نصوص أدبية

عمت مساء

ايها الجائع القابع تحت عمود الكهرباء

ترسم خبزا فتلتهمه اقدام امرأة  تمرّ على عجل الى عملها الليليّ

ترسم سمكا فتنقضّ عليه قطط الشّارع

تمتلأ روحك مواء

ترسم املا فينطفئ ضوء الحاكم يسقط القلم من بين اصابعك

و يجهش الرّصيف بالغياب

*

منذ متى و أنت هنا

تقشّر الحياة  لترى كنهها؟

*

منذ متى و أنت تسافر لتترك الأثر في الطّرق الجانبيّة لهذا العالم الفذّ

فتنطلي على الأرض حيلُ الوصول

*

كنت ترتل آيات  بيّنات من كتاب الوجع و تحل ضفائر الشّمس على ضوء شمعة عندما تهاطلت الألوان في ذاكرتك و لبست اللّغة حزنا مطرّزا

يرافقك في السفر

*

تعود الآن من طريق هي امامك

لترتّق وقتا  سيقطّع البؤس اطرافه

و تنتظر ما مضى

***

امال جبارة / تونس

 

وحوشُ الغابِ مَطلوقٌ شَراها

فلا تَعْتَبْ على شَرَهٍ حَداها

*

بها دولٌ مُكَبّلةٌ ببَعْضٍ

تُسيِّرُها كما شاءَتْ رؤاها

*

عَجائِبُ خلقِها ناءَتْ بقَهْرٍ

ومِنْ وجَعٍ إلى وجَعٍ خُطاها

*

تَعذَّر عَدْلها والظلمُ نَهْجٌ

وقانونٌ تُترْجمُهُ عُتاها

*

وإنّ الدينَ مَرْهونٌ بكَسْبٍ

وتَخنيعٍ لِمَنْ رَهَنتْ نُهاها

*

فلا عَقلٌ بدائرةِ التَعادي

ولا حُلُمٌ يُعالجُ مُهْتواها

*

كَساجعَةٍ على أيْكِ ابْتهالٍ

تُخاطبُ مَن تَداعى في رُباها

*

قويٌّ عادلٌ والجَورُ عَدْلٌ

وبُرهانٌ لطاغيةٍ دَعاها

*

تُعلمُنا الحَوادِثُ ما أرادَتْ

وتَرْهَننا بمَجْهولٍ قِواها

*

وتَسْجُرُنا بتَنّورٍ لهوبٍ

وتَمْحَقنا فَهَلْ بُتنا غَضاها

*

حُروبٌ في مَواطِننا اسْتقادَتْ

وحَفَّت عالماً يَخْشى ضَراها

*

مَتاهاتُ البرايا دونَ حَدٍّ

تَسيرُ بها وما ألقتْ عَصاها

*

وما وَصَلتْ لأرْصفةِ انْتشالٍ

ولا غَطسَتْ بأعْماقٍ مُناها

*

على أفقٍ من الوَيلاتِ دامَتْ

يُوشِّحُها بداميةٍ مَداها

*

فَهلْ جلبَتْ لنا خَيْراً وفيراً

وهلْ بَرزتْ وما أغْرَتْ عِداها؟

*

تَصيّدَ غادرٌ بديارِ غَفلٍ

حَبائلهُ أصابَتْ مُبْتعاها

*

شرائعُ قوةٍ فَرَضَتْ مُراداً

وأوْقعَتِ الخَطايا في أساها

*

تَشرْنَقَ واعِدٌ وهَوى خَبيرٌ

وكُلّ صَغيرةٍ بلغَتْ سُعاها

*

تُلازمُنا عَقابيلُ امْتِهانٍ

وتَدْفَعُنا كما رَسَمَتْ حَجاها

*

على وَطنٍ بهِ الأوطانُ ضاقتْ

عَفاريتٌ تَداعَتْ فاحْتواها

**

د. صادق السامرائي

25\7\2022

 

أريدك ان تحبني بشيء لا يشبه الحب

بمفهوم اخر وبمخيلة أوسع

تفر منه الى نحوي بمديات أعمق من البعاد

تلهب الضوء في داخلي، تملأ به جميع خلاياي

ان ترغبني بشيء لا يشبه الرغبة

ان تمسني كما الأشياء الممنوعة من المس

لأبعد مما ينبغي وأقصر مما تتصور

النهار وذلك الصيف الحار

لك ان تجمع خيوط الشمس المتحررة من راحة يدك

تكورها ولفترة أطول وقبل ان تسيل حمم بركانك

بين شقيه والنافرات بلا كلل على صدري

ان تحبني بشيء لا يشبه الحب

وتلعق الشمس من على شفتي

***

رغيدة العلي

 

غذيتُ في النفسِ أملًا، وهذَّبتُ صوتي الغافي في حِنجرتي قبلَ أن أسمعهُ، كلّ تلكَ المحاولات كانت توأم ليالي السُهد، كلّما هَبَطَ الليلُ عَرَّيتُجنون عالمي من قوانين العالم المجنون.

خَلَّفتُ ورائي كلَّ تلكَ الحصارات المترصدة المُنتَهِكة صفو ذهني، حَدَّقتُ في الفراغ قائلةً: ألم تَعلمي بأنَّ الله يرى…

لمحتُ من نافذة ذاكرتي فاتنةً سمراءَ أذاقتني الحُلوَ من مُرِّها، وبِقَدرِ إنكسارها علمتني الصّمود، عالمُها النوراني أخجلَ الضجيجَ من حوليوصمتُها المُنبعث من صمودِها صرخةٌ بوجهِ طاغٍ ظنَّ أنه عفا.

للعُظماء أحلامٌ تختبئُ خلفَ ظلالهم، وقُدُراتُهم شمسٌ على الجِباه.

**

- المحجر

أحمِلُ أثقالًا فوق أثقالي، وذاكرةً لا تُشبه الفصول إلا في خريفها.

أعودُ للوراءِ خطوةً،  فأراني جُثةً منحنيةً على الدّوام، ولا مُبررَ للإنحناء سوى عادةٍ شببتُ عليها، وذنبي الوحيد أننّي أحيا في زمن العبيد.

ورثتُ من سُلالتي الجوعَ، الطين والصمت مقابلَ أنذالٍ تَطغى تحتَ مُسمى النبلاء.

الخُبز اليابس وسيلة بقائنا والقرّ والحرّ طريق مُعبدة تقودك إلى الموت في رُكن مَنسيّ…

**

- دُعابة

بدأ الحديث على سبيل الدُّعابة وانتهى بغضب !

كيف لك أن تَزحفَ في الظلام وأنتَ تُرخي ظلالك تحت هذا النور؟

كيف لكَ أن تُداعبَ الطفلَ في ذاتي بمهارةٍ وأنتَ تَضمرُ كلَّ هذه العتمة؟

كيف لكَ أن تَطغى وكلُّ من حولكَ حُرٌّ؟

أيها الطُغاة: كلَّ فناجينكم الضيّقة بزوابعها لا تألفها الرّوح ولا الحياة ولا الامتداد.

أكثروا  ما شئتم أثقالكم، فلنا ربّ الصّمود.

***

هناء شوقي

 

(أولى سنوات العصف)

"هل والدك متآمر؟"

سؤالٌ يواجهني به زملائي في المدرسة، يتسرب إليهم مما يسمعونه في غفلة من ذويهم، يباغتني مثل صفعة مدوية تحط على خدي، لا تترك لي مجالًا للحراك أو الرد بكلمة، فقط يتجدد كل شيء أمامي، كما لو أنه يحدث للتو، ومن ثم يعود ليتمثل في وجه والدي، آخر صورة تم التقاطها له بالتحديد، كان في كامل أتاقته التي تلفت الأنظار دومًا، يتأكد من مواءمة الألوان وتناسقها، البذلة مع القميص وربطة العنق والجَورب والحذاء، يضع عطرًا نفَّاذ الرأئحة، فيبدو لي مثل أحد نجوم السينما في الأفلام التي كنت بدأت مشاهدتها برفقته، إن سمح لي بالسهر معه حتى ساعة متأخرة من الليل.

أجمد في حضنه داخل الصورة، بوجهٍ ذاهل عما حوله، يظل يطاردني شروده وأنا أكاد أتفجر من غيظٍ أخرس لا يهب طفلًا دون العاشرة من عمره فرصة النطق بحرفٍ واحد، فكيف لي أن أرد على تهمة يتحير بشأنها الكبار، وتظل الكلمات تتلجلج داخل الأفواه قبل أن تؤول كل الأصوات إلى الصمت المتخوف من الإفصاح بما يثقل الأنفاس ويدب الرعب في القلوب والأوصال، من الثرثرة غير المجدية، وإن كانت لا تعلو عن الهمس المتواري خلف الأبواب، الأبواب التي صرنا نتأكد من إيصادها كل ليلة ونحن على يقين إن كل الأقفال لن تصد شيئًا من الريح العاتية التي ستظل تعصف بنا طويلًا طويلا.

تطغى على دوي قذائف الحرب المتخطية جبهات القتال لتهوي نحو المدن مسلوبة الإرادة، ألبستْ أغلب الرجال البزة العسكرية وأمسكتهم الرشاشات، أبصرُ أصابعهم وهي تكاد تلامس الزناد، تطلق رشقة هنا وأخرى هناك، رشقات تقتل الأعداء على الحدود الشرقية، ورشقات تنفذ في صدور الرفاق، تنخر أجسادهم أمام ضحكة عربيدة تزهو بفرحة الانتصار بعد حربٍ مضمرة ظل (الرئيس المناضل) يعد لها جيدًا على مدى سنوات، ربما سبقت قيام آخر ثوراتنا المجيدة.

دومًا كنت أجد تلك الرشقات النارية متزامنة مع بعضها، أو بالأحرى متواصلة، إحداها تسترسل من الثانية، ومع توالِ البيانات العسكرية زحف السواد على أجساد النساء من مختلف الأعمار، وكأنهن يشاركن في الحزن على والدي ورفاقه، وبمباركة سيادية من قيادة الحرب التي أمرت بتنفيذ أحكام الإعدام في منتصفف شهر المغفرة والرحمة، مفارقة عجيبة لم أفهمها، لعلها بلا معنى وليس لها أي أساس سوى في عقل صبي يتعلم أحرف الأبجدية لتوه، وقد تكون مثار سخرية الكبار إن سمحتُ لها بتجاوز عتبات الصمت، إلا أنها ظلت تستملك ذهني الذي اجتهد في الربط بين الأحداث ونسج الكثير من الأخيلة المخيفة المتأتية عنها، تسطو على حكايات يصعب إدراكها ووجه والدي يتموج في خاطري ما بين قرب أشعر بعبق حنوه وبعد يكاد يخفيه عني للأبد، تحت التراب كما أخبروني، منذ ذلك الوقت أيضًا بدأت تراودني هواجس الموت وألغازه عصية الحل على كل من لم يدركه بعد، مهما تفقه في الدين وتقرب من الله، وبدوري صرت أتقرب من الله ما بوسعي، عسى أن يزرع في قلبي السكينة والصبر على غيابٍ لا ينتهي مهما امتد بي  العمر، والأهم من ذلك رحت أتضرع إلى الله أن يدفع عني ولو بعض الرعب الذي صار يطاردني حتى وأنا بين جنبات النوم، أتوجس من اقتحام رجال الأمن المنزل مجددًا كي يوالوا التفتيش دون أن يهملوا جارورًا أو صندوقًا صغيرُا، وإن كان صندوق اللعب التي كان والدي يحب مشاركتي أوقاتي المستمتعة ببعثرتها من حولي، رغم كثرة مشاغله وسفرياته من أجل تحقيق أهداف خبت مع وهج فرحي الطفولي، فصرت أردد الشعارات المفروضة علينا في كل درس دون وعي، وفي داخلي غصة ممزوجة بسخرية مقيتة أحرص ألا تثير انتباه زملائي ولا أي من المعلمات.

ظللت في تلك السنوات أسير رعب ما حصل وما يمكن أن يحصل، قد أنهض مفزوعًا في جوف الليل ومشهد ومض الرصاص المتتابع يوالي هديره في الظلمة المخترَقة بوهج القصف المستمر مع بدء كل غارة، تعلن مقدمًا عن المزيد من الموتى دون تمييز، بل ربما تسلط نيرانها على المناطق السكنية أكثر من المنشآت العسكرية، ترج قلبي أكثر من اهتزاز الجدران التي تتهددنا مع سقوفها بالسقوط فوق الرؤوس، فتزداد الوجوه جهامة وحزنًا، توجسًا ورعبًا وشرودا، وتتطاول مخالب الصمت.

