قراءات نقدية

قراءات نقدية

صدر حديثاً عن دار الفرات للثقافة والاعلام في بابل لمطلع عام 2023 بالاشتراك مع دار سما للطبع والنشر والتوزيع المجموعة الشعرية: (أناشيد تشرين)، للشاعر البصري (عبد الرزاق ناصر الجمعة)، والديوان يحمل في طياته (42) قصيدة، وبواقع (121) صفحة من الحجم المتوسط. وصورة الغلاف تجسد موقف لأحد الشباب وهو يحمل العلم العراقي؛ وهي أحد صور ثوار تشرين 2019، والشاب يقف بمواجهة قوات مكافحة الشغب. إلا أن القصائد تنبض بالمشاعر الجياشة عن حال أبناء العراق على مر التاريخ، ومن خلال تظاهراتهم المستمرة وهم يطالبون بحقوقهم الشرعية.

النصوص الشعرية في الديوان تحمل طاقة لغوية تعبيرية، وخطاب مُثقل بالرموز والمشاعر الوطنية أمام كثافة المعنى وتعنُّت اللغة، وهو ما يمنح أثراً جمالياً مخصوصاً، في مجملها تنشد للوطن والناس والشهيد، ومنها: (خيمة الشوارع، مظاهرة، أم الشباب، النداء، المستحيل، الصبر، متى يعود، عقور تشرين، سورة الغضب، وحيدها شهيد، حظر التجوال، المشهد، وطني عراق، المصير، الحل، الإنذار، المرافعة، شباط، إلى المرحوم الدكتور عبد الجبار عبد الله، حتى الموت).

مَثَلت القصائد أرفع درجات التعبير عن الناس والوطن، وهي علامات تتجاوز الإشارات والإيماءات، تنطق بصمتها وتسكت بكلامها، فتنشئ مداليات خاصة على صدور المتظاهرين والجرحى والشهداء. ولغة الشاعر عبد الرزاق الشعرية تمثل منتهى التزاوج بين جل العناصر اللغوية التي تشكل اللفظ وتحمله بما تفيض به من معنى.4765 اناشيد تشرين

والشاعر عبد الرزاق ناصر الجمعة من مواليد مدينة البصرة عام 1937م، وهو من قرية الدورة ناحية البحار التابعة لقضاء الفاو، اكمل دراسته الأولية فيها وتخرج في دار المعلمين الإبتدائية للعام الدراسي (1959-1960م)، وبسبب نشاطه اليساري السياسي نُقل إلى عدّة مدارس ابتدائية، واعتقل وسجن في نقرة السلمان، وزامل عدداً من رفاقه الشعراء والأدباء منهم: سعدي يوسف، الفريد سمعان، فاضل ثامر، مظفر النواب، جاسم المطير وآخرين... وكتب المئات من القصائد التي لم تنشر إلى الآن، ويعتبر هذا الديوان (أناشيد تشرين) ديوانه الأول.

وفي أول قصائد الديوان تحت عنوان (خيمة الشوارع) يقول الشاعر: يا خيمة الشوارع/ مأوى فتى يقارع/ تَحرْسُكَ القلوب/ في وَلَهٍ تذوب/ وأعينُ كومضة القمر/ تزين الوجوه/ تألقت توثباً ترقباً/ ضيوفك تخندقوا لغايةٍ كما المطر/ مُطَهِّرٌ وجهَ العراق/ فالتحفي السماء/ واستشرفي في الدعاء/ ضممتهم كما العرين/ هم فتيةً تعاهدوا/ ليغسلوا وجه العراق/ تحبُهُ النجوم/ وشمسُهُ تُقبل الجباه/ من أجل هذا يا خيام/ الليل لا ينام/ ينتظر القيام.

من خلال هذه القصيدة نجد الكلمات ترسم الصوت والإشارة لكل عنصر من عناصرها، وهو النص الشعري الحديث بكل طاقاته اللغوية التعبيرية، وقدرته على انتاج المدلولات المتعددة. والقصيدة خطاب مثقل بالرموز ورقص الكلمات، وكثافة المعنى وتعنت اللغة، وهنا الشاعر يمنح أثراً جمالياً مخصوصاً، يمكن أن نميز به أسلوبه وطرائقه في كتابة القصيدة.

والقصيدة أقرب إلى التقريرية بميسم حكائي للأحداث لصيغة المضارع، ليتحول بعد كل ذلك إلى الوصف التعبيري الانفعالي الذي يلج فيه إلى الأعماق ويتقمص الدور العاطفي الثوري، فيتحول معه السياق الشعري إلى خطاب تأثيري يجعله يأخذ على عاتقه الدور كاملاً.

أما القصيدة الثانية التي احاول أن أختم بها مقالي هذا فهي قصيدة (مظاهرة)، الشاعر هنا ينتظر قارئاً جريئاً يفجر ثوابت الخطاب ليملأ الفراغ ويتسائل المعنى، وهو ما يظهر أساساً في طرائق توليف المعنى، وقد تبدو صورة القصيدة في مستوى تشكيلها؛ بسيطة في ظاهرها، لكنها تدعو إلى التفكّر والولوج إلى اعماق المسكوت عنه في القصيدة، ويقول الشاعر في قصيدته: طرت بها ودونما جناح/ بدمعة وحسرة مستعرة/ تلمست يداوي/ بيارق الكفاح/ محافل بين الخيام/ في وسط الزحام/ ليل الفتى يقتات من نهاره/ يفسر الأحلام/ لله در صبرهم!/ قد قارعوا جبابرة/ ليس لهم إلا وعودٍ خاسرة/ والزمر الملثمة/ تداهم الخيام/ يا فتية التظاهر/ هل تحلمون/ بصخرةٍ سجيل/ كما ترون/ بغيتكم كعلكة العجائز/ ما بين لا وجائز/ فهذه معادلة/ كم تقتضي من الزمن/ ما كل غيم يحمل المطر/ وانتم نيام/ قد ملت الخيام.

أجد في هذه القصيدة شكل الوطن حالة خصوصية لدى الشاعر، لا سيما تظاهرات تشرين التي لم تفارقه، معلناً انتماءه إلى تجربةٍ قلقةٍ تحكي بسردية حوارية محتدمة شجنه لقضية وطن؛ من خلال مقاطع القصيدة. فالوطن والنضال والتظاهرة والسجن والاعتقال تعد عناية الشاعر عبد الرزاق الجمعة، في تجربته الشعرية الحداثية العالية اجدها متميزة أداةً وتشكيلاً ودلالة، وواعية وشمولية تمس مشاعر الفتى العراقي، تقوم على صراع الثنائيات في تصوير هاجس الوطن وأحاسيسه، فالواضح من قراءة قصيدة (مظاهرة) أن الوطن يسكن في وجدانه ويملأ حياته، ممعناً في هموم الإنسان وعلاقته بالمكان في رحلة الحياة. فالوطن روح وحضور بماضيه وحاضره، وآلامه وآماله التي تجلّت في ديوانه الذي يبرز شعريته الحالمة، فالمكان مرتبط بوجوده وقيمته، متوحداً معهُ حزناً ووهناً وهاجساً.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

شعرية الواحدات السردية وتوليد ذائقة الحكي

توطئة: بدءا يمكننا القول السرد الراوي في تجربة ومسار الرواية السيرذاتية من تكثيف اللحظات الزمنية الماضوية، التي يقتطعها الروائي من شريط الملفات الذاكراتية لا ليخبر بها القارىء بل ليعيد إحياءها في سرد حركي يهتم بأدق التفاصيل الحافة بالحدث. وقد تواتر هذا النوع من السرد بكثافة ليس في أن يسطر لنا الروائي حالة من حالات مذكراته الحياتية، لا أبدا، بقدر ما راح يضفي على زمنه الروائي زمنا هو من محاكاة الفعل النواتي المتعلق بطابع الديمومة في زمن ذكريات أحداثه الذاتية المصوبة في محطات إنشاءها الروائي، وكأنها عرض تمثيلي لمرآة ذاته في تماثلات وعي شخوصه وحوارها المنقول عن السرد المضخم بالذات المتكلمة والجامعة ما بين (الماضي ـ الحاضر) . تميل دلالات رواية (أحمر أفضل من ميت) لأحمد ابراهيم السعد إلى هوية السرد المفصل عند محصلة استذكارات لحظات السيرة الذاتية للهوية التأليفية، ولكنها تفترق عند تلك الاستذكارات عندما يتم الدور التمثيلي في زمن فاعل وفعل الطابع الديمومي في النص. لذلك ألفينا الروائي يعيد صياغة الزمن الماضوي للذات الضمائرية وملفوظاتها ومسمياتها ودوالها في صنيع أحداث (ما وقع بالفعل؟) أي بما وقع في ما بعد تدوين انطباعات الذات للزمن الماضوي، لتعيد استحضاره في هيئة تمثيلات أدوارية في زمن حاضري مضارع ليس بالبعد النحوي، إنما بالاستكمال لمجلى وقائع ديمومية تناسب حوارات وبنيات الطابع التخييلي في مستحدثات النص الروائي. وبفضل هذه الخصائص الفنية المتصلة بالسير الذاتي دليلا على تخييلية النص الروائي، ثم تقديم الحكاية الروائية في رواية (أحمر أفضل من ميت) على أنها الخطاب غير المباشر الذي يعيد علامات الإجراءات الفنية بصورة أكثر على مستوى موقع المؤشر الزمني وطبيعة وعيه النفسي ورؤيته في الأداة الفعلية للشخصية الساردة في تبئيرات وظائف السرد.

ـ المتن الحكائي وحقيقة ترابط اجناسية رواية العائلة

سوف تكون انطلاقتنا من حدود هذا الفرع المبحثي، لأجل قراءة مجمل الإشارات السير ذاتية في رواية أحمد ابراهيم التي تقرب بين هوية المحور الشخوصي والذات التأليفية، ومهما حاول الروائي تجنب فعل تثوير الذاكرة في أطروحة نصه، نجد أن هذه الذاكرة لا تنفك عنه قيد شعرة من انصهارات كتابته ذاتها:فهل من المعيب أن يتأثر الكاتب بمحيط ذاكرته؟لا أبدا فهوية كل القرائن النصية هي مبعثها إشارات سير ذاتية في سنن أعراف النصوص؟ولو تعاملنا مع رواية (أحمر أفضل من ميت) من ناحية سياقية، لوجدنا فيها من التماهي بين رواية تسعى إلى التقريب والإيحاء والعلامة وليس عرض سيرة المؤلف الذاتية بالضرورة. تواجهنا إجرائية الملمح الرمزي في مستهل البناء الروائي، على هوية متعلقات وقائع مقصدية مشحونة بروح المرمز غالبا، وذلك عندما يعاين السارد المشارك المكنى ب (وسيم) تلك اللوحة الخاصة بسير وقع الأقدام العائلية: (ذات مساء خريفي نظرت جسيكا ناحية اللوحة، وهي تلاعب أرنبة أنفها بظفر سبابتها الأيمن، في عادتها لإظهار عبقرية ما، قالت متكهنة:كأنها أقدام تتخبط في حلم، أوانها آثار أقدام قفزت من الوحل إلى السماء. /ص6الرواية) لعل القارىء البسيط إلى مثل هذه الدلالات المنصوصة في متن السرد والحوار، قد لا يعاين مدى العلاقة القصدية بين حيازة التمثيل في حالة سردية ما، أو في عدم حصولها على قيمة المسوغ الدلالي حتى. أن طبيعة النظام السردي في بنية هذا النوع من الروايات قد يبدو من جهة ما قائما على المنتج الأيقوني وبالتالي فضاءاته وأزمنته، ومن ثم انتسابه إلى دليل الخطاب والمبنى في علاقات خاصة من القص وأشكاله المتباينة للحكاية أو المتن. فعلى سبيل المثال، لو أردنا إخضاع علامات القرائن في النص مثلا كحالة (لوحة أقدام العائلة) أو جملة (أقدام تتخبط في حلم) أو وحدة (طبعت أخواتي آثار أقدامهن) لبدت كلها مناصصات أيقونية بموجب علاقة الصور والأوضاع داخل سياق مداليلها السير ذاتية، ولكنها في الآن نفسه تشكل بذاتها مادة خصبة في أحياز منظور ومعطى في استيعاب الدلائل الكلية والجزئية من محيلات النص الفاعلة واللافاعلة.

1ـ الدائرة العلائقية بين مسافة الحكي والاستباق في الزمن:

يظهر لنا بجلاء ما قلناه سابقا، أن مستويات السرد أحيانا في الوحدات الروائية، تبدو علامات وقرائن تتضمن كل منهما خلفية معدولات الصيغة في الخطاب السردي، ويمكننا قراءتها على أنها في الوقت نفسه (الدائرة العلائقية: مسافة الحكي ـ الاستباق الزمني) وتظهر لنا في أبعاد ثيماتية أحيانا، كمثل ورود هذه الوحدات: (قفزت جسيكا إلى ظهري، ووشوشت في أذني: وأين قدم أمك؟. /ص6 الرواية) لعلنا نلمس من هذه الوحدة مستوى الإبراز والإضمار في مسافة الحكي ، خصوصا وأن الدور المحوري لوالدة الشخصية المشاركة حضورا متعلقا بين مسافة الحكي داخل النص، وتقانة الاستباق بمنظور أساسي، أي بمعنى ما أن خصوصية الأم في الأحداث الروائية، غالبا ما نجدها تستبق حضورها كواقعة فعلية، ومن جانب آخر فلها كشخصية دلالة تأشيرية وليس أدوارية أو ذاتية محددة بالوقائع الحاضرة إلا من خلال صعيد ذاكراتي في حياة الشخصية وسيم في مراحله العمرية الأولى والمتوسطة.

2ـ دلالة أقدام لوحة العائلة وبوصلة المحور الشخوصي:

تتعامل القابلية المجازية في مستوى سيكولوجية الشخصية الروائية وسيم، دورا تحليلا ومؤولا. فهو ـ أي الشخصية ـ أصبحت المحدد المشخص لأحوال دلالة أقدام العائلة في محيط وفضاء اللوحة التي قام بتشكيلها من خلال: (ولكي لا تصيبني الأيام بلوثة النسيان دونت بدايات حروف أسمائهن في فراغات خطوط الأقدام . .  أشاهد الحرف فأتذكر الوجه. /ص7 الرواية) إن آليات العلاقة هنا شبيهة بثنائية (الدال ـ الدليل) فعندما يكون الدال حاضرا يرتبط بلفظ دليله التكويني، وهنا علاقة السارد المشارك كطرفا في دالا، هو المرجح الأول في أن يكون هو الدليل على مجموعة الدوال، ذلك لأن طبيعة آثار الأقدام حضورا غيابيا، أما هو فحضوره مجسدا في نسق استدعائي، إذاً فهو المصدر المعاش كدليل في لوحة حيوات الأقدام ومحمولاتها الحكائية المرجعية في حاضنة الذاكرة. وعندما تتنامى الوحدات الطردية في نسيج حوارية الشخصية مع زوجته، تتبين لنا أن موضعية الشخصية متقدمة في زمنها ومكانها، كأداة تكوينية من جهة الشخصية المشاركة وسيم، وهي تومىء إلى مرجعية حكاية لوحة العائلة وجذرها الضارب في اللاشعور النصي: (سألتني جسيكا: لم سجنت أقدامهم داخل لوحة؟قلت: كي لا أتيه. /ص7الرواية) وعندما نتأمل منظومة هذه التوليدية الدلالية مع الذات الساردة، نلاحظ أن لوحة أقدام العائلة، هي بمثابة الوسائل الزمنية التي من شأنها تأويل مدى علاقة الشخصية في نطاق زمنه المهجري المؤقت والعابر، فيما تهم ذاكرة الأقدام العائلية في حث الحافزية الزمنية لدى الشخصية ذاتها في العودة إلى زمن جدران وطنه وبيت العائلة الذي أضحى مهجورا إلا من لغة الأستدعاء والمسند الذاكراتي.

3ـ حياة سردية الوصف ومحفزات القصد السردي للموصوف:

إن آليات الكتابة الروائية ربما تعني حالة استكمال كافة مناطق الاشتغال الحكائي والخطابي عبر زمنيهما المتجسد للوحدات السردية كممارسة شكلية ومضمونيه تولدان جملة من الأوصاف بدءا من الشخصية وحتى الزمن والمكان. أما فيما يتعلق ب (المحفزات ـ التحريك) فهي الممارسة الأدوارية والعاملية حيال مجرى شخصية أمام آخرى بغية تحقيق فعل ما. وعند الإمعان في وظائف الوصف لدى الروائي السعد عبر مسار أحداث روايته موضع بحثنا، نلاحظ شكل الصياغة الجارية في أدق سمات وملامح حالات الموصوف السردي: (منذ تزوجت جسيكا وأنا مؤمن بأن ثمة ساعة من يوم ما في شهر بعد سنة، ربما أو أقل سأحمل حقيبة فيها بعض الكتب، وألبوم صور، مع بعض الملابس، وأغادر هذه الشقة ـ تاركا جسيكا تحدق بدفترها لتحصى سعادتها الجنسية مع رجل كان حريصا على تناول الكثير من الحبوب المنشطة ليثبت وهم قوة ذكورة الرجل العربي المختون. /ص8 الرواية) قد يحق لنا النظر في سياق هذه الوحدات من السرد الواصف، ولا نبالغ عندما نخبر القارىء، بأن الواصف السردي ـ الشخصية الناظمة ـ يبلغ مرحلة منتجة تتأسس من خلالها تصورات قرائية ممكنة ومحتملة، إذ أننا نستقرىء ما بين السطور، رغم وضوح المراد الدلالي في ذات السارد المشارك، ولكن السرد هنا يتقصى دقائق شعرية في سيكلوجية الذات الشخوصية المتمثلة بجسيكا ومدى المحفزات والتبليغ والمفترض في آليات الوصف التي تدفعنا إلى الوقوف على خلطة (إبلاغ ـ سرد ـ خبر ـ موقف وصفي) وصولا إلى أفعال السرد والحكي التي لا تسقط عنها حنكة الواصف الذي يجتهد في رسم أبعاد تواصيفه إلى حد قبول الامكاني والمحتمل واقعا.

ـ لغة الحكي والتشخيص الضمني 

1ـ الإمساك بموقع التمثيل السردي:

تنبني آفاق القدرة السردية في رواية (أحمر أفضل من ميت) بوسائلها التجريبية التي تقترب من رواية تيار الوعي أو أنها تختزل في رقعة تمفصلية قاب قوسين ، ثمة محايثة خاصة بما يتطلبه تمثيل الدور العاملي اللاحق في السرد من انطلاقة سردية، كحال هكذا وحدة قاب قوسين: (أن تراقب أباك حيا أمام عينيك وأنت تعلم بموته الوشيك، ذلك يعني أن حياته عندك حلم، وموته حياة. /ص23 الرواية) من هكذا صيغة مشحونة بالترقب والشك واليقين أو العكس تبدأ الفواصل التصديرية بين مسافة وأخرى من زمن المسرود الذاتي، كما وتستند مسارات تقانة الاسترجاع في الأعم من أحداث الرواية على ثنائية تقتضي من المحكي اتخاذ الاسترجاع بالسرد اللاحق أو البعدي أو ذلك السرد في ملأ الثغرات المجدولة عبر أحداث الاجتزاء أو التأخير أو الإضمار: (في الكتابة:اخترت بقعة لأدخلها، كي أسمع صوت أمي وهو يسأل. /ص10 الرواية) يمثل هذا النوع من تقنية (المنولوج) بالقياس إلى زمن خارج الاستدعاء كقيمة أولية في الزمن، لذا فهو يرد هنا كتكرار ملأ فجوات زمن لم يعرض في السرد الفعلي، إلا من خلال اللحظة التي يتوقف فيها ـ الزمن السردي ـ نحو خلفية مضمرة من المنولوج الممنتج.

2ـ مأزومية الشخصية وسوداوية الواقع السياسي:

تقودنا الإشارات النصية عبر سياقها وصياغتها ونموذجها المتحرك ـ تلفظيا ـ إلى إستدعاء الدلالات الأكثر إيغالا في براثين الهيكلية المتصلة في أعلاها بالهرم السياسي، ويرتبط مشروع النمط الشخوصي رواية السعد في اتجاهات تسمح لنا برؤية الظروف التي عانى منها الشخصية عابد متوحدا داخل عوالمه الأكثر اعترافا بزوايا حرية المفكر والكاتب للمقولات التي لم تجد لها ملاذا آمنا سوى وهي ترصع داخل حفريات جذوع الأشجار. الشخصية عابد يمكننا تسميته بالشخصية الإشكالية أو البوهيمية التي توزعتها معايير حب الكلمة وبثتها في الاتجاه المضاد المعارض. في الواقع أن مكونات هذه الشخصية هي من البساطة ولا يوحي جوهرها بأية قيمة تمايزية، ولكن الغريب في الأمر أن الروائي وضعها في مكانة استثارية مشكوكا في قيمتها التوظيفية والدلالية، فهو لا يعبر إلا عن نفسه كونه صاحب مجرد كلمات خواطرية يحفرها في جذع الشجر، وقد صادف وأن كتب عبارة ـ أحمر أفضل من ميت ـ وماذا يعني هذا بالضبط؟ ليس الأمر يتطلب من الروائي كل هذا التعويل حول هذه الجملة منذ منتصف الرواية وحتى مراحلها الأخيرة ، لتنكشف حقيقته القصوى بأنه أحرق وجهه من أجل أن لا يموت جنديا في الحرب؟. كذلك الأمر ينسحب على الشخصية ذاتها ـ وسيم ـ وحجم الإسراف والإفراط في خلقه كاتبا للحرب، ودون حتى مقدمات مؤهلة في أفعال الرواية تخوله لينال هكذا مكانة، ثم الهروب بعدها إلى السويد عن طريق تفاصيل أهملها أو تناساها الروائي بطريقة ما. أنا لا أنكر شخصيا أن في الرواية تكمن اللغة السردية الحاذقة والأدوات التي لا غبار عليها، كما وإلى جانب ذلك ثمة تنصيصات لافتة في الشكل السردي، ولكن تبقى هناك جملة أشياء غير متماسكة ولا من جهة ما مقنعة تماما:فما كل هذا التعويل في خلق شخصية مأزومة من الوضع النفسي لها أن تحتل كل هذه الأهمية، وما القيمة في هذه العنونة المركزية للرواية إن كانت بالحيلولة هي خلاصة خاطرة قالها رجلا هاربا من الموت وقد قام بحرق وجهه بماء النار تدليلا منه على أنه رافضا للنظام أو الوضع السياسي بصورة مباشرة أوغير مباشرة؟والأغرب من كل هذا عندما عاد الشخصية وسيم من الخارج وهو يرتقي التاكسي شاهد مكتوبا على مقصورة شاحنة عابرة (أحمر أفضل من ميت؟) فهل يمكن يمكن لنا قبول خاطرة لم يستوعبها وسيم هذا المؤلف المثقف في ذاته، فكيف يمكنها إن تكون وسما وشعارا مفهوما لدى أذهان العوام من الناس ممن يقودون الشاحنات والعربات الأخرى، وما قام به وسيم ذاته عندما عقد الصداقة بينه وبين سيمون سائق سيارة الإجرة، ويا للغرابة أيضا أكتشف وسيم بأن سيمون أديبا يكتب القصة القصيرة، كحال قصة وسيم ذاتها التي قرأها صدام حسين وأعجب بها فجعله في عداد أدباء الحرب. هكذا ودون مؤهلات تفصيلية جادة . بمعنى ما أن في بعض أحداث رواية (أحمر أفضل من ميت) ثمة افتعالات شاخصة وثغرات لا يمكن سدها، فليس من الاعتبار الفني والجمالي أن يصنع الكاتب الروائي من كل شخصياته على مراده المقاسي والشخصي اللذان لا يغادران مملكة خياله الممتحنة بألبومه العائلي المنسوخ في كل نصوصه شكلا وموضوعا وتدليلا.

ـ تعليق القراءة:

لا بد من التنويه في ختام قراءتنا السريعة إلى رواية (أحمر أفضل من ميت) على أنها رواية تتمتع بدرجات جمالية الوحدات التصويرية التي تصل غالبا إلى سحرية جذب المتلقي وصفيا، إلى جانب هذا هناك منظومة تخليية مكثفة في صياغة القص الروائي وعناصره وعوامله الشيقة في المحيط السردي للرواية. كما أن هناك بالمقابل وظائف لم يحسن الروائي خلق آلية متوازنة في تدبر إدارة حبكتها الفنية والسياقية، رغم كل هذا يبقى للروائي أكثر من تجربة في منجزه الروائي بدءا برواية (وهن الحكايات) ورواية (عراق سينما) وروايته الأخيرة موضع بحثنا التي غلب على طابعها السردي ذلك النوع المفهومي من شعرية الوحدات السردية بصورة تحول فيها السرد إلى توالدات ذائقية وسياقية في تجليات النص الروائي في تجليات النص الروائي الذي لا تنقصه في القيمة الجادة سوى خلق المبررات المقنعة والأدلة التفصيلية الأكثر ثراء وخصب وصياغة سببية ذات روابط توفر للقارىء ذلك الفضاء الجاذب من الأداة وحسن التمثيل في علاقة الأحوال والبحث في أسبابها المرجعية والنواتية، لا أن تظهر ثمة عنونة تتصف بأبعاد علامية مشفرة، فنجدها على متون مقصورات الشاحنات ودون أية علاقة مدلولية ودلالية تربط بين قائل هذه العبارة وحياة سائق هذه الشاحنة افتراضا ما. . كان بالإمكان خلق محاور جادة في التفاصيل وأسبابها، لا أن تترك الرواية وأفعالها تقودها عفوية الذائقة وحلاوة رصف الجمل الوصفية ولباقة وتحليق اللغة المسرودة في الأبعاد اللفظية وزخرفها الكنائي، بعيدا عن خيوط الأفعال ومرابط مصداقها الذائقي في أنسيابية المقروء. أنا شخصيا ممن يعشق ويقر بجماليات المشغل السردي لدى السعد سواء كان الأمر في مجال القصة القصيرة أو في مجال التجربة الروائية، ولا أخفي عن القارىء حلاوة حكاية الرواية وسلاسة لغتها الكنائية الجميلة، ما جعلها تتفوق على محاولات روائية عديدة في المشهد الروائي البصري. ولكن في الوقت نفسه، هناك وحدات سردية في رواية (أحمر أفضل من ميت) تعوزها الدقة في التفاصيل وبعض من التفاصيل المقنعة في موجهات الأفعال وكيفية وصولها إلى هذه المستوى من التخريج الدلالي في شكله العام والخاص والأظهاري والمعلن، حتى تتاح لنا كقراء استكمالية العلاقة البينة والمتبينة من صنيع وصناعة الرواية كمنظومة فنية تطرح حكايا وأحوال المادة النواتية ضمن حالة محفوفة بالوعي وآهلية المشروع الروائي المنجز.

***

حيدر عبد الرضا

 

تعتبر الرسائل الأدبية فن من فنون الأدب النثري الذي انتشر في بداية القرن العشرين. ولعل أهم ما تتميز به الرسائل من خصائص أسلوبية، العواطف المتعددة وصدقها، والتفنن في طرح الصور الأدبية وتحليق كاتبها في الخيال. ويقول الأديب إبراهيم الهاشمي عنها: (الرسائل الأدبية تمثل الصوت الداخلي للكاتب،لأنه في ثناياها يبث أكثر الأفكار والمسائل قربا وتعبيرا عن نبض قلبه سواء كان ذلك هما فكريا أو إنسانيا وجدانيا).

وقد تناصت هند خضر مع غيرها من الأدباء بالرسائل المتبادلة بين أديب وأديبة كتلك التي اشتهرت بين ميزيادة وجبران خليل ورسائل كافكا إلى ميلينا وغيرهم. وكانت العاطفة العنصر الأكثر بروزا في رسائل هند خضر. والعاطفة واحدة من العناصر التي يجب أن يتكون منها الأدب وهي أداته. فهي التي تتحدث عن شعور الكاتب وتثير شعور المتلقي كما أنها تسجل أدق مشاعر الحياة وأعمقها ففي صفحة 15 نلمس تلك المشاعر الجياشة لدى الكاتبة وهي تكتب لحبيبها (اليوم سأخبرك عن انهيار عطرك في معطفي ومعانقة أوراقك ضرب من الانتحار).

وتعتبر إثارة العواطف العنصر الظاهر في الأدب.وقد امتزجت العاطفة بالمعاني والخيال في رسائل نازفة. ومن المعروف بأن العاطفة يثيرها الشعور بالجمال وهو اللذة التي تحدث في إدراك صفات الشئ. والشئ عند هند خضر هو حبيب ويتضح لنا ذلك في كل سطر في الرسائل ومنها ما جاء صفحة 17 (عندما تقرأ رسائلي ستدرك كم وكم أحببتك).

والمتلقي لرسائل نازفة يدرك مدى قوة العاطفة التي تثيرها تلك الرسائل وصدقها. ويتضح ذلك من خلال وصف الكاتب لنفسها وهي تستعيد ذكرى الحبيب صفحة16 (أتمزق كقطعة ثياب بالية فوق شطآن الذكرى، وأملأ ضلوعي حنينا واشتياقا لعينيك). فهذه عبارة من العبارات التي تحرك الشعور وتوسع النظر وتحيي القلب لمن يعانون من نفس الوضع النفسي للكاتبة.

كما اعتمدت العاطفة عند هند خضر على حسن تعابيرها وقوة خيالها. فلا تكاد رسالة من تلك النازفة إلا وتألق الخيال وتجلى فيها ومنها ما جاء في صفحة 23 (أنت تعزف على أوتار قلبي ألحانا، عندما يداهمني قلق الوقت،ترقص روحي). وفي موضع آخر صفحة 25 (فأمسك ورقتي البيضاء كبشرتك لأكلمها عنك فتغرق بدموعي).

وقد تمتعت هند خضر بقوة أسلوبها الذي تمكنت من خلاله من نقل عواطفها للمتلقي. كما أن العواطف التي أغدقتها في رسائلها كانت خصبة،غنية ومتنوعة فنجد عاطفة الحب صفحة 28 (اسمعني جيدا، عندما أعلنت لي الحب، كانت لحظة كونية، لحظة ولادتي من رحم الأحزان). أما عاطفة الحزن واليأس فنجدها مثلا صفحة 13(لطالما كنت أخشى من لحظة الغروب. ولا أقصد غروب الشمس وإنما غروبك عن حياتي). وأما عاطفة الشك فتتجلى صفحة70 (اشتقتك للحد الذي لا يحتمله القلب ويشك في حقيقة تصديقه العقل، اليست النجمة جارة القمر؟).

وما أعطى للعاطفة قوتها هو سموها وإثارتها شعورا أخلاقيا وهي تجربة الكاتبة التي يبدو بأنها مست حياتها وتسببت لها بكل هذا النزف ويتجلى هذا صفحة31 وهي تتخلى عن عشقها وتعتزله في جزيرة تعاني فيها آلام عشقها حيث الألم يحمل أقصى المشاعر الأخلاقية (لقد انتهى المشوار . وآن موعد الرحيل من مدائن عشقك لأركب على متن سفن الفراق وأهاجر إلى جزيرة صرخاتي وأوجاعي وأحزاني).

والعاطفة تقاس أيضا باستمرارها وثباتها وهذا يعتمد على بقاء أثرها في نفوس من قرأوا لهند خضر رسائلها النازفة.

أما بالنسبة للألفاظ التي استخدمتها الكاتبة فقد كانت سهلة مألوفة صاغتها في تراكيب تراوحت بين القصيرة والمتوسطة.كما تخللت الموسيقى الشعرية بعض فقرات الرسائل.

وقد أعادتنا هند خضر إلى لون أدبي جميل ورفيع نفتقده في أيامنا هذه وهو لون مهم نتمنى عودته ليأخذ مكانته المهمة من جديد.

بقي أن نقول بأن الكاتب محمد حسين قدم للعمل وصف لغة الكاتبة بأنها رشيقة قريبة للعقل والقلب.

***

قراءة بديعة النعيمي

....................

* من إصدارات دار دلمون الجديدة / سورية. دمشق/2022

“أن تحمل رأسك فوق كتفيك، هذا لا يعني بأنّك تمتلكه” بهذه العبارة التّصديرية، تحاول الكاتبة العراقية بشرى الهلالي، ركوب موجة التّجريب السّردي والانعتاق من الكتابة النّمطية المُتراكمةالمتون، وتجاوز النّماذج التّقليدية المألوفة من خلال هدم المبنى التقليدي للمحكي وتحريره من قيود الكلاسيكية القديمة، إذ توظّف تقانة، الغرائبي، بوصفها الثيمة الأساسية والمهيمنة شكلا ومضمونا ووظيفة، مخترقة بذلك حدود المعقول والمنطقي والتأريخي والواقعي، فهي تنحو نحو وقائع غريبة من طريق تمويه الواقع والسُّمو بالخيال، والمزاوجة بين الواقعي واللاواقعي وبين المألوف واللامألوف قاصدةً من وراء ذلك إيصال رسالة للقارىء العربي والعراقي تحديدا، مفادها بأن الحكومات الديكتاتورية عندها الأستعداد لمصادرة حيوات شعوبها من أجل البقاء أطول مدة ممكنة

ولعل العوامل السّياسية والوقائع التأريخية والتّحولات الثّقافية والفكرية أسهمت في بلورة هذا النوع من السّرد، وقد فصل القول فيه الناقد كمال أبو ديب فجعله “بؤرة الخيال الخلّاق الذي يجمع مخترقا حدود المعقول، والمنطقي، والتأريخي والواقعي، ومخضعًا كلّ ما في الوجود من الطبيعي إلى ما ورائي لقوة واحدة فقط هي قوة الخيال المبدع المبتكر، الذي يجوب الوجود بإحساس مطلق بالحرية المطلقة، يعجن العالم كما يشاء ويصوغ ما يشاء غير خاضع إلا لشهواته ولمتطلباته الخاصة ولما يختار هو أن يرسمه من قوانين وحدود “.

وقد انمازت رواية المواطنة ٢٤٧ بقدرتها على رصد بعض قضايا المشهد العراقي خلال مرحلة منتصف التسعينيات حتى قيام حرب الخليج عام ٢٠٠٣، فجاءت تعبيرا عن واقع مشوه ومزيف أفرز أمراضا متعددة، انسحقت فيه نفسية المواطن العراقي حتى باتت مشوهة، تعاني الموت السّريري زيادة على مصادرة كلّ ما هو إيجابي وسط حروب وفقر وتخلف، ويمكن رصد أهم التجليات الغرائبية في هذه الرواية على النّحو الآتي :

اولا: غرائبية العنوان

عنونت السّاردة روايتها بـ المواطنة ٢٤٧، المتأمل لهذا العنوان من حيث التركيب اللغوي يلحظ أنّه جاء بصيغة الجملة الأسمية المتكونة من، المسند (المواطنة) وهي المُحَدَّث عنه والمسند إليه وقد جاء رقما ٢٤٧ وهو المُحَدَّث به، والجملة الأسمية على حدّ قول النحويون، يُؤتى بها للدلالة على الثبات والاستمرار، وهذا يشير إلى أن المواطنين أصبحوا وسيصبحون ارقاما لا غير واستعيظ عن أسمائهم بالأرقام التي تدخل ضمن شبكة بيانية معلوماتية مبرمجة لمراقبة تصرفاتهم وكلامهم وأفعالهم، فالعنوان يشير إلى أن المتن سيعالج قضية لأمراة تحمل هذا الرقم بعد أن أصبحت الذاكرة ملكا للدولة منذ منتصف التسعينيات، عندما كثرت الاختراقات والمؤامرات التي أرهقت رجال الأمن حسبما يدعون وفي هذا العنوان نلمس رؤية بعيدة المدى لما سيكون عليه المستقبل .

ثانيا: غرائبية الشخصيات

يبدأ الراوي الخارجي بوصف الشخصيات التي تدور أحداث الرواية عليها، وهي أسرة مكونة من خمسة أفراد يرزخون تحت وطأت ساعات القطع المبرمج للذاكرة، الأب وهو الذي استسلم بكامل إرادته لفكرة تصدير الذاكرة، فهو يذهب إلى عمله ويعود لينام، ثم يستيقظ ليأكل، ثم ينام فهو بمثابة الميت سريريا بعدما كان شعلة من النشاط والحيوية، إذ أكمل دراسته بجد واجتهاد وقرأ كل ما وقعت عليه عيناه من كتب التأريخ والشعر، وكان رساما موهوبا وعازفا على آلة الكمان، وبعد أن التحق بخدمة العلم في الثمانينيات، انتدب مدرسا للتأريخ في مدرسة تابعة لإحدى المحافظات الجنوبية، يقول :” مرت السنوات وأنا اكرر الكلام نفسه عن التأريخ الأموي والعباسي والتأريخ الحديث، ..فكل ما فعلوه انهم أضافوا إليه نصرا مزيفا وهزائما مزوقة… ولم أعد أحتاج أيضا إلى استعمال رأسي أو ذاكرتي، فما افعله اليوم لا يختلف عما فعلته بالأمس، ولن يختلف عما سأفعله غدا” يرى أن ذاكرته إذا عادت بعد ساعات القطع المبرمج، لا تجود عليه سوى بأصوات الطائرات الحربية وأزيز الرصاص ووجه صديقه الذي استشهد خلال إحدى الغارات الجوية ولذا “فعلوا خيرا حين صادروا رؤوسنا، وحجبوا الذاكرة”.

الأم/ وهي آمنة جابر، الفتاة السّمراء الجميلة الذكية الحالمة المحبّة والقارئة النَّهمة، التي أُقتيدت عندما كان عمرها سبعة عشر عاما مع حبيبها ابن جارها (سلام)، إلى مركز شرطة الآداب تحت تهمة تبادل قبلة بينها وبين حبيبها، تلك القبلة التي انتظرتها طويلا والتي استحالت إلى أصفاد تكبل يديها لتلقي بها في سجن لم يكن ارحم من الزنزانة التي قضت فيها ليلة فرحتها الأولى، فهي في نظرهم تلك الفتاة قليلة التربية التي جلبت الخزي والعار لأهلها الذين اضطروا إلى ترك مكان سكناهم والانتقال إلى منطقة أخرى، وتزويجها بأول رجل يتقدم لخطبتها، وهكذا بقيت تكافح مرارة الحياة في ظل حصار شرس وزوج ميت سريريا لتأمين لقمة العيش لأولادها الثلاث، إلا أنّها بقيت تحاول قدر الإمكان شحن ذاكرتها الأصلية والحفاظ على المتبقي من خزينها وعدم الانقياد لسياسة مصادرة الذاكرة بشكل تام “سأصنع ذاكرة تكفيني لأهرب مع أولادي” وقد نجحت في إحداث خلخلة في نظام البرمجة بعدما اكتشفت تلاعبت ابنتها في ذاكرة رأسها خلال فترة غيابها خارج المنزل،  استجمعت الأفكار في رأسها واكتشفت أن الراس يحمل فقط الشيفرة التي يقابلها رقم في منظومة البرمجة، أما الجسد فهو كتلة من اللحم والفعاليات الحيوية التي لا تهم أحدا، فلا فارق إن وضع هذا الراس على جسدها أم على جسد حمار، وحتى تتأكد من ذلك الاكتشاف عليها أن ترتدي رأس زوجها مرّة أو رأس أحد أبناءها لترى إن كان ذلك سيشكل فارقا .

وكان من حسن حظها أن حبيبها الأول الذي تخلى عنها في مركز شرطة الآداب، هو نفسه المهندس والمراقب لمنظومة برمجة الرؤوس وهو المسؤول عن ذاكرة أسرتها ايضا، وكان قد شعر بهذا التّلاعب في ذاكرة آمنة وأنّها لم تستثمرها في عملها وفي رعاية عائلتها فقط، لكنّه لم يرد خذلانها للمرة الثانية فبقي يراقبها ويحميها من بعيد من غير أن تشعر هي بذلك .

سلام/ ابن الجار الشّاب المراهق الذي دفع هو الآخر ثمن مغامرته العاطفية في تلك الليلة مع آمنة عندما حاول تقبيلها في مكان عام، حيث ألقت القبض عليهما شرطة الآداب في الجرم المشهود وحتى ينقذ نفسه تخلى عن حبيبته مضطرا، فلم يكن يدرك بأن ذكاءه الخارق وتفوقه ومواهبه المتميزة في الرياضيات ستكون وبالا عليه، وقد باع راسه إلى السلطة الحاكمة حين وافق على العمل معهم لم يكن يملك خيارا آخرحتى يخلص نفسه من ذلك الموقف مع ابنة الجيران.

هددوه باستباحة وقتل والديه وأخواته وآمنة ! كيف له أن يذبحها مرتين؟ كان عليه أن يقبل السفر والبعثة لدراسة علم الحاسوب في دولة متقدمة، العلم الجديد آنذاك، ليعود بعد أربع سنوات مع مجموعة من الأدمغة الذكية من أقرانه وقد أصبحوا جاهزين لتأسيس أكبر منظومة للتجسس على رؤوس المواطنين، وصولا إلى حجب الذاكرة تقنينها ثم تنظيمها ببرمجة تسمح للفرد أن يمارس فعالياته الحيوية والحياتية بما يكفي لبقائه ولإدائه عمله، وقد استغرق العمل سنوات قاموا خلالها بتدريب كادر يكفي لتأسيس شبكة تتوزع خيوطها لتشمل كل المحافظات والأقضية حتى تصل إلى أبعد نقطة على حدود البلد .

وقد شعر سلام بتلاعب المواطنة ٢٤٧ في منظومة البرمجة المعدة لأفراد أسرتها رغبة منها في الهروب مع أولادها خارج البلاد من طريق الشمال بمساعدة أخيها نبيل الذي استطاع الهروب قبل أن يبدأ نظام البرمجة هذا، وها هو يحاول التكفير عن ذنبه وعدم خذلانها والوقوف بجانبها على الرغم من الإجراءات المشددة.

الأبنة/ تلك الفتاة المراهقة التي فشلت دراسيا، فهي لا تهتم إن صادروا ذاكرتها أم لم يصادروها، “فما حاجتي إلى رأس لا اعرف كيف استخدمه” لذا فهي تحب ساعات البرمجة التي تقيها نصائح أمها وأحباط والدها الذي كان يحلم بأن تصبح ابنته طبيبة، وقد نجحت في التسلل إلى ذاكرة والدتها، المواطنة ٢٤٧، عندما خرجت ذات ليلة من دون رأس إلى عيادة الطبيبة، وعرفت الفتاة سرَّ أمها “عرفت أن فارسا آخر امتطى صهوة أحلام شبابها، لكنّه اختفى …فأمي حريصة جدا على صندوق ذاكرتها المقفل بأحكام في زاوية من رأسها، نادرا ما تغفو خشية أن يسطو عليه أحد، ليس أنا أو أبي، بل أحدهم، أولئك الذين يفحصون الذاكرة كل يوم ليتأكدوا بأنها ما زالت كما هي، لم يتم تجديدها ” ولذلك فقد أحبت هي الأخرى ابن جارها، أحبته بذاكرة أمها التي كانت تعرف الحب على سطح الدار .

ثاليا: غرائبية الأحداث

تدور أحداث الرواية على فكرة برمجة رؤوس المواطنين، ومصادرة ذاكراتهم، بسبب كثرة الاختراقات والمؤامرات التي أرهقت رجال الأمن منذ منتصف التسعينيات، إذ تم الأتفاق مع خبراء أجانب لأختراع منظومة لبرمجة استعمال الروؤس من قبل المواطنين في الفترات التي يحتاجون إليها من أجل الاستمرار في العيش، فماذا يطلب المواطن اكثر من الاستمرار في العيش بسلام؟ ما جدوى التفكير في كل ما يدور من حوله؟

لم يكن الهدف من هذا المشروع هو التحكم في ذاكرة المواطن كما ذكر الرئيس في خطبته التي بثها في ذلك اليوم، وإنما حمايته من التورط مع المغرضين الذين غصّت بهم السجون وأرهقوا الجلادين!! (الأكاذيب النبيلة)، ومن مبدأ الإحساس بالمسؤولية تجاه الشعب، كان لابّد من إيجاد طريقة لقمع المؤامرات وهي بَعدُ في مهدها!!، وهكذا أصبحت حياة الأسر تحدد على وفق ساعات القطع المبرمج للذاكرة، في العمل تتهدل روؤس الموظفين فوق ملفات تراكمت على المكاتب، هناك لا يوجد وقت للحديث، وحتى إن وجد، فهو غير مسموح به، فرؤوسهم تمنح لهم على وفق نظام برمجة خاص بالدوائر الرسمية، وتحت رقابة صارمة، يتم فيه تزويد الموظفين برؤوسهم في فترة العمل، من أجل العمل وليس لغرض الخوض في أحاديث قد تذهب بهم بعيدا إلى مناقشة واقع صار عصيا عليهم .

وعلى وفق هذا النّظام تدور حياة الناس، وتتجلّى الغرائبية بكلّ أبعادها فهي ترتبط بزمن معين وهو ليس الزمن العادي المتعلق بعقارب الساعة، بل هو الزمن الذي يقع فيه القارىء في حيرة، فيتخبط بين واقع وخيال .

هنا على _ما أظن _الكاتبة أرادت توجيه الأنظار إلى فكرة ترويض الشعوب التي تطرق إليها المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه (أوهام ضرورية) الصادر عام ١٩٩٩، وما سياسة البرمجة تلك إلا المعادل الموضوعي لسياسات الدّول ذات الأنظمة الشّمولية، وهي استراتيجية تظل دوما من أسرار الدّول العليا، ولا يجب كشفها للدول المغلوبة على أمرها، وتعني التغييب التام للعقول وغسل الأدمغة والتلاعب بها من خلال خلق أوهام ومعلومات مغلوطة، واشغال الناس بقضايا تافهة وجعلهم لايدركون أكثر من حاجاتهم اليومية، لايعرفون سوى طريق العمل والسوق والتفكير في كيفية تدبير عيشة يومهم، وتعديل ميزانيتهم اليومية بما يتناسب مع صعود الأسعار المستمر، فمن أهم مبادىء الأوهام الضرورية هو عدم الكشف عن كلّ شيء وتقديم ما يروق للعامة أو ما سمّاه أفلاطون بالأكاذيب النبيلة، وهذا ما أذاعه الرئيس في خطابه عندما قال، السبب الذي دفعنا لنظام برمجة العقول هو الحفاظ على أمنكم وسلامتكم .

***

يقلم: د. أمل سلمان

الصحراء ذلك السحر الأسطوري الكامن في المخيال الجمعي للإنسانية عامة، وفي الذاكرة العربية بشكل خاص، حيث تبرز الصحراء في الوعي، والمُخيّلة مَجْمَعًا للنقائض، منسجمة مع طبيعتها المتقلِّبة، فهي لا تسكن حينًا حتَّى تثور، ولا ترضى لحظة حتَّى تغضب، تفرح فيتحوَّل الكون إلى مسرح شعريّ رائع، وتغضب، فيكون في غضبها الهلاك والشقاء. ولوج الصحراء فتْحٌ لإمكانية السرد.. أن تعيش وترى، وتحكيَ عمّا رأيت، والرؤية هنا لا تأبه كثيراً بالمنظور الحسي، بل تتعداه. فالصحراء هي واحدة من مُحرِّضات روح المغامرة الإنسانية، وهي التي توسع أفق التصور المحفّز على الإبداع..

يبدو لنا أن الشفاهية هي مفتاح ثقافة الصحراء وعنوانها، وهي مفتاح السرد الصحراوي حتى بصيغه المعاصرة المتأثرة بالكتابة والكتابية. فالصحراء تعتمد على الشفاهية في مختلف شؤونها. والشفاهية تشمل الشعر والسرد معا. ولها تأثيرات بليغة في إنتاج المادة الأدبية نفسها، ثم في تداولها ونشرها وحفظها. والكلمة الشفاهية / كلمة الصحراء هي ما يقال بالفم، وليس ما يرى بالعين أو يخط بالقلم، إنها جزء من المتكلم أو الناطق، وهي أقوى وأثبت وأشد تأثيرا حتى حدود الأسطرة والسحر.. في ثقافة الصحراء الكلمة المنطوقة تكفي: فلها قوّتها وفعلها وسيطرتها، أما الكتابيين فيضعف تأثير الكلمة المنطوقة عندهم ويحتاجون إلى الكلمة المكتوبة الموثقة (وإذا تداينتم بدين فاكتبوه) في القرآن الكريم، وهذا مطلب حضري جاء مع تبني الاسلام للنمط الحضري. أما البدوي فعند كلمته (المنطوقة الملفوظة) ولا يحتاج كلاما مكتوبا لتثبيت وعده أو فعله، بل كلمته هي قوته وفعله.[1]

الحضارة في أصل دلالتها ترتبط بالاستقرار في مقابل البادية، أو الصحراء المتسعة التي يتحرك الناس في بقاعها بحرّية أكبر وبإقامة أقل في المكان الواحد. الصحراء حرية والمدينة سجن. الصحراء مفتوحة والمدينة مغلقة. الصحراء ممتدة والمدينة مرتدّة.

الصحراء حرية ..المدينة سجْنٌ

الصحراء أيضا ليست ثابتة تماما على مر الزمن، فقد "تتحضّر" بعض بقاعها إذا ما تغير مناخها وظهر نباتها وصلحت بعض أراضيها للزراعة، وقد يتصحّر الريف وتتصحر القرى إذا ما تعرضت لتغييرات معينة، كأن يجف مطرها ويقل نباتها. ولكن مثل هذا التغير يكون على مدى أزمنة طويلة. وكذلك هناك تغيرات وهجرات من الصحراء وإليها، فقد يتحضر (يقيم) البدوي، وثم أخبار ومرويات سجّلها الرواة الأوائل عن الأعراب الذين انضموا للحواضر وغدوا قنوات لنقل معارف البادية وأشعارها ومروياتها السردية، و تمكننا المصادر العربية من معرفة بعض أسمائهم. وأكثر من يلقبون ب "الأعرابي" أو "ابن الأعرابي" وهم كثر في أخبار المؤلفين والرواة، هم ممن لهم صلة بهذه الفئة من الرواة الأعراب الذين انتقلوا إلى الحضر، أو ظلوا يترددون بين البادية والحاضرة. وهناك رحلات العلماء الحضريين (الأصمعي وغيره..) إلى البادية وعودتهم بحكايات ومرويات كثيرة تمثل صورة من صور التقاط صور البادية وثقافتها بمنظور حضري وأدوات كتابية. وقد يتبدى بعض أهل الحضر ويدخلون في البادية، فيتحولون إلى البداوة بتغيير نمط حياتهم. وفي الحديث نهي عن التبدي "من بدا جفا" وهو موقف مفهوم في ضوء تبني الإسلام للنمط الحضري. وهذا يدلنا على أن التفريق يعتمد نمط المعيشة على الأمد البعيد أكثر مما يرتبط بمجموعات سكانية ثابتة أو معينة. ولذلك فقد نجد قبائل منقسمة بين نمطين أو ثلاثة كما يدل على ذلك بحث أستاذنا الدكتور الأسد الذي أشرنا إليه.[2]

للصحراء سرْدها الساحر

إن للصحراء سردَها، وسرد العرب في جذوره سردٌ صحراوي إجمالا، إذا كان يخيّل إلينا أن الشعر هو فنّ الصحراء الأثير، أو الوحيد فإن ذلك الوهم سببه ثبات الشعر أكثر من النثر، والمرويات السردية، من ناحية قابليته للحفظ مع وجود الوزن والقافية والرواة الموكلين بحفظه وإنشاده. إن الشفاهية هي مفتاح الصحراء وعنوانها، وهي مفتاح السرد الصحراوي حتى بصيغة المعاصرة المتأثرة بالكتابة والكتابية.. إنها الكتابة بلغة الرمل..

يقول الشاعر والروائي الجزائري أحمد عبد الكريم:

«كتابة الصحراء، لا تُعْني الوصف الخارجي لجغرافيا الصحراء بطريقة وثائقية، وإنما تعني نقْل روح الصحراء من خلال تفاعل الإنسان مع المكان والتعبير عنها بشكل عميق بعيدا عن النظرة الايكزوتيكية" الغرائيبية "»[3].

ويذكر في مقاله عن رواية ربيعة جلطي“ نادي الصنوبر” التي تتناول عالم التوارڤ  ما ورد على لسان المرحوم عثمان بالي في كلامه للجمهور في إحدى الحفلات: « الليلة إن شاء الله ما قدرناش نجيبوا لكم الصحراء.. نُدّوكم أنتم للصحراء ».

المُبدعون توّاقون إلى غرائيبيتها

وأولئك الذين ولجوا الصحراء، أياً كانت دوافعهم، قد غادروها وهم مُثقلون بوفرة من الحكايات. غير أن الصحراء في الوقت نفسه مرتع فذٌّ للخيال، وفضاء لا يُضاهى لمسارات من السرد لا تنتهي، وهي التي ألهمت شعراء، وروائيين، ومغامرين، ومستكشفين، وجواسيس، ومغرمين بأحابيل الجغرافيا، وعتمات التاريخ، ومتصوفةً، ومهووسين بالتحرش بحدود الموت، وغيرهم ليدخلوها، ويخرجوا منها وهم على غير ما كانوا عليه. كتب لوكليزيو رواية "صحراء"، الفرنسي الحائز على جائزة نوبل سنة 1980م، ومثله فعل، ولكن في مدار تجربة مختلفة، الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورنس، أو كما يعرفه الكثير من الناس بلورنس العرب، وهو يكتب "أعمدة الحكمة السبعة"، وكذا انطوان ده سانت  أكزوبري الذي بأسلوبه الأدبي البديع، وبروحه الفلسفية، صوِّر لنا عظمة الطيران، وإثارته، وأخطاره، وعزلته في كتابه الجميل:" أرض البشر"، لمّا قاد طائرات البريد الجوي عبر صحراء شمال أفريقيا.

روائيون رصدوا لحظات التحوّل

تناول روائيون عرب عديدون الصحراء حاضنة مكانية لها فرادتها، والتي تحدد تعرجات الأحداث وتؤطرها؛ ذلك لأن للصحراء قوانينها، وسطوتها الثقيلة على إنسانها، وقدر هذا الإنسان ومصيره. لكنَّ هؤلاء الروائيين رصدوا لحظات التحول في الصحراء، لحظات الاختراق التاريخية مع دخول المستعمر، واكتشاف النفط، وبناء المدن، وانتشار وسائل التقنية، ومؤسسات الإدارة الحديثة، أي في شبكة علاقاتها مع خارجها.. نذكر هنا، رواية " فساد الأمكنة " لصبري موسى، وروايات "النهايات" و" سباق المسافات الطويلة "، و" مدن الملح بأجزائها الخمسة " لعبد الرحمن منيف.

أمّا ما فعله إبراهيم الكوني فإنه رسم الصحراء في عزلتها الكونية وعذريتها، وتمنُّعها، حتى بعد تصديها لغزو الأغراب " المجوس والفرنسيس"، وإصرارها على البقاء مِهاداً للحكايات العجيبة والأساطير، وعالماً فسيحاً مُقْفرًا للإنسان. وعندما نتقصّى متْن السرد، والصحراء حتى إلى وقت قريب سيقفز تأكيدًا أمامنا اسم الروائي الليبي إبراهيم الكوني بكمّ رواياته، وبثيماتها المنفتحة على فضاءات متفرّدة زماناً ومكاناً وأنماط علاقات، ورؤية ورؤيا.

متْنُ السّرد الصحراوي تعدّد

فرض فضاء الصحراء نفسه، وبقوة كبيرة على النص الروائي الجزائري المعاصر، بحكم جاذبيته، وروائع طقوسه، وعاداته وتقاليده الساحرة الآسرة، وبحثا من الروائيين الجزائريين عن فُرص جديدة للتجريب، وممارسة مغامرة الكتابة بنوع من الممارسة العشقية مستعينة بقاموس صوفي ثري بمصطلحاته الموغلة في الوله والوجد والفناء؛ خاصّة لدى مبدعي أبناء الصحراء مولدًا، ونشأة، وإقامة؛ ممّا سمح بتعدّد مبدعي السرد قصصًا، وروايات، كما لم يبق هذا الجنس الأدبي حكْرًا على مبدع بعينه؛ لكوْن أسماء أخرى ظهرت على الساحة العربية، وخاصة في منطقة المغرب العربي منهم الروائي الموريتاني موسى ولد ابنو وروايته "مدينة الرياح"، والروائي المالي عمر الأنصاري صاحب رواية "الرجال الزرق".

الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت

ومن الذين ولجوا الصحراء، وفتنتهم فعشِقوها، وكتبوا عنها وأبدعوا، وبقدْر ما ألهمتهم الصحراء فإنهم خلّدوها في أعمال سردية رائعة أشبه ما تكون بلوحات تشكيلية رائعة الجمال.. الكاتبة الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت ذات الشخصية التاريخية المثيرة للجدل، ليس فقط لأنها جزء من ذاكرة الجزائر، وقطعة من فسيفسائها، ولكن لشهرتها العالمية ككاتبة، وما أحيط حولها من جدل، وشكوكٍ في تحرّكها، وعلاقاتها

لقد وجدت في الجزائر جنتها الأرضية، ووطنها المفقود، فاعتنقت دينه الإسلامي الحنيف، وساندته في فضْح بشاعة الاستعمار، وساهمت في ثقافته، وكل هذا بنشاطها وبقلمها الجريء، وأسلوبها الرومانسي الدافئ تارة، والساخر تارة أخرى؛ وهذا ما نستشفّه من كتاباتها، ومراسلاتها الصحفية. عشقت إيزابيل الوادي (وادي سوف.. الجنوب الشرقي الجزائري)، ونخيلَها، وكثبانَها الرملية، وأزقَّتها وآبَارها، وساحاتِها، ومآذنَها، وإبلها فجاءت كلُّها صورا متناسقة منسجمة في كتاباتها عن الوادي؛ كما كانت واضحة جليّة في ذهنها ومخيّلتها.

لقد بلغ عشقُ إيزابيل للوادي حتى أن الذين عاشوا حياتهم كلها في هذه المدينة لا يمكن أن ينافسوها في معرفتها لها، واطلاعها على أتفه الجزئيات، والدقائق في الحياة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والروحية لهذه المدينة حينذاك وهي التي أطلقت على مدينة الوادي: "مدينة الألف قبّة وقبّة". عرفت إيزابيل عن الوادي خيرها وشرها، جِدّها وهزلها، عفّتها، وفجورها، عاداتها وتقاليدها. عرفت من أهلها صدقهم وكذبهم، غدرهم وإخلاصهم، صداقتهم وعداوتهم.. كل ذلك سجّلته في نصوص سردية جميلة أشبه بلوحات تشكيلية في غاية الجمال.

تجاربُ مهمّةٌ

الحديث عن الصحراء يجعلنا نلتفت إلى تجربة مهمة، هي تجربة الكاتب الجزائري حبيب السايح الذي عرفت فترةُ إقامته بأدرار تحولا نوعيا في لغة، ومعمارية، وثيمات رواياته، وفي تبلور رؤية جديدة عبْر تلك اللغة التي تنسكب كلمات معجونة بالرمل. إضافة إلى أعمال سردية أخرى تتخذ الصحراء فضاء معماريا كرواية" تميمون" لرشيد بوجدرة، رواية " نادي الصنوبر" لربيعة جلطي، رواية اعترافات أسكرام للأستاذ عزّ الدين ميهوبي، والمجموعة القصصية" حائط رحمونة " للدكتور عبد الله كرّوم، ومجموعة" مغارة الصابوق"، رواية " مملكة الزيوان"، رواية" كاماراد"، ورواية" منّا..قيامة الشتات الصحراوي للدكتور الحاج أحمد الزيواني، رواية " تنزروفت .. بحثًا عن الظلّ" للدكتور ضيف الله عبد القادر، ورواية " الشهيلي " LE SIMON باللغة الفرنسية للأستاذ علي عبيد من الوادي، رواية " أعوذ بالله " للدكتور السعيد بوطاجين. رواية "الخابية" للكاتبة الإعلامية جميلة طلباوي، وكذا روايتها" وادي الحنّاء"، رواية" صحراء الظمإ "للأخضر بن السايح، وكذا رواية" فجْر الغيطان" للكاتب الإعلامي خليفة قعيد، رواية " تاغيت" للدكتور باديس فغالي.

ونختم برواية" نبوءات رايكا " للكاتب خيري بلخير التي فازت بالمرتبة الأولى للغة العربية في جائزة علي معّاشي لسنة 2019. كما في شهر فيفري 2020 فاز القاص، الروائي عبد الرشيد هميسي في جائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع بروايته الموسومة ب " الملحد بقيّ بن يقظان" التي تجري وقائعها في بلدة حاسي خليفة بربوع وادي سُوفْ.

وتبقى الصحراءُ مصدرَ إلْهامٍ

في رأيي الشخصي النصّ السّردي الصحراوي، ليس فقط الذي يتّكئ على الصحراء مصدرًا للأحداثِ فحسبُ، وإنّما تلكم أيضًا الروائح، والأساطير، والذكرياتٍ التي سكنت الصحراء، وآثار الإنسان من رسومٍ، ونقوش، ممّا قد يُكسبُ النصّ السّرديَّ الغرائبية.

***

كتب: بشير خلف

..................

[1] - محمد عبيد الله. الصحراء رؤية تأسيسية في ثقافتها وسردياتها. مجلة الكلمة. العدد 110 يونيو 2016

[2] - الصحراء رؤية تأسيسية في ثقافتها وسردياتها (مرجع سابق)

[3] - محمد بن زيان. في السرد والصحراء. جزائر سْ. 04 / 02 / 2013

 

دراسة نقدية لكتاب: كسرة خبز (شذرات أدبية) للكاتب حسن إبراهيمي

سمّى الكاتب حسن إبراهيمي سردياته "شذرات أدبيّة"، وهي من شذر، ومصدرها الشذر، وجمعها: شذور – شذرات: فطع من الذهب أو فقرات من كتاب، والشذر: اللؤلؤ الصغار، واحدتها: شذرة – شذّر الكاتب كلامه بالشعر: أي زيّنه به - ولها معان أخرى. وأنا أقرأ هذه الشذرات الأدبيّة لحسن إبراهيمي، الصادرة عن دار المختار للنشر والتوزيع، لسنة 2018 م، استوقفني العنوان "كسرة خبز". والكسرة، هي خبز تقليدي، يُطهى على نار عالية، وهي معروفة عند أهل البادية في المشرق والمغرب العربيين. وهي هنا ترمز إلى الوحدة العربيّة، كما ترمز إلى معاناة المواطن العربي، اجتماعيّا وسياسيّا وثقافيّا من الحرمان والقهر والاستبداد.. وكأنّ حقوق هذا المواطن العربي، لا تتعدّى كسرة الخبز اليوميّة، أمّا الحريّة والكرامة فهما اسمان لا محلّ لهما من الإعراب في حياته اليومية.

شدّتني أيضا، عبارات الإهداء بحبل الإعجاب. يقول الكاتب:

" إلى روحي أبي وأمي

إلى رفيقة دربي فتيحة أم طفليّ

فاطمة ويوسف

إلى رشيد ابن أخي

عرفانا لهم بالجميل

وإلى أرواح شهداء القضية بكل الدول العربية أهدي هذا العمل المتواضع " ص3

ثم يليه قوله: " شبق نصوص صدحت لثمالة أفواه

على الرصيف

حـــــــ دــــ ماــــرء ية

شذرات نسجت أغاني العزة لدماء الشهداء " ص 4

يستهلّ الكاتب حسن إبراهيمي، شذراته على مدى مائة وعشرين صفحة، بهذة الشذرة، التي تنير للناقد:

" لست سواك يا وطني عانقتك في أفواه المعتوهين، والفقراء.. عانقتك في كل كسرة خبز تصدح في الشارع.. في وجه القمع.. في وجه كل المتارس التي تمنع المارة من اقتطاف وردة في كل حقل يسقى بدماء الشهداء.. لست سواك يا وطني، وباسمك أقول لا للتجول في كل حقل يسقى بالغدير، ولكل من يلتف حوله ليحول زرعه بطانة تتملق لتحول الحياة إلى رماد، بعد كل انتصاب لجمر في قلعة الشرفاء. " ص 5

هي شذرات سرديّة، بلغة مسرّبة من عوالم الشعر، وأسلوب استعار من القوافي سحرها البياني. أمّا قضيّة الكاتب حسن إبراهيمي في شذراته، فلا تخفى على القارئء النبيه، والناقد الأريب. هي – بلا شكّ – قضيّة الإنسان العربي الغريب في وطنه، والذي طحنته رحى الاستبداد على مرّ السنين ؛ وكلّما نجا أو تخلّص من مستبدّ وقع فريسة مستبدّ أشرس منه وأشدّ قسوة وإيلاما. تخلّص من المحتل الأجنبي، الذي جرّعه الويلات، ودفع في سبيل التحرّر من أغلاله ملايين الشهداء، فإذا به يجد نفسه في قبضة المستبدّ الظالم، وهو يتجرّع أضعافا مضاعفة من القسوة والجبروت والقمع.

قضيّة المواطن العربيّ لها وجهان: صراع مع الآخر (الأجنبي الدخيل)، وصراع مع الذات (الأنا وتناقضاته). صراع الهويّة والاستيلاب، وكلاهما صراع مرير من أجل مطلب أساسي، ألا وهو الحياة الكريمة في ظلّ الحريّة والطمأنينة والعزّة والكرامة. وهي حقوق فطريّة، لا يمكن الاستغناء أو التنازل عنها أو التهاون فيها.

" وقفت تهمس لصيف وراء القضبان.. نامت ونام الصيف في عين ضوء انفلت للسجان " ص 8

" بدون حارس للقضية يتجول الذئب في كل أطراف الخدعة كل يوم." ص 8

هنا يحيلنا الكاتب إلى لبّ القضيّة، التي تجسّدها المفردات التالية (وقفت، تهمس، صيف، القضبان، نامت، انفلت، للسجّان، حارس، الذئب، الخدعة). وهي قضيّة صراع الإنسان المضطهد (بفتح الهاء)، التوّاق إلى الحريّة ّضدّ المستبّد الظالم.، لا من أجل " كسرة خبز "، كما يعتقد صنّاع النظريّة الماركسيّة والفلسفة الماديّة، بل سعيا لاسترجاع إنسانيّته وكرامته في مجتمع حاصرته ذئاب الإنس، وقضبان الخداع.

" في دماء الشهداء احتشد الوطن.. بجبين كل قطرة " ص 6

" تتصبب أحزانا.. كاغتراب الناي بين أنامل التاريخ، كآخر قطرة تصرخ في وجه الجلاد.. تفتك كل كسرة خبز.. تعاقر دروب الانعتاق.. تعانق الشظايا في أنفاس السنابل، وفي كل نصل يرهج صراخا " ص 7

لا شيء يطهّر تربة الوطن من المحتّل والمستبدّ غير دماء الشهداء الطاهرة، الزكيّة. يهب له أبناؤه النفس والنفيس. ولكلّ وطن شهداؤها. وأغلى ما يوهب للوطن الدماء، التي تروي قلب ثراه. ولا يفتكّ الوطن حريّته ولا ينعتق من القيود والأغلال إلا بتضحيات أبنائه البررة. أمّا أولئك الذين المحبَطون والمثبّطون، الذين هزمهم اليأس قبل العركة، وسكن جوانحهم الحزن، وأغرقتهم دموعه، دون أن يحرّكوا ساكنا، كمثلهم كمثل نسوة، وهنّ " يغسلن وجه السماء.. يطاردن خيط دخان.. بأطلال تغزل دموع الذكريات.. تحتسي كؤوس الخراب.. وتفتح عيون الناي.. لإجلاء جرس يرن بدون ألحان. " ص 14 / 15.

"لا تكفكفوا دموع الخريف.. فالحزن من لم يستأصله يترعرع في عيون الأشجار. " ص 14.

لقد رسم لنا الكاتب في هذين المقطعين، لوحة قاتمة عن الهزيمة واليأس والشعور بالنهاية والفناء. إنّ الحزن يترعرع في النفوس، رويدا رويدا، إذا لم يُستأصل من الجذور، وذلك من خلال توظيف معجمه اللغوي الموحي: (خيط دخان، أطلال، الخراب، جرس يرنّ دون ألحان، دموع الخريف، الحزن)

و مهما كبُر اليأس وتوغّل الحزن في أعماق النفوس، ف (لا بد لليل أن ينجلي)، كما قال أبو القاسم الشابي، وذلك بإرادة الشعب في الحياة وعزيمته على كسر القيود، مهما كانت شديدة وداميّة. وهو ما يقرّره الكاتب حسن إبراهيمي في قوله: " يختفي الليل ليفسح المجال للشمس كي تكنس عار اختفاء بزوغ الفجر في الظلام." ص 15. وما،توظيفه لصيغة المضارع و(يختفي، يفسح، تكنس) والمصدر (اختفاء) إلاّ دلالة على استمرار الفعل وديمومته وثبات العزيمة على التغيير ورسوخها.

و قد أدركت الشعوب العربيّة أهداف الغزو الأمريكي للعراق في مطلع القرن الحالي، وإسقاط بغداد عام 2003 م، بعد فوات الأوان. فها هو (هدهد) الوطنيين، المخلصين، يأتيهم بأنباء من البيت الأبيض وتل أبيب، إنّه المشروع الأمريكي، الصليبي، المتمثّل في اتفاقيات إبراهيم في 15 سبتمبر 2020 م. وكان هدفها، ومازال، تهويد القدس، بل فلسطين كلّها. وتطبيع العلاقات بين العرب والصهاينة، على مبدأ الأرض مقابل السلام المزعوم. ورفض عودة اللاجئين والنازحين إلى قراهم ومدنهم وأراضيهم المغتصبة.

" تحلق الطيور حاملة قدسا عربيا لسلم أمريكي لن يتحقق إلا في السماء."

أجل، إنّه السلم المستحيل. لأنّه قائم على الظلم والاضطهاد والسلب والنهب والخديعة. وكيف يتحقق السلم بين الغاصب وصاحب الحقّ ؟

" ترفض الجدران شقوقا لا تبتسم للرياح. " ص 106.

" تبني الطيور أعشاشا فوق الأشجار كي لا تصاب هده الأخيرة بالهذيان " ص 97.

" تكفكف الأطلال دموع الذكريات، وترشها بأسئلة سامقات " ص 83.

" خسئت نار نقذف فيها الأطفال، ولم تنجب أرضا يتدفأ بها الكادحون. " ص 79.

" امتلأت أفواه المارقين بهتافات بدون نصـر.. فنكست الأعلام.. بعدما تم نكث المقاعد. " ص 72.

وسط أكوام من الجراح استبسلت أناملي.. سقطت كالشمس رشات فولاذ، زلزلت غصون الخيانات.. استبصرت المحو في ريعان شبابه.. فرفضت رسائله أن تسرّج الشُّهب لاتقاد الهزائم. ص 68

احترس من السقوط، إذا تسلقت قلب امرأة جرداء. ص 66.

أخد إبليس مكانه وسط منصة.. بدأ يستعد للغناء.. جاب يمينا ويسارا، حين بدأ الحفل.. أطرب حاشية الجميع.. انجذب الكل للرقص.. فاشتعلت أضواء الحلبة.. وحين استفاق حراس الجنة تم رجمهم حتى الثمالة... فرجعوا له ساجدين. ص 24.

في شوارع الرصاص انتحرت الأرض رفضا لإنجاب مدن جديدة للعدو. ص 6.

اللغة

اللغة قاسم مشترك بين فني الشعر والنثر. هي، بلا شكّ، حمّالة المعاني، وهي الواجهة الأماميّة للمعاني والأفكار، هي كيمياء الروح. واللغة، تعني الأسلوب، وهذا الأخير يعني الكاتب، وبالتالي فإنّ الأسلوب هو العمود الفقري للكتابة الإبداعيّة، نثريّة كانت أم شعريّة. وقد عرّف القدماء الأدب، بأنّه نثر وشعر، ثم وضعوا لكلّ منهما تعريفا مختصرا، فعرّفوا الشعر، بأنّه كلام موزون مقفى، أمّا النثر فهو كلام خال من الوزن والقافيّة.. أمّا المحدثون والمعاصرون، فقد تجاوزوا التعريف السالف الذكر، للشعر والنثر معا. وأضافوا إلى الشعر الصورة الشعريّة إلى جانب الصورة البيانيّة والبديع، أمّا النثر فقد ابتعد عن الصنعة اللغويّة والنمطيّة والحشو إلى السلاسة والسهولة والوضوح....

لقد صدق خزانة الأدب، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، حين قال: " إن المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك، وإنما الشعر صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير " (1)

و قال أيضا: وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً وكان صحيح الطبع بعيداً عن الاستكراه، ومنزهاً عن الاختلال، ومصوناً عن التكلف، صنع في القلوب صنع الغيث في التربة الكريمة " (2)

فنحن أمام شذارات أو خواطر سرديّة للكاتب حسن إبراهيمي، كأنّها تسريبات شعريّة قي قوالب نثريّة. ذهب فيها الكاتب مذهب أبي عثمان عمرو بن بحر

الجاحظ، البصري الأديب المتكلم المعتزلي (ت 225 هـ). مؤسس علم البلاغة حقاً.

لقد جاءت شذرات (خواطر) كثيرة المجازات اللغويّة والمرسلة، وخاصة الاستعارات المكنيّة والتصريحيّة والتشبيهات والكنايات. إنّها شبيهة بمعرض للصوّر البيانيّة والصوّر الشعريّة. لغة الكاتب حسن إبراهيمي كشفت عن عوالم الخيال الفنّي الذي يمتلكها الكاتب، وعن قدرة عجيبة في توظيف اللفظ في مواضع المجاز، لإعطاء المعنى بعدا رمزيّا وعمقا نفسيّا ولذّة صوفيّة وتشويقا آسرا.

و لن أكون في موضع المجاملة والمدح المجانيّين ، إذا قلت: إنّ شذرات (خطرات) الكاتب حسن إبراهيمي، أعتبرها – وهذا رأيي الشخصي ومن شاء فليخالفه – نفحات نثريّة المبنى، شعريّة المعنى، أو بتعبير آخر أرداها الكاتب شذرات نثريّة، فإذا بها تخرج مرتديّة لباس الشعر. فقد تقمّصت من الشعر جمال الصورة ولذّة البيان، وأخذت من النثر انسيابيّة العبارة، وبلاغة اللفظ. وليتأمّل معي القاريء الصياغة التالية: " لاشيء يفتح باب العزة غير سحب تمطر في جبهة للشهامة، لما تضيء وجه السجن.. أو حين تدك صولجان الهزيمة بصليل الفولاذ. " ص 76.

وهذه الصياغة: " أثقلتك اللاءات يا وطني.. أثقلتك في مطبخ لا يضيء شبرا في الظلام." ص 10 / 11. ففي هاتين الصياغتين عنفوان اللغة الشعريّة، وقوّة الصورة الشعريّة والرمز. تحوّل الوطن عند الكاتب حسن إبراهيمي إلى قضيّة وجوديّة، وغيرها العدم. الوطن يرمز إلى العزّة والشهامة والجود (تمطر) والحريّة (تضيء). وبدونها، لا معنى للوطن. الوطن ليس مجرّد تراب وحدود وأشجار وجبال وثروات طبيعيّة ووسم على بطاقة التعريف واسم على خريطة الكوكب الأرضي. الوطن هو الإنسان الحرّ، المكرّم، وليس الإنسان (القطيع)، بدون الإنسان ينتفي الوطن، وبدون الحرية، لا معنى للوجود الإنساني.

إذن، الحريّة، هي العروة الوثقى في هذه الشذرات والخطرات والآهات في قاموس الكاتب حسن إبراهيمي. ومهما أسدل الظلام سدوله على هذا الوطن (و لا أقول الأوطان)، فإن موعد شروق لن يتأخر، مهما طال الزمن. فكم روى التاريخ، على مرّ العصور، فصولا من المآسي، شتّتت أمما، وأفنت أمما أخرى، وأخضعت أمما وشعوبا وقبائل للعبوديّة والقهر. يؤمن الكاتب حسن إبراهيمي، بمقولة (دوام الحال من المحال). ومن طبيعة الأمم العيش حياة التأرجح الصعود والسقوط، بين النصر والهزيمة، بين القمّة والسفح. وقد أصيبت الحضارة العربيّة الإسلاميّة في مقتل، حين سقطت بغداد في الشرق وغرناطة في الغرب، لكنّ الأدهى والأمرّ، أن تنتقل أمة العروبة والإسلام من سقوط إلى سقوط، وتغيّر منحنى الصعود نحو الأسفل، ولمّا بدأ العلاج بدأ بأنصاف الحلول، أو بحلول ميّتة ومميتة. يقول الكاتب في إحدى شذراته:

"فحص الطبيب الأحداث فمات.. فالتاريخ لا يقبل أي حدث مصاب بمرض خبيث.. كما لا يقبل العلاج بأنصاف الحلول " ص 96. ويقول أيضا: " الربيع.. ولم يبق للشمس من ترقص لهم في آخر الشعاع.. انتهت المعركة ولم يبق فوق حصير الرماح سوى كسرة حزن وماض عجّ بالجياع. " ص

لقد استشعر الكاتب حسن إبراهيمي، استشعار الفنّان المرهف، الذي يغوص في الواقع المعيش، إلى درجة الذوبان في مآسيه، والتي يتحوّل عندها الموت إلى بعث جديد. فالموت لا مكان له في عيون الشهداء، فّهم أحياء في الدنيا والآخرة، مصداقا لقوله تعالى: " ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون. " (169 / آل عمران). إنّهم يضحون بأنفسهم من أجل الآخرين، لينالوا حياة النعيم والخلود. " لا يرقد الموت في عيون الشهداء " ص 13

و مهما يكن، فبقدر ما كان أسلوب الكاتب متخما بأسلوب البيان والبديع (تشبيهات، طباق، مقابلة، جناس) وأسلوب المجاز اللغوي، وخاصة الاستعارات المكنيّة والتصريحية، وبالصور الشعريّة في قالب نثريّ. لم تخل شذرات الكاتب من ظاهرة الغموض. وهي ظاهرة، أصابت الشعر العربي الحرّ المعاصر (شعر التفعيلة)، حين لجأ بعض الشعراء المعاصرين إلى توظيف الأساطير الشرقيّة والرموز المختلفة، ظنّا منهم - أو ربّما يقينا - في إدخال عناصر جديدة في القصيدة العربيّة، على مذهب القصيدة الغربيّة، وإحداث زلزلة مدهشة في هرم الشعر العربيّ المعاصر.

إنّ القاريء المتأمّل والمتمعّن في شذرات الكاتب حسن إبراهيمي، ليكتشف لديه، روحا شعريّة وملكة لغويّة وقدرة على تطويع اللغة وتوظيفها مجازيّا، إلى درجة التلاعب بألفاظها والتشويش بها على ذهن المتلقي وحواسه. فتتغيّر مسارات الألفاظ لديه في تفاعل كيماوي، ممّا يجعل المتلقي، يقف هنيهة، ليتساءل: ألم يكن من الأحرى بالكاتب حسن إبراهيمي، كتابة القصيدة بدلا من هذه النصوص النثريّة، التي سمّاها " شذرات " ؟

و ليتأمّل معي القاريء الكريم، هذه الشذرات، التي أختم بها.

