبوه يثير الحدث من جديد، فيعيده الى الإحساس الاول بكل فظاعته وقسوته ورعبه، وما غابت او تغيرت له صورة، محفورة كرسوم الشياطين على أثر صخري، كم يلزمها من عوامل التعرية حتى تتلاشى وتغيب، فكم اقضت نومه، بأحلام مزعجة مرعبة، كان يصحوعلى اثرها خافق الصدر دامع العينين..

كان علي صبيا صغيرا أو "محضري" كما يقولون في كتاب قرآني يقع قريبا من بيته، وكان الفقيه رجلا أربعينيا اسمر اللون، فاره الطول، عريض المنكبين، لا تفارق راسه عمامة في فصل الشتاء، وطاقية بيضاء في الصيف، وكان حين يعري رأسه يبدو الرأس كبيدر عتت فيه حوافر الحمير أثناء الدرس!!.. بنظرة واحدة كان يحرك زوبعات الخوف في نفوس الصبيان، فيرفعون عقيرتهم باجترار المكتوب على ألواحهم من آيات، يرددونها ولا يفهمون لها معنى، أو يصحون من غفلة إغماضة جراء تعب أو عياء أو رتابة ترديدات ببغائية متراخية حين انشغال المدرر عنهم مع احدى زائراته من النساء..

ذات اصيل من يوم جمعة، وقد كان يوم عطلة، كان الأطفال يلعبون لعبة غميضة قريبا من بيوتهم ؛ركض علي ليختفي وراء باب أحد منازل الحي، اثارته باب الكتاب نصف مفتوحة.. دفعها فانفرجت، صعد الادراج.. مدَّ راسه الى الداخل.. لا أحد.. ربما نسي الفقيه ان يقفل باب الكتاب..

وهو يستدير للعودة سمع أنفاسا قوية تتلاحق، اعاد الاطلالة؛كانت في الكتاب سدة خشبية عالية، هي مرقد الفقيه وشبه مسكنه.. حين رفع علي راسه، رأى الفقيه على السدة في وضع مخجل مع أم أحد المحضرية الصغار ؛ كانت تزوره يوميا ليكتب لها أحجبة، او تحمل له أكلا، او تهديه صحونا صغيرة من حلويات منزلية، وأحيانا كانت تأتيه بملابسه بعد غسلها، دون أن يخلو حضورها من همسات وغمزات وضحكات.. كانت بالنسبة له كزوجة لا تنقصها الا الإقامة الدائمة معه؛ لم تكن المرأة كغيرها ممن يأتينه من النساء، يخط لهن جداول على ورق أبيض، يكتب عليه بصماغ أو زعفران وماء الزهر، فيقدمن له نقودا أو صرات من ثوب كان الصبيان لا يعلمون مافيها، كانت هذه المرأة عنده حظية تطيل الجلوس الى أن يشير عليها بغمزة من عينه اليسرى فتنصرف، ثم يترك الصبيان تحت حراسة أكبرهم من المحضرية ويلحق بها الى بيتها القريب، ام يكتفيان بالوقوف على أدراج سلم الكتاب..

تفاجأ على بما رأى ، وتخيل علي لو أن ابنها هو من شاهد الوضع المخزي !!.. ربما لن يفعل شيئا، فقد ألف أمه، وتعودها وهي تزورالفقيه يوميا في الكتاب، بل كثيرا ماكان يفتخر بزيارة الفقيه لبيتهم كلما عاد أبوه من بلاد الغربة فيكرم الفقيه بالهدايا..

كل المحضرية كانوا ينادون الفقيه "أَسِّي" إلا هو فقد كان يناديه "عمي"

بين ذهول وارتباك، زلت قدم علي وهو يهم بنزول الأدراج.. سقط، ثم وقف، وقبل أن يعاود النزول، كانت يد الفقيه تمسكه من قفاه، ترفعه الى أعلى كمن يمسك أرنبا مذبوحة من رأسها:

ـ والله يابوك وأخبرت شي واحد بما رأيت حتى نقتلك..

ترك الفقيه قفا علي فتدحرج الصبي على السلم، بعد أن رماه كما يرمي أي شيء كان في يده..