صمت تتضاعف وحشته عند ذرف الدموع والتواببت الملتفة بالأعلام لا تكف عن التوافد نحو المقابر، لكن جثمان والدي لم يلف بعلم ولم يُسمح أن يقام على روحه مجلس العزاء، رغم أنه أحب البلاد كثيرًا وضحى من أجلها قبل أن تدركنا أزمنة الحروب بعقود، لذا شعرت بالغيرة من صديقي إثر أستشهاد والده في أحد ميادين القتال فتم تكريمه خلال تحية العلم، حيث ألقت مديرة المدرسة كلمة خاصة لأجله، بينما كان هو يقف إلى جانبها متفاخرًا بالبزة العسكرية التي يرتديها، وكأنه كان قد فصلها واعتنى بنظافتها وداوم على كوائها استعدادًا لتلك المناسبة، يعلِق على جانبٍ من صدره نوط الشجاعة الذي تسَلمه أحد أفراد عائلته من الرئيس شخصيًا، مع ابتسامة أخذت تتسع يومًا تلو الآخر، في كل مكان، في صوَره المعلقة أعلى السبورة أمامي، تجبرني على التمعن بملامح وجه قاتل والدي كل درس، في الشوارع والساحات وكل المحال، بل وفي الكثير من البيوت أيضًا، لكنني عودت مخيلتي أن أضع مكانها صورة أبي ذات الشريط الأسود في كل مكان، دون أن أترك أي شخص يتنبه لِما يذهب إليه تفكيري طبعًا، فقد تعلمت جيدًا ألا أظهر ما أخفي أمام أي كان، وأن أسامح نفسي، وأطلب من والدي أن يغفر لي ما أسَطره في مديح القائد ضمن كل موضوع إنشاء، حتى لو كان عن حضارات العراق القديمة، عندها أبصره ينظر لي وكأنه يطمئنني أنه لن يفشي سري لأحد، لئلا يصل ما في نفسي إلى مسامع المتسيد على عموم البلاد، رفيقه القديم الذي ضحى به وبكثير من القيادات في محراب السلطة ما أن تسلم صولجان الحكم، وصار صاحب الكلمة العليا والوحيدة، منذ أن كشف عن مؤامرة شاركت فيها شخصيات معروفة في الحزب والدولة، معظمهم أقدم منه بسنوات في صفوف الحزب.

أخبارٌ ومعلومات كثيرة أخذتُ أسترق إليها السمع من هنا وهناك، إلا أنني لم أستطع صياغة حقيقة واضحة المعالم من فحوى الحكايات الصادمة والغريبة تلك، والتي عرفت فيما بعد أنها ترسم خطوط مرحلة مهمة من تأريخ بلد بأسره، وأنها ستظل تتردد في الأسماع لحينٍ طويل من الزمن، قد يستغرق عمري كله، بل أن أهميتها ستبقى في تزايد، تثير الكثير من الجدال والتساؤلات بين أجيال مختلفة، ومن جهات عدة، في الداخل والخارج، لتظل علامات الاستفهام والتعجب الملتاثة بعصف الذكريات تترنح من عامٍ لآخر.

الخوف من القادم، ومن كل شاردة وواردة، بالإضافة إلى الشعور المتجدد بمهانة الظلم المنبعث مع كل موقف حياتي، يجعلان الإنسان يفقد طمأنينته وثقته بالحاضر والمستقبل، وكأن شيئًا منه آل إلى مرحلة الشيخوخة وهو ما يزال في عهد الصبا، حتى أنني صرت أجد بعض تلك الطمأنينة في أجواء القصف وأهوال الفزع الجاثمة على كاهل المدينة في ليالٍ لا ندري أيها ستنتهي آجالنا خلال ساعاتها المظلمة قبل أن يغشاها شروق النهار، أطمئن للرعب الجماعي الذي يتراجع أزاءه خوفنا الممنوع من الجهر، وإن كان على سبيل الفضفضة، ننفث معها بعض حسرات القهر المتطاول عبر الملاحقات الأمنية والاستفسارات عن كل شيء يخص الوالد، كما لو كان على قيد الحياة، والقائد الهمام يسعى لتتبع أخباره وأخبار تحركاته بأدق التفاصيل، أو أنه يريد أن يواصل انتقامه من خلالنا، ومن خلال الأقارب حتى الدرجة الرابعة أيضًا، لعل أحدنا نفذ من مصيدة العقاب التي يجب أن تطارد كل متمرد، وإن لم يبدُ ذلك على أي من تصرفاته، فتعاوده تلك الفرحة (الرئاسية) المزهوة بالظفر لتؤكد له خلاصه من كل قيود الماضي التي كانت تضطره إلى مداراة شراهته لسطلة لا تقف عند حد، ينتصر بها للطفل الذي ظل يسكنه شقاء نبذه من الدنيا، حتى بعد أن صارت مصائر الملايين مرتهنة بإشارةٍ بسيطة منه.

رحت أتوجس كثيرًا من فكرة اللاقطات والكاميرات الموزعة في جميع الغرف، ربما زرعوها خلال فترة طردنا من البيت، فإن خرجنا تتبعنا سيارة مخصصة لمراقبة تحركاتنا في كل مكان، كما لو أن القيادة بكل سلطاتها المتوغلة في بطون البلاد تترقب نوايا عائلة تتلفت من حولها في كل خطوة وكلمة وإيماءة، فيعاودوا وضعنا تحت الإقامة الجبرية لمدة لا نعرف أمدها ولسبب ليس لنا أن نسأل عنه، فعائلة (المتآمر) لا حق لها في شيء، فقط عليها الانصياع إلى الأوامر في إذعانٍ لا بد من استمراره، بل مضاعفته في بعض الأحيان، ضمن تصفية حسابات عقد نقصٍ وأحقاد بددت كل حلمٍ راود رفاقه بمنأى عن طموح ال (الأنا) العظيم.

الديكتاتورية مفردة أخرى تضاف إلى (معانِ الكلمات) التي كنا نتعلمها في دروس القراءة، بالإضافة إلى مفردات غامضة ضبابية لم تكن لي القدرة على تحديدها، مثلها مثل الفرٌاش الذي نرقبه يتطاير من حولنا، نحاول القبض على أجنحته مبرقشة الألوان بكل لهفة بلا جدوى.

كانت الأغنيات وتهاليل المديح تجدد قتل والدي كل يوم وساعة، كل نغم ومعزوفة، ودعاء يلهج به رجال الدين، كل شعار أردده ضمن صخب تحية العلم صباحًا في الساحة الكبيرة للمدرسة، كما لو كنا نستعد نحن أيضًا للذهاب إلى جبهات القتال كي نحقق النصر المؤزر على الفرس (المجوس) وتلقينهم درسًا لن ينسوه، لكن عندها هل يمكن لابن (خائن) المشاركة في معارك الشرف والعزة والكرامة، أم أن ذلك سينال من مجد وطهر معارك القادسية الثانية المستعرة في ميادين الجبهات للدفاع عن بوابة العرب الشرقية!

ولمَ لا وأنا وعائلتي لا نملك حق الانضمام للحزب الذي استنزفت أفكاره ومبادؤه جل عمر والدي، منذ أن كان ابن السادسة عشرة، ما بين ملاحقات ومطاردات أمنية وفصل من الدراسة ومن ثم الوظيفة، هذا غير مرات الاستجواب والاعتقال التي ملَّت جدتي عدها، حتى أنها صارت لا تعيد ترتيب البيت بعد خروج عناصر الأمن، تنتظر عودتهم ليجدوا كل شيء كما خلفوه وراءهم، مساهمةً منها في تأدية واجبهم بسرعة، وعلى أساس الثقة المتبادلة بينها وبين من صارت تراهم أكثر من ابنها الذي غادر الدنيا مبكرًا، فما خلف وراءه سوى أحداث ومواقف متواصلة التشابك والتعقيد، لدي على الأقل، كما لو أنه عاش نحو مئة عام في كواليس السياسة، مع أن جذوة حياته انطفأت وهو في سن الحادية والأربعين، فكم فرحة انتصار وخيبة انكسار شهدتَ يا والدي في وطنٍ يرتدي (الخاكي) الملطخ بالدماء، وعويل الفقدان يتلاشى بين صخب القطارات المحملة بوقود الحرب دون توقف، لا ندري من سيعود إلى أسرته حيًا، ولو إلى حين، لكنك يا من خبرت دروب الثورات التي أقرأ عنها في مادة (الوطنية) لن تعود إلينا أبدًا، بذات ابتسامتك وضحكتك الصافية الصدّاحة التي ستظل تتردد في أذنيّ وتطغى على ضجيج خطابات بطل العروبة المنصور الزاعقة فينا ليل نهار.

ارتدى (الفارس القائد) البزة العسكرية بدوره ولم ينزعها أبدًا، سوى في مناسبات أعياد ميلاده (الميمون) التي كنا نُجبر على الاحتفال بها كل عام، صغارًا وكبارا، من العامل حتى أقرب مسؤول يحظى برفقة سيادته، فكنت أتخيل كل ذوي المناصب السيادية لا يكفون عن الرقص وإطلاق الزغاريد الطويلة، كما لو كانت من صدى الانفجارات المحاصرة للمدن، دون أن تهدأ ساعة واحدة في الجبهات النائية عند أطراف الحدود.

بتلك البزة، التي لم يرتدها حتى من أجل أداء الخدمة العسكرية، قد يأتي لزيارة المدرسة، كي نتراقص من حوله ونقبِل كتفيه كما يفعل الكبار، ويا لسعد الطفل الذي يرضى أن يستمع إلى ما حرص والداه على تحفيظه كي يبلغ سيادته، طلب، رجاء، أمنية... أي شيء يستطيع (بابا نويل) تحقيقه في غمضة عين، بينما أكون واقفًا متصلبًا، كما لو أن حكم الإعدام قد طالني من بعد والدي الذي يعرفه جيدًا جدًا ولا أظنه قد نساه يومًا، وما سيأتي إلى هذه المدرسة بالتحديد إلا كي يرى ابنه وما يمكن أن يخبره عن والده، بنبرة انكسار تستبق ذرف الدمع الذي لن أقدر منع هطوله ولا إخماد حرائقه ولو بأمرٍ من رئيس البلاد المهاب، قد تصير لديه مثل ابتهالات أمان وتهاليل بشر تبارك خلاصه ممن كانوا يصدعونه بشعاراتٍ تبقى لديه من الرومانسية الثورية المثيرة للسخرية لا أكثر.

لم أعرف ماذا يمكنني أن أفعل، وكيف لي أن أتصرف إن رأيت قاتل أبي على بعد خطوات مني، وقد يهفو قلبه الحنون إلى احضاني ومعانقتي، ثم يسمعني لازمته المعروفة "عفيه، عفيه، هيه هيه هيه...".

عندئذِ قد يتجمد الدم في عروقي وأصير مثل قطعة خشب متأهبة للاحتراق في أية لحظة، فهل يمكن أن يتحرر لساني من شلله وتواتيني الجرأة على سؤاله بصوت مسموع، وواضح للجميع، لماذا أمر بإعدام والدي دون محاكمة حقيقية ولا شهود ولا محامِ دفاع يقرأ ما جاء في محاضر التحقيقات ليعرف على أي أساس يبني مرافعته أمام القاضي الذي يتحرى الدقة في كافة التفاصيل والملابسات قبل النطق بالحكم، خاصة وأن المتهمين بالعشرات، قد يسخر رافع راية القادسية المجيدة، والتي سماها باسمه كذلك، من سذاجتي ولغوي الصبياني، ثم يحنق على من قد يكون أدخل في رأسي مثل هذه الأفكار (التآمرية اللعينة) وربما أؤكد له بثرثرتي تلك إنني وريث الخيانة والغدر، أكبر خطر يمكن أن يهدد مسيرة الثورة العظيمة ال... ماذا؟ نعم، التي جاءت من أجل تحقيق أهداف أمتنا العربية المجيدة، ومحاربة الإمبريالية العالمية والصهيونية والرجعية، بعد انتهاء حربنا (المقدسة) وانتصارنا على الأطماع الفارسية في أراضينا...

ربما الأفضل أن أنتقي مفردات كلامي لتصل إلى قلب ووجدان (والد أطفال العراق) الرؤوف دون إثارة سخط القيادة الحكيمة التي لها أن تمضي بنا صوب الشرق وصوب الغرب أنى تشاء، كما يمكن أن تصفي البذرة الخبيثة لأحد المتمردين على أهداف ومبادئ الحزب القائد.

هذر سخيف وأحمق، بالتأكيد لن أجرؤ على التلفظ بشيء منه أمامه، ولا أظن إن شخصًا في بلاد الثورات والبطولة قادر على ذلك، فالجميع أسرى فضله في البقاء على قيد الحياة، حتى من يتكومون في زنازين القصاص (العادل) للتفكير عن خطاياهم بحق الشعب الأبي وقائده الملهم...

صرت وأنا في ذلك العمر أحفظ جلَ الكلام المهم للنفاذ من مصائد القائد التي ظلت تتربص بنا طيلة فترة حكمه المجيد، كله مجيد وليس لي أن أسأل عن السبب أو المعنى في نوبة تهور شيطانية، تتبدى فيها نية الغدر والخيانة من جديد.

كان يجب أن أجد وسيلة للتهرب من رعب ذلك اللقاء بأية وسيلة، بينما الجميع منشغلون في حماس انفعالي مشحون بشتى الهواجس في التحضير وترتيب كافة الاستعدادات اللازمة للزيارة السعيدة، لكنني أيضًا لم أعرف كيف لي أن أتصرف إزاء ذلك الموقف الرهيب، وقد صرت أشعر بمراقبة كل العيون لأقل حركة أقوم بها، كما أن تعابير وجهي بالتأكيد تفضحني لديهم.