" أعارك النوم لأتجنب حلما يرحب به الانتظار. " ص 18

" لما ترهلت الحرية اختفت أمام باب المستحيل.. استنشقت أنياب السماء.. استنارت بذكريات غيابها في الفراغ.. كم تحتاج من عيون للسباحة في وجه الأسد ؟ " ص 18

" خدوش الزمان العصيب ببلادي موحشة. " ص 18

" بشارع عصيب لم تكترث لصراخ كسرة خبز..ولما استخفت بجبهة الشقاء.. شحذت الشجون سواعدها لاستقبال الدماء. " ص 21

" ضحكت الشمس ولم تغلق بابا يأمر بموت الظلام.. لم ترتدِ ثياب موسيقى كسؤال الغياب.. ولم تجْنح لمشاعر الليل.. ولا لبحر تحلل في حسام أغنية تستشرف ميلاد الوطن. " ص 26

" في أكياس الهجرة يحمل البحر أشلاء وطن جريح. " ص 29

" لن يستسلم اغترابي.. مهما ابتعدت في منفاي.. لن يستسلم لانتصاب المنعرجات.. أو لضغط أي انحناء اتقد في كل طريق اتخذته لأنشد حكاية عن اغتراب شمس بلدي لكل طفل يحمل حقيبة مسَد وهو في الطريق إلى ما تشتعل به ذاكرة وطن ليحرر أهله من الطغيان. " ص 30

" أحيانا يجب الرجوع إلى الماضي , للبحت عن قربان نقدمه لكل لحظة تنتصب بحثا عن عرين تجهم بالزمان. " ص42

" ترفض الأرض السير في الظلام لترتل للورى تباشير الصباح. " ص 46

" انطفأت زوابع الحمل.. واشتدت عيون الدسائس.. وانتصبت القضية تصرخ في وجه الظلام. " ص50

" الينابيع.. تحررت أطلال سيجت خيما بأوتاد الهزائم، فوق أحزاننا وقفت بدون اشتهاء.. فزغرد عربون الحرية مهللا لطيف الانتصار. " ص 59

" بدون وقود اشتعلنا، كأن أجسادنا حطب أممته النار ".ص 60

" انتهت علامة الاستفهام.. غير أن السؤال لم ينته بعد " ص 62

" واهم من يعتقد أن النصر سيفتح أبوابا بدون نساء، فالحرية علق ما لم تكنسه النساء في بقايا المتحف بدماء الشهداء." ص 65

" إذا كان الستار ناقصا فلنستتر بالعرض، فالعري عري العرض. " ص.74

" بئس حدث أيتها المعركة.. فالسيوف تضاءلت أغمدتها.. انهمرت دموعا.. وتراجع صهيل الخيل.. فارتدى الفرسان عِمامات الهزيمة. " ص 83

" فتحت الباب لأحدق في سيف العرب، فوجدته يرقص في مرفإ الظلام. " ص

84

" أكلما أتعبتك الدروب يا وطني تعود لتمتطي صراخ الفقهاء.. باسم الله نهبتم كل شيء.. لكن أبدا لن تفلحوا في نهب النوم في عيون الأبرياء.. باسم الله نهبتم خيراتنا.. وباسمه لم يبق للأرجوحة أي مكان في أحلام أطفالنا.. وباسمه تعب هو إياه في عليائه.. فحيثما تمطر تقصوا شعبا ظل يتدحرج خلف فرس امتطاه الله. " ص 92

" سقط التاريخ العربي وسط خيمة، أعمدتها تنهك الانتصاب بين الشعاب. " ص 98

" حينما بدأ قميص عثمان يعوي فوق النعش سكب أعرابي ماء ليستظل القميص لكن لا وجود لأثر المعركة. " ص 99

" ترفض الرسالة حمل خبر لا يطرح السؤال " ص 104

" أعاقر كل محرر حين يسيل في شقوق الشمس.. ليصلى سلاما لعار وطن وزعته خرائط الأطفال بجدران المذكرات. " 114 / 115

***

بقلم: الناقد والروائي علي فضيل العربي - الجزائر

رأينا في المقال التاسع من هذه السلسلة الدراسيَّة في قِصَّة "صادق أو القَدَرZadig Ou La Destinnée "، للفيلسوف الفرنسي (فولتير Voltaire، -1787)، حكاية البطل مع ذلك الناسك الغريب الأطوار.  ونكمل اليوم القول إنها كانت قد انتهت بهما الرِّحلة إلى أرملةٍ محسِنة، يعيش معها فتًى قريبٌ لها في الرابعة عشرة من عمره، جميلٌ محبٌّ، كان أملها الوحيد.  فضيَّفتْهما بأحسن ما استطاعت. ولمَّا كان الغد أَمَرَت الفتى أن يَصحب المسافرَين إلى جِسرٍ أصبح عبوره خطرًا.  مضى الفتَى أمامهما، حَفِيًّا بهما، فلمَّا بلغوا الجِسر، قال له الناسك: "أَقْبِلْ؛ فإنِّي أُريد أن أشكر لعمَّتك صنيعها."  ثمَّ أخذ بشَعره وألقاه إلى النهر.  فصاح به (صادق): "يا لكَ من وحش!  يا لكَ من مجرم، لم يرَ الناس مثله!"  قال الناسك: "لقد وعدتَني أن تصبر على ما ترَى.  فتعلَّمْ أنَّ تحت هذه الدار، التي دمَّرتْها القُدرة الإلهيَّة، كنزًا عظيمًا، قد ظفِر به صاحبها.  وتعلَّمْ أنَّ هذا الفتَى، الذي قتلتْه القُدرة الإلهيَّة، لو عاش، لقتلَ عمَّته بَعد عام، ولقتلكَ أنت بَعد عامَين."

ثمَّ تحوَّل الناسك إلى مَلَكٍ كريم، هو المَلَك (جسراد)، وأخذ يفسِّر لصادق الأسئلة التي كانت تشغل فكره حول القَدَر، ثمَّ صعدَ إلى السماء العاشرة.(1)

وقِصَّة (صادق) مع الناسك واضحة الشَّبَه بقِصَّة النبيِّ (مُوسَى) مع (الخِضْر)، التي قصَّها "القُرآن" في "سورة الكهف"(2).  ويُلحَظ أنَّ (فولتير) قد صاغ القِصَّة كما هي في "القُرآن"، مع بعض التغييرات، مثل جعله الناسك- الذي أورده في دَور (الخِضْر)- مَلَكًا.  إلَّا أنَّ دَور (الناسك والخِضْر) في القِصَّتين كان واحدًا، وهو تنفيذ القَدَر الإلهيِّ في المخلوقات.  في خِطابٍ يسعى- بحسب منطقه الخاصِّ- إلى الحِجاج بأنَّ وراء بعض الأحداث أسبابًا غيبيَّة، يعجز عقل الإنسان عن إدراكها، بل قد يراها بنقيض حقيقتها.  وأمام الاستغراب والتساؤل يقوم بطل الحكاية (الخِضر/ الناسك) بالتبرير والتفسير لما اقترفَه من أعمال، تبدو في ظاهرها خاطئة.  وإنْ ظلَّ التبرير والتفسير نفساهما ميدانَي تساؤلٍ أيضًا واستغرابٍ من (مُوسَى/ صادِق).

ومع أنَّ (فولتير) قد جعل من الناسك مَلَكًا، ممَّا لا نجده في «القُرآن»، فإنَّ شخصيَّة (الخِضْر) القُرآنيَّة قريبةٌ من صِفَة الملائكة.  بل تَذْكُر بعض التفاسير القُرآنيَّة، التي تطرَّقت إلى الخلاف حول حياة الخِضْر: أنَّ الخِضْر حَيٌّ؛ لأنَّه شَرِب من عَين الحياة واغتسل من مائها.(3)  وأيًّا ما كان الأمر، فإنَّ شخصيَّة الناسك الملائكيَّة تُشْبِه شخصيَّة الخِضْر في تصوُّر بعض المسلمين إلى حدٍّ بعيد.

وقد جعل (فولتير) الناسكَ هو الذي يسعَى لصُحبة الفتَى (صادق)، على حين أنَّ ما في قِصَّة «القُرآن» قد جاء على العكس؛ فالفتى (مُوسَى) هو الذي سعَى إلى أن يصاحِب (الخِضْر) ليتعلَّم منه ما لم يُحِط به عِلمًا.

ويُلحَظ أنَّ الأعمال التي قام بها الناسك أربعة:

* سرقة الصَّحن الذَّهبي المرصَّع بالجوهر من قَصر الغنيِّ المتكبِّر الذي أكرمهما.

* تقديم الصَّحن مع دينارَي الذهب إلى الغنيِّ البخيل وخادمه.

* حرق دار الفيلسوف الفاضل الذي أكرمهما.

* قتل فتَى الأرملة المُحسِنة الفاضلة. 

أمَّا الأعمال التي قام بها (الخِضْر)، فثلاثة فقط، هي: خَرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار.  وإنْ كان العملان الأوَّلان للناسك بمثابة عملٍ واحدٍ، هو: سرقة الكريم وإعطاء البخيل؛ للحكمة التي زعمها.

ومهما يكن من أمر، فسنعرف، في المقال الحادي عشر من هذه السلسلة، كيف تصرَّف (فولتير) في هذه القِصَّة القُرآنيَّة وحوَّرها لتلائم مراميه.

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

أستاذ بجامعة المَلِك سعود

...........................

(1)  يُنظَر: فولتير، (1979)، القَدَر، قِصَّة نقلها إلى العَرَبيَّة: طه حسين، (بيروت: دار العِلم الملايين)، 125- 126.

(2)  الآيات 65- 82.

(3)  لكنَّ فريقًا من المفسِّرين يحتجُّ في الردِّ على ذلك بحديثٍ للرسول، هو أنه: "رُوِي أنَّه صلَّى العِشاء ذات ليلةٍ، ثمَّ قال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنَّ رأس مئة سنةٍ منها لا يبقَى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"؛ فيقول هذا الفريق: إنَّ (الخِضْر) لم يكن ليعيش بعد مئة عام من تاريخ وجوده. (يُنظَر: أبو السعود، (د.ت)، تفسير أبي السعود، (بيروت: دار إحياء التراث العَرَبي)، 5: 239).  وهو احتجاجٌ لا معنى له لدَى من آمَنَ بأنَّ الخِضْر شخصيَّةٌ استثنائيَّةٌ، وليس كسائر الناس.

المبدع فرد من المجتمع يتطلع إلى تفاصيله ويتابع مستجداته بعين فاحصة وناقدة، يسجل أدق الوقائع بأسلوب فني يغري القارئ الذي تناط إليه عملية الفهم والتأويل؛ في هذا السياق تقدِّم مجموعة (صخب يمزق سكون الليل) خمسا وعشرين قصة قصيرة نتيجة لتفاعلِ القاص أحمد بلقاسم مع قضايا الواقع أبرزها ما ألمَّ بالعالم وأدخلَ البشرية في تجربة فريدة مسّت مستويات مختلفة، منها الاجتماعي والنفسي والاقتصادي... إنه ظهور فيروس كورونا أو كوفيد 19 الذي أرعب البشرية بمضاعفاته الخطيرة التي أودت بحياة عدد هائل من الناس، والذي خصص له القاص سبع عشرة قصة يتناول فيها كل التفاصيل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية المستجدة مع هذا الوباء المستجد الذي حيّر العلماء والأطباء والمسؤولين، وأرعب الناس العاديين ولم يفرق بين غني وفقير أو كبير وصغير، أو رجل وامرأة؛ إنه الوباء الذي شغل سكان الكرة الأرضية، فكيف لا يثير اهتمام المبدع الذي يُفترض فيه أن يكون شاهدا على عصره بقلمه المبدع الذي يستقصي الوقائع والتغيرات الطارئة على المجتمع في ظل الجائحة.

إن القاص أحمد بلقاسم على غير قصصه السابقة يدخلُ تجربة جديدة تتسم بكثير من التحدي الذي يتجلى في تحويل (ظرف مستجـد معقد) إلى مادة إبداعية يخصص لها عددا مُهِمّا من القصص بروح مرحة ولغة أنيقة، وسخرية هادفة؛ هنا يمكننا أن نسأل لِمَ لَمْ يقتصر على عدد محدود من القصص؟ ذلك لأن الظرف المستجد خَلْخَلَ حياة الأفراد بكل فئاتهم وتناسلَ منه ما لا يمكن حصره في قصة أو قصص محدودة؛ وهذا نستشفه من استعانة الكاتب بمعجم متنوع مرتبط بأحداث ومواقف مختلفة ومرتبطة بشخصياتِ فئاتٍ مختلفة من الناس، لكنها كلَّها خرجت من رحم كورونا، وهذا يدل على أن الكاتب استوعب جيدا ما طرأ على المجتمع وما أصبح حديث الناس بكل فئاتهم وشغـل مسؤولين في قطاعات مختلفة، من ذلك مثلا (كورونا – الفيروس – عقار – أنبوب الأكسيجين – الحظر – طير الليل [الخفاش] – السعال – درس عن بعد: الواتساب، الكاميرا – المستشفى – القايدة: [ممثلة السلطة التنفيذية داخل نطاق نفوذها] - الكمامة – التعقيم – ممرضة – السرير – الطبيب – النظافة بالماء والصابون – التلفزة الكورونية – أعوان السلطة والقُيّاد والشرطة – حظر التجول – صندوق كوفيد 19 – رخصة التنقل – حالة الطوارئ – الحجر الصحي – الإسعاف -الحقنة – مركز تلقيح ضد كورونا - القبر – حفار القبور - العلاج – الخطر – عملية).

يمتد هذا المعجم في أغلب قصص المجموعة، وهو الخيط الرابط بينها، والنسيجُ الذي يحوك القصص كتبها المبدع أحمد بلقاسم تحت تأثير حدثٍ طارئ ومباغت ومحيِّـر لا يحسنُ التهاونُ إبداعيا في تحويله إلى شهـادة أدبية على الظرف الاستثنائي الذي أوجد خطابا مهيمنا على الشارع بشكل يومـي.

يتنقل القاص أحمد بلقاسم في (صخب يمزق سكون الليل) بقلمه المبدع من موقف إلى موقف ومن مجال إلى مجال، ومن وسط إلى وسط، حيث اكتسح الفيروسُ المستجدّ كل مناحي الحياة الاجتماعية بشكل خلل الاستقرار النفسي للأفراد وبث الرعب والهواجس في النفوس، ولم يَفُتْه أن يُحَوِّل بعض المواقف إلى مادة فكاهية دالة على الحالة الهستيرية التي انتابت عددا من فئات المجتمع التي لم تستوعب حجم الكارثة وأصبحت تُفزع بمجرد سماع سعال أو عطاس خوفا من انتقال العدوى، وتأثرت بأخبارٍ بعضُها أُسيءَ فهمُه، وبعضها زائف مثل "نسبة سبب ظهور فيروس كورونا إلى الخفافيش"، و" أن هذا الفيروس مذكور في القرآن"، و"ظهور مشعوذين يَدَّعون إيجاد عقـار فعال ضد الفيروس" وأن هناك " خطة للقضاء على المسنين من أجل تشبيب المجتمـع"....

يرصد الكاتب أيضا محاولة الناسِ التأقلمَ مع ما أفرزه الوضع الجديد من حَجْرٍ صحي (المعقل الإجباري)، وحظرٍ للتجول، ومنعِ التجمعات، وارتداء الكمامة، والتباعد، وعدم التصافح والتزاور، وضرورة الحصول على رخصة للتنقل للإدلاء بها لرجال السلطة الذين يجوبون الشوارع من أجل مراقبة تطبيق التدابير الاحترازية المفروضة على المواطنين، والبحث عن أنشطة ترفيهية لمقاومة الملل، والحملات التحسيسية عبر (التلفزة الكورونية) التي تدعو المواطنين إلى اعتماد النظافة بالماء والصابون، والإقبال على أخذ حقنة التلقيح والتوجه إلى المستشفى فورا في حال الإصابة بالعدوى، وما رافق ذلك من وقائع غريبة ومضحكة أحيانا أبطالها ناسٌ بسطاءُ يخوضون في تفسير ما يجري بوعيهم البسيط فتنقلب الحقائق لديهم، وأحيانا يتداولون الإشاعات التي تنتشر كالنار في الهشيم، وأحيانا أخرى يقعون بين يدي السلطة فيكون عليهم تبرير خرقهم حظرَ التجول.

ولأن (الفيروس اللعين) لم يستثنِ قطاعا من القطاعات التي لم يعدْ سيرُ العمل فيها عاديا كما كان في الأيام العادية؛ فإن قطاع التعليم أيضا لم يسلم من تبعات هذا الوباء، فكان أنْ تَوَقَّفَ (التعليم الحضوري) واعتمد ما سمي بــ(التعليم عن بعد) ليدخل رجلُ التعليم تجربة مفاجِئة يكون فيها التواصل مع المتعلمين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها تطبيق (الواتساب/ whatsapp) الذي يَعتمد على بعث الرسائل الصوتية والكاميرا، هنا يجد المدرسُ حديث العهد بمثل هذه التطبيقات والأجهزة الذكية العجيبة صعوبةً في التكيُّف مع الوضع الجديد، ويتواصل مع تلامذته من محل إقامته وهو بين أهله الذين يستغربون طبيعة التعليم الجديد الذي تتخلله مواقف تثير الغرابة والضحك أحيانا:

" الزوجة من المطبخ:

- ما سر هذا الصمت!

- الأستاذ: أي صمت؟

- صمتكَ عن مواصلة درسك مع مستقبليك من التلاميذ!

- الأستاذ: فاصل إشهاري ونواصل!

- كيف؟ حتى الواتساب يدرج الإشهار!؟

- لا.. لا.. يا عزيزتي.

- ما مصدر الفاصل الإشهاري؟

- فقط أحد تلاميذي طلب مني مهلة استراحة..

- استراحة وهو غارق فيها!؟

- استراحة للمراجعة.

- مراجعة ماذا؟

- مراجعة الثلاجة، ولم يطفئ الكاميرا، بل صحب اللوحة معه، وجاب بها المنزل...." (درس عن بعد).

يمتد هذا الاهتمام بالواقع وإشكالاته فيما تبقي من قصص المجموعة، بالعين الفاحصة ذاتِها وبالنقد المبطن بالسخرية أحيانا لكلِّ ما هو منافٍ للعقل والعدالة الاجتماعية والإنسانية، إنه أسلوب درج عليه عدد من كبار السرد العربي الحديث مثل زكريا تامر.

أما من حيث البناء فالمجموعة استمرار للأسلوب القصصي الذي عهد القارئُ عليه قصصَ المبدع أحمد بلقاسم فالشخوص من البسطاء الذين يجد الكاتب فيهم ضالته في الكشف عن القضايا البسيطة في ظاهرها والعميقة في جوهرها، يستنطقُها ليُشَكِّل رؤياه النقدية بأسلوب مرح ولغة غاية في الأناقة والصفاء، يعتني بها عناية الأب بفلذات كبده فتبدو مرآة لما يشغل الناس في شتى مناحي حيواتهم، فاسحا لهم المجال في الكلام ليقربهم إلى القارئ فيكون التكثيف موحيا، ويكون الحوار أداةً مهمة لديه للتعريف بهم وبصفاتهم النفسية والفكرية والاجتماعية وبقضاياهم والتحديات التي تواجههم.

هكذا يكون المبدع أحمد بلقاسم في هذه المجموعة الجديرة بالاهتمام، قد أضاف لبنة مهمة إلى مُنجزه الإبداعي القصصي، الذي دأب على تشكيله عبر خمس مجموعات قصصية استطاع من خلالها أن يُشكل صوته المتميز ويثابر على تطويره من دون السقوط في التكرار والنمطية.

***

بقلم: ميلود لقـــاح

يعد توظيف الشخصية التراثية أحد الوسائل التعبيرية التي يستخدمها الشاعر الحديث للتعبير عن تجربته الإبداعية والمعرفية على حد سواء، وليست التجربة الإبداعية منفصلة عن رؤية الشاعر، الامر الذي يؤكد تفاوت الشعراء في كيفية النظر الى الواقع المعاصر والى التراث في الوقت نفسه، ويقود هذا الى تغاير في طبيعة النظر للشخصيات التراثية وكيفية توظيفها معرفيا وفنيا.

ان توظيف الشخصيات التراثية يمنح (القصيدة المعاصرة طاقات تعبيرية لا حدود لها... ولقد ادرك الشاعر المعاصر انه باستغلال هذه الإمكانات يكون قد وصل تجربته بمعين ينضب من القدرة على الإيحاء والتأثير)[1] وبهذا يتجاوز الشاعر الحديث النزعة الغنائية المهيمنة على الشاعرين الاحيائي والرومانسي، من اجل إضفاء قدر من الدراما والتعبير من خلال الشخصيات التراثية واستخدامها (قناعا) للتعبير عن نزعته الذاتية التي يريد لها ان تختفي خلف هذه الشخصيات التراثية والاقنعة، ويحملها رؤاه وافكاره ومواقفه السياسية. وبهذا يتجاوز الشاعر الحديث الشاعر الاحيائي الذي يعمد الى محاكاة الشخصية التراثية واستعادة حضورها، في حين يعمد  الشاعر الحديث الى خلق جديد  للشخصية التراثية بحيث تعبر عن امرين مزدوجين، أولهما: المحافظة على بعض ملامح الشخصية التراثية، وثانيهما: يحمل رؤية الشاعر الحديث، فيعبر (الشاعر / الشخصية التراثية) عن معاناة معاصرة.

واذا كانت القصيدة الاحيائية تحاكي التراث الشعري في اوزانه وقوافيه وصوره البلاغية بشكل تبدو صوره موازية للتراث الشعري فان الشاعر الحديث يعيش عالما اخر، وأصبحت تجربته اكثر تعقيدا وشمولا وغموضا وتشابكا، الامر الذي دفعه الى التعبير عن هذا التغير بأدوات جدية، فعمد الى تغيير الاوزان والقوافي وفي التعبير بالصور الشعرية التي تنسجم مع طبيعة التغير الحاصل في العالم، وتنسجم مع طبيعة التجربة الشعرية التي تريد التعبير عنها.

ويعد توظيف الشخصية التراثية احد مكونات (القناع) الذي يحدده عبد الوهاب البياتي بانه (الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر نفسه متجردا عن ذاتيته) [2].وهذا يعني ان توظيف الشخصيات التراثية يعد (معادلا موضوعيا) لتجربة الشاعر الذاتية، وقد تبلور هذا المصطلح لدى ت. س. إليوت الذي اكد في اثناء حديثه عن الشاعر فاليري بان (مركز القيمة قائم في الانموذج الذي نصنعه من مشاعرنا وليس في مشاعرنا نفسها، فالقصيدة التي يكتب لها البقاء ليست نتاج سكب العواطف الذاتية، اذ ان الطريق الوحيدة للتعبير عن العاطفة انما تكون بالعثور على معادل موضوعي).[3]

وقد يضمن الشاعر التقليدي قصيدته  شخصيات تراثية بأسمائها واقوالها وافعالها، لا على أساس انها جزء ملتحم مع البنية التكوينية والوجودية للنص الشعري، وانا لمجرد كونها (إشارة) يزين بها قصيدته، ومن ثم فان الشخصية لا تعدو ــ هناــ سوى تسجيل خارجي واضفاء معرفي شكلي.

ويختلف الامر تماما في توظيف الشخصيات التراثية عند شعراء الحداثة، اذ يصبح التوظيف جزءا من بنية النص الشعري و جزءا معبرا عن رؤية الشاعر، بحيث تسهم في تعميق الوعي فضلا عن تأثيرها في النص من حيث ايقاعه ولغته واستكمال صوره وفي التأثير بالمتلقي بدهشته وانبهاره بالمضامين الجديدة.

2

كان مظفر النواب يعيش واقعا خاصا يؤثر في حساسيته الشعرية، وفي تعميق وعيه بالتراث، وبخاصة ان باصرة مظفر النواب تلتقط صور الواقع الذي يعيش فيه من ناحية، والتجسيد التاريخي الذي يشاهده في المواسم الدينية من ناحية اخرى، ان مدينة الكاظمية التي يعيش فيها الشاعر زودته بمشاهد الواقع التعيس الذي يعيشه الانسان، وجعلته يبصر تجسيد التراث التي يعيد صياغتها المجتمع الشيعي لواقعة حدثت قبل اكثر من الف عام في  احتفالية فريدة، اذ لا يخفى ان منزل مظفر النواب بخصائصه الارستقراطية كان جزءا من استعادة الماضي، بحيث يكون خلفية مسرحية مزدانة بالديكور، فلقد كانت أبواب بيته الخشبية الضخمة (تشبه أبواب القلاع تتسع لدخول مواكب عاشوراء بالخيول والاعلام والمشاعل، فكانت تدخل من باب لتخرج من الباب الثاني،... وكان اهل الدار يرشون ماء الورد على المواكب التي كانت تدخل البيت وهي تردد بصوت هادر الاهازيج والردات الحزينة والاشعار والتراتيل... ان هذا المشهد المشبع بالحزن والاسى ولطقوس المثقلة بالرهبة والخشوع كان يتكرر سنويا داخل البيت في عاشوراء مما ترك بصماته في بعد في شعر النواب وذكرياته) [4].

كانت عيون مظفر النواب تقتنص التجسيد التمثيلي لاستعادة الماضي وتكرار خلقه من جديد، ولا ريب انه وبسبب حساسيته المفرطة في طفولته وبسبب حساسيته الثورية بعد انتمائه للحزب الشيوعي العراقي، جعلته ينحاز الى الانسان البسيط في مجتمع الكاظمية، وينحاز أيضا الى الثائرين في التاريخ الذين عبروا بصلابه وصدق عن مواقفهم حتى الاستشهاد، ولذلك ادرك الواقع بازدواجيته الثنائية، الماضي / الحاضر.

ولقد اثر هذا كله في رسم ملامح توظيف الشخصية التراثية في شعره ونثرة على السواء، يقول مظفر النواب:[5]

اما انا فلا اخلع صاحبي

عاشرته وخبرته وعرفيته

ولذا لا اخلع صاحبي

يستعيد هنا الشاعر مهزلة التحكيم التي حصلت بين ابي موسى الاشعري وعمرو بن العاص، حيث تمكن عمرو من خداع الاشعري  ليخلع صاحبه الامام علي من الخلافة، ولكنه يعيده بشكلها المخالف تماما، واذا كان الاشعري قد خلع صاحبه فان مظفر النواب ـــ هنا ـــ يرفض خلع صاحبه،اما انا فلا اخلع صاحبي، وقد برر سبب الرفض الى معرفته وخبرته ومعاشرته، بمعنى ان الوعي يسبق المواقف.وبهذا يستعيد موقفا وفعلا وعبارة، ولكنه يوظفها بالتضاد من موقف الاشعري، من خلال ظاهرة تناصية لا تعتمد الاقتباس الساذج وانما تفجر دلالات جديدة في النص الشعري الحديث، وتضفي عليه ملامح ثورية جديدة.

ان الشاعر لا يتحدث هنا عن الاشعري وانما يتحدث عن قضية سياسية معاصرة، تعاني من ارهاصات الهزيمة والتنازل في لحظات ضعفها.وبقي الشاعر وفيا لثوابته الفكرية مهما كانت الصراعات والدسائس التي تحك ضدها.

ان انحياز مظفر النواب للرفض هو جزء من تكوينه اليومي،ولكنه يعضده برفض تراثي، ولذا فانه ينحاز لحركة القرامطة  الصورة الاشتراكية التي حاول تجسيدها الحسين الأهوازي، وحمدان قرمط، وهما يطوران النضال في الفكر الإسماعيلي الذي تميز بأصالته ورموزه الباطنية العميقه، يقول:

من هذه الأرض ابتدأت دعوة ابتدأ بها إسماعيل، ثم تلاقفها القرامطة، وانا قرمطي، أولئك قالوا مشاعة الأرض ومشاعة السلاح ولكن لم يقولوا مشاعة الانسان، وانا أيضا مع مشاعة الأرض ومشاعة السلاح ولكني لست مع مشاعة الانسان.[6]

ويزاوج مظفر النواب بين تفرد العشق وتكامله من ناحية واتقان المعرفة من ناحية ثانية، فلقد اصبح تلميذاً للحسين الأهوازي في الصف الأول في مدرسة القرامطة، وكان الاهوازي ثوة تحكي في المهد: [7]

في العاشر من نيسان تفرد عشقي

اتقنت تعاليم الاهوازي

ووحدت النخلة والله وفلاحا

يفتح نار الثورة في حقل الفجر

تكامل عشقي

....

ووقفت امام القرن الرابع للهجرة

تلميذا في الصف الأول

يحمل دفتره، يفترش الأرض

يعرف كيف تكلم عيسى في المهد

فان الثورة تحكى في المهد [8]

ويقول:

كيف نسينا القرن الرابع للهجرة ؟ كيف نسينا التاريخ ؟

كان القرن الرابع للهجرة فلاحا يطلق في اقصى الحنطة نارا

ويحدد مظفر النواب انتماءه:

انا انتمي للفداء

لرأس الحسين

وللقرمطية كل انتمائي [9]

اما الامام علي فيحتل مكانة خاصة لدى مظفر النواب، فهو ملك الثوار، وان التآمر عليه انما هو تآمر على كل الثورات والثوار، وهو الرمز المطلق، ينتمي اليه وينحاز له: [10]

انا انتمي للجياع

ومن سيقاتل

انا انتمي للمسيح

المجدف فوق الصليب

لمحمد

شرط الدخول الى مكة بالسلاح

لعلي بغير شروط

انا انتمي للفداء

لرأس الحسين

وحين يعيش مظفر النواب الغربة في المنفى يحلم ان يستذكر اوجاع بلاده  العراق، المضمخ بدماء الشهداء في الحديث والقديم، ولذلك يستودع أحلامه لطائر البرق الذي يمثل رمزا للوعي، كي ينقل الى وطنه تحياته وسلامه: [11]

أحمل لبلادي

حين ينام الناس سلامي

للخط الكوفي يتم صلاة الصبح

بإفريز جوامعها

لشوارعها

للصبر

لعلي يتوضأ بالسيف قبيل الفجر

أنبيك علياً

ما زلنا نتوضأ بالذل

ونمسح بالخرقة حد السيف

وما زلنا نتحجج بالبرد وحر الصيف

ما زالت عورة عمرو بن العاص معاصرةً

وتقبح وجه التاريخ

ما زال كتاب الله يعلق بالرمح العربية

ما زال أبو سفيان بلحيته الصفراء،

يؤلب باسم اللات

العصبيات القبلية

ما زالت شورى التجار، ترى عثمان خليفتها

وتراك زعيم السوقية

لو جئت اليوم

لحاربك الداعون إليك

وسموك شيوعا

ويرسم مظفر النواب لوحة فنية يتداخل فيها المكان بالرؤية وبالتكرار الايقاعي، بمعنى ان خلفية اللوحة ترسم ويتم اسقاطها على الشخصيات التراثية سمات عصرية.4754 النواب

وتتجلى أهمية التكرار الايقاعي وامتزاجه بالصورة وتفرع منهما التلوينات والدلالات كصور عنقودية:4755 النواب

وتصاحب هذه التلوينات دلالات مصاحبة تتفجر فيها اللغة  ضمن استعارة كبرى للدلالات الجمالية والمعرفية للنص الشعري،اذ يمتزج الفني بالمقدس، فالخط الكوفي يتم صلاة الصبح، إذ يضفي على هذا الفن الرفيع والاصيل من فنون العرب، أقول يضفي عليه مظفر النواب دلالة انه يؤدي صلاة الصبح، وكذا الامر حين يتحول الوضوء من الماء الى الوضوء بالسيف كما هو في قوله: لعلي يتوضأ بالسيف قبل الفجر، والملاحظ ان الشاعر هنا يجعل من الصبح والفجر زمانين يمتزج بهما الفني والثوري من ناحية بالمقدس من ناحية ثانية.

ان مظفر النواب يتحدث عن خندقين، خندق جند علي الذين مازالوا ــ كما في التاريخ ــــ يتحججون بالبرد وحر الصيف، وهو خندق الفقراء، والخندق الاخر هو خندق الطبقة الارستقراطية التي يقودها دينيا  وتاريخيا أولئك الطارئون على الوعي.

موقفان متعارضان، موقف الامام علي زعيم الفقراء والبسطاء، وموقف الارستقراطية التي لا زالت تمتح دينيا من الصنمية الفكرية، ومن الطبقية القبلية ، ويعتمد الشاعر في توظيف التلوينات الصوتية واللونية، فلقد اضفت اللحية الصفراء لابي سفيان دلالات المكر والدهاء، وكذا تأليبه العصبيات القبلية بحسب عبادة الاصنام، في حين يمثل الامام علي نقاء الدين وروحيته وثوريته، مؤكدا المساواة بين الناس جميعا، ولذا فان الأغلبية السوقية هي التي تتبنى الامام علي زعيما وقائدا، تم تأتي الومضة الأخيرة

لو عدت اليوم لحاربك الداعون اليك

وسموك شيوعية.

***

ا. د كريم الوائلي - أستاذ جامعي

ومدير عام سابق في وزارة التربية العراقية

........................

[1] علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر،الشركة العامة للنشر والتوزيع والاعلان، طرابلس، 1978،  ص 16.

[2] عبد الوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، دار العودة، بيروت،1990، ص 37.

[3]  ف. أ. ماثيسن، ت. س. اليوت الشاعر الناقد، ترجمة احسان عباس مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، بيروت، نيويورك، 1965، ص 132.

[4] باقر ياسين، مظفر النواب حياته وشعره،دار الغدير، قم، 2003، ص 16.

[5] https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=562641

[6] https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=562641

[7] باقر ياسين، مظفر النواب حياته وشعرة، ص 253.

[8]  باقر ياسين مظر النواب حياته وشعره، ص 124

[9] مظفر النوب، الاعمال الكاملة، دار فاروس للنشر، القاهرة، 2012 ،  ص 158.

[10] نفسه، ص 174 ــ 175.

[11] مظفر النواب الاعمال الكاملة، ص 155 ــ 157.

 

كان لنكسة 1967 أثرا بالغا على الشخصية العربية حيث أصيبت بالاهتزاز وحل الشك محل اليقين وسقطت الكثير من القيم. وفيما بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وحرب الخليج والعالم الذي أصبح أحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة الرأسمالية. والراحل مؤنس الرزاز السياسي القومي الروائي الذي ولد في جو سياسي بحت، وتشرب السياسة حتى الثمالة، كان الأقرب لهذه الأحداث. فوالده منيف الرزاز الطبيب السياسي القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ذاق ويلات الاعتقالات والنفي وانتهت حياته وهو في الإقامة الجبرية التي فرضها عليه رفاق حزبه الذي كان يوما يمثل العائلة بالنسبة لمؤنس. وكان لهذا المزيج من النكسات سواء على مستوى العائلة أوتلك التي أصابت الواقع العربي والعالم برمته أثرا أنتج لدى مؤنس الروائي رؤية لا يقينية للعالم فلسفتها التمرد على التحديد والتصنيف وجماليات الوحدة والتماسك في الرواية التقليدية. أما النتيجة فكانت نوعا جديدا من الكتابة كفعل مقاوم يعيد النظر في كل شئ ويسعى إلى تأسيس وعي جمالي جديد، تشظى فيه السرد واضمحلت أدوار الشخصيات وتفتتت الأزمنة والأمكنة مع غياب الحبكة القائمة على مبدأ التسلسل والترابط والمنطقي حيث سادت فيه الأحلام والكوابيس واللامنطق والإنشطار والتشظي والشروخات وبالتالي سريان القبح طيلة صفحات العمل.

ورواية الشظايا والفسيفساء الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ 1994، حالة ممتدة من الانهيارات والخراب والتشظي الذي أصاب الواقع العربي في نهاية القرن العشرين مما لا يخفى من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية انعكست على عالم مؤنس الروائي كما ذكرنا سابقا. فانتقل هذا الخراب والانهيار والتشظي إلى شخوصه وأماكنه وأزمنته.

ففي الكتاب الموسوم ب" الشظايا والشروخ " يفتتح مؤنس الرزاز روايته ص 5بملاحظة تقول: (يقال أن الأوراق "المشظاة" المبعثرة في هذا الكتاب من وضع عبد الكريم إبراهيم. أما الأوراق "الفسيفساء" المفتتة فهي من وضع سمير إبراهيم...والله أعلم!). ولأن شخوص مؤنس الرزاز يعانون حالة من الفصام وهو انشطار الشخصية حيث يؤدي هذا المرض إلى اضطرابات الحالة النفسية مع انقسام في فكر المريض وأفعاله ورغباته. فإن المتلقي لهذا العمل سيكتشف بأنه أمام شخصية مصابة بالفصام منذ البدايات، ويتأكد له الأمر في نهاية الرواية ص124 (في المساء حين ينبطح سمير إبراهيم، أو سمير عبد الكريم أو عبد الكريم سمير، ما الفرق؟) فشخصية سمير إبراهيم وعبد الكريم إبراهيم ما هي إلا واحدة انشطرت لاثنتين سمير وعبد الكريم.

ويتجلى انشطار الذات في رواية الشظايا والفسيفساء من خلال سياق طموحها للوصول إلى حالة الاستقرار النفسي وملء الفراغ. ففي ص8 ما جاء على لسان عبد الكريم الذي ترك بيروت قادما إلى عمان باحثا عن الاستقرار (اكتشفت أن لا مجال لقتل الفراغ والخواء والملل إلا بأسلوبين: إدمان العمل، أو الاستجارة بالخمر).

والتنقل ما بين الماضي والحاضر تنشطر ذات السارد لتصبح الرواية لمحات سريعة من أزمنة متفاوتة وأمكنة متفاوتة أيضا ففي ص67 على لسان سمير(1970 اجتزت الحدود إلى دمشق ثم إلى بيروت 1982 من بيروت إلى قبرص..من قبرص إلى عاصمة الرفاق).

كما أن ما جاء في الرواية في بعض فقراتها من اختلاف التطور الحضاري كان له دور في انشطار الذات ويتضح هذا فيما جاء على لسان عبد الكريم ص12 (القاهرة تستقبل سارة برنار في الأوبرا. وفي هذه المنطقة من العالم كانت بعض القبائل تغزو الخط الحديدي الحجازي. قلت: ثمة تباين في التطور الحضاري).

كما أن اشتغال مؤنس بالتاريخ كان له أثر في توليد انشطار الذات ففي ص9 تحدث عن تاريخ عمان وقال بأنها بلا أصل لأنها كانت تجمع عائلات جميعها تدعي انتمائها إليها كمكان.

ومن تجليات انشطار الذات ما تم خلال استحضار المشاهد والأماكن من ماضي السارد وذكرياته ومقارنتها بالحاضر الذي تسبب بأهم مشكلاته النفسية ففي ص58 على لسان عبد الكريم عن سمير (بدأت ألاحظ أنني أنسى الوجوه وأنسى الحديث الذي بدأت به والأمكنة أيضا تتقمص ملامح غريبة عصية على ذاكرتي. لكنني أذكر صور ووقائع الماضي البعيد بصورة مذهلة . المشكلة تتعلق بالحاضر، أشلاء وشظايا فسفسائية).

كما أن الشعور بالاغتراب والوحدة والرفض عند السارد سمير ما هي إلا نتاج مواقفه الرافضه لكل ذلك الخراب والانهيار الذي أصاب واقعه بل وامتد إلى الواقع العربي فالأحزاب لم تعد أهدافها نبيلة والانتهازيين سيطروا عليها، كما سيطرت الإقليمية الضيقة على التوجهات داخل الحزب. والتحول النضالي الحزبي لدى المناضلين والقوميين إلى الأعمال التجارية والإقتصادية بل ومحاولتهم طمس ماضيهم النضالي.وسيطرة التلفزيون واللاقط والعاب الكمبيوتر على عقول الناس وخصوصا الشباب حتى أن مؤنس توقع أن الكتاب لن يهتم له أحد في القادم من الأيام وهو بالفعل ما حصل. كل هذا وأكثر أدى إلى انهيار وانشطارذاتي لشخوص العمل.

وقد غصت الرواية بأعراض الفصام تمثلت بالتخيلات غير الطبيعية والهلوسات والتوهمات وميل الشخوص إلى العزلة وفقدانهم المتعة تجاه الأشياء وغيرها من الأعراض التي كانت تجلت للمتلقي من خلال الشخصية الرئيسية سمير ووجهه الآخر عبد الكريم.

أما ثيمة التشظي فإنها تحكم قبضتها بقوة على الرواية والتشظي فقدان الروح أثناء تجارب الإنسان مثل التعرض للصدمات النفسية والحوادث والتعرض لخسارات كثيرة. والتشظي في رواية الشظايا والفسفساء كان أحد إفرازات التجربة السياسية التي تعرض لها شخوص روايته وتأثر من حولهم بها. فسمير يؤثر على أولاده وخصوصا ابنته رانية وكذلك أخته سميرة وشخصية سمير كما ذكرنا سابقا تحل محل شخصية عبد الكريم والعكس. فأبطال مؤنس مسكونون بالتشظي حالهم حال الأمكنة التي يتواجدون بها والأزمنة أيضا. ولعل أحد أسباب هذا التشظي القمع السلطوي ومن أمثلته ما جاء على فم الأستاذ الذي استجار بعمان بعد هروبه من مصر وكان نائب الرئيس جمال عبد الناصر ص14 (فتح الأستاذ فمه ليتكلم.. إنه عاجز عن الكلام لأسباب أمنية). فالأستاذ لم يتكلم لأنه خاف على نفسه من قبضة السلطة.

والقمع عند مؤنس تجاوز الواقع ليدخل الأحلام على شكل كوابيس. وتنوعت صور القمع حتى وصلت إلى أفراد الحزب الواحد. فعند زيارة عبد الكريم للدكتور عبد الرحمن اعترف له بأنه يتعاطى أقراص المنوم ليقتل الوقت وحدثه عن كوابيسه الغريبة ومنها اختطاف الرفاق له من حزبه القديم وتعليقه على صليب وتقطيع أصابعه بكل بهجة.

كما وتطرق إلى خيانة الرفاق لبعضهم في نفس الحزب ففي ص67 عن أحد الرفاق (فرّ من أحراش جرش إلى عاصمة الرفاق. استقبلوه استقبال الأبطال ثم أعدموه.

وعن رانية الصغيرة ابنة سمير ص30 التي اكتفت بمحاورة الكبار فقط بحركات الأصابع وتجنبت استخدام اللغة المقموعة (رانية لا تتواصل معي إلا عبر اللعب.. ملامحها تشي أثناء اللعب الصامت بأنها مهتمة جدا ومستغرقة بلغة التواصل عبر الحركة والأصابع..لا عبر اللغة المحكية المقموعة). وهنا اضطر سمير أن يصطحبها معه إلى طبيب نفسي. وعلى لسان سمير ص67 (أخذتها بالقوة وأخذت نفسي أي طبيب أعصاب. قلت له إننا مشوهان). والتشوه هو تشوه للذات التي تشظت وتفتتت بسبب القمع وعدم القدرة عن التعبير الحر.

ومن عوارض التشظي التي سيطرت على شخوص مؤنس والتي تجلت في الرواية المعاناة من الإدمان على الخمر وهذا ما كان بالضبط يعاني منه سمير حتى أن زوجته انفصلت عنه بسبب هذه العادة وأولاده يحاولون منعه من هذه العادة. ومنها ما جاء على لسان سمير ص76 (الصغيرة رانية تقف بالباب وتحدق إلي، تحملق بي،في عينيها فضول ورعب،وأنا أقف على حافة انهيار جسدي ونفسي،وأحدق إلى أعماقي المشظاة المنكسرة..الخمر ملاذ). وفي ص77 على لسان سمير أيضا (أبول على عقبي .أحس أنني متناثر أصبو إلى الاستعاذة بمزيد من مشروب العرق).

ومن عوارض التشظي التي وردت في الرواية أيضا حالة المعاناة من الخدر والقلق واللامبالاة التي كان يعاني منها سمير ففي ص8 عندما كان عبد الكريم يقنع سمير بالانضمام إلى حزبه (قال وهو يتداعى على سريره بلا مبالاة :إن كلامي ليس سوى قصيدة شعر وإنشاء) وهذا الرد ينم عن يأس من واقع الأحزاب وأنها أصبحت مجرد شعارات جوفاء لا طائل منها.

كما أن عبد الكريم الوجه الآخر لسمير يعاني من الضيق الروحي والوهن والفراغ والرغبة في الانتحار وهذا كله من عوارض التشظي. ففي ص16 ما جاء على لسانه (ثمة رياح باطنية لا تهب ولا تندفع. تتوارى في جنين الحاضر الخفي.. هوة سحيقة من الفراغ. أصبح الوقت عدوي الأخطر..تدريجيا لا أدري بالتحديد. بدأت فكرة الانتحار تستحوذ على عقلي).

وفي شظايا الفسيفساء ص67 يكشف الخراب والإنهيار في الوطن (شروخ في فسيفساء الوطن الأم، الوطن الأم يجهض الأجنة، ويئد المواليد) فوطن مثل هذا الوطن مصاب بكل تلك الشروخ والخراب لا بد بأن ينعكس حاله على الحالة السيكولوجية لأبنائه.لذلك كان شخوص مؤنس في رواية الشظايا والفسيفساء انعكاسا لواقعهم المنهار.

بقي أن نقول بان مؤنس الرزاز وجه من خلال الشظايا والفسيفساء نقدا لاذعا لأمور كثيرة منها الإنتخابات النيابية وتحكم العشيرة بها.

كما أنه عرى السلطة وكشف الكثير مما خفي على العامة وأشار إلى الفساد المتغلغل في مؤسسات الدولة. وبعد كل هذا الخراب والانهيار والتشظي والخواء كان لا بد لمؤنس الرزاز بأن ينهي حياة بطله بالإنتحار ففي نهاية الرواية ص133 على لسان سمير إبراهيم أو عبد الكريم إبراهيم. لا فرق كما ذكر مؤنس (أمام فندق الأردن في جبل عمان . وجدتني كالملتاث لا أدري من أين حصلت على البنزين.بدأت أستحم به .سكبته على رأسي وهرعت مثل الومض نحو السفارة الأمريكية. رقصت في غمرة اللهب رقصة بدائية وحشية..فتاة بلا ملامح تحمل ملامح رانية بزغ وجهها من بين اللهب،هتفت تحتج ضد أمريكا.زقالت السفارة الأميركية رحلت من هنا إلى عبدون منذ سنة..وكان أوان اللهب قد فات).

*** 

قراءة بديعة النعيمي

يشتغل الناقد المصري محمد الشحات في مجال النقد الثقافي من خلال مجموعة من الكتب والدراسات نذكر منها: سرديات المنفى، الرواية العربية بعد 1967. الذي صدر عام 2006 عن دار أزمنة للنشر بالأردن، وسرديات بديلة، الصادر عام 2012، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، وكتاب هوامش ثقافية، تأملات في نصوص ومفاهيم نقدية، الصادر عام 2015، عن بيت الغشام للنشر بمسقط، سلطنة عمان. وسنحاول عرض بعض المفاهيم النقدية المرتبطة بنشاط النقد الثقافي عند محمد الشحات.

فمنذ ظهور كتاب النقد الثقافي "قراءة في الأنساق الثقافية العربية" للناقد السعودي عبد الله الغذامي في طبعته الأولى عام 2000 ، والكتابات النقدية العربية تظهر يوميا محاولة تبني هذا المنجز وتطبيق مقولاته في قراءة نماذج من الأدب العربي القديم والمعاصر. شعرا ونثرا ومسرحا وخطابات أخرى منها خطاب الصورة والأغنية وغيرها.

كما إن هناك دراسات نظرية قدم أصحابها شروحا لمعالم النقد الثقافي والتعريف بحدوده المنهجيّة، وعرض المفاهيم والمصطلحات التي تتقاطع معه مثل الدراسات الثقافية والتاريخانية الجديدة والنسق الثقافي وما بعد الكولونيالية. ومن هذه الكتابات منجز الناقد المصري محمد الشحات، الذي سنحاول مقاربة أهم الأفكار والآراء النقدية التي لها علاقة بنشاط النقد الثقافي.

يحاول محمد الشحات أن يقدم باقة من المفاهيم والتعريفات ذات العلاقة بالنقد الثقافي، محاولا الابتعاد قدر الإمكان عن السجال النقدي الذي ساد الخطاب العربي لسنوات والذي كان منصبا على قيمة النقد الثقافي، ومدى قبوله أو رفضه، والذي توزع بين موقف مؤيد وآخر رافض له،مما جعل محمد الشحات يتجاوز كل هذا اللغط الغير مثمر، مبيّنا أن " دراسات النقد الثقافي تنهض على تحليل الممارسات الخطابية التي تأتي إلينا في شكل أبنية مرتبطة بمفهومي المعرفة والسلطة معا. وما يفعله النقد الثقافي أو الناقد الثقافي هو أنه يهتم بالمضمرات الدلالية الكامنة وراء الخطاب الجمالي الذي يتجلى عبر مفهوم المتن أو النص قد صنعته المؤسسة بعلاقات إنتاجها المعقدة- فلا بد من توجه الباحث الثقافي نحو إلقاء الضوء على علاقة المعرفة بالسلطة والمؤسسة اللتين أسهمتا في تشكيل هذا الخطاب الجمالي أو ذاك على نحو من الأنحاء دون غيره."

يندرج موضوع النقد الثقافي عند محمد الشحات ضمن حدود البحث عن المضمرات الدلاليّة المختزنة داخل الخطاب الجمالي، مركزا على كشف العلاقات المتشكلة بين الخطاب والمؤسسة، والمضمرات الدلالية هو تعبير يحيل على مفهوم الأنساق الثقافية التي هي مركز القراءة الثقافية، وهي التي تتصف بقدرتها على الاختزان خلف البناء الجمالي واللغوي للنصوص الأدبية. وهذه ميزة مرتبطة بقدرة تسلل العناصر الثقافية إلى داخل الخطاب الأدبي والإنصهار ضمن العناصر الجمالية مما يجعلها صعبة الظهور والفهم والتأويل.

ويقدم محمد الشحات شرحا أكثر دقة لوظيفة النقد الثقافي، وعلاقته بالأنساق الثقافية، خاصة المضمرة منها؛ لأننا نعتقد أن الأنساق باعتبارها موضوعا للنقد الثقافي تنقسم إلى أنساق ظاهرة وأخرى مضمرة. يقول محمد الشحات"يمكن القول في البدء، إن مفهوم النقد الثقافي ينبني على ما يسمى نظرية الأنساق المضمرة التي هي أنساق ثقافية وتاريخية تتكون من البنية الثقافية والحضارية لأي مجتمع، حيث تتقن الأنساق إستراتيجية الاختفاء أو التواري تحت عباءة النصوص، ويكون لها دور في توجيه عقليّة الثقافة وذائقتها ورسم مسيرتها الذهنيّة والجماليّة."

تتصف الأنساق الثقافية بشكل عام بأنها أنساق ثقافيّة وتاريخيّة، لها علاقة عضوية بالبنيات الثقافية والحضارية لمجتمع ما. فهي قبل أن تنصهر داخل النص الأدبي، ذات وجود خارجيّ وجماعي يظهر عبر الأنماط الاجتماعيّة اليوميّة والسلوكيات الممارسة من قبل أفراد مجتمع معين. وما النص الأدبي إلا نسقا لغويّا وخطابيّا يسبقه نسق ثقافي خارجي يتحول إلى داخل النص متواريا خالقا نسقا ثقافيا مضمرا

ويربط محمد الشحات ظهور النقد الثقافي بالمرحلة التي جاءت في فترة ما بعد الحداثة، وأن وظيفته تنحو "نحو وظيفة التفسير/ التأويل سعيّا إلى إلقاء الضوء على ما وراء النصوص؛ أي ما يتوارى خلف الخطاب " discourse " من أنساق مضمرة وتشكيلات خطابية مسكوت عنها."

يربط محمد الشحات ظهور النقد الثقافي بالمرحلة التي أعقبت ما بعد الحداثة؛ بمعنى إن النقد الثقافي قد جاء في مرحلة "بعد" ما بعد الحداثة، والملاحظ أن لاحقة (بعد) الأولى تحيل على الحركيّة الزمنية وليس على التغير المعرفي والفكري الذي يتعلق بـ"ما بعد" الثانية. فما بعد الحداثة ليست هي الفترة الزمنية التي أعقبت مرحلة الحداثة فحسب، بل هي مرحلة تغيرت فيها كثير من الأنماط المعرفية والثقافية.

ويرى أصحاب النقد الثقافي والدراسات الثقافية أن النص عبارة عن وسيلة وأداة، لأن المهمة المنوطة بالناقد الثقافي هي الاشتغال على النص ليس كونه هدفا للقراءة، بل باعتباره مدخلا أساسيا للكشف عن المضمرات الثقافية، ويتكشف لنا هذا النص عبر ما تحيل عليه الثقافة من حيل وألاعيب هدفها هو تمرير هذه الأنساق.

ويرى محمد الشحات أن "النص" في النقد الثقافي عبارة عن وسيلة نكتشف بواسطتها حيّل الثقافة وألاعيبها في تمرير أنساقها، وهذه نقلة نوعية في مهمة أو وظيفة العملية النقدية، ذلك أن الأنساق هي المراد الوقوف عليها بالتفسير والتحليل والتأويل. من هنا يصبح النص في ضوء النقد الثقافي ليس معزولا بصفة كليّة عن علاقات إنتاجه التاريخية ولا عن نسقه التأثري كما اعتادت أن تقوم بذلك الكثير من المناهج الشكليّة والأسلوبية والبنيوية وغيرها بمضمرات الخطاب فعل إنساني تاريخي متأثر بالمجتمع ومؤثر فيه بالقدر نفسه....

يتعامل النقد الثقافي كما يرى محمد الشحات مع النص باعتباره يتضمن جملة من الأنساق التي تحتاج إلى كشفها ثم تأويلها، وذلك في ضوء السياق الثقافي والتاريخي والسياسي الذي أنتجه. ويتعامل النقد الثقافي مع مفهوم النص بعيدا عن المنظور الذي كرسته الدراسات النقدية منذ القديم، ويرتكز النقاد الثقافيون في تحديد ملامح النص ومعالمه على المقولات المركزية للتاريخانية الجديدة، خاصة مقولتي: "تنصيص التاريخ وأرخنة النص."

ويهدف محمد الشحات إلى عدم الإكثار على القارئ وإغراقه في الكثرة المفرطة من المصطلحات والمفاهيم التي قد تتداخل فيما بينها وتستشكل عليه، لا سيما عندما يتحدث عن العلاقة بين التاريخ والسرد والتاريخ والنص وموقعهما بين مجالي النقد الثقافي والتاريخانية الجديدة. ومنه يرى أنّ "التاريخ نص، والنص ليس سوى تاريخ، وبلغة أخرى، فالتاريخ سرد والسرد تاريخ، أو هو مقولة سرديّة بمعنى واسع..."

وقد حاول بعض النقاد العرب المهتمين بالنقد الثقافي استثمار العلاقة الموجودة بين السرد والتاريخ والسرد والثقافة في الاشتغال في الدراسات الثقافية ونذكر منهم محمد الشحات ومحمد بوعزة في كتابه "سرديات ثقافية" ورامي أبو شهاب في كتابه "الممر الأخير، وأدريس الخضراوي في كتابه سرديات الأمة ووحيد بن بوعزبز في كتابه جدل الثقافة، وعبد القادر فيدوح في كتابه تأويل المتخيل...مما وفر للقارئ منجزا نقديا يمكنه أن يؤسس لتوجه السرديات الثقافية العربية.

وكثيرا ما تناقش العلاقة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي من منظور تعارضهما من الناحية المنهجية، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة وتصحيح لبعض الهنات المعرفية، حيث لا يمكننا أن نتعامل مع النقد الثقافي باعتباره مجالا نقديا مستقلا عن التطورات المعرفيّة والمنهجيّة التي يعرفها النقد الأدبي عبر مراحل تطوره، وتحديدا مع مرحلة ما بعد الحداثة، وما رافقها من مراجعات لكثير من المفاهيم أهما مفهوم الأدب. ولهذا فليس النقد الثقافي نقيضا منهجيا ومعرفيا للنقد الأدبي؛ بل هو دعوة إلى مراجعة كثير من المفاهيم التي سادت داخل النظرية الأدبية لقرون طويلة.

لهذا فهناك من النقاد من يعتبر أن النقد الثقافي سوف يحلّ محل النقد الأدبي، كونه قد وصل إلى حد التشبع النظري والإجرائي. لكن هذا الموقف يبقى نسبيا لأننا لا يمكن أن نتهم النقد الأدبي بتخمة نظرية وإجرائية بمثل هذه السهولة، إذ يتطلب ذلك أن نقول بأن النقد الثقافي هو مرحلة مفصلية من مراحل النقد الأدبي وليس إنهاء لدوره النظري والإجرائي.

ويرى محمد الشحات أن "النقد الثقافي مشروع في نقد الأنساق في المقام الأول، وهنا تكمن أحد التحولات الجذريّة التي يفترق فيها النقد الثقافي عن النقد الأدبي، على اعتبار أن النقد الأدبي يعنى بنقد النصوص الذي هو بحث في الجماليات والمجاز والأسلوب، لذلك سوف يصبح مفهوم المجاز الكلي من حيث هو مجاز يتحرك على محوري التركيب والدلالة معا، بديلا عن المجاز البلاغي."

وما يجب التشديد عليه أن النقد الثقافي لا يرفض المناهج الأدبية بل يحاول توظيفها والاستفادة منها وفق المبحث الثقافي الذي يشتغل فيه / عليه؛ بمعنى أن النقد الثقافي يحتاج على المستوى التطبيقي التوسل ببعض المناهج الأدبيّة التي لا تتعارض وبعده المنهجي، مما يستدعي مداخل قرائية ذات أبعاد اجتماعية وثقافية.

***

طارق بوحالة

 

(للحمار ذيل واحد لا ذيلان) للأديب قصي الشيخ عسكر

السخرية الانتقادية اللاذعة، هي حافز للحياة العابسة والمتوحشة تجاه المواطن، فيجد المتنفس الوحيد بعدما سدت كل الطرق في وجهه ان ينتهج هذا الأسلوب من الاستهجان والسخرية والادانة ايضاً، بالمعنى التعبيري في السرد الروائي على لسان الحمار (الضمير المتكلم) يضعنا امام فداحة الاحداث العاصفة التي تدور خلف الكواليس، بالمعنى والإيحاء والرمز البليغ الدال، حين تشذ السلطة الشمولية عن المنطق والمعقول، تضع نفسها في مهزلة الكوميديا السوداء، لأنها تضع المواطن مجرد رقم لا يشكل شيئاً، ليس له إلا الولاء المطلق للسلطان العظيم، الذي يعتبر فريد زمانه وهبة الهية من السماء الى الأرض، وما على اصحاب الارض سواء الخضوع والسجود وترتيل اناشيد المجد للقائد الأوحد المعظم، وإذا كان المواطن خارج أوامر

 الطاعة للسلطان، فالواجب أن تجري له عملية غسل الدماغ، ليكون في هيئة إنسان غارق في المهانة والإذلال، أو انه يستحق الفناء والموت. على المواطن أن يلتزم حرفياً بثقافة وإعلام النظام المهرج بالغثيان والمهازل، أن يتعلم ثقافة تمجيد القائد أو السلطان العظيم، تلك هي يوميات الحمار الذي ولد في ذيلين لا ذيل واحد، يسرد احداثها بلهفة مرهفة، في الاسلوب التراجيدية السوداء أو الكوميديا السوداء، وفق المعطيات للأحداث الواقعية، بما يدور داخل قصر السلطان وخارجه. نجد الفرق الشاسع بين السلطان ورعيته، فهو في وادٍ ورعيته في وادٍ آخر تماما، لا يلتقي مع وادي السلطان والسلطانة والحاشية والاعوان. في ممارسة نهج الترغيب والترهيب، إذا لم يأتِ باللسان فالسيف جاهز للقطف والحصاد (ارى رؤوساً حان قطفها) بالنسبة لصنف البشر، ولكن تعدى هذا النهج ليشمل صنفان البشر والحمير معاً، رغم ان الحمير مسالمة لا تدخل في المناكفات السياسية والحزبية (نحن الحمير نؤمن بالمدرسة الواقعية، أقسم أن البشر جميعاً لا يفهمونني حين أسبهم، لأنهم لا ينتمون للمدرسة الواقعية، وإن إدعوا فمن باب الدجل والتمثيل) ص11.

 يوميات الحمار بطل السرد الروائي تنقسم الى قسمين. لنتحرى محتويات هذين القسمين:

القسم الاول:

يتحدث السارد بصوت الحمار الذي ولد في ذيلين وليس بذيل واحد، وهي نتيجة منطقية في مجتمع يعاني من الازدواجية والفهم والمعايير، في سلطة تمارس القبضة الحديدية مع صنف البشر، هذا الحمار ذو ذيلين يتعرض الى كمين الاختطاف ويجلب الى قصر السلطان، كالمعارض السياسي الذي يتعرض الى كمين الاعتقال من قبل رجال الأمن، ووضعه في قفص ذهبي وأجلسوه على صفيح ساخن ويمارس ضده أبشع وسائل التعذيب النفسي والجسدي، ومواصلة التحقيق معه حتى يعترف بما يريدون.

(اعترف..!! ماذا اقول؟

- أنتميت الى حزب سياسي؟

- كلا

أعقب: نحن الحمير لا نؤمن بتعدد الاحزاب. وننتمي الى حزب واحد يحكم كل جنسنا.

- ماذا تذكر؟) ص25. ومن اجل التخلص من أي مأزق وورطة يقع فيهما، قد يدفعه الى مخاطر جمة تضيع حياته، يتخذ امام المحققين أسلوب الغباء والذكاء، الأول لا يفهم ما يدور، ولا يفهم شيئاً حوله سوى النهيق. والثاني يفكر بالخروج الآمن من المأزق أو الورطة العويصة. ومن وحشية المعاملة ضده، فكر ان يتناول السم افضل من هذا الجحيم، وتجري عليه عمليات غسل الدماغ، ليكون مؤهلاً في جوقة المطبلين والزاعقين في مهرجانات التهريج المنافق: عاش السلطان.. عاش الحمار. ويجلب الى قصر السلطان ويطلع على الاسرار الخفية، كيف تدار شؤون البلاد، من قبل سلطان دموي لم يتوانى ان يقترف اعتى الجرائم والحروب بدم بارد. ينتهج أسلوب الترغيب والترهيب، ويعرف كيف السلطان العظيم، يدير شؤونه بالغيبيات وقراءة النجوم والكف ويسترشد بما يتفوه به العرافين، وله عراف يطلعه على الاسرار في كل صغيرة وكبيرة. ذات يوم دق العراف ناقوس الخطر الوشيك على سلطانه المجيد وعلى السلطانة زوجته. بقوله (الحمار ذو الذيلين شؤم.. الحمار ذو ذيلين شؤم.. إن لم تتخلص منه خلال عشرة أيام، ماتت زوجتك وفقدت سلطانك.. الحمد لله الذي بعثني لإنقاذ عرشك واشفي زوجتك) ص43. تلبس الخطر والرعب الشديد روح وملامح السلطان من هذا الحمار المشؤوم والنحس، لابد من إصدار قرار يحدد مصيره، ودعى بقرار مستعجل الى عقد جلسة طارئة للبرلمان للقادة والأمراء البلاد، لمواجهة هذا الخطر الوشيك على عرشه المقدس، وفي اليوم التالي جاءوا قادة البلاد ووجوههم يتطاير منها شرر الرعب والخوف الشديدين، بهذا دعوة الطارئة، تيقنوا بأن السلطان يعتزم شن حروب جديدة، او قد تكون هناك كارثة قد تقع، أو ربما اقامة حفلات الاعدام التي تعود على اقامتها، وكل منهم يتحسس رقبته قد يكون الضحية القادمة (في اليوم التالي عقد البرلمان جلسته الطارئة بدعوة من السلطان!! رجال مختلفوا الأشكال والألوان والهيئات يدخلون القصر. يجلسون على المقاعد المخصصة لهم سلفاً،يبدو على وجوههم آثار الجد والاهتمام.. كانوا متلهفين الى سماع الخبر الجديد الذي دعاهم السلطان من اجله على حين غرة.. قرأت عيون المجتمعين رأيت الدهشة مرتسمة على الوجوه) ص44. تطلع السلطان بهم وشرر والغضب يتطاير من ملامحه المفترسة بهم، تيقن كل واحد منهم، سيكون حتما من ضمن حملة الإعدامات، وكان الخوف والرعب في القاعة يرجف قلوب الجالسين، مما دفع احد الحاضرين ان يزيح الرعب والخوف عن كاهله، ووقف بين الحاضرين وطلب من السلطان أن يسمح له بالكلام (يا سيدي السلطان اطلب الرحمة، وإذا أردت أن أعلن أسماء المتأمرين.. فأنا على استعداد..) ص44. قمة الكوميديا السوداء بسخرية الزمن الاحمق، بأن السلطان كان هدفه من الاجتماع، بهدف مناقشة مصير الحمار ذو ذيلين، وإذا به يكتشف خيوط مؤامرة تحاك ضده بالمصادفة، ويعود الفضل الكبير الى الحمار ذو ذيلين، مؤامرة لم يكتشفها اجهزة مخابراته ولا الاجهزة الارهابية والقمعية، وعيونها دائماً مفتوحة، وترصد اية شبهة. أمام هذا الذهول والدهشة في ملامح السلطان، لكنه تقمص بالصرامة والجد بأنه ليس غافلاً بما يجري، بل يعرف تحركات كل واحد في القاعة. وواصل هذا المتآمر كلامه وهو في خوف وحزن وأسى (قالوا السلطان أخفق في كل شيء.. أزمات تزداد يوماً بعد آخر.. المواد مفقودة في الأسواق.. السرقات تنتشر في البلاد ليل نهار.. واتهموا السلطان المعظم، بأنه استورد حماراً عجيباً لغرض إلهاء الناس) ص45. هنا المقصود في رمزية الحدث، هو اشارة صريحة الى مجزرة (قاعة الخلد) المشؤومة حيث أعدم نصف قيادة حزب البعث، ومئات الكوادر المتقدمة في الحزب والدولة، بحجة المؤامرة المزعومة لقلب نظام الحكم، وانبرى احد الحاضرين في القاعة برفع يده بالكلام، واقترح اعدم لكل الخونة والمتآمرين، وقوبل الاقتراح بالاصوات المؤيدة المدوية في القاعة. الموت للخونة والمتآمرين. الموت للمجرمين. عاش السلطان.. عاش الحمار، انفتحت اسارير السلطان بالفرح والابتهاج وانه سينفذ الإعدام حالاً بالموت والزقوم لكل الخونة والمتآمرين.

اما بالنسبة الى الحمار ذو ذيلين اقترح عليه العراف ان يرسله الى الدولة المجاورة، الى السلطان الدولة المجاورة، بذريعة الهدية، بعد أن أنهكتهم الحروب بينهما،ومن أجل وفتح صفحة جديدة من العلاقات والصداقة الجديدة، وان يكون الهدية الحمار النحس، ربما يجلب الشؤوم للسلطان المجاور بالهلاك.

القسم الثاني:

وجد الحمار ذو ذيلين نفسه في حضرة السلطان الجديد، وشعر بحزن نفس النهج والأسلوب والتعامل السابق، كأنه نسخة طبق الاصل حرفياً، وكذلك في ممارسة نهج الترغيب والترهيب والبطش والتنكيل. وممارسات الاجهزة الامنية في انتهاك القيمة الانسانية بالظلم والحرمان، ولكن سخرية القدرة ومهزلته السوداء، بأن عقلية السلطان الجديد لاتختلف عن عقلية السلطان القديم. في الاعتماد على قراءة الكف والنجوم، والاسترشاد بالعرافين في إدارة شؤون السلطان والسلطنة. والحمار يشاهد ما يجري من مهازل ومهاترات. وسط دهشة وذهول واستغراب. فمرة وجد السلطان والعراف في نقاش، بأن جلالة السلطان قرر ان يتزوج من فتاة جميلة وكذلك يتزوج العراف في نفس اللحظة، ويكون ابن العراف ولي العهد (- سيكون ابنك ولي العهد

أصطنع العراف الدهشة وسأل بغباء.

- ماذا يعني يا جلالة السلطان؟

- أعني يكون منك ولد يحمل أسمي.

العراف يكاد يتهاوى أو يغمى عليه من المفاجاة.. أنا فاغر فمي اكاد لا اصدق. الملك رابط الجأش بعيداً عن الانفعال.. أخيراً يستعيد العراف وعيه ويسأل:

- الطبيب يعرفك عقيماً.

قال السلطان ببرود:

- دع الامر لي) ص74.

وتم أمر الزوج للسلطان العينين والعقيم، واتفق مع العراف بأن ابنه هو ابن السلطان ومن زوجته الفتاة الجميلة وليس من زوجة العراف، ولكن مهزلة الكوميديا السوداء، بأن زوجة السلطان اصبحت حاملاً بجنين، ومن اجل اخفاء الجريمة قتل العراف وزوجتة والطبيب، أصاب الرعب الحمار بأنه سيكون الجثة الرابعة من هذا القتل، وبعد ذلك اعلن السلطان، بأنه اكتشف مؤامرة لقلب نظام حكمه وسلطانه، عناصرها: العراف وزوجته والطبيب، وإن عيون السلطان ساهرة، تتربص المتآمرين والخونة، أعلنت الاعياد والافراح والابتهاج في كل انحاء البلاد، بأن الله تعالى حفظ السلطان من كيد المتأمرين الخونة. وأودع الحمار السجن. ولكن بعدما هدأت الاعياد والافراح بانتصار السلطان العظيم على اعدائه، توسل الحمار بالسلطان ان يطلقه من السجن لانه سئم معاشرة صنف البشر، وان يعيده الى صنف جنسه ليستنشق الحرية، بعد العبودية والاذلال، وان يعيد الثقة الى نفسه بأنه من صنف الحمير وليس من صنف البشر، وحال أطلق سراحه اختفى الذيل الثاني، وصبح بذيلٍ واحد (كنت اركض على الرغم من ألمي كأي حيوان عادي. وأنا أتحسس الارض واشم الآثار لاصل الى اقرب مزرعة أو غابة اعيش فيها بقية عمري بعيداً عن مشاكسات بني آدم) ص103.

***

جمعة عبد الله

(حتى الريشة كانت حاضرة بقوة في أدب المقاومة زكي سلام نموذجا)

لا شك أن خصوصيات التجربة الفلسطينية في عالم الكتابة في ظل الحصار المشدد على الكُتَّابِ، لها ميزة خاصة، لأن "الأرض" هي القيمة الأساسية، والصراع كله كان ولا يزال يدور حول الأرض، فقد تميزت الحركة الأدبية التي لازمت الثورات بنوع من الثورية، حيث كان الأدباء يتبادلون الرسائل يعبرون فيها عن الجرح وألمه ومواجهته بالمقاومة، ذلك ما نلمسه عند كثير من أدباء المقاومة الفلسطينية، وأدب الثورة في فلسطين كان له اثر بليغ في نفوس الأدباء العرب، وعلى سبيل المثال وقعت بين أيدينا رسالة الشاعر الفلسطيني الثائر محمود درويش التي كتبها إلى رفيق دربه سميح القاسم عام 1987، حملت عنوان: " منذ البداية" بمناسبة تأسيس الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين وكان محمود درويش هو رئيسه، الحقيقة أن أدب المقاومة لم يكن كتابة فقط، بل كانت الريشة حاضرة بقوة في لوحات الفنانين التشكيليين الفلسطينيين ومنهم الفنان التشكيلي زكي سلاّم الذي يعد سفير القضية الفلسطينية في عالم الفن التشكيلي

يقول محمود درويش في رسالته وهو يقاسمه المعاناة وقتما كان الصراع ولا يزال محتدمًا على الجبهة الثقافيّة بين مشروع التهويد، والاستلاب، والعدميّة، والتغريب.. وبين وعي الهويّة والحريّة، فهو يرى أن ما يحدث ليس عاديا لأنه في ظروف غير عاديّة، أن ينجح الكتّابُ في تأسيس أوّل اتّحاد للكتاب العرب في الوطن، بعد أربعين عامًا، فينصحه بأن لا ينظر إلى الوراء إلّا ليعرف أين وصلتْ بهم الطريق، لأن للأعداء حساباتُهم، فأربعين عاما من محاولة تهويد الأرض، واللغة، والصراع على البقاء عن ولادة أوّلِ اتّحاد للكتّاب الذين كانوا مرشّحين للالتحاق بما تحدّده الدبّابة من حدودٍ للهزيمة النفسيّة والأدبيّة ليس عاديا.

في النشاط الثقافي الفلسطيني كما يقول محمود درويش، كانت الكلمة هي الفعل، لا حدودَ بينهما، ولا حدودَ بين الجسد واللغة، وذلك ما جعل الأغنيةَ وطنًا وما جعل الوطنَ أغنية، كن النشاط جماعيا تمثل في النشيد الذي لا يزال مفتوحًا على أفق الحريّة داعيا إياه وهو يشد على يديه أن يترك باب الاتّحاد مفتوحًا على مصراعيه لكلّ من يخالفُهم الرأيَ والعقيدة، هذه الرسائل حسب النقاد تدخل في إطار أدب الثورة أو أدب المقاومة، وسمّاه البعض بأدب السجون والمعتقلات، وآخرون أعطوه أسماء عديدة، حيث أطلقوا عليه اسم أدب المنافي وأدب الانتفاضة وأدب النكبة، وهذا النوع من الأدب يعبر عن الثقافة المجتمعية، هذه الثقافة وحدها كما يقول بعض الأدباء تؤسس للمقاومة.

ويعتبر أدب المقاومة أدب التعديل في صراع الأنا وكشف الآخر ومواجهته، والانتصار عليه، كما يمكنه أن يحقق أهدافا من خلال مناهج متباينة، فهو بمثابة الدعوة إلى النضال وتوثيق التاريخ ونقل المعاناة، والدعوة إلى الصمود ورفض الهجرة ورفض التعامل مع المحتل، واللجوء إلى الكفاح المسلح، علاوة على تمجيد البطولات، مما جعل العديد من النقاد يسلطون الضوء على هذا النوع من الأدب، الذي بدا لأول وهلة لونًا جديدًا من ألوان الأدب الحديث، ليشمل أسماءً لمبدعين في عالم الشعر والرواية والمسرحية والقصة أمثال سميح القاسم، كما ظهر في تلك الفترة العديد من شعراء الثورة أو المقاومة أمثال إبراهيم طوقان، وعبد الرحيم محمود، الذي اشتهر بقصيدته "الشهيد"، ولم يستثن أدب المقاومة الكتابات النسوية، حيث شكلت كل من الروائية سحر خليفة مع الشاعرة فدوى طوقان القاسم المشترك في حمل رسالة الدفاع عن الحرية بكل أشكالها بدءًا من حرية الوطن وحتى حرية المرأة.

بالنسبة للمقاومة الفلسطينية يقول الباحثون أن أدب المقاومة الفلسطينية تأثر بالمراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها الثورة الفلسطينية، وقد خاض كثير من الكتاب والأدباء في هذا مجال وكتبوا بحرقة عن أدب الثورة والمقاومة على غرار الكاتبة الفلسطينية عائشة عودة التي فازت بجائزة ابن رشد التي أعلنتها مؤسسة ابن رشد للفكر الحر في برلين 2015 في مجال أدب السجون، وكتابات عائشة عودة تعتبر جزء مما أصدره كتاب وروائيون رجال في هذا المجال، حيث نقرأ لبرقوق نيسان وتصور شخصية الفلسطيني التي تتسم بالتحدي والمقاومة بعد عام 1967، كما نقرأ في رواية جبرا إبراهيم جبرا بعنوان "صيادون في شارع ضيق"، وهي رواية تحمل هموم القضية الفلسطينية والقضايا العربية، ورواية إيميل حبيبي بعنوان "سداسية الأيام الستة" في عام 1967، ثم رواية المجموعة 778 للروائي توفيق فياض، ورواية "وإن كنت الليل وحيدا" للروائي نواف أبو الهيجا وغيرهم، وهم يمثلون جيل ما بعد النكبة،.

والحديث عن أدب النكبة يطلق على مجموعة الأحداث والمجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية بحق الإنسان والأرض في فلسطين عام 1948 وما سبقه، فمعظم الكتابات الفلسطينية تدور حول أدب النكبة، وقد ركزت هذه الكتابات على نوع خاص من الأدب، ألا وهو أدب "الهجرة"، فأكثر ما تناولت الرواية الفلسطينية هي تصوير النكبة وأحداثها ورسم الصورة الواقعية لمخيمات اللاجئين، ومن الأسماء البارزة في عالم الرواية الفلسطينية نقف رواية "الطوق" للروائي "غريب عسقلاني"، الذي تعبر كتاباته عن مسيرة الشعب الفلسطيني واللاجئين، بحكم ارتباطه بمخيم اللاجئين وحياتهم ومعيشتهم اليومية في المخيم، لقد كان غريب عسقلاني من الروائيين الذين أسسوا للمشهد الأدبي في فلسطين، فيما يرى بعض النقاد أن الكتابة عن أدب المقاومة بعيد المنال، لأن الكتابة عن المقاومة لا يكون إلا بعد الانتقال بها إلى حيز الفعل والتطبيق، والتأسيس لها ذهنيا ووعيا ويقينيا في ثقافة تقوم بتنظيم الذاكرة الجماعية وتعزيزها والحفاظ عليها.

و يمكن القول أن هذه الرسائل كما تم ذكره آنفا تعد من ضمن الأعمال الأدبية التي تتميز بالرمزية ، حيث اتخذ الأدباء الفلسطينيين "الرمز" كأداة للكتابة في ظل الحصار المشدد عليهم وتقييد حريتهم في التعبير والكتابة، استعمال "الرمزية" من أجل مواصلة إبداعهم، فتجدهم يركزون على الأمثال الشعبية لخدمة الفكرة المسيطرة على القصة، أو الحديث عن الأم وابنها مثلما هو الشأن في قصة "أم الخير" الرمزية، وهي امرأة ترمز إلى فلسطين، وابنها هو الفلسطيني، وآخرون اعتمدوا على رسوم الحيوانات مثل رأس الغراب أو الذئب، وهذه الفئة هي الأكثر تأثرا بالأسلوب الرمزي، أما مصادر أدب المقاومة فهي متنوعة منها الواقعية، التاريخية والدينية وغير ذلك.

فقد امتزجت روح الشعراء الفلسطينيين في روح واحدة مثلما امتزجت دماؤهم، فكانوا كلما تألمت روح تألمت الروح الثانية لألمها فكانت الرد القوي، وقد عرف سميح القاسم بقصائده الثورية، وقد اشتهر بقصيدته: " منتصب القامة أمشي" وكانت مؤثرة جدا، إذ يقول فيها: (منتصبَ القامةِ أمشي مرفوع الهامة أمشي، في كفي قصفة زيتونٍ وعلى كتفي نعشي، وأنا أمشي وأنا أمشي..الخ)، هكذا كان أدب المقاومة، يقول بعض النقاد أن القصيدة الثورية توقفت عند الشاعرين سميح القاسم ومحمود درويش، وبقيت القصيدة الفلسطينية يتيمة من شعرائها، وقد وصف الكاتب عصام خوري المراسلات التي كانت تتم بين محمود درويش وسميح القاسم بأنها كانت حالة أدبية نادرة وخاصة بين شاعرين كبيرين قلما نجدها في التاريخ، لكن الواقع وما يمكن قوله هو أن أدب المقاومة لم يكن قصيدة أو قصة أو رواية أو مسرحية فقط بل كانت الريشة حاضرة بقوة في لوحات الفنانين التشكيليين الفلسطينيين ومنهم الفنان التشكيلي زكي سلاّم الذي يعد سفير القضية الفلسطينية في عالم الفن التشكيلي، فقد كانت منحوتاته تعبر عن رسالة إنسانية لكل الشعوب المضطهدة، وقد اثرت لوحاته الساحة العربية.

***

علجية عيش

هل يأتي الموجود من اللا موجود؟

كان الشاعر الألماني الكبير هولدرين يؤكد على أن الشاعر ربما ينضج مشروعه الشعري بعد سن الخمسين، وهذا ما لا يتفق مع رأي الشاعر الإنكليزي ت س إليوت الذي يرى أن موهبة الشعر تبدأ في بداية العشريات من عمر الشاعر لتتوقّف بعد ذلك.

والاختلاف هنا يرجع لمعنى الشعر، الذي يراه هولدرين تنقية للوجود من الشوائب العالقة فيه، ويعني الأفكار الصغيرة التي لا ترتقي إلى الأسئلة الكبيرة في الفلسفة التي تذهب إلى العمق في تفسير الظواهر من أجل ترميم العالم من تصدعاته، أما ت س إليوت فيستفيد من بزوغ نجم الشاعر الفرنسي رامبو في عمر مبكر من كتابة الشعر والذي سرعان ما انطفأ، لكنه ترك أثرًا عظيمًا في كتابة الشعر مخلفا كتابيه "الاستشراقات" و "فصل في الجحيم" مع مجموعة قصائد لم تنشر أثناء حياته".