بحث علي عن قطرة ريق في فمه فلم يجدها، فصار يبتلع جفاف حلقه وكانه يمرر حصرم التمر عبر حنجرته، رفع راسه ليتوسل الفقيه، فأرهبته عين الفقيه اليسرى كورم أحمر يغطي سوادها، وعينه اليمنى كجمرة ملتهبة على وشك أن تحرقه من قلب محجرها..

قاوم علي الرعب الذي داخله بقدر مقاومته لألمه، من رضوض راسه الذي ارتطم بجدار السلم، ومن ركبته اليمنى التي تورمت وغطتها حمرة مشوبة بزرقة غامقة.. عاود الصبي الوقوف نصف راكض الى بيته.. وصورة واحدة هي ما يكتسح ذاته وكيانه، صورة شيطان أسود، يرسل شررا من عيون دموية حمراء تلاحقه..

كان الحاح أم علي كبيرا أن تعرف ما وقع لابنها.. لكن علي أصر على ان الامر لا يتعدى سقطة بسيطة وهو يلعب في الدرب..

عرضته الأم لحمام ساخن، جست فيه جسمه مكانا بعد آخر، ثم ضمدت جروح رأسه وركبتيه وتأكدت أن الامر لا يتعدى رضوضا بسيطة وان كان بعضها بليغا ..

من يومها لم يعد علي الى الكتاب الا قليلا، يتمارض، أو يخرج ثم يعود بعد وقت قصير بحجة غياب الفقيه.. وحتى يتجنب ولوج الكتاب دون أن يثير شكوك أبيه أو أمه، كان يدخل ضريح سيدي أحمد التيجاني يصلي الضحى، ويستمع الى ترتيلات القراء، أو يتهجى أحاديث رياض الصالحين من كتب الضريح الى أن يحين الزوال، وكثيرا ما كان يقصد ضريح المولى ادريس، يندس تحت سترة قبة الضريح، يدعو متوسلا باكيا على الفقيه، أو يتوجه الى مسجد القرويين، يقضي فيه الساعات، مستمعا الى دروس العلماء وفي رأسه ألف سؤال وسؤال عن كل ذي عمامة، وحقيقة ما يمكن أن يخفيه تحتها وما لا يعرفه عنه السامعون..

فقبل أن يكبر علي ويعي مقدار العلماء بتمييز، كانوا عنده اشبه بالفقيه، الكل نسخة من نفس الأصل.. يخفون مالا يبدون، وغلالة التقوى على الوجه ماهي الا رداء مكذوب سيتمزق ذات يوم حين يفضحهم الله ويلبسهم رداء حقيقتهم.

ان الساعات التي قضاها علي في هذه الفضاءات كان لها اثر كبير، في تشكيل بنيته النفسية، وتكوينه المعرفي، وقناعاته التعبدية، ورايه في الحياة والناس بين الظاهر الذي نراه على وجوههم، والمتخفي الذي يتسترون عليه بمختلف التلوينات والمساحيق.. وصار يؤمن أن مظهر الانسان لا يدل أبدا على حقيقته..

إن ما سكن أعماق علي كان أبلغ من السقطة، ومن عيون نارية تملكت كل حواسه، بل وابلغ من أثر لوح مكتوب كان الصبيان يحفظونه عن ظهر قلب بلا معنى او شرح، ما وقر في نفسه، كان صورة مقرونة بسوط وقهر من فقيه سفيه حقير، جبار، كان بكاء وتوسلات، يترقب لها استجابة الله مذل الجبابرة وهازم الطغاة ان ينصفه مما لحقه..

كبرعلي، وتغيرت رؤاه وافكاره، وصار يميز بين أصناف الفقهاء في الكتاتيب القرآنية، وبين علماء يحدثون في مسجد، وآخرون يمتهنون التدريس.. لكن كبرمعه الشك في كل ذي لحية وعمامة يرتدي جلبابا ابيض، عيونه من نار السعير اذا غضب، وتحته يتحرك شيطان في الصدر، ومعول به يهدم القيم والدين والأخلاق..

مازال يذكر أنه بعد أن استمع اليه والده ضمه الى صدره، قبَّل يده وقال:

كنت أظن الامر أكبر من ذلك.. لاعليك الناس معادن يابني !!..

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

من ذكريات الكتاب

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م