لم يأتِ والحمد لله، ذهب إلى مدرسة ثانوية للبنات، هو يحب رفع معنويات المرأة العراقية دومًا، خاصة أمهات المستقبل المشرق (بعون الله وعزم القائد)، مع ذلك راودتني رغبة جامحة بالركض، الركض بعيداً بعيدا عن كل شيء حتى أتوه ولا أعرف طريق العودة إلى سوح الجنون الذي أخضع وأهلي إليه في كل ساعة ودقيقة، جنون الاستلاب المرير والنكران لكل ما قدّم والدي لوطنٍ أخذ يتهاوى بين مخالب الحروب المنتصرة دومًا، فلم أجد ملاذًا ينجدني من هذيان السنوات المخمورة سوى الكتابة، ربما تلك الأحداث بالتحديد كانت السبب الأول في رسم ملامح الكاتب داخلي، كتبت كثيرًا، كثيرًا جدًا، وكم كان يتناوبني القلق من اكتشاف أجهزة القمع لِما أدون في دفاتر لا أعرف أين يمكنني تخبأتها لتنجو، وأنا وأسرتي، من مهالك المعتقلات.

أقبلتْ سنوات الحرب والقهر بمآسيها بلا هوادة، مات وأسِر وفُقد الكثيرون في الحرب، هذا غير المعاقين ومن أصيبوا باضطرابات وأمراض نفسية تجلت تداعياتها في كافة مظاهر الحياة المكلومة بجبروت البطل المغوار، تلك الشخصية التي صار الكثيرون يرغبون الاحتذاء بها، بالأحرى تقمصها، حتى من خلال نبرة الكلام الآمرة في غطرسة (طاووسية) تثير المزيد من السخط، والخوف في آنٍ واحد، بينما بقي وجه والدي على ذات ابتسامته، يعبر بي وديان الاندحار المحيطة بنا من كل صوب مهما تمادت، وصوته الواثق بكل ما آمن به من أفكار ومعتقدات يهامسني بما لا يستطيع كل رجال الأمن التنصت إليه ولا مصادرته كما صودرت مني براءة الطفولة وطمأنينة مرح الصبا خلال السنوات العشرة الأولى من حياةٍ مخفية في ظلال أمجاد القائد الوضاءة.

***

أحمد غانم عبد الجليل

كاتب عراقي

20 ـ 8 ـ 2022

متى تكفُّ الليالي عن مراوغتي

مذ كنتُ احبو وهذا الفعل يغريها

*

وأنتِ فوق الليالي خلتِ أوردتي

تكون مسرحَ لهوٍ كيف تبغيها

*

لوكنتِ بالأمس قلتِ مايثير دمي

لكان وقع اللظى في الأمس يحييها

*

لكنَّ قولك هذا قد محى زمناً

قد كان يحنو على الدنيا ومن فيها

*

إيّاكِ أعني أتبغين الهوى حُطَماً

حين التزوّدِ توري كفَّ واريها

*

تكفيك اسماء من تبغين اعرفها

لاتستعيري من الأسماء وانسيها

*

لا أعشقُ الاسمَ حتى استغيث هوىً

ولستُ أبحثُ عن معنى معانيها

*

إني زهدتُ عن الدنيا فلا كَلِفٌ

بحبها أو ببغضٍ سام من فيها

*

حتى رغبتُ بنفسي لا أرى هدفاً

يسوقني نحو مغنىً من مغانيها

*

وأنتِ تأتين حين الشيب جللني

وتدعين بأني كنتُ حاويها

*

إني عن الغيدِ ألهو لستُ في ترفٍ

وإنني بتُّ للأنفاسِ أحصيها

*

وقلتُ ألقاكِ علَّ العمر ُ يسحبني

حتى أعودَ الى ذكرى مواضيها

*

لكنّ ويحي فذاك العمرُ غادرني

وأنتِ غادرتني تيهاً تلى تيها

*

ماذا أؤملُ والأيامُ منقصةٌ

إنْ ضاع يومٌ أرى للموتِ تنبيها

*

اليومُ دنيا وترجو في قوادمها

ماذا ترومُ فقولي من خوافيها

*

ليلى التي ارهقتني بتُّ ارهبها

لأنها قد تراني في مساويها

*

أرهقتُ نفسي وويلي من يعوضها

انْ كان في شيبها ترجو معاصيها

*

حتى كأن بكأسي روح غانيةٍ

وكنتُ أشربها معنىً وتشبيها

*

وصفتُ طيفك حتى خلتُ أغنيتي

قد لا تغادرُ معنىً من معانيها

*

وقلتُ صمتاً على دنيا تعانقها

كالراحلين دروبٌ مات حاديها

*

فلذتُ أشربُ ما في الكأس من أملٍ

حشاشةُ الروح تبغي من يواريها

*

لو وُزّعَ الكونُ اجزاءً مقسمةً

لما جلبتُ انائي كفَّ معطيها

*

لكنني جئت للدنيا على كرهٍ

بكيتُ حين ركابي زار واديها

*

إني كفرتُ بعيشي كلّهُ سأمٌ

ماطاب يوماً على مرٍّ نصافيها

*

إني أغني وكأسي ضجَّ حاملها

وضجَّ شاربها بل ضجّ ساقيها

***

محمد الذهبي

سوف أهاجر يا أمي

إلى جنان أندلس

فصلي من أجلي

ومن أجل أحلامي

ومن أجل رفاقي ساعة الفجر

سوف نترك عند شط البحر

أناشيدنا في حب الأوطان

وشغب طفولتنا وانكساراتنا

ونمضي خفافا في الظلمات

كالأحلام الهائمة

خفافا..خفافا نبحر

مابين الحياة والموت

بلا وداع وبلا صخب

كي لا يرصدنا الموج

وخفر السواحل

فقد علمونا يا أمي

الوقوف طويلا كفزاعة الطير

تحت الشمس وتحت المطر

بلا أمل ولا عمل

وعلمونا يأمي منذ الصغر

كيف نربي في صدورنا

عشق الرحيل بعيدا عن الوطن

فقد باعوا للغرباء كل شيء

هكذا قالت الصحف والمنابر

باعوا أحلامنا يا أمي

وباعوا شمسنا

وأرضنا وزرعنا

وبحرنا..

وخيرونا يا أمي

مابين الصمت أو السجن

ومابين الذل أو الرحيل

وكان الرحيل يا أمي

أهون في عيني من الذل

فماذا تركوا لنا يا أمي

غير الهجرة وسواد الليل؟

فإن نجوت يا أمي

فاعلمي بأني قد تحررت

من قفصي ومن قيدي

ومن قهري ..

ومن انتظاري القاتل

***

عبد الرزاق اسطيطو

اتفوق على ظلي

حينما اقفز

من علو أول غيمة

إلى نهر القصيد...

تحط رجلاي

على غيمة أخرى

رذاذها نقط وحروف

تناثرت من كتب الأولين

تُعمّدني بغير المألوف...

*

بينما ظلي

منهمكا يكون

يلبس حذاءه

على شرفة أول غيمة

كنت قد اعتصرت منها

أول حرف عنيد

أرميه بالكاف

فيلهيني بالهاء

متشبها بسفينة

ثلاثية الأشرعة

كحرف السين

تدفعها الريح نحو

أرض حيث الظلال تستريح....

*

اتفوق على ظلي

حينما أتكور

بين ثنايا فصل الصيف

يكون ظلي ربيعي الطلعة

منهمكا

في جمع شتلات الحروف

كنت قد زرعت بذورها

في فصل الخريف...

*** 

أ27-8-2022

محمد العرجوني

 

 

و كان ياما كان

و كنتُ طفلةً ألهو ولي جديلتانْ

ولي من الأفراح في طفولتي فستانْ

وأعشقُ الغناءْ

أغني حتى ترقص الجدران

وأعشقُ الرسومْ

وأطعمُ الأوراق من خيالي الخصيبْ

فتنطق اللوحات والألوانْ

ولي صديقٌ اسمه الشباكْ

أظلّ دومًا قربهُ هناكْ

أراقبُ الطيور في تشرين.. في نيسان..

جميلةٌ مشاعر الطفولهْ

جميلةٌ أيامها جميلهْ

يومٌ لها من أجمل الأيام

هديةٌ لي قُدّمتْ

هدية تبدد الآلام

وتبرئ الأسقامْ

هدية جميلهْ

كأدمعُ الأفراح وسط الأعين الكحيلهْ

*

هذان عصفورانْ

و إن هذا عاشقٌ وقربهُ المعشوقْ

حدقتُ فيهما

كالنور يضحكانْ

كالثلج أبيضانْ

كنسمةٍ غربية الإقبال ناعمانْ

والصوتُ إذ ترنّما

آهٍ وآهٍ منهما

يا ضحكة الرياض!!

يا تبسم الزمان!!

وظل عصفورايَ أصدقائي

بالحب ينعمان

بالقلب يلعبانْ

بالروح ينهبانْ

كأن في جنحيهما

يخبئان العمرَ والسرورَ

بين الريش في مكان..!!!

*

وجاء ذاتَ يوم

وليتهُ ما جاءْ

سحابةٌ سوداءْ

مرّتْ على قلبيهما

فأوجعتْ إسراءْ

تشاجرا..!!

تعاركا..!!

توقفا أرجوكم.. كُفّا عن المشاجرهْ

و أي شيءٍ يستحقُ هذه الدماءْ

و كنتما السلامَ والوفاءْ

لأ تجرحا إسراءْ

و أضربُ القضبانْ

لعلّ عصفوريّ يهدأانْ

توقفا.. أرجوكم.. كُفّا عن المشاجرهْ

لن يفهما المحاورهْ

*

وبعد ساعتين

وجدت عصفوريّ ساكنين

عينايَ تدمعانْ

لعل عصفوريّ متعبانْ

هربتُ منهما إلى السريرِ

لأمسحَ الدموع عن فؤاديَ الصغيرِ

غدًا سيلعبانْ

غدًا يغنيانْ

و يطربان مسمعي بأعذب الألحانْ

غدًا يرتلانْ

تعويذةً لتبعدَ الأحزان

و ربّما...

و ربّما...

و ربّما...

و أغرق السرير من مدامعي

و أشعلُ النيرانْ

*

تبسّمَ الصباحْ

و ظل عصفورايَ نائمَين

و مرت السنونْ

و ظل عصفورايَ نائمين

و منذُ ذاكَ اليوم أصدقائي

أراقبُ الطيور إذ تشتاقُ للأوطانْ

أراقبُ الطيور في تشرين.. في نيسان

و منذ ذاك اليوم أصدقائي

أقدِّسُ العشاق في سمائنا

و أمقتُ القضبانْ

***

شعر: إسراء فرحان

من كتاب قمر الزمان

على الطاولة عطرك

الأثير

وقطعة عِلكٍ

وأحمر الشفاه

ونصف سيجارة

محروقة

ومفاتيحُ وهاتفٌ

نقال

وفوضى تنتابُ

المكان

ورعشات نشوة

ترتع في الوجدان

صَوتكِ الخافت

يطرق مسامعي

ولا شيء غير صوتك

يحلو لي

وثوبك الحَرِيري

عند أقدام السرير

وحذاءك اللامع

ملقى

قرب الباب

*

عيناك نافذتان

أُطلّ منهما عَلى

حقول الحب الخضراء

وجهك المُدوّر

يجلو عتمات

الذات

أنفاسك العابقة

بعبير الحياة

توقظ في أعماقي

سنابل الفرح

أناملك الرقيقة

تجوس عشب

صدري

تَرسم خريطة

للعشق والصبابة

*

أمطار الخريف الأولى

تقرع زجاج نافذتنا

والريح تعوي

بلا اِستحياء

دقات الساعة

على الجدار

تعلن اِنتصاف

الليل

كُلّ الليل لنا

كل الفرح لنا

نَغسل حبنا ونطهره

نتساقى كؤوس

النور العسجدية

نرشف راح الهوى

في حضرة

إيروس

*

الليلة

تتناسل الابْتسامات

على شفاهنا..

وتولد رعشات

الشوق في

دواخلنا

الليلة

تموت غربتي

وأدَوّنُ ميلاد

فرحتي

ثم أعلن ثورة

على سنين رهبتي

وألملم بقايا

من ماضي وحاضري

وأقطع على نفسي

عهدا أنك حبيبتي

حبيبتي

***

محمد محضار

  2006

علي فضيل العربيجلس قرب النافذة يرقب حركة الشارع المزدحم حتى الحلق. قطرات من مطر الخريف راحت تتبدد على الزجاج برتابة وملل.الصمت الموشى بجدائل الحزن ينشر ستائر الكآبة في ردهات مهجته.

لم يعد العم صالح يطيق مبارحة منزله وملاقاة الناس. فقد تراءت له الدنيا كسقط المتاع وبدت له المدينة كهفا مظلما، تسكنه الخفافيش، بل اتخذت الشيطان بعلا لها.

كان العم صالح يبتهل الى خالقه في صمت رهيب.. ثملت على ملامحه عوالم الأسى والوجع. حاول الاحتماء بظلال أحلامه وشروده لعل غيوم سمائه تمطر..  جاءته زوجته حليمة تجر قدميها، انتشلته من لجة الصمت والشرود قائلة:

ـ ما بك يا سي صالح؟ منذ رجوعك من الحفل وأنت حزين.