ويبدو أن الشاعر خالد الحلي ينطبق عليه ماذهب إليه الشاعر هولدرين حسب ما كتبت أعلاه، ففي مجموعته الشعريّة الجديدة الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين في بغداد للعام ٢٠٢٢، والتي حملت عنوان " مطرٌعاطر"، يواصل مشروعه في الكتابة التي تسعى دائماً إلى أن تكون أشبه بالوجود الصغير الذي يقيم فيه سؤاله بحياديّة ومهارة وخبرة صقلتها التجارب والسنين، خاصة في انتقاء الكلمات التي تتطابق بحساسيتها مع بعضها، مما يخلق جملاً قصيرة تنساب بموسيقى سريعة لتنتهي بسؤال.4737 خالد الحلي

وعلى سبيل المثال، نجد ونحن نقرأ قصيدة "زوايا مختبئة" في المجموعة، أن عنوانها يوحي بأن عالمًا آخرَ غير مرئي يختبئ في هذا العالم المرئي أمامنا وهو غير كامل، حيث يقول:

" ما لا أرى تراه

وما أرى يُبعد عنكَ خائفًا"

إذن ثمة اشكاليّة وجوديّة ليست عرضيّة بل جوهريّة تتعدّد فيها الرؤيّة التي تصل حدّ العماء، فما لا يراه هو الكائن، وما يراه يخاف ويبتعد عن الذي يرى وهو سلطة بلا مسمى هنا، واقصد الذي يرى

ويُكمل الشاعر بالقول:

"يطير في الرّياح مرّة

ومرّة يفوص في المياه

فلا ترى الذي أرى

ولا أرى الذي تراه"

ومن جديد يؤكد على أن الرؤية ليست واضحة بمعطياتها وتفسيراتها، لكنّ السائل يحاول أن يقبل بها كي يتآلف مع قدره ومصيره المحتوم، وهو قبول شكلي لا سلطة للكائن فيه. نوع من الاستسلام القهري الذي يًفرض عليه،

ونجده يقول ونحن نكمل القراءة:

"حين ترى السماء غائمة

أرى السماء ماطرة

لكنّنا

لسنا نرى

ماذا يرى

في الصحو والمنام غيرنا"

يتعمّد الشاعر هنا خلق نقيضٍ ماديٍّ له لتوسيع الفكرة الفلسفيّة الشعريّة في هذه القصيدة بتفاصيل تحاول أن ترسم شخصيتين متقابلتين ومتناقضتين لكنهما متوافقتان بمحدوديّة قدراتهما وعجزهما، حتى نهاية القصيدة حيث يقول:

"هل سَيرُينا بعضنا

ما لا نراهُ كلُّنا

يكتئبُ السّؤالُ

في رؤوسنا

وتكتوي بدمعِها

عيونُنا"

وبالانتقال إلى قصيدة "ريحٌ ومرآة حائرة" نجد الشّاعر يستهلها بالقول:

"أبوابكِ مُوصدةُ

ودروبي مغلقة

ورؤانا تتقاذفها

أمواجُ بروق ورعود

هل يأتي الموجود

من اللا موجود؟"

إن استخدام الريح في هذه القصيدة يدلّ على حركة الغياب متجسّداً بفعل الخراب المؤقت الذي يمسح كل أثرٍ لحياة تعكسها المرآة الحائرة التي من الممكن أن تكون صورة الذات القلقة غير المستقرّة التي تتحكم فيها قوى غيبيّة حاول الشاعر أن يَرمز لها عبر مشهديّة البرق والرعد وما لهما من تأثير نفسي في ذاكرة القارئ، حتى يطرح سؤاله الكوني العميق مرّة ثانيّة، عن مسيرة الوجود واحتماليّة ديمومته وهو الذي ينشأ من عدم، وفكرة العدم هنا ليست سوداويّة تفرضها العاطفة الشعوريّة البسيطة بل التصادمات والتناقضات الخيّرة والشريرة التي يشهدها الوجود من خراب تتدخل فيه الطبيعة التي يعجز الكائن أن يتصدى لها، وعقله الذي يتحول إلى أداة لتفكيك التناغم الطبيعي للموجودات وانتخابها الأبدي.

وبنفس المعنى يكتب الشاعر قصيدة : "سنة تفتح الباب"، كما في هذا المقطع

"قلت لها:

من حق كلينا أن يسأل

فالسنواتُ الأرضيّةُ

وقتٌ يأسرنا

لا نملُكهُ

بل يملكنا

والسنوات الضوئيّةُ

ألغازٌ تسبحُ في الكونْ

ليس لها شكلٌ أو لونْ

وسنينُ الوهم

سرابٌ

ليس له أُفُقٌ ومدارْ

سنة حيرى أنتِ

فهل تدرينَ بأنّي مثلكِ

محتارْ؟ "

وغير بعيدِ عن هذه الأجواء، نجده في مقطع بعنوان "بابان" من قصيدته " منافذ":

هل تُسدلُ جُمجُمتي

أستارًا تبعدُ أخيلتي

عن ذاكرتي

كما نجده يقول في المقطع الأول من قصيدته "بين مدّ وجزرٍ ":

خطواتُ الليل تدبُّ

بدربِ مسدودْ

وأنا بين النوم وبين الاستيقاظ

أتمنى أن لا تستيقظ أيّامي

من أحلامي

أن لا أنسى أمسُا مفقودْ

أن تمتدَّ بيَ الأزمانُ بلا أمدٍ

أن لا تشهدَ أيّامًا سودْ

حتى ينام المدُّ، ويصحو الجزرُ

تبعثرُ أنهاري

أيامًا تكتم أسراري

وتجفف أزهارًا

وورودْ

كانت تمنحني أملاً

ووعودْ

ولا تقتصر المجموعة الشعريّة على هذه القصائد التحريضيّة الوجوديّة بل تتنوّع إلى قصائد تحاول أن تستدعي النفسي والذاتي الفردي كما في قصيدة "مخاضات وسلالم" . وابتداءً نجد أن كلتا كلمتي العنوان تؤشران لحالة من المعاناة التي تكون مرّة ألمّا طبيعيًا لكنه غير محتمل ومرّة ألمّا غير طبيعيٍّ لكنّه متواصلٌ لا يتوقف.

يكتب خالد الحلي قائلاً:

وأنا أقرأ في دفتر أيّامي

وأنا أسأل ذاتي:

مَنْ نفّذ ؟

مَنْ خطّط؟

مَنْ شح؟

و مَنْ فرط؟

كيف؟ لماذا؟ ومتى؟

أين؟

تُسكتني أسئلتي

وتقول بصوت واحد

لا تسأل أحدّا

لا تسأل أبدًا

أنت سمحتَ لدفتر أيّامكَ

أن يُسرق،

ثمة علامات استفهام كثيرة تبقى مفتوحة أسألتها لا يكتمل فيها القول ويستقيم المعنى في هذا الحوار الداخلي المنولوجي بين الذات وصاحبها، وهو ليس قسوة على النفس بل السعي إلى تخليصها من قطيعيتها التي تقودها في أحيان كثيرة إلى التهلكة، ولا يمكن لها أن توجه اصبع الاتهام لغيرها.

لا تخلو قصائد المجموعة من المرأة التي تكون مرّة واضحة متجسّدة في حكاية تكتمل بعناصرها الدراميّة المتنوّعة، ومرّة متخفيّة يومئ لها الشاعر من بعيد كي تقاسمه السؤال، والسؤال الذي اقصد هنا، هو التحامها به ما يجعله يشعر بالإطمئنان الروحي والجسدي قربها، والضياع والإنطفاء بغيرها، كما في هذه القصيدة الذكيّة التي تحمل بعنوان "مواعيد"، حيث يكتب:

قبل يومين ملأتُ

الدرب وردًا

ورششتُ البابَ

عطرًا

وانتظرتُ

لمَ أخلفتِ المجيء

عندما طالَ انتظاري

صار دربي لا يضيء

يبقى السؤال : هل يتوقف الشعر عن الوجود؟

سؤال لطالما أرقّ المعنيين بالابداع في المجتمعات الصناعيّة الغربيّة، والجواب كما أراه ككاتب شرقي يرى الشعر كونه: أهم الفعاليات الانسانيّة التي اكتشفها الكائن إلى جانب اللغة، إنه لا يتوقّف حتى لو أصبح نوعًا من أسئلة التأمل الذهني الموازي للفلسفة التنويريّة بكل مدارسها في القرن الماضي قبل أن تحل محلها العلوم التجريبيّة التي قضت عليها تمامًا وجعلت من منجزها مجلدات من الكتب يعلوها الغبار في المكتبات الحكوميّة في زمننا هذا حيث يسود نظام التفاهة كما يفصلّه الفيلسوف الكندي آلان دونو. في كتابه المسمى به.

***

عقيل منقوش – ملبورن / استراليا

التداولية الشعرية بين الكيفيات الرؤية وفاعلية أوجه الدال

توطئة: إن آليات الوظيفة الشعرية بأدواتها البالغة الكفاءة وفواعل مشاغلها الإنتاجية الممكنة تتحدد في تجربة مجموعة (أخطاء تروضها الموسيقى) للشاعر العذب الصديق مهدي القريشي، الذي شكل في مهام التجربة الشعرية لديه منذ عدة عقود خلت، ذلك الحراك الدينامي على النحو المخصوص الذي يرقى بدقة ساحرية الصور والمفردات ومقادير الصنعة الشعرية التي تعتمد على عوامل وعناصر متفردة في مجال البناء والصوغ والاستعارة ومقصديات (أوجه الدال) المحتشد بأعلى مشروعية الاستدلال والدليل التقاني المتماسك في موصولات خطاب النص الشعري.

ـ الرؤية الشعرية وحصيلة إنفعالات الذات المتضخمة.

لا شك أن خلاصة كل نسيج شعري، ذلك المشروع والشروع في إنطلاق الذات والانتقال بها نحو تحولات خاصة متراوحة ما بين (الذات ـ الانطباع ـ وحدة الموضوعةـ مؤثرات الفعل الدوالي) وبهذا الأمر تبدو خرائطية القول الشعري، اعتمادا على جملة محمولات ومنعطفات في أقاليم الأفعال الصورية المفتوحة أو المحددة عبرة مواطن النمو في حصيلة مكونات البنية الشعرية ومجالاتها المألوفة والمغايرة في رسم أحوال الدال والتدليل.نقرأ ما جاءت به قصيدة (هذيان) من الاشارات والإيحاءات الإجزائية:

دائمًا تقذفني شوارع إلى كراجات...

ثمة رحيل يقود أناسها كخراف!

فيما تتقدّمني هاوية

وبين أصابعي سعادةٌ سائلة!./ص6

يتكثف المتن الشعري عبر مراحله الدلالية المتشكلة بالدرجة الأولى من حدود حال الذات القائمة على تمديد إحساسها بواقعها المختل عبر أغراضه الاستنزافية الملتهبة من جراء قضايا مصيرية حالكة، لذا وجدنا جملة (دائما تقذفني شوارع) بمثابة المستغلق من الانتعاش في حيوات تراتيبية مستقرة في مقامات أكثر أمنا واستقرارا، وذلك ما تتحدد به لفظة (كراجات) تأشيرا إلى مدى تخطي الذات في كل الجهات اللاموطنة إلى شكل إرتكازية هذه الذات.

1ـ الرحيل إمعانا في منظور المعادل التقديري:

تتجاوز غائية الملفوظ الذواتي في عتبات البوح، إلى حدود من المقاربة والمقارنة اللتان تتصلان بالاعتبار الاستعاري إلى علامة خاصة من التمثيل المعادل كقول الشاعر: (ثمة رحيل يقود أناسها كخراف!) وما يتكشف عنه هذا التمثيل المعادل بالتذيل التعجبي، أن هناك حالات قمعية خاصة قامت بها جهات سلطوية أو لربما جهات خاصة من ضغوطات الواقع النفسي والعاطفي، لذا بدا من خلالها الرحيل وكأنه مستوى مهيمن من ترحيل قطيع من الخراف إلى المراعيها.كما ولا تكتف الذات من الخلاص من نازلات افتقارها المعنوي والمادي في محيطها المبلول بالفقدان والغبطة والترحيل، فما زالت بأنتظارها تقادما (فيما تتقدمني هاوية ـ وبين أصابعي سعادة سائلة!) إن الخطاب الدوالي هنا وهناك قد أدمن لنفسه حدود لغة هذيانية، فما عاد ينفك منها الفاعل الشعري، إلا بإخضاع جل ملازمات البوح بما هو أدهى من رحلة التيه والهذيان المستوفي بعلامات التعجب وهوامش التنقيط التي هي بمنأى عن إمكانية اختزال ما هو خارج دائرة فضاء التوصيف:

لماذا يمدُّ النهار عنقه متثائباً؟

يسأل عن موعد غروب الشمس!

أخيراً رأيتُ سيارة تعلوها حمىّ

تبحث عن بنفسجة بلون الطفولة...

لم تبلغي سنَّ الظلام؟

سأنقش مراهقتي على ضفاف الصباح ./ص6

تبعا من جملة (بين أصابعي سعادة سائلة) تتلاحق محاور خطية الألم الممجوج عبر تصوير مكامن الأحوال المتشيئة بروح التحفيز نحو تشكيل لغة منزاحة ومفترضة غدت تكشف لنا مدى رمزية التحاور القائم ما بين (الذات ـ محاور الأشياء) تمسكا بخصائص الطابع الدلالي ذاته من التوظيف السابق، وذلك ما تتحدد به جملة (لماذا يمد النهار عنقه متثائبا؟) تأتي هنا حالات من صعوبة التوصيف في معاينة الرؤية، ولكننا عندما نتعامل وإياها من جوانب سيكولوجية، نلاحظ بأن الذات أصبحت في منجزها اللغوي ـ الاستعاري، تتعدى مسار القراءة الصفاتية للشيء في ذاته وهويته، لذا فإنها باتت تتعامل مع الزمن من خلال أداة تحريك الآفاق عبر رؤى زمنية أكثر ولوجا وقابلية اللغة الواصفة على أن تغور في رسمها عن ملامح متصلة ما بين قيمة الاستعلام ومضاعفة احتمالات أن يكون الزمن النهاري (متعبا، منكسرا، متغافلا ) وهذا الأمر ما جعل الرؤية الشعرية تتلمس طريقها نحو (أخيرا رأيت سيارة تعلوها حمى ـ تبحث عن بنفسجة بلون الطفولة...) أن ما ينبغي التأكيد عليه هنا في وسائط ملفوظات النص، هو تلك الإمكانية الرابطة ما بين (صيغة الملفوظ ـ الفعل التراكيزي ـ مختزلات اللغة المزاحة) وهذا الاستخدام الواعي في مقابلات علائق الدوال، هو بحد ذاته ما جعل ملامح (التجسيد الرمزي) علامة متضمنة في مشتركات الممكن في وظائف السياق الشعري.

2ـ فرضيات الدوال في إيصال محسوسية المعنى:

لعل المقاربة النقدية في وظائف قصيدة مجموعة (أخطاء تروضها الموسيقى) تتعامل في شكلها المكوناتي مع تجربة شعرية ذات محمولات تقع ما بين (فرضية دال ـ مشخصات متراتبة ـ إضاءة أحوال مستورة) وعلى هذا النحو يمكننا القول في شأن قصيدة (مهدي القريشي) على أنها قصيدة عاملية تجتهد في تصوير حوادثها وأفعالها من زاوية لغة استعارية ضاربة في المحسوس الاستبدالي الذي تشرع به مكونات الصورة على هيئة علاقات مستورة ومعلنة في الآن نفسه:

كنْ حذراً منْ إغلاقِ غطاءِ التابوتْ

ثمّةَ شهيدٌ

تنمو الرغبةُ في عينيهِ./ص7 قصيدة : شجرة الكرادة

تندرج معادلات هذه القصيدة عبر فحوى العنونة المركزية (شجرة الكرادة : المكان ـ الفاعل الغائب ـ الصورة المؤنسنة) وعندما نعاين مصدر البعد الإيحائي في جملة (كن حذرا ـ من ـ أغلاق التابوت ) تتجلى بؤرة الفعل القصدي في دال (شهيد) وقد يبلغ هذا الدال توقعا بالالتفات الربطي بين جهات (شهيد : موت ـ ولادة/ التابوت :مجال تحول/شجرة: ـ مرحلة الفردوس الأعلى/ الرغبة في عينيه) ولما كانت جهة الإيعاز الضمائري تدلل على (كن حذرا) أي إلى فاعل غيابي، أكتفت المساحة الدوالية بالإضمار الفعلي عن علية أسباب ماهية (تنمو الرغبة في عينيه) أي إننا لا نعلم من حال هذه الرغبة شيئا: أهي خاطرة دهشة الموت أم مرحلة ملكوتية خاصة قد عاينتها عيني ذلك الشهيد؟:

أن لا يرى وجهَ الله

لكي لا يعاتبَهُ

على طريقةِ استردادِ أمانتِهِ./ص7

أن الذات الشاعرة تسعى ها هنا إلى مستوى (إحالي مستور) من دلالة الاستجابة المتشكلة في وضعية جملة (أن لا يرى وجه الله) والجوهر المراد من حساسية هذه الجملة مبعثها الأوحد حالة متمحورة في المتن الأفعالي: (الشهيد : لا ـ يرى ـ وجه ـ الله = الحالة الشعرية المرتقبة = شفرة) ولا نعلم شيئا من أمر الجملة، حتى تتبين لنا الجملة اللاحقة كعلامة رمزية متجلية في معطى اللاتوقع (لكي لا يعاتبه) وجملة (على طريقة استرداد أمانته) ثم تلي هذه الجمل فاصلة تنقيطية هي من المسكوت عنه في عمق مخصوصية رؤى الدلالة.بمعنى ما تنطوي هذه الجملة الأخيرة على مكنونات تركيزية تنم عن مدى الوضع المأساوي الذي فيه جثة الشهيد من الضرر وما يعاكس خلقه عندما كان سويا بالفطرة متعافى في جميع ما أودعه الله إليه من حسن الخلق والتقويم الصوري.فالشاعر القريشي قد أصاب على نحو ما من التأثير والحنكة في حدود صنيعه لهذه الجملة ومكوناتها المؤثرة في الذائقة القرائية.

ـ منصة الأداء وشعرية التشكيل في منعطفات الخطاب

لا شك أن مجموعة قصائد (أخطاء تروضها الموسيقى) من علامات التجربة ذات الرؤى المكثفة والاستثنائية في تمحور مفاصلها داخل مساحات حسية وتشكيلية وتفارقية من عتبة الذات الشاعرة التي أختطت لها في أفعال وصور وحالات قصائد المجموعة آفاقية إيحائية وقصدية من الخصوصية المثمرة.تواجهنا في بعض النماذج من مجموعة الشاعر، ذلك النوع من (قصيدة المعادلة) التي تشتغل أولا بآلية تشكيلية تقوم بالتقاط حالات الصور بموجب فحوى ارتباطات أفق العين المصورة لكافة مخمناتها الذائقية والتأملية النافذة /وهذا النموذج أطلعنا على مثله في قصيدة (عري البحر):

لا تبتئسْ

إنْ هبطتَ مرغماً،

فالغيمة تخلع بياض عفّتها

لتستر عري البحر./ص20

أي بمعنى ما أن هناك قطبين يتشاركان في تفعيل المعادلة الدوالية: (لا تبتئس:مرسل ـ ضمير غائب/إن هبطت مرغما:حالة فاعل /الغيمة تخلع بياض عفتها:استعارة ـ إحالة/تستر عري البحر:الصورة المعادلة ـ تذهين صوري) وبمثل هذا النوع من (المرسل ـ المرسل إليه) تظل معالجة القطبين (ذات ـ موضوع) في أداة تحويل وتمحور يتطلبان كلاهما (بديل احتمالي) ويفض دال هذا التمظهر بوصفه التشكيلية الخاضعة إلى استنتاجات القارىء المؤول، لأجل المزيد من فاعلية التأويل المباشر واللامباشر، أي بما لا يقترب من التحليل التفسيري وما يمكننا قوله أيضا أن هذا النوع من الشعرية تعتمد الموصوف كنقطة متناسبة الأبعاد والأفعال مع مجاورة القيمة المعادلة في تقانة (فضاء الاستعارة) لأجل أن يكون التدليل من خلال دوالها بمستوى المخاطب الى جهة المرسل إليه غيابا.

1ـ غواية المرآة وخلاصات عقدة الذات:

تلعب فنون المرآيا الشعرية في مسار معطيات المصورات في أحوال القصيدة، ذلك التوهم في مراهنات الزمن (الماقبل ـ المابعد) إذ تقود هذه الجملة من المراويات الشعرية ثمة مجالات عمرية مهيأة إلى اقتياد الكتابة إلى أوج مرحلة متماهية من الإشكالية والحيرة والترقب في جغرافيا خطاب مراوي تجريبي في جملة مؤشراته التقانية والذاتية:

هذا وجهٌ باهتْ

كأن نثيث نعاس

سد مساماتٍ

تمضمضت بعواءِ الليلْ.

هذا خزين الأمس

تتقيأه كلما تَلَمست تجاعيدَ،

تؤهلها للشيخوخة./ص21  قصيدة :خداع المرآة

ليس تألق اللغة وسحرها ما يميز جمالية هذا النص الشعري، بل هناك حالات من الاستنتاج والإثارة في إمكانية الابعاد والأشكال الموصوفة في شاشة المرآة (هذا وجه باهت ـ كأن نثيث نعاس ـ سد مسامات) تتجاوز مستوى الدوال مواضع أفعالها الملفوظية، لتلتحم بالصورة المراوية، ولا شك أن مراد الواصف الشعري، هو الأخذ بفسحة انتاجية ترتبط مع ظرفيات أحوالية خاصة بالزمن والذات التي تغامر في سفرها عبر (تمضمضت بعواء الليل) أوجملة (سد المسامات) أو (هذا خزين الأمس) فهذه الجمل ما هي إلا علامات حياة بأكملها تتراءى للذات عبر تفاصيل القراءة المراوية وعبر تجليات خطاب ثنائية (زاوية الرؤية :الذات ـ المرآة)، وصولا إلى مستوى من الاستعارة المكينة التي تنطبق على (الحالم المراوي) بأدق الدوال إشارة وعلامة وشعرية فاحصة وناقلة لأسمى درجات الزهد في التشكيل اللغوي (أونزت شعرة سوداء في حدائق خريفي ـ تمهلي أيتها المتكلسة في عضد موجة شرسة) من هنا وهناك تترسم لغة الشعر لدى (مهدي القريشي) في إطار شعرية معادلة مكتنزة إبداعا ومخصوصية كفائية إلى النفاذ إلى أعماق الجسد النصي وبلوغاته الأسلوبية التي تحقق للتجربة وشاعرها إنجازا ودورا لا يطوى مهما أسدلت أزمنة الأقفال على محكمات حجبها.

ـ تعليق القراءة:

لقد تصرفت القابلية الشعرية في مجموعة (أخطاء تروضها الموسيقى) في خلق التمايز بالتلميع التأثيري المشحون بأعلى انطباعات الظروف والأحوال والاشارات والعلامات النواتية التراكيزية، كما ينبغي التأكيد عليه هنا، هو أن عملية التداول النوعي في مشغل شعرية الشاعر جاءتنا نتيجة جملة علاقات من (المجاورة ـ التصور المقابل ـ انعطافات الذات ـ معادلة رؤية الأحوال) وصولا إلى تجربة الوحدات الدوالية المؤشرة في التحول والإحالة والمسكوت عنه في فضاء الأسطر البياضية:

كانت النجومٌ تُلمعُ أجنحتها

والشتاءُ يمد يديه إلى أزرارنا

ليضيء برزخا هجرناه ./ص16  قصيدة:عطر خائن

على هذا النحو وجدنا نماذج قصائد مجموعة الشاعر القدير مهدي القريشي الموسومة ب (أخطاء تروضها الموسيقى) مجموعة رؤى شعرية لها أوجه توالدية من الأطروحة الدلالية، التي تتوغل فواعلها ووظائفها الخطابية كحفريات تشق جدران المعنى وتنقش فوقها تماثلات مقصديات وتأملات ورموز وعلامات مدعومة بالانجاز الجمالي والسمة الحسية الانتقائية كتجربة شعرية ناتجة عن رؤية تراكمية مصاغة بأدق أوجه مفعولية وفاعلية شعرية الرؤية وساحرية التخييل النموذجي.

***

حيدر عبد الرضا

توشك قِصَّة "صادق أو القَدَرZadig Ou La Destinnée "، للفيلسوف الفرنسي (فولتير Voltaire، -1787)، أن تكون قِصَّةً شرقيَّةً وإسلاميَّةً من ألفها إلى يائها، بدءًا بأسماء الشخوص والأبطال، وصولًا إلى تفاصيل الأحداث. فبطل القِصَّة الرئيس "صادق" اسمٌ عَرَبيٌّ إسلاميٌّ، اقترنَ وصفًا بالرسول، وأُطلِق على صاحبه الأوَّل (الصِّدِّيق). واسم زوج صادق "سمير" اسمٌ شرقي، يُذكِّرنا بـ(سميراميس)، المَلِكة الآشوريَّة في القرن التاسع قبل الميلاد. وهو اسمٌ عَرَبيٌّ قديم، وإنْ غلبَ في أسماء الرِّجال. هذا فضلًا عن تفاصيل الحكايات، من مثل مواقف صادق الدالَّة على الفِطنة وحُسن القضاء والمحاماة، التي تُذكِّرنا بذكاء (إياس بن معاوية، -122هـ)، المضروب به المَثَل، وحِيَلِه في استنطاق القرائن.(1) لكنَّنا سنُسلِّط الضوء على آثارٍ بارزةٍ لمصدَرَين شرقيَّين كبيرَين، ما عداهما تبعٌ لهما، أو دونهما شأنًا، هما "القرآن" و"ألف ليلة وليلة".

-2-

لعلَّ أكبر أثرٍ إسلاميٍّ في قِصَّة "صادق" هو ذلك الأثر القُرآنيُّ الذي يبرز في الفصل العشرين من هذه القِصَّة.(2) فالقِصَّة تحكي أنَّ (صادقًا) لقي في طريقه ناسكًا قد انتشرت لحيته على صدره، وتدلَّت حتى بلغت حِزامه، وكان الناسك يقرأ في القَدَر، كما زعم، فرأى على صادق علامات الحزن، فطلب إليه أن يصحبه في طريقه إلى (بابل)، على أن يعاهده بأن لا يفارقه مهما فعل، فاستأنس به صادق ومضيا معًا. فلمَّا كان المساء، وصل المسافران إلى قصرٍ فخم، فطلب الناسك الضيافة له ولـ(صادق)، فأُدْخِلا القصر، وأُجلِسا على مائدة، دون أن ينزل صاحب القصر فيمنحهما طَرْفه، وقد أكرمهما الخدم. ثمَّ قُدِّم إليهما، لغسل أيديهما، طَسْتٌ من الذهب، مرصَّعٌ بالزُّمرُّد والياقوت. وأنفقا ليلتهما في حُجرةٍ جميلة، وصُرِفت لكلِّ واحدٍ منهما صباحًا قطعة من الذهب. فمضيا في طريقهما، فإذا صادق يُلاحظ أنَّ الشيخ الناسك قد سرقَ طَسْت الذهب المرصَّعَ بالجوهر.

وفي الظهيرة لجآ إلى دارٍ صغيرةٍ، كان يسكنها رجلٌ غنيٌّ، فاستطعماه، فأطعمهما طعامًا خشِنًا رديئًا. فلمَّا فرغَ الناسكُ من أكله، دفعَ الدِّينارَين، اللَّذَين أُعطِي إيَّاهما هو و(صادق) صباحًا، إلى الخادم وشكر عنايته. ثمَّ طلب مقابلة سيِّده، ولمَّا قابله، دفعَ إليه بالطَّسْت الذَّهبي، وشكره وامتدح كرمه! وهو ما كان مبعث الدَّهَش من الجميع:

"قال (صادق): "ما هذا الذي أراه، يا أبتِ؟! ما أَرَى أنك تُشبِه غيرك من الناس، إنَّك تَسرِق طَسْتًا ذهبيًّا من أميرٍ تلقَّانا أحسن اللِّقاء، وتَهَبُه لبخيلٍ عاملك أحقر المعاملة!" قال الشيخ: "تَعَلَّم، يا بُنَيَّ، أنَّ هذا الأمير العظيم، الذي لا يستقبل الناس إلَّا غرورًا، ليُظهِرهم على ثرائه، سيُصبِح منذ اليوم عاقِلًا حذِرًا، وسيتعوَّد البخيل أن يكون مضيافًا؛ فلا تدهش لشيءٍ واتبعني"."(3)

ولمَّا أدركهما المساء، بَلَغا دارًا متوسِّطة الحال، وكان صاحبها فيلسوفًا قد اعتزل الناس، وعكف على الحِكمة والفضيلة، فسعَى من تلقاء نفسه إلى السائحَين وقادهما إلى حُجرةٍ وفيرةٍ ليستريحا، ثمَّ أقبل بعد حين فدعاهما إلى مائدةٍ نظيفةٍ وطعامٍ مُعَدٍّ بإتقان. وبعد أن تحدَّثا في شؤون الحياة والنَّاس:

"قاد المضيف ضيفه إلى حُجرتهما، شاكرًا الله أن أرسل إليه رجلَين على هذا الحظِّ من الحِكمة والفضيلة، ثمَّ قدَّم إليهما شيئًا من مالٍ بطريقةٍ سمحةٍ كريمةٍ لا تؤذي النفوس. فاعتذر الناسك، وودَّع مضيفه، زاعمًا أنَّه يريد أن يسافر إلى (بابل) قبل أن يُشرِق النهار... ثمَّ أيقظَ الشيخُ رفيقَه من آخر الليل، قائلًا له: "يجب أن نرحل، ولكنِّي أرى قبل أن يستيقظ الناس أن أترك لهذا الرَّجُل آيةً على ما أُضمِر له من حُبٍّ وإكبار.» قال ذلك وأخذ مصباحًا فأشعل النار في الدار. وقد رُوِّع (صادقٌ) فجعل يصيح، وهَمَّ أن يمنع الشيخَ من اقتراف هذا الإثم المنكر، ولكنَّه كان يجذبه بقوَّة لا تُقاوَم على حين كانت الدار تشتعل، والناسك ينظر إليها من بعيد في هدوءٍ أَيَّ هدوء، قائلًا: "الحمد لله، هذه دار مضيفي قد دُمِّرت تدميرًا! ما أسعدَ هذا الرَّجُل!"."(4)

ونرجئ استكمال هذه الحكاية، بغرائبها ودلالاتها ودرسها المقارن، إلى مقالنا الأسبوع المقبل.

***

أ. د.عبدالله بن أحمد الفَيفي

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة المَلِك سعود)

...........................

(1) في الفصل العاشر، على سبيل المثال، تَرِد محاماةُ (صادق) عن العَرَبيِّ (سيتوك) ضِدَّ اليهودي، الذي أنكر ما عليه له من قرض، واستدراجُ صادقٍ إيَّاه ليزلَّ لسانُه أخيرًا بما يدلُّ على معرفة المكان الذي كان اقترضَ فيه. وهي نفسها إحدَى الحكايات المنسوبة إلى قضاء (إياس)، واحتياله لكشف الكاذب من المتقاضين. (يُنظَر: فولتير، فرانسوا ماري آرويه، (1979)، القَدَر، قِصَّة نقلها إلى العَرَبيَّة: طه حسين، (بيروت: دار العِلم الملايين)، 65- 66، ويُقارَن: ابن الجوزي، (2003)، أخبار الأذكياء، عناية: بسَّام عبدالوهَّاب الجابي، (قبرص: الجفان والجابي)، 99؛ ابن كثير، (1998)، البداية والنهاية، تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، (القاهرة: دار هجر)، 13: 124؛ ابن حِجَّة الحموي، (2005)، ثمرات الأوراق، تحقيق وتعليق: محمَّد أبي الفضل إبراهيم، (صيدا- بيروت: المكتبة العصريَّة)، 117). وربما كان لحكايات الفِطْنة تلك مصدرٌ شعبيٌّ مشترك، استقتْ منه قِصَّةُ فولتير كما استُقيت بعض القصص المنسوبة إلى إياس.

(2) يُنظَر: فولتير، 120- 128.

(3) م.ن، 122- 123.

(4) م.ن، 124- 125.

باقة أشعارٍ تتشظى ما بين لهيب الحب والثورة وصقيعِ الحرمان والمنفى.

بتّ من المتابعين لنصوص الشاعرة الجزائرية الفارسة المخملية الدكتورة نادية نواصر، صاحبة الكلمة الراقية اللطيفة النّاعمة القوية المؤثرة. وكان لا بد من وقفة نقدية لشاعرة اشتغلت على شعرها باهتمام وتفان. حتى تمكّنت من اتقان صنعتها، واختطّت لها طريقا مميزة في كتابة قصيدة النثر ما بعد الحداثية. فسعت مثابرة من أجل خوض غمار الرّاهن، ومسايرة وتيرة التّحوّلات الاجتماعية المعاصرة، التي تستوجب أدوات كتابة مغايرة، وذائقة جمالية تختلف أيّما اختلاف عن سابقاتها.وهي التي في أوج قحط المشاعر أمطرت ريهام الغيث العاطفي، فتساقطت بكلمات الرحمة على شغاف أرواحنا التي أرهقها العنف وجفاف العبارات وهمجية التواصل، فطلعت بنا شجرا وارفا بفيىء البلاغة، مزهرا بزهر البديع، متجذرا بأصالة الأمة، مثمرا بغلال الحب، ينبت من تربة الحنين. وفي هذه القراءة المختصرة، سنتعرض لنماذج من قصائدها بالدراسة، قصد امتاع القارئ بإبداعها الأدبي.

من هي الشاعرة نادية نواصر؟

نادية نواصر، قامة أدبية جزائرية صاحبة صالون أدبي بمدينة عنابة، متحصلة على ثلاث شهادات دكتوراه فخرية من العراق ومن سوريا. لها مجموعة من الدواوين المطبوعة. ناضلت لأجل الحرف وهي في عمر الزهور فنقشت اسمها في سجل التاريخ بأحرف من نور. شاعرة مخملية بامتياز، رقيقة ذات حس مرهف وحساسية عالية، تتسرب الى أحلامنا ومشاعرنا، وتلامس شغاف قلوبنا باحساسها الشاعري المبدع. هي من مدينة شطايبي بولاية عنابة الساحلية، موطن الابداع والاصالة، تفتحت شاعريتها منذ نعومة منشئها، تقرض الشعر بكلّ الوانه الوطني والثوري والوجداني الغزلي، وتتسم بالعاطفة الوجدانية، وتكتب عن الحب وهموم الأنثى العاشقة، وتناجي الحبيب بأحلى كلام البوح في غير ابتذال، وتخاطب شاعرها الافتراضي، متمسكة بالأمل والانتصار وبزوغ فجر جديد، ومؤمنة بأن الحياة قصيرة، وبها ما يستّحق أن يعاش. فهي تنقل المتلقي إلى جو النص الشفاف النقي البريء الممتلئ بعبارات الاشباع العاطفي. وما أعجبني في شعرها هو سلاسة الكلمات والعبارات والصور وفخامتها في غير تكلّف، فيخال المتلقي نفسه أمام نصوص طفلة شاعرة، تحمل عقل وقلب امرأة ناضجة. ولعلّ من الصّدف الجميلة أن أتعرف على نادية نواصرالانسانة، من خلال متابعتي لقصائدها التي تنشرها بين حين وآخر في عدد من المواقع الالكترونية، وعلى صفحتها الفيسبوكية، حيث تسترعي الانتباه وتشدنا بمضامينها وصورها ومعانيها وايحاءاتها ودلالتها وأبعادها، وقد استقرأت جلّها، وعشت مع حروفها ومفرداتها وعباراتها المشحونة بالصّدق العفوي.فوجدتني أظفر بمعرفتها عن قرب لأجد فيها تلك الانثى الناعمة والمرأة الصامدة القوية،والأم الرؤوم والاخت الحنون والابنة البارة والزوجة الوفية، والصديقة الصدوقة الطيّبة المعطاء.4732 نادية نواصر

تمتاز شاعرتنا بشفافيتها وتلقائيتها وعفويتها ووضوحها، فنصوصها شفيفة سهلة ورموزها دالّة عميقة المعنى. يطغى عليها الحب وتسيطر الرومانسية على الغاليية منها، فأجمل ما في كتاباتها أسلوبها الشاعري الذي يجعل الكلمات المقروءة تنساب بين أيدينا كالنهر المتدفق.فتتنوّع موضوعات قصائدها ونصوصها النثرية وخواطرها الشعرية، والقصيدة عندها تمتاز بالايحاء الموسيقي الجميل، واللغة الحية الهادئة، والصورة الشعرية الجديدة الزاهية الخلابة، وهذه الصورة هي المحرك الموسيقي الايقاعي لكلماتها المنسابة العذبة، تكتب عن الحب بكل نبضات قلبها ونفثات روحها وارتعاشات جسدها، وتتأجج بالمشاعر الأنثوية العاطفية، بوعي شعري لافت، وحس انساني راق.

اثر هذه المقدمة المختزلة سنحاول قراءة ديوان " رسائل إلى تشي غيفارا "، وليس العنوان وحده ما شدني للاهتمام به، بل المحتوى وموقف الشاعرة ذاتها من الموضوع.حيث صدر حديثا للشاعرة ديوانها الذي نحن بصدد قراءته، عن دار الألمعية، والذي تحكي فيه عن مسيرة الكاتب والشاعر الطبيب " غيفارا" الذي اختار أن يحمل رسالة الشعوب المضطهدة، وينتقم ممن أخطأوا في حق الفرد وسلبوه كرامته، حيث يتضمّن الإصدار حياة الزعيم وسيرته النضالية ونصوص شعرية تتغنى به.على هيأة رسائل بوّبتها في قصائد ضمن الديوان الذي

يقع في ثمانين (80) صفحة، وتقول شاعرتنا: "الكتابة عن الزعماء والثوريين تتطلّب حسابا ثوريا وإيمانا بالثورة والانسان والكينونة، لقد كنت مقاومة بالزعماء ومواقفهم الرجولية ونزعتهم لإنقاذ الانسان من الذل وقبض الجبابرة.. حين كنت أتأمل صورة هذا الرجل الجميل قلت في نفسي كان من الممكن أن يكون ممثلا يتباهى بنجوميته في الشاشات وفي أفخم الفنادق، أو عارض أزياء يبهر الملايين على منصات العرض أو زير نساء يسقط في شباكه أجمل نساء العالم، ولكنه اختار الغابات والعراء والأشواك والأحياء التي أنهكها الفقر والأطفال الذين أتعبهم البكاء لأجل كوب من الحليب، ومضى مسكونا بقضية الانسان ليوفر له خبزا مغمسا بحساء الكرامة، في أرض تقبل الانسان الشامخ، إلا أن الرجل الثوري الجميل أعدمه أعداء الحق، ويظل الحق قضية كل ثوري شامخ رغم مرارته...." حوار جريدة الشعب.

هذا الديوان الثائر الخلاب الشفاف الطافح بالمشاعر العشقية الحنينية الفياضة والعواطف الأنثوية الجياشة، يبعث الدفء في أعماقنا، بما فيه من انفعال وجداني وفيض عفوي ودفقات شعورية شديدة الوضوح، خطته صاحبة الحروف المخملية الانسيابية والكلمات الحريرية الرقراقة، التي يرقد قلبها فوق صخور الليل، وعلى هودج الصمت تمسك نفسها، وتصقل روايتها وقصيدتها على بوابات الفجر.

علاقة الثورة بالشعر:

الشعر فن والفنُّ شبيه بالثورة إن لم يكن توأمها. فالفنُّ، بطبيعته، يرفض الواقع ويتوخّى إعادة صياغته برموز وعلامات جديدة، وبمعان متجدّدة، وبقيم متأصّلة، تماماً كالثورة. فالأدب والشعر لن يكونا فنا أصيلا ما لم يتركا الواقع ويحلّقا في أجواء الخيال، لخلق عالم مختلف عن العالم الراهن. إنّ الفن يرمي إلى تغيير الواقع، وبناء عالم جديد وفق نظرة الفنان وإيديولوجيته ورسالته. ولا يتدفق إلهام الفنان فعلا فنيا إلا عندما يبلغ الفنان ــ أديبا أو شاعرا أو رساما ــ درجة عالية من القلق والتوتر، إن لم نقل الهيجان النفسي والجنون. وينبئُنا التاريخ أن الأدب عموما ــ والشعر خصوصا ـــ كان دوما محرّضا على الثورات، وممهِّدا ومؤجِّجا لها، ومتغنيا بها، وممجِّدا لفكرها وشهدائها. ولهذا فإن جلّ الشعراء المخلصين كتبوا للثورة ومجّدوا شهداءها، وتغنوا بأهدافها. وهاهي شاعرتنا نادية نواصر، تتغنّى بالثورة لتمتطي صهوة المجد وتتقمص روح الخلود في هيأة الحضور الغائب، الميت الذي حيا في عالم الكلمات والمعاني بكلّ بهائه الرجولي وبطولاته الخالدة. فتقول

الشاعرة في مستهلّ ديوانها "رسائل إلى تشي غيفار":

أيها الجاثم على جبل الرفض

ارنستو تشي غيفارا

بكل هذا البهاء الرجولي

في يمينك سيف الحق

وعلى يسارك وردة العمر

وهي ترنو إلى ربيع الإنسان

قل لي: يا عصفا يعيد الكلام إلى سنابل الصمت

لماذا تشي غيفارا؟

عند كتابة النص الشعري يسيطر على شاعرتنا المخضرمة هاجس الوطنية المفرطة وحب الوطن وتمجيد الثورة والثوار، ولا غرابة من ذلك كونها جزائرية حتى النخاع وكريمة مناضل مجاهد فذ، ونلاحظ تكرار هذه الظاهرة في الكثير من قصائدها. وحين تقرأ شعرها، تجدها تتحدث عن امرأة ألهمتها ثورة التحرير المظفّرة، وأضناها القهر والحرمان الذي عاناه أبناء وطنها إبّان الاستعمار، حيث نلمس عن قرب نبرة العنفوان المجبول بالحزن جرّاء ما دفعته الشعوب المستعمرة. لذا تجدها تكتب عن الشهداء والثوار، وعن الزعماء الذين دافعوا عن الحق وعن الإنسان والانسانية والأرض، وأن انبهارها بالزعماء والشهداء ودورهم البطولي والانساني جعلها تتوقّف عند حياة تشي غيفارا ونيلسون مانديلا ومظفر النواب وجميلة بوحيرد.. مؤكّدة أن هؤلاء لهم عزيمة ورؤيا وإيمان بالحق والعدالة يختلف عن الانسان الطبيعي، ولهم شجاعة رهيبة لتقديم حياتهم مقابل كرامة الإنسان، وبالتالي تقول : أجدني واقفة على عتبات مسارهم، يغريني أن أتوغل أكثر وأكتب وكأنني أعيش في عصرهم. أدى بها تمجيدها للقيم النبيلة وحبها للعدالة والانسانية إلى اتخاذ الرموز العالمية، مثلا يحتذى به وموضوعا دسما لكتابة قصائدها الابداعية، حتى تظن أنها عاشت في فترتهم وخاطبتهم فعلا لا مجازا، فهي إذ تكتب عن تشي غيفارا البطل، فلأنّه ناضل من أجل الحفاظ على الاستقلالية الفكرية والتنموية للتجربة الكوبية، بل وتجارب كافة الشعوب، وحقهم بالمبادرة والاجتهاد في بناء أوطانهم، دون تبعية،كان نضاله من أجل الانسانية جمعاء وهو الذي قال : "لا أعرف حدودا، فالعالم بأسره وطني.. أحس على وجهي بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وُجد الظلم فذاك وطني..." وأينما وجدت الدعوة إلى الحرية والعدالة تجد شاعرتنا تكتب بل وتبدع جاعلة النموذج المذكور مثلها وقدوتها.

النزعة الرومانسية:

أجدني أعزى ظهور النزعة الرومانسية في شعر نادية نواصر، إلى أثر المعاناة التي كان يعانيها اجدادها أثناء الحرب التحريرية، وفي اعقابها، حيث عانى الناس من العذاب، وكبت الحريات، والعواطف، والقيود، مما أدى إلى انطواء الشاعرة على نفسها، والتوجه إلى دنيا الأحلام بين اليأس، والأمل، فنجدها تراوح بين الحزن، والأسى، والمعاناة والفرح أحيانا اخرى، فالهروب إلى الطبيعة مؤشر واضح ينبىء عن روح شاعرتنا الشفافة الصادقة وخيالها الحالم، وبوحها الصادق، حتى لا يكاد يخلو شعرها من تجليات الطبيعة، والركون إلى أحضانها، واستشعار حنانها، وروعة جمالها، ومناجاتها، واعتبارها بمثابة الأم، والملهمة لها، والتماس العزاء منها في حالات الانكسار، وبالتالي فإنَّ هذا يقود ها للوصول إلى فلسفة طبيعيّة قوامها ثنائيّة البشر والطبيعة، وهي التي تطوّع الجبال وتنسب لها صفات البشر باستعارات قوية بليغة سلسة، وتماهى حرية الطيور في صفات البشر، وتستعير تلقائية الراعي لتنسبها إليها في لحظة استسلام أمام شرور المتربصين مقتبسة من أسلوب الشابي الرومنسي الرافض الثائر الصادق وفلسفة روسو الضاربة في عمق الطبيعة.فتقول : " أيها الجاثم على جبل الرفض..".. " ترنو إلى ربيع الانسان "..."...سنابل الصمت "...." كي يعبروا الى شساعة الكون...الاصوات الحرة كاسراب الطيور...."..علموني ان الراعي يتبع خطوات اغنامه... كسرة شعير...."، "لا يغادره نايه...: ".. وأعاد للجبال مرتفعاتها وللسهوب اخضرارها..."، "...أيها المسكون بالثورة..بقوة الطوفان وجريان النهر....."

تشي غيفارا.. أنطولوجيا الثورة:

و بالمقابل تبالغ في تمجيد الثورة التي قامت من رحم امرأة واختزلت ثورات العالم في جنين يتشكل في رحم امراة هي ام البطل. فالثورة والشعر كلاهمها نقد ورفض لجمود الواقع، وكلاهمها عمل معارض لنظم قمعي يحارب الحرية ويضيق الخناق على من يدعو إليها، وكلاهما يهدفان إلى إيقاظ الوعي لدى الانسان للوقوف على حقوقه والمطالبة بها والدفاع عنها، ولذلك أحيانا يكون الشعر سببا لاندلاعالثورة، ومحرضا عليها، ومشعل نيرانها، وكاتب شعارها، وراسم أهدافها، وأحيانا يأتي الشعر وليدا لحراك الجماهير، فتكون الثورة المعين والملهم الذي يستقي منه الشاعر مادته، فيعرب عنها وعن أحداثها.

هرمنطيقا الأمكنة ورمزية النّص:

يعتبر النص الشعري المعاصر حقلا خصبا لإنتاج الحريات التأويلية، ويعدّ المكان في القصيدة منطلقا متينا لولوج خبايا القصيدة، بفعل عوامل مختلفة باتت تشكل سندا انطولوجيا ولغويا سعى فيه الشعراء إلى تثبيت دلالات توحي عن رؤية جمالية وفلسفية لهذه الأماكن، فأنتج ذلك خطابا شموليا خضع لشعرية لغوية وأدبية أبرزت كينونة المكان وفاعليته على مستوى العلاقات التقابلية والضدّية في النص الشعري. والمكان في الشعر يختلف كثيرا عن المكان في الواقع حيث يتشكل عن طريق اللّغة التي تمتلك طبيعة مختلفة من حيث الشكل والمضمون فاللغة لها خاصية وفعالية ذات حضور مزدوج إذ لها حضور طبيعي، كونها مادة بالإضافة الى كونها نظام من العلاقات التي لها آليات ذهنية تتحدد بها. وبما أنّ المكان الشعري لا يعتمد على اللّغة وحدها وذلك لأنّ اللّغة محكومة بالخيال والتجارب الإنسانية المختلفة، ليتسنى للّغة تجاوز حيز الواقع المحكوم بماديته ّالصمّاء لذلك تستنجد بالخيال للولوج الى ما بعد هذا الواقع، بل وتتناقض معه في أحيان كثيرة للبحث عن أماكن جديدة كونه يظل ضمن سياق الواقعي الحقيقي لكنه واقع حلمي مكتشف.إنّ وظيفة المكان في الشعر له أبعاد نفسية وفكرية عالية كونه يشكل أحد أهم الأبعاد الفنية والبنائية في اللغة الشعرية فبدون المكان لا يمكن للشاعر من التغلغل بين خبايها الوجودية والفنية رغم ان هذا الولوج للواقع يكون عبر شحذ حركة الخيال النص المتمثل باللغة الشعرية على نحو يؤدي الى الغاء قانون السببية وإحلال مكانه البعد الروحي والنفسي المحض عبر شحذ المخيلة التي تشتمل على بعد نفسي وموضوعي يظهر على شكل نسق خاص بالشاعر الذي هو جزء من وعي وثقافة المكان التي ينتمي إليها الشاعر. وبناء على كلّ ما نوّهنا به، يظهر جلياّ لدى شاعرتنا وفي ديوانها الذي نحن بصدد دراسته رمزية المكان وتتجلّى في قولها:

" أيّها الجاثم على جبل الرفض...." وترمز الصورة البيانية الاستعارية إلى إصرار البطل على رفض الظلم والاستغلال، والذي من أجل مناهضته دفع حياته مكرسا للصمود، مؤسّسا لثورات الرفض اللاحقة.(رسالة 01)

" على جبل ضارب في العراء....." وترمز الشاعرة إلى الشموخ الممزوج بالإصرار والتضحيات.(رسالة 05)

" أغلب الذين تهيء لهم أرض القلب...." ترمي من خلال توظيفها للاستعارة إلى أن العاشقين لأوطانهم، يحملون أوطانهم في قلوبهم وتسعها أفئدتهم.(رسالة 05)

" هل كان الانسان بينكما القاسم المشترك في صحراء العدل؟...."، بارعة في استعارة الرمز هي شاعرتنا، وهي التي اختزلت معاني الظلم واللاعدل وقحط الانسانية، وجفاف المشاعر في عبارة " صحراء العدل " حيث لا إنبات ولا جدوى من الصحراء كما لا طائل من انتظار العدل في أوطان تبدّدت فيها الرحمة.(رسالة 16) " وانت أيها القادم من مدن الملح والرّياح..."...." إلاّ أنّك دخلت على بلباسك الثوري على مخيمات القهر، ومداشر الجوع والعراء..." استعملت المجاز الدال على تضحيات البطل رغم ما يؤهله له الحظ الموسوم بالتأجيل والإرجاء.(رسالة 14).

رسائل الشغف المؤجل:

تجرأت وأنا أقرأ الديوان فقلت: لو قُدّر لي أن أعيد ترتيب الديوان -كما لو كنت مؤرخة سوسيولوجية - لوضعت القصائد التالية تحت باب “رسائل الشغف المؤجّل ولا غرابة وأن الرسائل كلها موجهة من الشاعرة إلى البطل الذي ملأ زمانه وشغل حاضره وحاضر لاحقيه . بالغت في جرأتي فوضعت عنوانا آخر لبقية القصائد، وهو: آهات نونية ؛ على اعتبار وحدة موضوع القصائد وتنوع صور الوصف والتصوير وتنوع أخيلتها وبيانها. فقصائد الديوان كلها تتجاوز الرسائل والإيقاعات العادية، فلقد أصرّت الشاعرة على أن تجعلها ذات إيقاع منسجم يجذبه مغناطيس العنوان: “رسائل إلى تشي غيفارا ” وأن تجعل إيقاعها الداخلي يتصاعد بوتيرة واحدة مع إيقاعها الخارجي، وفق موسيقى وخيال محكم. والحق أن كل قصيدة في الديوان تحتاج إلى قراءات عدة، فكل قصيدة تفتح أفقا جديدا أمام قارئها، كما تفتح حلما جديدا وأملا جديدا.. علّنا نجد صورة الرجل المثالي بشغفنا الحالي إلى صورة الماضي الجميل بقيمه الراقية الرفيعة النادرة مع التقادم. ففي رسائلها توجه رسالة شاملة ذات غاية سامية مغزاها يلخص فلسفة الحياة فحنين الرجل إلى المرأة حنين الشيء لنفسه، أما حنين المرأة إلى الرجل فهو حنين الشيء لوطنه، وهنا نجد الشاعرة نادية نواصر تبدع في إبراز ذاك الحنين مكابرة، فتخفي شغفها ضمن رسائل تراوح بين البوح والتشفير.

تشي غيفارا....أيها الرجل ذو الحضور الخفّي.. الذي لا يراه ويهتدي به إلا المرأة المتفتحة العارفة، هي شارعرتنا تلك التي أدركت أنك فريد من زمن المستحيل تسعد العين وتثير السكينة على القلب، عطر سيرتك فواح عبق، يعطي عبيره لمن أحسن الاهتمام به، وزرعه بتربة الوطن المعشوق، يا من علّمت البشرية معنى الرجولة والبطولة، فبفضلك صورت لنا الشاعرة الرجولة تُشعر وتُلمس وتُرى، تعيش ملاصقة لصاحبها كظلّه يراها الجميع إلا هو، تحضر معه إن حضر فتضيف لحضوره هيبة وسحرا، ولا تغيب إن غاب فتُطبع في عقول الناس تماما كما تُطبع ملامح صاحبها.. الرجولة أجمل ما يمكن أن يوجد فيك على الإطلاق، أجمل من أجمل ملامح، وأفخم من أفخم لباس، هي ثمرة حكمة العقل وقوة الإيمان وطهارة القلب، وشجاعة الفعل، وصدق القول ليست لأي أحد ولا تليق بأي أحد سواك......"...كان من الممكن ان تكون نجما...." رسالة 05.

يا من كرّست حياتك من أجل الحق والعدل والحرية أيها الفيلسوف المشرع للحياة الكريمة وفلسفة الشرف. يا من رفضت ان تعيش على هامش الحياة هائما على وجهها بلا هدف، حياتك أسمى من أن تتمحور حول نفسك وأكبر من أن تدور في فلك ممتلكاتك السرابية، لا خبز لك في الادعاء ولا تجيد لعبة الأقنعة ولا تكترث كثيرا لاعتبارات البشر، يكفيك أن تبدي ما لديك بصدق ولا يهمك بعد ذلك إن صدقه التاريخ أم لا، يكفيك كلمة حق وموقف حق، ونصرة المظلوم على الظالم مقابل حياتك. وانت الذي قالت فيك شاعرتنا "..حيث تكون الحرية هي المقابل الوحيد...." "...ليس للإنسانية جنسية ولا ديانة ولا حدود...وشتان بين رجل القضية وفداحة الراعي..." " ايها المسكون بالثورة...الكبار يدخلون التاريخ من اكبر الأبواب ويمضون إلى أبديتهم بأجساد مشوهة ومنقوصة ولكن بأرواح طاهرة مطمئنة..." رسالة 11.

نلخص تجربة شاعرتنا في ديوانها هذا، من خلال مقارنة قصائده بقصائد أخرى تحمل نفس طبيعة الموضوع (رسائل إلى نلسون منديلا...)، فنرى كمية التطوير والتجديد في الشعر، ودرجة إفصاحها عن بنية الموضوع.، وبراعة اكتناز أبجدية الشاعرة الأسلوبية، وإبراز خطوطها الشعرية وخطواتها الإبداعية من تجلياتها الأولى، فجاء ديوانها بمثابة خط زمني شعري لاحق للزمن المفقود، لدرجة أنك تستطيع أن تقرأ تجربة الشاعرة من أول نبضها إلى منتهاه بين دفتي هذا الديوان وتغرف من نهر إبداعها، حتى تكاد ترفع شراعه للنسيم الشعري المنساب، فتمخر سفينة عباب أبيات هذا الديوان المتنوعة موسيقاه، والمكتنز بألوان اللآلئ البيانية، والدرر البديعية، في تنوع خلاق، يجمع بين المتشظي من الحب والحرب ومن القديم والجديد، والآمل والغاضب، والطليق والحبيس، والزمان والمكان، في لغة شعرية حية متميزة، ونسق شعري منفتح على كل الأشكال، وممتد بين كل الأجيال، وتدرك ماتختزله من آهات لتقول في النهاية: أن الثائرين أولى بالمعروف.

***

ليلى تباني

من حيث يدري أو لا يدري يعيد طارق الكناني في "يوميات مچاري: أسرار مدينة"* فك وتركيب تطور المجتمع في العراق بعد الاستقلال. فالحبكة تأخذ شكل دوائر أو حلقات كالتالي: هجرة كريم من الريف، حياة كد وشقاء (ما يسمى في النقد الفني حبكة أرزاق - يمثلها لدينا كتاب الطبقة المتوسطة وأدباء المهجر)، ثم وصوله إلى مراكز رفيعة، وأخيرا هدم بيته في أحداث الشغب. ولكن تغلف الحبكة قصة إطار بطلها صندوق ومذكرات. ولا يغيب عن ذهن أحد توازي هذه الهجرات والرحلات الداخلية مع حلقات التحول الاجتماعي ابتداء من الانقلاب العسكري على الملك عام 1958،  وانتهاء بالغزو عام 2003. ويؤكد هذا الافتراض البنية الداخلية لمنطق الأحداث.

1- نضال وكفاح - أو عمالة عضلية فقط تستجيب لما تمليه عليها الغرائز. وتتخللها أحلام يقظة - مثل حب كريم لجارته شهيدة، مع مشاهد اغتصاب تنتهي بابن سفاح - ترمز له الرواية بجماع بين حمارة كريم وحمار شهيدة. ومثل هذا التبادل في تذكير المؤنث وتأنيث المذكر لا يشير لعلاقة مقلوبة بل إلى حالة رهاب خصاء نموذجي. ويضاعف منها أن كريم كان يتوهم، بينما حمار جارته يمتلك حمارته. ولا تجد الحبكة مخرجا من هذا المطب سوى بافتعال حريق يلتهم البيت ويشرد العائلة. وهو حل استراتيجي طالما لجأت إليه الرواية العربية، وأخص بالذكر "صراخ في ليل طويل" لجبرا. أيضا تنتهي هذه النوفيلا بحريق يهدم قصر العائلة الأرستقراطية ويحول ماضيها إلى رماد. لكن إذا كانت هذه النهاية معلقة، وتضعنا أمام ظلام دامس لا يشبهه غير ظلام القبور، يترك الكناني أمام كريم احتمالا بالمتابعة.  بتعبير آخر لا يؤجل جبرا أحكامه الجازمة، أما الكناني فيؤخرها.

2-  اجتهاد ومثابرة - أو عمالة فكرية تستجيب لما تمليه عليها الطموحات والأطماع. ولا يخرج كريم في هذا السياق عن دورة حياته السابقة. ويقترن بسارة -أرملة لها تاريخ سابق. مجربة مثل شهيدة. ولكنه يصحح النتائج فقط. فيعمد لاغتصابها رمزيا وينجب منها أبناء شرعيين. بتعبير آخر يمسك كريم عصا الذكورة بيده - وهي عصا انتقامية ويضرب بها رأس التاريخ والمجتمع. ويحرص على إدانة أخلاق الطرفين.

وهذا أول اختلاف بين "يوميات مچاري" وبقية الأعمال السياسية التي أرخت لانقلابات العسكر في المنطقة.  فسعد رحيم وسابقه فاضل العزاوي - ينحيان باللائمة على الطغيان وليس انحلال الأخلاق وضعف المبادئ.  بينما يربط بينهما  علاء الأسواني في روايته المعروفة "عمارة يعقوبيان". وإذا تحولت سجون رحيم والعزاوي إلى بيت أو عمارة عند الكناني والأسواني، لا يمكن أن لا نلاحظ الدلالة الضمنية التي لها شكل ميتا رواية. فالسجن فضاء حدود، بينما البيوت والمساكن هي فضاء أحوال. وهناك فرق بين الطرفين يشبه الاختلاف القانوني بين الأخلاق /قديمة وموروثة والطغيان /وضعي وتعاقدي. وأستطيع أن أشبه الأول بما يسميه علم الإحصاء دلالة معنوية significant difference والثاني بما يسميه المتبقي residual أو الخطأ الأولي -وهي أخطاء لها علاقة بالتصميم والقياس.  وتوجد قرائن على هذه المشكلة وهي تأنيث أحداث القسم الثاني من الرواية وتبادل النساء للأدوار دون تبديل في المعنى. فسارة -الزوجة تشبه شهلة -الأخت. وحورية العمة الضحية تشبه شهيدة جارته أو وكيلة الشيطان. وإذا سقطت آخر امرأتين في حفرة المجتمع، فقد جرد كريم حسامه لينتقم لهما بقوة القانون. وإذا نجت أول امرأتين من المصير الأسود تبقى هناك ندبة عميقة في حالة شهلة. فهي أخت بشهادة الميلاد وابنة عمة في الحقيقة.  وتختار الرواية التستر على هذه الأسرار، فيتلف كريم وثائق ميلاد شهلة، ويعيد الراوي صندوق اليوميات إلى صاحبه. وجدير بالذكر أن هذا يضع الاثنين على قدم المساواة، ويساوي بين الراوي الأول والثاني. أو بين المتكلم والمدون. ويحتفظ كل واحد منهما بسر لا يعرفه الآخرون. سر الأخت والعمة، وسر يوميات كريم.

3- سقوط ولجوء - أو فشل عسكرة العراق.  فشهلة تسافر إلى لندن لدراسة الطب وتعود بشهادة عليا. ويخرب بيت القاضي كريم ويحتمي بشهلة. وكأن الرواية تريد أن تترك مفاتيح الخاتمة بيد ممثل لقوة خارجية.  ومن سخرية الأقدار أنه حل تأنيثي أيضا. عدا أنه بيولوجي (طبيعي وإحيائي- فشهلة طبيبة).  ولذلك لا أعتقد أن الرواية هي ببساطة قصة نجاح أخوين أحدهما طبيبة والآخر رجل قانون. ولكنها أقرب إلى حبكة العمل الوثائقي الهام الذي أعدته إذاعة بي بي سي قبل سنوات بعنوان "بيت صدام".

بقيت عدة ملاحظات لها علاقة بفن النوع.

أولا هذه الرواية نوفيلا عن تخريب مجتمع المدينة وقيام مجتمع الدولة. ولذلك عمدت لزرع أخلاق ريفية في وسط  مدينة. وإذا غابت صور الحقل والفلاح فقد حلت محلها صور الموظف والطالب والبيت.  ولكن مثل هذا التحويل رافقته بالضرورة المكائد وخطط الانتقام، وربما من هذه الحقيقة نشأ الاهتمام بالجانب القانوني والحقوقي من طرف وبالجنايات وجرائم الشرف وعقدة التلصص من طرف آخر.

ثانيا ابتعد الأسلوب عن أعصبة الحداثة، واستعمل الحيل الفنية الأولية كاليوميات والحوار المونولوجي الطويل. وقد كانت اليوميات تصور وتتابع أما الحوار كان ينقل ويلخص. وربما هذا أيضا تعبير غير مباشر عن أخلاق مهاجرة حقنتها الرواية في مجتمع حضري مستقر. وهو ما يبرر أيضا حيرة كريم بطل الرواية فيما يخص الانتماء، فلا هو يدخل في بنية النظام الجديد ولا يعارضه. وبالمثل لا يتخلى عن المدينة لكنه لا يلتزم بمدينة واحدة. وأعتقد أن هذا التردد ليس مشكلة ذاتية فقط ولكنه قضية نوعية ويعبر عن ضرورة الانتماء لهدف خارجي. وهو يشبه إلى حد كبير بنية السايبورغ، الكائن الذي تتآزر فيه البيولوجيا مع الميكانيك، أو الإنسان الآلي مع الإنسان الحقيقي. وهو ما تجد فيه الدكتورة إيليت بين يشاي الأستاذة في جامعة حيفا حبكة قانون طوارئ أو حبكة أزمة سياسية مستمرة لها تعبير ثقافي. والثقافة في هذا السياق ليس بالمفردات ولكن بالتصورات وبما يلحق سلم العلاقات الوظيفية من تشويه واضمحلال يصل لدرجة السقوط.  ومن المؤكد أن هذا السياق يدين بالكثير لمشكلة فلسطين وما فرضته النكبة علينا من وعي مصدوع بعلاقة الحضارة مع العرق. وهي كلمة أوضح من الهوية أو دولة الأمة. فهي مفردات محدثة وأسقطنا عليها ضغوط الغرب في إعادة تعريف معنانا الوجودي والتعايش مع المحن والأزمات. ولا يوجد شيء يخجل في المفهومات العرقية إذا ابتعدنا بها عن التعالي العنصري. فالعرق حقيقة يرعاها التاريخ والجغرافيا أو قانون الأصول، بينما الهوية مفهوم أنتجته أوروبا بعد عصر التنوير. ولذلك أضيف أن النكبة بحد ذاتها لم تكن هي المحتوى الحقيقي للصراع والمأساة -في رواياتنا ولكنها مجرد إسقاط آخر للمخاض الذي تطور ما بين الحربين بين 1915 وحتى 1950. وإذا قدم الغرب تفسيرا وجوديا لمشكلته مع حرية الأفراد كان لزاما علينا تقديم تفسير حضاري وآخر، للأسف، أمني عن مشاكل السلطة معنا. بتعبير أوضح ما يتسبب به الأفراد من عجز وقلق في مجتمع كوزموبوليتاني متعدد الأعراق والثقافات في الغرب يقابله لدينا تقصير في تأمين الخدمات لمجتمع من لون واحد. وهو ما ينشأ عنه خوف دائم يمنع الإنسان من مصالحة نفسه ويحض على الاختلاف مع صوره الكثيرة التي ينتجها مجتمع مرآتي يكرر ماضيه.

ثالثا. لم تنقل الرواية بطلها من مستوى أدنى إلى أعلى، ولم تغير المعنى المباشر للأجناس بمفهوم الجندر - أو التجنيس الاختياري. وإنما حاولت أن تصالح عليه. فشهيدة تعود للظهور بصورة سارة، وأخيرا بصورة شهلة. وكل ما يتبدل هندسة المكان ومظهر الشخصيات. لكن من الداخل نجد اهتماما بقضية الأنساب وتطور هذه الناحية اجتماعيا من فوق المعنى التاريخي للجنيالوجيا. وحتى لا نضفي على العمل البسيط والتلقائي شيئا ليس منه، أعتقد أن لجوء المقيم للمهاجر العائد لا يختلف عن وعي فتح المدينة الأم بمعونة من المدينة التوأم (إسقاطات عميقة لنزاع مجتمع مكة التجاري مع مجتمع اامدينة العسكري - وعقد تحالفات خارجية لكسر شركة النواة أو المركز).

رابعا اهتمت الرواية بما أسميه سياسة المكان المحدود أو الكامبوس. ولا أقصد المدينة الجامعية بل أضيف أيضا مخافر الشرطة والمحاكم والضواحي. بمعنى أنها حولت البلد إلى ثكنة عسكرية. وهذا ما يرشحها لتكون نموذجا لأدب الطوارئ.  ولذلك يجب أن نتوقع وجود لغة رمزية تنشط من خلف الدال وفوق المدلول. وأستطيع أن أتصور أنها نظام رموزي معدل من لاكان: في أول مستوى تكون الأحلاف الاجتماعية نتيجة عقود تعود بالنفع على الطرف الضعيف وتضمن تحييد الطرف القوي (حالة الآغا بعد رفع راية الاستسلام - وقد ظهر في الحبكة مرتين. أول مرة اغتصب بها عمة كريم. وثاني مرة بعد الانقلاب. وجاء إلى كريم ليطلب يد أخته. ولا شك أن الارغام والامتلاك هو نقيض الطلب والتوسل).  وفي المستوى الثاني  لا يمكن للدوال، والتي هي شكل عائم للمتخيل، أن تخدع ذاتها دون خداع غيرها. ولذلك تبدو الأخطاء كما لو أنها بديهيات أو أمر واقع. وفي أسوأ الأحوال كأنها نتيجة مرونة براغماتية. وفي هذه الحالة لا يوجد موضوع للرغبة ولكن افتراضات عنه (وهو حالة سارة).

***

د. صالح الرزوق

................

* صدرت الرواية عن مؤسسة المثقف العربي ودار أمل الجديدة بغلاف للفنان مصدق الحبيب. 136ص. 2023.

يتبوأ المكان منزلة معتبرة في النص. وحضوره مرهون بحسن استثمار الكاتب له. وفي وسط صراعه مع مخيلة الكاتب تنمو مكونات النص مع هذا المكون ليعكس للمتلقي أهميته ودوره في احتضان جميع تلك المكوناته السردية فتمثل أمامه وتخضع لمبادئه ومعاييره التي يحددها طابع النص. وهو الذي يفتح الطريق للمتلقي لتتبع مسار النص من بدايته وحتى نهايته من خلال المواقف والأحداث التي يزخر بها، وبهذا يصبح المكان مكونا مهما يساعد في صنع المعنى داخل النص.

ويحمل المكان دلالات متنوعة وعلاقات مختلفة تربط الإنسان بواقعه المكاني وبالتالي يتفاعل كل منهما مع الآخر حيث أنه في نظر يوري لوتمان السيميائي الروسي (حقيقة معيشة تؤثر في البشر بنفس القدر الذي يؤثرون فيه).

 والنتيجة نشأة علاقة مزدوجة بينهما لكننا نجده في حيوات سحيقة يبسط حركته على الشخصيات من خلال هذه العلاقة.وبالفعل فإن المكان عند يحيى القيسي لعب دورا فعالا باعتباره المحرك الأساسي لبنية أحداث وتسلسل أزمنته واختلاف موقعه.

وقد اختار الكاتب البتراء كنقطة انطلاق لأحداث نصه الإبداعي عن طريق صالح الشخصية المحورية الدليل السياحي الذي يرافق فريقا تلفزيونا يصور فيلما وثائقيا عن الرحالة السويسري بيركهارت الذي وصل مدينة البتراء عام 1812 متخفيا تحت شخصية مسلم ألباني. ومن هنا تنطلق أحداث الرواية وتبرز سمة المكان من خلال غرابته وقسوته فالبتراء ليست مجرد مكان إنما كانت حضورا مكثفا شغل فضاءها حيث دارت فيها جلّ الأحداث المحورية والتي صنعت ذلك العالم الغريب اللامألوف للبطل صالح وكانت الأرضية الصلبة لها.وهذا ما أكسبها (البتراء) خصوصيتها من بين  بقية الأماكن سواء كانت أماكن مفتوحة أو مغلقة.

وللمكان في هذا النص سلطة، فقد اتخذ عمقا فنيا من خلال سرد أهم ميزاته وذكر مفاتنه التي تغوي المتلقي لاكتشاف أسراره. وقد بسط سلطته تلك من خلال تفتح دلالاته على مجموعة من ثنائياته الضدية مثل الصعود والنزول، قريب بعيد، منخفض مرتفع، تعقيد المكان وبساطتة ومنه ما ورد ص12 عن مارغريت التي جاءت من الغرب سائحة إلى البتراء.أحبت بدويا من عائلة البدول وتزوجته وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية التي دفعتها إلى هذا الزواج من وجهة نظرنا ننقل ما ورد دون أي طعن بما ذُكر (والأهم من ذلك قدرتها على تجاوز النقلة الحضارية من قلب الغرب وزمهريره إلى بساطة الشرق ودفئه). وفي ص133 (عند الهضبة المنبسطة المسماة سطوح الجبل قرر أن يرتاح من صعوده.. وربما محاولة النزول). وتعكس هذه الثنائيات حركة المكان وتعالقه مع سير الأحداث.

وينقلنا القيسي من مكان إلى مكان فمن عمان إلى الزرقاء إلى لندن ثم يعود بنا إلى البتراء حيث بدأت أحداث الرواية وجعل هذا المكان مركزا رئيسيا لاستقطاب جميع الأماكن. فالكهف الذي يسقط به صالح بعد أن تزل قدمه يصبح مصدرا لحياة جديدة تتسم بالغرابة يعيشها صالح، تؤرقه وترافقه إلى نهاية أحداث الرواية. ومن هنا ينشيء القيسي علاقة وطيدة بين صالح والكهف الذي يمارس كينونته وحضوره وما له من دلالة فيطلعنا الكاتب على الفضاء الذي تبوأه الكهف والذي أصبح الفضاء المركزي لأن الكاتب من خلاله يفتح للمتلقي أبواب التخييل وآفاق التامل. وتلك العلاقة نشأت بفعل الأسرار التي يخفيه هذا المكان خلفه فهي علاقة رهبة ورغبة في اكتشافها وكشف ما لم يكشفه غيره وهذا يتضح ص137 على لسان صالح 0 سأكتشف خباياه من الداخل بكل هدوء، من المؤكد أنني سأعثر على مخطوطات قد تغير وجه التاريخ).

واختلاف الأحداث وتنوعها مرتبط بتعدد صور المكان داخل النص والتلاعب بهذه الصور تم استغلاله بشكل متقن. فإسقاط الحالة النفسية والفكرية لشخصيات العمل على المحيط الذي يتواجدون فيه يعطي للمكان دلالة تتخطى المألوف كوسط يؤطر الأحداث. فنراه عند القيسي محاورا حقيقيا يقتحم عالم السرد متجاوزا نفسه كمكون يتحكم الكاتب بوصفه.

وقد أسس الكاتب عالما خوارقيا حينما أسقط صالح في الكهف، ليلتحم فيه المكان مع الإنسان وهذا المشهد ينبئ المتلقي أنه بصدد استقبال عالم لا مرئي وهو عالم الماورائيات مثل التخاطر مع الأرواح والتقمص. بهدف تمرير الانتقادات الاجتماعية والسياسية والدينية حيث وجد فيه الكاتب حريته في الكتابة. فقام القيسي بإسقاط حوادث وقعت في الماضي على الحاضر ليؤكد بأن العدوان بين البشر ما يزال ساريا والصراع قائم مهما تنوعت أشكاله واختلفت أسبابه. وبهذا فقد تداخل الماورائي والتاريخي والواقعي وتوحدت في عالم واحد.

وللمكان في حيوات سحيقة إسقاط معنوي فالكاتب يرى أن البتراء حكمة، فيكشف قيمتها وقداستها من خلال أساليبه المتسقة مع طرحه لموضوع المكان باعتباره موضوع فني جمالي ومعرفي له دلالته. لكنه مكان يعاقب ويسخط، حدوده قلة أسراره والتي وجب حفظها وعدم كشفها .وصالح بطل الرواية قرر اكتشاف عالم أسفل الكهف، وبذلك يكون قد حاول خرق أسرار هذا المكان فعوقب بالاختفاء الذي ربما هو الموت فهي لعنة المكان التي حلت به لأنه تمرد على غموضه وحاول السعي لكشف أسراره. يتضح هذ ص136 (بعد ثلاثة أيام من تلك الليلة عثر أحد الرعاه في وديان البتراء على حقيبة جلدية فيها دفتر للملاحظات وأشياء أخرى، لكن أحدا لم يعثر على صاحبها إلى اليوم). فرحلة البحث تلك قادت صالح إلى الفناء والهلاك بسبب التحام الشخصية مع المكان.

وللمكان عنجهية تظهر وتبلغ ذروتها في محاصرة الشخصية الممتدة في المكان بوشائج فنية،عندما يحفر المكان/ الكهف، في أغوار هذه الذات/ صالح، مسارات عميقة فيفرد من خلالها سطوته وسيطرته فحينما يقرر صالح إثبات أن ما يحصل له من أمور غرائبية هي ليست جنونا أو مرضا نفسيا، يفرض عليه المكان القيام بتلك الرحلة لاكتشاف كنهه ويتضح ذلك للمتلقي ص133 (إذا سيثبت لنفسه الهائمة ولكل المتشككين بحكايته عن الكهف أن ثمة شيئ يستحق أن يتعرفوا عليه عما قريب).

كما أن جمال المكان كان له دور في التأثير على صالح في رحلة بحثه .فبينما كان يستريح وهو في طريقه إلى الكهف ص136 (بدا له ضوء النجمة التي تربض على قمة الجبل يزداد سطوعا كأنها انحدرت من الأعالي مقتربة منه في هجعته تلك). فتلك النجمة التي كادت تطبق على المكان زادته شوقا لمعرفة أسرار هذا المكان وما يخفيه خلفه.

ومن العناصر الدالة على تميز المكان الذي انطلقت منه الأحداث وانتهت عنده ما عبر عنه السارد ص7 وهو يصف جمال البتراء (ربما لجمال تلك التشكيلات اللونية في بطون صخورها). وفي ص15 (فتبدو زرقة السماء من بينهما أو تغيب، بينما يمسح الضوء المتوهج تلك الظلال الناعسة فوق المنحنيات وعلى بطن الصخر).

كما أسهم المكان بأبعاده الدلالية في بلورة مفهوم النص وتنوع الأفكارالتي أراد الكاتب إيصالها للمتلقي. فنجد في النص الدلالة الدينية مثل حضور المسجد حينما أتى بالحديث عن مدينته الزرقاء وذكر الجماعات التي تسمى بالدينية وهي عن الدين أبعد، وتوريطها لصغار السن وغسل أدمغتهم للذهاب إلى سوريا والعراق لتلبية نداء الجهاد.

ويكتشف المتلقي في نهاية النص فيما جاء من ملاحظات كتبها صالح في دفتره في رحلته الأخيرة مع الحياة الملامح الصوفية التي تسم شخصيته ففي ص140 (ملاحظة: سأقترح على مدير مركز الدراسات حين أعود إلى عمان أن ننجز بحثا عن التصوف في محاربة التطرف). والتصوف عند صالح هو أن تعم المحبة التي تنفتح على الإنسانية جمعاء والتي جللها الكاتب بهذه العبارة على لسان صالح ص  134(لو كنت سأختار مذهبا لي في هذه الحياة فمن المؤكد سيكون دين الحب الذي ينفتح على الإنسانية جمعاء وينبذ العنف).

بقي أن نقول بأن يحيى القيسي سعى إلى إثارة هيكل أفق المتلقي عن طريق دلالة علم الماورائيات الذي صنعه ـوهو علم يرتبط أساسا بالتاريخ بل هو امتداد له ـ ليقول عن طريقه الكثير ويسر للمتلقي بمكنوناته. وهنا يكون قبول المتلقي أو رفضه لما تلقاه مرتبط بقناعاته ومعتقداته. والواية من إصدارات دار خطوط وظلال/ 2020 .

***

قراءة بديعة النعيمي

يُقدّم الكاتب والشاعر الفرنسي خالد الذكر الفونس دي لامارتين (21 تشرين الاول 1790 - 28 شباط 1869، في روايتيه الهامتين، "جزيلا"، أولًا، و"رفائيل" لاحقًا، رؤية دافئة للحب الإنساني الراقي، يزيد في أهمية ما يُقدمه.. وفي قيمته أيضًا، أنه اعتمد في كتابته لهاتين الروايتين على تجربته الذاتية.. تلك التجربة التي ابتدأت سخونتها تزداد رويدًا رويدًا حتى انتهت إلى جمرة، تحرق اليد وتُشعل الروح.. بنار الفقد والحرمان من أجمل ما خلق الله.. المحبة على هذه الارض.

لامارتين شاعر فرنسي عُرف بأنه من أهم شعراء الحب والرومانسية، ولد في مدينة لاكان الفرنسية عام 1790 ورحل عن عالمنا عن عمر ناهز التاسعة والسبعين عامًا. كتب الشعر وله فيه عدد من المجموعات أهمها "التأملات"، كما كتب الرواية وله فيها روايتان كما سلف، تحدّث فيهما عن حُبه المتقد المشبوب.

سبق وقرأت هاتين الروايتين وعاودتني الرغبة في قراءتهما مؤخرًا، فقمت بقراءتهما واحدة اثر الأخرى. ابتدأت بقراءة الرواية الأولى "جزيلا"، بترجمة إبراهيم النجار، وقد صدرت في أواسط الثلاثينيات، بعدها قرأت رواية رفائيل"، بترجمة أحمد حسن الزيات، علمًا أن مجيد غُصن قام بترجمة هذه الرواية مُجددًا، وقد قدمتُ قبل فترة، محاضرة عنها في المعهد الفرنسي في مدينتي الناصرة، قارنت فيها بين الترجمتين. فرأيت أن الزيات قدّم ترجمة اعتمد فيها على تَمثُّل الحالة اللغوية الروائية وقام بعدها بتعريبها، وكأنما هي كُتبت بلغة عربية جزلة، في حين كانت ترجمة مجيد غصن أقرب ما تكون إلى النص المترجم المتبع حاليًا فيما يقوم آخرون بترجمته من لغات أخرى إلى لغتنا العربية.

يَتّبع لامارتين في كتابته لكل من هاتين الروايتين أسلوبًا مُميزًا يركّز على التطور البطيء للحدث، لكن الغني في تفاصيله ووصفه للمشاعر، لهذا ليس من السهل تلخيصهما، أما فيما يتعلق بالحدث الروائي ذاته فإن مؤلفهما، يحكي في جزيلا عن رحلة إلى إيطاليا، قام بها أيام شبابه الاول، وتعرّف خلال رحلته هذه على جزيلا، إبنة الصياد الفقير، التي ستقع في هواه، بسبب طيبته وإيجابيته في التعامل معها ومع عائلتها، وبسبب إنسانيته الدفاقة. تتعلّق جزيلا بالراوي، مع علمها أنه لن يرتبط بها لبُعد الشقة بين عائلته الغنية وعائلتها الفقيرة. وتنتهي الرواية نهاية محزنة مؤسية تتمثّل في الفراق الابدي بين اثنين، رجل وامرأة، كان بالإمكان أن يعيشا قصة حب فريدة من نوعها. لكن بدل أن تنتهي هذه القصة إلى التواصل والوصال، تنتهي بالفراق، لهذا تحقّق نوعًا من خلود .. أمه الشوق وأبوه التوق الابدي.