وأكملت بعد ما لمحت مرارة التحديق في عينيه:

ـ آه كم أنا فرحة ومسرورة وفخورة بك لأنّك أديت ما عليك. ماذا جرى لك؟ افرح، ابتهج يا سي صالح.

- لم يجبها قط، رمقها بنظرات تذيب البشرى نشيجا

انسحبت حليمة وهي تضرب كفا على كف مرددة:

ـ عجيب أمره والله.. كل الذين سمعوا بتقاعد ه فرحوا ما عداه.. يا لحظك التعيس يا حليمة.. يا لحظك التعيس، يا حليمة.

-2-

عندما أعلنت الإدارة تقاعده حمله العمال على أكتافهم وطافوا به أرجاء المعمل وهم يهتفون ملء حناجرهم:

- يعيش عمي صالح.. يعيش عمي صالح.. يعي.. .. ش

ارتجف العم صالح، تصبب العرق من أرجاء بدنه حتى نضحت ثيابه ولحيته الكثة.. سرى الجزع في كيانه سريان الدم في أوردته وشرايينه.. توسلهم ان ينزلوه من على أكتافهم. فهو ليس زعيما، أو وزيرا أو أميرا أو ملكا، أو قائدا هماما، حقّق نصرا في حرب مصيرية، حتى يكون له أنصار يحملونه على الأكتاف ويهتفون بحياته واسمه.

قال له مدير العمل وهو يشد على يده بحرارة:

- مبروك عليك التقاعد يا سي صالح.

رد العم صالح مرتبكا حائرا:

ـ لكنني مازلت قادرا على العمل يا سيدي..

فقال المدير مبتسما ومازحا:

ـ صرت شيخا.. ابيضّ شعرك وشابت لحيتك.

فرد العم صالح وقد اتسعت عيناه وازدادت حماسته:

ـ لكنني لم أطلب التقاعد ولا أريده الآن..

فضحك المدير وقال له بلهجة متخمة بالإعجاب والتقدير:

ـ بارك الله فيك.. أمثالك قليلون في هذا العصر يا سي صالح.

فقال العم صالح وقد برقت في عينيه ملامح الرجاء والتوسل:

ـ أجّل تقاعدي يا سيدي.. و أمهلني بعض الأعوام وسترى.

فقاطعه المدير قائلا:

- القانون يا سي صالح فوق الجميع.. لا أستطيع إرضاءك على حساب القانون.

يكفيك ما أنفقت من شجرة عمرك، من حقك ان ترتاح بقية حياتك، لجسدك حق عليك.

اتّفق زملاؤه العمال على الاحتفال به أيّما احتفال، تقديرا له وإكراما على مدى تفانيه وإخلاصه في أداء واجبه. فمنذ التحاقه بمنصبه والحماس يتدفق عبر سواقي جوانحه.. ثلاثون سنة أنفقها من معين شبابه، ونبع عمره دون كلل أو ملل، لم يتغيب إلا لظرف قاهر ولم يتمارض كما يفعل الكثيرون من عمال المعمل. كان همه الوحيد مغازلة الآلة.

كان بعض سادة الحيلة والخذلان والمخادعة يخاطبونه بسخرية لاذعة:

- أنت إنسان أبله.. تمارض وخذ عطلة. افعل مثلنا، حافظ على صحتك، لا تكن مغفلا يا عمي صالح.

لكن العم صالح يمقت الغش والتلاعب والمخادعة أشد المقت.

يمتطيه غضب شديد، ويكفهر محياه، ثم يرد عليهم بنبرة تفيض حزما وعزما وإيمانا:

ـ العمل عبادة وشرف يا ناس، والعاقل لا يتلاعب بهما أبدا يا مغفلين.. الغش حرام يا ناس.

وحددوا ميقات الحفل. لكن العم صالح رفض حضوره. حاولت زوجته حليمة استجلاء كنه رفضه، فجاء رده دون مبالاة:

- لماذا يحتفلون بي. قمت بواجبي لا غير ولم أقم بما يستدعي هذه الضجة كلها.

- يجب أن تحضر ياسي صالح، غيابك لامبرر له، إنهم في انتظارك، فلولا حبهم واحترامهم لك ما فكروا في تكريمك أبدا.

وساد بينهما صمت كصمت منطلق من سحيق البراري. ثم ردد في دخيلته وهو يشعر بأن لهيبا شديدا ينوش قلبه:

- آه لو علمت يا حليمة ما معنى حضوري للحفل لأنشبت في جلدي أظفارك كي لا أذهب. مسكينة أنت يا زوجتي العزيزة لأنك لا تعلمين حقيقة الحفل، إنه الاعلان عن موتي إنه مأتمي وجنازتي، آه لو تفهمين ذلك.

وبترت خيط نجواه مرددة في رجاء وتحنان:

ـ أتريد أن تغضب أصدقاءك منك في هذا اليوم السعيد؟

وراح يحدق فيها مليا كمن رآها لأول وهلة. بينا أردفت حليمة وقد دنت منه حتى ذابت بينهما حضرة المكان.

ـ هيا يا رجل ألعن الشيطان الرجيم. لماذا أنت واقف هكذا.الوقت يمر والحفل على وشك البداية. لقد كويت لك بدلتك السوداء وقميصك الأبيض. وربطة العنق.هيا البس يا رجل، وتوكل على الله..

ردد في سره:

- هــه.. حتى أنت يا حليمة لم ترحميني. ها قد أحضرت لي الكفن والمشنقة. ليتك تدركين مقدار ألمي وعذابي. لقد أعددت لي مراسيم جنازتي دون أن تعلمي يا عزيزتي..

لم يقو العم صالح على الصمود في وجه الرغبة الجارفة لزوجته. كان كمن خسر أسهل المعارك بعد ما انتصر في أشرسها مرارا. انكسر مجدافا قاربه وجرت به الرياح بما لم يشته. لبس البدلة والقميص وربطة العنق والصمت شاهر سيفه على رقبة لسانه. كره الكلام، فلاذ بالصمت. قرفص وراء جداره كمسكين هارب من قسوة العدالة. أو كضحية فلت من أيدي جلاديه في غفلة منهم..

نبست حليمة ونظرات الإعجاب تملأ عينيها:

ـ بسم الله. أعوذ بربّ الفلق، ومن شر حاسد إذا حسد. ردد في قلبك المعوذتين وأنت ذاهب.. لا تنس عين الحاسد لا ترحم. والقرآن خير وقاء..

ـ ليتك تسكتين.كلماتك تؤجج لهيب العذاب الذي محق القلب المكدود.

كذلك ردد في صمت.

تمنى لو يطرأ مانع قاهر يحول دون ذهابه إلى ذلك الحفل الملعون. كأن يحدث زلزال أو طوفان أو يسقط مغشيا عليه فيفقد وعيه. أو يصيبه أي مكروه يمنعه من الذهاب.

ثم أضاف قائلا في دخيلته:

- هـه.. لماذا لا أسقط الآن مدعيا أنني فقدت السمع والكلام. إنه ظرف مقنع وموضوعي لاشك فيه.

سيقولون:

ـ مسكين لم يسع قلبه فرحة التقاعد.كادت تقضي عليه لولا لطف الله..

- هيء.. هيء.. هيء.. مساكين.مخدوعون.

لن يقولوا:

ـ مسكين كاد أن يقتله الحزن والهم. لم يطق قساوة الموقف.

بدت له الفكرة سخيفة إلى حد بعيد. هي أصغر من عقله وسنه. ثم ماذا لو اكتشفت الحيلة. سيغدو أضحوكة في عيون الناس. وستؤذي زوجته المسكينة أيما إيذاء. بل وستزيده هما على هم. وينفضّ عنه الأصدقاء، وربما ينفق بقية عمره وحيدا، منبوذا، غريبا، لأنه كذب وتمارض وخدع أعز الناس ؛ زوجته وأصدقاؤه.. لا.. لا.. لا.. لن يقدم على مثل هذه التصرفات الصبيانية.. هو أكبر منها بكثير.. إنه عاش رجلا شهما يقدس الحق. يدفع عن الصدق.ليس من الرجولة أن ينحو منحى الأنذال في مصب العمر. الرجولة، هي أن يواجه. يقبل بالخسارة كما الربح بكل روح رياضية. أن يكون صادقا مع نفسه وغيره ولو كان الثمن المقصلة أو حبل المشنقة..

- أعلم أنك صادقة يا حليمة.. لو لم تكوني جاهلة بما يموج في قلبي من أحزان. لم أعد في نظرهم سوى رجلا هرما.لا أصلح إلا للجلوس في البيت كالمشلول أو المعتوه.أنا أدرك أن دورك الآن هو إقناعي بكل قواك النفسية والعقلية بأن هذا يوم سعيد في حياتي أو ربما هو أسعدها على الإطلاق.وغدا ستمتليء الدار بالنساء وسيحملن إليك علب السكر وحبّات البيض،

وسيزغردن وسيرددن بملء أفواههن:

ـ مبارك عليه، وعليك.

- الله يبارك فيكنّ. العاقبة لأزواجكنّ ولكن.

- تقول حليمة لهن ( لكنّ ). كأن الأمر أمرها وأمرهنّ.

وسيجلسن ويثرثرن حول فناجين القهوة وكؤوس الشاي. ويتحدثن في مواضيع لا رابط بينها.هن معشر النساء يلغطن في كل شيء دون أن يقلن شيئا في أحايين كثيرة.

وستجلس بينهن حليمة معتزة، مفتخرة بزوجها الذي كرموه تكريما لائقا عكس مدى تفانيه في أداء واجبه. وعن حب الناس له. لكن الحقيقة المرة التي تجثم كالصخرة الصماء على قلبه تجهلها حليمة. ليس من العدل التغطية على مأتمي وجنازتي غدا سيناديني الصغير والكبير، الصديق والغريب والجار والبقال:

ـ يا ( متقاعد).

لاحظي يا حليمة، كوني فطنة، كي لا تُلدَغي في سويداء القلب. (مت.. قاعد..). يا إلهي كم هي واضحة وضوح الشمس في سماء الضحى.

جلس في صدر المنصة. وحفّه أعضاء الإدارة يمنة ويسرة. المدير ونائبه وكل الفريق الإداري. ورهط من المدعوّين. لم تفارق الابتسامات شفاههم. كأن التكريم لهم. أما صالح فقد بذل جهدا مضنيا للتغلب على هواجسه المؤلمة. تعلقت به أعين الحاضرين مفعمة بأسمى معاني الإعجاب والتقدير.

غمغم في أعماقه:

- كم تؤلمني نظراتكم يا سادة..

- أهنيء عمي صالح على جدّه وإخلاصه وتفانيه في أداء واجبه نحو الوطن. إنّه قدوتنا جميعا. ما عرفنا فيه سوى الإيمان بقدسية العمل وشرفه..

كذلك ردد المدير بنبرة إعجاب وسرور.

استرسل الذين تناولوا الكلمة في المدح والإطراء. أما سي صالح فقد كان جثة بلا روح. كأنّ الكلام لا يعنيه بل بدا له بلغة أغرب من لغات ما قبل التاريخ. كان يغرق في لجة الغياب فلا ينتشله منها غير التصفيق الذي تضج به الأكف من حين لآخر. فيعود إلى ساحة الوعي والحاضر القاسي بلا رحمة.

يردد سرا:

- لو كنتم تعقلون، ما صفقتم. إنكم تؤجّجون مأساتي يا رفاقي. تشيّعون رفيق دربكم إلى دار النسيان. تدفعونه دفعا إلى مستنقع الوحل ليغرق. تقولون له بكل بساطة:

ـ (مت ـ قاعد).

إنكم تجهلون مقدار الألم المزروع في قلبي. إنه يكبر كبقعة النفط. ينمو كأشجار الطلح والزقوم.

وقف الجميع تحية له. تقدم المدير نحوه وضع على صدره وسام الجد والإخلاص. ثم سلمه علبة موشاة بظرف وصك بنكي. وكذلك فعل ممثل عن نقابة العمال..

- قل لنا ولو كلمة قصيرة يا عمي صالح.. تفضل..

كذلك قال أحد الرفاق.

- ود لو أنه كان أصم أبكم. من أين يبدأ؟ وكيف؟.ما فائدة الكلمات التي لا تزهر في حديقة القلب؟ هل يفصح عن الحقيقة وليحدث ما يحدث؟ أليس من واجب المرء الحر أن ينطق بالحقيقة دون زيادة أو نقصان ولو مثقال ذرة؟ أيصرخ بمنتهى الصراحة والعنفوان قائلا:

- انظروا إلى هذين الساعدين. مازالا قادرين على إدارة الآلة يا سادة.ماذا أنا فاعل بهما بعد اليوم؟ لا أريد تهنيئا ولا تصفيقا.اللعنة على الت.. ق.. ا.عد.أنا ما أصبحت عاجزا ولا هرما. صدقوني يا سادة. تقولون لي إنه حقّك يا عمنا صالح. مبروك التقاعد أف.. أف.منه. ليذهب إلى الجحيم ما دام يسلبني إرادتي وحريتي ولذة حياتي.