في روايته الثانية" رفائيل"، وأذكر بالمناسبة أن طبعة منها صدرت في بلادنا، قبل العشرات من السنين، وقُيض لي أن أطلع عليها في حينها وأن اقرأها، فإن الحدث الرئيسي فيها لا يفترق كثيرًا عن الحدث الرئيسي في جزيلا، فهي تحكي قصة حب ملتهب بين شخصية عظيمة يقوم بتقمّصها، والتعامل معها على اعتبار أنها قناع روائي، هي شخصية الفنان العالمي العظيم، رفائيل، وبين امرأة قست عليها الحياة فأفقدتها الام والأب، وألقت بها في ميتم للأطفال في ضائقة. في هذا الميتم، أو الملجأ، تتعرّف على واحد من رجال العلم يكبرها بخمسة أضعاف عمرها، كما تخبر رفائيل في بداية تَعرّف كل منهما على الآخر، هذا الرجل لا يهمه شيء سوى سعادتها. وعندما يشعر بضيقها الذي سرعان ما يتحوّل إلى مُعاناة صحية، يرسل بها لتقيم في بلدة سافوا الفرنسية، وهناك يلمحها رفائيل، القادم من باريس العاصمة، ويأخذ في تَحيّن الفرصة للقاء بها. القدر لا يبخل عليه بهذا اللقاء المتمنّى، فيتصادف أن تواجه عاصفة قاربًا يقلها، فما يكون من رفائيل إلا أن ينقذها. هاتان الشخصيتان، يقع كل منهما في هوى الآخر. وتتطوّر الاحدث إلى أن تقوم تلك المرأة المحبوبة بإبعاده عنها، بادعاء تلفقه، ليتبيّن لنا، نحن القراء في نهاية الرواية، أنها إنما أبعدته عن معاناتها في أيامها الأخيرة وتقضي هذه الحبيبة ليعيش رفائيل مأساة حياته بفقده الفادح لها.

كما قلت في كل من هاتين الروايتين، مواقف تسمو فيها أحاسيس كل من العاشقين المدنفين المتيّمين، إلى آفاق عالية شاهقة. تبحر في آفاق الإنسانية العامة، وتقدمان كما سلف صورًا مبهرة للحب الرومانسي الطاهر الحنون. روايتان تدفعان مَن يقرأهما لأن يتفاعل مع أحداثهما، وكأنها تقع الآن وهنا.

***

بقلم: ناجي ظاهر

 

يعيش كاتبنا متنقلا بين ضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط من جامعة الجزائر إلى جامعة السوربون، في باريس وإن كان ينتقل أحيانا إلى ضفاف أخرى من هذا العالم كالوطن العربي وغيره، إلا أن سعيه بين الجزائر وباريس لها متعة خاصة، لها حنين خاص ولها دلالات عميقة في عقله الباطني، إنها رحلة والده أحمد النقابي المثقف الأخيرة من فرنسا إلى الجزائر ليلتحق بثورة التحرير 1954 ضد المستعمر الفرنسي، الذي شارك أيضا في مقاومة النازيين على مشارف باريس.

قصة بحث أم واسيني لعرج عن قبر زوجها المفقود كل هذه المشاهد من الظلم عالقة في ذهنية مؤلفنا الذي لا يتحمل الاعتداء على الإنسان بصفة عامة كما رأينا ذلك في عمله وهو يناجي صديقه الأديب عمار بلحسن المتوفى 1993 حين يقول له: مضى زمن لم نلتق أنت في وهران وانا في العاصمة زرتني في بيتي في (عين الله) قلت أحسن من وهران التي بدأ يحتلها بني كلبون.

 قلت لك: يا عمار تمنيت ان أبقي في وهران لكن عصابة الشؤم في قسم اللغة شاءت غير ذلك، في القضية الفلسطينية وهو يبكي عليها قائلا فلسطين تودع شهداءها، كبرياء.

ليصبح أسودها، اليوم في نبلس الجريحة، بالكثير من العزة والكبرياء. لن يصبح الدم ماء، اليوم، او غدا او بعد قرن.

بالغ في رحمته للإنسان مهما كان في تأثره بالتعذيب وإبادة هتلر لليهود بطريقة وحشية، دون أن ننسى حضوره الأدبي وانكاره على حرق جمال بن إسماعيل في الأربعاء ناث ثيراثن حين يقول: الملائكة تموت أيضا.. اسمي جمال بن إسماعيل، أصدقائي الأقرب ينادونني جيمي.. وفي المغرب العربي ووحدته حاضر وفي اليمن وفي سوريا.. فهو روائي ثائر في هدوء شجاع في حلم، متحرك في سكون، وإن روايته هذه نساء كازانوفا تصب في هذا الاتجاه الدفاع عن حقوق الإنسانية بكل أبعادها أمام الآخر مهما كان مستعمر، إرهاب ديني تسلط ذكوري مخالف للفطرة...

نتحدث عن ذلك حينما نتحدث عن سيمائية عنوان الرواية.

سيمائية العنوان نساء كازانوفا إن هذه البنية اللغوية علامة ذات دلالة عميقة وانساق ذات مضمون هام يدور حوله السرد حتى يبلغ منتهاه الذي أراده المؤلف.

جاء في القرآن الكريم منهم زهرة الحياة الدنيا أي زينة الدنيا وحسنها وبهجتها فالنساء يكون منهن الأنس والسكن والمتعة المتبادلة بينهما، والنساء شقائق الرجال مكلفات بواجبات ولهن حقوق مثل الرجل ويكفي أنها الأم، الأخت، الزوجة، البنت..

وقد تعرض موضوع النساء إلى ما فيه تفريط وإفراط فقد همشت في دورها في هذه الحياة حتى من عدها ليست بإنسان أو خلق شيطان كما هو في مجتمعات بدائية وأعراف منحرفة أو هناك من أفرط فيها لتكون الإله فهي تعبد من دون الله وتستغل أبشع استغلال، كما نرى ذلك فيما سمي بتحرر المرأة والمجتمع المؤنث.

حررت لتستعبد وقد شعرن بذلك بعضهن فهن يردن الآن الرجوع إلى الفطرة السوية..

أما علامة كازانوفا تحتاج عملية النظر السيميائي فيها إلى أمرين هامين:

معرفة كازانوفا المشبه به وهو جاكوم كازانوفا الإيطالي 1725/ 1798 المولود ب البندقية .....

معرفة السياق التاريخي لمدينة البندقية 1725......

لماذا لم يختر المؤلف شخصية مشابهة له ك إمريء القيس في النساء والمجون ....

معرفة كازانوفا لوط وهي الشخصية الطاغية الظالمة التي تحدث عنها المؤلف .....

معرفة السياق التاريخي لمدينة منارة سيتي حيث بناية كازانوفا لوط المسمات لاغروند تيراس .....

la grande terrasse

*جاكوم كازانوفا في الواقع لم يكن من الطبقة الأرستقراطية العليا في مدينة البندقية إبن ممثلين تركاه عند جدته من أمه كان فنانا محتالا وكيميائيا وجاسوسا ورجل دين وقانون كتب الشعر سجن وهرب من السجن سمحت له هذه الشخصية التقرب بالنساء في مختلف الأعمار حيث ما رحل وارتحل فاكتسب بذلك شهرة زير النساء وقد نظر لذلك في مذكرة له ترجمت لعدة لغات ...

*البندقية في عهد كازانوفا كانت مركز من مراكز النهضة الأوربية، ازدهر فيها الفن والأوبرا الشعر، الفروسية، يرافق كل ذلك ازدهار التجارة من ذهب وفضة وفن الرسم بالإضافة الى شيوع القمار اذا كانت هذه بيئة كازانوفا فلتنتظر من فينيسيا فنون الإغراء و الإغواء فما بالك إذا كانت هذه الشخصية فيلسوفة ومحامية وكاتبة فانتظر الإبداع والتميز في الوصول إلى عاشقاته .............

*امريء القيس الملك الضليل المترف ولد بديار بني سعد برغم ان والده هدده مرات عدة ونهاه عن حياة اللهو إلا أن امريء القيس لم يكف أبدا عن نظم الشعر الماجن، ومغازلة النساء وشرب الخمر ومصادقة الصعاليك من العرب يصف امريء القيس المرأة التي يباغتها في أي مكان لأجل المتعة والمتعة فقط:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة

فقالت لك الويلات إنك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معا

عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

فقلت لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني من جناك المعلل

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

فألهيتها عن ذي تمائم محول

إذا ما بكى من خلفها انصرفت له

بشق وتحتي شقها لم يحول ....

أردت أن أقول للكاتب كما قلت لصاحب بيتزيريا سماها بيتزيريا كازانوفا ليما نستورد كازانوفا وعندنا إمريء القيس ؟لكن أعلم ان الكاتب يوجه نصه المسرود كيفا ما يشاء ولعل هذا الأخير أشهر من إمريء القيس في العصر الحديث .......

*كازانوفا لوط شخصية الرواية: هي شخصية في عالم المال عن طريق النهب والتزوير والرشوة والتدخل الشركات الأجنبية، في زمن يعج بالفساد لأن طبعة الرواية الأولى بالعربية كانت بالجزائر سنة 2016، وقد يكون المؤلف كتبها قبل هذا الوقت بقليل أو كثير المهم وقت تسلط طغمة الفساد المتعاملة مع الأجنبي، في إنشاء مصانع السيارات تنفخ فيها العجلات والباقي كله تركيب، استراد كل شيء حتى أكل القطط والكلاب بالعملة وإفراغ الخزينة .

صار لكل بارون صحيفة الغاشي وبناء المستشفيات وتهريب كل شيء حتى المرضى يعالجون عندهم بحكم عدم وجود الإمكانيات في القطاع العام، السيطرة على الشركات بعد افلاسها وغلقها وتسريح عمالها للبطالة والفقر، بعث ثورات مزيفة تحت نقابات مزيفة لمزيد من الحرق وتدمير البنية التحتية للجزائر والدعوة الى تمديد عهدة رابعة وخامسة لرئيس مقعد مشلول.

يتنقل أحدهم بطائرة خاصة من ولاية الى ولاية يغير النساء كما يغير جواربه في كل وقت يطفئ سيجارته فوق لحم الدجاج والمشوي مع أجود المشروبات الكحولية القادمة من كل الدنيا، هؤلاء هم من قصدهم المؤلف لكنه موه باسم لوط كازانوفا، ذكر المؤلف بعض هذه الانتهاكات، لكنه ركز على استعباد النساء بالخداع والاغتصاب، وهضم حقوقهن الشرعية لامتلاكهم مصدر الفتوى الإمام ومصدر القوانين بامتلاكهم الأيدي والأعين في كل مكان الأمن، الصحة، الأسواق، المطارات، الوكالات كل ما يطير أو يحط إلا بأمر من هؤلاء الطغاة.

المؤلف لم يذكر أسماءهم لكن قائمتهم الطويلة في شتى السجون وملفاتهم في شتى المحاكم، كل هذا الواقع سيؤدي إلى حتمية وهي ثورة الشارع والحراك لهذا صنعوا الازمات منها الإرهاب، فهم من صنعوا الفكرة وجندوا من أكلتهم أزمة البطالة والتشرد واليتم، ووفروا السلاح للقاتل وصنعوا المواكب الجنائزية واختاروا الضحايا للوصول بهم الى الحروب الاهلية، بعد أن وفروا الإقامة والأموال عند الآخر المستعمر السابق المنتقم من الشهداء والوطن بأبناء الشهداء والوطن..

منارة سيتي هي بندقية لوط كازانوفا تمثل كما جاء عند أصحاب النقد الاجتماعي البنية التحتية لاسواق وموانيء ومحلات ومؤسسات

تخدم من تشاء وتهمش من تشاء، استعباد مطلق وتسخير بلا حدود، بالإضافة إلى تهميش المثقفين واهل الفكر الذين تقتلهم الحسرة على واقع مزري لكن لا يتكلمون إلا بالقدر اليسير يواسون من أنهكتهم هذه الحياة أمثال حوار يتكرر بين العم خلدون وبائع الخبز والجرائد كابي ......

يذكر نماذج من النساء الذين حملوا الأزمة في أرحامهن وعلى كواهلهن فمنهن من تأقلمت مع الواقع المزرى ومنهن من انفصلت بعد أن أخذت نصيبها من البلوة ومن هن من كانت أداة للانتقام من هؤلاء الرجال لكنهن اجتمعن في ذلك اليوم المشهود يوم الغفران

يوم انتظار الدخان الأبيض من الإخوة المجتمعين لانتخاب الخليفة .....

*لالة الكبيرة لدام بلونش: تمثل المرأة الأولى في حياة الرجل تفقد كل شيء العاطفة، الاهتمام أمام الصغيرات الوافدات الجدد من نساء لوط كذب على الزوجة الثانية زينا أن هذه الأخيرة ستموت بالسرطان .....

* زينا امرأة الأوبرا التي تمثل المرأة التي يغريها الرجل بباقة الورد ثم الفنادق والرحلات وتشجيعها لتصل الى المجد ثم سرعان ما تفقد بريقها لتصير مثل غيرها ولها أن تختار المواصلة مع الاستعباد أو الرحيل والعودة إلى ماكانت فيه وكان لها ذلك....

سراي امرأة من يهود توات تزوجها كازانوفا لوط بعد أن خطبها من أهلها وإخوتها اليهود حين زار صحراء توات وهنا تثار حقيقة هامة جدا وهي حقيقة نازلة يهود توات هناك من يتباكى عما حدث لليهود في تمنطيط وما تعرضوا له متجاهلين ما قام به هؤلاء اليهود من عبث وفساد في البلاد لا ينبغي تمجيد اليهود تمجيد كبيرا وتقزيم دور المغيلي الذي طهر المنطقة من هؤلاء اليهود لما فيهم من خبث لا ينقطع وقد تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي ومزال كيدهم إلى اليوم يهدد منطقة الساحل الجنوبية، قد يفهم من النص أن المغيلي كان كهتلر هذا لم يحدث لقد أدبهم و أجلاهم عن المنطقة، لم يتغيروا وما يصنعونه اليوم في فلسطين كاف أن يحذر منهم و يخشى خطرهم، لا ندري اليوم لما يثار هذا الموضوع ؟هل هو وسيلة لإظهار تسامح المؤلف ؟أم أشياء أخرى لا نعلمها لكن نحسن الظن بالكاتب وسيني لعرج لمواقفه الوطنية والعربية و الإنسانية المعادية لإبادة الشعوب منها الشعب الفلسطيني .......

* روكينا أو مريم التي اغتصبت عذريتها وسرق منها مولودها في مستشفى لوط كي لا يعترف به ويدفن في مكانه جثة أرنب أم المولود يتربى في جهة أخرى وتربطه علاقة بأمه دون ان يعرف ثم يقتله الإرهاب وهو يدافع عن خطيبته ......

خلاصة لهذه الدراسة: كان المؤلف بارك الله في عمره آية في الإبداع وصناعة الصورة المشينة للفساد وما ينجر عنه من ضرب حقوق الإنسان وتكريس الاستعباد فشكرا له .............

كلما توفرت أسباب الفساد حل بالحرث والنسل البوار والضياع وكلما توفرت أسباب العدل وبذل الخير كان النماء والإزدهار ......إنتهى

***

رابح بلحمدي الجزائر

تدور أحداث رواية الهامش للكاتب خالد سامح، "الصادرة عن منشورات ضفاف/ الاختلاف/ بيروت/2020" في فترة حرجة من التاريخ هزت العالم العربي وهي فترة سقوط النظام العراقي عام 2003 وما بعدها. وما تبعه من نخر للقيم والمبادئ. وقد دعت تلك الأحداث في مجملها إلى القلق والخوف على الوضع الذي وصلت له مجتمعاتنا وانعكاساته النفسية والمادية على شريحة الشباب ،خصوصا بعدما أصبحت عمان هي المكان الأكثر أمانا للفارّين من لهيب تلك الحرب التي أتت على الأخضر واليابس وقلبت موازين الأمور. ومن العتبة الأولى للرواية وهي العنوان الموسوم ب الهامش يستطيع المتلقي أن يستشف بأنها رواية مشحونة بهاجس القلق. والقلق ظاهرة طبيعية وتجربة إنسانية شاملة وهو كما قيل نتاج أصيل للانكفاء على الذات وابن شرعي لسلبيات العصر. ونستطيع أن نقول بأنه ينشأ في أي وقت تكون حياة الفرد معرضة للخطر الذي يهدد كيانه دون معرفة معالمه وحدوده،من غير أن يقدر على مواجهته سواء كان يهدد أمنه وكرامته أو مثلا عليا يؤمن بها وأفكارا ومبادئ يعتبرها أساسا لحياته. وبما أن الرواية أصبحت تعبيرا عن أزمة الإنسان وانعكاسا عن عالمه المجهول المحبط وحصارا يخنقه بهواجس التوتر والقلق لما هو قادم فإنه سيجد ذاته تحت رحمة الاغتراب عن مجتمعه. والمتلقي لرواية الهامش يستشعر حالات القلق ونوباته لدى شخصياتها بل ويتبادل هاجس هذا القلق معهم بفعل التأثير والتأثر من خلال المواقف في مضامين المتن الحكائي. - مظاهر القلق الوجودي في رواية الهامش.

* قلق المكان والزمان (الاغتراب والتشظي). يعتبر المكان والزمان من بين الأسس الفنية والمهمة التي يبنى عليها العمل الروائي. كما أنهما يمثلان الفضاء الذي يشكل فيه وجود الإنسان. وقد وظف الكاتب المكان في روايته ليعكس دواخل شخصياته المهمشة التائهة فكان المكان بلا هوية مهمش ومغترب الوجود وهذا يتضح ص48 عن مدينة الزرقاء التي لولا أبو مصعب الزرقاوي لظلت على الهامش (الزرقاء مدينة تسلل أحد شبانها إلى العراق بعد الاحتلال الأمريكي،فجعلها بين ليلة وضحاها "مدينة عالمية" تذكر في كل نشرات الأخبار...اسمه "أبو مصعب الزرقاوي"). والمكان عادة يرمز إلى السكن والقرار والأمن لكنه عند خالد سامح أصبح رمزا للضياع والخوف والتشتت، فهي بالتالي أماكن تعاني التيه. ومنه ما جاء ص31 عن العاصمة بغداد بعد سقوط النظام وما آل إليه حالها (إلا أن بغداد أصبحت مطبوعة بالدم وغبار الأحزمة الناسفة وآثار أقدام لكل وحوش الأرض) فكل هذه الأوصاف لبغداد لا تعني إلا شيء واحد وهو أنها أصبحت مكانا لا أمان فيه بسبب القتل والخطف وانتشار الغرباء الدمويين فيها سواء كانوا من من جنود بوش أو إرهابيين يقاتلون باسم الدين وهم في الحقيقة صناعة غربية صهيونية. كما تميزت الرواية بالتعدد والاختلاف وكثرة الانتقال من مكان إلى آخر ومنه ما جاء من تنقل حازم من الزرقاء إلى عمان والعكس طيلة أحداث الرواية إلى تنقل لهيب العراقية من بغداد إلى بابل ثم العودة إلى بغداد فعمان ثم إلى بيروت فعمان. وحتى الأحداث كانت متنقلة من مكان إلى آخر. ومنه ما جاء ص31( يتواصل العنف العبثي في العراق، ومزيد من الهاربين يصلون إلى عمان،ثم ينتقلون إلى تيه الصحارى والمحيطات..). وفي موقع آخر ص97 عن لهيب العراقية (اشترتها من أكبر محل للمكياج...وسط بيروت). وعلى لسان لهيب عن أختها ص110 (أختي تزوجت بعد وفاة أمي بثلاثة أشهر وتركت بغداد،راحت تعيش ويا (مع) زوجها عند أهله في بابل). وهذه التقنية وأقصد تقنية التعدد والاختلاف وكثرة الانتقال من مكان إلى آخر تدل على التذبذب والقلق وتساهم في إرباك المتلقي. وبالرغم من هامشية الأماكن في الرواية إلا أنها تحتض أسرارا من أسرار البشرية. ويتضح ذلك ما ورد ص50 على لسان حازم (هذه البيوت التي طالما فاحت منها رائحة الأسرار والخبايا كنت أشمها دوما من الحديث الجماعي الهامس لأمي مع الجارات...). ومنها ما ورد ص136 على لسان السارد عند الحديث عن جلال الزين الملياردير العراقي صاحب نادي الصويفية الليلي الذي عملت به لهيب (فالنادي لم يكن إليه مجرد ملهى أو مرقص.. نافذة على المدينة وناسها.. منجم لأسرار علية القوم ،وأثريائها،وأصحاب الأمر فيها.. في نواديه لطالما ولدت مشاريع كبرى ومررت صفقات شرعية وغير شرعية..). أما عن الزمان ومظاهر القلق فمسلم به أن الزمن في عصرنا يتميز بإيقاع سريع أصبح يشكل للإنسان مشكلة نفسية وقد تأثرت رواية الهامش بهذا الحس الزمني القلق تأثرا واضحا. فالكاتب أتقن تقنية التنقلات في الزمن فمرة ينقلنا إلى عام 1991 وأخرى إلى عام السقوط ثم الرجوع إلى الستينات من القرن العشرين وأحداث تنحية الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف على يد حزب البعث ثم العودة إلى عام 2005 وهكذا. فهذا الزمن المتقطع ما هو إلا ضياع وقلق يشعر المتلقي بالتشتت والضياع.

* قلق الشخصيات معظم شخصيات رواية الهامش شخصيات مهمشة ولكنها مركزية وتدور حولها أحداث الرواية. فحازم نال الدور المحوري بالتقاء معظم عناصر السرد الفني في حضوره.وحازم شاب من مدينة الزرقاء ينتقل للعيش في العاصمة عمان ليكون قريبا من الجريدة التي يعمل بها. عنده توجهات سياسية وملتزم بالقضايا القومية ما يجعله يعاني قلقا وتوترا يدفعانه إلى زيارة الطبيب.ويتضح هذا ص15 عندما سأله الطبيب النفسي عن وضعه (فأجاب حازم: عاد لي القلق والتوتر). وقد عاش حازم حالات القلق بكل معانيها وصورها باستثناء الفترة التي تقرب بها من لهيب المترجمة العراقية التي جاءت إلى عمان هاربة من بغداد. ويتضح ذلك ص101 (أما هو فقد أثارته تلك العلاقة ،خلقت شغفا مفاجئا بالحياة لديه .وكأنها البعد الدرامي لحياته المملة). وقد كانت لهيب بمثابة تعويضا له عن شعور النقص العاطفي بالرغم من أن العلاقة بينهما كانت علاقة غير شرعية ففي ص175 عن لهيب (بعثت الحياة في سريره الذي كان قبل أن تزوره قطعة من صحراء جليدية مقفرة). أما عن الاغتراب النفسي الذي خضع له حازم بعد رحيل لهيب فيتضح ص177 (عاد البيت موحشا تماما مثلما دخله أول مرة). ومن هنا تصل لنا المعاناة النفسية مع الفراغ العاطفي الذي خلفه غياب لهيب ليعود القلق والتوتر إلى حياته من جديد. كما يغلب على شخصية حازم النزوع إلى اعتزال الناس وهذا من سمات الاغتراب النفسي ويتضح هذا للمتلقي في نهاية الرواية ص171 (قدم حازم لإجازة.. معتكفا منعزلا في بيته..يعارك عبثا عوارض اكتئاب تتسلل من جديد معمقة شعوره القاسي بالاغتراب عن محيطه ورفضه المنظومات المتحكمة فيه) أما لهيب التي شغلت الطرف الآخر من الرواية وهي عراقية كما سبق وقلنا. عانت أيضا من حالة القلق بسبب الحرب وكلمة الحرب تحمل بكل ثقلها الخوف ومختلف الهواجس المرعبة ففي ص104 على لسان لهيب لحازم وهي تهجس له عما حدث معها بعد سقوط النظام (يعني ممكن اللي مريت بيه ،كثير عراقيات مرو بيه.. كل امرأة مرت بحوادث تشبه حوادث تجربتي،إما انها انهارت تماما،ويمكن فقدت عقلها ،أو أصابتها حابة اكتئاب رهيبة ويمكن انتحرت). وقد عانت لهيب من أكبر صدمة نفسية في حياتها وهي لحظة اغتصابها بعد أن تم اختطافها على يد الإرهابيين ففي ص127 على لسان لهيب (صمت وظلام ووحدي مع وحش ما أدري أي أرض انشقت وطلع منها). وبسبب هذه الصدمة العنيفة ظلت في عقلها الباطن تحلم بالانتقام من محاولة استئثار أبو مصعب الموصلي _مغتصبها_ بمنح جسدها لكل من يطلبه ويدفع ففي ص139 عن لهيب (أرادت أن تحطم صورة الضحية الساكنة داخلها وتدوسها بحذائها وأن تخرج بصياغة أخرى لذاتها مستغلة هؤلاء الذين أغدقوا عليها العطايا والهدايا الثمينة لقاء ما يغدقه جسدها عليهم من متعة). وقد اتسمت معظم شخصيات الرواية بالقلق مع اختلاف درجة القلق وشدته حسب المثيرات وسلوك الأبطال.

* قلق الأحداث امتزجت الأحداث في رواية الهامش بين ما هو حقيقي ومتخيل وفلسفي ليكسر كل ما هو يقيني ويفرز مكانا مركزيا للهامش في هذا الوجود. فقصة جاسم/ جيسيكا العراقي الذي حاور حازم بشأن وضع المثليين في عمان وتخيل مظاهرة تسدّ شوارعها وقضية المثليين هي قضية هامشية لكنها يوما قد تظهر وتقلب موازين قوانين الدولة. وبقي السؤال...هل انتصر الهامش في رواية الهامش ..وهل الحقيقة قد تكون في جزئية هامشية لا في ما هو متداول؟

***

قراءة: بديعة النعيمي

إنّ المحاولات الكامنة في الجسد النصّي، هي أصعب مرحلة يُظهرها النصّ من قبل مؤلفه، لذلك فالظهور الذي يعتمده النصّ، وتحويل العلاقات من علاقات خارجية إلى علاقة ذاتية – نصّية، هي تلك المنبهات والمبيّنات والرموز والإشارات والعلامات اللغوية وغير اللغوية، فعملية توليد النصّ، تتبعه عملية توليد الرغبة في الكتابة، أي أنّ هناك مؤثرات وتفكّرات في مراحل إنتاج النصّ. ويلحق عملية خلق النصّ؛ كمنطلق نتاجي تأسيسي أو منطلق تشييدي، فيدخله المنتج في دورة الهدم والبناء، أو في دورة الإعادة والتشييد، وهي تلك المعمارية الهندسية وما يتبعها من عمليات عدة، نفسية واجتماعية ومعرفية ولغوية؛ حيث أن الإدراك اللغوي ينتج من خلال الإدراك الحسّي، وتعد اللغة ملكة ذهنية وإدراكية؛ (وأهمّ شعارات اللسانيات الإدراكية هو أنّ كلّ شيء في اللغة يخترقه المعنى  - مجلة أنساق.. المجلد الأول، العدد الأول – ص 19 – د. محي الدين محسب).

إنّ من أهمّ الاتجاهات التأويلية هي الإشارات والرمزية اللتان تدفعان تأويل المعاني بعدة اتجاهات، وهذه هي أفضل حالة للنصوص التي ندخلها بين الحين والحين، أو حالة المنظور المعتمد على التفكيك والتفسير، فالممارسة التأويلية تكون من نصيب المتلقي، بينما المؤلف هو المؤول، إن كان بصورة قصدية أو خارج القصدية، لأنّ الشاعر في بعض الأحيان يعتمد صورته التأويلية خارج التكلف، أي ضمن تلقائية الخلق النصّي، فيرمز ويشير، وجلّ أهدافه استقامة النصّ الشعري وكيفية تطعيمه بلغة الاختلاف لكي يكون مؤهلاً للفعل التأثيري والذي يتواجد إمّا من خلال حركة الأفعال، أو الصور الشعرية المباغتة للمعاني، وهي الصور التي تعتمد التجزئة.

يقف المتناهي على أبواب التحديد النصّي، وبما أنّ النصّ الشعري عبارة عن صورة شعرية كبيرة قابلة للتأويل، فإنّها لاتتقبّل المتناهي، لأنها تخرج عن الحدود وتكون ضمن المنظور اللامتنهاي، ولكن في نفس الوقت هناك قانون المعاني وإن تعدّدت فإنها ضمن الجامع النصّي، إذن الحدّ أو الخطّ الذي يرسمه الشاعر ضمن اللامحدود داخل المعنى النصّي، أي لانصّ يعلو على النصّ المنظور.

تحتم علينا الصورة الشعرية أن تكون بجاهزيتها وهي تكمل الأشياء الناقصة، فكلّ شاعر ينقصه المزيد خارج الصورة والتأويل، ولكي يغطّي هذا النقص النصّي نلاحظه يشمّر لكي يرسم البدائل المهمّة وإيجاد مالم يجده غيره، لذلك دائما هناك التجدّد والذي يؤدي إلى إبداع الشاعر في رحلته الشعرية.

ما نذهب إليه من خلال الآن والفعل الآني هي مجموعة الشاعرة العراقية ناهدة جاسم، حيث أنّها ومن خلال استقلالية الحدث الشعري استطاعت أن تقودنا إلى مجموعة شعرية تحت عنوان (التين الأسمر).

التين الأسمر: تحمل المجموعة عنوان إحدى القصائد التي كتبتها الشاعرة وهي تخاطب الآخر، وبما أنّ الشعر الحديث عبارة عن حوار داخلي – داخلي، أي أنّه حوار الذات للذات، لتستقرّ في الذات الحقيقية، وكذلك حوار داخلي خارجي، أي أنّ الآخر يكون حاضراً مع الفعل الآني، ومن هنا، يتشكّل القول من الحوار إلى التأويل، أي أنّ المعاني سترافق الحوار الداخلي – الآني، فيكون للفعل المتخيّل بنيته المتصلة في العالم العائم حول الذات الحقيقية.

الرجل الذي أدمنت عشقه

الرجل الذي تأمّل المطر على شبّاك غرفتي

ولحظات انتظاري في عصاري عمري

وعينيّ تسرق لحظات مروره في شارع أهلي

من فتحات جدران حائط السطح.

من قصيدة: التين الأسمر – ص 7 – التين الأسمر

عندما تنتقل الشاعرة من النصّ إلى الرؤية التي تتبناها تكون قد تخلّت عن ارتباطها الكتابي، وجلّ تصوراتها تذهب مع منطقة الفلاش باك ومن خلال تقنيتها وآليتها يعود النشاط الكتابي لتكوين بؤرة نصّية بين الفعل الآني المطلوب وفعل الفلاش باكي الذي ينصهر من خلال توظيفه بواسطة انفتاح الأفعال الحركية التي تلازم الفعل الكتابي.

الرجل الذي أدمنت عشقه + الرجل الذي تأمّل المطر على شبّاك غرفتي + ولحظات انتظاري في عصاري عمري + وعينيّ تسرق لحظات مروره في شارع أهلي + من فتحات جدران حائط السطح.

إنّ اللغة الوصفية تتحوّل من وصف شائع إلى لغة إبلاغية تتميّز بوضعها الجديد من خلال الفعل الكتابي الآني، فالشاعرة العراقية نهاد جاسم، بالرغم أنّ تفكّرها ذهب قبل سنوات مضت (تقريب منطقة الفلاش باك) إلا أنها تكتب بالفعل الآني وضمن تقنياته الحديثة، لذلك فالتصوير الذي اعتمدته ليس من خلال التصوّرات والوهم في الخيال، وإنما من خلال اللغة الخيالية التي مرّت عليها لكي تلاحق الفعل الانتقالي وتحصل على أريحية نفسية بإنجاز واقعي.

فالرجل الذي تبنته، ليس فرضياً، وإنما ذلك الرجل الذي قاسمها الحياة، فجعلت الذات الشخصية مع ذات الرجل بمسلك واحد بالرغم من فوارق الحياة المتواجدة، فحقق النصّ صلة حميمية بين عشّها وعشقه، وبين الذاتين المتلاحمتين في المنظور النصّي؛ ومن هنا، حصلت على استقلالية نصّية لم ينظر به إلا ذات الشاعرة التي أنجزت هذا العمل.

ومن خلال تقويل النصّ المنظور، نذهب في عدّة اتجاهات وما رسمته الشاعرة العراقية ناهدة جاسم في مجموعتها الشعرية (التين الأسمر)؛ حيث أنّ الملائمة النصّية تقودنا إلى إشكاليات شيئية وأخرى قولية في نقل الحدث الشعري من الطبيعة إلى الداخل النصّي؛ ويكون الأثر الفعلي على الفاعل، إذا اعتبرنا أنّ الفاعل هو الآخر، والفعلي هو الحدث المنقول، أما من ناحية وقوع الفعل فيكون على الحدث المنقول أوّلا، ومن ثمّ على الشخص المنظور في الداخل النصّي، هذا إذا اعتبرنا أنّ الناقد هو المتكلم ليحوّل الكلام إلى قول شعري وقول متقدم.

تقويل النصّ

إشكالية القصدية في الممارسة النصّية

تعدّد الأشياء

ومن خلال هذه الاتجاهات المرسومة فسوف ننطلق مع نصوص الشاعرة العراقية ناهدة جاسم برحلة تفكيكية بين التأويل النصّي والتقويليه والتعدّدية الشيئية التي تلازم النصّ من ناحيتي المرئي وغير المرئي.4718 ناهدة جابر جاسم

تقويل النصّ

أن ينطق النصّ، حسب القول والقول المتقدم؛ فهذه العملية تجعل النصّ يتأسّس وفق معطيات إنتاجية، وهو  المنظر الذي يسعى الشاعر لتثبيته في الجّسد النصّي، ولكن، العلاقة التي يؤسّسها نصّ ذو طراز جديد، علاقة تأويلية قبل كلّ شيء، وكذلك علاقة قولية؛ حيث أن القول الشعري ومنه القول الآني والقول المتقدم يسيطران على فعل القول في المنظور النصّي.

يندمج الفعل القولي مع المعنى، حيث أنّ العلاقة القائمة ذات قيمة دلاليّة؛ فتتدخل الإشارة هنا للتمييز بينها وبين المعنى المرافق لها؛ لذلك وجلّ مانلاحظه أن القول يختفي من ضمنه المعنى، أي أن يكون المعنى الموضوع ذا صوت؛ هذا ماحلّلته بعض التعاريف للغة، وتعتبر اللغة ضمن القول الشعري، حيث يختفي النطق في قيمة الصوت ومدى التمييز بالألفاظ.

أنتَ لم تعد أنتَ

ولأنّ النهر لم يعد هو النهر

أشعر بالحزن

وأنا أقول نعم

لأنّكَ لم تعد أنتَ

نهركَ جارٍ مثل نهر الغسيل

فلم يعد النهر ذلك النهر

وأنت لم تعد أنتَ

من قصيدة: أنتَ – ص 9 – التين الأسمر

ليس هناك منظور قابل للتحديد، أي أنّ اللامتناهي يعوم في الحركة اللغوية، ومن هنا، لايلتزم الشاعر بمحدودية الخطاب الشعري، منه الموجّه (كرسالة) ومنه الدائر بالذات الحقيقية ويستعين بطبيعته المتداولة عندما يصبح أحد النصوص المكتوبة، والمقروء منه، يعتمد على أوّل وحدة لغوية، حيث أن ضربة الشاعر الجذابة وحركة فعل القول لهما الأثر في التأثر النصّي ضمن القول والقول المتقدم.

أنتَ لم تعد أنتَ + ولأنّ النهر لم يعد هو النهر + أشعر بالحزن + وأنا أقول نعم + لأنّكَ لم تعد أنتَ + نهركَ جارٍ مثل نهر الغسيل + فلم يعد النهر ذلك النهر + وأنت لم تعد أنتَ

تشكّل فلسفة الذات جزءاً من الآخرين، وتعلن عن ذواتهم، وذلك من خلال الحوار القائم بين الذات الحقيقية والمنظور الأمامي؛ وربّما يكون ذلك المنظور حالة من تعدّد الأشياء المرئية، فكلّ شيء يتحوّل إلى كلمة ناطقة، أي أنّه يصبح ضمن قول مقروء قبل أن يكون في دائرة القول المكتوب؛ وبما أنّنا في مساحة للتقويل النصّي؛ فقد دسّت الشاعرة نهاد جابر جاسم ضمن النصّ المنظور الأشياء وتمثلاتها من ناحية التشبيه من جهة ومن ناحية الاستعارة من جهة أخرى، وكلّها تؤدي إلى الوجود التأصيلي، فالضمير المنفصل (أنت) تعدّده الشاعرة ضمن وجود الأصل (الاسم) وقد غيّبت اسم المخاطَب بواسطة هذا الضمير واكتفت بحالة التشبيه بينه وبين النهر.

أنت، النهر والغسيل؛ ثلاثة أشياء سيطرت على النصّ من خلال التراكيب المختلفة، وتستطيع الشاعرة أن تفرط في تراكيب المفردات أكثر وأكثر إذا رغبت بذلك، حيث أنّ عنصر التشبيه لايتوقف في دائرة مغلقة، بل من الممكن جداً أن ينطلق ضمن الحوار القائم وأن يستمرّ في امتداد الجمل الشعرية.

مليئة بتفّاح أخضر على الشفاه

ووردة بيضاء

أضفرُ بين كفيّ روح الشّمس

أبتهجُ بحمامة زاجلٍ غافيةٍ أليفةٍ

تمنحني دفء جناحيها

مبهورة بنثيث مطرٍ

يهمس من شبّاك غرفتي

يدغدغ قلبي الشقيّ

صادقة

أحلى من لون الغسق

صادقة

أتحدّث عن بستان عشقي

وأحلمُ...

من قصيدة: لم أكن وحدي – ص 13 – التين الأسمر

من خلال الاستعارة المفهومية، وهي تعني عكس الأفكار والمفاهيم التي يتدوالها الشاعر بشكل عام، ومنها الأشياء التي تختفي خلف الكلمات، والكلام المنظور الذي يتحوّل بحكم النصّ الشعري إلى قول متقدم لتقويل النصّ الشعري والإبحار في حيثياته وتصوّراته؛ برحلة، الهدف منها تفريغ الشحنة الدائرة في دائرة الذات العاملة والتي من خلالها يتمّ العمل النصّي.

مليئة بتفّاح أخضر على الشفاه + ووردة بيضاء + أضفرُ بين كفيّ روح الشّمس + أبتهجُ بحمامة زاجلٍ غافيةٍ أليفةٍ + تمنحني دفء جناحيها + مبهورة بنثيث مطرٍ + يهمس من شبّاك غرفتي + يدغدغ قلبي الشقيّ + صادقة + أحلى من لون الغسق + صادقة + أتحدّث عن بستان عشقي + وأحلمُ...

نلاحظ من خلال الجمل الشعرية، هناك توسّع وهناك تكثيف، وفي الحالتين يتمّ البناء على التكافؤ الدلالي، حيث أنّ حركة الدّال في الجمل الممتدة على بعضها، تكون قيمته التعبيرية الظاهرة أقوى من القيمة المختفية، ونستنتج من وراء ذلك، إنّ المعاني التي تلتزم الظهور، تكون أقوى من المعاني المختفية، ولكن في نفس الوقت عندما تختفي المعاني وراء الرمزية، فسوف تكون ذات سيطرة على الجمل المتواصلة في المنظور الشعري؛ وهكذا نقيس اشتغال دال المعنى في النصّ الشعري الحديث.

عيناي

تسافرُ لكَ

تفتح صمتكَ

تُلبسك عرياً متوهّجاً

تُزيل عنك غبار التصحّر

قصيدة: لمسة – ص 18 – التين الأسمر

تعتبر اللغة في المنظور القولي، أن لها علاقة الاتصال والانفصال؛ ومن خلال هذا المنظور، نلاحظ أنّ فعل القول التأثيري، يكون عادة من الأفعال الآنية، لذلك فأنّ الجملة المنسوجة، نُسجت مخصوصة لهذا النصّ، ولكن من الممكن توظيف المفردات بتراكيب جديدة، ونبتعد عن العبارات والجمل التي تمّ تركيبها للمنظور النصّي، وفي طبيعة الحال تختلف التراكيب من نصّ إلى آخر حسب الأسلوبية التي يتبنّاها الشاعر، ومدى استخدام الانزياحات في النصّ الشعري.

عيناي + تسافرُ لكَ + تفتح صمتكَ + تُلبسك عرياً متوهّجاً + تُزيل عنك غبار التصحّر

نستطيع أن نطلق على هذا التعبير المركزي والذي اختص بعينيّ الشاعرة بالـ (التمثيل) حيث أنّها ركّزت على بعض الأشياء المحدّدة، وهي من لوازم المصطلح الذي رسمته؛ وكلّ تمثيل يمتثل أمام بعض الأشياء المعيّنة والتي تعين الشاعرة على المثول أمام منظورها المرئي وغير المرئي، وإنّ علاقة العين من خلال تفكّرها علاقة تواصل مع الذات الحقيقية، وتعتبر العين واقفة أمام الحضور والغياب؛ وإنّ العين ليست  فقط لاستقبال الألوان والضياء والخطوط، بل هناك نتائج غير مرئية تعكسها في حالة الغياب؛ وذلك عندما يتواجد المنظور المرئي.

الإشكالية القصدية في الممارسة النصّية

إنّ القصدية تؤدّي مهامها في المعنى، وهي الطريق السالكة نحو هذا المنظور، لذلك عندما نؤول المعنى، نؤول المنظور القصدي من وراء ذلك؛ وهي ظواهر أيضاً تؤدّي إلى ظهور الخبايا التي يعاني منها الشاعر، وأهمّها الألم الباطني، حيث أنّ مثل هذا الألم لايظهر إلا من خلال تفريغ شحنات الشاعر من خلال اللغة والتي تقف كحاجز أوّلي في النظرية التواصلية لكي يستطيع الشاعر أن يكون في حيثياتها كعنصر متطابق لكشف المطابقات والمعينات والمسمّيات النصّية؛ ومن هنا، تظهر للوجود القصدية المخفية، والتي تلازم العنصر المضاف في الكشف عنها، ويعتبر العنصر  المضاف هو نفسه القائم على التقاطع التركيبي وانزياح فعل الجملة الرئيسي، فتظهر أيضاً الدلالات التي يعتبرها النحاة بأنها تعني المعاني، ولكن وجه الاختلاف أنّها تصاحب المعنى ويكون للتأويل (القصدي أعني) المطابقات من خلال الانتقال من القصدية إلى الحالة العقلية التصوّرية، وهذا ماتحتاجه الشعرية التي نمكث خلف دوافعها التأسيسية في عملية الخلق النصّي.

تظهر في المنظور النصّي حالات قصدية وحالات غير قصدية، فالحزن يعتبر من الأشياء الانفعالية؛ فهل ننسبه إلى المنظور القصدي؟ علماً أنّ تواجده في الجمل الشعرية يتمّ بشكل تلقائي، وهو حالة نفسية قبل أن يكون حالة تأكيدية، وكذلك البهجة وتشخصيها في منظور الفرح. ومن هنا، سنكون بين نصوص الشاعرة العراقية ناهدة جابر جاسم الشعرية.

هواجس قاتلة

وقشرة جوز فارغة

أفتّتها بعذابي وأنام

ونشيج شيخوخة مبكّرة

وخمول

وردة شقائق نعمان

ربيع وادي (زيوه وكَلي مراني)

وقمم جبال (كَارة)

الليل شجرة قطن ناصعة البياض

ووحشة تركض في مناحي الروح

الليل مقطوعة موسيقية

هادئة وحزينة.

من قصيدة: نشيج الليل – ص 24 – التين الأسمر

حركة ذاتية تخترق النصّ من خلال التفكّر التلقائي والتي نتجت عن بؤرة مركزية أرادت الشاعرة العراقية ناهدة أن تبتسم لذلك النشيج الليلي، وابتسامتها التي لايردّ عليها أحد، سوى النصّ المكتوب، لذلك فقد عدّدت الأسماء التي اندمجت مع حالتها القصدية، وهي منظورها الذي التفّ على رقاب بعض المناطق في شمال العراق (كوردستان العراقية)؛ فالسمة الأولى تبدأ من نشاط الشاعرة العملي، والعمل يجري في المنظور الواقعي لأنه حرّ وانتقالي وحركي، وتبينت هذه الأشياء من خلال حركة الأفعال التي اختارتها الشاعرة في الجمل التي تقبّلت التركيب.

هواجس قاتلة + وقشرة جوز فارغة + أفتّتها بعذابي وأنام + ونشيج شيخوخة مبكّرة + وخمول + وردة شقائق نعمان + ربيع وادي (زيوه وكَلي مراني) + وقمم جبال (كَارة) + الليل شجرة قطن ناصعة البياض + ووحشة تركض في مناحي الروح + الليل مقطوعة موسيقية + هادئة وحزينة.

لقد أشارت الشاعرة إلى بعض الأشياء المنظورة (المرئية) وبعض الأشياء غير المرئية، وهي اعتقادات وتصوّرات الشاعرة نهاد جاسم، وما آلت إليه في الكتابة كمكون قصدي أرادت منه أن يكون خارج الشعور، فليس من الضروري دائماً نكون ضمن الفعل الشعوري لكي نتواصل مع الفعل القصدي.

هواجس قاتلة = أن ترى معنى المفردة فتشير إليها، فالهواجس دائما تكون داخلية (باطنية)، لذلك فالتفكّر الذي يطرأ، يطرأ ضمن التفكّر النفسي، ومن خلال هذه الإشارة والتي أشارت إلى شيء بوجود، وهي خصوصية نظرية الإشارة عندما نشير إلى الأشياء، وإن كانت تلك الأشياء مرئية أو غير مرئية، فهي متواجدة ضمن الحقل المعرفي للشاعرة، لذلك عندما تحرّكت باتجاه الأشياء المنظورة (المادية) فهي واضحة ضمن العلاقة بين الرمز الذي تشير إليه وبين تلك الأشياء التي نعتبرها ضمن حركة النصّ.

كالأشباح وقفنا

ننتظر حفنة تراب في العيون

وبرودة في أطراف القدمين

نحن موتى في الضفتين

يغطينا عشبٌ أسود

وينتظرُنا عراق المقبرة

قصيدة: انتظار – ص 28 – التين الأسمر

إنّ التوجه الأنثوي من خلال الكتابة النصّية، يمنح الآخر المواجه، مواجهة الكتابة للمساحة الذكورية، ومواجهتها أيضاً لحالات اجتماعية يتمّ تشخيصها بواسطة الحسّية الداخلية المختفية والتي لاتظهر إلا بواسطة الكتابة؛ ومن هنا، هل سنكون مع تلك المساحة التي زخرفتها الشاعرة وهي تواجه الآخر كتابياً؟

إنّ المرأة لاتكتب النصّ فقط، بل تسكنه، لذلك نلاحظ أنها تكتب بعض التفاصيل والإشارة إليها، وهي ضمن خصوصية التفكّر الآني خارج الفلاش باك.

كالأشباح وقفنا + ننتظر حفنة تراب في العيون + وبرودة في أطراف القدمين + نحن موتى في الضفتين + يغطينا عشبٌ أسود + وينتظرُنا عراق المقبرة

لقد أشارت الشاعرة نهاد إلى بعض الحالات التي تكون عادة من حالات الموتى (برودة في أطراف القدمين)، وقد اعتنت بالمسمّيات منذ المطلع الأوّل للنصّ؛ حيث جعلت النصّ حواراً بينها وبين الذات التي تحرّكت بفعل الأفعال الحركية، حيث أنّها اعتمدت على بعض الأفعال ومنها : وقف، ينتظر وننتظر، وفي الحالتين هما من أفعال الحركة ويلتقيان بنتيجة لكلّ فعل، وبين الانتظار العائد إليها (بشكل جماعي) حيث أنّها استخدمت الضمير المتصل الدال على الأكثرية. إذن هناك مجموعة تقف معها والكلّ ينظر إلى عراق (المقبرة).

إن محور عملية التواصل كانت من خلال القناة (والمتمثلة بالشاعرة نهاد)، حيث شكّلت تلك القناة المساحة التي تولتها الشاعرة وهي تستنطق الموجود، من موت مؤجّل وموت حاضر.

إذا تطرّقنا إلى فلسفة الذات ومارسمه هيدجر من التزامات تصوّرية، نكون قد تواصلنا بين التفكيك الأوّلي لهذه الفلسفة والعلاقات المفروضة بينها وبين أي نصّ تم زركشته بموضوع، حيث أنّ المعنى الذي نقصده ضمن تقويل النصّ، هو الموضوع المتغيّر بذاته.

شبيهة بحمامة

تبحث عن عشّ أدمنت رائحته

قلبي كالبحر في عصفةٍ

تتقاذفه رياح الشكّ

عيناي تبحثان بين صخور المنفى

عن حبيبٍ

ضيعته في متاهات الوهم

من قصيدة: نخلة في إسنكدنافيا – ص 50 – التين الأسمر

معظم عمليات التشبيه، هي عمليات تركيبية لجمل فيها شعرية القول ذي القوّة اللغوية التي تساعد على ظهور الصورة الشعرية؛ ويكون للمختلف انبثاقه وحضوره كعامل لغوي يتخذ الشاعر منه كجسد تخييلي، وآخر كجسد مرئي، فالشاعر يتخلّى عمّا حوله من كائنات اجتماعية، ويُظهر العالم المخصخص الذي أختاره في الخلق النصّي، لذلك تأتي المفاجأة من خلال التعابير الانزياحية وتشمل المنظور التشبيهي والمنظور الاستعاري، وهما منظوران يعتمدهما الشاعر في إيجاد تناسقات جديدة.

شبيهة بحمامة + تبحث عن عشّ أدمنت رائحته + قلبي كالبحر في عصفةٍ + تتقاذفه رياح الشكّ + عيناي تبحثان بين صخور المنفى + عن حبيبٍ + ضيعته في متاهات الوهم

عندما نكون مع لغة الاختلاف، فتكون الشاعرة قد أسّست من خلال الاختلاف منظورها التصويري، وليست كلّ صورة تعتمد الاختلاف، ولكن الاختلاف اللغوي من الممكن جداً أن يؤدي إلى الصورة الشعرية؛ وعندما نكون مع فعل الشيء، فمن الطبيعي أن يكون المنظور النصّي في استعارته لكي تُدخل هذا الفعل من خلال التشبيه الذي اعتمدته الشاعرة نهاد جابر في تحديد المعاني من جهة، وفي تدجين الصور الشعرية من جهة أخرى.

لقد ربطت الشاعرة العراقية نهاد جابر بين الشيء المرئي والشيء الغائب، فالأشياء التي عدّدتها وهي تبحث عن (حبيب) هي تلك الأشياء المرئية والتي حضرت بصيغة مستسلمة لرغبتها، ومن هنا، يكون للرغبة حركتها اللامتناهية عندما يكون الموضوع امتداداً في تحقيق تلك الرغبة التي أعلنتها وهي تكتب نصّها، مرافقة الدلائل الحاضرة والتي تنظرها من خلال التصوير الخيالي.

***

كتابة : علاء حمد – العراق

...................

التين الأسمر.. من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق

صدَّق الفرنسيُّون زعم (أنطوان جالان Antoine Galland، -1715) في مقدِّمة ترجمته "ألف ليلة وليلة"، (باريس 1704- 1708)، أنها تُمثِّل: "الشرق بعاداته وأخلاقه وأديانه وشعوبه، من الخاصَّة إلى السُّوقة، والصورة الصادقة له، ومَن قرأها فكأنَّه رحلَ إليه، فسمعه ورآه ولمَسه لمسَ اليَد"(1).  ولذا ظلَّت "ألف ليلة وليلة"، طوال القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، تمثِّل للغرب، وللفرنسيِّين خاصَّةً، صورة الشرق الساحرة.  حتى ليمكن القول: إنَّ بعض جوانب الاستشراق إنَّما نشأت عن ردَّة فعلٍ لانتشار تلك القصص. (2)

وأهم الملامح في الأدب الفرنسي عن الشرق الإسلامي، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر:

1- تعسُّف الحُكَّام، واستكانة الشعوب.

2- امتهان المرأة.

3- كثرة النِّساء في القصور.

4- حراسة الخِصيان السُّود للنِّساء البِيض.(3)

هذا إلى جانب شرقٍ عجيبٍ تبدَّى في أدب القرن الثامن عشر الفرنسي، كان مليئًا بغريب الشخصيَّات، والجِن، والشياطين، والقُضاة، والخلفاء... وهَلُمَّ جَرًّا. (4)

وقد عرفَ الغربُ من كُتب الشرق "كتاب السندباد"، غير البحري.  وهو كتابٌ عَرَبيٌّ، فُقِد كأصله الهندي، إلَّا أنَّ له ترجمات فارسيَّة كثيرة، تُرجِم بعضها إلى العبريَّة والتركيَّة، وقُدِّر له أن يصِل إلى (أوربا) في القرن الثامن عشر.(5)

كما عثر (جالان) على قِصَّة "السندباد البحري"، مستقلَّة أوَّل الأمر.  فأضافها بين المجلَّد الثاني والثالث من "ألف ليلة وليلة" المترجمة إلى الفرنسيَّة.  ومن الثابت أنَّ هذا المترجِم كان يصوغ القصص بأسلوبه، ويُضيف بعضها أحيانًا، وربما حذف وبدَّل فيها لتُلائم الذوق الغربي.(6)

 ولقد أمدَّت هذه القصص الشرقيَّة الفيلسوف الفرنسي (فولتير Voltaire، -1787)، وغيره من الفرنسيِّين المصلحين، "برموز أودعوا فيها نقدهم الساخر، الاجتماعيَّ والسياسي".(7)

وإذ مرَّت في حياة (فولتير) فترةٌ قرأ فيها ترجمة "ألف ليلة وليلة"، شاقته، ولفتته إلى دراسة الشرق؛ "فغرق في هذه الدراسة إلى أذنيه".(8)  ومن ثَمَّ كتب قصصًا شرقيَّة كثيرة، كانت منها قصَّة "صادق أو القَدَرZadig Ou La Destinnée "، التي نحن بصددها في هذه الدراسة.  وقد كتبها عام 1748، ليُعالج بعض المسائل الفلسفيَّة الكُبرى، ولينقد بعض الأوضاع الفرنسيَّة في عصره.

ولقد كانت علاقة (فولتير) بالشرق الإسلامي، وبالعالم العَرَبي خاصَّة، أبعد من ذلك.  من شواهدها كتابته مسرحيَّة عن نبيِّ الإسلام، بعنوان "محمَّد"، عُرِضَت أوَّل مرَّة عام 1741.(9)  كما كان على اطِّلاع على ترجمات المستشرقين عن ثقافات الشرق.  وربطته صِلَةٌ بالعالِـم العَرَبيِّ (أبي زيد)، صاحب الشارع المعروف باسمه في (جنيف).  ولا غرو، إذن، أن يبدو متأثِّرًا بالشرق في أكثر مصنَّفاته ومؤلَّفاته، مثل كتابه "عصر لويس الرابع عشر"، و"زايير"، و"الأبيض والأسود"، و"الصوفا"، و"أميرة بابل".  ولا غرابة أن تأتي أكثر أعماله القصصيَّة مستوحاة من "ألف ليلة وليلة"، وإنْ بذوقٍ فولتيريٍّ خاص. (10)  

وللدراسة المقارنة بين عمله والنصوص العَرَبيَّة مقال الأسبوع المقبل من هذه السلسلة.

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

...........................

(1)  العقيقي، نجيب، (1947)، المستشرقون، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 169.

(2)  يُنظَر: القلماوي، سهير، (1959)، ألف ليلة وليلة، (القاهرة: دار المعارف)، 53- 66.

(3)  يُنظَر: هلال، محمَّد غنيمي،  (د.ت)، الأدب المقارن، (القاهرة: دار نهضة مِصْر)، 405.

(4)  يُنظَر: كبّ، هاملتون، (1954)، الأدب: (ضِمن كتاب "تراث الإسلام"، لجمهرة من المستشرقين، بإشراف: توماس أرنولد)، عَرَّبه وعلَّق عليه: جرجيس فتح الله المحامي، (الموصل: المطبعة العصريَّة)، 290.

(5)  يُنظَر: م.ن، 281.

(6)  يُنظَر: القلماوي، 5- 6.

(7)  كبّ، 290.

(8)  يُنظَر: طه حسين، في مقدِّمة (فولتير، فرانسوا ماري آرويه، (1979)، القَدَر، قِصَّة نقلها إلى العَرَبيَّة: طه حسين، (بيروت: دار العِلم الملايين)، 8.

(9)  مع ما أبداه في ظاهر مسرحيَّته تلك من نقدٍ للإسلام، فقد قيل إنَّه إنَّما استخدمها للتعريض بالكنيسة الكاثوليكيَّة.  ولقد عبَّر في أعمال أخرى عن إعجابه بنبيِّ الإسلام وامتدحه. (يُنظَر مثلًا: مومزن، كاترينا، (1995)، جوته والعالم العَرَبي، ترجمة: عدنان عبَّاس علي، مراجعة: عبدالغفار مكاوي، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب)، 26، 142- 143).

(10)  يُنظَر: العقيقي، 1: 170.

 

يقول د. زكي نجيب محمود في مقال له بعنوان " العرب والأدب المسرحي " (.. وناقد الادب – او قل ناقد الفنون بصفة عامة – ينبغي ان يجمع في نفسه نفس مفستوفوليس(2) ونفوس الملائكة جنبا الى جنب، وإنما أردت بذلك شيئا يمكن التعبير عنه بلغة أبسط، اذ اردت ان اقول، إن ناقد الأدب لا بد له من قراءة القطعة الأدبيّة التي هو بصدد ها مرتين: فيقرؤها مرة أولى قراءة الملائكة التي تنصرف بجمال الحياة عن حقيقة عناصرها، ثم يقرؤها مرة ثانية فراءة مفستوفوليس الذي يغوص الى اذنيه في تحليل الحياة الى عناصرها فلا يلتفت الى سحرها وجمالها)

(لا بد للناقد من قراءتين،يستمتع بأولاها ويتذوق، ويحلل بأخراها وينقد، هو في القراءة الأولى يستسلم للمؤلف استسلام الطفل الغرير، وفي القراءة الثانيّة يتصدى له تصدي الخصم العنيد، وهي خصومة قد تنتهي بالود والإخاء) ص 101 – 102. (3).

و بما أنّ العنوان هو العتبة الرئيسة للنص الأدبي بصفة عامة، فقد اختارت الكاتبة صليحة زروقي، عنوانا يحمل في مضمونه روح التفاؤل بغد مشرق. فيه من الأمل بالفرج والميلاد، ما في الطبيعة من الإزهار بعد جدب وجفاف. وهو دليل على عشق البطلة (ياسمين) للحياة، رغم ما واجهته من مآسٍ وكربات نفسيّة، وصدمات اجتماعيّة قويّة، بعد موت أبيها بعيدا عنها، وعن مسقط رأسه وموطنه. لقد كان الأمل سفينتها المبحرة في خضم بحر الحياة، الذي أنقذها من الغرق في قاع التشاؤم المميت..

كما عكس لون الغلاف الرمادي، المزهر، جانبا من نفسيّة البطلة (ياسمين). وهي نفسيّة تأرجحت بين اليأس والأمل، بين القلق والثبات، بين الصبر الجميل والتبرّم والكآبة..

و من هذا المنطلق، سأتناول رواية، أو لنقل السيرة ذاتية " على كفِّ الأمل أزهرتُ " للكاتبة السرديّة الجزائرية صليحة زروقي، الصادرة عن دار حمدة للطباعة والنشر في طبعتها الثانية سنة 2022 م. وهي معمار سرديّ عدد صفحاته 156 ص، وسأدلي فيها بدلوي، بنبرة أجمع فيها بين الناقد والخصم العنيد، ونبرة الاستسلام للمؤلف كالطفل الغرير.4712 صليحة رزوقي

احترت، وأنا أقرأ هذه القطعة السرديّة في نسبها وهويّة جنسها، أأتناولها على أنّها رواية بطلتها شابة، يتيمة الأب، فقدت والدها – الذي توفي في رحلة أداء مناسك الحج – في طفولتها، ذاقت مرارة العيش، وتجرّعت من كأس اليتم، وعاشت محرومة من حنان الأبوّة ورعايتها، وجابهت الحياة القاسيّة بكل قوة وعزم وإصرار، فانتصرت تارة وانكسرت تارة أخرى؟ أم أتناولها كونها سيرة ذاتيّة لشابة فطمت على قساوة العيش وصدمات الواق المعيش، لكنّها صبرت ونجحت وانتصرت على وساوس النفس الأمّارة بالسوء، وعلى محيطها الاجتماعي المحفوف بالمخاطر والتنافضات والمثبّطات؟

ومهما يكن، فإنّ القاريء لرواية أو سيرة الكاتبة والمبدعة صليحة زروقي، سيكتشف – لا محالة – أنّه أمام قلم سرديّ واعد ومتمرّس في رصد الواقع المعيش، وهذا ما يذكّر القاريء الذوّاق بالمدرسة الواقعيّة في الأدب الروسي - قبل ثورة البلاشفة على القيصر – وقاماتها الأدبيّة السرديّة من أمثال: ديستويفسكي وتولستوى وتشيخوف وغوركي ؛ فقد كانت أحداث رواياتهم ملتقطة من واقعهم المعيش، لكن بعيون أدباء مبدعين وعباقرة. فأحداث هذه الرواية / السيرة الذاتية، كلّها – على ما يبدو - ملتقطة من يوميّات الواقع المعيش، إلى درجة، أنّ الكاتبة، طفقت تنقل للقاريء أحداثا – وما أكثرها – عاشتها حقيقية، أو عاشها جيرانها وأصدقاؤها، في أزمنة معيّنة، الطفولة، الشباب، قبل التخرج وبعده، وأمكنة معلومة.، البيت، الحيّ، المدرسة، الجامعة...

إنّ الخيط الذي ربط أجزاء الرواية / السيرة الذاتية، هو وفاة الأب في رحلته إلى الحج. وهي العقدة التي بقيت دون حلّ أو تنوير إلى نهاية السرد.

وبين ضميري الحاضر (ياسمين)، والغائب (الأب). تتفاعل الأحداث لترسم لنا لوحة تراجيديّة، تعبّر عن معالم الغياب القسري وأثره السلبي والإيجابي في أعماق النفس الإنسانيّة. و– لعمري – غياب الجانب الأبوي، بما يحمله من زاد معنوي للبنت أو الإبن. لقد ترك غياب) موت) والد ياسمين فراغا نفسيّا وعاطفيّا رهيبا، فضلا عن الفراغ المادي. المتمثّل في توفير ضرورات الحياة اليوميّة.

لقد تبوّأت شخصيّة الأب مكانتها الفطريّة المناسبة في حياة البنت والشابة (ياسمين). وكانت هي الشخصية الثانويّة الحاسمة، بل لا يقلّ دورها عن الشخصية الرئيسة (البطل) في نسج أحداث الرواية / السيرة الذاتيّة وتحريكها، وقد ارتقت – فنيّا - إلى مستواها من أول النص إلى خاتمته. وبالعودة إلى رمزيّة اسم البطلة (ياسمين)، فهو دال على الرومانسية والنعومة. وقد ارتبطت زهرة الياسمين بالشعراء الرومانسيين، من أمثال نزار قباني، وبأماكن ساحرة كمدينة دمشق التي سميّت " مدينة الياسمين ". والياسمين زهرة قنوع، لا تحتاج إلى ما كثير وعناية كبيرة. وهكذا لم يكن اختيار اسم البطلة (ياسمين) اعتباطيّا، بل هما وجهان لعملة واحدة.

و تبرز شخصيّة الأب (الغائب) بجسده، الحاضر- مطلقا – بروحه وأخلاقه الساميّة، وعلى لسان كلّ من عرفه وتواصل معه، وفي حياة ابنته ياسمين (الحاضرة)، طاغيّة على تصرفات (ياسمن).. فلم يستطع النسيان ولا تعاقب الأيام والليالي، أن تنسيها آلام ذلك الغياب والفقد، بل ولم تمنحها هدنة للملمة تلك المشاعر السوداويّة، التي اتّخذت من اعماقها مأوى أبديا لها، ولم تقو حوادث الدهر، بما فيها من لحظات معسولة، على تطبيب الجراح الغائرة التي استعصت على كل بلسم شاف.

لقد كانت العلاقة بين الأب الغائب (الحاضر) والبنت (ياسمين)، علاقة صوفيّة خالصة. وهي تنمّ عن ميزة فطريّة وطبيعيّة في الإنسان خاصة، وهي تعلّق الأبناء بالآباء والأمّهات، وتغلّق الآباء والأمهات بأبنائهم، في صورة برّ الوالدين في حياتهم ومماتهم، وحضانة هؤلاهم لأبنائهم عاطفيّا وماديّا.

وهي علاقة بعيدة، كل البعد، عن الفلسفة الغربيّة، القائمة على الترّهات النفسيّة في الفكر الغربي. وعن عقدة إليكترا عند الأنثى، والتي تعني تعلق الفتاة اللاواعي بوالدها..

جاء في الصفحة 28: ".. كنت حزينة جدّا يومها وكأنّ إحساسي أنبأني أنّها كانت آخر فرصة لأحظى بعناق وقبلة من أبي..". وفي ص 30: " لو أنّ للزمان كرة، لكنت أخبرتك كل لحظة كم أحبّك وكم كنت فخورة بك وكم كنت والدا رائعا في عيني، لا تتشوّه صورته في ذاكرتي مهما قالوا أو حكوا لي عنك عند الكبر.."

و في ص 31: " لو أنّ للزمان كرّة واحدة فقط يا أبتي، لكنت أخذت من عمري سنوات أزيدها في عمرك.. لتبقى معي زمنا أطول.. لتفرح الطفلة في داخلي بحبّك وتنهل من فيض عطفك وحنانك ذخرا لمواجهة مآسي السنين المتآكلة ".

كما لعبت شخصيّة الأب الغائب (الحاضر) دورا مركزيّا في الرواية / السيرة الذاتية. فقد كانت رمزا للمجتمع الأبوي، الذكوري الإيجابي، اللاقمعي. ولم يستطع حضور الأم وباقي أفراد الأسرة والعشيرة (الأعمام والأخوال والأجداد) ملء الفراغ المعنوي، الذي أحدثه غيابه المفاجيءعن الأسرة والأهل والجيران.

و بقدر ما كان غيابه وموته ودفنه بعيدا عن أسرته وأهله ومحيطه ووطنه - أي في مكّة المكرّمة - مؤلما وقاسيا، بقدر ما كان ذلك الغياب الأبدي، عنصر إلهام وقوّة وتحدٍ، للبطلة (ياسمين). فقد كان والدها الغائب، دائم الحضور في الأتراح والأفراح، في المناسبات وغير المناسبات. كان ظلّها الظليل، الذي لا يفارقها ليلا ونهارا، في غرفة المنزل، وغرفة الجامعة، وفي الحيّ، وأينما حلّت وارتحلت.. وهذا دليل آخر على قوّة الأبوّة الصادقة وأثرها في نفسيّات الأبناء البررة. بل هي منحة ربّانيّة، زُرعت بذورها المباركة، فأزهرت مودّة وحبّا وعشقا صوفيّا...

لغة الكاتبة: لا شك أن العمل الإبداعي، سواء أكان شعرا أم نثرا، لا بد أن تتوفّر فيه مقوّمات معيّنة. ومنها اللغة. إنّ أهم مقوّم هو اللغة، لأنّها حمّالة المعاني والأفكار. فقد جعل الجاحظ عمر بن بحر، الأسلوب (اللغة) هو الشأن لإقامة الوزن، بينما المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والبدوي والأعجمي. فالأسلوب هو هويّة الكاتب وعنوان إبداعه.. ومن هنا كانت أسلوب الكاتبة زروقي صليحة، مرآة لقدرتها اللغويّة، وسلاسة الجملة السرديّة، الواقعة بين السهولة والامتناع..

و بقدر ما احتوت الرواية / السيرة الذاتيّة من إيجابيات، كالقاموس اللغويّ الثريّ الذي امتلكته، وتمكنها من ملكة السرد، وسلاسة أسلوبها الجميل، إلى درجة أن القاريء يشعر، وكأنّه أمام كاتبة متمرّسة وذات تجربة في ميدان السرد. بقدر مل فيها من مآخذ – لا تنقص من قيمة عملها الإبداعي، مثل: لجوء الكاتبة في فقرات من النص إلى أسلوب التقريريّة والوعظ والإرشاد، بأسلوب السيرة الذاتيّة ونمطها. مثل قولها - على سبيل المثال، لا الحصر - في ص 109: " الذكيّ منّا من يعرف كيف يستغلّ كل المواقف في الحياة لصالحه بشكل إيجابيّ، من يعطي لنفسه فرصة في الاستماع للبشر والتفتيش في حكاياتهم عمّا يرتقي بشخصه ويزيد من حكمته، الإنسان الرائع بنظري هو الذي يشعر بالامتنان حيال كلّ الصدف والأزمات والابتلاءات التي لم يضعها الله بدربه إلاّ لحكمة ترجى منها. "

و قولها في ص 139: " لكل واحد منّا قدر قد يرسم له. قدر لا يمكنك تغيير شيء فيه ".

كما لجأت الكاتبة صليحة زروقي إلى أسلوب التضمين في ص 140، تحت عنوان " قيد الأمل ". فقد ضمّنت كلامها نصّا لشاعر العربيّة، الفلسطينيّة، محمود درويش. ورأت أنّه نص يخدم نصها. وممّا قاله درويش فيه: (أعلى من الغيم إشراقا..و بي أمل..يأتي ويذهب لكن لن أودّعه).

***

بقلم: الناقد والروائي علي فضيل العربي – الجزائر

.....................

هامش:

1 - صليحة زروقي، كاتبة روائية جزائرية معاصرة، من ولاية الشلف

2 – مفستوفوليس

3 - قشور ولباب - ص 101 – ط – دار الشروق -1981.

الحدث الروائي يسلط الضوء بالمكاشفة الصريحة من واقع الأحداث الفعلية، عن معطيات الفترة المظلمة التي مرت على تاريخ العراق السياسي في الماضي والحاضر معاً. وخاصة فترة حكم صدام حسين في الابادة وقتل المعارضة السياسية، والمجاهدين الذين حملوا السلاح في الاهوار، في مجابهة جند صدام حسين والحرس الجمهوري، وتمادى حكم البعث في وحشيته الدموية، في الإجرام الكارثي في تجفيف الاهوار، وخاصة بعد فشل الانتفاضة الشعبية لعام 1991. واتخذ قرار تجفيف الاهوار لسحب البساط من المقاومة المسلحة في الاهوار، ان يتكفل الحرس الجمهوري بالبطش والتنكيل، وتخريب ودمار البيئة في الاهوار بتحويلها الى ارض جافة تماماً ليسهل عمليات المطاردة وصيد المقاومين هناك، في تخريب جنائن الاهوار (تلك الجنائن المقدسة في جنوب العراق، تم تجفيفها كلياً، وضاعت جميع محاولات إيقاف عملية صدام حسين المجنونة تلك.. جف الماء.. مات الجاموس.. رحل المعدان.. تبعثرت مجموعات الشبان المجاهدين في الاهوار ضد حكومة حزب البعث وصدام حسين) ص9. ولم يبق أمام المقاومة المسلحة إلا الرحيل الى ايران بعدما سدت جميع الطرق في وجهها وهم يحملون جرحاً عميقاً بالهزيمة والاحباط، الرحيل إلى ايران بعدما فشل الكفاح المسلح في مجابهة نظام البعث، وهم يحملون هذه الجراح النازفة في القلب والاحساس الداخلي، انثالت هذه الذكريات المؤلمة في محنة الشباب المقاوم، تزاحمت في تداعياتها محطة القطار (براماتا) في استراليا، المحطة المهجورة، ولكن الحدث السردي اتخذها مكاناً لسرد الأحداث العاصفة في، الاهوار، في ايران في معسكرات اللجوء، في ازقة قم الضيقة. في القسوة التعامل السلطات الايرانية للمهاجرين العراقيين، في خشونة الذل والإذلال، في ظروف قاسية في بؤسها وحرمانها المؤلم (نحن لم نهرب من حكومة صدام حسين، كي نتحول الى قطيع خرفان تائه) ص20. لم يبق إلا الحنين الى الاهوار والى ارض الماء. هذه التجربة الحياتية في شظاياها الملتهبة في الوجدان والقلب، تعمقت في الاتجاه الواقعي، في الفن الروائي من كنف الاحداث المريرة. في التناول الموضوعي المؤلم في منظور رواية (محطة قطار براماتا) للأديب عبد اللطيف الحرز. تتقاطر أحداث الذاكرة في كأس علقمها المر، في محنة موجعة في الحنين (أيها الهور... أيها الهور أغفر لي... أغفر لي أيها الهور.. لم ارحل عنك بأرادتي.... صدقني أيها الهور.. صدقني... لقد تهت عنك... آآآآآآآآآآآآخ : كم معطوبة هي بوصلة القلب) ص 133.4670 قطار بارماتا

اللجوء الى ايران يعني الضياع وتشتت، في المدن وفي ازقة قم الضيقة. وكل يوم تتوالى الطعنات في القلب لتنزف بجراحها، سواء في معسكرات اللجوء، او التشرد والمعاناة، تدفع النفس الى فقدان امل الحرية. كأن الانسان يتفسخ بعفونة (لقد كنتُ محتاراً كيف الخلاص من ايران والنجاة من هذا القبو الديني المقرف، حيث يشكو الجميع من التشوه والتفسخ هنا في ايران... في معسكرات اللجوء المتهالكة، في الاهواز وشوارع قم الضيقة. كانت حتى الطفولة تتفسخ وتبعث اليأس الكريهة، مثل فاكهة تدحرجت الى ازقة الطريق العفنة بالنسيان) ص81. وكان إمام المهاجر، اما يختار معسكرات الاحزاب الشيعية، أو الدخول الى مدارس الحوزة الدينية لتثقيف الديني، في الخطاب الديني المقيت والمتزمت لا ينتمي الى الواقع، مصاب هذا الخطاب بالانفصام والازدواجية بعيداً عن معاناة المهاجر، في ديماغوجية مقرفة في ترويجها الإعلامي، بينما نجد واقع الحال، شرعية التجارة المحرمة ومنها تجارة المخدرات (لقد تحول المجاهد حمادة الى بائع المخدرات، ولم لا، فالمعارضة العراقية بأجمعها كانت تتاجر بالمخدرات) ص82. وهي تنادي في خطابها الديني، في اقامة دولة دينية على غرار الدولة الدينية الخمينية (- لو أقام الشيعة دولة دينية في العراق، أو في أي بلد آخر، بعد كل الذي جرى في ايران الخمينية، فإن هذا يعني ضرورة حجز الشيعة في محاجر للأمراض العقلية) ص12. (- بالتأكيد سوف أنتحر، كم سيكون التاريخ مجرماً لو سمح للتجربة الخمينية أن تتكرر) ص12. فلا عجب في ذلك يعني ضياع وخراب العراق في المشاكل والأزمات، كما هو الحاصل الآن فعلاً (لا عجب في المتاهة، لا تكون متاهة، لولا أنها لا حدود لها بتاتاً... كل شيء في هذا الضياع محرقة خالدة) ص23. يعني أصبح المهاجرين عرضة للضياع والتيه في ممارسة أعمال محرمة في سبيل جمع المال، والهروب من جحيم ايران، وإلا فيكون مصيرهم كالقصب الجاف تلتهمه النيران (اضحى الناس مثل اكوام قصب جاف يتوسل عود ثقاب يحوله الى رماد، ليذهب دخاناً تنذره الرياح الى آخر نقطة الضياع واللاشيء) ص31.

تحرير العراق بدبابة أميركية:

من حماقات هذا التحرير حول العراق من نظام سيء الى نظام أسوأ، أن هذا التحرر فتح باب الخراب وتدمير العراق، بمثابة فتح صندوق (باندورا) لكل العلل والأمراض والمشاكل والأزمات والشرور الطائفية البغيضة، اضافة الى اباحة النهب والسرقة، كأنهم وجدوا مغارة (علي بابا) بنهب الجمل بما حمل، أو نهب البلاد والعباد، ولكن بأسم الدين والمذهب، وفتح الطريق بشكل حر، لمرور قوافل التهريب وتجار المخدرات والحشيشة على الهوس الديني الضيق، وأصبحت البصرة احدى منافذ التهريب في حدودها المفتوحة على ايران (غدت مدينة البصرة يتقاطر عليها يومياً مئات الأطنان من الهيروين والحشيشة والترياك.. باتت البصرة، تلك المملكة الإخوانية المتراحمة... عبارة عن مدينة للتشنج الديني والهيروين معاً. ضيق في الدين وسعة في المخدرات) ص83. والقيادات الاحزاب الشيعية، اغلبها أمية وجاهلة، لكن اصبحت في المقام الأول في الدولة، في الحكم والمال والنفوذ (العم (ابو صادق) خال حمادة الذي بالكاد يجيد قراءة أسمه، بات اليوم أحد كبار المسؤولين، وأحد أعيان منطقته).

المنفى في استراليا:

 المنفى ما أشد وجع المنفى

في محطة قطار براماتا يسكب قريحة الجراح في المعاناة والقلق في حسم مسألة اللجوء والقبول، وحتى الاقامة الموقتة لاتشبع الجوعان، ربما ينتهي مفعولها بالطرد، وحتى الوصول الى الاقامة الدائمة، فأن المهاجر حرق مراحل من المعاناة والقلق والإرهاق النفسي.

***

جمعة عبدالله

عُرِفتْ القصة كجنس أدبي  لأول مرة  في السويد في بدايات القرن الثامن عشر ويعتبر "فيليهليم بالمبلاد" أحد رواد القصة منذ نصه (أمالا) الذي كتبه في العام 1817، الشكل البدائي لكِتاب المجموعة القصصية جاء مع:"فريدريكا بريمير" في العام 1828 من خلال كتابها " رسومات من الحياة اليومية" والذي ضم  ثلاثة نصوص . لكن  بقيت  تلك الأعمال ضمن دائرة القصة الطويلة الأقرب منها إلى الرواية القصيرة حجماً وصياغة فنية. ثم ومع " أوغست ستريندبيرغ " الذي على الرغم من أن المسرح والرواية أخذت الحيز الأكبر من أعماله لكنه أيضاً أبدع في مختلف الأجناس الأدبية وساهم في تطوير  القصة القصيرة  مع مجموعته القصصية "متزوجون" 1884و من ثم  يلمار سودربيرغ "من خلال مجموعته: " قصص " 1898. و"بير لاغركفيست " في حكايا شريرة  1924 ثم ألعاب الليل 1947 لستيغ داغرمان وعلى الرغم من أنه في السويد كما هو الحال في البلدان الأخرى ينظر دوماً إلى الرواية  على أنها تمثل الأدب الحقيقي. ونادراً ما يُسأل أحد الروائيين متى نستطيع رؤية نتاج قصصي لك؟! فيما متى سوف نرى لك عملاً روائياً ؟ هو سؤال يتم دائماً طرحه وبشكل متكرر على كُتاب القصة.  هكذا كان عليه الحال قديماً وحتى يومنا ومع ذلك فان القصة  نمت وتطورت وسُلطت عليها الأضواء حيناً فيما  أحياناً أخرى وضعت على الرف ولم تحصل على نصيبها في الظهور.  وهناك قصص كثيرة تركت بصمات قوية على الأدب السويدي، بعض تلك النصوص تحولت إلى سيناريوهات أفلام سينمائية واذاعية وأخرى إلى نصوص تعليمية في المناهج الدراسية الرسمية وهنا نذكر بعضاً من تلك الأعمال:

"معطف الفرو " ليلمار سودربيرغ 1898، قصةٌ أبدع سودربيرغ في خلق بنيان درامي متماسك في نص قصير يشكل معطف الفرو  رابطها من البداية إلى الحبكة ووصولاً إلى الخاتمة .

"يد الشبح "سلمى لاغرلوف 1898، عن حياة فتاة يتيمة تعيش في بيئة شبيهة بالسجن تحت وصاية عماتها.

"أبي وأنا " بير لاغركفيست 1924. عن صبي يخرج في وضح النهار مع والده إلى الغابة ويستمعان إلى تغريد الطيور ويعودان عند حلول الظلام، الصبي القلق الذي يخشى العتمة يدرك بأنه يوماً ما سوف لن يبقى والده إلى جانبه لاسناده في الحياة وأن عليه الاعتماد على نفسه.

"ايلا تحرر نفسها "  كارين بوي 1940 ، "إيلا " تعيش حياة زوجية يتحكم الزوج في مفاصل حياتها، لكنها في النهاية تقرر أن تتحرر من هذا التحكم وعلى الرغم من أن القصة لاتنتهي بالانفصال إلا أن "إيلا" تتوصل إلى قرار الاعتماد على نفسها والتخلص من هيمنة الزوج عليها.  

" أن تقتل طفلاً 1948" .  ستيغ داغرمان: "إنه صباح سعيد ليوم مشؤوم لأن في هذا اليوم سوف يُقتلُ طفلاً في القرية الثالثة من قِبَلِ رَجُلٍ سعيد." من الجمل الأولى يُحْكِم ُداغرمان قبضته على القارئ ويضمن تشوقه لمتابعة الحدث حتى الخاتمة الحزينة. أن تقتل طفلاً نص فريد الانشاء والتركيب المنسق و له استثنائية مميزة حيث يُعدُّ من أوائل النصوص هذا ان يكن أول نص في الأدب السويدي فيه تُسرد الوقائع بصورة متوازية من منظور الطرفين المختلفين المشاركين في خلق الحدث.

"الأنسة " سارة ليدمان 1954، ووصفت" جريدة سفنسكاداغبلادت " القصة بأنها جوهرة "ليدمان "في وصف الوحشية والرحمة.

"نصف ورقة" 1903 هو النص المرفق ل"أوغست سترندبيرغ " وبترجمتي من السويدية، ويُعدُّ هذا النص من النصوص الكلاسيكية الأكثر شهرة ليس فقط على مستوى السويد بل عالمياً  وهو مترجم إلى أكثر من ثلاثون لغة:

"نصف ورقة

آخر نقلة من أثاث المنزل أُخرجت، المستأجر شاب يرتدي قبعة عليه زهرة الحِداد يتجول مرة أخرى في أرجاء البيت لكي يتأكد من أنه لم ينسى شيئاً تبقى.

لا، إنه لم ينسى شيئاً، لا شيئ على الاطلاق. وهكذا خرج إلى البهو عازماً على أن لا يفكر بتلك الفترة التي عاش في هذا الطابق. لكن انظر ..هناك في بهو الدار نصف ورقة عالقة بالقرب من الهاتف، وهي مليئة بالكتابة وبأنواع متعددة من الخطوط وكذلك حال الحبر  وأخرى  مخطوطة بالقلم الرصاص أو بقلم حبر أحمر اللون . مكتوب عليها وقائع الحكاية الجميلة كلها، التي حدثت في تلك المدة المحددة، المؤلفة من عامين من الزمن، كل مايريد نسيانه مكتوب هنا، شطر كامل  من حياة عائلة في نصف ورقة.

أخذ نصف الورقة تلك والتي كانت من ذلك النوع من ورق المسودات صفراء اللون مما يبدو عليها. وضعها على غطاء الموقد المتواجد في الصالة، وانحنى نحوها وبدأ يقرأ. في البداية مكتوب اسمها:" أليس"، أجمل اسم عرفه حينذاك، لأنه كان اسم خطيبته, والرقم 151،1. تبدو مثل أعداد إحدى الترنيمات الكنسية. ثم بعد ذلك مكتوب: البنك. حيث كان يعمل هناك، ذلك العمل المقدس الذي من خلاله تَأمّن  المأكل والملبس والزوجة والمسكن أساس الوجود.  لكن كان مشطوباً عليه ! لأن البنك كان قد انهار مالياً ولكنه كان قد أنقذ نفسه بالانتقال إلى بنك آخر  وذلك بعد فترة مليئة بالقلق.

ثم بعد ذلك جاء: محل تاجر الزهور، الحوذي.. تلك كانت مرحلة الخطوبة إذاً وكان بحوزته الكثير من المال. ثم بعدها تاجر الاُثاث، معلم تركيب ورق الجدران،عش الزوجية . وكالة النقل السريع: ينتقلون إلى البيت .مكتب تذاكر الأوبرا: 50.50. أي أنهما متزوجَين الآن ويذهبان معاً الى دار الأوبرا أيام الآحاد, أفضل لحظاتهما حين يجلسان بصمت وينسجمان بتناغم مع  الجمال على أرض الخيال في الجانب الآخر من الستارة.

هنا أيضا اسم رجل ما مشطوب عليه، كان أحد الأصدقاء وكان يحظى بمكانة مرموقة في المجتمع ولكنه لم يستطع الاحتفاظ بتلك المكانة والسعادة وأُنزل من مرتبته بلا حول ولاقوة وأصبح ملزماً بالسفر بعيداً. هكذا هشاً كان.

هنا شيئاً ما جديداً  يدخل في حياة الزوجين. مكتوب بخط يد  امرأة وبالقلم الرصاص. امرأة أية إمرأة ؟! نعم تلك المرأة التي كانت تريدي معطفاً طويلاً وتتمتع بوجه سَمح، والتي تأتي بهدوء ولاتعبر من خلال الصالة بل إنها  تدخل عن طريق  الممر إلى غرفة السرير . تحت اسمها مكتوب "دكتور . ل".

لأول مرة يظهر هنا اسم أحد الأقارب. مكتوباً " ماما". انها الحماة التي آثرت عدم الظهور لكي لا تعكر صفو حياة زوجين جديدي العهد،  لكن هنا حيث وقت الضِيق فجاءت بكل سرور  لتلبي حاجتنا الى مساعدتها.

هنا تبدأ خرابيش كبيرة باللون الأزرق والأحمر: مكتب عمولة: الزوجة الشابة قد انتقلت، أو سوف يتم تعيين موظف جديد. الصيدلية. ه.مم.مم! العتمة تزداد ! شركة الألبان. هنا يُطلب الحليب الخالي من الدرنات. محل عطارة، الجزار إلخ! بدأ تسييرَ أُمورَ المنزلِ يتم عن طريق الهاتف، لأن الزوجة لم تعد في مكانها، ولأنها أصبحت طريحة الفراش.

ما جاء بعد ذلك  في نصف الورقة ِتلكْ لم يعد يستطع قراءته وكأن غمامة أمام عينيه مثل مايحدث مع الغريق في البحر الذي يفتح عينيه وسط الماء المالح ليرى من خلاله. لكن هناك مكتوب: مكتب دفن الموتى .

انها تقول بما فيه الكفاية! ثم: تابوت كبير وآخر صغير. وبين قوسين مكتوب (من التراب) ثم لا شي مكتوب بعد ذلك! بالتراب انتهى، وفعلا انتهى كل شيء إلى تراب. أخذ الورقة الصفراء قَبَلَها ثم وضعها في جيب صدره.

خلال دقيقتين عاش عامين من أعوام حياته. حين خرج لم يكن مطأطىء الرأس بل على العكس خرج مرفوع الرأس مثل أي شخص سعيد وفخور. لأنه شعر بأنه كان محظوظاً وكان  لديه أجمل إمرأة. كم مسكيناً لم يحظى بشيء من ذلك  أبداً!"

***

فرمز حسين - ستوكهولم

كاتب ومترجم سوري

انشغل العالم منذ خمسينات القرن الماضي بأفكار الزعيم الصيني ماوتسي تونغ(1893- 1976)، التي أصبحت محوراً مهماً في الصراع الفكري والسياسي في عالم يسمى حينذاك (الاشتراكي)، سواء بين الصين و (الاتحاد السوفيتي، أو في صفوف الحركة الشيوعية الدولية يومئذ، أو في داخل الصين نفسها بين أنصار ماو وخصومه المتهمين باتباع الخط (البرجوازي الرجعي).

أنصار ماو يرفعونه الى مرتبة التقديس والتنزيه عن الخطأ، يشيدون بتعاليمه كما لو كانت نصوصاً سحرية خارقة تكاد تكون قادرة على كل شيء ابتداءً من تعليم الصغار إلى إلهام أكبر علماء الذرة والتقنيات الحديثة، ويرفعونه فوق مستوى الفلاسفة والمفكرين من صنوه على وجه الخصوص.

في داخل الصين الموقف أكثر تعقيداً لأن تهمة معارضة تعاليم ماو توجّه الى رفاقه الذين عُرفوا طوال حياتهم بالولاء التام والطاعة العمياء.

كان ماو منذ صغره متمرداً على تقاليد مجتمعه، استطاع أن يكسب مئات الملايين من الفلاحين ليقود معركة تحرير ضد المحتل الياباني، استمرت لأكثر من عقد من الزمن، عرفت بالمسيرة الكبرى، تكللت بتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949،فكان ماو أول رئيس لها.

أدرك ماو حقيقة المجتمع الصيني الذي يشكّل فيه الفلاحون الفقراء نسبة 80 بالمائة منه، هذه الحقيقة قادته الى الخروج عن التقاليد النظرية الجامدة في كلاسيكيات الماركسية، حين اصطدم بالتطبيق العملي للنظرية، واكتشف قوانينه العملية في الثورة، وواقع الحال يشير الى أن ماو تسي تونغ شخصية مثيرة للجدل، وهو معروف باسم (المفكر والمنظّر والستراتيجي السياسي والعسكري، والمؤلف والشاعر) .

القليل من يعرف ان ماو الأديب كان شاعراً، وأقلّ منهم اولئك الذين قرأوا قصائده ورأوا فيها وجهاً آخر للصين، ومن البديهي أن يتساءل القارئ عن البدايات الأولى والمؤهلات الثقافية التي قادت ماو لكتابة الشعر، متى وكيف تمكن وسط المهمات الثقيلة ليخلو مع نفسه كشاعر يخوض التجربة الشعرية بتجلياتها وانفعالاتها؟ بأي دافع كتب ماو الشعر؟ بقي علينا أن نسأل عن مزاجية الشاعر ، كيف يستحضر القصيدة، يعيش طقوسها وتفاصيلها، ليمسك بطيف كلمة أو يصطاد معنى؟

بامكان الدارس أن يستشهد بمقاطع عدّة من قصائده، ليدرك الظروف التي وقع تحت تأثيرها ماو كي يكتب شعراً لا يعبّر عن تجاربه الذاتية، ولا أحزان الانسان وضياعه الوجودي، بل هو شاعر كان تلهب خياله قضايا شعبه وأمله في الحرية والعدالة الاجتماعية.

قدمت الصين أدباً قومياً ثورياً، ووجد الكثيرون من عامة الناس الذين لم يخطر في بالهم أن يكتبوا شعراً أو أثراً أدبياً، وجدوا في خضم المعارك التي يخوضها شعبهم أن يعبروا عن روح أمتهم في تلك الظروف، وان يكتبوا بلغة تفصح عن إرادة شعبهم وتوقه للحرية، أن يكونوا لسان الواقع الجديد للصين الذي يولد بين نيران المعارك لتحقيق وجوده على الرغم من هولها المرعب.

كان ماو واحداً من هؤلاء الذين كتبوا الشعر تحت هذه الظروف، لم تكن لديه الرغبة في النشر أول الأمر، لسببين، أولهما اعتقاده أن شعره لا يرتقي الى مستوى الشعر الجيد وليس فيه أي إمتياز فني خاص، والثاني خشيته من تأثر الجيل الشاب سلباً في شعره الكلاسيكي.

في قصيدة (الزحف الطويل) يعبّر ماو عن فخره بالفلاح الصيني ويضرب المثل ببطولته التي فاقت كل خيال:

لا يخشى الجيش الأحمر عناء مسيرة طويلة/ ألف    جبل، مائة ألف نهر لا تعني لديهم شيئاً/ قمم الجبال في نظرهم كتعرجات أمواج البحر الصغيرة/ يجتازون سلاسل الجبال مثلما يجتازون أكواماً من الطين/دافئة هي السحب العالية المغسولة بنهر الرمال الذهبي*.

ماو يحب الفلاحين حباً غريباً أولئك الرجال الذين قهروا الصعاب وهزموا الطبيعة تعلو الابتسامة الندية شفاهم، ووسط تلك المعارك، في لحظات راحة منها يسترجع ماو الماضي عندما كان في قريته صغيراً لم يعر معنى الحياة بعد، ولا ما يخبئه له القدر من دور في تاريخ الصين، وهو لا يستغرق في ذلك التأمل الرومانسي لذاته، انما تتوارد على ذاكرته خلال ذلك التأمل صور المقاتلين يعبر عنها في قصيدته( زيارة الى القرية) إذ يقول:

مازالت ذكريات الماضي حيّ في قلبي/ سأظل أناشد الزمن الدفاق أن يعود الى الوراء/ أنا الآن في قريتي، والأيادي السوداء ترفع سياط الملّاك القساة/حتى أننا لنجترئ على أن نأمر الشمس والقمر باطلاع يوم جديد/الأبطال عائدون من كل جانب مع ضباب المساء.

في قصائد ماو تبرز عدّة ملامح تكاد تميز انتاجه وتصبح خاصية ينفرد بها دون سواه، غير انها لا تظهر الا بالقراءة المتأنية للقصائد، أول هذه الملامح تأثره بالتراث الشعبي الصيني، فقلما تخلو قصيدة له من تضمينات تشير الى هذا التراث، وغالباً ما يجعل الدلالة الرمزية للقصة الشعبية تعبر  عن موقف سياسي يريد أن يقول عنه شيئاً. ان ارتباطه بموروث شعبه كشاعر وثيق جداً، إذ يشكل عالمه الرحب المليء بالرموز والمعاني والتجارب المكثفة،

والملمح الثاني في شعر ماو هو طابعه الكلاسيكي، متأثراً بالثراث القديم الضارب جذوره عميقاً في الأدب الصيني، مما يجعل شعره استمراراً طبيعياً للشعراء الكلاسيكيين، وحرصه في الربط بين المعاصرة والقديم، علماً ان هذا التأثر جاء على حساب الشكل وحده لا المضمون، إذ يعدّ ماو في وقته منتمياً لجيل الشعراء الذين تأثروا بحركة التجديد في الأدب التي واكبت حركة الرابع من مايس 1919**، والتي أسقطت نهائياً الأدب الكلاسيكي القديم ذا المضمون الاقطاعي، ودخلت بالأدب مرحلة التجديد والتعبير عن  حياة ومصير الانسان بلغة مفهومة.

وهناك ملاحظتان جانبيتان تنبغي الاشارة لهما، الاولى تتمثل بقلة انتاجه الشعري، والاخرى تتعلق بقصر القصيدة.  كمحاولة للابتعاد عن التعقيد، في تكثيف عبارته وشحنها بلغة موحية ومؤثرة، وعلى العموم لم يحظ شعر ماو بقدر معقول من اهتمام النقاد، وحتى المقالات التي تناولت تجربته كانت سريعة، اختلفت حول قيمة القصائد فنياً، لكنها اتفقت على انها ألقت الضوء على شخصية الشاعر الضاربة في جذور الصين، وتعبّر في ذات الوقت عن مواقفه تجاه قضايا شعبه المصيرية.

الصين اليوم لم تعد لها علاقة بصين ماو، على الرغم من ملايين الزوار الذين يأتون سنوياً يحيّون تمثال (القائد العظيم)، يقطعون آلاف الأميال الى  مسقط رأسه في مقاطعة هونان، هؤلاء ليس لديهم استعداداً لسماع قصائد ماو ولا تعاليمه الثورية والنظرية، انما لالتقاط صور (السيلفي) مع التمثال.

صحيح ان الريح لا ترجع القهقرى، لا حاجة أن ترجع، لم تولد فجأة من دون مقدمات، انها ليست الهنا والآن، فهي تحمل بعد الماضي وراءها في قرارتها، كذلك، لنفترض ان الماء لايعود الى منبعه،، لا حاجة أن يعود، فالنبع مستمر فيه، رفض النبع هو رفض للماء نفسه.

***

   جمال العتّابي

.........................

* أشكر ولدي د. فرات الذي ترجم النصوص الشعرية عن اللغة الصينية الى العربية، ومراجعة بعض الوقائع التاريخية.

**حركة الرابع من مايس 1919: حركة ثقافية جديدة وسياسية انبثقت عن الاحتجاجات الطلابية في بكين، المطالبة بالتحرر وانهاء النفوذ الاجنبي.

 

كان في العشرين  من عمره عندما وصل الى باريس قادما من العاصمة الاسبانية مدريد، لم يكن يحمل الكثير من امتعة السفر باستثناء حزمة اوراق كان يحرص عليها بشدة، كانت مخطوطة روايته الاولى " المدينة والكلاب " التي بدأ الكتابة فيها في منتصف عام 1958، عندما كان يقيم في مدريد، وجد شقة صغيرة جدا بالقرب من حدائق اللكسمبورغ، كان قد انتبه بوضوح إلى ميله ان يصبح كاتبا، لكن عليه في هذه المدينة أن يبحث عن عمل يؤمن عيشته، فوجد وظيفة في وكالة فرانس برس، واخذ يعطي دروسا في اللغة الاسبانية ..يتذكر ماريو فارغاس يوسا انه ذهب ذات يوم إلى احدى مكتبات الحي اللاتيني تدعى "مكتبة متعة القراءة" ليشتري نسخة من رواية " مدام بوفاري " :" أمضيت الليل بكامله في قراءتها، أدركت عند طلوع الفجر أي نوع من الكتّاب أريد أن أكون، وأني، بفضل فلوبير، بدأت أتبين جميع أسرار فن الرواية " – يوسا جريدة الشرق الاوسط -.

بعد الانتهاء من الصفحة الاخيرة من " مدام بوفاري ادرك يوسا " ان لا أحد يرقى إلى مصاف الفرنسي الكبير غوستاف فلوبير من حيث فضله على الرواية :" فمعه وحده ولدت الرواية الحديثة، فهو الذي الذي أرسى القواعد التي تحولت، بعد سنوات، إلى الأشكال والتراكمات اللامتناهية التي تفتقت عنها عبقرية جيمس جويس ليميزها نهائياً عن الرواية الكلاسيكية"، بعدهما سيأتي رجل خشن الطباع يعيش  في أقاصي ميسيسيبي، يعطي للرواية مرونة في الزمان والمكان مكنته من كل التجاوزات،  إنه ويليام فولكنر، هكذا يعلن يوسا، الذي وجد ان أكثر ما يذهل عند الامريكي ويليام فولكنر لم تكن جرأته الرائعة التي أتاحت له أن يكتب روايات مثل " الصخب والعنف" أو "بينما أرقد محتضرة"، بل :" الحيل التي كان يخدع بها الصحافيين عندما يعرّف عن نفسه بأنه مزارع يحب الخيول، ويرفض الحديث عن تقنيات الرواية "وبضيف يوسا:" يعود الفضل إلى فلوبير، وجويس، وفولكنر، في نشوء الرواية الحديثة ".

في أحد الصباحات، وفيما كان يحدّق في الأشكال التي خلفتها بقايا القهوة في الفنجان الذي تّقدمه له أمه كل يوم منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، لمح المخطوط الذي انتهى من كتابته (إغواء القديس أنطونيوس)، كان قد انتهى أمس من قراءته على عدد من الأصحاب الذين أجمعوا أن الحكاية مملة ولا تستحق أن تُخصص لها هذه الكمية من الورق، لمح على الصحيفة بزاوية عينه خبراً مثيراً، عن امرأة انتحرت بعد أن خانت زوجها، قال لأمه التي كانت تجلس على أريكة قريبة: "يا له من خبر تافه".. كانت الأم قد قرأت الخبر وهي تعرف تفاصيل الحادثة جيداً، فزوج المرأة التي انتحرت، وهو (أوجين دالامار)، كان تلميذاً عند والدة فلوبير في كلية الطب.

ظلت الأم تُراعي حالة ابنها الذي أصيب بمرض الصرع عندما أصبح في العشرين من عمره، وكان هو يكره الضجة التي يثيرها زوار البيت: «تمرضني، تدوخني. فأنا أشتاق إلى صمت الأسماك الذي عشت فيه حتى الآن».

كان في الثامنة والعشرين من عمره، يسعى لأن يكتب كتاباً يتفوق فيه على (فاوست) لـ (يوهان غوته). كتب في إحدى رسائله: "إن على الفنان أن يقدم نفسه عبر عمله من دون أن يوجد" .

سببت له الضجة التي أحدثتها روايته (مداوم بوفاري) الضجر، وجعلته أكثر عزلة، ووصفها «بالمرض» الذي يلاحقه، تعرف على (جورج صاند) عندما كانت في الستين من عمرها وقال ساخراً إنها أرادت اغتصابه. كتبت له في إحدى رسائلها: «إنك ولد رائع لطيف، على كونك رجل عظيم، وأنا أحبك من كل قلبي». خاف الزواج والأبوة وأفاده مرضه بإتاحته الفرصة له بالخيار.

في سنواته الأخيرة كان يخاف من الجنس بعد أن أصيب بمرض الصرع، كتب في إحدى رسائله أنه كاره لنفاق البشر، لكنه محبّ للأطعمة والملابس الفاخرة. يعشق الكتابة، قال إن القلم لا يقل أهمية عن مشرط الجراح، ولهذا قرّر أن يثخن الطبقة البرجوازية بجراح عميقة.. عاش في ظل عائلة برجوازية، إلا أنه لم يكن برجوازياً، وكانت نافذته على الحياة تطلّ على مجتمع تسوده المادة ويغلب عليه طابع الجشع، لذلك قرر أن يبتعد عن المجتمع واتُّهم بالمكوث في برج عاجي، لكنه كان يصف عزلته بأنها تحدّ وانفراد، ولم تكن انفصاماً عن المجتمع، إنها عزلة الفنان التي تزوّده بصور الحياة ليتفحّصها جيداً، قال ذات يوم: "لقد آن الأوان لأن أفتح عيني أكثر على هذا المجتمع، لقد رفضته لمعرفتي بعيوبه، سأفضحه، سأجعله محلّ اهتمامي وموضوعي في كتاباتي، سأحرّكه". لقد حاول فلوبير العيش مع العالم في أصعب مواقفه والكتابة عنه: "يجب أن لا نتوقّف عن الكتابة والتأليف، لأننا حين نتوقف ولا نفعل شيئاً، نفكّر في أنفسنا، وانطلاقاً من ذلك فنحن مرضى"، ولهذا جاءت معظم أعماله الروائية مليئة بالواقع وتدور حول الناس، وكانت الكتابة بالنسبة له مغامرة يمارس من خلالها حبّه وكرهه للأشياء، ونوعاً من الدفاع عن نفسه من الضياع، ونداء إلى شيء خالد، كبير أعظم من الحياة، فهي مهمة سامية، ولهذا ظل يردد: "لكم يحتقر الإنسان نفسه عندما يرفع عينيه أكثر نحو الأدباء العظماء، نحو المطلق، نحو الحلم". لقد قرّر أن يكتب الحقيقة مهما كانت قاسية، يقول في إحدى رسائله: " إذا كان لا بدّ لي من اتخاذ موقف فعلي من هذا العالم، فستكون مهمتي كمفكّر وكمثبّط للمعنويات. لن أقول إلّا الحقيقة، لكنها ستكون رهيبة، قاسية، وعارية".

  في حوار معه قال يوسا ان اكتشاف فلوبير بالنسبة له كان امرا أساسيا،ونجده يصف الكاتب الفرنسي بأنه حالة فريدة :" كان في بدايته، كاتبا عديم الموهبة. كان ينقل، يقلد، ثمة رغو كلامي وبدون شخصية. لقد أبدع نفسه عبر الانتظام والعمل والتحفظ والتقشف والالتزام المتعصب وفي النهاية أصبح عبقريا. كان الأمر مشجعا كثيرا لشخص مثلي، كان يفكر بأنه غير عبقري. لذلك قلت: ها هو المثال أمامك ".

غوستاف فلوبير المولود عام 1821 وتوفي عام 1880،جرّب الكتابة وهو في الثامنة من عمره حين بدأ يكتب عن الموت الذي يُطارده، وهو يتجول بين أروقة المستشفى الذي يملكه والده الجراح الشهير، كان أول ما تفتّحت عيناه عليه هو صراع الناس مع وحش خفي اسمه الموت، يقول: "كان مدرج المستشفى يشرف على حديقتنا، وكم مرة تلصصت عبر الأبواب لكي أرى الجثث المددة على الأسِرَّة". أراد فلوبير أن يرسم منظراً أدبياً لهذه الجثث، فكتب أولى قصصه التي سخر منها والدهُ، فمزّقها وجعلها طعاماً لنار مدفأة غرفة مكتبه مؤنِّباً إياه: "الكتابة مهنة الضعفاء والمجانين، أنت خُلقت لتمسك المشرط، لا القلم". بعد سنوات يكتب إلى عشيقته لويزا كوليه: "كنتُ ذلك الإنسان الذي بلا هويّة، والذي يريد الآخرون أن يشكلوا له حياته". هذه الحياة التي تأرجحت بين جديّة الأب وقسوته، وعطف الأم التي كانت تعشق القراءة، كان سريرها مزدحماً بالروايات والقصص الخيالية، ثمة كتب في كل مكان. في المساء كانت تنتابني رغبتان: حضن أمي، وكتبها التي تتحدث عن العشق".

في العاشرة من عمره حاول أن يقلّد كاتبه المفضل فكتور هيجو فكتب رواية قصيرة متأثراً برواية هوجو الشهيرة "أحدب نوتردام"، وحين قُدِّر له بعد سنوات أن يزور صاحب (البؤساء) في بيته، كتب لوالدته فرحاً: "أخيراً استمتعت برؤيته عن قرب، فحدَّقت به مشدوهاً، كما أحدق في إناء مملوء بملايين الجواهر الكريمة".

في الخامسة عشرة من عمره يلتقي بالمرأة التي سيحبّها طوال حياته، وقد خلّدها في روايته التي حملت عنوان (التربية العاطفية)، كانت تكبره بثلاثة عشر عاماً، وكانت زوجة لأحد كبار رجال الأعمال، حين كانت تنظر إليه، يصاب بالتعرق والارتباك. ويخبرنا سارتر في كتابه (أبله العائلة)، أن فلوبير كان يرى فيها بعضاً من ملامح أمه التي عشقها منذ الصغر، ونراه يكتب في (يوميات مجنون) أنه لم يحب في حياته سوى أمه وهذه المرأة التي تدعى (ماري شيزنجر).

بعد عام يكتب لأحد أصدقائه: "لا تتوهم أني حائر ومتردّد في ما يخص اختيار مهنتي في المستقبل.. في الواقع أنه لن تكون لي أية مهنة! إني عاجز عن العمل. وذلك لأني أحتقر البشر إلى درجة أني لا أستطيع أن أفعل لهم خيراً أو شراً. وعلى أية حال فسوف أدرس في كلية الحقوق وأتخرج كمحام. ولكني لن أشتغل في مهنة المحاماة إلا إذا طلبوا مني الدفاع عن مجرم كبير. وأما في ما يخص الكتابة، فإني أراهنك على أني لن أصبح كاتباً ولن أطبع حرفاً واحداً».

لم تكن الوظيفة تشغله ولا المستقبل، فقد كان مشغولاً بتتبع حكايات النساء، يتخيل صديقات والدته، ويسرح في صور النساء اللواتي شاهدهن في الشارع، إلى أن يعثر على (لويز كوليه) التي كانت مغرمة بالأدباء، حتى أن حكايتها مع فكتور هيجو كانت حديث الصالونات الأدبية، ويبدو أن فلوبير البالغ من العمر الآن خمسة وعشرين عاماً قد أحبها بإفراط، فلم تمض على لقائهما سوى ساعات قليلة حتى كتب لها خطاباً نارياً: "إنكِ المرأة الوحيدة التي أحببتها، باستثناء امرأتين: الأولى أمي، والثانية كنت عشقتها قبل عشرة أعوام، من دون أن أفاتحها أو ألمسها، لكنكِ الوحيدة التي أحيت في قلبي الأمل في أن أحظى بإعجابها، بل لعلك الوحيدة التي حظيت بإعجابها فعلاً".

وقد سخر فلوبير في ما بعد من هذه العبارات التي كتبها، وسرعان ما بدأت قصة الحب تفقد بريقها تدريجياً حتى كتب لها ذات يوم: «يبدو أنك لا تفهمينني على حقيقتي، فأنت أحياناً ترفعينني إلى مرتبة أسمى مني، وأحياناً أخرى تهبطين بي إلى درك أدنى مما أستحق، وهذا هو داء النساء منذ القدم، فهن لا يعرفن الاعتدال، ولا يُردن أن يفهمن المخلوقات المعقدة التي هي الغالبية العظمى بين البشر، ولقد تبيّنتُ منذ زمن أن من يريد أن يعيش حياة هادئة لا بد أن يعيش وحيداً ويحكم إغلاق نوافذه لئلا يتسرب إليه هواء المجتمع، وهذا هو السبب في أني عشت سنوات عديدة أتجنب رفقة النساء"، وتصف لويزا فلوبير بأنه كان قاسياً سريع الغضب فريسة للانفعالات والتقلبات العاطفية فتكتب بعد وفاته: «كان شخصية وحشية دائمة السخط".

على أن لويزا كان لها تأثير آخر على فلوبير غير قصة الحب العاصفة التي عاشها، فقد استمد منها ملامح بطلة روايته الشهيرة (مدام بوفاري) التي تفرّغ لها منذ أن كان في الثلاثين حتى السنوات الأخيرة من عمره.

بعد أن اشترى والده قصراً كبيراً يطلُّ على نهر السين، قرر الابن فلوبير أن يتخذ منه مسكناً، كان يكتب طوال ست ساعات في اليوم، لكنه يمزق ما كتبه في اليوم التالي، في ذلك الوقت يلتقي بالشاعرة (لويز كوليت)، التي سرعان ما أصبحت عشيقته، حدثها عن حيرته في الكتابة، كان قد قرأ عليها قصة بعنوان (البائسون) وما أن انتهى من القراءة حتى قذف بالأوراق من النافذة وصاح: "هراء.. كل ما أكتبه هراء، متى تبدأ يا فلوبير بدايتك الحقيقية؟".

قالت له كوليت: "يجب أن تعدل تماماً عن كتابة موضوعات غامضة، خذ موضوعاً من الواقع، ألم تقرأ في الصحف عن حكاية مدام (دلفين ديلمار)، إنها تستحق عملاً ممتازاً بشرط أن لا تقول لي أنك كنت أحد عشاقها». فأجاب: "للأسف لم أكن في قائمتها». قالت: "حسناً اكتب عنها إذن، لو كنتُ أمتلك موهبتك لما ضيّعت هذه الفرصة ". فقال لها: "وماذا لو تعرضتُ لمضايقة عشاقها، هل تريدينني أن أقضي بقية عمري بالسجن بتهمة التشهير بمواطنين شرفاء؟". وهنا ضحكت كوليت على عبارة المواطنين الشرفاء، وكانت تدرك في قرارة نفسها أن الموضوع استهوى فلوبير وسيكتب عنه.

أخذ فلوبير يبحث عن حكاية المدام ديلمار فماذا وجد؟ كان الزوج يوجين ديلمار، طالبَ طب يدرس الجراحة على يد والد فلوبير، وكان طالباً عادياً فشل في العديد من الاختبارات الجامعية ولم يستطع نيل دبلوم الطب، فأصبح مأموراً في إحدى دوائر الصحة. في ذلك الوقت تزوّج من أرملة تكبره بالعمر لكنها توفيت بعد سنوات، فأصبح وحيداً، وراح يبحث عن رفيقة لحياته، عندئذ قابل فتاة في السابعة عشرة من عمرها، جميلة ذات شعر أشقر وجسد متناسق كانت ابنة لواحد من مرضى ديلمار، تعلمت في دير وقد امتلأ رأسها بالأحلام التي تثيرها قراءة الروايات الرومانسية، في البدء كانت تعتقد أنها تزوجت من فارس أحلامها، لكنها سرعات ما اكتشفت أن ديلمار إنسان فاشل وثقيل الظل ولا يملك الطموح، كانت تحلم برجل مندفع مثير، لكنها بدلاً من ذلك تزوجت بإنسان غبي يصفه فلوبير بدقة: "كان حديثه مسطحاً مثل رصيف الشارع، إنه لا يستطيع السباحة، لا يستطيع المبارزة والإمساك بسلاح ناري، مشاعره عادية، يعانقها في أوقات محددة، وأصبح الجلوس معه غير محتمل، يحلو له أن يلتهم الطعام الذي أمامه بشراهة ثم يذهب إلى الفراش ليستلقي على ظهرة ويشخر".

ونجدها كثيراً ما تُردّد حين تكون لوحدها: "يا إلهي لماذا تزوجت"، وتحاول أن تتخيل ذلك الزوج الذي لم تعرف، رجلاً وسيماً وفطناً ومتميزاً وجذاباً، وتسأل في نفسها ما العمل؟ هل سيدوم هذا البؤس للأبد، كانت تتوق إلى الحياة الصاخبة، تبحث عن الحب، عن رجل يختطفها ويطير بها بعيداً، لقد قررت أن تفتح الباب المظلم، ففي مقابل احتقارها لزوجها وللحياة السخيفة التي تعيشها معه، نظرت في المرآة إلى جمالها وأيقنت أن بإمكانها أن تحوِّل أحلام اليقظة إلى واقع، وقررت أن تكتشف عالماً أكثر إثارة يحقق لها وجودها، فبدأت تبالغ في إنفاق الأموال على الألبسة والحفلات دون أن يعلم زوجها، وسرعان ما تراكمت عليها الديون، وبعد أن فقدت الرغبة في الملابس والحفلات، تقرر أن تغوي الرجال. في البداية كان العشيق جاراً لها يدعى لويس كامبيون، ثم عامل المزرعة، ثم كاتب العدل، ثم العديد من الموظفين الشباب. ويكتب فلوبير في الرواية: "لقد بدأَت تعيد إلى ذهنها بطلات الروايات التي قرأَتها، وبدأ هذا الفيلق من النساء العاشقات يغرد في رأسها ".

أهملَت زوجها وابنتها الصغيرة وأقاربها وجيرانها، لكنها في النهاية بدأت تشعر بالملل، كل هؤلاء العشاق الذين مارست الجنس معهم مخيبون للآمال، وأخيراً في فجر السادس من مارس عام 1848 بدأت المشاكل تحاصرها: زوجها أفلس، العشاق تبخروا، وهنا تقرر أن تتناول جرعة مميتة من الزرنيخ لتنهي حياة بلا طعم ولا أمل.

كان فلوبير مقتنعاً أن قصة ديلمار هي وسيلته الوحيدة لإثبات موهبته الأدبية، ولإسكات الأصوات التي كانت تقول إن هذا الشاب الذي دخل عامه الثلاثين سيظلّ مجرد مراهق أبله طائش يزحف وراء رائحة النساء. إلّا أن هناك مشكلة يجب أن يجد لها حلاً، فالقصة سوقيّة وقد نشرتها معظم الصحف، لكنه لم يستطع مقاومة سحر السيدة ديلمار وإصرارها على أن تتمتع بكل ذرة من جسدها، بقيت مشكلة مستعصية هي رفض أمه القاطع، أن يكتب عن موضوع هذه السيدة خوفاً من مقاضاته، وأيضاً لأنّ الموضوع مبتذل، لكنه في النهاية استطاع إقناعها، بعد أن قرر تغيير أسماء الشخصيات لتتحول السيدة ديلمار إلى (مدام بوفاري).

سارت الرواية ببطء شديد، ستّ صفحات في الأسبوع، قال لأمه: "يا لها من مهنة صعبة مهنة الكتابة، القلم أشبه بمجذاف ثقيل"، وظل يعمل سبع ساعات في اليوم على مدى أكثر من خمس سنوات، درس خلالها كل ما يتعلق بالروايات الرومانسية التي ربما قرأتها السيدة ديلمار أو مدام بوفاري، وحاول دراسة تأثير مادة الزرنيخ على وظائف الجسم، ومن حين لآخر كانت الكتابة تصيبه بالمرض: "عندما كنت أصفُ تسمّم إيما بوفاري، كنت أحس بطعم الزرنيخ في فمي، وقد عرّضني ذلك إلى آلام في المعدة وسوء في الهضم رافقني طوال حياتي. ويكتب إلى صديقة: «لقد توقفتُ عن الكتابة، لا أستطيع مغالبة دموعي"، ولم يكتف بشهادات الجيران ومعارف السيدة ديلمار، بل ذهب إلى القرية يستطلع مجريات الأحداث التي تتعلق بتفاصيل حياة البطلة، وفي الدوائر الرسمية ومراكز الشرطة اطلع على التقرير التالي: «يوم السادس من مارس 1848 انتحرت في قرية ري نورمانديا، سيدة في السادسة والعشرين من عمرها بتعاطي كمية كبيرة من الزرنيخ" . في النهاية يجد نفسه قد كتب أكثر من 1800صفحة من القطع الكبير.

لم يحاول فلوبير أن يقرأ الرواية على المقربين منه، ويكتب إلى أمه: "أشعر بأنني كتبت عملاً كبيراً، لا أريد أن أعرضه على هواة تحطيم الأدباء وحفاري قبور الأعمال الفنية، سأذهب بالمخطوطة إلى الناشر" . 

لكنه ما أن يسلّم هذه الحزمة الكبيرة من الأوراق إلى أحد الناشرين المعروفين الذي وجد صعوبة في قراءة خطه الرديء، وأيضاً لم يستهوه الاسم، فمن يشتري رواية اسمها (مدام بوفاري)، كما أن الرواية تحتاج إلى تعديلات سيقوم بها الناشر نفسه بدءاً من الاسم الذي سيتغير إلى (قلوب في العاصفة)، وانتهاء بمشهد الموت حيث اقترح الناشر أن تُقتل على يد زوجها بعد أن يضبطها متلبسة بالخيانة، لم يُرد فلوبير أن يصفع الناشر، لكنه طلب منه بكل هدوء أن يعيد إليه المخطوطة.

عشية اعياد الميلاد وفي تمام الساعة الثانية عشر من ليلة السبت 31/12/2022 كتب ألفارو فارغاس يوسا على صفحته في تويتر: "والدي يقول  وداعا للعام وهو في حالة جيدة يقرا الطبعة الأولى من رواية الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير (مدام بوفاري) التي يعود تاريخها إلى عام 1857 ". 

يكتب يوسا :" مضى أكثر من مائتي عام على ولادة فلوبير، وما زال الأسلوب الذي ابتدعه لكتابة الرواية حياً ونضراً. وفي ظني أنه سيبقى يافعاً ومتجدداً طوال المائتي عام المقبلة " .

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

أشرنا في المقال السابق- من هذه الدراسة النقديَّة المقارنة في قِصَّة "صادق أو القَدَرZadig Ou La Destinnée "، للفيلسوف الفرنسي (فولتير Voltaire، -1787)- إلى أنَّ البطل قد جمع بين الصفات النبيلة التي يتحلَّى بها الفُرسان، وبين كونه عاشِقًا وفِيًّا مخلِصًا لمن يُحِب.  وإلى أنَّ شجاعة (صادق) وفُروسيَّته تتأكَّدان في المواقف الحاسمة، التي تُمتحَن فيها فروسيَّة الأبطال.  ومنها إنقاذه الفتاة المِصْريَّة (ميسوف) من قبضة مُحِبِّها الثائر.  ومنها فوزه في المبارزة التي أُقيمت للترشيح لعرش (بابل)؛ فقد أثبت في تلك المبارزة بطولةً نادرةً وتفوُّقًا كبيرًا على خصمه (إيتوباد)، سواء في المرَّة الأُولَى، حين كان يرتدي لَأْمَتَه البيضاء، أو في المرَّة الأخرى، حين لم يكن عليه إلَّا ثوبٌ وقلنسوة؛ فتأهَّل بذلك ليُصبِح ملِك (بابل) وزوج ملِكة بابل.

ومن معاني الفروسيَّة في شخصيَّة (صادق) الحِكمة والفِطنة والحِيلة.  ومن الأدلَّة على ذلك فطنته في مجال القيافة.(1)  ومنها أحكامه الذكيَّة العادلة التي كان يُصدِرها في بعض القضايا المعروضة عليه في فترة وزارته في مملكة (بابل).(2)  وكذلك الطريقة التي استخرج بها من اليهوديِّ أموال سيِّده العَرَبي.(3)  إلى غير هذا.  وبذا فقد انتهت به حكمته وأريحيَّته، وانتهى به ذكاؤه وفروسيَّته النبيلة، إلى تولِّي مقاليد الحُكم في (بابل)، بعد أن تقاذفته صروف الدهر دهرًا طويلًا، وعلى الرغم من المعوقات التي وقفت في طريقه، ومنها (الحسد)، الذي يمكن أن يُعَدُّ محورًا فرعيًّا من محاور هذه القِصَّة، والذي كان محرِّكًا من محرِّكات أعظم الأمور فيها.(4)

حتى إذا أردنا معرفة بعض المؤثِّرات على حياة (فولتير)، وسبر علاقاته التاريخيَّة بالشرق الإسلامي- وفق المدرسة التقليديَّة الفرنسيَّة في الأدب المقارن- فسنعرف أوَّلًا أنه كان أحبَّ سيِّدةً مثقَّفة، تُدعَى (مدام دوشتاليه Madame du Châtelet)، وتعلَّقتْ به.  وفي سنة 1746م سعت (دوشاتليه) إلى ضمِّه عضوًا في المجمع اللُّغوي الفرنسي.  وقد أصبح (فولتير) وحبيبته من المقرَّبين إلى (الدوقة دومين)، زوج الابن غير الشَّرعي لـ(لويس الرابع عشر)، ومن أجل تلك الأميرة ألَّف بعض قِصصه، كـ«زديج أو صادق»، و«ميكرو ميجاس».  وهاتان القِصَّتان ساهمتا كثيرًا في مجد فولتير، وإنْ كان قد ألَّفهما لاهيًا.(5)

ولقد كانت صِلات الغرب بالشرق الإسلامي وثيقةً في القرن الثامن عشر، وكانت (فرنسا) بخاصَّة ذات صلةٍ كبيرةٍ بهذا الشرق؛ وذلك لقربها من منافذ حضارته في (الأندلس).  وما يعنينا هنا: الأدب القصصيُّ العَرَبيُّ، الذي عرفتْه (فرنسا)، شفويًّا ومكتوبًا، في القرون الوسطَى الأوربيَّة، من خلال «كليلة ودمنة»، و«ألف ليلة وليلة»، و”كتاب السندباد»، وغيرها من الآثار القصصيَّة.

ولعلَّ القرن الثامن عشر كان بداية التفاعل الحقيقيَّة بين الشرق والغرب، وبخاصة في (فرنسا).  وكأنَّه لم يكن لأدب القرن الثامن عشر منجًى من أن يعكس الاستشراق الفرنسي.  فرأينا آثار ذلك عند (فولتير)، الذي كسا كتبه الخُلُقيَّة قالبًا شرقيًّا.  واقتفى أثره، في (ألمانيا)، (لسّنغ).(6)    حتى لقد كان يُعاب على بعض الأدباء عدم تناول الأدب العَرَبيَّ ببعض الكتابات؛ كما فعل (فولتير) مع (بوسييه)، إذ عاب عليه تقاعسه عن أن يخصَّ العَرَب ببعض أدبه.(7) 

وكان “القُرآن الكريم» قد تُرجِم إلى بعض اللُّغات الأوربيَّة، ومنها الفرنسيَّة، في القرن الثامن عشر، فلم تعدم الآداب هناك بعض الآثار القُرآنيَّة.  وتُرجِمت قصص «ألف ليلة وليلة»، لأوَّل مرَّة، على يد (أنطوان جالان Antoine Galland)، في أوائل القرن الثامن عشر، 1704- 1717م.  فكان لها أثرٌ واضح، وبخاصَّةٍ في أواخر القرن الثامن عشر؛ لأنها كانت تحمل بعض القضايا الرومانسيَّة.  واستمرَّ تأثيرها طوال العصر الرومانسي.(7)  بل لقد ساهمت «ألف ليلة وليلة» في اندحار الكلاسيكيَّة، وقيام الرومانسيَّة في (فرنسا)؛ إذ استفاد كتَّاب الثورة الفرنسيَّة، ومنهم (فولتير)، أساليبَ جديدةً يتخفَّون خلفها لنقد المجتمع أو السياسة الفرنسيَّة.(9) 

ولنا مع هذه الآثار والعلاقات جولة أخرى في مقال الأسبوع المقبل من هذه السلسلة.

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة المَلِك سعود)

..................

(1)  يُنظَر: فولتير، فرانسوا ماري آرويه، (1979)، القَدَر، قِصَّة نقلها إلى العَرَبيَّة: طه حسين، (بيروت: دار العِلم الملايين)، 22- 27.

(2)  يُنظَر: م.ن، 39- 44. 

(3)  يُنظَر: م.ن، 65- 66. 

(4)  يُنظَر: م.ن، 31- 34، وغيرها. 

(5) يُنظَر في هذا مثلًا: موروا، أندريه، (د.ت)، نصوص مختارة من فولتير، ترجمة: محمَّد غلاب، مراجعة: محمَّد القصِّاص، (القاهرة: المؤسَّسة العَرَبيَّة الحديثة)؛ زعيتر، عادل، (1955)، مقدِّمة ترجمته لـ«كنديد أو التفاؤل» لـ(فولتير)، (القاهرة: دار المعارف)؛ غصُّوب، يوسف، (1961)، مقدِّمة ترجمته لـ«صادق أو القَدَر» لـ(فولتير)، (بيروت: اللجنة الدوليَّة لترجمة الروائع).

(6)  يُنظَر: كبّ، هاملتون، (1954)، الأدب: (ضِمن تراث الإسلام، لجمهرة من المستشرقين، بإشراف: توماس أرنولد)، عَرَّبه وعلَّق عليه: جرجيس فتح الله المحامي، (الموصل: المطبعة العصريَّة)، 294.

(7)  يُنظَر: العقيقي، نجيب، (1947)، المستشرقون، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 168.

(8)  يُنظَر: هلال، محمَّد غنيمي،  (د.ت)، الأدب المقارن، (القاهرة: دار نهضة مِصْر)، 216- 217.

(9)  يُنظَر: السامرائي، عبد الجبار، (1982)، أثر ألف ليلة وليلة في الآداب الأوربيَّة، (بغداد: دار الحُرِّيَّة)، 9- 10.

 

يسرد الكتّاب الفيتناميون الظروف التي أحاطت بزعيمهم هوشي منه ليكتب الشعر، تقول القصة انه كان موفداً إلى الصين أثناء الحرب العالمية الثانية ليتفاوض مع زعيمها في ذلك الوقت (شان كاي شيك)، حول صيغة التعاون بينهما ضد القوات اليابانية التي كانت قد اجتاحت حوالي نصف فيتنام، أُلقي القبض على هوشي منه بعد فشل المفاوضات، وأودع السجون الصينية لمدة عام ونصف.

أتاحت له تلك المدة الهرب من الفراغ المحيط به وما يثقل على قلبه ونفسه، من برودة جدران السجن الرطبة في الليالي الباردة التي يمر فيها الزمن بتثاقل، فلجأ الى الشعر، هنا توهجت باللمعان موهبته الشعرية الكامنة فيه، ووجد في طاقته الفرصة بعد طول حرمان ليتفجر ابداعه الخصب دفعة واحدة، كانت المحصلة أكثر من مائة قصيدة ضمّها ديوانه(ذكريات السجن)، نضجت في لهيب الصراع بين الحرية والعبودية.

الشعب الفيتنامي بطبيعته يحب الشعر ويحترم الشعراء، للشعر في نفوسهم تأثير سحري يبلغ أقصى مداه بمروياتهم التي تقول : ان الشعر هو الوسيلة لازاحة التعب، إذا ردده المسافر والحزين، هو كفيل ان يبعث الراحة لهما، الشعر والاغاني هما تسلية الليالي في فيتنام، حيث عادة الترنم بالشعر متأصلة في نفوس الفيتناميين منذ الأزل، يرددونه في مزارع حقول الرز ويحفظونه، فليس غريباً أن يكون هوشي منه شاعراً يكتب القصائد مثل سائر مواطنيه.

ولد هوشي منه عام 1890 في قرية جبلية شمال فيتنام ذات طبيعة قاسية طبعت أهلها على قوة الاحتمال والصبر ومغالبة الشدائد، وأنبتت في دا4695 هوشي منهخلهم الاستعداد للتمرد والنزوع الى الحرية، نهل هوشي منه منذ طفولته من نبع الاساطير، وشغف بقراءة الادب الفيتنامي والصيني القديم، يتذوقه باحساسه الغض، ومما يزيد من عمق هذا الاتجاه ان والده كان اديباً ومثقفاً، مطلعاً على المعرفة، مشاركاً في انتفاضات الشعب الفيتنامي.

كبر هوشي منه ونما معه اهتمامه بالأدب حتى اصبح شغله الشاغل، ومنه دخل عالم السياسة التي صاغت منه فيما بعد المناضل الثوري القائد لحرب التحرير من الاستعمارالفرنسي، ثم الرئيس الأول لفيتنام حتى عام 1969.

البساطة والتواضع صفتان مميزتان في شخصيته، كان يرفض أن ينسب إلى نفسه صفة الشاعر المحترف الذي تقتصر مهمته على أن يعيش في عوالم الخيال الجميلة، الشعر لديه معاناة حقيقة دائماً لنفس شاعرة تخوض بالكلمة تخوم المجهول والواقع تستخرج جوهره وتفتش عن كنهه اذ يقول:

لكنني في دجى السجن لم ألق رفيقاً أفضل/

يعزيني ويعينني على احتمال الوقت/

فنظمت الاشعار أملاً في الحرية

الشاعر يحاول أن يبرر الدافع الرئيس لكتابة القصيدة، فيجده في الفراغ المحيط به، لكنه ينتقل بالقارئ الى خيار آخر فليس أمامه الا أن يكون مقاتلاً أو شاعراً، فاختار الثورة:

انساب ضوء القمر من زجاج نافذتي

تسألني أن اكتب فيها شعراً

لكنني كنت في شغل عنها اذ كنت احمل سلاحي

دفاعاً عن بلادي

فلم استطع ان ألبي الطلب

لم يخمد الشعر في روح الشاعر، انما نضجت ينابيعه في اعماقه ونضجت تجربته وازدادت عمقاً وثراء بعد أن عمّدتها النار وأصقلتها الخبرات القتالية:

كان القدماء يطربون وهم يتغنون بالطبيعة

بالنهار والجبال والدخان والثلج

بالزهور والقمر والرياح

لكننا سندرع بالصلب اشعار هذا الزمان

ونعلم الشعراء كيف يقاتلون

يكاد القارئ يلمس بوضوح الطابع الانساني في قصائد هوشي منه، الانسان موضوعه، والتأمل في المواقف والاحداث المرتبطه بصراعه اليومي، كانت مهمته الاولى  أن يعيد المعاني القديمة ليصبح شعره دفاعاً عن الروح الفيتنامية وحماية لغته من السقوط في هستيريا بل الجنون الذي اراده المحتل الفرنسي والامريكي وكتب في إحدى قصائده:

دفعت العيون بالمعاني

من قبل أن ينطق اللسان

وملأت الدموع الأجفان

ياللعذاب......

اذا كانت صورة البطولة في شعر هوشي منه هي صورة فيتنام، فان هذا لا ينفي التجارب الخاصة التي اتخذت صورها من ميدان المواجهة:

هو.. خلف القضبان/وهي... امامه، قريبان غاية القرب/لا يفصلهما سوى شبر واحد/ وعلى البعد تبدو زرقة السماء/فلتخشع كل الأصوات....

كان هوشي منه نفسه مقاتلاً، ومن هذه المعاناة الخصبة لمعنى المقاومة، ومعنى الوطن، جاء شعره بمثابة خط الدفاع الأول عن الروح الفيتنامية، كان يعتقد ان مهمة الشاعر مترادفة مع مهمة المقاتل، كلاهما يمضيان الى آخر الشوط، أهميته ترجع الى انه عبّر عن الانفعال بالتجربة الانسانية العميقة، في محاولة اقتلاع الشاعر عن ارضه، هذه المحاولة تكون في النهاية هي المادة الشعرية التي تأخذ المكان الأول في شعره، المكان يصبح قوة تطالب بتعابير جديدة، يتسع فيها مفهوم الوطن كفكرة، يتسع مع اتساع الشعر، المكان له عمق في قصائد هوشي منه:

تحت ضربات المدّق تئن حبات الأرز/ لكن بعد انقضاء المحنة تعجب لبياضها/وهكذا الناس في هذا العالم/لا يصقلون رجالاً الا تحت ضربات المحن.

في هذا المقطع يبتعد الشاعر عن الخطابية والمباشرة،  بمقدار ما يحرص  على الوفاء بمضمون العمل الشعري، يحرص في الوقت ذاته على الوفاء بفنية الشعر، في توظيف الرمز، واستدعاء التاريخ، والحقيقة ان هوشي منه وفق في  لغته الخاصة ومفردات شعره الذي يتميز بتعدد الصور الجزئية المتناثرة، واللمسات السريعة والاقتراب من اليومي بما يضفي عليه تدفقاً وحيوية يعمقان احساسه الدرامي في الحياة.

في 2 أيلول 1969 توفي الشاعر، وهناك قول يردده أبناء دول جنوب وشرق آسيا التي تنتشر فيها نبتة البامبو: (في سهول البامبو ليس أبهى من زهرة اللوتس)، وفي فيتنام ليس هناك من لا يعرف الأغنية الجميلة التي تقول: في فيتنام كلها ليس أبهى من اسم هوشي منه.

***

جمال العتّابي...

تستأثر القصة القصيرة الاهتمام الاستثنائي على مستوى الخلق الفني والمعاينة النقدية واستجابة التلّقي كونها تنطوي على خطاب ليس من السهل الإمساك به بيسر وسهولة فهو أقرب إلى ما يصطلح عليه بـ(الفن الأصعب) و(السهل الممتنع)، فلا إغراء اطلاقاً بالاختزال والقصر فلا يمكن قياس الأفكار والثيمات (الوجودية) الكبيرة بالحجم والمساحة والتراكم الاستطرادي، وتبقى أسرار الكتابة للقصة القصيرة لدى القاصة تماضر كريم مرهونة بعوالمها السريّة وشفراتها المختزلة وهي تتوغل في سحر اللحظة الهاربة وتجسيد الومضة الدالّة ومن خلال انتقاء الشخصيّات المأزومة والملتبسة، شخصيات تتسم بروح الفردانية المتوّهجة وهي في خضمّ الصراع مع المحيط (السيوسيولوجي) والمكاني اللّحظوي الذي تكابده وهي تكشف عن فداحة التناقض عبر استبصار المفارقة التي تكشف التناقض بين الذات والموضوع، والشخصيّة والموقف، والإستهلال والخاتمة والمغزى أو المحتوى الإنساني وبين أنساق الشكل التعبيري التي تتشكل منها تلك الاطلالة الذكية على واقع متّسع إنَّه اختزال للحظة تعكس أفقاً شاسعاً وموقفاً وجودياً ولذا نجد أن نمط الشخصيّات في القصة القصيرة تختلف عنها في أجناس السرد الأخرى كونها تكوينات وإشارات وعوالم ثريّة وهي عبارة عن سؤال وجودي ولحظة تجلّ عميقة وثرية ولقد وجدنا ضرورة هذا الإستهلال القصدي لتأسيس قصديّة المقاربة النقدية لمجموعة القاصة الواعدة تماضر كريم (هذا ما حدث في مطار بغداد) الصادرة عن (دار أبجد للترجمة والنشر- الحلّة 2023) ومنذ الدلالة المكانية وتأطير الحدث (المفارقة) يضعنا العنوان إزاء عوالم قصصيّة ترصد نماذج من الأبطال الحالمين، العالقين والمتمركزين حول ذاتهم وعوالمهم الخفيّة وهم يقاومون (الخارج) بالتطلّع ومحاولة التواصل والتماهي مع الواقع أو بالابتعاد والرفض والانكفاء على خيارهم وتكوينهم الداخلي؛ لذا نجد معظم القصص تشتغل على هذه الثنائية من صراع الذات مع نفسها أولاً ومن ثمّ صراعها مع الخارج، وبما يفضي إلى نوع من الصراع (السايكولوجي) وغالباً ما يتوّج هذا التناقض بحدوث المفارقة، نظراً للمسافة التي تفصل بين حلميّة و (نوستالوجيا) الشخصيّات وبين تعقيدات الواقع واشتراطاته اليوميّة.

وأغلب شخصيّات المجموعة تعاني وضعاً قلقاً وهي تنشطر باتجاه (فعل وقناعات الذات) وبين الانجراف أو الميل إلى ما يتطلبه (الموقف) الخارجي الذي يميله الواقع في حركيته وتحوّلاته التي قد تشكّل نقطة الصدام والافتراق بين العالم الذاتي والعالم الموضوعي وغالباً ما كان أبطال المجموعة يعبرّون عن صورة هذه المفارقة عبر تمثّلات متباينة ومختلفة بالرفض أحياناً أو التمرد أو القبول أو الاكتفاء بالتأمل والعودة إلى الذات.

وقبل أن نتناول نماذج رئيسية في هذه المجموعة نجد من موضوعية التحليل الإشارة إلى بعض الظواهر الفنيّة منها، إتصّاف القصص بالاختزال الشديد والرشاقة والتكثيف السردي والابتعاد عن الاطناب والاسترسال المخلّ بحركة التتابع، وهذا ما جعل النصوص تنطوي على ايقاع – صوري سريع – يُعنى بتوصيل الفكرة من دون إطناب أو فائضيه أو ترّهل سردي، إلى جانب سيل العناوين إلى استخدام كلمة أو اشارة أو مفردة موصوفة واحدة أو أحياناً جملة اسمية واتَّسم القص أيضاً ببراعة الاستهلال ومحاولة الاشتباك المبكّر مع الحدث من دون لفّ ودوران إلى جانب العناية بوضع النهايات التي تعمّق روح المفارقة التي تعكسه وتتمركز حولها نصوص المجموعة فالقاصة تماضر تتقن فن النهايات القصصية ففي قصة (قرار) نرى الحبيبة مترددة للسفر مع الحبيب المهاجر وهي (عالقة) بالعناية بأمّها المريضة وأختها وتنشطر في لحظة تجلّ بين اللجوء إلى حقيبة السفر التي طالما أعدّتها، وبين رفض فكرة ترك عالمها القديم، وهذا هو خلاصة الصراع في هذه القصة... إنَّه صراع داخلي متصاعد، "أنا وأمّي وشقيقتي وحفنة من الحزن المتراكم وأشجار الحديقة الكالحة والكتب المهجورة، لم يتغيّر شيء البتة عدا أنّي أفكر الآن في اللّحاق بك، لا يمكن أن أسحق رغبات هذه الأرواح للأبد، كل يوم أعدّ حقيبتي هل تدري؟... وأتفقد جواز سفري ثم ألقي نظرة على أمي وشقيقتي وهما نائمتان، أنهما في حاجة إلى من يغطّيهما، إذا صرت إلى جانبك لا أعلم من سيفعل ذلك". (المجموعة: 6). ومن ثمّ فإنّها كانت مشدودة إلى عالمها الداخلي ولم تستطع أن تحسم الأمر، وهي قصّة تشير بطرف خفي إلى ما فعلته الهجرة من تبعثر الواقع وانشطار الذات والمفارقة. أنّ عنوان القصة (قرار) غير أنّ (التردد) هو الذي يشيع فيها وتلك مفارقة أخرى، والجميل أن القصة اكتفت بالساردة بلا اسم لتدل على كل النساء وبضمير المتكلم والسرد الذاتي وهي تتحدّث عن رجل بضمير المخاطب لحضوره الروحي على الرغم من هجرته.

أما قصة (الحالمة ورجل الدين) فهي من النصوص الثرية والحاذقة في تجسيد روح المفارقة عبر تمثّل أحداثها، فالبطلة (حالمة) و (عالقة) بفكرة الزواج من (رجل دين) كونه يمثّل لها صورة للمثالية والتصالح والصدق الذي ينادي به دوماً، ويتحقق حلمها هذه المرّة وتتنامى روح المفارقة حين تكشف بعد زمن أنه أقدم على الزواج (المؤقت) من امرأة أخرى ويجن جنونها وتكتشف حجم الخديعة، ويبدأ الصراع بين الذات والآخر أو بين داخل الشخصيّة وخارجها أو بين الحلميّة والكابوس وندرك أن المفارقة بوصفها فعلاً تناقضياً تشتغل أو تستثمر هذه الثنائيات وغيرها التي أوصلت البطلة إلى حافة التأرجح: "لقد اشتد دوار الأرض بيّ وغلبني الغثيان، لا أتذكر أنه كان احساساً بالغيرة أو الغضب أو الألم، كان ثمة احساس بالخذلان والخجل، لا أعرف مم كنت أخجل... من نفسي... من حلم الطفولة؟ لم يكن بحوزتي الوقت الكافي للنسيان، فقد تكررت لحظات صدقه القاتلة، وتكررت الأسباب، كان يتزوجهن بدافع الشفقة أو الحب أو صيانة لهن من الوقوع في المحرّم أحياناً، لأنه يرغب بذلك فقط هكذا كان يأخذ كفي ويقبلها ويخبرني أني المرأة الأغلى". (المجموعة: 13- 14). والساردة المشاركة أيضاً بلا اسم وكذلك الزوج لأن القاصة أرادتها مشكلة إنسانية وليست خاصة وتجسد في قصة (دعوات ضائعة) حالة انسانية متقدمة حين تقف الزوجة مع زوجها الذي أصيب بداء السرطان وتبقى معه تعينه وتساعده وتقدّم له العلاج وكان سّر عذابها أنّه يذوي أمامها وهذه المفارقة بين حبّها له ووقوعه بهذه المحنة هي مفارقة قدريّة ذات معنى (فسيولوجي) بينما نجد المفارقات الأخرى قد يكون سببها الدافع الاجتماعي أو النفسي أو الاقتصادي (أو المصادفاتي)، كما سنرى "وجدته جالساً بهدوء كانت كفاه مفتوحتين بطريقة ما، وعيناه نحو السماء.. متى تفهم أن لا شيء سوف يتغير، الأمور تمضي لحالها هنا، هل تعرف حسبتك ميتاً، تعال معي إلى الداخل، تعال ننتظر المعجزة يا عزيزي، لن أصدّق الأطباء الذين قالوا: أيّامك معدودة، وجميع الأطباء كاذبون ستشفى وسنخرج معاً من جديد، اضطررت إلى جرّه نحو الغرفة كان ساكناً تماماً مثل جثّة، وضعت الوسادة تحت رأسه"(المجموعة: 20- 21)، والقصة أيضاً بلا اسماء للشخصيّات والقص بضمير المتكلم في (سرد ذاتي) والنهاية رغم قساوتها فيها تعاطف انساني مؤثر. من النصوص المتميزة بعمق الفكرة وجمال المفارقة، ما نجده في قصة (حدث عند النهر) وتلك العلاقة الإشكالية بين المرأة والرجل الذي يقودها إلى حافات المغامرة والخوض في المخاطر واقتحام الحياة بسبب أن طبيعة الحياة وطقوسها وقواعدها تتطلب من الإنسان أن يكون شرساً متماهياً مع الصخب والمخاطر وتعلّم كل أنواع المغامرة بكل شيء لكي يكون (انساناً سوياً)، والقصّة بالسرد الموضوعي أيضاً بضمير الغائب والمخاطب "ستحتاجين أن تكوني ذات قبضة حديدية ذات يوم، العالم ليس آمناً، تحتاجين حتّى أن تبصقي وتشتمي وتركضي من الخطر وتقفزي نحن بلد متوحّش واعداؤنا كثيرون وأنا لن أكون بجانبك دائماً". (المجموعة: 28)، ويقودها الى كل مغامرة حتى استعمال السلاح وقتل الطيور بضراوة لم تتوقعها وهي مستسلمة لتوجيهاته، وهنا نجد الذات المتصالحة مع عالمها وهي تخرج تحت سطوة المفارقة التي يفرضها الواقع، تخرج باتجاه عوالم أخرى متناقضة مع قناعاتها ورسوخها الذاتي، والقصة تطرح بنسق فكري واقعي القيمة التي تكمن في الاضطرار لخلق كينونة متماهية مع الواقع، ونحن نرفض هذا الواقع ولكن المنطق الغريب يفرض علينا السير معه والانغمار فيه ونجد هنا افرازات هذه المفارقة الفادحة والوضع الإشكالي الذي ينتج عنها الاضرار التي تحدث بسبب بؤر الصراع والتناقض سواء أكانت اضراراً ذاتية أم موضوعية، واتسمت القصة بالاختزال والتكثيف وعمق المعالجة ورصانة الفكرة واختيار زاوية الصراع وتناميه، وبقيت بلا ذكر لأي اسم للشخصيتين.

وفي قصة (ارتطام) هناك تمثّل لمفارقة (قدريّة) حين يتعرض الشاب الحالم بلقاء أمّه التي رحلت من أجل جلب الزهور لها، يتعرض إلى حادث ارتطام لم يتضح سببه يحرمه من هذا الحلم ونرى أغلب الشخصيّات تعاني هذا الارتكاس بين الحلميّة والكابوسيّة بين رسوخ الذات وصخب الآخر أو المحيط أو الصراع الناشب بين الداخل والخارج، بأسلوب موحٍ ومؤثر، تجعل القاصّة الشاب يسرد ما في نفسه ويحس بحاضره وهو ميت تلك مفارقة فانتازية، إذ نجد معاناته مع زوجة أبيه وحلمه الأثير بزيارة الأم التي أحرقت نفسها ورحلت، والقصة عبارة عن شفرات متتالية وكأنّها عبارة عن (ارتطام) لا هوادة فيه عبر سرد (موضوعي) بضمير الغائب أو سرد (ذاتي) بضمير المتكلم ومتخيل سردي وعمق مؤثر. "كنت أريد أن أصمت، لم أمت... أنا هنا... بخير لكن الصمت بدأ يخيّم على المكان، كأنّه غياب أمي الطويل". (المجموعة: 33)، هذه قصّة تعدّ انموذجاً لإبداع قصصي واعد للقاصة (تماضر) قصّة تنطوي على بعد إنساني ومفارقة قدريّة وتكشف عن الخلل بين الذات والمحيط الآخر. بين الحلم والكابوس وهي أيضاً تخلو من أسماء الشخصيّات التي تغيب كثيراً لدى القاصّة لتركز على الحدث عبر شخصيّات إنسانية عامة.

ونجد في قصة (الألم) تجربة في القصة التي تعتمد المفارقة المؤطرة برمزية الإدانة واقع السياسة وكأنّ العملية السياسية وتعثراتها وقبحها يشبه وجع وتسوس ونخر الأسنان وهي تعاني أشد وأشرس انواع الألم، "لم تنتبه لدموع أمّها ولا لصوتها وهي تصفها بالجنون كانت تستمع إلى الأخبار ويدها على خدّها المتوجع آه: هل سمعت يا أمّي.. إنهم يشكلّون الكتلة الأكبر.. تعالي وأنظري إليهم أنهم يتحالفون، لم تلحظ انكفاء أمّها وسكونها العميق في زاوية الغرفة". (المجموعة:36)، وقد هيمن على القصة (السرد الموضوعي) بضمير الغائب وبتقنيات المفارقة الساخرة من الوضع السياسي وألم الفراق.

أمّا قصّة (منشان الله) فهي تصوير لمفارقة مهنة الاستجداء التي انتشرت من قبل النساء والأطفال العرب والعراقيين في بغداد وما يحدث من المفارقة بين الحاجة والخداع والصدق والكذب، وهي قصّة تسلّط الضوء على اليومي والمهمل في الواقع الاجتماعي، إذ عادت القاصة للسرد المحبب إليها أعني (السرد الذاتي) بضمير المتكلم مع غياب اسماء الساردة والشخصيات، وفي قصة (خواكين فينيكس) نجد تماهياً أو تعالقاً بين البطل (الأستاذ الجامعي) أو بين هذه الشخصيّة الغريبة من فلم (الجوكر) وما يعانيه البطل من تقمص هذه الشخصيّة وما يثيره سلوكه من غرابة أمام الطلاب، والقصة اشتغال على البعد (السايكولوجي) والجدل بين الذات والآخر والذات مع نفسها بسرد ذاتي نفهم منه أنَّ السارد رجل متزوج جاهل.

أمَّا في قصة (أم) فنجد المفارقة بين موقف الأم والأبناء والمعاناة الأزلية بين التضحية والإيثار وبين الأبناء الذين تأخذهم الحياة بعيداً، ولأول مرة تقوم القاصّة بذكر اسمي ابناء الأم وهما (فرح) و(أحمد) وفي سرد مختلط بين الذاتي والموضوعي ولعله يعزى إلى دلالة الاسمين سيميائياً بالنسبة للأم، ومن نصوص المجموعة التي تركز بشكل استثنائي ومتقدم بالتقاطة ذكية لمفارقة المسكوت عنه ما نجده في قصة (طبق المقبلاّت بالدموع) تلك المفارقة التي تبدأ بالعنوان وتجسّد ما يقوم به عمال المطاعم من عدم الاهتمام بالطعام ونظافته بل نجد كثيراً منهم يعبث بحياة الآخرين مع أنّ الزبائن يتوجهون بشراهة لتناول أطباق الدموع وربّما الموت. "تلك الفتاة ذات الشعر الأشقر المرفوع مثلاً تلك التي تبدو مثل ملكة اسكندنافية تمدّ يدها آمنة إلى صحن المقبلاّت وتأكل بشغف وتدير فكّها بنعومة". (المجموعة: 75). وحين يعترض أو يتحسس بطل القصة ممثلاً بالطالب الجامعي فهو لا يجد سوى إهانة وشتيمة من صاحب المطعم وطرده خارج العمل وتلك هي المفارقة المؤذية.

ونلحظ في هذا النص تكرار لنمط الصراع (السايكولوجي) والحياتي بين الشخصية الرئيسية والواقع الذي يحاصرها وأساس هذا الصراع قائم على التناقض القيمي بين رسوخ الذات ومتغيرات المحيط ويتفجّر الموقف بحدوث المفارقة التي تحرك مصير الشخصيّة وتقرر نهايتها أو التاثير في (فعلها الذاتي) فمن المؤكد أن قوّة الفضاء الاجتماعي الخارجي وموروثاته ونظمه وقواعده أقوى من تأملات أحلام وتطلعات الروح الفردانية التي تجسدها أغلب نصوص المجموعة، وهذه القصّة فيها عنصر الحوار الرشيق مع تنوع أساليب السرد ونعثر على روح المفارقة تتجلّى باتجاه حدوث (فوبيا) لبطلة قصّة (مجانين) التي تصاب بمفارقة الخوف من شخصية المجنون على الرغم من أنها تسكن قرب أربعة منهم وتظل تكابد هذه (الفوبيا) وكأنّها ترفض واقعاً لا يتساوق مع توجهها الداخلي وهي مفارقة تنتمي إلى نمط الاختلال العقلي والبيولوجي الذي يؤدي إلى صراع سايكولوجي اجتماعي.

ويتموقع نص (هذا ما حدث في مطار بغداد) في بؤرة متصدرة ومتميزة لما انطوى عليه من مفارقة فادحة وتجسيد يقترب من المسحة الغرائبية التي تضمنّت انتقال الحدث من الواقعي والحلمي إلى النسق الغرائبي وهذه المرّة تتدخل المصادفة الطبيعية في تحقيق حلميّة البطل، ولكن على حساب واختلال الواقع المحيط وهذا إيحاء بأنّ هيمنة الذات وتفعيل الحلم أو الفعل الذاتي لا يأتي إلاّ بخلل يصيب الواقع أو المحيط الخارجي وبهذا نجد الشخصيّة ذات الانكفاء الذاتي وقد حققت بعض وجودها أو حلمها أو تطلّعها وكانت الفكرة قد صيغت على منوال النسق الغرائبي وصولاً إلى هذه النتيجة أو الكشف عن أبعاد الصراع بين شاب يحلم بفتاة يلتقيها في المطار وتحدث علاقة حب ويتفقان على كل التفاصيل، أي تفاصيل الحلم الذي أرّقه كثيراً وهو يدرك بأنّه حلم عصي وأمنية تقترب من الإستحالة، ولكنه يتحقق بصدفة رومانسية، "وأنا هنا وحيد مع حقيبة سفر، وحلم جامع ورغبة في الحديث والضحك والمشاركة في الطعام معها، تلك التي ستأتي، كما رسمها كتاب الروايات والقصص، ربّما في البدء ستمرّ بشكل عابر تسألني عن مكان ما في هذا المطار الكبير، بعدها تتشكل الكلمات والأفكار لتنتج حديثاً، انبهر بعينها السوداوين ويديها وصوتها وألمح حزناً وحكايات خلق حديثها المقتضب وصوتها ذي البحّة العذبة". (المجموعة: 105)، ويردد البطل بؤس حالته في هذه الحلميّة ويشبّه نفسه بأحد أبطال كافكا، وهنا يتم زج طاقة (المفارقة) التي تأتي بفعل الطبيعة والحدث الخارجي والأقرب إلى القدر الرومانسي ليجتمع الشاب مع الفتاة من دون أن تسافر في طائرة أخرى فلقد حدث في المطار حريق كبير التهم جوانب وأمكنة وصالات كبيرة مما أربك الوضع وتأجّل كل شيء، ولكن المهم حدثت المفارقة غير المتوقعة بلقاء الشاب مع فتاة حلمه العصي بعد أن أنتهى كلّ شيء إلى الحريق والرماد والتبعثر، "كان الدخان كثيفاً وسقط كثيرون وارتبكت حركة الطائرات وتناثرت بعض الحقائب من دون أصوات سيارات الدفاع المدني والاسعاف.. لكني كنت مطمئناً، هادئاً جداً أمسك بيدها الصغيرة وأخبرها أنّ كل شيء سيكون بخير"(المجموعة: 109)، وقد أجادت القاصّة تماضر اختيار عنوان القصة حين جعلته عنوان المجموعة لأنّه يثير تداعيات ما حدث في المطار عند احتلال بغداد، فالعنوان حقق دواعي الدلالة والإغراء وإن كان يوحي بكتاب تاريخي يرصد أحداث المطار في يوم احتلال بغداد، لكنّ القاصة بلعبتها السردية أبعدت المتلقي عن كل ما توّقعه حينما خيبت أفق توّقعه لصالح النص.

ونجد انموذجاً آخر ينطوي على فكرة المفارقة الغرائبية في قصة (بقعة ضوء) وحضور تلك الفتاة في جلسة شعريّة وتجد نفسها قد عبثت بهدوء الجلسة واربكت كلّ شيء.. "لم استطع السيطرة على نبضات قلبي المتسارعة فقد كانت النظرات الغاضبة تجلدني كلّما ارتفع صوت الشاعر لقد عزموا على طلب سيارة الاسعاف، بدا الأمر خطيراً، قال احدهم قد يفقد نظره، ياللهول.. سيحاكمونني ويزجّون بيّ في السجن كانوا لا يزالون حوله يتكلمون بصوت عال وقد تباينت الآراء". (المجموعة: 117)، وهيمن السرد الذاتي بضمير المتكلم على القصّة مع شعور بالصراع بين الذات والواقع. ووفق هذه المقاربة النقدية نقول إنَّ هذه المجموعة تؤشر على تجربة واعدة وطريفة لاسيما في حقل القصة القصيرة التي شهدت بعض الانحسار بسبب المدّ (الكمي) الذي حققته الرواية ولكن الحقيقة والمنطق يثبتان أنّ لكل نوع أو جنس أدبي مساحته ومجال تألقه وانبعاثه على يد مبدعيه ومساحات اشتغاله وبراعة هذه المجموعة وجماليتها تكمن في توظيف المتخيل السردي ودمجه بالواقع وتمركزها حول استثمار المفارقة بطريقة فنية عالية وتجسيد تمثيلاتها في تناول كثير من الأزمات والمواقف الحياتية وتفحصّ دلالة الصراع الناشئ بين الذات أو الفرد الذي يتميّز برسوخ (الأنا) والتصالح مع أحلامه وباتجاه صراع يكشف الخلل والقطيعة والتناقض بين إرادة (الذات) والموروث التراكمي للواقع الاجتماعي وصيرورته المتواترة وجمالية التناول، تمركزت أيضاً حول تنويع تجارب هذه المفارقات التي كشفت عن أزمة البطل إزاء واقع محتدم وملتبس، عن تغييب اسماء الشخصيّات في مجمل قصصها وتكاد تكون ظاهرة عامة لديها في القصص التي ترصد ظواهر اجتماعية وتفسيري لذلك أنّها تجعل منها ظاهرة إنسانية وليست خاصة ببيئة محددة، وتنوعت أساليب السرد لديها غير أن (السرد الذاتي) بضمير الأنا هو المهيمن.

***

د. سمير الخليل

أشرنا في المقال السابق إلى أنَّ قِصَّة "صادق أو القَدَرZadig Ou La Destinnée "، للفيلسوف الفرنسي (فولتير Voltaire، -1787)، يدخل فيها (الدِّين) محورًا من محاورها.  ففي الفصل الثاني عشر، يجتمع جماعة- فيهم المِصْري، والهِندي، والنازح، واليوناني، والكلتي، وآخرون- على مائدة العشاء في حديثٍ عن أوطانهم ودياناتهم.  وفي حديثهم ذاك خير مثالٍ على هذا المحور في القِصَّة، مصوِّرًا مقدار ما قد يؤجِّجه الدِّين بين الشعوب من عدم التعارف، بل من المفاخرات والصراعات الدمويَّة.  فقد عرضَ كلُّ واحدٍ منهم مذهب قومه الدِّيني في فخر، مُسَفِّهًا مذاهب الآخَرين وأديانهم، حتى كاد يقع بينهم اللجاج في الخصومة، ولولا أنَّ العَرَبيَّ (سيتوك) و(صادق) هدَّآ الموقف لصُبِغت المائدة بالدَّم.(1)

وكان الدِّين هو أهم شاغل شغلَ (صادقًا) في بلاد العَرَب؛ حيث رأى سيِّدَه العَربيَّ يعبد جيش السَّماء، أي الشمس والقمر والنجوم، كما جرت بذلك عادة العَرَب؛ فاحتال في سبيل صرف سيِّده عن تلك العبادة بشتَّى الوسائل، حتى أعرض العَرَبيُّ آخرَ الأمر عن عبادة المخلوقات وعَبَدَ الخالقَ الخالدَ الذي فَطَرَها.

كما اهتمَّ (صادق) بالعادة البراهميَّة في تحريق النِّساء- التي يزعم (فولتير) أنها كانت تتحكَّم في نساء العَرَب!- فصرف (المُنَى) عن تحريق نفسها، واستطاع أخيرًا أن يُلغي هذه العادة التي مضت عليها القرون، بالرغم من الخطر الذي تحدَّاه في سبيل هذه المهمَّة.(2)

وفي الرحلة التي قام بها (صادق) مع الناسك تظهر معالجةٌ لبعض القضايا المتعلِّقة بالقُدرة الإلهيَّة، وعِلم المخلوق مقارنةً بعِلم الخالق العظيم.  فقد رأى صادق من الناسك، الذي اتضح له أخيرًا أنَّه مَلَكٌ كريم، تصرُّفاتٍ أنكرها منه؛ لأنَّه لم يُحِط بما أحاط الناسك به عِلمًا، ولم يُدرِك أسرار ما يفعل.  لكنَّه حين أخبره بأسباب ما فعل أدرك قُدرة الله وعِلمه، وجهْل الإنسان واستكانته، وتأكَّدَ له أن "كلَّ شيءٍ إمَّا امتحان، وإمَّا عقاب، وإمَّا مكافأة، وإمَّا احتياط"، فجثا ورفع إلى القُدرة الإلهيَّة عبادته وإذعانه. (3)

ولعلَّ فكرة «القَدَر»، التي تدور القِصَّة حولها، هي أبرز محورٍ دِينيٍّ يمكن أن يُلحَظ فيها.  وكأنَّ المؤلِّف قد راعى تلك القُدرة الإلهيَّة التي تُسيِّر حياة الناس وتُعِدُّ لهم مصائرهم المختلفة، كما حدث لبطل القِصَّة (صادق).

هذا، وللفروسيَّة مكانةٌ ظاهرةٌ في القِصَّة أيضًا.  فـ(صادق) نفسه يتَّصِف بصفات البطل الفروسي؛ يصفه الكاتب بأنَّه كان فتًى في ريعان شبابه، فُطِرَ على طبعٍ كريمٍ، زادته التربية كَرَمًا.  وكان غنيًّا، لكنَّه كان عَفًّا، يكبح شهواته، على الرغم من مغامراته الغراميَّة!  ويصفه كذلك بأنَّه كان ذكيًّا مثقَّفًا.  "وكان جيِّد الصِّحَّة، رائق الوجه، مستقيم العقل، معتدل المزاج، له قلبٌ مخلصٌ نبيل."(5)  وإلى ذلك كان شجاعًا فارسًا.

وقد جمع بين هذه الصفات النبيلة، التي يتحلَّى بها الفُرسان، وبين كونه عاشِقًا وفِيًّا مخلِصًا لمن يُحِب.  وشجاعة (صادق) وفُروسيَّته تتأكَّدان في المواقف الحاسمة، التي تُمتحَن فيها فروسيَّة الأبطال.  ومنها إنقاذه الفتاة المِصْريَّة (ميسوف) من قبضة مُحِبِّها الثائر.  ومنها فوزه في المبارزة التي أُقيمت للترشيح لعرش (بابل)؛ فقد أثبت في تلك المبارزة بطولةً نادرةً وتفوُّقًا كبيرًا على خصمه (إيتوباد)، سواء في المرَّة الأُولَى، حين كان يرتدي لَأْمَتَه البيضاء، أو في المرَّة الأخرى، حين لم يكن عليه إلَّا ثوبٌ وقلنسوة؛ فتأهَّل بذلك ليُصبِح ملِك (بابل) وزوج ملِكة بابل.

وهو محورٌ سنناقشه في مقال الأسبوع المقبل من هذه السلسلة.

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

................

(1)  يُنظَر: فولتير، فرانسوا ماري آرويه، (1979)، القَدَر، قِصَّة نقلها إلى العَرَبيَّة: طه حسين، (بيروت: دار العِلم الملايين)، 71- 76.

(2)  يُنظَر: م.ن، 67- 70، 77- 81.  وقد جاء في مقالٍ سابقٍ تفنيد هذا الزعم، من رجلٍ غربيٍّ اختلطت عليه جغرافيا الثقافات، بين بلاد (العَرَب) وبلاد البراهمة الهندوس في (الهند)!

(3)  يُنظَر: م.ن، 120- 128.

(4)  يُنظَر: م.ن، 14- 15.