استحى عمي صالح من أن تصيب الصدمة زوجته الغارقة في يم النشوة ورفاقه الذين دمعت أعينهم من شدة السرور. خشي أن يسفك دم الفرح ويزهق روحه في اللحظة الحرجة. فتتحول عبراته إلى جداول حزن وعويل. لحظتها يكون قد مارس أشد أنواع الاضطهاد والقسوة والأنانية في حق قلوب وهبته حبها واحترامها.

- شكرا لكم أيها السادة على كرم عواطفكم..

ولم يستطع إضافة حرف واحد. سقط مغشيا عليه ودموع غزار قد جمدت في عينيه. لحظتها قيل:

- لقد قتلت الفرحة ُعمي صالح.

لكن الحقيقة شيعوها معه في نعشه. دفنوها في لحده يوم قرر القانون أن يصنف العم صالح في زمرة (المت ـ قاعدين).

***

بقلم الروائي والناقد: علي فضيل العربي

قصيدتان

* شِالله، يا سيدنا!

فوق القُبّةِ، يا الگيلاني،

ـ عنكَ رضاءُ اللهِ،

وعنْ إخواني

مَنْ كانَ المصباحَ

ومَنْ ربّاني ـ

تلكَ حمامةُ أشجاني،

تهدلُ بالعشقِ الربّاني.

**

أفقْتُ يوماً فوجدْتُ لهفتي

أنْ أرفعَ الحمامةَ البيضاءَ

فوق كفّي،

أُطلقُها....

في حضنكَ الدافئِ

والرؤوفِ

والمحيطِ.

شِالله، يا سيدَنا،

أطلقْتُها.... فانطلقَتْ،

حطّتْ على القبّةِ،

فاشتاقَتْ الى الترتيلِ

والتحليقِ والغيابِ،

في صوتكَ الفسيحِ بالغيابِ،

في عالمٍ يرفلُ بالأطيابِ،

فأطلقَتْ هديلَها،

وحلّقَتْ.... وحلّقَت....

حتى استوَتْ على جوديّكَ..

الزاخرِ بالسحابِ،

مثقَلَةً بحرفكَ العُبابِ،

واستقبلَتْ عيوني،

فنقّرَتْ

في حقليَ الجديبِ،

فاخضرَّ  حتى ..

بانَ فيهِ

ثمرُ الجنةِ عشقاً..

دائمَ الهديلِ

**

* إشراقة...

مذْ عرفتُ اللهَ أشرقتُ..

فامطرْتُ ضيائي

بينَ عينيها..

وأهدابِ السطورْ

*

مذْ لقِيتُ الدربَ

أسرعتُ..

فسدّدْتُ..

خُطايَ

صوبَ تلكَ السدرةِ الكبرى..

وناجيتُ الغصون:

إرفعيني،

إشرحي صدري، املئيهِ

بأناشيدِ الزهورْ

*

زهرةٌ مِنْ عمْرِها وقتَ الشروقْ

سقطتْ في حضنيَ الدافىءِ..

نامتْ ....

وأفاقتْ،

فإذا حضنيْ حقولٌ

مزهراتٌ

ونجومٌ تتلألأْ

في مزاميرِ الحبورْ...

***

عبد الستار نورعلي

2022

تنفّسْ أيُّها الصبحُ الجميلُ

ودعني في براريها أجولُ

*

لقد تاقَ الفؤادُ إلى  ثراها

فما لي بعد لقياها سبيلُ

*

فكم غنيتُ ملهوفًا اليها

وكم طلعَ الضياءُ ولا وصولُ

*

وكم تاقَ الحمامُ الى رُباها

و راح الدمعُ يحبسه الذهولُ

*

أسافرُ  في فيافيها وحسبي

أرى الأطلال  تعلوها المُحولُ

*

مرابعُ شقوتي زدت اشتياقا

لأيام الصبا، فمتى القفولُ؟

*

وقفتُ  بُعَيدَ هجرٍ في حماها

أسائلها، فقد عزَّ المقولُ

*

فلي أمّانِ أم ارضعتني

وأخرى حضنها ظلٌّ ظليلُ

*

تحدثني بحبٍّ عن فتاها

ودمعُ عيونِها أبدًا يسيلُ

*

وكم من ليلةٍ بُتنا سهارى

وقد كانت تضاحُكنا الهُطولُ

*

وقد كانتْ ليالينا انتظارًا

تشاركنا المقالَ وما نقولُ

*

لقد جارَ الزمانُ عليكِ يومًا

وفرق شملَنا زمنٌ ضئيلُ

*

مررتُ على بيوتِ الحيِّ صُبحا

أسائِلها فلم تجبِ الطلولُ

*

بصرتُ النخلةَ الشّماءَ شوقًا

إلى تلك الوجوهِ وما تقولُ

*

لقد غطّى الترابُ وجوهَ قومٍ

مشوا في ربعِها وهم العدولُ

*

سلامُ الله أطلقها جهارًا

على وطنٍ تعانقُهُ الحقولُ

*

رضعتُ ودادَها طفلًا صغيرًا

وشبتُ وحبُّها أبدًا يطولُ

*

حبيبتُنا إليكِ القلب يرنو

فهل تدرينَ ما  تخفي الفصولُ؟

*

أيا دار الفتوّةِ  هل أراكِ

لنا دارًا وقد عزَّ السبيلُ

*

لوجهكِ دائمًا وجهتُ وجهي

لوجهكِ دائمًا يرنو العليلُ

***

د. جاسم الخالدي

ياله من أمرٍ سهل !

عليك فقط

أن تحب كل شيء

ترضى  بكل شيء

تعيش كما يعيش الزهر

بلا جلبة

لكنه لن يكون ملهما

قاسيا

صاخبا

لن يكون عصيا وغاضبا

مثل ليلة من ليالي الخريف

مثل طعنة في القلب

مثل صداع أبدي

مثل رفض لكل شيء منطقي

مثل شاي بلا سكر

وقهوة سوداء

ومطر غزير

ورواية لماركيز

وفلم من افلام هتشكوك

أن تكون إنسانا

فهذا يعني أن تجازف

بأكل تفاحة من الفردوس

وإن كان الثمن

عصور من الحزن والشتات!

***

تماضر كريم

 

 

راضي المترفيبعد طرده من الحانة ثملا مفلسا ترنح بمشيته على الرصيف باحثا عن مكان يرتاح به بعيدا عن ضجيج السكارى وصراخهم على الندل ولم يعثر حتى عتعته السكر وانهكه السير فوقع على الرصيف فاقدا الوعي وبعد فترة مر به احدهم تبدو العافية على محياه والصحة والعنفوان على جسمه فاصطحبه لبيته القريب من مكان سقوطه وفي حديقة البيت مدده على لوح خشب وسلط عليه ماء الموتور المندفع بقوة حتى بان اللون الحقيقي لكل قطعة من ملابسه ثم سحله من قدميه بدون رحمة ودخل به حمام قريب من غرفة الضيوف وطلب منه خلع ملابسه فامتنع فكرر عليه الطلب ولما امتنع ثانية أخرج صاحب البيت سوطا لا اعرف اين كان يخفيه وجلده به مرتين فامتثل للامر ثم ساعده في غسل جسده بكل انواع الصابون والمطهرات والمعطرات الموجودة بعدها حلق له ذقنه ورتب شعره وزوده بملابس على قياسه تماما فبان شخصا آخر غير ذلك السكير الشعث الوسخ المخمور ثم اقتاده إلى غرفة الضيوف وبعدما اجلسه التقط له عدة صور من جوانب مختلفة وادخل تلك الصور في حاسوبه الشخصي وأجرى بحثا عنه بعدها طلب فنجانين قهوة وجلس قبالته وسأله بعد اول رشفة من فنجانه..

- كم لغة تجيد غير العربية والفارسية والإنكليزية؟

نظر بوجهه بهدوء وقرأ ملامحه بصمت ثم خفض رأسه للأسفل للحظات ثم رفع نظره إليه بثبات ورد على سؤاله بسؤال.. ماذا يعني لك معرفة ذلك؟

- يعني الكثير خصوصا وأن ملابسك التي في الحمام وما وجدنا فيها قد يسر لنا الكثير من الأمور

- طيب انا اجيد التركية والروسية والفرنسية والألمانية وبعض لهجات الدول العربية

- منذ متى انت هنا؟

- منذ تسعة اشهر وعدة ايام

- كم منطقة تواجدت فيها خلال هذه المدة؟

- كل المناطق التي ممكن نصنع فيها رأي عام لكن غالبا ما اقضي الليل في المناطق التي يتواجد فيها كل طبقات الشعب.. حكام.. ضباط.. مثقفين.. مدمنو خمر.. قتلة.. عشاق المال وغيرهم.. لكن لماذا لا تصل إلى غايتك بالمباشر وتريحني وتريح نفسك؟

- كيف؟

- قبل أن أخبرك أود تطمينك اني لست خائفا وانا محميا تماما وفي مجلسنا هذا يجب أن تكون انت الخائف وليس انا مع اني اعرف انك تلاحقني منذ أيام وشاهدتك في أكثر من مكان وموقع ولا حظتني كيف ابدل جلدي بما يتناسب مع كل مكان احضر فيه ولم تستطع الإمساك بي اليوم لو لا اني متعب من عمل تطلب مني الجهد والسهر لمدة (٧٢) متواصلة.

- طيب حدثني عنك؟

- انا فرد من مجموعة يبلغ تعدادها (١٨٠) رجل وامرأة فينا من يحمل جنسية بلدكم وآخرون يحملون جنسيات بلدان مجاورة وبلدان بعيدة وكلنا نعمل ضمن برنامج واحد يتعلق ببلدكم وكلنا لنا القدرة على تبديل جلودنا مثلما تبدل ملابسك في الثقافة نحن مثقفين وفي السياسة مطلعين وفي الدين متشرعين وهكذا لكننا أساتذة في التحشيد للغاية التي يطلب منا تنفيذها وقد عملنا هنا في هذه الأشهر القليلة ما يعجز عن عمله جيش جرار في سنوات

- مثلا؟

- لقد تمكن من يحكمونكم وعلى مدار أعوام طويلة رغم كل ما فيهم من مساويء من الاتفاق على صيغة تعايش بينهم للحفاظ على تماسكهم ظاهريا رغم الخلافات والعداوات الشديدة بينهم من أجل إكمال ما أوكل إليهم من تخريب ودمار لبلد كان يشكل غصة في حلق من نعمل عنده وقد أنجز هؤلاء الحكام كل ما أوكل إليهم بجدارة يستحقون الشكر عليها لكن بما انهم من النوع الذي لا يشكر فلا يحصلون عليه

- ماداموا انجزوا ما طلب منهم أو أوكل إليهم فما سبب وجودكم انتم؟

- سؤال ربما لم يكن ذكيا لكنه يبدو مهما وعليه سأخبرك-

- تفضل

- اريد فنجان قهوة اولا

- لك ما طلبت

- هناك مبدأ مخابراتي ثابت تتعامل أجهزة المخابرات في كل العالم يقول هذا المبدأ (كل عميل ينفذ ثلاثة عمليات ناجحة يصبح خطرا على الجهة التي استعملته لذا يجب التخلص منه) وهؤلاء نفذوا عشرات العمليات وأن كانت ضمن برنامج واحد هو تخريب بلدكم وقبضوا عن ذلك ثمنا مجزيا إلا أن التخلص منهم أصبح حتميا لذا جئنا انا ومجموعتي لزرع الفتنة بينهم ودفعهم للاقتتال وتصفية بعضهم البعض جسديا وهذا سيتم في غضون أشهر قادمة أن لم تكن اسابيع

- ماذا لو حدثت حربا أهلية جراء ذلك؟

- اطمئن أغلب شعبكم يحب الحياة وليس على استعداد للتضحية بنفسه من أجل آخر حتى إذا كان معشوقه أو اخيه وما تراه اليوم هو المقدمات وما أن يلعلع الرصاص حتى يختفي الآخرون تاركين أصحاب الشأن يصفي بعضهم بعضا

- وبعد هذا؟

- لا من اختصاصي وليس من علمي وأن طال بك العمر اذكر جلستنا هذه بخير رغم اني اخاف عليك من الموت بنيران صديقة.

***

راضي المترفي

 

ما كان شيئاً عابراً

ذاك الشعور

أعاد تشكيل الفكرة

رسم للحرف

أجنحة

فانطوت كل الحدود

بات الكون بداخلي

يحتمل أن يصبح

قصيدة

وأن يمسي

لحناً

فترقصُ المدن

على أوتار الاغتراب

حد التعرق

ومساحاتُ الفراق

تتقلص بكلمة

تكسر العناد

بابتسامةٍ على شفاه الزهر

تغازل الندى

وتسافر في الأيام عطراً

يؤرخ للحظات من العمر

لا تشيخ

فيها خلاص الروح

من أشجان قديمة

تتكدس على هيئة أوراق متغضنة

تحجب الرؤية

وتحبس اللغة

في لون الوحدة

نحن

بداية تعتمد كل الفصول

لانجاب المزيد من التفاصيل

تنجبنا الشمس

ظلان يلتقيان في قبلة

ينجبنا المطر

نقطتان تعلقان في مظلة

ينجبنا الصقيع

معطفان يضمهما العناق

ينجبنا الربيع

زهرتان تحملان سر اللون

ميلادٌ للدهشة

نحن معاً

في حقائب الأيام

نسافر نحونا

في كل حين

في صمتنا كل الكلام

في شعرنا أصل الحكاية

***

أريج محمدأحمد

الشارقة  25/8/2022

 

 

أنا المبحوث عني

أنا المختفي بجسدي...