مقدمة: يقول صبري حافظ: "ما أصعب الحديث النظري عن فنّ الأقصوصة"[1]، ولكنّه عندما يجد ألا مفر من أن يعرِّفها يكتفي بأن يقول إنّها فقط ذلك "الفن البسيط المراوغ المليء بطاقة شعريّة مرهفة وقدرة فائقة على تقطير التجربة الإنسانية"[2]. وهو إذ يعرِّفها بهذا الشّكل، يبوِّئها مرتبة عالية في سلَّم النّصوص القصصيّة، في وقتٍ اِستحوذت فيه الرِّواية على المرتبة الأولى، بينما كان ينظر إلى الأقصوصة على أنها أدب من الدّرجة الثّانية، من جهة أنّها غير قادرة على الإلمام بالتّجربة الإنسانيّة، وأنّها مهما بلغت من اِكتمال، تبقى عاجزة عن بلوغ المرتبة العظيمة التي بلغتها الرِّواية. أما الحال فهو أنّ الحجم ليس هو المحدِّدَ للعمق القصصيّ، ذلك أنّ التوهج والتكثيف في الأقصوصة قد يمكِّنها من التّعبير عن أعمق التّجارب الإنسانيّة.

ومن جهة ثانية كان يُنظر إلى الأقصوصة على أنّ ما يميزها عن الرّواية هو القصر، بينما هي جنس مستقلّ بذاته من جهة خصائصه الفنيّة.

وعندما نستعد لقراءة أقصوصة يجب أن نضع في اِعتبارنا أنّنا سنقرأ نصًّا مخصوصا مختلفا عن الرّواية بمفهومها التّقليديّ المعروف. فإذا كانت الرّواية نصّا يقوم على المثلّث الأرسطي المعروف، فينطلق هادئا وتتأزّم فيه الأحداث شيئا فشيئا في اِتّجاه العقدة لينحدر شيئا فشيئا في اِتجاه النهاية، فإن الأقصوصة تنطلق مأزومة مشحونة بالتّوتّر. إن بداية الأقصوصة بؤرة تتجمّع فيها خيوط اللّعبة القصصيّة وترتسم الفكرة التي يكون على القارئ تتبُّعها وتبيّنُ مآلها من خلال كلّ التّفاصيلِ الآتية. وتكون النّهايةُ البديلَ البنائيَّ للعقدة الرّوائيّة، فهي البؤرة التي تتجمّع فيها كلّ عناصر الحبكة. هي لحظة الكشف والتكشف على حد تعبير صبري حافظ. وهي "كالقنبلة التي تلقى من طائرة يكون هدفها الأساسي هو المسارعة بإصابة الهدف بكل طاقتها الاِنفجارية"[3]. ويفسر فرانك أوكونور غياب الذروة تفسيرا ماديا جدليا إذ يرى الأقصوصة صورة الجماعات المقهورة التي تتحرك من البداية إلى الكارثة[4].

ولا وجود لموضوعات كثيرة متشعّبة، فالأقصوصة تتميّز بما أسماه "إدغار ألان بو" بـ"وحدة الأثر"[5]، التي تتحكّم في القارئ من بداية الأقصوصة إلى نهايتها. وقد بدا لنا أنّ وحدة الأثر تتحقّق من خلال وحدة المكان ووحدة الزّمان ووحدة الشّخصياّت ووحدة الأحداث من جهة، ومن خلال طرائق إجراء السّرد والوصف والحوار من جهة أخرى. واِنطلاقا مما ذكرناه آنفا، سنحاول قراءة أقصوصة "زغدة" لنستجلي بعض خصائصها الشّكليّة.

بنية الأقصوصة

تتضمّن "زغدة"[6] ثمانية مقاطعَ سرديّةٍ، والحكاية فيها بسيطة جدا، مفادُها أنّ جدّة تخرج لحضور عرس في الصّحراء لكن يضيع حفيدها الشّقيّ فينقلب العرس إلى مأتم وفي النّهاية يقع العثور على الصّبيّ التّائه.

ولم يُضع المتكلّم وقته في التّمهيد للأحداث. فقد اِنطلقت "زُغدة" ببداية متوتّرة، فمنذ السّطر الثّاني نجد عباراتٍ تنذر بـ"الكارثة"، فإضافة إلى أنّ الجّدّة رفضت صحبة حفيدها لما آنست فيه "من شقاء غريب لا ينتهي عادة إلا بمكروه"(ص1)، تشدُّ اِنتباهَنا عبارتان، أولاهُما عبارةُ "شقاء غريب" وهي تُعِدّ القارئ لتلقّي أحداث غيرِ مألوفةٍ وتشدُّه كي يبحث عن موطن الغرابة، وثانيتهما عبارة "مكروه". وهي عبارة لم توضع عبثا ففي قانون الكتابة الأقصوصيّة تُعَدُّ مثل هذه العبارات قرائنَ، على القارئ أن يأخذها بعين الاِعتبار ويتَتَبّعها لأنّها هي مدار القول كلِّه، لا سيَّما أنّ جملة أخرى أشدَّ إيحاء ستلفت الاِنتباه إذ ستكتشف الجدّة أنّ المحظورَ قد وقع، فحفيدها خرج فعلا مع القافلة. تقول: "فلما اِقتربنا من المضارب برز لي وعلى وجهه اِبتسامة شيطان"(ص1)، ثم نجد في الصفحة نفسها حديثا عن "بئر عميقة ضرب حولها سور قصير من الحجارة والطين"(ص1). وبما أنّه يفترض أنّ الأقصوصة يجب أن تكون خالية من الزوائد وأن تكون مكثفة، يتوقع القارئ أن البئر عنصر قصصيّ سيساهم في تطوير الحبكة لولا أنّ المتكلمة وهي الجدّة تقضي على هذا التوقّع بقولها معلّقة على البئر "سرت في خاطري صورة حفيدي وهو مدقوق العنق في قعرها" (ص1). ويبتعد هذا القول بالقارئ عن تصوُّر إمكانيّة أن تكون للبئر تلك القيمة الفاعلة في الحدث، لكنّه يضعه على درب الخطر، ومن ثمَّ على طريق البحث عن إمكانيّات أخرى أو أخطار أخرى، فيولِّي وجهه شطرَ قرائنَ أخرى قد تقوده نحو اِكتشاف لغز النّصّ.

وعلى هذا النّحو تسير الأحداث بسرعة وتوحي بأنّها تتجِّه نحو مصيرٍ فاجعٍ سيلقاه الصّبيّ الشّقيّ الذي تاه في الصّحراء وأشرف على الهلاك، فنجده وقد أحاطت به مجموعة من الكلاب تستعدّ لاِفتراسه. وفي لحظة النّهاية، وهي اللّحظة التي تنحلّ فيها العقدة، تلتقي عناصر الحبكة كلُّها فتعثر الجدّة على حفيدها التّائه ويكون الاِنفراج. وهكذا نرى أنّه لا أثر للبناء الثلاثيِّ لأنّ الأزمة اِنطلقت مع البداية، ولأنّ النهاية هي في ذاتها لحظة تأزم واِنفراج في آن واحد. وإضافة إلى هذه البنية الغريبة تتميّز الأقصوصة بخصائص بنائية أخرى منها وحدة الأثر.

2- وحدة الأثر

هي أحد أهمّ مقوّمات الأقصوصة، التي بلورها إدغار ألان بو، باِعتبارها تحقّق خاصيّة القصر في هذا الجنس القصصيّ الذي، على حدّ تعبير صبري حافظ، "لا يسمح بأي حال من الأحوال بالتراخي أو الاِستطراد أو تعدد المسارات ويتطلب قدرا كبيرا من التكثيف والتركيز واِستئصال أي زوائد مشتتة. ولا يسمح بجملة زائدة أو عبارة مكرورة أو حتى إيضاح مقبول"[7]. إنها تتعامل مع قارئ ذكي، منتج لا مستهلك، وهي تعوّل على القارئ كي يفكّ شفرات القول ويفهم ما بين طيّات السطور. وتتحقّق وحدة الأثر من خلال المضمون الحكائيّ وكذلك من خلال القصّة[8]. فمن جهة الحكاية تتسم الأقصوصة بوحدة المكان والزمان والشخصيات ووحدة الموضوع.

فعندما ننظر في المكان نجده واحدا غير متعدد فهو صحراء. فلم يخرج بنا السرد نحو أماكن أخرى كما يقع في الروايات. لقد اِنطلقت الأحداث في الصّحراء واِنتهت في الصّحراء. أما الزّمان فغيْر ممتدٍّ إذ لم يتجاوز اليومين، فقد خرج الموكب صباحا ثم جنّ الليل(ص1) ثم نجد "الشمس تطل على الكون في اِستحياء"(ص2). وإن هذا الحيز القصير يساعد على تقليص المساحة النّصيّة كلِّها فلا مجال للتّمديد والإطالة.

ولا نكاد نجد شخصيّات كثيرة، فما عدا الجدّة والحفيد اللّذين يمثّلان الشّخصيّتين الرّئيسيّتين، نجد شخصيات أخرى، بعضها مفرد وبعضها جمع. أمّا الشّخصيّات المفردة فهي رفيق الصّبيِّ، والرجل الذي اِلتقى به في الصّحراء، وهما شخصيّتان تدوران في فلك الشّخصيّة الرّئيسيّة ولا وجود لهما خارج مسارها. أما باقي الشّخصيّات فتظهر في شكل جمعيّ مثل "الرعاة" "النسوة" "الصبية" "الرجال" وهم يفعلون بشكل جمعيّ كقوله "تحلق الرجال أولا حول جفان كبيرة"(ص2) أو قوله "جعلت النسوة شيئا من الأدم على فضلتهم"(ص2). وبهذا لا تؤثر كثرة هذه الشّخصيّات في حجم الأحداث واِتّساعها واِمتدادها، تلك الأحداث التي نرى أنّها لا تعدو أن تكون حدثا واحدا يتمطّط على مدى النّص حتى أنّه يمكن تلخيصه في سطرين أو ثلاثة. فالأقصوصة تدور حول جدّة يضيع منها حفيدها في الصّحراء فتلتاع وتبحث عنه إلى أن تعثر عليه في النهاية. وجلي أنّ كل الأعمال التي قامت بها الشّخصيّات إنّما تتعلّق بهذا الحدث الرّئيسيّ.

ومن جهة القصّة نجد أنّ وحدة الأثر تتحقّق عن طريق أنماط الخطاب. فبالنّسبة إلى السّرد نجد أنّ الحكاية وردت على ألسنة مجموعة من السّردة، منهم سردة بضمير الأنا ومنهم سارد مجهول (Anonyme). ونلاحظ أنّ السردة بضمير الأنا شخصيّات تنتمي إلى العالم القصصيّ وهي متجانسة الحكي (Homodiégétiques) وهي أطراف في القصّة فاعلة فيها. وقد دشّنت الجدّة السّرد في المقطع الأوّل وواصلته في المقطع الخامس وختمته في المقطع الثامن، وفي الأثناء تناوب سردة آخرون على الكلام، فنجد الحفيد يسرد المقطع الثاني، وعابر الصّحراء يسرد المقطع الرّابع، والصّبيّ يسرد المقطع السّادس، واِمرأة أعرابيّة تسرد المقطع السّابع. أما السّارد المجهول فهو سارد غير متجانس الحكي (Hétérodiégétique) لا علاقة له بما يجدّ من أحداث ولا أثر له داخل العالم القصصيّ وإنما هو يسرد من موقع متعال. وقد تولَّى هذا السّارد السّرد في المقطع الثّالث بقوله مثلا "وجد نفسه في ركبهم دون أن يعود إلى جدته أو يستأنس برأيها..كانت نفسه منفلتة من كل قيد، حاملة بين أقطارها طاقة من الحركة والصخب لا تستوعبهما إلاّ الصّحراء.."(ص2).

وقد يتبادر إلى الذّهن أنّ تعدّد السّردة قد يفضي إلى كثرة الأحداث وتنوعّها وتشعّبها وترهّلها، لكن الواقع ينفي ذلك، ذلك أنّ السّردة ينخرطون في السّرد بكلّ اِنسجام حتى لكأنّهم واحد، فكل سارد يواصل السّرد من النّقطة التي بدأها سابقه لكن تتغيّر فقط زاوية الرؤية. والسّردة، رغم تعدّد وجهات نظرهم ملتزمون بالخطّ السّرديّ، فلا أثر لمعلومة مكرّرة مُعادة ولا لحدث جانبيٍّ يخرج عن مسار القصّ. وقد يبدو طبيعيا أنّ الجدّة ستحكي فقط قصّة حفيدها التّائه، لأنّ هذه القصّة استقطبت كلّ مشاعرها واِستنفدت كلّ طاقتها، كما قد يبدو طبيعيّا أنّ الحفيد سيقتصر على أن يحكي قصّة توهانه في الصّحراء، لأنّها حكاية مصيريّة كادت تفضي به إلى الهلاك، ومن الطبيعي أنّ السارد المجهول يحكي قصة الصّبيّ الذي "وجد نفسه في ركبهم إلخ..."(ص2)، لأنّه وهو ملتبس بكيان آخرَ، له بعض خصائص المؤلّف، ملتزم بالعقد الأقصوصيّ الذي لا مجال فيه للتّراخي، ولكن من غير الطّبيعيّ أنّ بقيّة السّردة الذين لا علاقة لهم بالصّبيّ ولا بالجدّة اِلتزموا بدورهم بهذا الخطّ السّرديّ ولم يخرجوا عنه، فاِتّفقت الرّؤية السّرديّة مع الحكاية، وتمّ التّبئير على المكوّنات الأساسيّة للقصّة وتحديدا الصبيّ. فنجد سارد المقطع الرّابع، وهو عابر السبيل، يدشّن السّرد بالحديث عن عثوره على الصّبيّ بقوله "أطل علي من بين ثنايا السراب(...)حسبته حيوانا في البداية"(ص3). ونجد الأعرابيّة تتحدّث في مطلع حكايتها عن كلاب "تضرب حصارها حول صبي يحاول إحاشتها بالحجارة وبإثارة الغبار في وجوهها"(ص5).

وخلال السّرد يبدو أنّ كلّ الجوانب الأخرى المحيطة بالسّردة غائبة وكلّ شواغلها باِعتبارها شخصيّات بقيت غامضة بالنّسبة إلى القارئ، فلا شاغل عدا الصّبيّ التّائه.

ولا عجب فهذا العالم التّخييليّ يصدر عن كيان أكبر هو الذي يحرّك خيوط اللعبة السردية، والذي يحاول أن يحكم الإمساك بها من خلال أولئك السردة الخاضعين كلّهم لسيطرته. وهو يبدو واعيا تمام الوعي بما تتطلّبه الأقصوصة من وحدة أثر.

وعندما ننظر في الوصف نجد أنّه وظيفي يتناول الموصوف في بعد واحد من أبعاده ذلك الذي يرتبط بالحدث الرئيسيّ. فإضافة إلى اِختيار الصّحراء مكانا للأحداث، وهذا يساعد على تأزّم الأحداث بما أنّ الصّحراء ترتبط في المخيال الجمعي بالضياع والموت، فإن هذا المكان بدا واقعيا وتخييليًّا في آن واحد لأنّه اصطبغ بوجهة نظر السّارد، فلم يهتم المتكلّم بتحديدها جغرافيّا وتوبوغرافيّا بقدر ما اِهتمّ بتحديد الصّفات التي تساعد على تنامي الأزمة، فقد وصف اِتّساعها بقوله: "الأرض هنا بلون واحد، يقصر الطرف عن أرجائها..عند آفاقها البعيدة سلسلة جبال محيطة.."(ص1). وهذه العبارات "لون واحد، يقصر الطرف عن أرجائها، آفاقها البعيدة، سلسلة جبال" ترسِّخ في ذهن القارئ فكرة أساسيّة يسعى المتكلّم إلى جعل القارئ يسير على وحيها عند القراءة، حتى إذا جاء الحدث المهمّ وهو ضياع الصّبيّ، وجد له فيها مبررا، فاِتّساع المكان يسهل الضّياع. ومن الأوصاف التي تزيد المكان تأثيرا في الأحداث أنّه بدا مرتعا للذئاب المفترسة و"الهوام"(ص1)، كما نجد أسماء أخرى نُعتت بها الصّحراء من قبيل "الخلاء (وردت مرتين)، والمتاهة (وردت 4 مرات)، واِرتبط وصفها أيضا بالضّياع والقيظ والجحيم(ص3)، فالصّحراء غادرة فيها جرف هار عميق الغور (ص5). وهي ترتبط بالرّمضاء والموت(ص7). فالوصف إذن لم يخصَّ من هذه الأمكنة سوى ما يمكن أن يخدم الأزمة، حتى لكأنّنا بالمكان، على حد تعبير صبري حافظ، "قد حدد جماليا وأسر في قبضة مجموعة من الكلمات واِنتقيت مكوناته بعد أن اُستبعدت منها مكونات أخرى" (ص29).

وذلك هو شأن الزمان، فالوصف كله اِنصب على الظواهر المثيرة فيه. فنجد أنّ "الليلة كانت قمراء يرقص في أرجائها النسيم"(ص1). فهذا الليل الجميل سيغري الصبي بالخروج للّعب مع أقرانه، ومن ثم سيكون مؤديا إلى حدث ضياعه. ويعمد السارد بعد ذلك إلى تصوير طلوع الشمس "التي أخذت ترتفع منذرة الكون بالجحيم"(ص2). وهو يفصل القول فيها تفصيلا ذا دلالة فيقول:"السماء عليها ثوب رمادي ينذر بالقيظ"(ص2). ثم يتحدث السّارد عن الهاجرة(ص5) وعن الرّمضاء(ص6)، فهو يوظّف الزّمان في تطوير الحبكة، فالشّمس الحارقة اِرتبطت بحدث الضّياع والخوف، أما وصف الشّمس وهي في طريقها نحو الغياب في قوله: "الشمس بدأت تنزل عن عرشها"، فيتزامن مع حلّ العقدة ومع الاِنفراج، ذلك أنّ الجدة ستلتقي أخيرا بحفيدها في تلك الفترة من اليوم. فالزّمان إذن عنصر بنائي في الأقصوصة يرتبط بها أيّما اِرتباط ويساهم في تطوير الحركة القصصيّة، ولا أثر فيه لعناصر زائدة.

وإذا أمعنّا النظر في الشّخصيّات، وجدنا أنّ السّردة لم يحيطونا علما إلا بصفاتها التي لها علاقة بالأزمة، فالصّبي لأول مرة يزور الصّحراء(ص1)، وهذا سيبرر عدم خبرته بمسالكها وضياعه بها، وهو أيضا "لما يبلغ الثامنة"(ص1)، وهذا سنّ يحيل على حبّ اللّهو مع نقص الوعي وعدم النّضج، وهو أيضا يتّسم بـ"شقاء غريب" واِبتسامته "اِبتسامة شيطان". هذه الصّفات التي ميّزت الصّبيّ تفسِّر ما سيقوم به من أعمال. ثم إنّ الوصف الذي ظهرت به شخصيّة الجدّة منذ البداية يتماشى مع ما ستعيشه من أحداث مقلقة، فقد بدت منذ البداية في حالة اِرتياع تامّ من صحبة حفيدها فهي تصوّر مشاعرها قائلة:" فتوجست خيفة". ثم تصف الجدّة حالتها بعد ذلك مؤكدة حلول هذا التوجّس فتقول بعد أن عاد الرّعاة دون حفيدها: "فهوى قلبي وركبتني فاجعة أفقدتني الوعي"(ص4). لا أثر إذن لوصف هامشيّ، مجانيّ. وكلّ جزئية تخدم ذلك السّير الحثيث نحو النّهاية.

وعلى هذا النّحو نفسه كان السّرد وظيفيّا. وقد نعثر على أحداث تبدو لنا زائدة من قبيل قول الجدّة: "وجدناهم نصبوا خمس خيام في ساحة فيحاء"(ص1)، لكن عندما نتأمّلها نجد أنّها في الحقيقة تبني رؤية للعالم المنقول على أساسها سيتمّ تلقِّي الأثر، كما تبرر سهو الجدة عن حفيدها فقد تشتت اِنتباهها وتركيزها بفعل حركة نصب الخيام حتى لم تعد تقدر على وضع حفيدها تحت رقابتها. وكذلك شأن تلك الأحداث التي وردت على لسان الصّبيّ مثل قوله: "نحن الصبية لم نكف عن الركض واللعب بأرجل حافية رغم تحذير الكبار مخافة أن نلدغ أو نلسع..لكننا كنا نمضي على شريعتنا إلخ.."(ص2) أو قوله: "العشاء طبخته النسوة على أحطاب الصّحراء فاَستغرق منهن وقتا طويلا، سيما وأنّ اللحم كان قاسيا كالمطاط، اِقتطعنه من ذبائح "قارحة""(ص2)، أو قوله: "تحلق الرجال أولا حول جفان كبيرة، تكدس فيها اللحم والكسكس(...) وراحوا يعبون منها عبا(...) في الوقت الذي كنا نحاش فيه نحن معشر الصبية عن الطعام كما تحاش الكلاب"(ص2). مثل هذه التّفصيلات هي التي شكّلت المعنى، لأنّها بيّنت أنّ العلاقة بين الصّبيان وبين الكبار بدت مقطوعة، فالصّبيان بدَوا مهمّشين وغير مرغوب فيهم ومجتثّين من عالم الكبار، لذلك عمدوا إلى بناء عالمهم الخاصّ الذي لا يكون عادة إلا مفارقا لعالم الكبار، ناشزا عن نظامه وتقاليده، صادما لهم وغامضا لا يمكن فهمه. فالصّبيان يجدون الأفق ضيّقا مع أهاليهم فينظرون إلى السّماء التي تبدو لهم أوسع مما كانوا يرونه في المدينة(ص1)، فينساقون وراء هذا الاِتّساع لعلّه يقودهم إلى عالم أفضل.

وإذا كان السّرد يركز على مثل هذه التّفاصيل، فإنّ السّردةَ في المقابل يتغاضون عن تفاصيل غير ذات قيمة، اِنطلاقا من أن "الفن اِختيار، وعلى الفنان أن ينتقي فيغضي عن كل ما لا يفيد موضوعه" حسب ما يراه موباسان[9]. لذلك بدا النّصّ عموما خاليا من الزّوائد مليئا بالفجوات والفراغات من خلال اِعتماد الإضمار (Ellypse)، والسّرد المؤلف(itératif) لا سيّما في بيان التّحول في الزّمان كما في قوله: "وعندما جنّ الليل"(ص1)، فقد تمّ السّكوت عن الأحداث التي وقعت بين الغروب واِشتداد الظّلمة. ويتجلّى ذلك أيضا في قوله: "فلما مرّ من الزّمن زهاء الساعة إلخ"(ص6). ومن النّماذج عن السّرد المؤلّف ما نجده في المثال التّالي: "نحن الصبية لم نكف عن الركض واللعب بأرجل حافية، رغم تحذير الكبار مخافة أن نلدغ أو نلسع.. لكننا كنا نمضي على شريعتنا، لا نسمع لهم قولا، ولا نبالي منهم زجرا.."(ص3). إن ما ورد في المثال يسرد أحداثا تكرّرت وامتدت على زمن طويل لكنّ السّارد أجملَ القول فيها. وقد اِختزل السارد كذلك، بواسطة السّرد المؤلَّف، ما وقع على مدى ليلة كاملة في فقرة صغيرة هي التّالية: "ولا أذكر كيف بت تلك الليلة..لعلي لم أنم مع جملة الصبيان..أو لعلي اِفترشت معهم الأرض في العراء، ولم نصب من الكرى إلا نزرا قليلا..بعد أن ركضنا طويلا إلخ"(ص2). ويبدو هذا طبيعيّا لأنّه، على حدّ تعبير موباسان، "يلزمك مجلد كامل لكي تروي ما يحدث لشخص واحد في يوم واحد"[10].

ويمكن القول إن تعدّد السّردة ساهم في تحقيق الاِختزال، فالسّارد يجد نفسه محصورا ضمن مساحة نصّيّة قصيرة عليه أن يسرد خلالها كلّ ما لديه، لذلك لا يتوسّع في السّرد. إنّه يكتفي بالأحداث المهمّة البارزة، لأنّ ساردا آخر سرعان ما يحلّ محله ليواصل السّرد عوضا عنه.

ومن الأشياء التي لا يتوسّع السردة في عرضها كذلك، أقوالُ الشّخصيّات، فيتولّون الحديث عوضا عنها، وذلك بتسريد خطاباتها، فكثُرت الخطابات المسرّدة(Narrativisés) كما في قول الجدّة "رفضت صحبته في البداية"(ص1)، فهذا الذي يبدو حدثا ليس سوى حوارٍ جرى بين الجدّة والصّبيّ، فالصّبيّ يطلب والجدّة ترفض فيعيد الكرّة وتجدِّد هي رفضَها مرّاتٍ، لكنّ السّاردة قدّمته مسرودا. ومثل هذه الحوارات كثيرة في "زُغدة" من قبيل ذاك الذي دار بين عابر السّبيل وبين الصّبيّ الذي وجده تائها في الصّحراء. يقول: "فسألته عن أصله وفصله وسبب خروجه وحيدا في مثل هذا الحر، فأخبرني أنّه جاء من المدينة، يشهد عرسا مع جدته، وما لبث أن تاه وسط الصّحراء الغادرة"(ص4)، أو قوله :"وكنت عرضت عليه الركوب فأبى"(ص4).

بل إن ثمّة خطابات تمّ حذفها كلّيّا ولم تقع الإشارة إليها لكنّها تتجلّى من خلال الأحداث حين تقول الجدّة مثلا عندما برز لها حفيدها فجأة عند بلوغ المضارب في الصحراء:" فتوجست خيفة لكني غالبت مخاوفي وضممته إلى صدري"(ص1). لقد وجدت الجدّة نفسها فجأة أمام حفيدها الذي رفضت أن تصطحبه. وهذا الموقف المفاجئ يفترض أن الجدة توجهت بكلام ما، إلى حفيدها ولا يمكن أبدا أن تضمّه إلى صدرها دون أن تنحوَ عليه باللاّئمة.

إن الأقصوصة إذن تسير بصمت فلا نكاد نسمع سوى أصوات السّردة أمّا الشّخصيّات فقلّما تتكلّم عدا في بعض الخطابات المباشرة(directs) القليلة جدّا، إذ نجد حوارا بين الصّبيّ وأقرانه(ص3)، ثم آخرَ بين جمع من النّاس وبين الجدّة(ص4) ثم نجد خطابا أحاديّا بين إحدى الشّخصيّات وبين الصّبيّ حين تمّ العثور عليه(ص6)، وحوارا أخيرا بين الصّبيّ وجدّته، فالصّبيّ قال: "جدّتي !!"، والجدّة أجابت: "أيّها الشقي...". وهي كلّها حوارات تتّسم بصفتين، فهي مقتضبة من جهة، وهي أيضا غير مجانيّة، بمعنى أنّ لكلٍّ منها وظيفة في الحبكة القصصيّة. ويبدو أنّ هذا يندرج ضمن الخطّة السّرديّة التي وُضعت على أساس الوعي بخاصيّة القصر في النّص الأقصوصيِّ.

خاتمة

بدا لنا إذن كيف اِقتطعت هذه الأقصوصة جانبا من حياة، وكيف عرضته عرضا صادما منذ البداية ثم تدرجت به برفق نحو النّهاية التي بدت مجمعا لكلِّ التوتّرات. ولا يحسّ القارئ بأنّ النّصّ يتشعّب أو يتعاود، فالمكان واحد والزّمان واحد والأحداث واحدة والشّخصيّات قليلة، ولا أثر لزوائد في الوصف أو الحوار أو السرد تعطِّل مسار القصة. لكلّ التفاصيل قيمة في تحقيق الهدف الذي رسم منذ البداية. وكلّ جزئيّة محسوبةٌ تخدم مسارَ القصّ.

***

بقلم: الدكتورة سهيرة شبشوب: أستاذة مساعدة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس/ تونس.

..................

المصادر والمراجع

"زغدة"، ضمن المجموعة القصصيّة "زُغدة " صادرة عن دار الاتحاد للّنشر والتوزيع سنة 2016.

المراجع

أوكونور (فرانك): الصوت المنفرد، مقالات في الأقصوصة، ترجمة محمود الربيعي، الهيأة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993.

مجلة فصول، مج 2، العدد الرابع، 1982:

-حافظ صبري: مقال "الخصائص البنائية للأقصوصة"

- نادية كامل: مقال"الموباسانية في القصة القصيرة".

Allan Poe (Edgar): Review of Hawthorne's Twice-Told Tales.

https://commapress.co.uk/resources/online-short-stories/review-of-hawthornes-twice-told-tales/

Allan Poe (Edgar): The Philosophy of Composition, 1848, (publié en Octobre, 2009).

https://www.poetryfoundation.org/articles/69390/

هوامش

[1] صبري حافظ، "الخصائص البنائية للأقصوصة، مجلة فصول، مج 2، العدد الرابع، 1982، ص19.

[2]  نفسه.

[3] صبري حافظ، "الخصائص البنائية للأقصوصة"، مجلة فصول، مرجع مذكور، ص 24.

[4] اُنظر: فرانك أوكونور، الصوت المنفرد، مقالات في الأقصوصة، ترجمة محمود الربيعي، الهيأة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993، ص 16.

[5] اُنظر:

Allan Poe (Edgar): Review of Hawthorne's Twice-Told Tales.

https://commapress.co.uk/resources/online-short-stories/review-of-hawthornes-twice-told-tales/

Allan Poe (Edgar): The Philosophy of Composition, 1848, (publié en Octobre, 2009).

https://www.poetryfoundation.org/articles/69390/

[6] زغدة، ضمن المجموعة القصصيّة "زُغدة "، دار الاتحاد للّنشر والتوزيع ، 2016.

[7] صبري حافظ، "الخصائص البنائية للأقصوصة"، مجلة فصول، مرجع مذكور ص27.

[8] إن ما قدمه صبري حافظ في دراسته الآنف ذكرها حول خصائص الأقصوصة بدا لنا مجرد محاولة لتعريف هذا الجنس القصصي، لكنه لم يقدم آليات محددة وواضحة لتحليل الأقصوصة، لذلك حاولنا أن نستغل تلك التعريفات لنستخرج طريقة تمكننا من مقاربة هذا النوع من النصوص، واِرتأينا أن كل تلك الخصائص تتجلى أولا في المحتوى الحكائي الذي قام عليه النص، كما يظهر في طرائق إجراء تلك الحكاية.

[9]  نادية كامل، "الموباسانية في القصة القصيرة" فصول، مصدر مذكور، ص 188.

[10]  نادية كامل، "الموباسانية في القصة القصيرة" فصول، مرجع مذكور، ص 187.

 

تحفل قِصَّة "صادق أو القَدَرZadig Ou La Destinnée "، للفيلسوف الفرنسي (فولتير Voltaire، -1787) بسلسلة من الخيانات العاطفيَّة، التي تؤدِّي بالقارئ إلى انطباعٍ عامٍّ حول المرأة، هو أنَّها قليلة الوفاء، سريعة الغدر بالرَّجُل، تضعف أمام المغريات بسهولة.  وتلك ثقافة تقليديَّة، لا أصل لها من الواقع الاجتماعي، سِوَى نظرةٍ ظالمةٍ تمييزيَّةٍ ضِد المرأة، سبق التعليق على منابتها في مقال سابق.  ومن هنا بدت (الخيانات) محورًا من محاورة هذه القِصَّة/ الرواية.

فهذه (سمير) تغدِر بحبيبها (صادق) في أوَّل القِصَّة، وتتركه لتقترن بعدوِّه (أوركان).  ثمَّ تأتي (أزورا)- المرأة الثانية في حياة صادق- فتغدِر به هي الأخرى، وتوشك أن تجدع أنفه لتشفي (كادور)، الذي تظاهر بحُبِّها ليكشف أمرها.  هذا على الرغم من أن أزورا كانت قد ثارت ثائرتها لمَّا رأت خيانة إحدى النساء: وهي تلك الأرملة الشابة (خسرو)، التي عاهدت إلاهها، أثناء حزنها على فقد زوجها، على أن تقيم على قبره ما جرَى ماء الجدول قريبًا منه، غير أنَّها ما لبثت أن أخذت تحاول تحويل الجدول عن مجراه؛ كيلا تفي بما عاهدت ربَّها عليه!  فإذا أزورا نفسها- الثائرة على خيانة خسرو-  ترتكب من الخيانة ما هو أكبر.(1)

وصولًا إلى زوجات ملِك (سرنديب) المئة، اللاتي اكتشف خياناتهن جميعًا، عدا واحدة فقط.  وتختلف التسع والتسعون امرأةً من زوجات الملِك في دوافعهن إلى الخيانة؛ فمنهنَّ مَن تخون حُبًّا في الجَمال والفُتوَّة، ومنهنَّ مَن تخون حُبًّا في المال، وإنْ عَدِم صاحبُه الجَمال، ومنهنَّ مَن تخون حُبًّا في حلاوة البَيان وعنفوان البَدَن، وإنْ عَدِم صاحبُهما المالَ والجَمالَ معًا.(2)

وتُعَدُّ (الحِيلة) من المحاور التي تدور حولها القِصَّة.  فقد استطاع (صادق) أن يكتشف مدَى إخلاص زوجه (أزورا) بحِيلةٍ اختلقها مع صديقه (كادور).  إذ تظاهر (صادق) بالموت، فأجهشت زوجُه بالبكاء، وانتزعت شَعرها في اليوم الأوَّل، ثمَّ بكت أقلَّ من ذلك في يومها الثاني.  وعندئذٍ أَسَرَّ إليها (كادور) بأنَّ صادقًا قد أوصَى له بالثروة، وعرضَ عليها أن يقاسمها إيَّاها؛ وشيئًا فشيئًا اكتسب ثقتها، فاعترفتْ بأنَّ "الفقيد" لم يَخْلُ من بعض العيوب، التي برئ منها كادور!  ولمَّا شكا كادور إلى أزورا أَلَـمًا عنيفًا في الطحال، وزعمَ أنْ ليس له إلَّا دواء واحد، هو أن يوضع على جنبه أنف رجُلٍ مات من أمسه، همَّت– رغم استغرابها- بجدع أنف زوجها صادق لعلاج كادور!  وبذا تبيَّنَ صادق مدَى حُبِّ زوجه إيَّاه ووفائها له.(3)

وبحِيلة (صادق) اكتشف ملِك (سرنديب) خيانة المرشَّحين لمنصب خازن المال وفسادهم.  فقد قال صادق للملِك: "إنَّما هي أن تدعو المرشَّحين لهذا المنصب جميعًا إلى الرقص، وأيُّهم كان رقصه خفيفًا نشيطًا فائتمنه على بيت مالك."  وكان صادق قد أعدَّ للرقص حُجرةً يسلك إليها المرشَّح ممرًّا ضيقًا مظلمًا، عرضَ فيه الملِك كنزه، فكان مَن مرَّ منهم يملأ جيوبه حتى يثقله ما حملَ، فلا يرقص إلَّا بعناءٍ شديد!  وبذلك رأَى الملِك بين أربعة وستين راقصًا ثلاثة وستين سارقًا؛ فعاقب أولئك السَّرَقة وأكرمَ الأمين الوحيد منهم وجعله على خزائنه.(4)

وبشِبه تلك الحِيلة امتحن ملِك (سرنديب) أزواجه ليتبيَّن خياناتهن جميعًا، إلَّا واحدة اصطفاها زوجًا من دونهن.

ويدخل (الدِّين) محورًا من محاور قِصَّة "صادق" لـ(فولتير).  ففي الفصل الثاني عشر، يجتمع جماعة- فيهم المِصْري، والهِندي من (جنجاريد)، والنازح من أرض (كتاي)، واليوناني، والكلتي، وآخرون- على مائدة العشاء في حديثٍ عن أوطانهم ودياناتهم.  وفي حديثهم ذاك خير مثالٍ على هذا المحور في القِصَّة، مصوِّرًا مقدار ما قد يؤجِّجه الدِّين بين الشعوب من عدم التعارف، بل من المفاخرات والصراعات الدمويَّة.

وهو ما سنناقشه في مقال الأسبوع المقبل من هذه السلسلة.

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة المَلِك سعود)

......................

(1)  يُنظَر: فولتير، فرانسوا ماري آرويه، (1979)، القَدَر، قِصَّة نقلها إلى العَرَبيَّة: طه حسين، (بيروت: دار العِلم الملايين)، 19- 21.

(2)  يُنظَر: م.ن، 87- 88.

(3)  يُنظَر: م.ن، 19- 21.

(4)  يُنظَر: م.ن، 83- 84.

تُعدّ المرأة عنصرا أساسيا في المجتمع منذ القدم فهي صورة ورمزا للبطولة والتضحية. وهي في الرواية أيقونة يصعب الاستغناء عنها. وقد أصبحت محورا من المحاور التي استخدمها الأدباء في رسم صورتها للتعبير عن مختلف أفكارهم وتصوراتهم . كما أنها تمثل لهم منطلقا فكريا للبوح عن مختلف همومهم وواقعهم الاجتماعي والاقتصادي وعلى هذا فإن المرأة قد أصبحت بمثابة رمز فني، يحمل العديد من المعاني والدلالات. فحركة المرأة ترتبط بحركة المجتمع من جهة ومن جهة أخرى تمثل دلالة ورمزا ثريا موحيا عن الوطن.

وتكمن مهمة الصورة في الخصوصية التي تنفرد بها عن غيرها. وفي معالجتها لموضوع ما. وكذلك طريقة إيصال الفكرة المراد إيصالها للمتلقي.

وصورة المرأة عند علي فضيل العربي في رواية جوهرة والبيت الكبير من إصدارات دار الكلمات للنشر والتوزيع/2019 لا تعبر عن أزمة عائلة بعينها او بيتا عاديا طارئا إنما هي أزمة وطن قد يتخطى الجزائر والمغرب العربي ليمتد إلى الوطن العربي.وهذا يظهر لنا في آخر أحداث الرواية حينما أزال الأبناء والأحفاد من آل الهواري الجدران التي قسمت البيت الكبير والأبواب التي فرقتهم. وكأن علي فضيل العربي يزيل حدود سايكس بيكو ويعيد الوطن العربي كبيرا مثلما كان لا تفصله حدود ولا جوازات أو تأشيرات مستحدثة، فرقت الأجساد والقلوب.

ففي صفحة 262 ما ورد على لسان معمر أحد اولاد جوهرة بنت حمداد بطلة الرواية (هدمنا الجدران، جدارا، جدارا). وقد كان هذا بفضل جوهرة بنت حمداد التي ما فتئت تذكر الأبناء والأحفاد بالمحافظة على إرث الأجداد والحفاظ على وحدة البيت الكبير وإزالة الجدران والأبواب. وبهذا فإن صورة المرأة عند علي فضيل تتحرك في إطار وطني يعطيها القدرة على مواصلة رحلتها وسط عائلة ادعى أفرادها المدنية، فقسموا إرث الأجداد وتفرقت القلوب وتناحر الأبناء لكنها تنجح في النهاية بحكمتها وحنكتها في إعادة البيت كما كان ولم الشمل كما سابق عهده.

والمتلقي لجوهرة والبيت الكبير يستطيع التقاط الصور المتعددة التي عالجها الكاتب من خلال تصوره وعاداته وتقاليده التي تربى عليها. فنجد صورة المرأة المناضلة التي تكافح من أجل الوطن متمثلة بجوهرة بنت حمداد وحالها بعد استشهاد زوجها خالد الهواري. ومما جاء على لسان ابنها معمر صفحة 43 (أقسمت ألا ترفع الراية البيضاء، فهي تعلم أن الاستسلام من طبع الضعفاء والجبناء...رغم كل المحن صمدت صمود الأبطال في معركة التحرير. مازالت قصتها مع جنود الاحتلال الفرنسي والحركي، تثير آيات الإعجاب.. لم تكن تخشى الموت أو العذاب.. كانت تطحن، تبيت الليل وهي تدير الرحى، تخبز، تحضر الأكل للثوار، وتحمله لهم) وفي نفس الصفحة (كانت تحمل السلاح والذخيرة للمجاهدين).

كما ظهرت صورة المرأة الواعية سياسيا من خلال شخصية جوهرة بنت حمداد في أكثر من حدث من أحداث الرواية من خلال إدراكها لأهمية القتال من أجل الحرية التي لن نحصل عليها مالم يتحرر الوطن ففي صفحة 44 على لسان معمر (لقد كانت الثورة في حاجة ماسة لكل فلس أو درهم. وكانت أمي تردد وهي تلفنا في ذلك القماش الأصفر الرث كما روت: عندما نشرب ماء الاستقلال وننال الحرية ستلبسون الثياب الجديدة يا أبنائي).

كما تمثلت صورة الوعي السياسي من خلال ما ورد على لسان الجدة ياقوت صفحة 59 (فرنسا غدارة يا أولادي. لم ترحم أسلافكم، ملأت سفنها بهم ورمت بهم في البحر الخالي. ذنبهم الوحيد، أنهم ثاروا ضدها وعلى ظلمها).

كما تظهر لنا صورة الأم جلية واضحة في رواية جوهرة والبيت الكبير فقد كانت هي الصورة المركزية المضيئة في أركان البيت الكبير متمثلة في جوهرة التي ظلت تمنح الطاقة للأبناء والأحفاد. فمما جاء على لسانها صفحة 53 وهي تحثهم على الاتحاد (آه، لو تلعنون الشيطان وأراكم يدا واحدة). والأم هي العطاء ففي صفحة 9 عن جوهرة على لسان معمر (عاشت أمي جوهرة بنت حمداد لنا، نحن الأخوة الخمسة). وفي صفحة 6 على لسان معمر أيضا (كنا الأرض العطشى وكانت أمي مزنا تمطر علينا بسخاء لا مثيل له).

وفي صفحة 88 يتضح دور الأم الحازمة التي تحمي أولادها من أنفسهم.فعن جوهرة على لسان معمر (كانت امراة صموتا لا تحب لغو الكلام، كلامها ما قل ودل وكأنه فرض كفاية.لكنها عندما تشرق في سمائها ملاحم الأجداد الكرام أو ينحرف الأبناء والأحفاد....فإن الكلام لحظتها يصبح فرض عين لديها. لا أحد يجرؤ على إخماده).

كما ظهرت صفحة 4 عن جوهرة على لسان معمر صورة الأم القوية الصلبة المربية والموجهة للأبناء والأحفاد (كانت أمي تختم حديث الأمجاد والبطولات قائلة بحسرة : النار تلد الرماد يا أولادي، اشربوا نبع الجدود ترتووا) وفي صفحة 5 على لسان جوهرة لأولادها (ربّوا أولادكم على الوفاء والأمانة).

كما ظهرت لنا في رواية جوهرة والبيت الكبير صورة المرأة المقهورة ويمثل هذا النمط واقع المرأة المتأزم الذي ينظر إليها نظرة مادية فقط، يفقدها حريتها الإنسانية مجرد ملكية، قيمتها في الانصياع لرغبات الأهل ونجد هذه الصورة في شخصية فاطمة الزهراء عمة معمر حيث زوجها أبوها من ابن عمها دون علمها ففي صفحة 11 عنها ما جاء على لسان معمر (كانت عمتي فاطمة الزهراء امراة طيبة. تزوجها ابن عمها.. وهي ما زالت في سن الرعي. يومها رجع جدي من سوق الاثنين وأخبر جدتي_طيب الله ثراها_ بموعد زواجها) وهنا يظهر عدم استشارة البنت بالموافقة على الزواج بل عوضا عن ذلك يزوجها الأب في السوق ويحدد مهرها وموعد زواجها. وفي صفحة 112 يذكر معمر قصة طلاق عمته فاطمة الزهراء (هي كلمة واحدة يقولها فقط، أنت طالق بالثلاث. تضع الزوجة حايكها وعجارها وتتأبط رزمتها وتعود إلى بيت أهلها).

كما يستطيع المتلقي التقاط صورة أخرى من صور علي فضيل العربي للمرأة وهي صورة المرأة المظلومة ومنها ما جاء على لسان معمر عما جرى لجارتهم حليمة ليلة دخلتها صفحة 166(شاع سرّ عدم عذريتها بين الرجال...قتلها أخوها البكر بإيعاز من والدها...وحليمة التي لم تتجاوز مرحلة الرعي بقليل، مستسلمة لقدرها المحتوم وهي لم تعرف معنى الحرام ولم تقربه).

ونجد أيضاً صورة المرأة النرجسية تلك التي تتعالى على زوجها وتعامله كأداة لتحقيق ما تريد من مصالح وتتمثل في رواية جوهرة والبيت الكبير في شخصية زوجة محمود الهواري الذي سافر إلى فرنسا وتزوج قشتالية بعد أن أنقذها من محاولة انتحار، طلبت منه الزواج وعندما أنجبت منه البنين تخلت عنه فعاد إلى بلاده خالي الوفاض. ففي صفحة 16 ما جاء عن زوجة محمود على لسان معمر (ولم يكن يقوى على رد الصاع ولو بمثله، أدرك أنها امرأة عنيدة كقومها ناكرة للفضل مثلهم).

كما كانت صورة المرأة الحكيمة تتجلى كالبدر في رواية جوهرة والبيت الكبير في شخصيتي الياقوت وجوهرة وقد استاطعت كلتاهما الحفاظ على إرث الأجداد من الضياع ففي صفحة 181مما جاء عن الجدة الياقوت على لسان معمر (لم تدخل مدرسة أو جامعة. فقد أخذت دروسها وحكمتها من كلية الحياة). وعلى لسان جوهرة لولدها معمر صفحة 79 (أمك يا عالم الدين علمتها مدرسة الحياة دروسا ربما ام تعلمكم أياخا مدارس الحكومة).

كما ظهرت لنا صور كثيرة للمرأة تمثلت في شخصية جوهرة كصورة ربة البيت الناجحة التي تطعم بيتها مما تربي وتزرع.

وصورة المرأة التي تقف جنبا إلى جنب مع زوجها في أعماله اليومية والكثير من الصور التي تحمل معاني حضور المرأة الإنساني وتفردها الأنثوي.وقد قامت بنية الرواية على هذا الحضور.

وقد الكاتب نجح في تناول موضوع المرأة في أبعادها المختلفة، النفسية والاجتماعية والفكرية بطرق فنية تتباين وطبيعة الموقف.

كما تناول الكاتب الكثير من الإسقاطات المهمة التي يحتاج كل منها إلى دراسة مطولة.مثل تناوله لطقوس مهمة شملت طقوس الزواج وزيارة مقامات الصالحين ومواسم فرط الزيتون وعصره وغيرها الكثير من الطقوس الأصيلة التي تعتبر من الموروثات المهمة لدى الأمم. كما وأتى على ذكر الكثير من الأحداث التاريخية المهمة في فترات عدة من تاريخ لا يقتصر على تاريخ الجزائر فقط بل تعداه إلى عدد من البلدان العربية ما يدل على سعة ثقافة الكاتب واطلاعه وإيمانه ببلاد العرب أوطاني وإثبات عبارة كلنا في الهمّ عرب.

***

قراءة بديعة النعيمي

لما كانت الحقيقة، هي القيمة الفورية للفكر بوصف الفكر مرآة ضرورية للحقيقة الخارجية والطبيعية، ذلك ما يدرك ويعكس العلاقات أو الصلات بين الأشياء، إذ يُرى كل شيء بالعلاقة أو القرينة، ويبدو أنَّ وليم جيمس يرى أن المعنى والنظام موجودان، وينكر على من يدعي أنَّ الترابط والتداعي من تأليف الفكر، بل يرى أن الظواهر الفكرية تجري في تيار متصل، ويبدو أنَّ البراجماتزم هو في ذاته يتساءل عن نتائج الشيء، وبذلك تحول وجه الفكر إلى العمل والمستقبل(1)، كما أنَّ عوالم الشعر والفكر عناصر إثارة وطرافة وجِدَّة تقودنا إلى الدهشة العميقة بالجديد والطريف والمبتكر على مستوى الأفكار والأساليب بوصف الفنان الشاعر ذا إحساس عميق بالأشياء وانفعاله بها، فالشاعر يغوص في أعماق الأشياء من أجل استنباط مدلولاتها ومعانيها الغامضة، وهذا يتطلب ملكات عقلية ما يجعل منها تقترب أرضها بأرض الفكر ومن ذلك المعرفة العميقة التي نعدها جسراً يوصل بين الأفق الشعري والأفق الفلسفي (2). وحين نتأمل في المخيلة الخلاقة نجد الشاعر والفيلسوف يمتلكان معيناً ثراً؛ لاتقاد الفكر الفلسفي والشعري، ومن ثم تتشابك الرؤى وتفترق بوصف الشعر شعور إنساني يؤسس لسلوك قويم، بينما الفلسفة تدرس الظاهرة علمياً ولايعنيها ما تتجه بها النتائج.

ويبدو أنَّ الشاعر الواسطي حسن سالم الدباغ في كثير من نصوصه في مجموعته الشعرية (مثلي لايكتفي القمر بنجمته) ونحن نستقرئ فيها رؤاه نجدها تطرق أفكاراً براغماتيةً (عملية) إذ نراه يدين بعض مظاهرها ؛ كونها لاتنسجم مع ما تربى عليها مجتمعنا إلا أننا نجدها سائدة فيه، وهذا ما يطلعنا عليه الشاعر ومن ذلك في قصيدته (خشية) التي يقول فيها:

فراغ

وأحصنةٌ في المرابط

لم تعد تستسيغ

الصهيل

أو الجري مأخوذة بالطريق

تجرجرُ أذنابها

إنَّها تضع الآن أعرافها

على أسطح العربات

تنام

وتحلم أن سوف تفقد حدواتها

ولا تشتهي لذة الجري في الطرقات

إذا لم تُشد إلى همرات .ص38

فالتقاعس والفراغ صنوان متلازمان، إذ صارت في العصر الحديث الغلبة للمنفعة المادية بوجهها المُسلَّم به، فليس من اعتماد اليوم على النفس والكدح الذي فطرت عليه الأجيال، كما كانت بالأمس تتصبب عرقاً أزاء لقمة العيش، فصارت  اليوم تعيش فراغاً، بعدما شاع لدى بعضهم من انتزاع قيمه ومبادئه وراح يتصيد عسى سلعةً تتأتى من دون بذل جهد ؛ فلاشيء يخسره سوى التهافت على المادة دون الاحتراز للقيم التي أُودعت فيه، ويبدو أنَّ الحصان الذي كان يسحب العربة في النص الآن يقطن المرابط، بيد أنَّه يشكو الفراغ، فصار لايألف عيشته في الزمن الماضي طالما الهمرات هي ما تسحب العربة في إشارة إلى دواعي الاحتلال   التي دعت الكثيرين للكسب غير الشرعي من أجل الرفاهية لقاء الانسلاخ من الجذور طالما أنَّ هناك مظلة تحمي موبقاتهم، فلا حاجة للكد والكدح إزاء ما تمنحهم الوفرة ومن دون محاسبة للذات أو الاسترشاد بالقيم أوحتى من صحوة الضمير، ولعل البراجماتزم التي ترى أنْ لاسؤال عن مصدر المنفعة أو "من أين جاءت أو استمدت أو ماهي مقدماتها، فإن البراجماتزم تفحص نتائجها، وهي تبتعد عن كنه الشيء ومصدره، وتتجه إلى نتيجة الشيء وثمرته وعقباه" (3) فهي في كثير من أحوالها ما تغوي وتحطَّ من يلجأ إلى مساربها وسلوكها المقذع .

وفي صورة أخرى يطلعنا عليها الشاعر وهو في تماس مع الواقع، فحين لايرى الإنسان بُد ممن يهواه، يغادره لعالم آخر، فيغلق الأبواب أمامه لنفاد المنفعة،   يقول الدباغ في قصيدته (باب على الغياب):

ألقيتِني في الظلِّ

ثمَّ رجعتِ تحتطبين

ذاكرتي

وأطلقتِ السراب

زُمراً على القلبِ الخراب

وجعلتِ بينكِ والوصول إليكِ باب

حتى إذا ابتدرت خطاي

صفقتِهِ

كالريح في وجهي

وقلتِ لوحشةِ الأبواب

...

غابْ .ص68

ويبدو أنَّ الشاعر ينكر على من يناديها ما صنعت به، إذ ألقته في ظل قارعة الطريق، ومن يُلقى على هذه الشاكلة ليس إلا  العاجز الذي نفدت قوته، وما عاد ينفع وهذا أسلوب المجتمعات المادية التي لاتستعذب إلا المنتج والمعطاء، ولعل  احتطابها ذاكرته، ثم إغلاقها الباب عليه ؛ كي لايصل إليها في إشارة إلى نهاية المطاف بينهما، فلا طريق بات يوصل بينهما، ويبدو أنَّ الشاعر يلومها على فعلتها، فهو يشير بصفقها للباب بوجهه تعبيراً عن حالة نفورها منه بيد أنه يشير إلى وداعته معها بأسلوب عتب الهادئ المُحب الذي استوحشت غيابه حتى الأبواب  في إشارة بأنه ليس السبب، إنما هي من أنهت كلَّ شيء .

أما في قصيدة سابلة في مقطعها الأول(عزلة) التي يقول فيها:

يشاركهم صمتهم

يضحكون

يشاكسهم يضجرون .ص90

إذ نرى أنَّ الإنسان بات يجامل ويحابي من هو يرضي سريرته، ويتوافق مع رغباته، بيد أنَّه يضجر حين يُخالَف في الرأي حتى وإن كان مُخطئاً، فتراه ضجراً لايقبل المشاكسه أو الاختلاف، وكثير هم في هذا العصر الذي تسيدت فيه الأفكار المغلوطة، فباتت تمشي على قدمين ؛ لفقدان القانون ما جعل الأصوات حتى الناشزة منها لها مركب في عصرنا الحاضر بما يطلق عليه العصر الديمقراطي فمن أراه من توجهي صار يضاحكني وأضاحكه، ومن تحزَّب بما يضيِّق على مصلحتي ومنفعتي فهو ضدي، ثم يقول:

لهُ حكمةٌ

ولهم حكمةٌ يرتضونها

وما كان يعرفه:

أنَّهم

كلما انفضَّ عنهم

إلى جدثٍ واحدٍ

يدخلون . ص 90

فهم سابلة يبحثون عن غاياتهم، وحتى المقابر صار لهم فيها شأن لايتركون ما فيها من منافع، وهذا حال بعضهم ولاسيما في عصر ما بعد الحداثة الذي أقصى المثال والقيم وراح يشيع المنفعة التي ما أبقت للقيم من مكان يجانب إنسانية الإنسان، ويبدو أنَّ الشاعر يرفض ما يشيع اليوم بعد رؤيته الكشفية بوصفه أكثر إشراقاً بحدسه استناداً إلى الوظيفة الجوهرية في قدرته على رفع الأقنعة وفضحه المستور بالخيال المنخرط في دائرتي المكان واللامكان ؛ لتجسيد فعل التوقع وما يضمره الواقع من استبطان للفعل الذي صار يشيع بأقنعة يمكن أن يسلط الضوء عليها كموضوعات فبات الشعر ينتقد ظواهر المجتمع حتى صار في كثير من الأحيان يميل إلى التفلسف فيها وتقديمها كموضوع معرفي بوصف الشاعر هو إحساس الإنسانية،إذ لا إنسانية بغير إحساس  (3) لذلك فإنَّ الشعر مايزال وسيلة نقد وإرشاد وتوجيه .

***

بقلم د. رحيم الغرباوي

.................

الهوامش:

(1) ينظر:قصة الفلسفة من افلاطون الى جون ديوي، ول ديورانت دار المرتضى، بغداد شارع المتنبي، 2018م: 617- 618

(2) ينظر: دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي، دار نيبور للطباعة والنشر، الديوانية، ط1، 2013م: 86 .

 

ضمن سلسلة اصدارات منتدى شواطئ الأدب – بشامون – 2023 بيروت صدر للأديب علي أبي رعد مجموعته النصية ( وطني هبةُ ريح ونطير) . قراءة أولية للعنوان ستجده يتكون من محورين محور الوطن ومحور الهجرة، هذين المحورين المتعاكسين يحملان بين طياتهما صراع ما بين التجذر والانفلات ويكون بهذا قد اختزل الشاعر علي أبي رعد المتن من خلال عتبته هذه كي يضيء الدرب للغوص في أعماق النص ومتعرجاته .

وكما في مجموعته الاولى (ابحار على متن الكلمات) وهكذا في مجموعته الثانية (وطني هبةُ ريح ونطير) الشاعر يكشف عن القلق الذي رافقه طويلاً وهو يتأمل مستقبل وطنه وشعبه، لذا جاءت عتبته (العنوان) للكشف عن ما يمكن أنْ يتوافر عليه الكاتب من قلق وجرأة في التعرّف على مايجري في الوطن، اذ جعل كلماته تمور في أسفاره البعيدة، والتي هي مجموعة من التناصات اليومية التي واكبها الأديب"علي أبي رعد" فتراءت له على شكل محورين متنافرين ومتضادين، محور مفهوم الوطن والوطنية ومحور الآلام التي يتركها سوط قادة الوطن في كيان المواطن كي يفكر بالتخلي عن هذه الهبة التي منحها له الله (الوطن وشعور الانتماء) مما أفضت بنا إلى الاندفاع للخوض فيما تحمله نصوص مجموعته الثانية والتي هي عبارة عن كلمات تشبه الصواريخ العابرة للقارات،  حيث تخترق الهيكل لتستقر في القلب والفكير مجسدة لدى القارئ بأن ما يمور في الأعماق يتجسد مثل البصمة فيكشف عن معناه الحقيقي . فبالرغم من القلق الذي رافقه طويلاً، جعل كلماته تمور في أسفاره البعيدة، إلا أن الفرق بين المجموعتين في الثانية ركز الشاعر كثيرا على العمق الفلسفي والسياسي مبتعداً بعض الشئ عن الشعرية الذي اتكأ عليها في مجموعته الآولى بعد أن تيقن إن القارئ وبسبب تراكمات مخلفات الصراع وكمية ما استنشقه من هواء مخدر  جعل المواطن مخدرا وكما يقول:

كم مؤلم أن تكون بنصف موتك

ويقنعونك ...

بأنك ما زلت على قيد الحياة

 مما دفع الشاعر التخلي بعض الشئ عن الشعرية ليقدم للقارئ طبقته الدسمة بطريقة أكثر سلسة وسهلة لتقريب وجهة نظره الى القارئ .

ففي المجموعة الاولى كان الشاعر يتكئ على فضاء من الاستعارات التي تصنع المشهد الشعري وفي الثانية يرسم الصورة بشكلها الواقعي ليوجه صواريخه مباشرة الى الهدف:

سأرمي بأحلامي ...

على الأ رصفة تحت أقدام الليل ...

أتسكع في شوارع المنفى

وأعلق ضجري على جدار الوقت

تاركاً أشرعة القلق

في مهب الريح

وأمضي بقطار الفراغ

الى عتمة اللامكان

هناك في البعيد ...

حيث يموت الزمان وتتلاشى الصور

نراه بعد تجربة شاقة من العمل على أرض الواقع في الساحة الثقافية والاجتماعية وربما السياسية ايضا، يهجس بما أختزنته تجربته عبر رؤية وهو ينتخب زوايا النظر للمَشاهد التي تخصّه وشعبه، ويقارن بين ما كان الواقع في تجربته الشعرية الاولى والثانية لذا جاءت نصوصه وكأنها مرايا، تعكس لمرآى أناه المنطوية، القلقة، والباحثة عن المُضمر والغائب وغير الآمن وهو يقول:

عندما ننام تسافر أطيافنا

تشارك الآخرين أحلامهم

وتقول لهم أشياء ..

لا نجرؤ نحن على البوح بها

نصوص كهذه تعكس بشدة ما تحمله الذات الشاعرة في نصوصها لتبوح لنا مدى القدرة على الاستقصائية عن الذات، ومدى القدرة على النحت فوق أسطح مخيلة القارئ للتخفيف من شدَّةِ غلواء الصراع الداخلي الذي يعيشه الشاعر والقارئ، والتقليل من آثار جيشانِ إرهاصاته النفسيَّة واحتدام تداعياته الشعورية التي يواجهها في حياته الشخصية سواءٌ أكانت تتعلّق بواقعه الذاتي الاجتماعي أم بواقعه البيئي الجمعي - الراهن والحاضر. إنها تعبير عن الانفعالات والمشاعر، أو لنقل إنها جواز سفر تنقل بمقتضاها الأحاسيس والصراع الداخلي، الغامض والمشوش إلى عالم خارجي واضح جلي، وهذا ما يتجسده نص كهذا:

قد لا تكون الريح مؤاتية

لكن علينا بالإبحار

ما دامت كل الجهات مقصدنا ...

من هنا يتيقن الشاعر، لم يبقى لديه وشريحة كبيرة من شعبه من سبيل إلا الطيران والرحيل الى عالم آخر وهذا ما عكسه المحور الثاني من العنونة (... ونطير) .

في مجموعته هذه تيقن الشاعر بأنه ليس بحاجة الى الاستعارات والرموز لذا سار على طريقة الشاعر الامريكي والت وايتمان في مجموعته (أوراق العشب) جاهداً على تفعيل حواسه كلها، كاشفاً عن حضور الذات الفاعلة لعكس الصورة الحقيقة للواقع بصورة مرئية واضحة كي يدغدغ مشاعر القارئ وخصوصا الطبقة الحاكمة والمؤثرة من خلال الصور التي يستحضرها ويحولها إلى عناصر فاعلة تذوب في جسد النص بعد أن تيقن أن الكتابة هي تفجير لأوجاع / أوضاع / مخاضات / الناس في الحالة الراهنة وفق شروطها المناخية فيقول:

لستُ مهزوماً كي أُنكس رايتي

ولست منتصراً كي أرفع شارة النصر

أنا الآن ...

كلما مُتُ أعود وأجمع أشلائي

نصوص  حسية كهذه تتشكل داخل بنية يومية في أوطاننا تراها  متوهجة بتكثيف جملها المقتصدة في ألفاظها والمشحونة بتموجات الذات المهمومة باعتماد الكثافة اللفظية، حيث يستأصل الأشياء من بيئتها ليعكسها على شكل صواريخ عابرة محملة بهمومه وانكساراته وصلابته للتحدي أمام الواقع وهي تخترق الوجدان كونها كاشفاً ضوئياً بصوته المحكي عن صدى تجلِّياته التعبيرية المؤثِّرة باستنطاقها الصوري والحركي التي تجذبه إليها وتستأثر بثقافة اهتمامه الآسر في تواصله معها .

دائماً نجد الشاعر يقدم لنا مشاهد تضادية تُسهم في تنمية المسارات الإيحائية وهي تسبح في دلالاتها المباشرة حيث تنساب صوره بشكل سلس من أجل كشف الرؤيا والمضامين الموحية ويضع صور مشاهد الواقع التصويرية على حقيقتها، دون رتوش أو تجميل كقوله:

يمشون دونك خفافاً ...

وكلما حاولت لمسهم تجد نفسك في السراب ...

ما أصعب أن تبقى معلقا في الفراغ ...

لا الأرض تحتضنك وليس بمقدورك أن تطال السماء ..

إن ما تحمله نصوصه من شحنات توترية تكون أساسها محور الذات الشاعرة، والتي لها القدرة على اصطياد الصور  من ذوات العلاقة الوطيدة بحياته اليومية، خصوصاً عندما يتعلق الامر بمصير شعبه حيث تتولد الرؤى، وتنبثق المواقف، فكانت وقائع (مَرايانا) مرآةً عاكسةً لِمَا في الرُّوح الذاتية الشاعرة، الظاهرة المتجلِّية والخفيَّة المُضمرة، إنها مرآة لحال واقعنا في الماضي والحاضر وربما المستقبل .

رصده لبعض الظواهر السلبية في واقعه عكست ملامح القصيد بعمق والمتجسدة في كينونته الناشطة في الحراك الإنساني / الثقافي / الفكري، لتعكس لنا تحورات الأنا داخل تمخضَّات الروح، فالذات الشاعرة هنا تتحرك بتلقائية، وتضع يدها على الجرح بجرأة كبيرة، وتحدد ببساطة كيفية سريان هذا التيار …

ستبدو لنا عيناته هذه هي التي ترصد المكان أو الحدث، وسيترجم لنا الحراك الواقع على مرآة الحقيقة وفق معايير العين الشاعرة والذات المفكرة التي كتبت نصوصها إزاء تلقائية اللحظة الشعرية .

تعالي نلتحق بالثورة

ونرجئ فكرة النصر للصدفة

أو إلى زمن يكون

البحر أكثر إصغاءً

والريح أكثر عطفاً

والثلج أكثر دفئاً

والموت أقل انشغالاً عنا

الشاعر علي يستمد خاماته الشعرية، من معطيات الواقع وافرازاته الدالة، في عمق الاحساس الصادق ليزيل الغطاء عن صيرورة الواقع بظواهره المحسوسة واللامحسوسة، فحال اصطياده للحدث يقدح ذهنه بشحنات من التفكير والتأمل وهذا مرتبط بما تقدّمه مخيلته من قدرات تصويريّة تساعده في نقل تجربته وإحساسه إلى الآخر . كقوله:

أيها العابرون فوق جثثنا ..

ألا تتعبون من طحن عظامنا

أرغفة لجوعكم الأبدي ...

وفي مكان آخر يقول:

وأنتم توقدون عظامنا

لطهي ولائم جشعكم ..

ألا تتعبون من بيع جثثنا

في أسواق مصالح الدول؟

بأثمان لا تكفي لحفر القبور

وختاما نقول:

أن كل نص من نصوص الشاعر علي أبي رعد الدسمة تلتحم فضاءاتها الرؤيوية بتشكيلاتها البنائية، وفق ما تضمره من أبعاد دلالية واسعة، بل مترامية الأطراف، فكل تجل تشكيلي للداخل النصي ومكنوناته، لا يعدو إلا أن يكون مدار التجربة الداخلية والخارجية لذاته الشاعرة فهو يخوض في تلك المناطق العميقة من الذات في تقاطعاتها وتوازياتها وتماساتها مع العالم الخارجي والداخلي من خلال المحورين الداخلي (الوطن) والخارجي (الهجرة) عن طريق طاقة التجريب التي تتوجه نحو التشكيل لما لهُ من ملكة شعرية فائقة في الرصد والتقاط من اليومي المعاصر استنباطا، استقراءاً للأحداث التي ستحصل . فألف تحية لانجازه الجميل هذا وما يقدمه دوما من نصوص ناضجة لها قدرة التشظي والاختراق .

***

نزار حنا الديراني

توطئة: ثمة دوافع ذاتية تدفعني مغمورة بالأعجاب يعظماء وطني العراق المفدى أخزن في ذاكرتي (أرخنة) مولد ووفاة قادة الفكر العلمي والثقافي، ربما هي من أرهاصات كاتب يعشق رموز موطنه، فكان يوم 24ديسمبر كانون أول أستلمتُ أشارة من أعماق الذا ت المتعبة جراء  شتاء العمر الثقيل تقول: قم يا هذا وأقف أجلالاً (اليوم 24 ديسمبر كانون أول عام 1964 ذكرى الغياب الأبدي لأهم وأكبر شعراء العرب في القرن العشرين، هو الشاعر العراقي الكبير " بدرشاكر السياب "، يعتبر السياب أحد مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي، تعايش مع مزيج من المؤثرات البيئية والأجتماعية السوسيولوجية والتي أثرت في تشكيل الذات عند الشاعر التي هي: 

-الطبيعة الساحرة لأرياف جيكور الخلابة .

- مزاجاته المتغيرة في تغيير المكان .

- لم يصل لتجربة ناجعة مع حواء .

- أضطراب قراراته السياسية في تغيير المواقف الفكرية.

بيد أنهُ أباح عنها بأعظم القصائد دقة ورصانة وواقعية أبهرت العالم في أربعينيات القرن الماضي في كتابه المشهور" أنشودة مطر" التي تضم مجموعة من قصائد رائعة مثل: قصيدة غريب على الخليج، وأزاهير ذابلة، المومس العمياء، ومنزل الأقنان، وشناشيل أبنة الجلبي وقصائد أخرى تعتبر من ألمع الدرر في الشعر العربي الحديث منها: نهر الموت، جيكور، وبورسعيد، وكتبت عنهُ بعض وسائل الأعلام المنصفة: {إن السياب لا ينازع في عراقيتهِ الصميمة مع إنهُ لم يأخذ شيئاً من وطنهِ أثناء حياته من تكريم وتقييم . 

موضوع البحث:

محطات في حياة الشاعر السياب:

المحطة الأولى في حياة السياب المبكرة حين أواضحا أظهر أهتماماً واضحاً بالمذهب الرومانطيقي أحد المذاهب الأدبية الذي يولي أهتماماً كبيراً بالأنسان متأثرا بمفهومه الماركسي (الأنسان آثمن رأسمال) حيث تبنى النزعة اليسارية حيث أمتاز بها في هذه المرحلة المبكرة من حياتهِ وهو يعايش الصراع الطبقي في قريته جيكور البائسة وشظف العيش للفلاحين والشغيلة في عموم البصرة المحرومة التي عايشت النظام الشمولي والأستبداد وكم الأفواه لكن مع الأسف أتجه إلى النضال السلبي حيث الأحباط والقنوط وكره الحياة وعقد صداقة مع الموت في الهروب إلى الأمام كقصيدة حفار القبور، وقصيدة الموت يقول فيها:

يمدون أعناقهم من ألوف القبور يصيحون بي !

أن تعال

نداءَ يشقُ العروق، يهزُ المُشاش، يبعثرُ قلبي رماداً

أصيلَ هنا مُشعلَ في، الظلال

تعال أشتعل فيهِ حتى الزوال!

ولا شيء إلا إلى الموت يدعو ويصرخ، فما يزول

خريفَ، شتاءَ، أصيلَ، أفول

وباقٍ هو الموت، أبقى وأخلد من كل ما في الحياة

- المحطة الثانية: في هذه المرحلة حدث للسياب تحولا (فكري) بأتجاه قومي عروبي في ستينيات القرن الماضي حيث  المد القومي بزعامة الزعيم المصري عبدالناصر، فكانت قصائدهُ تقنع المتتبع الثقافي أن يقرأ هويتهُ القومية قصائدهُ عن الجزائر وفلسطين وقصيدة بور سعيد عام 1956الذي يقول: 

حييت بور سعيد من مسيل دمٍ

لولا أفتداءَ لما يغليه ما هانا

إن العيون التي طفأت أنجمها

عجلن بالشمس أن تختار دنيانا

وأمتد كالنور في أعماق تربتنا

عرسَ لنا من دمٍ وأخضل موتانا

- المحطة الثالثة: جل قصائده الأخيرة تحمل صوت أوجاعهِ ومعاناته حيث أصيب بمرض التدرن الرئوي والشلل النصفي وهو بعمر شبابي مبكر، أضافة لمعاناته المادية  في نفاذ أجازاته المرضية  وأجازة نصف راتب  بدت عليه المعاناة الأليمة وحمل تلك الرزايا صابراً محتسباً فأشعرهُ  (جن الشعر)  بقصيدة " سفر أيوب " المشهورة يقول: 

أأصرخُ في شوارع لندن الصماء

هاتوا لي أحبائي!؟

ولو إني صرختُ فمن يجيب صراخ منتحر

تمرُ عليهِ طول الليل آلاف من القُطرِ

لندن 28-12-19

أسلوب السياب الشعري ومدى تأثرهِ بأليوت وأبي تمام؟!

وقبل هذا أقول أن للسياب الأثرالأهم للتحوّلْ النوعي في خارطة الشعر العربي الحديث المعاصر وفي تيار الحركة الحداثوية الشعرية في تضاريسها وأدوارها:

-هو رائد الشعر الحر، بدأ بكتابة الشعر الكلاسيكي منتقلا إلى الشعر الحر لشعوره أن القديم لا يحقق مساعيه في أرهاصاته الداخلية في أعلان الحرب على الحرمان والفقر والموت، ولآنّهُ رأى في فلسفة الحياة مختصر الكلام (الصراع بين الفناء والوجود)، وأني أرى أنهُ ليس سوداوياً كما يزعم بعض النقاد لأنهُ بدأ بقصائد غلبت عليها الرومانسية متأثراً بطبيعة جيكور الخلابة ومفاهيم الحب وهو يقول في هذا المجال: 

أشاهدت يا غاب رقص الضياء

على قطرةٍ بين أهدابها؟

ترى أهي تبكي بدمع السماء

أساها وأحزان أترابها

وأفراح كل العصافير فيها

وكل الفراشات في غابها

- السياب أكثر رغبة في توظيف الأسطورة والرمز في النسيج الشعري للواقعية الجديدة، وبانت جلية في " أنشودة المطر " التي وظّف فيها أسطورة عشتار، يقول:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

وعندما نقرأ للشاعر الأنكليزي (أليوت)هو توماس ستيرنز 1888 -1965 هو شاعر وناقد ومسرحي وفيلسوف أنكليزي أظهر في نصيتهِ الشعرية الرمزية والأسطورية  ببعضٍ من الغموض والصعوبة، ويعكس التهاتف النفسي والحضاري لدى الأنسان الأوربي، وتوضحت فلسفتهُ الشعرية في قصيدته المشهورة (الأرض اليباب) The Wasta Land فالشعر الجيد في نظر أليوت هو قد يبلغ القلب قبل تمام الفهم، فهو من رواد الشعر الحر الأنكليزي، وقد تأثر به عدد كبير من الأدباء والشعراء والنقاد العرب، منهم على سبيل المثال لا الحصر: بدر شاكرؤ السياب ونازك الملائكة ولميعه عباس عماره ولويس عوض وصلاح عبد الصبور وجبرا خليل جبرا وأدونيس ويوسف الخال ومحمود درويش، فأصبحت القصيدة المعاصرة أكثر وأغزرها في تناول الأنسان المعاصر في تراثهِ وحضارتهِ وأحداثهِ التأريخية وقضاياه الآنية: هنا مفترق الحديث حيث يأخذ الشاعر الأوربي بأتجاه حضارته الأوربية كاليونانية  والرومانية والآخر في فضاءات الأدب العربي يتحه نحو جذوره التأريخية في بابل ووادي النيل، فشاعرنا السياب في الأربعينات كان واضحاً بمقارباتٍ نصية شعرية بما لدى(أليوت) من تركيز على التراث وأستخدام الأسطورة والرمز والأيحاء والأشارة التظمينية .

-وصراعات تغيرات المكان وأزماته الفكرية وشظف العيش وأفتقاده لحب أمرأة ضاعفت أشكالاته وتحولت إلى أزمة مزمنة نفّس عنها بقصيدة حنين لجيكور تعكس أستلابات المنفى والغربة والضبابية واليأس وبعضٍ من الشجون والأسى، ولكنه على العموم يطفح بالحنان والرقة ويتجه بها ألى (الرومانطيقية) تلك النزعة الأدبية السائدة في الأدب الغربي الأوربي وهذه بعض أبياتها:

{أه جيكور جيكور ما للضحى كالأصيل

يسحب النور مثل الجناح الكليل

جيكور ديوان شعري

موعد بين ألواح نعشي وقبري

وفي قصيدة أخرى يقول:

لا تزيديه لوعة فهو بلقاك

لينسى لديك بعض أكتئابه

قربي مقلتيكي من قلبي الذاوي

تري في الشحوب سرّ أنتحابهِ  . وأخرى:

ليت السفائن لا تقاضي راكبها عن سفار

أو ليت الأرض كالأفق العريض بلا بحار

متى أعود ؟ متى أعود؟

وا حسرتاه --- لن أعود إلى العراق ! .

- السياب رائد الحداثة الشعرية حيث لا يختلف أثنان في مدى شاعريته وجدارته في الأبداع الشعري بتعدد المستويات والمحاور، وكما تقول عنهُ الدكتوره ناديه هناوي في المنجز النقدي حول شعر السياب: (--- وكأنهُ متحف لكل ما عرفهُ النقد من مذاهب وأتجاهات أبتداءاً من التأريخية وأنتهاءاً بالبنيوية)أنتهى، حتى أصبح المنجز النقدي عن شعر السياب حالة نموذجية عصية الأستنساخ أطرتْ شخصنة السياب بالذات ويمكن أن يصطلح عليه أسم (نقد النقد) أو ما بعد النقد، وان رأي الناقد العربي أسعد رزوقي في كتابه الموسوم (الأسطورة في الشعر العربي المعاصر)الصادر عن دار مجلة الشعر اللبنانية: هو أنهُ يمكن الجمع بين خمسة من الشعراء العرب هم جبرا أبراهيم جبرا وأدونيس، وخليل حاوي، ويوسف الخال وشاعرنا بدر شاكر السياب، وأني أثني على رأي الناقد، لأن الأسطورة والرمزية تشكلان محور البناء النصي السردي لكينونة وصيرورة القصيدة السيابية والتي جاءت واضحة ومتماثلة مع الشاعر أليوت في توظيفه للأسطورة .

وهذه بعض أبيات من قصيدة (الأرض اليباب) لأليوت نرى واضحاً أستعماله تلك الأدوات الأدبية في الرمز والأسطورة وفوبيا المجهول الذي يسيرهُ الموت فتبدو متطابقة مع النصية الشعرية عند السياب:

دفن الموتى

نيسان أقسى الشهور، يتناسل الليلك في البريّة الميّتة، وتمتزج الرغبة في الذكرى، وتهتاج الجذور الشاحبة عطر الربيع، أية جذورٍ متشبثة هذه ؟ أية أغصان ؟ تنبتْ من هذه النفاية الحجرية، أخافُ من الموت بالماء، أرى حشوداً من البشر يسيرون في دائرة .

أنظر إلى السياب كيف يملي على شعره الرمزية التصويرية بالأستعانة (بالميثولوجيا) والأشارات التأريخية وهذه مطلع قصيدتهُ أنشودة المطر التي تعتبر أيقونة بارزة في الأرث الثقافي العراقي والعربي، وعليك أن تكتشف تلك المقاربات الفكرية في سير السرد النصي في شعر السياب وأليوت وأبي تمام:

أنشودة المطر 

عيناك غابتا نخيل ساعة السحرْ

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمرْ

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

وترقصُ الأضواء كالأقمار في نهرْ

أتعلمين أي حزنٍ يبعثُ المطرْ

وكيف يشعرُ الوحيد فيهِ بالضياع

بلا أنتهاء كالدمُ المراق، كالجياع

كالحبِ كالأطفال، كالموتى هو المطر

- وأن بدر شاكر السياب متأثر بالشاعر "أبي تمام" في نصيّة المفردات الشعرية بأستعمال الرمزية والأسطورة، وهذه بعض من بائية أبي تمام المشهورة، الذي ربما تأثر بها السياب وهي  قصيدة عموريا بالحقيقة  هي ملحمة شعرية أكبر من أن تكون قصيدة:

السيفُ أصدقُ أنباءاً من الكتبِ

في حدهِ  الحد بين الجد واللعبِ

بيضُ الصفائح لا سود الصفائح

متونهن جلاء الشك والريب

وأشعر أبو تمام في الحنين للوطن وقال:

نقّلْ فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحبُ ألا للحبيب الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يألفهُ الفتى

وحنينهُ أبداً لأول منزلِ .

أخيرا/ ربما قد تقارب الشاعر بدر شاكر السياب مع أليوت وأبي تمام في الرمز والاسطورة والحنين للوطن، بيد أن السياب تمكن من رسم شخصنته الشعرية المميزة وخاصة بأقتحامه للمنجز الأدبي العربي بنقلة نوعية من الرومانسية القديمة إلى عالم الشعر (الحر) الذي يلبي طموحات الأنسان في آماله وتأملاته الحياتية فالمجد لشاعر جيكور المجدد الحداثوي " بدر شاكر السياب " .

***

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

في كانون ثاني 2023

....................

الهوامش والمصادر/

- عبد الواحد لؤلؤة –اليوت أرض اليباب 1980  

- عبدالجبارداود البصري –بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر

- أسعد رزوقي –كتابة الأسطورة في الشعر العربي المعاصر

- بدرشاكر  السياب – قراءة أخرى – د/علي حداد 1998

- بدر شاكرالسياب –عبدالحسين شعبان –بيروت 1999

قراءة في القصة الوجيزة: شبّاك الليل للكاتبة اللبنانية خديجة كنعان

النص:

"شبّاك الليل

أمامَ شباكِ اللّيل، تجلسُ لتقضمَ قلبها قبلَ التّفاحة".

القراءة

إذا كان التكثيف هو الشرط الأهمّ الذي يعطي للسّرد الوجيز (القصة القصيرة جداّ) تمايزه عن الأجناس السردية الأخرى، فإن التكثيف ليس عملية اختصار بعدد الكلمات، ولا الإكثار من نقاط الحذف، والوقفات التي تقطّع الحدث، تجعل الحبكة عبارة عن مجموعة من القفزات الموزّعة بتباعدات كبيرة في الزمن السردي.

التكثيف هو ضغط الحكاية بأقصى طاقة، من خلال آلياتٍ وتقنياتٍ وأساليبَ إبداعيةٍ يبتكرها الكاتب لهذا باستخدام لغةٍ إيحائيةٍ مرنةٍ ومطواعة.

من هذه الأساليب: المشهدية، والترميز والإحالات الانزياحيّة المتنوّعة من التناصّ أو الاستعارة، وكل ذلك يتطلب مهارةً عاليةً من الكاتب، ودرايةً بأساليب البلاغة، والأهمّ من ذلك، فكرٌ شموليٌّ يجعل الكاتب في حالة همٍّ دائمٍ بقضايا كونيّة أو فلسفيّة، أكثر اتساعاً وأشدّ عمقاً، تتجاوز السطحيّ والمبتذل، ولديه من الثقافة الموسوعية في الفلسفة والأسطورة والفنون المختلفة، ما يجعله يطوّع اللغة ويضغط الموضوعات الكبيرة بجمل قليلةٍ مشحونةٍ بالدلالات.

تفكيك الرموز:

"أمامَ شباكِ اللّيل، تجلسُ لتقضمَ قلبها قبلَ التّفاحة."

بجملتين صغيرتين، تعرض الكاتبة قصةً وجيزةً جداً، بشكل صورة مشهدية التقطها خيالها من نهر الحياة، لتحمّلها أفكاراً عميقة، تصل، في بعدها الزمني، إلى بداية الخلق، إلى الزمن الأول الذي تمايز فيه الذكر عن الأنثى، آدم وحواء، وفي بعدها الدلالي إلى آفاق تأويليةٍ لا تنتهي.

من خلال فكّ رموز النص، وتفكيك تناصّاته للوصول إلى دلالاتها، وبالتالي

شباك الليل:

شباك، أو نافذة، هي الفرجة الصغيرة في الجدار، ينفتح على المحيط الخارجي، وهي كلمة ذات أبعاد دلالية كثيرة.

الشبّاك هو الحاجز الشفّاف، يفصل بين ما هو داخليّ وما هو خارجي.

الشباك هو نافذة السّجن، رمز للتوق إلى الحرية، ليكون من الأجدى أن تدعى نافذة الحريّة؛  شبّاك الحلم.

هو البرزخ الصغير يفصل بين حياتين، حالتين، زمنين....

أما الليل، فله دلالاتٌ تصل إلى زمن الأسطورة، الليل في الأسطورة الفرعونية يرمز إلى الموت... العدم.

الليل هو السكون، الصورة النقيضة للنهار الذي هو الحياة، بكل ما فيها، من صخبٍ ومشاعرَ متناقضة، وألم { وجعلنا الليل لباساً. وجعلنا النهار معاشاً} (سورة النبأ، الآيتان 10ـ 11 ). ليكتمل المشهد في الجملة التالية: تقضم قلبها قبل التفاحة.

"تقضم قلبها"، انزياح استعاري مهمّ جداً؛ يقضم المرء قلبه، صورةٌ تدلّ على أقصى الألم، أو أقصى الندم، أو انتقاماً منه لطيبته وحبّه لمن لا يستحق؛ ولكن أن تربط ذلك بالتفاحة، فهي إشارة تزيده أهمّيّةً، تجعل الأسئلة تتوارد ليكمل القارئ إكمال النص حسب تجربته...

تفاحة حوّاء التي تقول القصص أنها أنزلتها وزوجها من الجنة، وبسببها وُصمَت حواء بالإغواء،  وحمل آدم الخطيئة، وبها بدأ تاريخ البشر، تاريخ الرجل والمرأة، وصراع الأخوين الذي أودى بحياة هابيل بسبب حبّ امرأة.

هل تنتقم البطلة من حواء الطيبة التي بداخلها، والتي حمّلتها الأسطورة وزر الخطيئة الأولى؟

هل تحاكم حوّاء التي بداخلها، التي خضعت لإغواء شيطانها، كما فعلت حوّاء الأولى؟

هل؟ وهل وهل....

بذلك تكتمل المشهدية وينتهي النص، وبانتهائه تبدأ الحكاية/ الحكايات، التي يولّدها كلّ قارئ، بتأويله الخاص لدلالات النص وإيحاءاته.

***

منذر فالح الغزالي

بون 23/12/2022

التبئير الصفري وتمثيلات ما وراء المفترض العجائبي

الفصل الأول ـ المبحث (1)

توطئة:

أن آليات الحد الفاصل ما بين المتخيل المفرط والواقع المتخيل عن طريق وسائل المحاكاة لأجل بلوغ علاقات الأحوال الذاتية والموضوعية بوسائط مقاربة في مشتركات دينامية وتواترية وتمثيلية على نوح ما من جوهر المنظور التقاربي ما بين ثنائية (المتخيل المفرط ـ الواقع المتخيل) قد تبدو لنا من المحفزات الموضوعية والوظائفية الجادة التي تصب في حصيلة الإمكان المفترض بطريقة ما يمكننا عدها مسافة متسعة من إحالة الأحوال الموضوعية إلى أوضاع عكسية من الرؤية والمنظور المتخيل الذي يهم لذاته قراءة ورسم عوامل وعناصر الواقع المتخيل الذي إلى نزعة ترفارقية وغرائبية من معالم رؤية وثيقة الصلة بنزعة الأشكال المتخيلة المتخيلة في الإقرار العجائبي في اللامعقول أو اللامحسوس.تواجهنا وقائع رواية (انقطاعات الموت) للروائي البرتغالي القدير جوزيه ساراماغو ـ ترجمة صالح علماني، بذلك النوع من الاختلاف المتخيل، وإذا أردنا تصنيف هذا النوع من الروايات، فحتما سوف نضعها في قائمة (المتخيل: المفرط ـــ العجائبي ــ ما وراء المفترض) ولعل من أكثر السمات الجمالية اقترانا بهذه الرواية، هو ذلك الفضاء وقدراته على تكثيف المساحات من اللازمن في تفاصيل مكوناته التراتيبية المنقادة نحو خلق الأسباب والعلل المفترضة من خلال درجات متماهية بالدقة والانتقاء بمثيرات البناء والأسلوب ذات البعد التمثيلي المحبوك.

ـ التبئير الصفري والارتداد بالزمن ما قبل النص:

منذ بداية المستهل السردي، ونحن نعاين بأن هناك حالة من الاشارة إلى (السابق الزمني) أي بما يعادل وجود السرد في درجة صفرية من قبل بدء الأحداث في الرواية: (في اليوم التالي لم يمت أحد./ص9 الرواية) هذه الوحدة من شأنها الإحالة إلى ذلك الزمن الدائر خارج حدود مؤشرات وتعيينات تمثيلات المشاهد والوحدات في الزمن الروائي، فلا أدري هل كان شريط الذاكرة الحكائية هو من التداخل في سابقية النص باللاحق منه أم أنها حالة من حالات التبئير الصفرية في مستعاد ذاكرة الراوي.نفهم من ذلك ربما أن ساراماغو أراد من خلفيات زمن نصه، خلق حالة الامتداد الموضوعي للظاهرة الروائية في محددات نصه، وما قصدية الاسترجاع الزمني بالملفوظ، إلا كعلامة أو إحالة ظرفية تحقق للنمو الحدثي ــ شكلا وإطارا - من الإسناد الموضوعي، الذي كان يوضح لمركزية العلاقة بين السابق واللاحق من حكاية غياب الموت دليلا.

1 - الفناء العضوي للموت: رؤى مقترنة بالزمن والفضاء:

ان حالات موضوعة (غياب الموت) في دلالات رواية ساراماغو، هي من الإثارة اللاذعة في معايير المنطق للوحدة الوجودية، فما دام هناك ولادة فلابد من أن تكون بالمقابل منها حالة موت. طبعا لا نود هنا إثارة حزمة من المغالطات الموضوعية في حق الرواية ودلالاتها التي كان الغرض من ورائها هو التجربة الفنية الجمالية ومعانيها التي تلتقي مع فردية الفكرة والتجربة معا.خصوصا وان حال لسان السارد العليم كان بمثابة الحاكي والراوي لجل أحداث البدايات في النص الروائي. أردت أن أقول ان حالات (الفناء العضوي للموت) في دالات المساحة النصية، هي جملة مقومات صورية ـ شكلية، وليس لها من علاقة سياقية ثابتة في حدوث انقطاعات الموت، أي بمعنى ما ليس هناك معايير استثنائية في حصيلة الحياة دون حلول الموت فيها، خاصة وأن الأمر كان متعلقا بأرض دون سواها.إذن الفكرة هنا جاءت في حدود نسبية وغير مستقرة على كافة الأمكنة في وجه العالم، وبما أن حدود المنظور نسبيا، فلا يمكننا عد الفكرة كرواية بمثابة الولادة التفردية في خلق حياة دون موتا ما، حتى وان كانت مجرد حالة انطباعية الغرض منها تجديد ممارسة خاصة في الرؤية الروائية.وعلى هذا النحو جاءتنا الأحداث السردية من خلال صوت ضمير السارد العليم، كوجهة نظر مبأرة تسعى إلى خلق إمكانية ما في استحداث جملة تمثيلات في الصور والمكونات والأطر التأملية في حالة غياب الموت وانقطاعاته عن بيئة تلك المدينة: (إذ يكفي تذكر أنه لا وجود في مجلدات التاريخ الكوني الأربعين لخبر واحد، ولو عن حالة واحدة، بأن ظاهرة مشابهة قد وقعت ذات مرة، وأن يوما كاملا قد انقضى، بساعاته الأربع والعشرين العجيبة كلها، محسوبة بين نهارية وليلية، صباحية ومسائية، دون أن تحدث وفاة واحدة بمرض، أو سقطة قاتلة، أو انتحار مكتمل حتى النهاية./ص9 الرواية) يتضافر مع صوت مسرودات السارد العليم، ذلك التوتر المفترض على مستوى البحث والتقصي على مواقف مشابهة في بطون مجلدات التاريخ، وهذا الأمر حل بصورة جعلت تستنطق حتى أرباب الأساطير اليونانية القديمة، التي كانت الإلهة الوثنية مسؤولة عنها في الممارسة واللإثبات المفترضان.قلنا سابقا أن حالات انقطاعات الموت، هي بمثابة الرؤية المخالفة للرواية النمطية في أسلوبها الموضوعي السائد، لذا فإن مؤشرات دلالات رواية ساراماغو جاءت في حدود قولية مستحدثة في ابتكار الموضوعة الروائية المتفردة، وهذا الأمر لا يخولنا إلى الاعتقاد من أن مشاهد الرواية قد لا تصل إلى الحدود القصوى من تعليل هذه الظاهرة الكونية الملفتة، بقدر ما جاءت المشاهد الشخوصية تعبر عن أحوال تنقلاتها وكيفية إخفاء ترحيل المرضى نهائيين عبر الحدود الدولية، حتى يشملهم الموت هناك بحسن أخذه إلى أرواحهم المعذبة: (كانت الأسرة المالكة تقف بتراتيبها حول السرير منتظرة باستسلام إطلاق الأم الكبيرة زفرتها الأخيرة، ربما بضع كلمات ــ فالملكة الأم لم تتحسن ولم تزدد سوءا بل ظلت كالمعلقة، جسدها الهش يتأرجح على حافة الحياة./ص11 الرواية) .

2 ــ رؤية الأشياء من منظور الراوي المضطرب:

يعتقد الروائي أن بمقدور سارده العليم، من خلق الحساسية والانطباعية، مقابل ما يجري من تصوير المروي عنه بالملاحظة والتعقيب وإبداء وجهة النظر.ولكننا لاحظنا بأن أغلب مسرودات السارد قد غلبت عليها مظاهر القسرية والاضطراب في بعض مواقف الوحدات، فهو مقيدا بوسائل الإيصال من خلال حالات الملكة المشارفة بمرضها إلى حافة آمنة من اللاموت، وثمة أخبار راح يتندر بكشفها حول هيئات حكومية تسعى إلى الأخذ بزمام شواذ ظاهرة انقطاع الموت عن الناس.أقول أن الوقائع في الرواية تحدث على مسرح من المباغتة والغبطة، كما وتتميز بالطابع المباشر للعرض المسرودي.إذ إن الحكاية الروائية هي تمثل خلاصة عجائبية من فكرة تذكرنا بأدب الملاحم و الأساطير والفنتازيا، لذا فإن المسند الواقعي لها يكمن في إشكالية خاصة من الإيهام الكثيف بالواقع اللامصدق دلاليا.

3 ـ عزوف الموتى وعطل آلية الموت:

تتميز مشاهد وأخبار وأوصاف رواية (انقطاعات الموت) بأسبابها اللامعللة، أو تلك الأحداث الممسرحة ـ إخبارا ـ دون مواجهة حقيقية من ذلك الحدث الكوني المفترض ومبرراته الفجائية.تطالعنا أغلب مشاهد الرواية بنقل جملة التوترات الحاصلة في دائرة الطبقة السياسية من درجة الوزراء وحتى رئيس الوزراء، وكيفية تداولهم لهذا الأمر الشائك، الذي أصبح يشكل هزة اقتصادية قبل أن نقول أزمة سياسية ما نادرة من نوعها: (في البيان الرسمي الذي بث أخيرا، بعد أن تقدم الليل، أقر رئيس الحكومة بأنه لم تسجل حالة وفاة واحدة في كل أنحاء البلاد منذ بدء السنة الجديدة، وطالب بالاتزان والاحساس بالمسؤولية في التحاليل والتفسيرات./ص16 الرواية) هكذا تبعا تحيلنا وحدات المسرود إلى مشاهد غاية في التضعيف والآهلية إلى أن أمر هذه الانقطاعات للموت، قد أحدثت بلبلة سياسية واقتصادية ساحقة، ولكن يبقى السؤال مطروحا حول مدى مسببات انقاطع الموت هذا؟فهل أراد ساراماغو من خلال عقدة هذا الموت الكشف عن درجات سياسية ما قد اشتد لغطها في عدم حدوث الموت لأفراد البلاد مثلا؟أم أن الروائي أراد اقتناص لنفسه تفاصيل حركة موضوعة عجائبية تتصل بأقصى مستويات المصير الجماهيري مثلا؟.نلاحظ أن هناك ثيمات خاصة تتعلق بالجانب السياسي بأمتياز ومنها ما يتعلق بالجانب الديني للكنيسة: (فبدون انبعاث لا وجود للكنيسة ــ تأكيد ذلك فكرة مدنسة للمقدسات - تقبلت إمكانية أن يكون خلود الجسد مشيئة من الرب ./ص17 الرواية) ان عملية تعقب وتفحص وملاحقة مثل هذه الواردات، يعكس لدينا شعورا بأن الحكاية الروائية تتقصى حقائق عديدة وجهات مختلفة فيما تعنيه ذلك الإقرار الاعتقادي من رئيس الحكومة بأن توقف الموت له عدة مآخذ في سقوط العديد من قيم الكنيسة والحكومة في ذاتها أيضا.إذا نكتشف من وراء هذا أن عملية توقف الموت هي عملية تصب في الخسران الاعتقادي لأولئك الساسة في الحكومة، وهذا الأمر بدوره ما سوف يلحق الدولة أجلا.

4 - أطروحة الموت المؤجل وفرضية الحياة إلى الجسد مدادا:

اللافت للنظر في مداليل بنية رواية (انقطاعات الموت) أن الرواية تكشف المخارج التي تتعلق بالطبقة السياسية، وذلك ما يكشفها لنا حال وأحوال الحوارات المطولة بين رئيس الحكومة وذلك الوزير للصحة.حوارات على مستوى استحالة أن يكون الموت مؤجلا أو معطلا حتى، وما يهمنا أكثر هو الغائية التي نستشفها من فحوى هذا النوع الجدلي من الحوارية.فالاستباقات في أغلب تحفظات النوع الحواري بين طرفي (رئيس الحكومة ـ الوزير) يكشفان لنا النوايا والمقصديات السياسية في حسابات الدولة لو قدر أن الموت قد توقف فعلا عن هذه البلاد فما حال مصيرنا الاقتصادي؟ببساطة شديدة أن هذا النوع من الأسئلة والمداخلات تسلط الضوء على حقيقة أن الساسة في الدولة لا تعنيهم مقدرات المشاعر والاحساس بفقد الأحبة من الناس، بقدر ما تتكاثر لديهم مقادير الخسران والربح: (لاحظ كيف يكون لأسئلتنا في آن واحد، هدف ظاهر للعيان ونية مخبأة في الخلف./ص19) وعلى هذا النحو وغيره، تنكشف لنا ثمة علامات حماسية مبعثها الأول الصوت السياسي في أحسن الأحوال، كما اعتبرها البعض الآخر من أفراد الشعب صيحة وطنية في نحو الاستقامة مع طول الحياة دون موت، الأمر الذي جعل العديد من شرفات ونوافذ البيوت مزحومة برفع الرايات الوطنية عاليا، وكأن الأمر أضحى متعلقا بحرب ضد خصم سياسي، وهذا ما لم أجد له أدنى تفسيرا أو تأويلا في بعض الأحداث الروائية، لعل الروائي كان يتقصد عملية انتقال الفرد من مخاوفه للموت الطويلة إلى أحياء حياة منتصرة على ذلك الموت المؤجل في البلاد، ودون معرفة الأسباب الكونية حتى.

5ـ نسبة المصنف الشخوصي في عوالم خلود الحياة:

إن من الحالات الأشد التفاتا وملحوظية في مسار التكوين الروائي، هو عدم وجود العناصر الشخوصية المحورية في خط بدايات النص الروائي، كما أنه ليس هناك أية إشارة واضحة تتعلق بأفعال شخوصية لها من العلاقة السردية في مكونات زمن الحكاية وزمن الخطاب، فقط هناك اقتصارا على بعض من الشخوص القائمين في سياق عابر ونسبي، كحال الأشارة حول نقل المرضى النهائيين إلى المواطن الحدودية لأجل اكتسابهم علاقة تنفيذية مع الموت، وعندما ازدادت الأمورأكثر تعقيدا أمام الوكالات الخاصة بالجنائز ودفن الموتى، توصلوا بعض القائمين عليها بعد فقدانهم أجساد الموتى الآدميين بـ (اجبارية دفن أو إحراق جثث كافة الحيوانات المنزلية التي تموت موتا طبيعيا أو بحادث، وأن يكون انجاز أعمال الدفن تلك إجباريا./ص26 الرواية) كما ولم يختلف الأمر مع مصالح إدارات المستشفيات فقد أصبحوا يضعون في الأماكن المكشوفة في ردهات وممرات المستشفيات بعض المرضى، نظرا إلى تضخم أعداد المرضى ودون إمكانية معافاتهم أو موتهم، لذا قررت الجهات الوزارية إلى نقل كبار السن إلى ذويهم: (ما الذي سنفعله بالمسنين إذا لم يعد الموت موجودا ليقطع عليهم ولعهم المفرط بالحياة المديدة./ص29 الرواية) .

6 ـ بيوت الأفول المديدة:

لعل أهم ما يمكننا إعادة ذكره، حتى لا نكرر كل ما قلناه في مباحثنا الفرعية السابقة، هو أن ما دار بين رئيس الحكومة وذلك الوزير حول شركات التأمين التي تتقاضى بدورها أجورا في رعاية كبار السن: (الوصول إلى اتفاق بالتراضي، اتفاق جنتلمان،  يتمثل في تضمين البوالص بندا موجزا، يقر فيه سن الثمانين للموت الإجباري، بالمعنى المجازي طبعا./ص34 الرواية) من اللافت أن الروائي كان يسعى إلى تقديم حقيقة مرة حول مصائد الحكومات وحتى في أشد الظروف عسرا، فهو من خلال ثيمة انقطاعات الموت، راح يكشف لنا عن أقنعة الحكومات ولسانها المعسول بالسم.ومن شأن مثل هذا التصور تنقلنا تصورات أخرى في مجلس اللجنة المختلفة التي تضم جل الأديان والمذاهب والفلسفات المتشائمة والمتفائلة وحقيقة ما دار من الجدل والشجب في مجلس هذه اللجنة بين الآراء المتضادة في بعضها البعض،  ما هو خلاصته بأن الموت أفضل من هذا المصير الذي عليه حال مناقشات هذه اللجنة.

ـ الموت ومرسلات الأمكنة بإرادة الأداء المفترض:

تتخذ الأسلبة التثاقفية في مسار الفصول الأولية من رواية (انقطاعات الموت) ذلك اللبوس الحجاجي المموه بأشد مؤثرات الحوارية الشكلانية التي تتم من فوق طاولتها مستويات عسيرة من المقادير المتصلة بشتى آفاق استراتيجية الخطابات الحوارية الانجذابية في الملفوظ والتلفظ.ومن بين كل الأطر والتأشيرات في مسار الزمن الروائي، تبرز لنا تلك الأسرة الفلاحية التي أختارها الروائي لأجل أن تكون بمثابة الواقعة المحفوفة بضمائر المتكلم والمفرد والمخاطب: (ففي قرية لا على التعيين، على بعد كيلو مترات قليلة من الحدود مع أحد البلدان المجاورة، كانت تعيش أسرة فلاحين فقراء، لديهم لسوء خطاياهم، ليس قريبا واحدا، وأنما قريبان أثنان./ص39 الرواية) لا يحاول الاسلوب الروائي أن يفرض ثمة محددات من التوصيف الفردي حول عوامل ومصنفات الوحدات الشخوصية في السرد، بل أن أوجه التبئيرات حلت في احياز جزئية، يخال لمن يتعرف عليها وكأنها جملة صور عابرة ومبعثرة في زوايا تفاصيل هامشية ونسبية، هذا حتى وأن يتسع أمر التوصيف في بعض الذوات الشخوصية نجدها لا تشكل أكثر من وقفات إحالية نحو مسألة خاضعة للضمير الجمعي اللامحدد في الكينونة والمكان والزمن.

-الملامح الشخوصية ومصيرها في فضاء المدافن الحدودية:

يبدو أن آليات توظيف العوامل الشخوصية عبر أبعادها التفعيلية (الفاعل المنفذ ـ فاعل حالة ـ فاعل مرسل) تعد من الأسس في بنية محاور الأداء السيميائي، غير أننا واجهنا في متون الفصول الأولى للرواية (انقطاعات الموت) ذلك التخصيص النسبي أن لن نقل الهامشي إلى دور الأفعال الشخوصية.فالروائي ساراماغو يعول على ضمير المتكلم للراوي في متونه السردية، وإلى درجة إشكالية من وحدات العلاقة بين خصائص البنية الشكلية في النص، فهو يتبع صوت السارد في التدرج في أعماق الأحداث وعرضها المتواشج بروح وجهة النظر لذلك السارد، وصولا إلى تشييد الأحداث ضمن حدود متقاربة ومتباعدة عن نقطة وقائع النص نفسه: (رفع عينيه إلى السماء، ولم يجد كلمات يرد بها إلا القول أننا جميعنا بين يدي الرب وإن الرحمة الإلهية لا متناهية:أجل، يمكن لها أن تكون لا متناهية، ولكن ليس بما يكفي لمساعدة أبينا وجدنا على الموت بسلام ولا لإنقاذ الطفل البريء المسكين./ص39 الرواية) .

1ـ تبئير داخلي معدول بصيغة الخارج الخطابي:

أن الملاحظ في هذا النوع من وحدات الرواية، عندما ينفصل صوت الشخصية إتصالا بصوت الراوي، يلتفت إلى صوت الخطاب الذي بدا منقولا عن حضور مستوى المسافة الواقعة بين وعي (السارد ـ الشخصية) وقد ينوب صوت الخطاب عن الشخصية ذاتها في نقل تصوراتها وملفوظها الموصول بمنطوق صوت الخطاب على نحو غير مباشر وصولا به بالواقع والاقتناع بأنه صادرا عن صيغة مضارع الشخصية وليس بضمير المتكلم عبر زمن الشخصية.ومن الجدير بالذكر أن نوعية مثل هكذا خطاب يكون في مجمله قصيرا يقتصد فيه الكلام على سمات قولية واحدة في الوحدة والعلاقة والدلالة.وبما أن الزمن الشخوصية في سياق الرواية مشكلا في منطوق وحدة معبرة عن حركية محددة، وجدنا تسلسل الأحداث الزمنية كحالة متداعية في التركيز والأرتكاز، أي بمعنى ما فعالية العامل الشخوصي تشكل معلما في ترتيب الصيغة الجمعية للزمن والمكان واحساس الراوي، وبسبب هذا وذاك عاينا طبيعة التوظيف للشخوص في الفصول الأولى من الرواية حيث بدت وكأنها ملامح مطموسة في بيئة مشخصات الراوي وسلطته الكلية.

ـ تعليق القراءة:

أن القارىء إلى مداليل وآليات وثيمات وحبكة ودلالات رواية (انقطاعات الموت) عبر فصولها الأولى ربما يترسخ لديه الاعتقاد الأولي بأن الراوي جوزيه ساراماغو يوغل ذاته التأليفية في نمط موضوعة متصلة إلى حيز الأدب العجائبي أو الفنتازيا المستحدثة في أطر مفتوحة من التصورات والتخييل المتجذر بمحاولة الكشف أو التمويه عن منظومة سياسية أخذت تمارس أفعالا برغماتية في ظل خرافة مضللة من مفهوم ودلالة انقطاع الموت. طبعا أن الروائي يمتلك حرية اختيار موضوعته الفنية متى شاء لذلك مرادا، ولكن الحلم بالموت لا يؤهل أحداثا روائية في حضورها الإمكاني كتجربة خاصة ومتميزة، وذلك لأن دال الموت لا يمكن الفسح إليه بمساحات موحدة من الظروف والأوضاع الزمنية والمكانية والذواتية حتى وإن كان الأمر في صناعة رواية، بل بالعكس لو كان الأمر في بناء قصة قصيرة لكان الأمر قد هان نظرا لسقفها الزمني المضغوط بالإيجاز والإيحاء.ولكن عندما تكون فكرة الموت وعبر زمنها اللامعلوم دليلا على ثيمات الحكي في مجال الرواية، فلا أتصور من جهتي أن تكون هذه الرواية إلا محض كابوس للراوي وصوته الجماعي المقرون بمصادفات العجائبي.

***

حيدر عبد الرضا

الرواية توثّق ما جرى من أحداثٍ ومعاناة داخل فلسطين ومخيمات اللجوء، بدءاً من زمن النكبة وبداية الإحتلال والتهجير، وصولاً الى زمن نكسة العام 67، فأتت على شكل بقايا صور عالقة في الذاكرة، أوردها الكاتب على لسان عدّة رواة بدءاً من الجدّ والجدّة مروراً بالأب والأم وإنتهاءً بما عايشه الراوي الشاب، والمُلفت في هذه الرواية أنّ الكاتب تَفَلتَ من ذكر الأسماء لهؤلاء الرواة، وكأنه بذلك يقول أن ما ورد على ألسنتهم هو لسان حال كلّ فلسطينيّ وفلسطينيّة عايش تلك المرحلة، فالمعاناة واحدة، وقد طالت شظاياها كلّ نسيج المجتمع الفلسطينيّ آنذاك..

"مفاتيح البهجة" وإن كانت تشير إلى الواقع الفلسطيني إبّان النكبة وما تلاها، إلّا أنّ ما يُسجّل للكاتب، أنّه بالرغم من تلك المآسي والعذابات التي وقعت على الشعب الفلسطيني، فقد جاءت كتابته لها بأسلوبٍ ولغةٍ رصينةٍ هادئةٍ وهادفة في آنٍ معاً،ّ بحيث تستفزّ القارىء وتحثّه على الإيمان بالأمل وبغدٍ أفضل، وتدعو الى ضرورة التمسّك بحقّ العودة مهما طال الزمن ومهما أُسيء التعامل مع تداعيات الأزمة. فقد تضمّنت فيما تضمّنت ما يشبه القراءة الموضوعيّة وشبه السياسيّة لمُسبِبَات هذهِ النكبّة وما تمّ التعامل مع تداعياتها بما هو دون المرتجى.

من المسلّم به أنّ الأدب هو وليد بيئته أو هكذا يجب أن يكون، فللأدباء والمثقّفين دورٌ مهم وأساسيّ في الإضاءة على قضايا المجتمع، وهذا حال معظم الأدباء الفلسطينين الذين كتبوا عن الحرب والنزوح وآلام اللجوء والشتات،وأيضاً عن الأمل والصمود والوعد بانتصارٍ قادم. وبهذا يكون الأديب محارباً ومناضلاً ثقافيّاً يعمل على نشر الأفكار الإيجابيّة والبنّاءة، وتكون الأعمال الروائيّة والأدبيّة الفلسطينيّة عبارةً عن ما يُسمّى "النضال بالأدب"، ورزاية مفاتيح البهجة تندرج ضمن هذا الإطار.

هي ليست مجرّد رواية تضيء على الهَمّ المجتمعيّ المقهور، وألم المعاناة في مخيمات التهجير، بل إنّها روايةٌ تناضل بالكلمة، وتواجه بالأدب. وإن كان القلم والخيال يبدوان أسلحةً ضعيفةً وهشَّةً في مواجهة آلات التدمير ووسائل الفتك، إلّا أنّهما حتماً سيكونان الأصلبُ والأقوى، ففي البدء كانت الكلمة والبقاء حتماً سيكون لها.

بإستذكار الماضي الجميل قبل النكبة، تبدأ الرواية لتصف لنا الأمّ مواسم الزرع في مجدل عسقلان، حيث المواسم كانت تُفرح الكبيرَ قبل الصغير، وكيف أن من بين الطقوس والعادات في عسقلان  تسمية أسابيع شهر نيسان الأربعة بأسماء ودلالات معينة، فالجمعة الأولى منه  تُسمّى التائهة، كونها تمثل بداية الشهر، والثانية النبات، وفيها تكون الأرض قد استكملت زينتها، والثالثة مُخصّصة لزيارة القبور والتّرحُم على ألأموات، واستجداء عطف الخالق في شأن مخلوقاته، أما الرابعة والأخيرة فسُمّيت بالحلوات، نسبة لما يجري من ابتهاج، ولما يُصرف فيه على صناعة الحلويّات.

كثيرةٌ هي المحاور والمفاصل التي تطرّق إليها الكاتب، ولو بإشاراتٍ مختصرةٍ أو عابرة، فقد تحدّث عن مسألة النزوح واللجوء وعمليّات التهجير، وكيف لم يغِب عن الفلسطينيّ الشعور بالأمل، وأنّه سيعود يوماً إلى موطنه، لذا فقد كان حريصاً على الإحتفاظ بأوراق الطابو ومفاتيح البيوت. وأيضاً كان للمجازر والإنتهاكات التي مارسها المحتّل حيّزا لا بأس به، ولكي لا ننسى ما تعرّض له شعب فلسطين من نكبات، يُعيدنا الكاتب إلى وصف بعض ما جرى وما ارتكبَهُ المُحتلّ من مجازر، ففي مجزرة خان يونس مثلاً كانوا يدفعون الأبواب ويُسمَع صوت الرصاص، وصراخ من يهوون خلف الجدار لتنجلي هذه المجزرة عن أكوام من الشهداء والجرحى.

هذه النكبة التي تعرّض لها الشعب كان لها تداعياتها المُرّة على ظروف حياته اليوميّة والمعيشيّة اضطرّته للإنتظام في طوابيرَ أمام مكاتب الاونروا طلباً للحصص الغذائيّة وبطاقات التموين، وقد إستفاض الكاتب في توثيق عذابات العيش في مخيّمات اللجوء، والفُتات الذي تقدّمه وكالة الاونروا المعنيّة ببرنامج غوث وتشغيل اللاجئين التابع للامم المتحدة، فتحدّث عن الطوابير التي تنتظر أن يُكال لها الإعاشات، أو أن تُمنح صُرّة من صُرر الملابس المستعملة.

لقد أثبتت الأيّام ماضياً وحاضراً، أنّه عند تفلّت الأوضاع وانعدام الأمن والطمأنينة، عادةً ما نجد بروز ظاهرة الإنتهازيّين والمستفيدين، الذين يخفون حقيقة وضاعَتهم خلف قناع الثورة والإدّعاء بمساندة القضية، كما تبرز ظاهرة الخيانة والتعامل مع المحتلّ وإستغلال الظروف، وهذا ما جسّده الهوّاري الذي نعم بظروفٍ معيشيّةٍ أفضل من بقية جيرانه، وما حفلة طهور ولده ومظاهر البذخ والترف، سوى دليل على ذلك، وقد إستطاع هذا الهوّاري أن يُقنع الجميع ويوهمَهم بأنه الفدائيّ المغوار، وما هو بالحقيقة سوى سارق البرتقال الذي  يبيعه من خلال شبكة توزيع متمثّلة بكمال الخبّاز والمرأة ربيحة، هذا الهوّاري مع رفقته، كانوا أول الذين إرتموا في الماء وتعلّقوا بحافّة المركب للهرب من المواجهة، وأيضا نجد السلّال المغربيّ الفقير الذي زرعه المحتلّ ليكون عيناً له لمراقبة سكان الحيّ، عاش وسطهم، وبعد دخول المحتلّ وإقتياد الشباب وإعتقالهم، إختفى ولم يُعرف مكانه، هذه النماذج التي يمثّلها الهوّاري والسلّال وممارساتهم هي التي أدخلت الشكّ قي نفوس الناس وجعلت والدة الحنتوت تُمسك بخصلةٍ بيضاء من مقدّمة شعرها وتهزّها، وتصيح: - أقصّ شيبتي إن رجعتوا للبلاد.

غالبا ما نجد أن  معظم الكتابات الفلسطينيّة تقارب بشكل أو بآخر ظاهرة العمل الفدائيّ، وفي روايتنا هذه إشارة ولو بشكلٍ عابرٍ إلى بداية العمل الفدائيّ الذي جسّده كلٌّ من الفدائيّ سرحان الذي أستشهد وهو يقاوم، وأيضاً معلّم اللّغة العربيّة الذي أسس لبداية التظاهرات وواجه المُحتلّ وإستطاع النجاة من قبضته، ولم يجد الإحتلال وسيلةً للإنتقام منه سوى بهدم كوخه وتشريد عائلته، أضف إلى هذا، الإعلان عن تأسيس جيش التحرير وتدريب الأفراد وتوزيعهم إلى كتائب، لكن غياب التنظيم وسوء التواصل بين المجموعات كان ظاهراً للعيان وهذا ما عبّر عنه الضابط وهو ينادي يا قيادة يا قيادة ولا من مجيب، فألقى بالهاتف أرضاً، هذا الضابط الذي إستشهد لاحقاً بعد أن نصب وسط الشارع رشاشه، وهو يُقسِم  ألا يمّروا، ولما جاءت الدبابات ظلَّ يُطلق النار حتى اخترقت القذيفةُ صدرَه.

ويبقى الأمل والإتّكال على الذات هو الدافع والمُحفِّز للبقاء والتشبّث بالحقوق، ووحده والد الراوي الشاب من كان يملك رؤيةً ثاقبة وواضحة لما يجري، ولم تكن تقنعه الظواهر والبيانات الإعلاميّة الآتية من صوت العرب، حيث كان المذيع  يفاخر بأنّ طائرات العدّو تتساقط كالذباب، أخفض صوته ونكّس رأسه  وقال إنتهينا، وأكملَ عندما هجّرونا كانت ذات اللّغة، لتلتقط زوجته  جهاز الراديو متوجهةً إلى ابنها قائلة: خذه إلى مُجَمّع الزبالة.

أمام هذا التخاذل الذي ظهر في عدم النصرة الحقيقيّة للفلسطينيّ، يبقى الأمل معقوداً على هذا الشعب نفسه، فما حكَّ جلدك مثل ضفرك، ولذا فإنّ والد الراوي يدعو للإعتماد على النفس وعدم انتظار المعونة من أحد، يقول:" لا تنتظروا أحداً خارج حدودنا .. تناسلوا فقط .. املؤوها من البحر إلى النهر .. زوّجوا بناتِكم بصبيانِكم ،وسلّموهم الطابو والمفاتيح، إلى يوٍم يقضي فيه الله بيننا".

لم يغفل الكاتب عن ذكر بعض مشاهد الحرب، وكيف أن كلّ طائرات مصر قد دُمّرت وهي على مدارجها، ووصل جيش الإحتلال إلى قناة السويس. أمّا في الأراضي الفلسطينيّة فقد  جاءت الطائرات وألقَت براميلها  وقتلَت الكثيرين، حتى أنّهم استهدفوا الجنازات فوق القبور، وتشتّت عسكر مصر بعد محاصرته في الفالوجا؛ فسارعتْ الناسُ للهرب وكلّ ما أخذوه شهادات الطابو، ومفاتيح بيوتهم، والتحقوا بالعسكر الهاربة غرباً، ومن على تلال الشاطئ، كان الكبار يحملون الصغار والعجائز، ويتوجهون جنوباّ إلى غزّة.

وينتقل الكاتب بعد ذلك لوصف ممارسات الإحتلال وكيف أنّ من بقي من السكان، إرتضوا بالعيش داخل السياج، وقبلوا أن يكونوا عمال قطافٍ في بساتينهم المصادرة، ناهيك عن عمليّات الدهم والإعتقال، فكان المحتلّ يتوجّه بالنداء لأهالي المخيّم : على الرجال  من سنّ ١٤ إلى سنّ ٦٠ الخروج إلى ساحة بركة المجاري، أو " يا أهالي مخيّم جباليا  إنذار، إنذار .. الجيش يُفتّش بيوتكم، وسيقتل كلّ من تخلّف فيه".

كذلك وفي سبيل محاولة  طمس الهويّة الفلسطينيّة، يورد الكاتب كيف أنّ المحتلّ يأمر كل من تجاوز عمره الستّة عشر بالتوجّه إلى مبنى الجوازات في غزّة  ليغيّر بطاقته، بأخرى جديدة، تتوسّطها نجمة داوود.

ختاماً، مفاتيح البهجة رواية جديرة بالقراءة، وإن كانت قد وصفت الواقع كما هو، إلّا أنّ الكاتب ترك للقارىء مهمّة وضع النهاية المرتجاة والتي تتناسب وحجم القضيّة وقدسيّتها.

***

عفيف قاووق – لبنان

أشرنا في المقال السابق إلى أنَّ الفيلسوف الفرنسي (فولتير Voltaire، -1787)، في عمله القصصي، المعنون بـ"صادق أو القَدَرZadig Ou La Destinnée "، كان يردِّد- كغيره من قَبله ومن بَعده- ثقافة المَثَل الفرنسيِّ «فتِّشْ عن المرأة Cherchez la femme».  وهو مَثَلٌ ينحدر من ثقافةٍ عالميَّةٍ قديمةٍ جِدًّا، تَنسِب كلَّ الخطايا إلى (حوَّاء).  تعود إلى القِصَّة التوراتيَّة العتيقة حول حكاية (حوَّاء وآدم) في الفردوس، كما وردت في «العهد القديم»، وقبل ذلك في الأساطير السومريَّة.(1)  ويظلُّ آدم- وَفق صورته في تلك الثقافة الذكوريَّة الظالمة- حمَلًا بريئًا، وغبيًّا في الوقت نفسه، تعبث به المرأة، إنْ في الأرض أو حتى في السماء!

في تلك القِصَّة الطويلة تَرِد حكاية الفتاة الزاهرة الشباب المشرقة الجمال في (سرنديب)، التي اختارها الملِك، بمساعدة (صادق)؛ وذلك بعد أن دبَّر حيلةً اكتشف بها مدَى وفاء نسائه، فلم يجد وفيَّة إلَّا هذه الفتاة، المسمَّاة (فاليد)، ذات العينين الزرقاوين، التي أمست مليكة الملِك.  إلَّا أنَّ زعيم الكهنة هناك كان قد شرَّع قانونًا يحظر على الملِك أن يُحِبُّ امرأةً من ذوات عيون المها الزُّرق؛ ليستأثر بهنَّ هو!  فحيكت مؤامرة ضِدَّ صادق؛ الأمر الذي دفعه إلى الهرب.(2)

ثمَّ يُقابل (صادقًا)، في الفصل السابع عشر من القِصَّة، صائدٌ بائس، كان زوجًا لامرأة: «لم يكن إشراق الأرجوان الذي تُصدره مدينة (صُوْر) أشدَّ بهجةً ممَّا كان يشرب بياضها من الحُمرة»(3)، وقد اختطفها راضيةً (أوركانُ)، الذي اختطف من قبل (سميرًا)، زوجَ صادق، راضيةً أيضًا.

وفي (سُوريَّة) يلتقي (صادق) في مرجٍ جميلٍ بأولئك النِّسوة اللاتي يبحثن للأمير (أوجول) عن (الباسليك) ليتداوى به من عِلَّةٍ أصابته.  وكانت أولاء النِّسوةُ إماءَ الأمير، كما أفهمتْ السُّوريَّةُ منهنَّ صادقًا.  وثَمَّةَ التقَى صادق المَلِكةَ (أستارتيه)، وقد أصبحت أَمَةً من أولئك الإماء.  ودارَ بينهما حديث الحنان والدهش والفرح، لتعود إليه السيِّدة التي قاسَى في ذِكراها آلام البَين والأشواق.  فحكَتْ ملِكة (بابل) لصادق ما حدث لها من بَعده، وكيف أنَّ الملِك، زوجها، جُنَّ من غيرته، ولولا مساعدة (القزم الأخرس) ما نجت من قتلها بسُمِّ الملِك، ولا نجا صادقٌ من شنقه، وكيف ساعدها (كادور)، صديق صادق، على الذهاب إلى معبد (أورزماد) لتختبئ فيه، حتى أخذها جند (أركانيا)، مع (ميسوف) المِصْريَّة المختطفة، لكنَّه لم يُنَل منها.  وأخبرته بقِصَّة هربها، حتى وقعت في يد الأمير أوجول.  عندها حاول صادق أن يتقرَّب إلى الأمير بعلاجه من مرضه، مقابل عِتق أستارتيه، فكان له ذلك.  وتطوَّرت الأحداث حتى اختير صادق ملِكًا لبابل وزوجًا لأستارتيه.(4)

وإلى هٰذه المواقف العاطفيَّة، تبرز في القِصَّة بعض الهفوات الأخلاقيَّة، كتلك الهفوة التي هفاها (صادق) مع إحدى وصيفات الملِكة (أستارتيه)(5)، وكالحيلة التي قامت بها الأرملة العَرَبيَّة مع رئيس كهنة النجوم؛ في سعيها لإمضائه على عفوٍ عن صادق، الذي كان قد حَرَّض نساء العَرَب على عصيان قانون التحريق المفروض عليهن.(6)  وكذاك الاختبار الذي أعدَّه ملِك (سرنديب) لأزواجه بمساعدة صادق؛ لتتعرَّى أمامه خياناتُهن، إلَّا واحدة منهنَّ أثبتت وفاءها وإخلاصها له، فاصطفاها لنفسه من دونهن.(7)

إنَّها قِصَّةٌ مليئةٌ بسلسلةٍ من الخيانات، تؤدِّي بالقارئ إلى انطباعٍ عامٍّ حول المرأة، هو أنَّها قليلة الوفاء، سريعة الغدر بالرَّجُل، تضعف أمام المغريات بسهولة.  وما علينا، إذن، سوى أن "نُفَتِّشْ عن المرأة"، حسب المَثَل الفرنسيِّ الجاهلي المشار إليه!

وهذا ما سنزيده نقاشًا في مقال الأسبوع المقبل من هذه السلسلة.

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة المَلِك سعود)

.......................

(1) يُنظَر: سِفر التكوين، الإصحاح الثالث؛ وكريمر، صمويل نوح، (1980)، من ألواح سُومَر، ترجمة: طه باقر، مراجعة: أحمد فخري (بغداد: مكتبة المثنَّى)، 242- 249.

(2) يُنظَر: فولتير، فرانسوا ماري آرويه، (1979)،  القَدَر، قِصَّة نقلها إلى العَرَبيَّة: طه حسين، (بيروت: دار العِلم الملايين)، 86- 90.

(3)  يُنظَر: م.ن، 98.

(4) يُنظَر: م.ن، 102- 000.

(5) يُنظَر: م.ن، 48.

(6) يُنظَر: م.ن، 79. سبق، في المقال الماضي، تفنيد هذا الزعم، من رجلٍ غربيٍّ اختلطت عليه جغرافيا الثقافات، بين بلاد (العَرَب) وبلاد البراهمة الهندوس في (الهند)!

(7) يُنظَر: م.ن، 87- 88.

النزعة الإنسانية هي تلك المنتزعة من التجربة الإنسانية من أجل إقامة علاقات تقوم على العدل والتآلف وقيل أيضا في تعريفها بأنها الفلسفة التي تؤكد قيمة الإنسان وقدرته على تحقيق ذاته بالاعتماد على الفعل. وأهم ما يميز النزعة الإنسانية سمو القيمة الروحية والنفسية على القيمة البيولوجية وتسعى دائما إلى إعلاء الفكر الإنساني والذي يُعدّ جزءا من تلك النزعة.

وقد عملت رواية سافوي، الصادرة عن دار اليازوري العلمية/عمان/2022، على استكناه وحدة الجوهر الإنساني الثابتة عبر التاريخ من أجل التقاط الإنساني والأصيل في أعماق النفس البشرية من خلال علم الاجتماع والتاريخ والفلسفة وعلم النفس. ويبدو بأن مهند الأخرس كأنه عاش التجربة وعمّر نفسه بأحداثها فامتلأت مشاعره واندفعت للتعبير عن أحاسيسه ورؤاه بصورة صادقة. وقد استطاع ترتيب خيوط الحقيقي مع المتخيل ليضع عملية سافوي تكون نواتها التجربة الإنسانية.

وقد جاء عنوان الرواية الموسوم ب سافوي دلالة على عملية قامت بها مجموعة فدائية بتاريخ 6/آذار/1975 مكانها العمق (الإسرائيلي) / تل الربيع في فندق سافوي الذي يحمل رمزية بالنسبة للقائد المسؤول عن العملية أبو جهاد كما ذكر مهند الأخرس ص143 من الرواية وهي أن الفندق كان خلال فترة الانتداب مقرا للزعيم الإرهابي والمجرم مناحم بيغن مرتكب عدة مجازر في حق الشعب الفلسطيني أشهرها مجزرة دير ياسين. ومن هنا نرى بأن رواية سافوي عالجت هذه العملية بكل تفاصيلها بدقة لكن هناك حبال قد تخفى على المتلقي وهي النزعة الإنسانية التي ساهمت بقدر كبير في شد أركان هذه العملية فتداخل العمل الفدائي وأهدافه النبيلة مع تلك الحبال في خلطة طفى فيها العمل الفدائي على السطح بحيث كان سهل الالتقاط ولكن بقيت تلك النزعة التي يتطلب وجودها من الروائي لتكتمل الرواية مغمورة في الأسفل تنتظر من المتلقي أن يخرجها ليدرك حنكة الكاتب بهذا التلاعب المقصود الذي يسجل له ،ذلك لأن الكاتب ليس ملزما بأن يجهز وجبته في الملعقة للمتلقي بل يجب على المتلقي أن يبحث ويستشكف ما أخفاه الكاتب من إبداع أسفل الظاهر من الفكرة.وأبطال سافوي هم أبطال حقيقيون حملوا مشاعل الحرية على رؤوس بنادقهم وقنابلهم الموقوتة ،خاضوا البحر وتجاهلوا غدره، قطعوا ظهره بمشاعرهم وإنسانيتهم لا بهدف القتل بل بهدف الحصول على رهائن من الآخر ومبادلتهم بأخوة لهم وأخوات في معتقلات خلت من الإنسانية.

وصلوا فلسطينهم والتي طالما تخيلوها أمامهم كعروس أسطورية يسعى إليها الجميع ،يذيلوا رسالة عشقهم لها بدمائهم وهي بدورها تحجز لهم مكانا في السماء.

إذن لقد أوصل مهند الأخرس رسالة مزدوجة إلى المتلقي بأن الهدف الأساسي من عملية سافوي هو الحصول على رهائن والتفاوض مع العدو لإتمام عملية المبادلة برهائن فلسطينيين في سجون الاحتلال بحضور الصليب الأحمر والسفير الفرنسي والفاتيكان وهذا الشق الأول من أهداف الرسالة وهو الشق الفدائي. أما الشق الثاني فهو عدم التعرض للرهائن بالقتل أو امتهان إنسانيتهم بأي شكل من الأشكال لأن الفدائيين ليسوا بإرهابيين ولا قتلة ويتمثل لنا هذا ص140 بما جاء على لسان أبو جهاد للفدائيين قبل العملية (يا خضر ،تلك الرسالة عندما يحتجز الرهائن وتبدأ عملية التفاوض..اطلبوا مندوب الصليب الأحمر وسفيري فرنسا والفاتيكان...) هذا هو الشق الفدائي.

أما الشق الإنساني فجاء في نفس الصفحة على لسان أبو جهاد أيضا (نحن لا نقاتل لأجل الدم أو العبث، نحن مناضلون من أجل الحرية). وهنا يكمن الشق الإنساني.

جميعنا يعلم بأن كرامة الأسير في سجون الاحتلال منتهكة ومعاملتهم له لا إنسانية. لذلك كثيرا ما كان هدف العمليات الفدائية سابقا سواء في الداخل أو في الخارج هو مبادلة الرهائن وقد تطرق مهند الأخرس إلى إحدى هذه العمليات بقيادة محمد مصالحة وهي عملية ميونخ عام 1972 ص20 (فمصالحة هذا كان قائد مجموعة الكوماندوز الثمانية في عملية ميونخ).

ومن الأمور التي تلفت النظر في رواية سافوي من حضور النزعة الإنسانية استحضار الكاتب لنماذج قديمة عبر ما يسمى توظيفا أو تناصا كاستحضاره لشخصيات كان لها أثرا كبيرا في قضية فلسطين مثل شخصية باجس أبو عطوان الشهيرة تلك الشخصية التي شكلت رعبا للاحتلال ومنه ما جاء ص62 (ذاك الباجس المتجدد دوما فينا ذلك الباجس الذي شكل رعبا للاحتلال وهاجسا يقض مضاجعه بالليل والنهار ذلك الباجس).

ومن الأمور التي تلفت انتباه المتلقي إلى حضور النزعة الإنسانية في الرواية السعي إلى ترسيخ القيم التي تصب في خدمة الإنسان مثل نبذ الظلم والسعي إلى لفت العالم لقضية فلسطين ففي ص139 ما جاء على لسان أبو جهاد (يجب مخاطبة العالم ودق الأجراس إلى أن تستفيق ضمائرهم).

كما نتلمس خيوط النزعة الإنسانية في رواية سافوي من خلال الحديث عن التهميش الذي حصل مع الشعب الفلسطيني ففي ص179 على لسان موسى (أصبحنا لاجئين مشردين في مدن الدنيا..).

وفي ص68 نلحظ وجود النزعة الإنسانية من خلال إشادة أبو جهاد بشخصيات أخذت مواقف معلنة من القضية الفلسطينية وهي من القضايا الإنسانية العامة (تلك التجربة التي تشرفنا بها وبروادها باكرا كماو تسي تونغ وشوإن لاي وكذلك الأمر مع هوشي منه وكذلك الحال مع جيفارا وزيارته الشهيرة لغزة).

كذلك امتزجت النزعة الإنسانية عند أبطال مهند الأخرس بمرارة الحرمان وعذاب المنفى والحنين للوطن وقد تجلى بالشوق لفلسطين ففي ص31 (في المعسكر وأثناء التدريبات تقترب منك فلسطين كل يوم أكثر). وتظهر النزعة الإنسانية بكل معانيها عندما تخلى أبو جهاد عن أحد مقاتليه ذيب وقدمه لأمه الحاجة سرحانة التي جاءت باحثة عنه وكانت قد فقدت زوجها في حرب الكرامة وابنها البكر في أحداث أيلول واعتقل الآخر ولم يتبقى لها سوى ذيب وأخواته ..ففي غرفة الميس وجه كلاما لذيب يحمل من معاني الإنسانية الشيء الكثير ص46 (أمك وأخواتك أولى بك يا ذيب، بهما فجاهد).

وقد تمتع مهند الأخرس بمعرفة تحريضية تكشف المفارقة بين الظالم والمظلوم، القاتل والمقتول وذلك عندما رسم لنا مشهد مجموعة الفدائيين في الفندق فعلى لسان خديجة الفتاة التي رافقتهم من شارع جؤولة بعد أن تركها صديقها هناك فكانت المتحدثة بلسانهم مع العدو (نحن مناضلون من أجل الحرية، لسنا قتلة،نحن حريصون على سلامة الرهائن ،نريد مبادلة سريعة).

ثم ص200 (الأمور لا تبشر بالخير.. وهؤلاء لا يسعون إلى التفاوض فالقوات والحشود تزداد). وهنا يتضح الفرق بين الفدائيين وأهدافهم والعدو وأهدافه الدموية حيث أنهم لم يهتموا لرهائنهم مقابل القضاء على مجموعة الفدائيين فركلوا بذلك إنسانيتهم حتى مع بني جلدتهم.

بقي أن نقول وانتهينا حيث بدأنا فقد جمعت الرواية بين السيرة الذاتية والحكاية التاريخية والحوارات والحلم، ذلك الحلم الذي يكسر البناء المنطقي ويضفي على النص نوعا من الحوار الداخلي قوامه التأويل كحلم الغضنفر الذي ورد في بداية أحداث الرواية وهو في المعتقل ص 6(حلم واحد اختلف فيه أبو جهاد عن البقية ،حرت كثيرا في تفسيرة). هذا الحلم الذي يفسر لا شعور الغضنفر ،ففي لا وعيه سكن البدر (أبو جهاد) الذي ظل يوصيه بأن يواصل العمل الفدائي ولا يتوقف.

***

قراءة بديعة النعيمي

 

عندما اقرأ للكاتب والباحث باسم عبد الحميد حمودي في مجال الفولكلور والتراث الشعبي؛ أجد في جميع كتاباته الخصوبة في التنوع بسبب التنقل في معيشته مع عائلته في مناطق الفرات الأوسط، وهي رحلة صولاته وجولاته في المدن العراقية التي زادته خبرة في مجال التاريخ والتراث، ودراسة المجتمع العراقي وحقول البحث الإنساني، وقد نشر حمودي تلك الخبرة العديد من الدراسات في المجلات العراقية والعربية في هذا المجال.

وقبل عدة سنوات قرأت مؤلفه الأخير (سحر الحقيقة... شخصيات وكتب ودراسات في التراث الشعبي)، إلاّ أن ما صدر لهُ أخيراً من رواية تحمل عنوانها الموسوم (الباشا وفيصل والزعيم) قد سرق انتباهي بعد وصوله هدية لي عن طريق الأديب شكر حاجم الصالحي، والرواية صادرة عن دار دجلة في عمان وتقع بواقع (104) صفحات من الحجم المتوسط، ذات غلاف جميل تحمل صور الباشا، وفيصل الثاني ملك العراق، والزعيم عبد الكريم قاسم.

كان إهداء الكاتب للرواية إلى روح الأستاذ الدكتور (نجم عبد الله كاظم اعترافاً بفضله)، والرواية تتحدث عن أحداث يوم 14 تموز 1958م، التي اطاحت بالعهد الملكي وكانت بداية لعهد الجمهورية الأولى، والرواية عبارة عن محاكمة تاريخية في ملكوت العالم الآخر وبحراسة (الحرس السماوي) لزعماء العهد الملكي والجمهوري بالتغيير الذي حدث يوم 14 تموز وهما عبد الكرم قاسم وعبد السلام عارف، وذكر مأساة ما حَلَّ بالعائلة المالكة من قتل وسحل وتقطيع وتعليق على واجهات المحال التجارية.mde

وتأتي الرواية بروح فنتازيا التاريخ الحديث، وأحداث تلك الحقبة الزمنية تحليلاً واستنتاجاً بمهارة الكاتب من حبك الأحداث وتسلسلها وجمع ابطالها وكُتّاب التاريخ وأعلامهم في حنكة السرد من خلال تقنية المخيال الواسع في أهم مواقع بغداد التاريخية (باب وزارة الدفاع، شارع الرشيد، قاعة الشعب)، فقد جمع الكاتب والروائي حمودي قائدا التغيير للعهد الجمهوري الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف مع رجال العهد الملكي (الملك فيصل الثاني، الباشا نوري السعيد، الأمير عبد الإله، نعيمة العسكري)، ومن وثّقَ تلك الحقبة الزمنية وهم: (حنا بطاطو، السيد عبد الرزاق الحسني، الإعلامية نعيمة الوكيل، الأديب مهدي عيسى الصقر، الروائي فؤاد التكرلي، الروائي عبد الملك نوي).

وتبدأ محاكمة التاريخ لقادة العهدين (الملكي والجمهوري) في قاعة العرش عندما يوجه الملك فيصل الثاني كلامه للزعيم عبد الكريم قاسم في ص11: (لماذا فعلت ذلك؟ هل نستحق ميتة كالتي حدثت؟)، فكان جواب قاسم بعد جدال على المحاكمات الوجاهية في العهد الملكي والجمهوري (ألست الملك؟ أم ما زال خالك يحكم بمجرى الأحداث حتى ونحن في الآخرة؟)، وهو جواب شافي لتدخل الأمير عبد الإله في حكم العهد الملكي كونه الوصي على العرش بسبب صغر عمر فيصل الثاني.

ثم يبدأ الكاتب حمودي بسرد الأحداث قبل يوم 14 تموز 1958 بأشهر من خلال الأمير عبد الإله المتحدث قائلاً: (قبل أشهر من يوم الإنقلاب أرسل شاه إيران محمد رضا بهلوي صحفياً سورياً يعمل في طهران اسمه نذير فنصة، كان يعمل لدى الشاه محمد رضا بهلوي)، وكان جواب عبد السلام: (ماذا أتى بهذا الشاه) ويرد عليه عبد الإله (اسكتوه فهو لا يعرف إلاّ الصراخ والقتل). من خلال هذا الحوار يدلل على تحليل الكاتب لشخصية عبد السلام عارف وكل من ورد اسمه في جريدة إطلاعات والمخابرات الإيرانية أيامها وتحذير الصحفي فنصة لعبد الإله من أن إنقلاباً سيحدث ضد العرش في العراق، واعطاه اسماء الضباط وفي مقدمتهم رفعت الحاج سري وعبد الكريم قاسم وآخرين، ومن هذا يستدل القارئ من خلال الرواية أن زعماء العهد الملكي كانوا يعلمون بالإنقلاب والقائمين عليه، إلاّ أن رئيس الأركان محمد رفيق عارف والباشا نوري السعيد رئيس الوزراء قد انكرا ذلك، فضلاً عن تقرير بهجت العطية مدير الأمن العام وقتذاك كان قد أخبرهم بالتحرك للإنقلاب.

ويحضّر الكاتب في المشهد الروائي الكاتب حنا بطاطو، والأخير يوجه سؤاله الأول لعبد السلام محمد عارف قائلاً: (ألمّ تصبح رئيساً للجمهورية بفضل شعار الوحدة العربية الذي رفعته دوماً؟)، وكان جواب عبد السلام (نعم ولكن لم يتم الأمر بمجرد رفع الشعار)، ويرد عليه بطاطو (أعلم ذلك فقد اخترت أن تنقلب على عبد الكريم ثم على البعثيين الذين أتوا بكَ إلى كرسي الرئاسة). ويستمر الحوار حتى يتدخل الأمير عبد الإله قائلاً في ص21: (الواضح أن أحلام السيد عبد الناصر التي كان العقيد يتبناها لم تتحقق في العراق بعد قتلنا وإعدام عبد الكريم لسبب بسيط... الجميع يكذبون... عبد السلام يكذب على عبد الكريم وقتلهُ، وكذب على عبد الناصر ولم يسلمه أرض العراق، وعبد الكريم كذب على الناس عندما أدّعى الديمقراطية وأعدم الضباط المعارضين لحكمه، ومنع من أدعى الديمقراطية من العمل السياسي)، وهكذا يستمر الجدال والحوار بين بطاطو وعبد الإله وعبد السلام وعبد الكريم قاسم ليوضح لنا الكاتب أن زعماء العهد الجمهوري الأول هم قد كذّبوا على بعضهم البعض وعلى الشعب العراقي لمكاسبهم الخاصة.

ثم يستحضر الكاتب في ص23 المؤرخ السيد عبد الرزاق الحسني كشاهد على التاريخ وحواره مع قادة العهد الملكي والعهد الجمهوري قرب قاعة الشعب، ويشير الحسني من خلال اللقاء إلى بوابة وزارة الدفاع وقوسها العالي قائلاً (هنا وضعوا جثة صلاح الدين الصباغ بعد إعدامه ليشاهدها عبد الإله، وهنا علق رجالكم ما تبقى من جسد الوصي)، لكن عبد الكريم قاسم يرد على الحسني في ص26 قائلاً (لم نكن نريد أن يمثل أحد بجثث القتلى لكنها إرادة الجماهير). ويستمر السجاال بين الحسني وقاسم بين مدافع ومتهم عن ما حصلت من أحداث صباح 14 تموز 1958 وما بعده، حتى يستدل الحسني في بداية باب المعظم (تكون قاعة الملك فيصل التي سميتموها قاعة الشعب، بعدها يبدأ سور جامع الأزبك وبوابته، ولم تبقيا للجامع سوى بوابة صغيرة... هنا قبل أن نصل إلى بوابة وزارة الدفاع كانت هناك عدة دكاكين للباعة ومنها دكان للمصور عباس القمري)، والذي يؤكد الحسني أنه المنسب للقوة الجوية ويدعى (عباس جميل) اشهر مطرب وعازف وملحن فيما بعد.

ويتسابق عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في الحوار للرد على الحسني الذي اسكتهما موضحاً لهما بالوثائق خونة الشعب أمثال طارق عزيز الذي سمح لمؤرخ أمريكي (حنا بطاطو) بنبش سجلات الأمن العام، وذكر مرافق الزعيم جبار حمزة، وتستمر محاكمة التاريخ بحضور (الحرس السماوي)، واحضار الصحفية نعيمة الوكيل والروائي فؤاد التكرلي، والأخير يؤكد أيام الانقلاب في 8 شباط 1963 الحزينة التي قادها قادة حزب البعث وعبد السلام عارف والمعارضين لحكومة الزعيم قاسم في ص42 قائلاً (أيام 8 شباط 1963 الحزينة التي قتلوا فيها آلاف العراقيين بطريقة وحشية غريبة، وما حدث بعد إنقلاب 17 تموز لا يقل وحشية أيضاً). وتلك فقرة في الرواية لإدانة نظام البعث في الجمهورية الثانية والرابعة.

ويستذكر الروائي حمودي عن لسان الحسني تاريخ شارع الرشيد والعلامات الدالة على أهمية هذا الشارع ورمزيته للعاصمة بغداد واعلامها، منها (الخط الجميل للراحل هاشم محمد البغدادي الذي يعلوا جامع الحيدر خانة، ومحل شربت الحاج زبالة، ومقهى حسن عجمي ورواده من الأدباء والمؤرخين والاعلاميين، ومقهى البرلمان ورواده الشعراء: كالشاعر الجواهري، وعبد القادر البراك، وسليم البصون، وشاكر الجاكري ومنير رزوق وحميد رشيد)، وعشرات الأدباء والصحفيين... ويستمر الروائي ينقلنا عبر سياحته اليقظة لأستذكار جريدتا اليقظة والحرية، وأحداث الموصل عام 1959م، والصراع بين القوميين والبعثيين والشيوعيين، وسرد الأحداث التاريخية في عهد الجمهورية الأولى حتى يصل إلى الموقف الدولي من الجمهورية وعلاقة الزعيم عبد الكريم قاسم بالجانب البريطاني ودور الأخير في دعم ومساندة الانقلاب ودعم الزعيم في تحرك قواته لاحتلال الكويت عام 1960م وتراجعه عن موقفه هذا حتى يكون جواب نوري السعيد للسفير البريطاني هنري تريفليان في ص59 قائلاً: (الذي فهمته وأنا في دار الخلود بعد الإنقلاب، أن الأصدقاء البريطانيين قد تنكروا للصداقة معي ومع الهاشميين وبنوا علاقة سرية مع الضباط المتمردين قبل قيامهم بانقلابهم)، فكان جواب عبد السلام عارف والزعيم قاسم في ص60 : (هذا كذب).

فمن خلال السرد الجميل والمتسلسل والسلس للأحداث وما مرَّ به العراق من مآسي وويلات وكوارث أستدل كقارئ أن جميع الثورات والإنقلابات التي حدثت في العراق والوطن العربي تتم بدعم ومساندة الأجنبي لغرض تغيير أعوان النظام بعملاء آخرين لتنفيذ مطالبهم وفق إرادتهم ومصالحهم.

لذلك يدعونا الروائي باسم عبد الحميد حمودي من خلال هذه الرواية وسرد أحداثها الواقعية إلى أن ظاهرة إعادة انتاج مقدمات اسباب الفشل التاريخي الهائل الذي حدث في العراق على مر العصور، منذُ أن ظهر العراق بصورته وكيانه الجديد الفاشل في بداية القرن العشرين، هو بدعم أجنبي، وأكثر الداعمين هم البريطانيين للنظام الملكي ونظام الزعيم قاسم أثر إنقلاب 14 تموز 1958، ونظام عبد السلام عارف ونظام البعث في 17 تموز 1968، وإلى منظومته المتراكمة في انتاج الأحداث وإعادة إنتاج هذا الخلل الجوهري في استمرار الإنقلابات و(الثورات) وما يسمى (التحرير) البريطاني والأمريكي الأخير 2003م، واستمرار عدم الثبات والاستقرار.

فقد كان إنقلاب 14 تموز بداية الإنحراف التاريخي الكبير عن المجرى الطبيعي والشرعي لتطور الدولة ومؤسساتها، وتناقض المصطلحات (التحرير) و(الاحتلال) للعراق، فقد كان (تحريره) و(احتلاله) وجهان لعملة واحدة هي انهيار الدولة العراقية، ولم يكن التحرير سوى استبدال نخبة بأخرى، أي استبدال نخبة تقتل الهوية العراقية بأخرى مقتولة الهوية. أما الاحتلال الأمريكي للعراق فقد كان مجرد استبدال نخبة خارجة عن التاريخ بأخرى لا تاريخ لها ن احزاب وحركات اسلامية وقومية وعلمانية.

وهي فكرة سبق وأن صورها (ابن عربي) قبل قرون عديدة عندما قال بأن (ما يجري هو استعداد لما فينا، فما أثّر فينا غيرّنا)، أي ما حدث بداية القرن الحادي والعشرين هو (استعدادنا لما فينا)، ومن ثم (فما أثّرَ فينا غيّرنا). بعبارة أخرى، إن الأحداث الدامية والمأساة الذي اصابت نوعية ابتعاد العراق عن مرجعياته الذاتية الكبرى، فـ(التحرير) البريطاني لم يكن سوى (تحريره) من السيطرة التركية ووقوعه تحت (الانتداب) البريطاني في بداية القرن العشرين، ثم (تحريره) من السيطرة الصدامية ووقوعه تحت (الاحتلال) الأمريكي. فكل ما جرى ويجري في العراق هو نتاج لما فيه وفينا.

مع هذا وكل ما ذكره المؤرخين والكتّاب والأدباء عن تاريخ العراق وأحداثه أجد أن العراق لا يسقط ولن يسقط، بل تنهار فيه السلطات حالما تخرج عن منطق إرادته المتراكمة في الذاتية الكبرى، وتشكل هذه الذاتية العصب الروحي لوجوده التاريخي وكينوته الثقافية، أي لمضمون هويته العامة والخاصة. فالأمم الكبرى تكبو! وفي كبوتها عادة ما تثير غبار الزمن وتستفز الإرادة من أجل امتطاء جوادها من جديد. وليس هناك من جواد عراقي أصيل غير ما تجود به مكوناته الذاتية. فالخلل التاريخي الهائل الذي مسّ مختلف جوانبه بحيث تحول (الاحتلال) إلى (تحرير)، والذي أدخل في دهاليزه مختلف القوى السياسية المنتفعة وهو خلل تتحمل مسؤوليته جميع القوى السياسية في العراق، كلٌ بمقدار ما فيه من استعداد للخيانة والإنحراف، مما أدى الرجوع القهقري إلى مختلف نماذج وأشكال البنية التقليدية إلى تنظيم البؤس والانحطاط والتخلف في مقدمتها انهيار الدولة ومؤسساتها ومنظومة المجتمع وقواه الحَيّة، والثقافة ورصيدها العقلاني والإنساني، وبهذا المعنى لم يكن خراب وانهيار الدولة العراقية إلا بسبب التدخل الأجنبي ولغاية هذا اليوم، وهذا ما اعتقد ما يرغب الروائي أن يوضحه للقارئ من خلال روايته (الباشا وفيصل والزعيم).

فقد رمت القوى السياسية المجتمع في أتون المغامرات والانقلابات والخيانة وغيرها من الأساليب أموراً مقبولة ومعقولة للشرعية الثورية، حيث حولت العراق إلى كيان رثّ، واسلوباً لتصنيع، شامل للرثّاثة الاجتماعية.

ولا ننسى أن مؤلفات الكاتب والأديب باسم عبد الحميد حمودي، فمن أبرزها:

- عادات وتقاليد الحياة الشعبية العراقية (إعداد وتقديم).

- كتاب التراث الشعبي. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد 1986م.

- الزير سالم. سلسلة الموسوعة الصغيرة. بغداد 1989م.

- تغريبة الخفاجي عامر العراقي. دار الشؤون الثقافية. بغداد 1989 (الطبعة الأولى)

- التراث الشعبي والرواية العربية الحديثة. الموسوعة الصغيرة. بغداد 1998م.

- تغريبة الخفاجي عامر العراقي. هيئة قصور الثقافة. القاهرة عام 2000م. (الطبعة الثانية).

أما الكتب المشتركة:

- أبحاث في التراث الشعبي. كتاب التراث الشعبي رقم 2. بالاشتراك مع د. أحمد مرسي/ د. حصة الرفاعي/ د. محمد رجب النجار وغيرهم عام 1986م. بغداد.

- سحر الحقيقة. شخصيات وكتب ودراسات في التراث الشعبي. دار ميزوبوتاميا. بغداد. الطبعة الثانية عام 2014م.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

عرفنا الاستاذ باسم عبد الحميد حمودي ناقدا وباحثا في حقل التراث قدم عددا كبيرا من الدراسات والكتب التراثية والنقدية ورأس تحرير مجلات ثقافية وصفحات للتراث الشعبي في عدد من الصحف العراقية ولكن اليوم يفاجئنا بالانتقال من حقل النقد الى الابداع في مجال السرد التاريخي وذلك بروايته (الباشا وفيصل والزعيم) الصادرة عن دار دجلة في عمان 2022 الذي تناول فيها حدثا عراقيا اشكاليا اذ تعددت الآراء وانقسم الجمهور العراقي بشأن ما حدث صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958، فريق اعتبر ما قام به العسكر صباح ذلك اليوم هو ثورة تحررية أطاحت بالحكم الملكي وارتباطه بالاستعمار البريطاني واعادت للعراق سيادته وتخلصه من قيود حلف بغداد المشبوه، بينما فريق اخر رأى الحدث انقلابا فتح بوابة الدم على العراق وعصف باستقراره وجريمة بحق الاسرة الهاشمية المسالمة وكان صدى هذين الرأيين صدور كم كبير من الدراسات والمقالات والكتب جسدت اتساع الفجوة بين مؤيد ومبرر وبين ورافض وساخط على أحداث وتداعيات ذلك اليوم .

بعد اكثر من ستة عقود مرت على ذلك الحدث يعود الناقد باسم عبد الحميد حمودي ليذكي جمرة الاختلاف القابعة تحت رماد الحرائق التي تلاحقت على العراق بعد احداث الرابع عشر من تموز 1958 ويسترجع في روايته احداث ذلك اليوم الدامي حيث يستحضر من خارج الحياة الدنيا شخوص ذلك الحدث (الباشا نوري السعيد رئيس الوزراء آنذاك ومهندس السياسة الملكية والملك فيصل الثاني ملك العراق الذي قضى نحبه صبيحة ذلك اليوم وكذلك الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الضباط الاحرار والعقيد عبد السلام عارف الرجل الثاني المساعد للزعيم) ليجعل منهم متهمين وقضاة وشهودا في آن واحد، فعبر ثمانية فصول اشتملت عليها الرواية حاول المؤلف ببناء درامي جديد اعادة محكمة التاريخ والكشف عن اسرار وتفاصيل لم يسبق لمن كتب عن ذلك الحدث ان تناولها او أشار اليها ولكن المؤلف حرص على تسريبها وتأكيدها على لسان ابطال روايته وفي مواقع متعددة من الرواية .mde

يستهل الكاتب روايته بفصل (قاعة العرش) التي اراد لها ان تكون بمثابة قاعة لمحاكمة الأطراف المشاركة فيأتي بأطراف الصراع من الدنيا الاخرة بملابسهم التي كانوا عليها صبيحة يوم الحادث لكي يلغي المسافة الزمنية في ذهن القارئ ويزيد من واقعية الجلسة ويبدأ بنشر غسيل الاطراف من خلال حواراتهم وتراشقهم بالاتهامات والتنصل عن المسؤوليات جاعلا من شخصية المؤرخ " عبد الرزاق الحسني " التاريخ الشاهد على اقوالهم وبحضور المؤرخ (حنا بطاطو) صاحب كتاب تاريخ العراق الذي جاء تعريف المؤلف له (مؤرخ امريكي سمح له طارق عزيز بنبش سجلات الأمن العام ص 22) واخطر ما تضمنه هذا الفصل من اتهامات هو تعاون الزعيم قاسم مع الحكومة البريطانية ودعم بريطانيا للثورة وهذا أمر لا يخلو من مفارقة ويزيد من تأكيد هذه المعلومة في ما أورده على لسان الباشا نوري السعيد مخاطبا الحسني ومشيرا الى علاقة الزعيم بالسفير تريفليان سفير بريطانيا في العراق عام 1958 بقوله (اسمع سيدنا الحسني وانت يا استاذ حنا ان الرجل تريفليان سفير بريطانيا ببغداد أيامها كان شخصية متآمرة على العرش الهاشمي ويتمتع بصداقة قديمة مع عبد الكريم ص 56) و(ان عبد الكريم كان مرتبطا بالسفارة البريطانية في بغداد قبل قيامه بحركته ص61) وهي اشارة يراد منها التشكيك بنزاهة واستقلالية ما حدث صبيحة 14 تموز كما انها مفارقة اخرى يصعب تصديقها فمجريات الاحداث بعد الرابع عشر من تموز تقول غير ذلك، كما نخرج من هذا الفصل بمعلومة جديدة اخرى هي ان شاه ايران كان على علم بالحدث وقد ارسل مبعوثه الصحفي السوري والمبعد ايامها في ايران " نذير فنصة " الى النظام الملكي يعلمه ان انقلابا سيحدث ضد العرش .

جاء الفصل الثاني (شارع الرشيد) ليكون بمثابة كشف دلالة حيث تخرج اطراف الحدث وهي مطوقة برجال الحرس السماوي في جولة شملت الاماكن التي لها علاقة بأحداث الرابع عشر من تموز ومن بينها بناية وزارة الدفاع وكذلك قاعة الشعب التي شهدت محاكمة اقطاب النظام الملكي وكعادته حرص المؤلف على تمرير عدد من المعلومات التي لم يسبق الاشارة اليها من قبل المؤرخين ومنها شخصية الفنان عباس جميل الذي كان من منتسبي القوة الجوية العراقية باختصاص التصوير الجوي وكذلك شخصية القاص عبد الملك نوري الذي شارك والده في انقلاب بكر صدقي وقتل في الموصل والصحفية المقربة من الزعيم نعيمة الوكيل ومحاكمة الجواهري خلال عهد الزعيم واطلاق سراحه بكفالة مهينة كما انه رفع غطاء الحياد عن المؤرخ الحسني وجعله من المنحازين لأحد اطراف الصراع من خلال توجيه الاتهامات للزعيم والعقيد في مواضع عدة من الحوارات ومنها رده على الزعيم في وصف احداث الموصل عام 1959 بانها (كانت فوضى مجنونة وانتما من شجعها ص26) او رأيه في سياسة الزعيم (الزعيم والعقيد لم يتركا للناس حرية الابداع ص 45) اوفي رده على العقيد (كان عبد الكريم سقيفة الحكم التي انهارت مع صورة ديمقراطية كاذبة ص 47)

لقد اظهر المؤلف صورة الزعيم والعقيد مهزومين امام خصومهم وعاجزين عن الرد على كيل الاتهامات الموجهة اليهما سواء من الذين صورهم ضحايا او من المثقفين الذين مثلهم التكرلي وعبد الملك والصقر والذي استحضرهم في المشهد ليزيد من اظهار سلبيات الشخصيتين وليبرئ النظام الملكي من اية سيئة رافقت اداءه واقتصرت ــ على لسان ابطال روايته ــ مسؤولية ما حدث صبيحة ذلك اليوم على الزعيم لوحده .

في الفصل الرابع من الرواية نتعرف على شخصيتين جديدتين هما نعيمة العسكري شقيقة جعفر العسكري وحرم الباشا نوري السعيد والملكة نفيسة والدة الوصي عبد الاله وجدة الملك فيصل ويبدو ان المؤلف زج بهما في مجريات الاحداث لزيادة التنكيل بالضباط الاحرار ولزيادة شعبية المتعاطفين مع ضحايا الاسرة الهاشمية حيث يخلق المؤلف جواً دراميا عندما يترك الملكة نفيسة تروي للجالسين (لم اكن اصدق انهم سيقومون بقتلنا .. وضعت القران الكريم على رأس فيصل وانا امشي خلفه مرددة آيات من الذكر الحكيم وكل ظني انهم سينقلوننا بسيارات الى خارج العراق .. تماما مثلما فعل المصريون مع فاروق ص 88) .

وجاء الفصل قبل الاخير من الرواية الذي اطلق عليه المؤلف عنوان " المواجهة " ليكون الجلسة الاخيرة للمحاكمة واطلاق قرار الحكم عندما يجمع الاطراف في صالة فندق بغداد وتتولى الملكة عالية والدة الملك بتوجيه السؤال الى الزعيم عن الاسباب الذي دعته لقتل الملك فيجيبها الزعيم بكلمات لا تخلو من اعتراف وندم (يا سيدتي .. ما حدث قد حدث .. انها مشيئة الله ص 99) ويقر عبد السلام بعذاب الضمير الذي نالاه جراء جريمتهما (ولم نهنئ لا بقتل من قتل ولا بحياة آمنة ص 100) ويختتم المؤلف روايته بمشهد خروج موكب الضحايا وقاتليهم من بوابة فندق بابل في اشارة الى نهاية عهد دامي وكان في توديع الموكب عهد دامي جديد يمثل صدام حسين وسلام عادل وكامل الجادرجي وصولا الى عهد دامي اخر ابطاله عمائم مختلفة الالوان .

لقد حاول المؤلف ان يقف على الحياد والنأي بنفسه عن الانحياز الى احد اطراف ذلك اليوم الدامي الا انه لم يتمكن من اخفاء تعاطفه مع محنة الاسرة الهاشمية عندما لم يتعرض الى سيرتها السياسية ولم ُيظهر من خلال حوارات ابطال روايته الاسباب والتراكمات التي ادت الى احداث صبيحة يوم الرابع عشر تموز لذا ظهر المؤلف في روايته ناقدا اكثر منه روائيا .

***

ثامر الحاج امين

جواد غلوم شاعر لا يكشف عن هويته العمرية لكي يُفلت من سجن التجييل، لاسيما أنّ النقاد والكتبة درجوا على اعتبار سنوات العمر هي أبعاد هذا السجن وقضبانه، وقلما كان للملامح الجمالية والإبداعية أثر في تحديد تلك الأبعاد. إنّ إفلات جواد غلوم من قيود التجييل مكّن قصائده من أن تمتح من أجيال الشعر في كلّ عصوره بحرية شاعر لا يتبنى مدرسة، أو اتجاهاً شعرياً محدداً، ولا يقيّد انتماءه سوى للشعر بمفهومه الذاتي النقي المتجرّد من أية مؤثرات موضوعية مفروضة عليه من خارجه، تُعقلنه، وتُحرّفه عن عفويته الغنائية. أما (سهول وتضاريس شعرية) فهي مطوّلة جواد غلوم، وهي بيانه الشعري الذي على خلاف البيانات الشعرية المعهودة أصرّ على صياغته شعراً. فبالرغم من قدرته على تطويع النثر في معالجاته التي لا تغلب عليها في العادة قضايا الشعر وإشكاليات صراعاته المزمنة، بل تغلب عليها قضايا الشأن العام، إلا أنّ معالجات الشأن الخاص تفرض عليه آليه تعبيرية تتوافق مع صوته الداخلي، وتضمن لذلك الصوت محاوراً مفترضاً يُكمل معه متطلبات مونولوجاته الذاتية، إنها آلية الشعر.