التائه في عمري

القابض على ضوئي

اسير بعكاز الحرف

والعين

تنظر إلى الخلف

أمشي والرجل

تدبر لا تقبل

كأن الريح

سطت على أمري

أنا المبحوث عني

وكل الطرقات والحارات

زعيق أبواق

وأنا المختفي

بأدغال آهات وأشواق...

فمن يعثر عني

يرديني حالا

حيا أو قتيلا

في جبي...

***

محمد العرجوني

 

لِلحُسْنِ، في شَتَّى اللُّغاتِ، نَماذِجُ

ونُضارُ حُسنِكِ جَسَّدَ الأُنموذَجَا

*

مُذ وَشّحَتْ يَقَقَ الجَبِينِ زَبارِجُ،

وأَنابُ خَدِّكِ أَسْكَرَ البابُونَجَا...

*

لِتَحُلَّ في نَبْضِ الوَرِيدِ لَواعِجُ

مِن سِحْرِ عيْنٍ تَحْضُنُ الفَيْروزَجَا،

*

وتُؤجِّجَ وَجْدَ الشُّغافِ عَرافِجُ

بِسَوادِ خالٍ يَرْسُمُ الإِهْلِيلَجَا

**

كَم دَغدغَتْ رَمْلَ الخَيالِ هَوادِجُ

تَتَمايلُ، وتُعَبِّقُ الرّاتِينَجَا…

*

وتَراقَصَتْ فوق النِّطاقِ سَفارِجُ

أَحْيَا شَذاهَا الآسَ، والهِدْرانَجَا…

*

تَتَقاذَفُ القَلبَ المَشُوقَ أَرائِجُ...

فيَحُطُّ... طَيْرًا يَنقُرُ الشَّهْدانَجَا...

**

لِرُضابِكِ ولَمَى الشِّفاهِ تَواشُجُ

كلَذِيذِ شهدٍ، زَيَّنَ الفالُوذَجَا

*

ورَحِيقُ ثَغرِكِ بَلسمٌ ومَباهِجُ

لفُؤادِ صَبٍّ يَلثِمُ المَيْبَخْتَجَا

*

فتَحُضُّه تَحْتَ الشِّفاهِ سَكارِجُ

لِيَذُوقَ طَعْمَ العِلْكِ والبَسْفايَجَا...

***

شعر: د. المنتصر العامري

 

من أيّ الأبوابِ سأدخلُ

إنّي مُرتابْ

مما يَحْصلُ خلفَ البابِ الأولِّ

أو  باقي الأبوابْ

فأنا في الفجرِ مررتُ

ورأيتُ

أفواجَ نساءٍ تبكي

خرجتْ تتراكضُ من أولِّ بابْ

ومن البابِ الثاني كانت تخرجُ

أفواجُ ذئابْ

كلّ الأبوابِ قد انفتحتْ

ثمّ اِنغلقتْ

خرجتْ منها أفواجٌ غاضبةٌ

وثعالبَ تضحكُ

ورجالٌ لا لونَ لَهَمْ

لا صوتَ لَهَمْ

أيّ عذابٍ هذا؟ أيّ عذابْ؟

أينَ سنمضي؟

قلتُ لها

صَمَتَتْ

ظلّتْ صامتةً .. وبَكَتْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

 

 

عِزَّةُ النَفسِ ونَفسُ العِزَّةِ

مَرَضٌ ذلَّ عَزيزَ المُهْجَةِ

*

كِبْرياءٌ في مَيادينِ الرُؤى

يَتهاوى بحَضيضِ الحُفرَةِ

*

عُمْرنا دامَ ببَحْرٍ هائِجٍ

ونُهانا في صِراطِ الغَفلةِ

*

وإذا الداءُ نِداءٌ مُرْعِبٌ

وعَدوٌّ مُستقيمُ الصَوْلةِ

*

صُفِعَ الروحُ ونَفْسٌ إشْتكَتْ

مِنْ وَجيْعٍ لشَديدِ الوَثبَةِ

*

أيُّ وَهْمٍ قادَنا نحوَ الدُنى

ورَمانا بأتونِ اليَقْظةِ

*

يا عَزيزَ النفسِ ما عِشْتَ بها

أنتَ طيفٌ كبَريقِ الومْضَةِ

*

أنتَ مِنْ نَسلِ تَرابٍ جامِعٍ

لخَليقٍ مِنْ غبارِ الكُثرةِ

*

آكِلٌ أنْتَ ومأكولٌ بها

هكذا شاءَتْ بدارِ الرحلةِ

*

وكَذا دامَتْ وجاءَتْ عِندنا

وتَرانا في فَزيعِ الحَيْرةِ

*

كُنْ عَزيزاً رُغْمَ أنّاتِ الضَنى

وتَحَدّاها بسَيْفِ الحِكْمةِ

*

وتَمادى بعَطاءٍ خالدٍ

واجْعلِ الأيّامَ بَيْتَ الألفَةِ

*

إمْرةُ السُوءِ لنَفسٍ نارُها

واسْتطابَ الخلقُ سُوءَ الإمْرَةِ

*

غابُ فعلٍ فاعلٌ في حالِها

شِرْعَةُ الغابِ عَمادُ العِلّةِ

*

لا رِسالٌ واهْتداءٌ أو تُقى

وارْتهانٌ بعَسيرِ الرِفقةِ

*

إنّهمْ قالوا وقوْلٌ قدّنا

فَسَقَطْنا بسَحيْقِ الهوّةِ

*

وتَدَحْرَجْنا لقاعٍ مُظلمٍ

فتَناسَيْنا مَعاني القوَّةِ

*

أشْرَقَتْ روحٌ ونَفسٌ غادَرَتْ

وتَلاشَتْ برِحابِ الفِتْنَةِ

*

جَوْهَرُ الإنسانِ في مَعْنى الأنا

عَسْجَدٌ أضحى خَسيْسَ القيْمةِ

*

يا رَسولَ الشَوْقِ مِنْ بَدْءٍ مَضى

إنْتَهَيْنا بأتونِ القبْضَةِ

*

وعلى الدُنيا سَلامٌ واجِبٌ

ومَقامٌ بديارِ الوَحْدَةِ

*

أيّ عزٍّ يا فؤاداً خاوياً

وكياناً برَميْمِ الهَيْأةِ؟

*

فتَعَلّمْ كيْفَ تَحْدوها إلى

بُقعةٍ فيها أريْجُ الرَوْعَةِ!!

***

د. صادق السامرائي

 

أتُرانا نستحقُّ أن يحبَّنا اللهُ

نحن من سَرَقَنا الوقتُ غفلةً

لازلنا نَتشدقُ بحروفِ أجدادنا

لم يَعدْ التاريخُ يذكر منا

غير رائحةَ الدمِ

النتنةِ

يَعدُّ علينا حروبَنا العبثيةَ

ألا زلنا

نحلمُ بالوطنِ السعيد ؟

وحبيبة لم تخن

لتكون شاهدَ صدقٍ

على تصدعِ الوطنِ

تعالوا لنطببَ خاصرةَ الوطنِ وهي تنزفُ

وذلك الذي يحلمُ

ان يثملً وهو يعاقرُ

ماءَ الفراتِ في الغربة

أتُرانا نستحق أن يحبنا الله

ونحن لم نفصحْ بعدُ

عن حبنا لجديلةٍ

أو

حتى خصرِ الغانيات وهو يتمايل

أترانا نستحق أن يحبنا الله

ونحن نشهد تصدع الوطن خانعينَ

لنبتكرَ أبجديةً جديدةً

للاعتذارِ عن كل المواعيدِ

المجهضةِ

لعودةِ العصافيرِ الى الحقولِ

والضحكةِ الى حضنِ الوطن

***

كامل فرحان حسوني

 

يا أيُها النهرُ المقيدُ بالسلاسلِ والرصاص

لن تذهب الايامُ حتىٰ تنحني

الهامات عند مقصلةِ القصاص

*

نهرٌ تَسابَقَ مَوجُهُ ماءاً زلال

ينزو علىٰ ملح الجنوب

من الشمال

*

تصطفُ أعوادُ الأرُزِ علىٰ

الطريق

تعانقُ المَوج الرشيق

عِناقَ عاشقةٍ تَغَشاها عَشيق

*

وأنسل من أحضانها قبل

صِياح الفجرِ بعد ما أنبتَ فيها

سُنبلةً بيضاءَ تسُرُ

المُنتظرينَ

أقواتهم

*

مُتجهاً نحوَ الجنوبِ حيثُ العرائس الباسقات

اللاهثات

يُكللُها

بياضَ الملحِ

المُتراكمِ فوق جُذوعها

الحمراء

*

يقطرُ من اذيالها البيضاء

فوق زهور الحِناء

*

إذن ....

فَليحضُن النهرُ الخَصرُ

فينهالُ عليه التمرُ

*

في حفلِ زفافِ النَهرِ

علىٰ بيضاءَ الخَصرِ

*

فانطفأ الجمرُ

وتراقصت أزهارُ الحِناء

فوق جدائل النساء

*

فلقد ذاب لسانُ الخليجِ

في قافلة الموجِ

البهيجِ

***

بقلمي

فاضل الجاروش

26/5/2022

 

 

كم أمقت السماء والنجوم يا إلهي

وأحب الحرب في الصيف

كم أحب القناصة إذ يطردون الميتافيزيقا

و يمارسون فن اليوغا بعيون من الكريستال

كم أحب ضجيج مروحيات الأباتشي

رعاة البقر في التلة المنطفئة

رقصة العميان في الجب

صرير عجلات القلب

الجنود وهم يوزعون شطائر البيتزا على الأموات

هروب شجرة الفستق من الحديقة العامة

الزجاج المتساقط على رؤوس الأرامل

وأنا في شقة متحصن بالفرار

أمزق فريستي بأنياب فهد أشقر

أفرغ عمودها الفقري من الفضة والغيوم

أحب رائحة البومة النافقة.

رائحة الأصابع المقطوعة في الشرفة.

رائحة الخيول التي تركض في براري دمي.

أحب ممارسة العادة السرية

تحت مطر القنابل

إيقاع أقدام الشياطين العذبة

أحب سمل العيون المشمسة بآلة حادة

صناعة مطريات جيدة من جلود الموتى

أحب الرصاصة التي تعض جارتي من إليتها المكتنزة

الرصاصة التي تقيم في القلب

تنبش كيس مخيلة الرهينة

تلتهم نهديك المقوسين

أيتها الإوزة المشبعة بالشك والنميمة

لمسدسي طعم الكاكاو

وعلى نافذتي ترتطم أشلاء القديسات

كم أحب ديدانك المتلعثمة

***

فتحي مهذب

 

تماضر كريمالأمر بدأ بفكرةٍ مضحكة، في لحظة منفلتة، كانت تسكب الشاي في الأكواب بكلّ أريحية، بعد أن وضعت كمية كبيرة من السكّر لابنتها وكمية متوسطة لزوجها وتركت كوبها بلا سكر، حسنا، ماذا لو أنهتٔ حياتها، انفرجت شفتاها عن أسنان سليمة لامعة وهي تتخيل شكل عائلتها وأصدقائها بعد سماعهم النبأ، كادت تضحك بصوت عال، لشدة غرابة الفكرة واستحالة وقوعها، عندما حملت الأكواب بخفة، وبهجة قلّ نظيرها، انفجر السؤال بداخلها (لم لا)؟

كثيرا ما أحب زوجها طريقتها في فعل الأشياء، لم يخبو شعاع انبهاره بها، حتى بعد عشر سنوات من الرِفقة، عندما حمل الشاي إلى شفتيه صدرت منه صيحة، لقد احترق لسانه، ضحكت بدلال وتهكّمت عليه، ما لبث أن حلّ صمتٌ مفاجيء، صمت غريب، ثم خيم على قلبها إحساس عميق بالحزن، وهي تشرب شايها المُر، يا للعجب، إنها تُمطر، إنها زخة مطر عجولة غزيرة، تطرق النوافذ بإلحاح واضح، وترسم على النوافذ خطوطا متعرجة وعلى الطرقات خرائط غامضة، والفكرة ذات الفكرة تنرسم في خيالها، كيف تُنهي هذا الوجود.. هذا الكيان، لمَ قد تكون هذه الفكرة مستحيلة، إنها قابلة للحصول، فتحت خزانة ملابسها، ألقت نظرة على كلّ شيء، الحقائب، الحليّ، علب التجميل، هنا حاسوبها وأقلامها التي تختارها بعناية، ودفاترها، ومكتبتها ذات الرفوف شديدة الترتيب، والجدران التي تزينها اللوحات الباهضة والصور التي تشرق بالبسمات، كل شيء هنا يريد أن يعيش، أن يدوم، أن يعانق الصباح  كلّ يوم، ويسهر مع النجوم كل ليلة، لكنها لم تفهم، لماذا كانت تشعر أنها تودّع كل أشياءها التي تحب، كأنها تلوّح لها.