لقد رسم جواد غلوم بهذا البيان الإستثنائي اللغة ظروف تشكل تجربته الشعرية، والعوامل الخارجية – تحديداً – التي أثّرتْ فيها، وساهمت في نموّها، مع ملاحظة أنه في رصده لتلك التأثيرات عادة ما يتناولها من جانبها الحياتي كموجّه لحياة الشاعر - الإنسان، وليس كمفتاح لتجربة الشاعر - اللغة، مما يوحي بأنّ هناك حالة تماهي ما بين خارج القصيدة وداخلها ربما نجم عن عفوية النظر لتحولات كليهما (الخارج – الحياة)  و(الداخل – الشعر) من قبل الشاعر بدليل أنّ الوقوف على محطات مسيرة الشاعر المثقلة بتجارب الألم والمعاناة لم تكتنفه أية محاولة لتبيان مدى انعكاسها جمالياً على مغامراته التجريبية في الكتابة الشعرية، ولم تخض في تحديد أبعاد طموحات التجديد والابتكار، فهو يكتفي بتناول خريطته الحياتية ببعدها الإنساني، وليس ببعدها الجمالي، رابطاً ما بين التأثيرات التي طرأت عليها وبين الشعر دون أن يكون لهذا الربط من تفسير.

ربما يفترض المنطق الجمالي أن يكون اتجاه التأثير الإبداعي من الشاعر على الشعر، وليس من الحياة على الشعر، وذلك من أجل أن تتحدد أبعاد التجربة بقصديتها وبوعيها، أما أن تكون الحياة، أو الشعر - بمفهومه الذوقي المجرّد والمكتفي بعفوية السليقة  هما محركا التجربة، ففي الحالين سيبقى الشاعر يدور حول خلية العسل، مستمتعاً بمذاقه الذي سيصرفه عن التفكير في تنقيته وتحسينه. ومهما كانت التخريجات المنطقية والجمالية للعلاقة ما بين أطراف ثلاثية الشاعر والحياة والشعر، أو مهما كانت اتجاهات التأثر والتأثير بين تلك الأطراف فجواد غلوم ما زال يُصغي لصوته الداخلي، مشغولاً بعذوبته عما تدور في الوسط الثقافي من جدالات المتحاورين والمتخاصمين حول تحولات الشعر، فصوته الداخلي هو خلاصة إرثه القديم، يحرص على إبقائه نقياً، صافياً من التزويقات اللفظية، والشكلانيات الحداثية. إنه يعود بشعره إلى مرحلة الرواد، بل إنه ينزلق أحياناً حتى إلى ما قبل تلك المرحلة مازجاً في بوتقة واحدة ما بين آليات الكتابة الجديدة، وطرائق التعبير التقليدية، متمسكاً بتقاليد القصيدة العربية في رصانتها الأولى، ليُبقي لها روحها الغنائية ذات الصوت الواحد، مكتفياً باستبدال الثوب الإيقاعي القديم بثوب إيقاعيّ جديد، هذه الطريقة الإنتقائية توفر للشاعر من الجدّة حرية اللعب بالإيقاعات الوزنية، وعدا ذلك ستبقى اللغة مرهونة بمحدداتها البلاغية، ولغتها الوصفية المتماسكة ذات الطبقات المتراكبة على وفق علاقات سببية، يؤدي ضمنها السابق منطقياً إلى اللاحق، بحيث أنّ إيّ إخلال بهذه الهندسة يُربك معادلة المعنى، وهي معادلة تتوخى الفهم قبل كلّ شيء على طريقة التطابق القاموسي ما بين الكلمة ومعناها، أو ما بين الدال والمدلول.

هذه الطريقة في الكتابة الشعرية تمثل القالب الشعري الثابت لجواد غلوم حتى فيما يكتب من قصائد النثر، حيث أن ما يطرأ عندئذ على هذه الخرسانة البنائية هو التخلي عن قشرة الإيقاعات الوزنية، وعدا ذلك فاللغة الوصفية الرصينة ذات الطبقات المتراكبة سببيّاً هي التي تحكم بنائية القصيدة، وهي التي توجه القراءة توجيهاً تسلسلياً من السابق إلى اللاحق، وتنازلياً من الأعلى إلى الأسفل من دون انحراف أو تقطّع.

تتكون قصيدة (سهول وتضاريس شعرية) من خمسة مقاطع، ويمكن عدّ المفردات الثلاث التي تتشكّل منها العنونة هي المفاتيح لكل مقطع من المقاطع الخمسة، فالظل الذي تلقيه بعدّها تركيبة نصية متجانسة واحدة يغطّي كلّ القصيدة، على الرغم من أن كل واحد من تلك المقاطع يمكن عدّه قصيدة مكتملة ومنفصلة بذاتها عن الأخريات، فهو يمثّل نموذجاً إنعكاسياً جزئياً للموضوع العام، إضافة لذلك ليس هناك من مفصل تصوري ناقص في مقطع ما ويُرجأ اكتماله إلى المقطع التالي، وليس هناك من رابط محدد يشدّ المقاطع إلى بعضها، وأن الروابط التي تشكلها أضلاع المثلث البنائي (الجغرافيا / الشعر / المرأة) التي سنأتي عليها لاحقاً، لا تساهم في توحيد بنية القصيدة بقدر ما تساهم في بناء مقاطع متماسكة بشكل انفرادي بحيث يمكن عدّ كل مقطع جملة شعرية مكتملة بحدّ ذاتها.

إنّ حصر العنونة للشعر بهذين البعدين الجغرافيين (ألسهول والتضاريس) جعل منها تركيب استعارية من مجالين متقابلين مجازياً ومتباعدين واقعياً، ومهّد للانفتاح داخل القصيدة على أبعاد جغرافية أخرى، وكل بعد منها غير مقصور على حدود جغرافيته الأرضية، بل يمتد على وفق متطلبات التشبيه أو الإستعارة أو المجاز ليقترن بأبعاد أخرى تمتدّ إلى مجالين من عالمين آخرين هما (الشعر) و (المرأة). وبذلك يكتمل مثلث الدلالة بأبعاده البنائية الثلاثة التي يحيل كل منها إلى عالم مستقل ومنفصل عن العالمين الآخرين، ولكنها تتّحد معاً في مثلث واحد يمثل الوحدة البنائية للقصيدة:

- ضلع المثلث البنائي الأول = ألجغرافيا مجازاً

- ضلع المثلث البنائي الثاني = ألشعر

- ضلع المثلث البنائي الثالث = ألمرأة

وسيتمخض كل ضلع من الأضلاع الثلاثة عن مجموعة من الإشارات، تترابط مع بعضها سيميولوجياً لتشكّل معاً بنية القصيدة، وليس من العسير تبيّن العلاقات ما بين الدوال والمدلولات ضمن عناصر تلك المنظومة، والتي تغلب عليها العلاقة السببية، كما في النموذج المثالي التالي من المقطع الأول:

- (ألوسادة × ألنوم):

  (يستلّ مني الوسادة كي لا أنام)

- (ألعوم × " ألثلج والزمهرير "):

  (أعوم مع الثلج والزمهرير)

- (ألجمال × ألشهوات):

-  (يُريني من الشقر والبيض والسمر والسود

  كي يُشعل القلب جمراً من الشهوات)

وتلك العلاقات ما بين الدوال تؤدي لتشكيل مجموعة من الثنائيات الضدية التي قد لا يقتصر  الكشف أحياناً عن ضديتها البحث داخل اللغة، بل يتجاوزه إلى خارجها كالثنائية ما بين (صدور العذارى)، أو ما يمكن أن نطلق عليه إغراء الجمال من جهة، وما بين (العجز) أو العجز عن تلبية دعوة الشهوة التي يُحفّزها أو يُهيّجها هذا الإغراء من جهة أخرى. فبدون البحث داخل وخارج اللغة لن نتبيّن دواعي هذه العلاقة ما بين طرفي الثنائية، فالداخل اقتصر على التلميح بالعجز والهوان، أما الخارج فيقودنا إلى شعاب أخرى ليس من الضروري الكشف عن تفاصيليها الدقيقة، ولكن لا بدّ من الوقوف على أطرافها البعيدة، أو التلميح لها بعمر الشاعر والذي يمكن تخمينه من سيرة حياة الشاعر، ومن الواضح أن التخمين هو أحد معطيات القراءة الخارجية، ولكنه اضطر للإشارة إليه:

(غدونا كبارا

أحسّ الحياة مزارا

والأماني صخوراً عثارا)

أما القراءة الداخلية الممكنة لتبيّن سر العلاقة الضدية لثنائية (الإغراء × العجز) فتقدمه تجربتة الشاعر الإغترابية خارج الوطن (مبطئاً طاعناً مزقته المنافي)، وكذلك تجربة  الإغتراب الأقسى داخل الوطن:

(هنا عثرتي عند باب الأغا

هروباً من الأمن والسافلين)

وفيما يلي ما يرشح عن العلاقة ما بين الدوال في المقطع الأول من ثنائيات ضدية:

- صدور العذارى (الإغراء) × ألعجز

 (يُريني صدور العذارى

  أقول له: إنني قد عجزتُ، وهنتُ)

- (ألارتقاء × ألجبال):

  (فيرقى أعالي الجبال)

- (ألدحرجة × ألسفوح):

  (يُدحرجني مرّة إثر أخرى

  لمرعى السهول وسفح التلال)

- (ألعهر × ألرعشة):

  (فأغرق في عهر غانية علّمتني

  رعاشَ الغرام ووهج الوصال)

تتشكّل بنية القصيدة من التداعيات الصورية التي تتمخض عن كل ضلع من أضلاع المثلث البنائي المشار إليها سابقاً، ولنبدأ بالعنونة التي تحدد ثنائية الضلع الأول من كيانين ماديين مستلين مجازاً من الفضاء الجغرافي  (سهول + تضاريس) وكلا الكيانين منسوبان وبصيغة استعارية إلى فضاء الشعر (سهول وتضاريس شعرية). وما تلك الثنائية إلا من قبيل القصر اضطراراً، لأن إطلاق كامل المفردات القاموسية لمكونات هذا الضلع سيُخرج العنونة من مقطعيتها اللغوية المكثفة كنص موازٍ يُدلل ولا يُفصّل، ولكنه سيُمهّد للمتلقي تلقي ما تطلقه القصيدة من بقية تجليات هذا الضلع والتي سنأتي عليها فيما بعد.

قد يبدو الضلع البنائي الأول خروجاً عن الشعرية وشروطها الجمالية باعتبار أن الجغرافيا فضاء مستقلاً ومغايراً عن فضاءاتها المفتوحة، بحكم انغلاقه على نظامه المعرفي غير اللغوي، وعدم تقبله لتعدد المعاني والتأويلات. وقد أدرك الشاعر ما يمكن أن يوحيه ذلك للمتلقي، ولذلك جاء الربط ما بين المعاني الغائبة للضلعين الأول والثاني بعد تحرير القاموس الجغرافي من انغلاقه، وتمكين مفرداته من تلبس طاقة الإيحاء، ومن ثمّ الإنحراف أو التفجر ضمن حركة إبداعية شاملة لاستبدال دلالاته الموضعية المقيدة بمدلولات مفتوحة على معان متغيرة ومفاجئة. وستمتد آلية الربط ما بين المعاني الغائبة إلى مكونات الأضلاع الثلاثة مع بعضها على امتداد القصيدة بما يُخرج كل ضلع منها عن استقلاليته الدلالية مولداً نوعاً من الإستعارات المفتوحة التي تنبسط لتشمل جملاً شعرية بكاملها، ولتفارق بهذه الآلية نمطية الإستعارات  التقليدية المقصورة عادة على مفردتين تمثل كل منهما مجالاً تصورياً مقابلاً ومستقلاً عن الآخر.

تجليات أضلاع المثلث البنائي:

ألضلع البنائي الأول – ألجغرافيا مجازاً لغوياً:

تتجلى أضلاع هذا المثلث البنائي من خلال عدة مظاهر، فالضلع الجغرافي ألمحرف معرفياً سواء بالانزياح أو بالإيحاء ليتواءم مع مقصديات الشاعر وغائية الشعر يتجلى:

1 - من خلال المظاهر المناخية (ألجغرافيا المناخية):

   - (ألثلج والزمهرير): (أعوم مع الثلج والزمهرير)

   - الهجير: (أحتمي هرباً من هجير)

   - ألصيف: (عرق الصيف والحيف والمنهكات)

   - ألغيم: (أمتطي غيمة من دخان السكائر)

   - ألفصول: (... وترجع مثل الفصول)

2 - من خلال التضاريس الطبوغرافية:

   - ألجبال: (... فيرقى أعالي الجبال)

   - ألسهول وألسفوح والتلال: (... لمرعى السهول وسفح التلال)

   - البيد والشِعاب: (إلى أين تزحف بي أيها الشعر؟ / في السهل والبيد بين الشِعاب)

   - ألوديان: (وتخشى سقوط الصخور / بين واد وواد)

   - البحار: (بين بحر العيون)

   - ألانهار: (سِدارته أبحرت عبرَ دجلة) أو (ما بين دجلة والكرخ...) أو (هنا كبوتي / على سفح دجلة لما سبحتُ بها)

   - الموانيء: (بميناء قلبي شراعاً عتيق)

   - ألشواطيء: (لعلي أحطّ على شاطيء) أو (وتلك القباب على شاطيء النهر)

   - ألقفار: (أبوسُ القفار)

3 - من خلال الأماكن:

  - ألعراق: (... أو أرى محفلاً ضائعاً للعراق) أو (سأبقى مكبّاً أديم صلاة العراق)

  - بغداد: (وتعشق بغداد منذ المهاد لحد الرقاد) أو (وبغداد كرخانة للزناة)

  - ألمسيّب: (فجسر المسيب أضحى خيالاً بعيد المنال)

  - شارع الرشيد: (إلى حانة في الرشيد)

  - باب الأغا: (هنا عثرتي عند باب الأغا)

  - ألأزقة: (لساني مذاق الأزقة)

  - ألكرخ: (ما بين دجلة والكرخ والقشلة الصامتة)

  - عقد النصارى: (أدخل عقد النصارى)

  - ألبصرة: (من بصرة الشوق).

  - خان مرجان: (إلى خان مرجان حيث المقامات دانية)

  - شارع النهر: (إلى شارع النهر والسحر والعطر والغانيات)

ألضلع البنائي الثاني – ألشعر:

هذا الضلع لا يتجلى سوى بذاته، والقصيدة – البيان بأغلبها تقريباً هي خطاب موجه إليه، ولذلك ينفتح على خبايا التجربة الحياتية للشاعر، ولكنه، وتلك مفارقة لا ينفتح على نظامه الداخلي، والمقاطع (1، 3، 4، 5) تستهلّ به، باستثناء المقطع الثاني فهو موجه عبر الإستهلال إلى الذات من خلال قرينها الزمني العمر (أيها العُمر، مرماكَ أقربُ مما تظنّ) وهو مقطع استذكاري لمسيرة حياتية خالصة، ولكنه سرعان ما يعدل عن انحرافه الإستهلالي بمخاطبة الذات – العُمر وذلك بالعودة بدءاً من السطر الخامس لهذا المقطع إلى مخاطبة الشعر عبر الإستفهام المكاني مقروناً بالنداء (إلى أين تزحف بي أيها الشعر).

وقبل إكمال الخوض في أثر هذا الضلع البنائي – ألشعر في توجيه المعنى العام للقصيدة، لا بدّ من الإقرار بأهمية المقطع الثاني في فتح خزانة التاريخ الشخصي للشاعر، وهي خزانة متخمة بإرث غني بالأصوات والمذاقات والروائح وطُرُز الأزياء والألوان والعلاقات الإنسانية، تمثل باجتماعها معاً فردوساً مفقوداً في الواقع، لكنه ما زال حيّاً باقياً في ذاكرة من عاش فيه، ويتجلى هذا البقاء في الحنين والشوق إليه، لكنه ليس كما يبدو على سطح التداعيات حنيناً لماضي المدينة بقدر ما هو حنين الذات إلى المراحل الأولى لتشكل وعيها بنفسها، وبما حولها، بدليل أنّ تاريخ الأمكنة المُستَذكرة لا يمتدّ إلى مرحلة أبعد من طفولة وفتوة وشباب الشاعر، أي أن الماضي لديه لم يعد رمزاً كونياً أو قناعاً أسطورياً كما كان يراه جيل الرواد، بل أنّ الماضي توحّد بالشاعر حتى صارا كياناً واحداً من الصعب إعادة فصلهما عن بعضهما. وأنّ حنين الشاعر لماضيه هو حنينه إلى طفولة الذات وبراءتها.  

هذا، ويمكن القول أنّ كل المقاطع الخمسة موجهة إلى  الشعر سواء بصيغته كمخاطب أو بصيغته كغائب، مع ملاحظة أن حضوره في المقاطع (1، 2، 3، 4) جاء مقروناً باستفهام مكاني تدليلاً على ضياع الشاعر، وفقدانه الإتجاه، باستثناء المقطع الأخير الخامس حيث جاء حضور الشعر مبدوءاً بأداة نداء مقرونة بالاستعطاف والتوسل:

 - المقطع الأول: إلى أين يأخذني الشعر؟

- ألمقطع الثاني: إلى أين تزحف بي أيها الشعر؟

- ألمقطع الثالث: إلى أين يدفعني الشعر؟

- ألمقطع الرابع: إلى أين يركلني الشعر في رجله؟

- ألمقطع الخامس: أيها الشعر هوناً على شيخك المستكين

ألضلع البنائي الثالث – ألمرأة:

تقدم القصيدة أربعة مظاهر واضحة للمرأة، وعداها فيمكن تبيّن أثرها في طيف واسع من التداعيات التي يستحضرها إلى ذهن المتلقي حديث الشاعر عن الجمال أو (إشعال القلب بجمر الشهوات) أو (الرغبة الماجنة)، أو من خلال التشبيه البعيد الذي يشدّه إلى عالم المرأة فيقرن انزواءَها بحانة في الرشيد (إلى حانة في الرشيد انزوت مثل بلهاء ساكنة). أو حتى من خلال تلمّس أثر المرأة في التناص الذي يُقارب ما بين قول شاعرنا (أمرّغ هذا الجدار وذاك المزار) وما بين قول الشاعر قيس بن الملوّح:

أمرّ على الديار ديارِ ليلى      أقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا

أما المظاهر الجلية لهذا الضلع البنائي فيمكن تبينها من خلال: 

1 - تتجلى المرأة في القصيدة بلوازمها، وتلك اللوازم قد تكون أعضاء الجسم:

  - ألصدور: (يُريني صدور العذارى)

  - ألعيون: (بين بحر العيون)

  - ألجفون: (بين نعس الجفون)

  - ألغدائر: (أنفثها خصلة من غدائر محبوبتي)

  - ألخصور: (ونقذف شهوتنا حول تلك الخصور)

2 - وقد تكون تلك اللوازم الجسدية عبارة عن إسقاطات لونية تحيل إلى المرأة :

  - (يُريني من الشُقر والبيض والسُمر والسود).

3 – أما المرأة بكيانها الإنساني، فقد جاء حضورها سلبياً عبر مظهرها الشهواني كمصدر للرغبات المحرمة من خلال الغواني والعواهر:

  - (فأغرق في عري غانية علمتني

     رعاش الغرام ووهج الوصال)

  - (... إلى " شارع النهر " والسحر والعطر والغانيات

     إلى غرفة

    في " جبهة النهر "

    نعرى مع الموبقات

    تجيءُ العواهر تقتاتُ أرواحنا علكة بين أسنانهنّ

    ونقذفُ شهوتنا حول تلك الخصور)

4 – وعدا تلك الصورة السلبية، فالصورة الإيجابية الوحيدة للمرأة هي صورة في غاية القتامة، وهي صورة مزدوجة، إحداهما للحبيبة، والثانية للأم، وقد اقترنتا معاً من خلال الموت، فالأولى ماتت في ربيع عمرها، بينما الثانية ليست سوى أطلال قبر، وإنه لمن المفارقة أن يرسم الشاعر الصورة الإيجابية للمرأة بهذه الصورة المزدوجة، والمعتمة الألوان. 

وبالعودة إلى العنونة، فأن ألمثلث البنائي الناقص الذي تمثله لا يخلو من التلميح إلى الضلع الناقص / المرأة، إذ أن المظهرين الطبوغرافيين مجازاً اللذين نُسبا في صيغة إستعارية للشعر يعودان في متن القصيدة ليُلمّحا إلى علاقة تشبيهية مع جسد المرأة، أي إلى جسد الضلع الغائب:

(يدحرجني مرة إثر أخرى

لمرعى السهول، وسفح الجبال

فأغرق في عهر غانية...)

لكننا لن نضطر دائماً لهذا التأويل بحثاً عن الضلع الغائب، حيث يتجلى المثلث البنائي بكامل أضلاعه بدءاً من المقطع الأول من دون أن يكون لتداخل الأضلاع ببعضها، وتكررها أثر في الإخلال بالبنية الثلاثية. فمع الاستهلال بالشعر يكون هذا المقطع قد أحضر ضلع بنيته الثلاثية الأول، ويبدو حضوره أستفهامياً مقروناً بفعلين ذواتي دلالتين متقاربتين تدل كلتيهما على الإنتزاع، وقد يكون المعنى المجاور الآخر هو الخُسران، وهذان الفعلان هما فعل الأخذ (يأخذني) وفعل الإستلال (يستلّ) وفي الحالتين فالفاعل هو الغائب، بينما الخاسر أو المُستلب هو المتكلم:

(إلى أين يأخذني الشعر

يستلّ مني الوسادة كي لا أنام)

إلا أن الطبقة العميقة من البوح والتي يمكن تبينها من رضا المشتكي المُستَلَب (بفتح التاء) – المتكلّم عن المستِلب (بكسر التاء) الغائب يوحي بأنّ هذا الأخير يُعطي بقدر ما يأخذ، بل إنّ ما يُعطيه لا يقلّ جمالاً ووفرة عما ينتزعه، وحسب عطاياه أنها تخنق الشاعر المشتكي من فرط وفرتها (إنه يخنقني بالجمال) أو بمعنى آخر أنّ ما يرشح عن هذا الضلع البنائي من العطايا تترك المشتكي غارقاً إلى درجة الإختناق في محمولات ضلع مثلث البناء الثالث / المرأة  في تدرجية بنائية توصل الأخير بالضلع التالي، أي الجغرافيا بتضاريسها المجازية.

ألمرفق

(سهول وتضاريس شعرية)

الى أين يأخذني الشعرُ

يستلّ مني الوسادةَ كي لا أنام

أعومُ مع الثلج والزمهرير

يُريني صدورَ العذارى

أقول لهُ: إنني قد عجزتُ، وهنْتُ

يسامرني ضاحكا هازئا

ويخنقني بالجمال.

يُريني من الشقر والبيض والسمرِ والسودِ

كي يشعلَ القلبَ جمرا من الشهَوات

فيرقى أعالي الجبال

يدحرجني مرةً إثر أخرى

لمرعى السهول وسفح التلال

فأغرق في عهْرِ غانيةٍ علّمتني

رعاشَ الغرام ووهج الوصال

***

أيها العمر، مرماك أقربُ مما تظنّ

غدونا كبارا

أحسُّ الحياة مزارا

والطريق حصىً راجما

والأماني صخورا عثارا

الى اين تزحف بي أيّها الشعرُ؟

في السهل والبيد بين الشِعاب

وتخشى سقوط الصخور

بين وادٍ ووَاد

تمهّلْ ؛ خطاي ارتعاش السقامِ المرير

لساني مذاق الازقّـة في حيِّنا

حين كنّا حفاةً صغار

حين نلتمّ بيتا فبيتا

نكاد نلامس كل القلوب التي عايشتنا

فتعصرني رعْدةٌ ماجنة

تعيد رفات حياتي

مُبْطئاً طاعناً مزّقته المنافي

أعودُ بحنّاء أهلي

أمرّغ هذا الجدار وذاك المزار

وتلك القباب على شاطئ النهرِ

مابين دجلة والكرخ و" القشلة " الصامتة

أعود وأنهك من تعبٍ يستريح بعظميَ

أدخل " عقد النصارى "

وأرشيف أهلي الغيارى

أرى محفلا ضائعاً للعراق

قلنسوة الراهب الموصليّ يقبّل وجهي

وكوفيّةً تحتمي بالعقال تؤازرني

وسروال جدّي من الكرد أمسحُ في ثوبهِ

عرَقَ الصيفِ والحيفِ والمنهكات

أحتمي، هرَبا من هجير

فألمحُ عمّي الافنديَّ " صبري "

"سدارتهُ" أبحرتْ عبر دجلة

من بصرة الشوقِ حتى رستْ

بميناء قلبي، شراعا عتيق

يميل كأعوامنا الماسخات

أمتطي غيمةً من دخان السجائرِ

أنفثها خصْلةً من غدائرِ محبوبتي

يومَ قبّلْتها في الوداع الاخير

وأقبرتها جنب أمي الرؤوم

أناشدُ ذاكرتي ان تحلّق في جنحها

لعلّي أحطّ على شاطئٍ

بين بحر العيون

بين نعْس الجفون

أنام هنيئا وأصطاد رؤياك في الحلْمِ كي أستريح

فهيهات هيهات ان أستريح

***

الى اين يدفعني الشعرُ!؟

خارت قواي

أريد الوصول الى غايتي ومناي

الى "خان مرجان " حيث المقامات دانيةٌ

لِنقطفَ ألحانها في النهاوند والرسْت حتى السحور

الى " شارع النهر" والسحر والعطر والغانيات

الى غرفةٍ

في "جبهة النهرِ"

نعْرى مع الموبقات

تجيء العواهر تقتاتُ أرواحنا علكةً بين أسنانهن

ونقذفُ شهواتنا حول تلك الخصورْ

وترجع مثل الفصول

كأيامنا الحالكات

***

الى أين يركلني الشعر في رِجْلهِ

الى حانةٍ في "الرشيد" انزوتْ مثل بلهاء ساكنة

تستحي أن تعبئ من خمرة الأمس دِنّاً وزِقَّا

تخاف اللحى الخادعة

عاقرت قتل من يحتسي لذّةً

حرّم الله نشوتها هاهنا

أباح لنا نهرَها في الجنان

هكذا دخلوا عقلنا

وسّخوا باحةَ البيت والروحِ

بأحذيةٍ قَــذْرةٍ موحلة

{جوادٌ جوادْ

أمازلت تسبي الهوى والجوى

وتبكي النوى والبعاد؟؟!

أجبني، كفاك العناد

كفاك تبوس تراب البلاد

وتعشقُ بغداد منذ المهادِ لحدّ الرقاد

كفاك بكاءً على الرائحين

كفاك كلاما على اللائمين

فجِـسْرُ " المسيّبِ " أضحى خيالاً بعيد المنال

خراباً يداسُ بهذا المداسِ وذاك النعال

نطاردهُ في أغاني الزمان المحال

وهشَّ الحديد بأركانهِ ناخراً

بقايا الجمال

وبغداد " كرخانةٌ " للزناةِ شبيه الرجال

وناعورةٌ تحتويها البغال

علامَ تدور، وتهوى الوصال؟

إلامَ تغني وتشدو: " أمانٌ..أمانْ "؟!

فهلاّ سكَـتَّ، خرسْتَ اللسان

فما من مجيبٍ وما من أذانْ

أإنصافُ منك تطيلُ الغياب؟!

وتنسى المباهج وسط الصحاب

فماذا أقول لمن شاقني في السؤال؟

وكيف أردّ الجواب؟

***

أيها الشِّعرُ هونا على شيخِك المستكين

هنا عثرتي عند " باب الأغا " أثقلت مشيتي

هنا كبوتي

على سفح دجلةَ لمّا سبحتُ بها

هروباً من الأمن والسافلين

سأبقى مكبّاً أديمُ صلاة العراق

وأصدحُ بين الركام

أبوسُ القفارْ

الى أنْ تلوّحَ كفيَّ يوم الغياب

***

ليث الصندوق

 

يأتي مصطلح الأنطولوجيا بِعدَّة معانٍ ، والذي يهمنا منها هنا هو معنى الوجود بوصفه فعل الظهور وخروج الذات أو ما فيها إلى العالم، ويبدو أنَّ معجم لالاند يرى أنَّ كلمة الوجود مشتقة من وجد يجد وجوداً بمعنى ظهر للعيان، أي أنَّها مقولة ظواهرية، وعليه، فإنَّ الوجود يرتبط بحسب دلالته اللغوية بما بدا في الخارج للعيان، وهناك من يرى أنَّ الوجود ينقسم على قسمين "وجود خارجي، ووجود ذهني، فالوجود الخارجي عبارة عن كون الشيء في الأعيان وهو الوجود المادي، أما الوجود الذهني، فهو عبارة عن كون الشيء في الأذهان، وهو الوجود يقابل الماهية" (1) ، ولعلِّي أجد في النتاجات الأدبية ما يمكن أنْ أعدّه من الوجود، ولما كان الإنسان هو مصدر من مصادر الكون، وهو المُنتج والباعث لإبراز ماهية هذا الكون، فهو موجد أشياءً جمَّة، لذا يمكن عدُّ النتاجات الفكرية والأدبية هي من  الوجود الخارجي.

وحين نقرأ مجموعة الدكتور صالح الطائي (تنهّدات على عتبة السبعين) التي صدرت في بداية عام 2023م ، وقد بلغ من العمر بضعة وسبعين عاماً نجده جسَّد فيها حنيناً لما يضمره قلبه من مشاعر دافئة، فبرَقَ بعضَها وفاءً لرفيقة عمره، إذ عبَّر عن شعوره تجاهها أنقى الكلام وأورف الصور، علماً أنَّ القصائد التي وجهها للمرأة بصورة عامة حملت في نسيجها عاطفةً جياشة على الرغم من أنها صدرت من مفكِّر أفنى عمره في التأليف، ولم نر له نتاجات رومانسية كما في مجموعته التي بين أيدينا، إذ كان جُلّ اهتمامه بالبحث والنتاجات العلمية، فقد ألَّف كتباً بعدد سني عمره أو يزيد، لكننا نراه في نصوصه الشعرية يفيض إحساساً دافئاً للحبيبة، فمن قوله في ذلك من قصيدته (يا ابنة السبعين): ص9

امسحي فوقَ تجاعيد المشــيبِ

وجراح القلبِ والأمـــسِ وأوبي

*

قبلةٌ منكِ تعيـــد الحبَّ لحنـــــاً

مثلما الفجرُ يُعتَّقُ بالغــــــروبِ

*

يا ابنةَ السبعين ما زالَ الهـوى

رعشةً والقلبُ يعلــــو بالوجيبِ

*

يا ابنةَ السـبعين يا طيف المُنى

يزدهي بالحبِّ والعيشِ الرغيبِ

*

أنا أشــــــريكِ بعمري كلِّـــــهِ

لثــــوانٍ كي أناديـــــــكِ حبيبي4674 صالح الطائي

فهو، ولكونه بعمر الشيخوخة، يظنُّ أنَّه يعيش مرحلة الذبول، ما يجعله يستعيد الحياة بحبٍّ أظهره وبكل عنف تجاه الحبيبة (الزوجة) التي سَقت هذا الحب منذ شبابه حتى هذه الأيام، فهو يلتمسها أن تمسح فوق تجاعيد المشيب؛ كون أصابعها هي ما تحمل الحنان، فحريّ بها أن تطفئ تلك التجاعيد؛ لتبحر به إلى أيام الشباب حيث الهوى والأحلام المفاضة بالجمال والحياة السعيدة. كما أنَّه يرى أنَّ قُبلةً منها يمكِّنها أن تجعل من الحبِّ لحناً، واللحن رمز الطرب والهيام، مشبهاً حاله في ذلك مثلما الفجر حين يُعتَّق بالغروب، مومئاً إلى العيش بين الواقع والخيال، ممازجاً بين الضياء والظلام، ليعبِّر عن اختطاط ثمالته بنشوة الغرام.

أما البيت الثالث، فيصف فيه أنه يعيش الهوى، والمُحبُّ عادة حين يلتقي الحبيب تتسارع نبضات قلبه، ما يجعله لا يستطيع أن يسيطر على ثبات جوارحه، لكن في الوقت ذاته أنَّ قلبه يعيش الحزن؛ لما بلغَ من خواتيم عمره.

والبيت الخامس ولشدة وفائه للحبيبة والتمسك بها، نراه مستعداً للتضحية بعمره كلِّه من أجلها - والجود بالنفس أقصى غاية الجود - فهو الباذل العمر من أجل أن يناديها بالحبيبة. وهذا البوح العاطفي يمثل نتاجاً وجودياً فاحتْ به قريحته، مختاراً صومعة الحُبِّ حين ضاقت به سني العمر؛ فاستأسدَ؛ ليقول مالم يقله لو كان في وضعه النفسي الطبيعي، هكذا هو بناء الوجود ونفحاته التي تظهرها القوى الخارقة من دواخل الذوات الإنسانية؛ ولكون الإنسان مثل الجوهر الخالق فهو خالق لوجود عَرَضي اسمه الإبداع، ممثلاً للنفحات الإنسانية الصادرة من الشعور والعقل الإنساني معاً.

إنَّ "فقدان الحياة لضيائها وحرارتها ودفئها يعني انعدام القيمة الإنسانية المثلى، والمعنى الإنساني العظيم، وتحول العالم الى خيبة كبرى تجر في إثرها وجعاً كالموت ثقلا وبشاعة، وكالغربة تشردا ويتما " (2)، ولعل الطائي ليس كغيره، فهو يحاول التمسك بصور الحياة المفعمة بالأمل؛ ما يجعله يطلب الحُبَّ؛ لإنارة دروبه المدلهمة التي لو تركها من دون أمل لصار الروح والجسد عليلين.

أما في قصيدته (شيخ وصبيَّة)، فنراه يعبِّر أصدق تعبير عن خلجات قلبه المفعم بالحُبِّ؛ نتيجة اغترابه واختناقاته من الروتين المُمل الذي يكاد يقضي عليه، فيهرب حيث لمسات الحنين والعواطف التي تمنحه الهدوء والسكينة فيقول:

لا أجيدُ نظم الشعر، فأنا لستُ بشاعر

لا أحسن السبك أو رصف القوافي

والقوافي، هي أيضاً قد تثور، وقد تجافي

لكنني يا حلوتي أملكُ قلباً عاشقاً

والعشق في بعض النفوس نهرٌ صافٍ

قد دلني الشوقُ إليكِ غيلةً.

سأسرقُ بعضاً من قصائد الغزل

وقصص العشاق والآهات والقُبل

وأحفظها على ظهر قلبي

وأنسبها لنفسي، ثم أقرؤها حينما تمرِّين بقربي

علَّكِ يا حلوتي ستشعرين فقري وتنظرين جدبي

علَّكِ أن تعشقي شيخاً تصابى

ولا في ركام عمري بعدٌ يريني القهر والحرمان

حبِّيني أيا مهجة عمري. (ص 97)

يبدو أنَّ الشعر "ليس زينة وتجسيماً للحياة، وإنما هو كشف عن عالمٍ مجهول" (3) ما نراه في هذا النص محاولته تقمص روح الشباب للعودة إلى يوتوبيا تجعله يتجاوز حالة اليأس والقلق، ونهاية المطاف، فنراه يطمح للعيش مع ترف الحياة، فهو يأمل أن يعيش مع شابَّة تخرجه من هذا السجن الذي أثقل كاهله، وكأنه في النص يحاول أن لايلتزم بالبديهية التي يحملها قول الشاعر:

ذهب الشباب فمـــا له من عودةٍ

وأتى المشيب فأين منه المهربُ

مسلياً نفسه بهذا الوهم؛ كي يسلو القهر والحرمان، طالباً الحُبَّ من فتاته التي يحفظ الأشعار لأجلها؛ ليلفت انتباهها إليه، متوسلاً بها أن تمنحه رشفات حُبِّ هو بحاجةٍ لها؛ ما يدعونا أن نستشعر الحالة التي يعيشها، ومثلما قلنا سلفاً أنَّه يتهرب مما يعانيه من قلق تجاه واقع مأزوم وخوفٍ من النهاية الحتمية التي يخشاها معظم البشر.

***

بقلم: د. رحيم الغرباوي

.................

الهوامش:

(1) الأنطولوجيا في المصطلح والمفهوم، ياسين حسين الويسي، العتبة العباسية المقدسة، بيروت، ط1، 2019م: 17

(2) معارج المعنى في الشعر العربي الحديث، د. عبد القادر فيدوح، دار الزمان للدراسات والنشر، سورية، ط1، 2012م: 175

(3) آليات الشعرية الحداثية عند أدونيس، د. بشير تاوريريت، عالم الكتب، القاهرة، 2009م.

 

مقدمة: لعل رواية عروس الفرات انعطافة مميزة في نمط مؤلفات المؤرخ والباحث الكبير الدكتور علي المؤمن، ذلك أننا تعودنا منه البحث في طيات التاريخ السياسي، وفي الفكر الإسلامي والفكر السياسي، وهو ما أعطى لمؤلفاته سمة البحث العقلائي المدعم بالأسانيد من جهة، ومن جهة أخرى عدّت مصدراً موثوقاً لمن يقتفي المعلومة النقية والتحليل الموضوعي.

وبذات النكهة الجميلة كانت روايته هذه؛ فأنت حين تقرأ، تتنقل بهدوء بين مشاهدها، غير مرتاب من مبالغة أو اختلاق لما لم يكن، سيما وأنه يتحدث عن بيئة نشأ وترعرع فيها، وأبدع في أن يجعل حواسنا تسمع وتشم وتعيش نفحات مشاهدها السعيدة، ونحزن وتنقبض قلوبنا وهو ينقلنا الى مشاهد الهمجية البعثية، وقد عشناها لحظة بلحظة، نعم؛ وصلتنا في هذه الرواية رسائل عديدة، ستبقى تتنقل من جيل الى جيل دون عناء، ممتطية صهوة قلمه المبدع في هذا النوع من التأليف غير النمطي للدكتور علي المؤمن، الباحث في شؤون الدين والسياسة.

رأت رواية "عروس الفرات" النور في العام 2016، بعد عقود مرّت على أحداثها، وطبعت في مرحلة مهمة من تاريخ المجتمع العراقي، حيث غابت أو غيبت تلك الحقائق، بكل ما فيها من ألم وتحد، وآيات من صمود لشبيبة متعلمة قل نظيرها، سلاحهم العلم ومدادهم الأدب وقدوتهم نبيهم وأئمتهم من ولده، فتحوا قلوبهم لكل إنسان عايشهم، حاملين شعاراً مقولة مولاهم أمير المؤمنين (عليه السلام): (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)؛ فما أحوجنا لمثل هذه النماذج الفريدة من نوعها لجيل جديد كاد أن يفقد قدوات حسنة، وتجذبه وسائل التواصل؛ لتحرف مساره بعيد عن إرثه الديني والحضاري.

لقد اعتمدت في دراستي هذه بتناول رواية "عروس الفرات" من محاور عديدة، أزعم أني تصفحت عبرها أغلب ما جرى من أحداث ومشاهد اجتماعية سياسية عراقية خلال الأعوام 1979 ـــ 1982. وعلى الرغم من أنني سبق أن قرأت الرواية، إلّا أن القراءة بقصد الدراسة البحثية هي شيئ مختلف، فتح لي آفاقا لم ألتفت اليها من قبل.

المحور الاجتماعي في رواية عروس الفرات

جسّد علي المؤمن في روايته تفاصيل دقيقة لحياة الأسر العراقية الأصيلة، ووصفتها وصفاً جميلاً يجعل المرء يستشعر المكان استشعاراً حياً، ويكاد يشم عبق زهوره عند الحديقة، ويدخل الدفء الى نفسه عندما يصف اجتماع أفراد عائلة السيد عبد الرزاق الموسوي حول المدفأة تجنباً لبرد الشتاء القارص في تلك السنوات، وتكاد رائحة الشاي وراتنجات قشور البرتقال تلامس أنف القارئ لهذا المشهد، ومن هنا يمكننا القول:

1- إن الرواية تعد مصدراً يؤرخ للتراث الشعبي السائد في القرن العشرين، وخاصة عقود الستينات وحتى التسعينات، حيث عرضت البيئة عراقية، بما فيها سلوك العائلة اليومي، عبر قيم متوارثة من الآباء الى الأبناء، بكل مصداقية وحرفية، وبينت كيف كان المجتمع العراقي مجتمعاً متماسكاً، انطلاقاً من الأسرة ذات العلاقات الحميمة، ونقول بحق: إن ما وصفته الرواية هو عراق ما قبل الغزو الفكري العلماني المتجسد بسلطة البعث وماتلاها.

2- أبدع المؤلف في مشهد عقد القران، والتمازج الاجتماعي بين عائلتين، يرأس إحداهما  سيدٌ معممٌ وأخرى يرأسها رجلٌ معّقلٌ، وما بينهما رجال من مختلف الأزياء السائدة آنذاك. وحفظ المؤلف الذاكرة الاجتماعية عندما وصف لحظات عقد القران، وما جرت عليه عادات الأسر الكريمة من حشمة ووقار، ونمط الأفراح المحافظة، حيث فصلت تواجد الحاضرين الرجال في حديقة الدار، بينما النساء يحطن بالعروس، يزغردن ويهزجن من مورثات شعبية جميلة، نكاد نفتقدها، عبر ما يحدث في حفلات زواج مختلطة تأثراً بثقافة دخيلة على العراق، مهد الحضارات ومهبط الرسالات ومثوى الأنبياء والأئمة الأطهار.

3- وثق لنا المؤلف ظاهرة الأسر المركبة في بيت واحد، مهما كانت مساحته، حين يتزوج الأبناء الذكور ويبقون في ذات مسكنهم الأصلي، ويعيشون بسلام ومحبة، ويتربى الأحفاد في أحضان الأجداد، هذه الظاهرة كانت سبباً رئيساً في توارث القيم النبيلة والسلوك الصالح، فضلاً عن فيض من الحنان الذي يناله الأطفال من الأجداد كل يوم ولحظة، بينما نرى اليوم الأمهات يعانين من صعوبة التربية والعصبية، وقلة الخبرة في التعاطي مع الأطفال، في حياة تزيد من ضغوطها عليهن، ولا سيما بالنسبة للمرأة العاملة، حيث يفتقر الأبناء الى مصدر نقي للتربية وإثراء الروح بتلك القيم، ولعل أحب طريقة لزرعها وانجحها هي قصة ما قبل النوم أو جلسات الليل في الشتاء، وهم يحيطون بالمدفأة النفطية وابريق الشاي يعتليها. كما أن المعيشة المشتركة تجعل الجميع يعيش بقواسم المصير الواحد والهدف المشترك وتتوحد التربية وتتوطد علاقاتهم مع الأقارب وليس كأيامنا صار الجيل الجديد يجد ضالته في الغرباء ولا يمت بصلة حميمة لأقاربه من أبناء الأعمام والأخوال.

المحور السياسي

أبدع المؤلف علي المؤمن في إيصال رسائل متعددة عن الواقع السياسي في العراق آنذاك، فضلاً عن الاجتماع السياسي للنجف الأشرف مدينة إمام المتقين؛ فعلى الرغم من أن يوم  17 تموز 1968 يعد يوماً اسوداً في تاريخ العراق لوصول البعثيين لسدة الحكم، إلّا أن الرواية بيّنت أن صدام حسين كان أشد إجراماً من سابقه أحمد حسن البكر، إذ كان صدام هو الجانب المنفذ لكل مخططات الاستكبار بكل طواعية، ولكونه مدعوماً منهم؛ فقد كان القرار بيده حتى حين كان نائباً للبكر. أما تاريخ 17 تموز 1979 فهو بداية علنية لسلطة الفرد الواحد المستبد، والمواجهه الحقيقية بين "الدعاة" والبعثيين ورئيسهم المحب للدماء صدام:

1- سلطت الرواية الضوء على العمل التنظيمي لحزب الدعوة الإسلامية، حيث أبدع المؤلف في وصف مشاهد عاشها "الدعاة" في العمل الحزبي السري، حيث كانت الأنفاس تعد من قبل أزلام البعث، وتكاد تطبق على كيان الفرد العراقي من خلال إشاعة (للحيطان آذان)، هذه العبارة التي جعلت المواطن العراقي في حالة اغتراب نفسي واجتماعي، واستلاب لكل معنى للحرية، كما أبدع الكاتب في التعريف بالعمل التنظيمي من خلال السرد السلس الممتع، وليس الشرح المباشر، وبيّن حقيقة أن خيرة الشباب المتعلم والمتدين ومن ينتمي لأصول اجتماعية عريقة، هو "الداعية" المتفاني في خدمة عيال الله، فضلاً عن الإقدام والشجاعة وحصافة الرأي في اتخاذ القرار الشرعي، مهما كانت نتائجه، وقد تجسد هذا النموذج ببطل الرواية الداعية أحمد عبد الرزاق، الموظف النزيه المحبوب من جميع زملائه في العمل، كما بيّنت الرواية تعامل أبناء عبد الرزاق مع أبيهم بطريقة الأخوة والصداقة، وهذا يدل على وعي وحرص في تربيتهم وتنشئتهم الدينية والسياسية.

2- وضحت الرواية في بعدها السياسي، همجية السلطة الحاكمة التي كان أعضاؤها والعاملون معهم من شراذم الخلق، وعندما تسلطوا على رقاب الشرفاء من العراقيين أساؤا استخدام السلطة وطغوا بكل معنى للطغيان، وأظهروا كل ما لايمكن وصفه من خسة ودناءة، كما كشفت الرواية عن غياب وانعدام مبدأ (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)، والتي وردت في مواد كل دساتير العراق، ومنها الدستور المؤقت لعام 1972، والذي استمر العمل به لما يقارب ثلاثين عاماً دستوراً رسمياً للعراق، بينما كان المتهم لدى النظام البعثي مجرماً وإن ثبتت براءته. ولم يكتفوا بهذا القدر من الطغيان، وإنما عاقبوا العائلة فرداً فرداً على ما لم يفعلوه، متجاهرين بالتحدي بقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، حين كانوا يعتقلون عائلة المتهم صغاراً  وكباراً، دون أن يكون لأي منهم تهمة محددة، وهو مافعلوه بالضبط مع عائلة السيد عبد الرزاق الموسوي، حين قتلوا الصبي في الشارع، وهشموا رأس الطفل في المعتقل، وبقروا بطن الحامل، واغتصبوا الشابة، وأعدموا الرجل العجوز، وعذبوا المرأة الكبيرة، كل ذلك بسبب أنهم أقارب متهم هارب، لإجباره على تسليم نفسه!!.

ومن المؤكد في هكذا ممارسات عشنا تقاصيلها، كوني معتقلة سياسية، أن يتم  إعتقال عائلة المتهم جميعهاً، دون مذكرات قبض قانونية؛ إذ كان الطاغية صدام فوق القانون الذي شرّعه هو، وأعطى لقراراته وقرارات ما كان يسمى بمجلس قيادة الثورة، الذي كان يترأسه، قوة القانون، وبذلك انتهك الدستور علانية، ووصل به الحال ان يتجرأ  باختصار العراق بشخصه، عندما قال عبارته الشهيرة: (اذا قال صدام قال العراق).

المحور العسكري

وصف مؤلف "عروس الفرات" الحرب المفروضة على بلدين مسلمين بطريقة من عاش أحداثها أولا بأول، وعلى الرغم من الإسهاب والتفصيل الدقيق، لكنه لم يكن مملاً، بل نقَلنا لتلك الأجواء المؤلمة نقلاً سلساً، خاصة أننا عشنا كل لحظة فيها. ونتناول هذا المحور عبر:

1- أثر الحرب على الأسر العراقية؛ إذ بيّن الكاتب في مفاصل من روايته كيف عاش العراقيون حياة التعتيم، وقضوا لياليهم تحت ضوء الفانوس، فضلاً عن الشعور بالهلع من تداعيات الحرب. وبيّن الشعور بالمسؤولية الشرعية من المشاركة في الحرب من قبل عائلة السيد عبد الرزاق، وتجسيد مشهد القلق الذي انتاب العائلة جميعاً، عندما علموا بأن مواليد ولدهم أحمد مطلوبة للالتحاق بالخدمة العسكرية، وكان خوفهم من اقتتال المسلمين (مسلم يقتل مسلما)، وليس الخوف من الموت، وكيف كانت قرارات الطغمة الحاكمة جائرة في كل من لايلتحق بالجيش، وكيف هجموا على الدار الآمنة بكل همجية، وعاثوا فيها، ونشروا الخوف في قلوب  كل أفرادها، وكأنّ ولدهم قاتلاً أو مجرماً، وليس مجرد متخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية. وكان قرار أحمد بأن يعتزل العالم ويبقى حبيس الدار، قراراً شجاعاً، ودلّ على مدى التزامه الديني بعدم مقاتلة أخوانه في العقيدة، على الرغم من القلق الذي شعر به والداه.

2- كشفت الرواية، دون أفصاح، عن مدى الخرق الذي اخترق به الطاغية بنى المجتمع، وزرع أعينه وجواسيسه بين الجيران، في الحي والزقاق الواحد، وعلى الرغم من التزام احمد بعدم الخروج من البيت؛ فقد استدل أزلام السلطة عليه، وعلموا أنه هارب من الجيش؛ فمن أعانهم على ذلك!.

3- أثر الحرب في سلوك أزلام السلطة تجاه الهاربين من الجيش، حيث وصف الكاتب كيفية تعاملهم القاسي جداً مع الهارب من الخدمة العسكرية، وتعذيبه بشتى انواع التعذيب الجسدي والنفسي، وكان هذا ديدنهم مع كل من يخالف نهجهم العدواني .وركّز الرواي على نوع من السلوك تميز به النظام القمعي، ألا وهو (التطويع) القسري، حيث يجبر المعتقل السياسي وأبناء العوائل المهجرة، وعموم الرجال من غير العسكريين، على (التطوع) للالتحاق بجبهة الحرب، من خلال ما يسمى بــ (الجيش الشعبي )، الذي يشمل الذكور من عمر (15- 55) عاماً، وهي القوات الايديولوجية الشعبية الرديفة للجيش الرسمي. كما يصف الكاتب إجراءات عناصر الجيش الشعبي التي يرعبون من خلالها العوائل باقتحام البيوت الأمنة بحثاً عن الرجال، ليسقوهم الى جبهات الموت، وهي الإجراءات القمعية التي سيق من خلالها أحمد الى الجبهة، وعدد كبير من المعتقلين، دون أن يخبروا أهاليهم بذلك.

4- أثر الحرب في سلوك منتسبي الجيش العراقي، إذ أبدع المؤلف في وصف مشاعر الجنود العراقيين وهم يجدون أنفسهم قد زجّوا في حرب دامية لاناقة لهم ولا جمل، ولايعرفون أي هدف مطلوب منهم تحقيقه!. وكان أحدهم يشعر أنه وقود لهذه النار المستعرة، دون اعتقاد أو إيمان بها، وأنه يكره وجوده في الميدان، ويترقب أية فرصة للهرب، وإن كان فيها موته المحتم. ولعل المشهد الذي وصف فيه المؤلف تصرف مراقب الفصيل العسكري عندنا لمح أحمد وزميله عباس وهم يهربون باتجاه ايران؛ دليل على انعدام العقيدة لدى الجيش بهذه الحرب.

5- المشهد المؤلم لوفاة عباس في الصحراء خلال هروبه من الجبهة؛ فإن الكاتب قد أبدع فيه؛ فهو ينقل مشاعرنا بين الطرافة التي كانت تجري بين هذين المظلومين أيام دراستهما وأيام شبابهما، وبين الأسى الذي يعيشونه وهم يسيرون بين حقول الألغام، مجازفين بأرواحهم، كي ينجوان من التورط في دم المسلم. وما أروع ما كتب عن لسان عباس الداعية، الذي لم يوص بأهله بقدر ما ناجي السيد الشهيد محمد باقر الصدر، وخاطب الدعاة الشهداء الذين سبقوه، نعم؛ بقي على عقيدته حتى آخر أنفاسه .

6- يمضي أحمد في طريقة اللاهب، يعين جسده المتعب بقوة الايمان والعقيدة، يتنفس الصعداء عند وصوله الجبهة الأخرى، وليصف لنا المؤلف كيف هي مشاعر المجاهدين الذين فارقوا الأهل والاوطان، وكيف يتوجهون بأنفسهم باذلين دماءهم للتحرير من ربقة الاستبداد .

القمع والقسوة البعثية

جسّدت رواية "عروس الفرات" مشاهد متعددة للقمع البعثي في كل فصولها:

1- خارج المعتقل؛ بدءاً بممارسات اقتحام الدور والاعتقال بدون إبداء مذكرة اعتقال، وانتهاءً بممارسات التعذيب وانتهاك أبسط حقوق الإنسان في دهاليز المخابرات وأقبية دوائر الأمن، التي سلبت أمان الأسر الأصيلة ولم ترع حرمة لأحد.

2- تجسّدت قسوة عناصر النظام البعثي وجرأتهم على الدماء، في مشهد قتل الفتى الطالب ياسر في الشارع؛ فمن أعطاهم هذه الصلاحية في إراقة الماء؟ إذ بين المؤلف أن أزلام الطاغية لا رادع قانوني لهم، وان مبدأهم هو أن قريب كل متهم هو مجرم وإن تثبت براءته.(1)

3- أما داخل المعتقلات؛ فقد أظهر المؤلف الصورة الحقيقية لانسلاخ جلادو الطاغية من انسانيتهم، ووحشية تعاملهم مع عائلة السيد عبد الرزاق الموسوي، حيث لم يراعوا حرمة امرأة مسنة كأم عادل، ولا شيخاً وقوراً كالسيد عبد الرزاق، ولا امرأة حامل، وحتى الطفولة؛ إذ لم يبالغ المؤلف في مشهد قتل الطفل البرئ علي، وإزهاق روحه خنقاً بيد ضابط التحقيق، نعم؛ نقل لنا المؤلف مشاهد بسيطة لقسوة ما عهده العراقيون من نظام البعث.

4- أوضح مؤلف الرواية المبدع، بطريقة مقنعة، مشهد انهيار ياسمين واعترافها على هروب زوجها أحمد، وهي ترى طفلها الوحيد يلفظ أنفاسه خنقاً حتى الموت، ذلك أن قلب الأم لا يمكن أن يقاوم رأفته بأطفاله، ولا سيما أن ياسمين كانت حاملاً؛ فهي ــ إذاً ــ كانت تتعرض لضغوط نفسية موجعة جداً، قد تفوق ضغوط غيرها، ولا يمكن لأي أم أن تكون أما إن قاومت ماجرى لصغيرها الوحيد.

التهجير القسري

شابهت مشاهد محور التهجير (التسفير)، لدرجة ما، مشهد هروب أحمد ورفيقة عباس، من حيث وصف المنطقة الحدودية بين العراق وجاره اللصيق ايران، إلّا أن المأساة كانت متجسدة أكثر في هذا المشهد الذي يخص ما أسماه النظام البعثي العراقيون من ذوي الأصول الإيرانية (التبعية):

1- حنين المهجرين (المسفرين) الى الوطن، وهم بعد لم يغادروه، وما أعمق عبارة الرجل المسن الذي فارق وطنه، وهو ينادي نهر الفرات، وكيف أنه سيفارقه الى الأبد، بسبب سياسات البعث الهمجية.

2- مآسي الأمهات والأخوات والزوجات المهجرات، اللائي اعتقل رجالهن الذين هم بعمر 18 ـــ 38 سنة، دون سبب، سوى أنهم من أبناء المسفرين، وكيف تركوهن يواجهن مصيراً مجهولاً على أيدي هؤلاء الطغاة، نعم؛ لم يتم الإشارة سوى الى الرجال الكهول بين المسفرين، وهنا؛ تعددت أوجه البلوى على المهجرين قسراً (المسفرين)، فهي ليست سفرة عائلية ترفيهيه، بل تهجير قسري، شتت شمل الأسرة، ونهب كل ما تملك، ليجعلها بين عشية وضحاها لاتملك سوى ماترتديه من ملابس فقط!.

3- في هذا المفصل من الرواية، تحدث المؤلف بطريقة السرد الضمني، ليصف لنا تحالفاً مشؤوماً بين أكراد منشقين عن الجمهورية الاسلامية وبين سلطة الطاغية صدام،  وكيف أن هؤلاء المرتزقة الذين جمعهم بنظام البعث عداوة الإسلام، وقد فسح لهم مجال التعدي على حرائر العراق من تلك العوائل التي سلبت كل حقوقها، وسيقت الى مجهول، بعد أن فقدت الأحبة، بين معتقل وبين فاقد للحياة في طريق التهجير.

4- لم يرحم نظام البعث العوائل المهجرة، حتى الطريق الذي خصصه لهم هو من مناطق الأراضي الحرام التي زرعت فيها الألغام، وكانهم قاصدين فيها أن يموت المسفرون، ولا يصلوا الى الجانب الأخر، إذن؛ هو حكم بالإعدام مؤجل التنفيذ؛ فأي حقد هذا؟!. ويتعجب المرء كيف تناسى هؤلاء الجلادون تلك القواسم المشتركة بينهم وبين هؤلاء المسفرين!؟، ألم يكونوا يوماً جيرانههم ومعارفهم وزملاؤهم في العمل؟!

5- جسّد المؤلف كيفية قيام حكم البعث وحقبته المظلمة بدق إسفين التفرقة وزرع العداء في قلوب بين أبناء الشعب الواحد، إذ لم يكن متوقعاً أن يحصل كل هذا الشذوذ بين أبناء الشعب المتكافل المتراحم، حتى ابتلاهم الله بنظام البعث.

خاتمة الرواية

ختم الدكتور علي المؤمن روايته بأجمل ما يكون، حيث تجسّدت العقيدة الحقة في قلب ومواقف الداعية أحمد عبد الرزاق، وعلى الرغم من إيمانه بأحقية عقيدته، إلّا أنه أتاح لعينيه ذرف الدموع، وتوجّع قلبه المكلوم وارتجف لفقد أحبته واحداً بعد الآخر، وقد أبدع المؤلف في هذا المحور حين جعل نقل الأحداث على لسان ياسمين، زوجة أحمد، وبأسلوب الـ (فلاش باك)، وهي المرأة التي ثكلت بفقد طفلها وجنينها في ذات الوقت، ولكنها صبرت وتخطت الصعاب، ووصلت الى زوجها عبر رحلة مميتة؛ إذ أراد المؤلف أن يبقي ياسمين حية، لتكون شاهد العيان الوحيد على نكبة عائلة السيد عبد الرزاق الموسوي، وليحفظ عبرها هذا الجزء المهم من التاريخ.

وبهذه الخاتمة الذكية، المتعارضة في مشاعرها، بين فرحة تجدد اللقاء بالحبيب، ورقة حديث أحمد مع زوجته ياسمين، وتراجيديا الأحداث القاسية؛ يلملم الكاتب أطراف الرواية وشخوصها العديدين، بنهاية اختصرت معادلة تنازع الأكف البيضاء مع الأكف السوداء، منذ ملحمة الطف الخالدة، لتبثّ رسالة الى الأجيال على لسان السيد أحمد عبد الرزاق، الذي قال عبارة مؤثرة: بأنه (بقية السيف). نعم؛ فقد فنيت العائلة، إلا أن الله أبقاه وياسمين، في دلالة أراد بها المؤلف أن العمل الاسلامي ماض على يد أبنائه، مهما سالت دماؤهم في بقاع الأرض، وأن الشهيد لم يمت قط، كما أراد الطغاة، بل هو ممتد، وببركة دامائه يحيا من سار على دربه أينما كان، وكما قال الشاعر (فحبوب سنبلة تجف.. تملأ الوادي سنابل).

نقد للرواية

لا يمكن أن ننقد رواية "عروس الفرات" بكل ما فيها، إلّا نقداً داعماً، من حريص يسعى الى سد ثغرات جمال مشاهدها، وإضفاء رتوش تزيدها كمالاً، ولست هنا في مقام النقد الأدبي المجرد لهذا السفر العابر للعقود الزمنية، والمادّ أواصر الماضي البعيد بالأمس القريب، ولكن من منطلق كوني صاحبة تجربة في العمل الإسلامي المعارض، وفي الملاحقة والاعتقال والتعذيب والسجن في زمن نظام البعث؛ فقد دوّنت بضع ملاحظات، لا تنقص من قيمة الرواية، وإنما وجهة نظر ارتأيتها:

1- افتقرت الرواية استخدام اللهجة العامية، مما جعل بعض العبارات الواردة فيها لاتعبر عن المشاعر في المشهد، وخاصة في حالات لاتترجمها اللغة الفصحى ترجمة مؤثرة.

2- يبدو أن المؤلف لم يخض تجربة الاعتقال أو السجن، لذلك؛ لم يكن وصفه كمن عاش التجربة، وإنما كانت وصفاً سماعياً. وعلى الرغم من أنه قد أبدع في الوصف لكل مشهد من مشاهد تعامل الجلادين مع عائلة السيد عبد الرزاق، ولكن لم يكن بعضها واقعي لدرجة ما، وكمثال؛ فقد ذكر أن أم عادل قد زارت ابنتها شيماء في معتقلها، وهذا لم يكن متاحاً إطلاقاً، بل كانوا يعمدون لتفريق أبناء الأسرة الواحدة والقضية المشتركة.

3- لم تكن أساليب الجلادين الملتوية في تلك الدوائر المرعبة، بوتيرة واحدة، وإنما كانت بين الترغيب والترهيب، بحسب دورات تدريبية لإعدادهم للقمع والاجرام، وهذا لم يرد في الرواية.

4- أبدع المؤلف في وصف شخصية ضابط التحقيق وقسوته وخسته وعدم تورعه عن أي جرم، من خلال مشاهد ضغطة على السيد عبد الرزاق، بطريقة افتقرت الى أي نوع من الإنسانية، لكن حواراته مع السيد عبد الرزاق لم تكن واقعية، لأن الجلادين لم يكونوا يسمحون بأي حوار مع المعتقلين، وخاصة بمثل عبارات الرواية.

5- على الرغم من أن التعذيب الوحشي هي سمة لكل أزلام الطاغية وجلاديه في أقبية المخابرات ودهاليز الأمن المتعددة في كل العراق؛ فإنه من المعتاد أن يموت المعتقل على أيديهم خلال جولات التعذيب الجسدي، وحتى النفسي، لذلك؛ لم يكن مشهد إعدام شيماء واقعياً؛ إذ أن دوائر التحقيق لايوجد فيها مقاصل إعدام وأعواد مشانق، فإذا لم يقتل المعتقل أثناء التحقيق؛ فإنه يحال على محكمة الثورة سيئة الصيت، ليتم الحكم عليه بالاعدام شنقاً حتى الموت، كما تحال النساء المحكومات بالاعدام من الى سجن الرشاد، القسم السياسي الثالث، الذي يحتوي غرفة مخصصة لانتظار تاريخ تنفيذ حكم الاعدام، والذي لاتتجاوز شهراً واحداً غالباً،(2) أو تساق المعتقلة مباشرةً الى المقابر الجماعية أو ساحات الاعدام بإطلاق الرصاص، أو أية وسيلة أخرى، ومن ثم يعد لها مقتبس حكم صادر من محكمة الثورة، وهو ماحدث في العام 1982 مع عشرات المعتقلات الشابات اللواتي ساقوهن الى المقابر الجماعية من معتقل مديرية أمن الثورة (مديرية أمن صدام فيما بعد)، وصادف ذلك في وقت السحر من إحدى ليالي شهر رمضان، حيت عاد الجلادون الذين ساقوهن صباح اليوم التالي وهم يحملون معاول الدفن وعبائات المعدومات. ثم بعد سقوط نظام البعث في العام 2003، وجد أهاليهن مقتبسات الأحكام التي تنص على أن محكمة الثورة حكمت عليهن بالاعدام(3). لذلك؛ كان الأجدر بالمؤلف أن يختم قصة شيماء بإطلاق النار عليها خلال التعذيب، أو خنقها كابن أخيها علي، أو أذابتها في التيزاب (حامض النتريك المركز) كالشهيد عبد الصاحب دخيل، أو سوقها الى المقابر الجماعية.

***

إعداد: د. عطور الموسوي

...................

(1) منح صدام حسين صلاحيات القتل حتى لرجال المرور، فضلاً عن المحققين في دوائر المخابرات والأمن المتعددة؛ إذ صرح المحقق فراس التكريتي في مديرية أمن الثورة جهاراً: (إن الريس أعطانا صلاحية قتل من 6 الى 7 أثناء التحقيق، نقلاً عن السجينة السياسية باسمة عبد الأمير، التي حكم عليها بالسجن المؤبد وفق المادة 156 ب، الخاصة بالدعاة، وهو ما عرف بقرار إعدام الدعاة (شاهد عيان).

(2) ينظر: د.عطور الموسوي، "وتلك الأيام: مذكرات طالبة جامعية تحكي قصص القمع والارهاب في سجون صدام"، ص309، دار العارف للمطبوعات، بيروت، 2021.

(3) المصدر السابق نفسه، "عند السحر رحيل دون وداع "، ص231.

 

تقديم: تروم هذه المقالة تأويل مفهوم التخيل داخل منظومة السرد الروائي المتكئ على فكرة التاريخ، من خلال رواية (الحدقي) للمبدع الموريتاني أحمد فال ولد الدين، الصادرة في طبعتها الأولى عام 2018 عن مسكيلياني للنشر والتوزيع بتونس. والصادرة أيضاً هذا العام 2022 عن المجلس الأوروعربي للفكر والدراسات والترجمة ببلجيكا.

نسطرأولاً احترازاً منهجيا ومركزياً يسري على كل خيوط التخيل الآتية في غضون المقاربة مفاده أنّ عملية التحليل هنا لا تهتم بتتبع الأحداث بتاتاً، ومن ثمة فكل قارئ راغب في الاستمتاع بالوقائع لن يجد ضالته هنا. وإنما همّنا الاجتهاد في رصد خيوط المتخيل التي اشتغل عليها لاوعي السارد، واشتغل عليها وعينا لتقريب المتلقي من بنيات التشكل الروائي وهو يراوح بين زمنين مختلفين بل متباعدين في مقولات التحقيب أشد البعد: زمن الجاحظ في العصر العباسي وزمن محمد القروي المعاصر لنستقرئ كيف تمّ هذا التداخل وفي أيّ جمالية سردية.

- في المفاهيم

لا نروم بحثا في إطار المفاهيم ولا في إشكالاتها المتعلقة بالاختلاف أو التعدد أو الخصومة أو حتى الخصوبة في هذا التعدد بقدر ما نهدف إلى طرح المتفق عليه والمتواضَع في المجال. ومن ثمّة فمقالتنا لا ترمي إلى الجدل في هذه المفاهيم لأن غرضنا لصيق أولا بإمكان تأويل بعض مقاطع رواية الحدقي وثانيا بما يخدم الرواية من آليات نشتغل عليها لتقريب التأويل الممكن من متنها واحتمالات فائض سردها.

تقريب السرد:

نعتبر السرد قبل كل شيء فعلا سيميائيا لا يقدم حدثا في الزمن فحسب وإنما يعيد ترتيبه في الزمن. ومن ثمة فالسرد نشاط إنساني غير مشروط بزمن دون آخر. كما أنه يخرج من تحديده المرتبط بفعل الحكي إلى المستوى النظري الذي يجعل منه منتَجا متغيرا في عمليات بناء الأحداث الحقيقية أو المتخيلة، مقدَّمةً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في وسائط مختلفة منها الشفوي ومنها المكتوب وغيرهما...

تقريب المتخيل:

و نعتبر المتخيل الذي أشرنا إليه في عنوان المقالة بمفردة (الورقي) باعتبار الورق مساحة من المخيال الحاضن للكتابة السردية المتخيلة. والتخيّل هو التصور في ظنٍّ وشبَهٍ مصداقا لقوله تعالى (قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى)1.

والمتخيّل في نظري هو ذلكم الموجود الورقي2، الذي ينتجه السارد متخطياً لحظة الواقع متعاليا عليها في وضع إبداعي خاص. وفي هذا الإطار يتجاوزالمتخيّلُ (الموجودَ ويتخطاه ولكنه يتمثل في كل لحظةٍ ذلك المعنى الضمني للواقع)3 انطلاقا من قدرة المبدع على استدعاء ملكاته الذهنية في شرطين اثنين هما إعادة الصور الماضوية من جهة وإبداع صور جديدة من جهة ثانية.

تقريب التأويل:

و أما التأويل فهو في نظري حضور القارئ أو المتلقي الفاعل بمكر فنّيّ في عذرية المتن الروائي. على اعتبار أن التأويل هنا يرتبط بإعادة إنتاج النص من قِبل ذات أخرى خارج الذات المؤلفة، تحمل القيمة المضافة إلى المعنى، وتحوّل هذا القارئ إلى كائن يعقل الخطاب خارج الخطاب ذاته من خلال قدرته على ممارسة عمليتيْ التفكيك والتأويل (إنه كينونة مفكرة خارج الخطاب وعوالمه، وليس في يده الا التفكيك والتأويل والإحالة، قبل أن يقوم بتحويل النص من وهم لمعنى ما إلى وعي بأن المعنى لا حدود له لأنه ينبغي على القارئ أن يشك في أن كل سطر في النص يمكن أن يخفي معنى سرّيا)4   

والتأويل هو نظرٌ عميق في الوحدات الكلامية التي تحمل معرفة قبلية محكومة في سياق معين يضبط عمليات التفسير والتخريجات حتى لا تشط بعيداً خارج الشرط المنهجي.

من هنا فرواية الحدقي نص سردي متخيّل ومتخلّق في رحم مناخ اجتماعي وثقافي خاص يلقي بنا في أتون سياقات متعددة من التشكيل الفني لقضايا عصرين متباعدين في الزمن. إن النص الإبداعي سيرورة فنية تتخلّق في (مناخ سوسيولغوي يتفاعل معه الأديب بوصفه منظومة لغات جماعية إيديولوجية، تتفاعل مع الموروث الحضاري، وتستحدث تقنيات جديدة، تخترق الفضاء، وتختزل الزمن، وتنفتح على طاقات من التخييل يصعب الإمساك بتلابيبها)5.

- في متن الرواية:

في تصور فنّي إبداعي يرسم الكاتب الموريتاني أحمد فال ولد الدين جسوراً سردية بين الراهن والماضي يقلّص فيها المسافات التاريخية بين لحظتين واحدة في قلب التراث وثانية في صميم المعاصرة. وفي هذا المتن يرصد الراوي سيرةَ أبي عثمان محمد بن بحر الجاحظ متتبعاً تفاصيل حياة هذ العلَم التاريخي منذ صباه حتى أفوله تحت أثر داء الفالج. بموازاة لذلك قدّم صورة البصرة في العصر العباسي عبر سيروراتها الثقافية العربية والإسلامية. وقد اختار الراوي تقنية السرد المتخيل بإدماج سيرورة أخرى ترتبط بالمعاصرة في شخص مدينة الدوحة وفي شخص قوة فاعلة هي محمد القروي الشنقيطي الذي يعمل في قناة العروبة مدققًا لغويًا في سياق مهني غارق في كساح اللهجات العربيّة، مما سيدفعه إلى الذود عن حمى اللغة العربية شانّاً حربه الهوجاء على كل من يلحن أو يعبث بقواعدها . والنتيجة ستكون إبعاده من هذا المنبر إلى آخرهو الكتابة الوثائقية لإنتاج شريط وثائقي عن شخصية الجاحظ. ومن ثمة ستنقسم الرواية إلى عالمين روائيين أحدهما في الحاضر والآخر في الماضي في إطارحبكة فنية تتيح لنا الانتقال بين زمن الخلافة العباسية والزمن الحالي. وفيها يكون محمد القروي في الدوحة مرآة للجاحظ في البصرة وبغداد سواء على مستوى شروط الوجود الموضوعية ومثالها الحراك الثقافي والفكري في الزمنين معاً أو الذاتية ومثالها العلاقات العاطفية لدى كل من الجاحظ ومحمد القروي.

- المتخيل السردي في رواية الحدقي:

تضعنا رواية الحدقي للكاتب الموريتاني أحمد فال ولد الدين في صميم العالم وفي التاريخ. وهي عندما تلقي بنا في الذاكرة وفي الشهادة معاً فإنها لا تقحمنا في كون لا نعيش فيه، بقدر ما تورطنا في المعنى المتعلق بتاريخية متعينة في الواقع وفي المتخيل.

و هذا المتخيل هو ما يهمنا تأويله بالدرجة الأولى على اعتبار أن رواية الحدقي هي فضاء مكاني تتداخل فيه الأزمنة وتتقاطع داخل رؤيا خاصة للوجود تتغيّى اللغة لا كشبكة من الترميز الواصل للمعنى فحسب وإنما كتصور يعقل الوجود والعالم والتاريخ.

فكيف مارس السارد لعبة التخييل السردي بين زمنين: واحد يتجذر بعيدا في العصر العباسي وثانٍ يتمثل لنا حاضرا معاصرا بكل الثقل الحضاري فيه. وما شكل هذه المراوحة بين فضاءيْن محتلفين في الأبعاد الثقافية وفي التشكيل الفكري لهذه الثقافة وتلك؟

1 – خيوطُ المتخيّل:

الخيط المتخيّل الأول: مساحة في التوتّر السردي

دأب السارد منذ مطلع السرد على ربط المكان بالمكان والزمان بالزمان والقوى الفاعلة بنظيراتها، في وعيٍ فنّي بقدرة المتخيل الورقي على تحويل المعنى من الواقع إلى درجة أعلى من الواقع دون احتمال التعالي الفلسفي على هذا الواقع. ولنستوعب جيدا خيط المتخيل في سرده نطرح السؤال: ما المركبة الفنية التي امتطاها السارد وأردفنا خلفه كي نعبر من الدوحة إلى البصرة ومن العصر الحديث إلى العصر العباسي ومن ظلال محمد القروي إلى ظلال الأديب الجهبذ أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ؟

صنع السارد مساحة من التوتّر بين محمد القروي وبين العاملين في قناة العروبة الذين استاءوا من سلطة القروي المعنوية ورقابته اللغوية على تقاريرهم المكتظة بالخطأ واللحن. مما دفعهم إلى توقيع شجب جماعي كي تنقله الإدارة من هذا المنبر إلى منبر آخر يتعلق بالقسم الوثائقي.

و قد فوجئ القروي بطلبٍ من رئيسه في العمل كي يكتب رواية عن الجاحظ تكون موضوع شريط سينمائي لاحقا، وارتاح إلى هذا القرار وانتقل معه المتلقي بمكر السارد من الدوحة إلى البصرة ومن القروي إلى الجاحظ. (وخلال دقائق، كان في شقته بمنطقة السد. رمى مفتاح سيارته جانبا وتوجه إلى المطبخ. أعدّ كأسا من الشاي الأخضر، ووضعه على مكتبه، ثم فتح حاسوبه وهو يتّقد حماساً مشوباً بخوف وكتب: البصرة 168 – 170 هـ) 7

و فجأة يجد المتلقي ذاته في قلب مدينة البصرة زمن 168 هـ، داخل عوالم سردية أخرى بفضاءات مختلفة تشي بعبق الماضي وأحيانا بلغة أخرى تنضح بالأصالة من مثل (صاح جنديّ أشقر ضخم الكراديس – شاهد كلبا هرِيتَ الشدق...) ويجد مع هذا وذاك شخصية الجاحظِ طفلاً بصحبة أمه، يشاهد مأساة جلدِ الشاعر الشاعر بشار بن برد حتى الموت بحضور الخليفة المهدي وإشرافه بدعوى الزندقة وشق عصا الطاعة.

و المسألة في خيط المتخيل لا ترتبط بجمالية التلقي وبتفاعلاتها عند القارئ فحسب، وإنما وأساساً ترتبط بسؤال فلسفي يطرح في الميزان تلكم العلاقة بين الواقع والخيال والتاريخ. والأجوبة هنا هامشيةٌ إذا رامت المعنى الروائي في تجليه الحدثي القريب، لأنها أجوبة تختمر داخل بؤر التأويل الممكن في احتمال فائض السرد. من هنا عمق التماهي بين الواقع حيث تقبع مقولات الذوات في حضورها المتعدد:

* حضور الذات المؤلفة (الكاتب المنتمي إلى بلاد شنقيط)

* حضور الذات الساردة (الموجود الورقي الممارس للعبة السرد المتخيل)

* حضور الذات المحكي عنها (محمد القروي باعتباره جسراً يمد الأسباب لقراءة الرواية في عمقها التخييلي)

و كذا حضورالزمن الموسوم بالمعاصرة التي تنزل بكل ثقلها الحضاري الموسوم بالتملص من قبضة المكان الأول مقرِّ قناة العروبة.

و بين الخيال حيث اللقاء الورقي بين محمد القروي والجاحظ على مستوى الافتراض الحامل لأكثر من قراءة.

وبين التاريخ حيث يتحول المحكي عنه من قوة فاعلة في سيرورة الحكي إلى مرايا تنقل للقارئ أجواء التاريخ القديم، ومنه مأساة الشاعر العباسي بشار بن برد حتى لكأننا نحن القراءَ واحدٌ من المشاهدين لهذه المأساة والمتتبعين لها لا في فرجة سطحية خاوية أو محايدة وإنما في اندماج يقود إلى الموقف أو ما يشبه الموقف في أضعف صورة من الإيمان والتي نسميها التعاطف السلبي.

ناهيك عن التاريخ في تجليه الجزئي المرتبط بشخصية الجاحظ، والذي يلقي بالقارئ في سردية مخيالية تتبع الجاحظ صبيا يشاهد مأساة الشاعر بشار بن برد وتؤثر عليه وتقضّ مضاجع نومه وتنتقل به من أثرٍ في اللحظة إلى أثر في الاستقبال (تخيل نفسه ناظما قصائد طوالا في مدح يحيى البرمكي وهارون الرشيد، لكنه ما لبث أن شعر بوخز بين أضلاعه. غاب عنه حديث الوراق وذهب خياله إلى صورة شاعر يئن تحت الجلْد، ونظارةٍ يصفقون، وسيا ط تعلو وتهبط في مقدمة سفينة.)8

يتمثل لنا هذا الثالوث بين الواقع والخيال والتاريخ في أول الأمر تماهيا يتبادل الأدوار بشكل آلي، إلا أن السارد أبى إلا أن يقحمنا في جدل الثالوث. وهو جدل خفيّ يصم الرواية من أولها إلى آخرها بالتوتّر والصراع، داخل عمليات سردية مضفورة بدقة وإتقان. حتى لا إمكان للفصل بين أقانيم هذا الثالوث إلا في حالات التفكيك الإجرائي لفهم العمل الروائي.

الخيط المتخيّل الثاني: في التناسل السردي

من زقاقٍ في البصرة 168 هـ، مزدحمٍ بالمارّة حيث الجاحظُ يتأمله مفكرا في صورة المبدع المفارِقة، إلى فضاء معاصر في الدوحة، في كافتريا مكتظة بروائح البن والطعام والدخان، حيث المحكي عنه محمد القروي يحتسي قهوته مهموماً بشأن إبداعه لسيناريوا رواية الجاحظ.

و المشترك المتخيل هو الإبداع في شرطين هما شرط الخوف من قدر الجلد، وشرط الفشل في الكتابة مع قاسم مشترك هو تمكن الجاحظ قديما من ناصية القول، وتمكن القروي حاضراً من نواصي اللغة.

هذا الخيط المتخيل في عملية السرد يأتي لاحقا في غضون حوار عابر في الكافتريا بين القروي والموظفة السعودية حصّة إبراهيم، والتي أشارت في عبور ماكر أوغير ماكر متسائلة عن منطقة شنقيط ماذا كان يسميها الجاحظ. ويبقى السؤال: لِمَ يُفترضُ أن يكون الجاحظ عارفا بمنطقة شنقيط وهي البعيدة عنه والنائية؟

هنا مكر السارد الذي يُعوّمُ الأحداث تعويما ذكيا حتى يحدث ما أسميه بوحدة السرد. فنظفر بعد ذلك بمؤشرات التخييل المتوارية خلف ثالوث آخر هو:

* الجاحظ في خوفه من الشعر

* المحكي عنه في احتمال الفشل في مشروع الفلم الوثائقي

* المكان أي شنقيط في مفكرة الجاحظ

و نظفر بعد هذا وذاك بشيء من التأويل القاضي باندماغ المكان المرتبط بالمؤلف في ذاكرة الرواية وفي متخيلها، في قصدية تداولية تريد أن تقول بحرية تجول الذوات في تاريخانية المحكي. وكأننا الآن مقحمون بفعل فاعل هو السارد اللبق، داخل ممرات سردية تروم تجميع المتشظيات في بؤرة واحدة قادرة على التناسل السردي. وقادرة على مكافحة التنميط الحكائي عبر الحفر الأدبي في المتعدد:

المكان (البصرة والدوحة وشنقيط)

والإنسان (القروي والجاحظ وبشار بن برد والمهدي وهارون الرشيد والبرامكة و...)

والزمان (الماضي والحاضر والتاريخ).

و كأنني بالسارد يريد القول إننا لا نعيش في العالم الرمزي إلا من خلال عالمنا الموجود حقا وحقيقة، وهذا يسيّج المخيال النوعيّ أن يقارب الرواية خارج الاحتمال المنهجي حتى لا تشط بنا التفسيرات خارج النص باعتباره تبادلاً تأويليا بين المؤلّف وبين المتلقي.

و هنا يصبح القارئ منتجاً حتميا لمقولات المعنى الذي نعيش فيه لا بأمر السارد وإنما بأمر مقتضيات التأويل الممكن. ومنه تصور الجاحظ