هل هي لعنة الفكرة التي باغتتها؟ (نعم لمَ لا؟ لم قد تكون تلك التفاصيل مهمة، وتلك الأشياء ذات قيمة؟ ألم يكن أولئك الذين أنهوا حياتهم قبلي، في لحظة ما مستغرقين في أيامهم بتفاصيلها الحلوة والمرة، وربما كانوا في أوقات ما يعيشونها بشغف كبير، نعم، أظن أن ضحكتي المبالغ فيها اليوم حول فكرتي المباغتة كانت سخافة لا أكثر، فالأمر جاد، إنه ليس مضحكا أبدا) . أغلقت الخزانة، والكتاب الذي بقي مفتوحا على صفحة ما منذ ليلة، نزعت الخواتم من أصابعها وباقي الحلي.

رفعت شعرها الطويل إلى الأعلى، عندما خرجت من غرفتها كانت قد وضعت خطة لتنفيذ فكرتها، ذهبت  بثبات لتبدأ بالخطوة الأولى، لكن صوت ابنتها أوقفها لوهلة (ماما أين دفتر الرسم ..لم أعثر عليه في حقيبتي)، قالت لنفسها أن من ينوون عمل شيء مهم لن يثنيهم الأطفال عن ذلك، الأطفال سبب عاطفتنا الزائدة وسبب ضعفنا، كانت تفكر في ذلك وهي تبحث عن دفتر الرسم، تبا لدفتر الرسم، تحت السرير وجدته  بعد بحثٍ قصير، حملته بلا مبالاة إلى ابنتها (لا تُلقي أشيائك هكذا.. لقد نبهتكِ مرارا)، أدهشتها فرحة ابنتها بدفتر الرسم، ماذا سترسم الآن ؟ تبدو متحمسة.

لكن ماذا لو انتظرت قليلا ريثما تُنهي رسمتها، هذه الطفلة مذهلة في استعمال الألوان، نظرت إلى الأرض والسماء والبيت ذي النافذة الصغيرة وشجرة الرمان، في لوحة ابنتها، كان كل شيء كاملا هنا، عدا الأشخاص، إنهم مغيبون، حسنا تفعل، عالم بلا إنسان، هذا ما يجب أن نرسمه، لم تُظهِر ثناءً لابنتها، كانت غارقة في تفاصيل اللوحة، (ماما  ماما هل هي جميلة)؟

كلمّا علينا فعله أن نتجاهل جمال الأشياء من حولنا، الأطفال، لوحاتهم، الأصدقاء، الأيام القادمة، التفاصيل الحلوة، نكهات الشاي والقهوة مثلا، طعم الكعك المحلى، كل شيء، ينبغي أن نكون شجعانا، الأشياء العظيمة تبدأ بفكرة، فكرة مضحكة أحيانا، صدقيني يا صغيرتي حتى لوحتك هذه لن تصمد أمامها، حتى ابتسامتك، ورغبتك في الثناء، فقط لا تؤخري رجاء ما أريد البدء به !

***

تماضر كريم

 

راضي المترفيثلاثة قصص قصيرة جدا

تبديل

 تعرض إلى حادث سير كارثي ونقل للمستشفى شبه ميت وبعد إجراء الفحص أعلن كبير الأطباء أن الحالة ميئوس منها مالم يتوفر متبرع بقلب خلال ستين دقيقة فتحرك الجميع وقبل نهاية المهلة اخبروا الطبيب بعثورهم على قلب عاهرة كانت تبرعت به عند موتها عله يكون سببا للتكفير عن سيئاتها فوافق الطبيب فورا وادخل المريض غرفة العمليات وبعد ساعات أعلن الطبيب عن نجاح العملية وبقاء المريض على قيد الحياة وبعد عدة أشهر اكتسب الشفاء التام لكن لوحظ عليه انه غالبا مايرتدي ملابس الزهاد لكنه يتصرف تصرف المومسات.

**

خذلان

كانت تجلس وحيدة في مقعد الباص عندما صعد هو، حرك في صدرها مشاعر تراكمت فوقها سنين طويلة وبين لحظة صعوده ووصوله قريبا منها مر أمام ناظرها شريط ذكريات الصبا والشباب ومشاكسات ابن الجيران وقصة حب ذبحتها الأعراف، كان كل ما يهمه وجود مقعدا شاغرا يرمي جسده المكدود عليه بعد يوم عمل شاق وحين اقترب منها دعته باسمه للجلوس جنبها. اعتذر بأدب قائلا: عفوا أكره ثرثرة النساء، وتجاوزها دون اكتراث.

**

خيبة

اجتاز الشارع من الجهة المقابلة ليركب الباص الصاعد إلى مركز المدينة. نظر إلى وجه المرأة التي تقف أمامه على ناصية الطريق فتأكد له أنها تلك المرأة التي لم تستطع واحدة أخرى مزاحمتها على قلبه قبل سنوات وأسرع الخطى نحوها وحياها بكلمات راعشة فردت ببرود واستغراب وعندما هم أن يعلمها بنفسه كانت تضع قدمها على عتبة باب سيارة متجهة إلى جهة لايقصدها.

***

راضي المترفي

 

ابراهيم تبلسم جراحاته وجوه الصبايا اليافعات وتلابيب السماء هباته مثل الغيوم الباسمات تجرجر الرياح في اذيالها تصطنع الحياة أمه الوجلى ببسمتها تجلي السماء وبحيرات النشامى وأنهار خريف الذكريات صحبه من الفتيان يشيرون ذاك طريق مغلق النهود لنعود فاتحين إلى الوراء يا ويحكم هذا الطريق الأمن يوصل إلى الجنان والباسقات تتراقص مع اليمام يا صحبتي ثمة ثعبان كبير وتماسيح مجلجلة بدماء الأبرياء يقيمون حاجزا للاتقياء في لحظاتي هذه الشمس أكثر قربا من الروح ونسيمات المطر يترشرش منها الآفاق هي طريقي يتفصد منها ملح الأرض من الدماء لتوليد الشهوة في امي حتى العناق في خطونا إلى الوراء تزهر الهاوية فرحا وتتغشاني تسابيح النار في الفضاء في حضرتي تعانقني أمي وكأني لم ازل في أحشائها امتع نفسي بهوى الجنان مزمارهم يبحث عن رخويات الاهرامات وحدائق بابل والملك العربي النعمان قلبي يتلفع الجميلة بسمة أمي يطلق صيحات العناق في الزوايا الشامخات ثمة موسيقا صافية تنبعث من عبق حارة الياسمين والزوايا الهادئة في اللامكان تتجول الروح في حارات بلدتنا العتيقة تستنشق عبق المجد وعبير الكبرياء تستحثني بسمتها يتوالد الغضب كي يغلي الدم في عروقي وتلتحم اهات الشعب قلبي يدندن فرحا بالاتي يستمطرني شوق مدينتنا فالحرب المقدسة تستطرق الوجدان في بضع خطوات كي التقيك إلى سمرات الموت كي اتدفأ حبك يا ملح الأرض يعرض عليها قلبه فهو ماض إلى الحرب الجهمة في ليل يخلو من ظلمة اليباب يزهر التفاح في وادي العذارى يتبختر النسر البري يتهادى ضباب النهر يمجد الألحان هي مجدها تصنعه تصون متغيرات الدهر وينساب عطر البارود يجلجل الزمان جاءوا في غمرات الجمر الحاني على جلود المتعبين مع ظلال طرب الصخور والآفاق من صولته يرتفع مجد اللقاء عمودا تسند به الحسناوات أركان الخباء والبسمات يحمل ألمه في صدره يردد لحن دمه النازف يوصل رسائله إلى وجنتي الشمس في الأدغال دمه صوتها انتظرني حتى اعود لكن صمت الصمود يلجلج انتظار الأنين من الأمطار روحه تناجي جرزيم وعيبال تمضي مسرعة على دروب الأجداد الفاتحين وشموس القتال نفسه روحه تخاطبان مجد الثرى والطفولة والكهولة وتموجات الأنهار سمموا وكر من يحب ترابه وتبينوا حبيب الغيرة والخجل وانبعاث جذوة الأعماق اني اعشقك تسري جذواته في الأعماق تعشقينتي بصمت يتماثل جرحي للشفاء هي الروح تعبث بندف الثلج الاتي مع التماسيح يندفع وجد التيار ورقرقة الاوقات هي ظلمة من يموتون على موائد الثرى وتودع اليمامة غاليها والالم يتغلغل في الآهات ابراهيم يدندن لحنه القرمزي زمن الرجولة قد حان في ساعتها وما من خوف من ميت تحت الأنقاض ليس من الرجولة أن نفر ولا نروي مجدها هي أمنا وارضنا الجميلة لها صولات الكبرياء مقراتهم مرسومة في العتمة وابراهيم تتوضأ بدمه جديلة الشمس والنجم الساجد للرحمن أمي تلقن النفس بأن الحب يكتشف أسرار الصمت وتباشير الحياة والدلال زمني يا أم إبراهيم هو الثمين وزمنهم لا حكمة فيه ولا سرمديات ولا غلال طفولتي حلم الحياة ينبعث بها وصية الاله ونياشين انتصاف الليل حين يمتهن الصواب نصرنا مرح والجسور يغنيني فرحا في ارتياح الوجد وقصائدي فيهمو شدو الحياة.

***

 نادي ساري الديك رام الله _فلسطين 14/8/2022م

إليها ودمه يعيد الينا الطرق المقتولة في فواجعها وبسمتها تقف شامخة كانتصاب شعر الماجدات.

 

انعدام الرؤى

جعل شعاع

قوس قزح الصباح

ينحرف عن مساره

صوب القلوب اكثر

روعة وبهاء واكثر

تعلقا بالشفق الازرق

وبالمطر وببنفسجات

واقحوانات

العطاء

وجعل بنات اوى

الثعالب

والذئاب

تعوي في حقول

رؤاها الرمادية

الجرداء

والبومة الصلعاء

في خرائب احلامها

السود تنعق

والهداهد

العاشقة والمعذبة

في مروج امالها

وامنياتها

تعزف على اوتار

قيائر قلوبها الحزينة

لحن البرق

لحن الغيم

ولحن المطر.

***

سالم الياس مدالو

نامت على نَزْفِ البراءةِ أعينٌ

باســـم العروبةِ دمعُها مِـدرارُ

*

اُسْـــدٌ عـلى إخـوانِهم بتَطرُّفٍ

ومـــع الغُــزاة بوَهْنِهـم أبـقـارُ

*

أنـفـاسُ غــزّة مزّقتْ أستارَهم

فَـتَسـرَّبـتْ مِن جُـبْـنِهم أسْـرارُ

*

عــارٌ عــلى نوْط الزّعامةِ يَعـتلي

صَـدرَ الخــيانـة، فاثأري يا نـارُ

*

ياطـُهرَغزّة قد كشفتَ رؤوسَ مَن

فــيهــا الـنّــفـــاقُ مُعَـشِـشٌ مِـكْـثارُ

*

تــعـلـو مـآذنَهــم بِـصَوْتِ مـُكـبِّــرٍ

وَدَمٌ لإخـــوانٍ لــهــم ، أنـــهـــارُ

*

مِعـوان صاروا للعــدو بِصَـمْـتِهم

والحــقُّ أبـْلـجُ ، مـا عـليه غُــبارُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

أحتاجُ النومَ قبلَ أنْ يسرقني الوجعُ

أحتاجهُ لأن أطيافه

لنْ تتكررَ

بهِ أغادرُ كلَّ أشكالِ العبوديةِ

يحررني من جسدي المتعبِ

من أقوالٍ تتراكمُ فوقي

بحراً هائجاً

أحتاجُ النومَ كي أغادرَ  تعسفَ الأزمنةِ

أو ربما اكتبُ رسالةَ غرامٍ

عجزتُ أنْ اكتبها ساعةَ الصحوِ

أني لأساجلُ الذاتِ بالذاتِ

أتحررُ من قلمي المفرطِ بالأنا

أتحررُ من سماعِ صوتِ طفلٍ

يقتلهُ الجوعُ في وطنٍ

أشبعتهُ الخرافةُ دونَ أنْ يتحررَ

أني أشتهيكَ ايها النومُ

لاتكن عنيداً معي

كفكفْ عني تمردي

خذْ بيدي رسائلاً لم اكتبها

طوقني عقداً من الوردِ

أنا المقيدُ بنرجسيةِ الصبرِ

أحتاجُ اليكَ

حتى أني ما عدتُ اسكاتَ وسادتي

أتدثرُ فيكَ

وأقولُ متى ألقاكَ

أحتاجُ اليكَ رفيقَ الدربِ المؤبدِ

مَنْ سواكَ يذكرني بعشيقاتِ سلوتي

او حتى خطاباتِ ثورتي المحبطةِ

وحدكَ تتمشى معي

وحدكَ وهبتني نشوةَ الحبِ والغرامِ

شاركتني أسراري

ايها الحارسُ الأمينُ

كمْ مرةٍ حاربوك بيقضتي

لكنكَ كنتَ الاكرمَ

تعودُ تزقني احلامَ العصافيرَ

او ربما تأخذني لسواحلِ الغربةِ

تأتيني بكلِّ طيورِ السماءِ

تجعلني ارتلُ آياتٍ لا تعرفُ العبثَ

تعال لي معكَ مواثيقُ واسرارٌ

تعال قبلَ أنْ يسرقكَ مني الغبشُ

تعال شاركني البقاءَ

أنا لا اريدُ أنْ اصحوَ

ثمةَ جلادينَ ينتظروننا

ثمةَ من يمسكَ الاغلالَ علينا

يسلبُ منا سحرَ الجمالِ

ياصديقي يامن اورثني

وثاقَ العشقِ

وحدكَ الذي كنتَ معي وفياً

***

عبد الامير العبادي

قدر

على ضفافك المخضرة ولدت

كما شاء القدر

وكما شاءت رؤاك هلين

وكما شاءت الأساطير والحكايات

وكما وددت وتمنيت وانتظرت

وكما اشتهت البساتين والحقول

مطرا..مطرا

وغيثا..

ونبعا..

وفيضا..

ونهرا جارفا على ضفافك تدفقت.

سفر

كل مساء  يحن  إليها

يشرع بحب نافذة قلبه

المطلة على جنانها

كفيض  النهر المتدفق

يحرر من القفص مشاعره الحالمة

فيطير..

***

عبد الرزاق اسطيطو

إنتهت ..

إنتهت ..

إنتهت "اللعبة"!

لمْ يبقَ لي إلاّ "اللعب بالوقت الضائع"!

عَلّقتُ سلاحي على سِدرةٍ عتيقة ..

...................

لا بطولةً،

لا بَراعةً، أو فِطنةً أنّني أحيا!

سأَنكَبُّ على "مؤجلاتي "، فلا وقت للتبذير!

إنتهت اللعبة!

إنتهت!

لم تَعُد هناك فرصة أخرى ..

**

لمْ يَتسنَ لي أنْ أُهنِّأ أُمي بسلامتي معطوباً ..

كلُّ مَنْ حَوْلي هَنَّأني على "السلامة" المنقوصة!!

لكنني بقيتُ سيّدَ ذاتي،

لا  أنسى ولا أَتذكّرُ الماضي إلاّ حينَ يَشرَقُ الهواءُ بغبار "الآنْ"!

لمْ أُسائل نفسي لماذا أحتفي بصداقةِ اليومي،

وأَنتشي بالنَزرِ المُتاح!

ربما أكونُ أرجأتُ إستذكارَ "المَلاكَ" إيّاه كي أُموِّهَ ما إستبطنتُ من حُطامي!

وأَعرفُ أَنه ساديٌّ مراوغ،

يقضمُ "رأسمالي"/ أصدقائي من حولي .. واحداً، واحداً لينفَرد بي!!

أَتُراه خائفاً مِنّي ؟.. أَنا المعطوب ..؟!

**

هلْ يَمرَضُ مَلاكُ الموتِ مثلما نَمرَضُ ..؟!

أَيُصابُ بالأنفلونزا، وفقدان الذاكرة(ألزهايمر) أو يدَخَلَ  "الكوما" ..؟!

إذا كان كذلك .. لنْ أَدعو له بالشفاءِ والعافية،

كي أَكتُبَ نَصّي الذي أَحلَمُ به!

فَبِيْ شَبَقٌ إلى ما لستُ أَعرِفُ ..

وأُريدُ أنْ أحيا وأنساه!

........................

كلُّ ما في الأمر أَنّي أُصدِّقُ حواسّي، بأَنَّني لمْ أَزَلْ أَحيا ..

أتأبطُ ظِلِّي كي لا يتعثَّرَ فوقَ رصيفٍ مَجدورَ الوجه، فينكسَّرْ،

لمْ يأتِ موسمُ "القِطاف"،

لمْ يأتِ،

لمْ ..!

وساعتي لمْ تَحِنْ بعدُ !

**

وسطَ ضوءٍ نحيلٍ يَخبِزُ الليلَ، نَجوتُ مصادفَةً،

حاولتُ تعديلَ مسيرتي، كيف ما أَشتهي!

إذْ ما كُنتُ لأكونَ لو أَنَّ الموتَ لم يكنْ عشوائيا،

إختطفَ أخَوَيَّ الأصغرين قاسم  ورسول!

يزورني في المنام، دون دعوة، ويقولُ:

" ما نسيتكَ، لنْ تَفلِتَ منّي، وإنْ نَجَوتَ بضعَ مرّات!"

فأقولُ له: " غَلبتُكَ يا موتُ غير مرة! أما تستحي  ؟!"

**

ما كنتُ لأحيا لو أنَّ الرصاصةَ الغبية لم تُخطيء مسارها بعشرينَ درجة،

فتَستقرَّ  في ركبتي مرتين:

في ساحة السباع  وفي كردستانْ.

....................

ما كُنتُ لأَحيا  لو لمْ أُشاغل ضابط الجوازات صالح منهل- زميلي في المتوسطة –

فلو أَلقى نظرةً على قائمة " الثلاثونَ المُبشّرونَ بجهنم "*لَرُحتُ بشُربة ماء!!

...................

ولا كُنتُ سأحيا  لولا جَلَبَةٍ قام بها اليمنيون الجنوبيون في مطار الكويت، دفاعاً عنّي،

يومَ أرادت مخابرات جارهم الأكبر إختطافي!!

..................

ما كنتُ لأحيا في قصر النهاية، لو لمْ يكتشفوا أنني لستُ يحيى بابان **!!

..................

وأخيراً .. ما كنتُ لأحيا  لولا فَزَع صديقي د. إلياس البطل لما إكتشف بأن لديَّ سرطانٌ

فأرسلني إلى المستشفى فوراً!!

**

ما يُنسيني الموعد مع "المَلاك" إياه،

بُنيَّتي ندى، شَغَفي بزهرةٍ يانعةٍ شقَّت الجدار لتعرضَ فِتنتَها،

هَوَسٌ  بالطبيعة ..

كثرةٌ من الكتب تنتظر القراءة،

*

وبلسم الروح موسيقى وأعمال فنية .. وكــاس!

كلُّ هذا يبقيني أُناطحُ الموتَ ..!!

***

يحيى علوان

.....................

* المقصود قائمة بثلاثين إسماً من المثقفين صدرت أوامر من مركز النظام عام 1978 بمنعهم  من السفر وجرى تعميم ذلك إلى  دائرة الجوازات والمطارات والمنافذ الحدودية، وقد ضمت القائمة زهير الجزائري، نبيل ياسين، فاطمة المحسن، فالح عبد الجبار وكاتب السطور وغيرهم مما لا أتذكر الآن .

** يحيى بابان واحد من نشطاء القيادة المركزية، زميل لي في أتحاد الطلبة . كان يدرس في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية عام1969.

إرتفاعٌ

يغمر الإنحدارات حولي

بالخِصْب ..

2

تموّجٌ

يمتدُّ ويمتدُّ

حتى ينتهي

بنصف كرة الأرض ..

3

الأمطارُ لا تعلو

الأمطارُ دوامُها الهطول

وما سواها

نافورة شوق ..

4

مدوّرةٌ تبقى الأحلام

حتى يزورها

عمود ضوء ..

5

بوحٌ

تسرّب

وما تركَ زاوية

إلّا

وأيقض فيها الهواء ..

6

ساكنةً كانتْ

حتى

إعتراها صهيلٌ

وأفزعتْها شرارة ...

***

إنهاء الياس سيفو

 

حميد الحريزياخذت تتقاطر طوابير سوداء صوب المبارك، ذاع صيته بين ضفتي نهر (الياس) كما يذيع خبر هروب عشيق مع عشيقته في قرية عراقية، تبدو هذه الطوابير من بعيد وكأنها مزدوجة الراس، لما تحمله من هدايا ونذور للمبارك الذي (اشهر) توا في قرية (العميه)، الحمير محملة بأثقالها تبدو فرحة وهي تغذ السير نحو المبارك، كفرح لقاء حبيب لحبيبه، تطلق العنان لحناجرها بين حين وآخر اعلانا للفرح وكأنه يخصها برابطة قربى ....

كان (ريحان) حنونا، مميزا بالإيثار، مشبعا بروح المشاركة، فقد ولدا في يوم واحد هو و (حمدان) الذي توفيت امه اثناء عملية المخاض والولادة، فكانت ام (ريحان) هي امه الثانية، حيث اقتسم هو و (ريحان) ثديها، فترعرعا معا برعايتها، كانت، سخية في منحهما حليبها، مما جعل والد (حمدان) يوليها رعاية خاصة، رغم كونه كان جلفا قاسيا في تعامله مع زوجه محملا اياها سبب عدم الانجاب لعدد من السنوات، هذه الامنية التي تحققت اخيرا بولادة (حمدان)، وموت والدته كنيجة طبيعية لما عانتها من قسوة وقهر زوجها، وحدوث مضاعفات لم يحتملها جسدها العليل ...

لم يبخل وهو المعروف ببخله الشديد، على ام (ريحان) بالطعام وعمل سقيفة خاصة تحميها من حر ومن برد، فلابد ان ينمو (حمدان) معافى، ليكون (حزام) ظهر، وعزوة، ووريث عهد والده، على اقطاعيته ومواشيه وامارة عشيرته، مما دفعه الى مضايقة (ريحان) ومنعه من رضاعة صدر امه، ليكون ضرعها من نصيب ولده من صلبه، فعمل واقية تحمل واخزات تمنع رضاعته، مما يجعل الام تجفل منه عند محاولته الرضاعة، لما يسببه لها من الم .

اخذ (حمدان) يتألم لما يلحظه من ضعف وتردي صحة اخيه بالرضاعة، يوما بعد آخر، دون ان يتمكن من مساعدته، فلم يعد قادرا على مشاركته اللعب والعدو في الحقول والبساتين، مما أثار مخاوفه وقلقه على اخيه، وعلى مرضعته التي بدت حزينة، عاجزة عن فعل شيئا امام قسوة وغلظة والد (حمدان) على ولدها ورضيعها المسكين ...

ذات صباح لم تشرق غرة (ريحان) كعادته كل يوم، مما اثار مخاوفه وهرع صوب مضجعه، فوجده جثة هامدة متخشببة لاحياة ولا حرارة فيها، والدته (الاتان) منكسرة منهمرة الدموع تحوم حوله، محاولة ايقاظه دون جدوى، ما جعله يصرخ هائجا باكيا مهرولا صوب والده لإخباره بما حدث، استقبله الوالد ببرود كبير مثير للقرف والاستغراب وكأنه على علم بما جرى، قام متثاقلا استجابة لجزع وصراخ ولده، بإجراء مراسيم دفن ل (ريحان)، وهو ينظر شزرا لوالدته المفجوعة برضيعها العزيز ...

احس (حمدان) بفراغ كبير بعد فقدان اخيه الجميل تحت التراب قرب فسيلة طالما كانا يتسامران مستظلين بظلها، فأصابته كآبة شديدة، ارتفعت درجة حرارته، مما اقلق والده كثيرا، ولم تنفع لشفائه لا اعشاب الجدات ولا تعاويذ الملالي ولا حتى ادوية اطباء المدينة،وربطه بشباك (السيد) الذي يقع مرقده في الجانب الاخر من النهر، والنذور المتعددة الموعودة التي وعد بها والده ل (السيد) عند اكتساب ولده الشفاء، فسيطر الهم على والده زعيم القبيلة التي شاركت اميرها حزنه وكمده على ولده الوحيد، خصوصا وقد شح حليب مرضعته وهي تعيش الم فراق رضيعها، وهو يرفض رضاعة غيرها ممن تبرعن بذلك عطفا على (حمدان)، اخذوا يجلبون له الهدايا واللعب وأنواع الاكلات دون جدوى ....

في لجة هذيانه وموجات الحمى الشديدة طلب ممن حوله اخذه لزيارة قبر اخيه، في البستان، فكان له ما اراد، حيث حمل الى قرب القبر، وضعوه تحت ظل الفسيلة وشجرة الرمان والفسيلة الاثيرة لدى اخيه، شمته مرضعته منهمرة دموعها حزنا على حاله لفقدانه اخيه، انكفأ على وجهه يشم تراب القبر، متلفظا بكلمات لها صوت كصوت النهيق ...

حاول والده ان يلاطف مرضعته، فعاجلته برفسة خلفية قوية، افلت منها باعجوبة، فقد كادت ان تحطم رأسه وتذهب بحياته ...

شيئا فشيئا بدأ (حمدان) يستعيد حيويته، وتغادره رجفة الحمى، طلب شربة ماء، شرب وسكب الباقي على قبر اخيه ممزوجا بدموعه وحسراته، جلس طالبا الاكل فاطعم رطبا ولبنا، فكان محل استغراب الحضور وعجبهم للتحسن السريع والمفاجئ لصحته، تهللت الوجوه بالفرح وعمت بينهم البشرى، فرقص الرجال وزغردت النساء، نحرت الخراف، فرحا واستبشارا بشفاء عزيزهم، وهو عند قبر المبروك (ريحان)، فشاع خبر شفائه بين سكان قريته والقرى المجاورة، اخذ الناس رجالا وتساءا وأطفالا يتوافدون الى قبره، للتبرك وطلب الشفاء وتحقيق المراد، وقد تحدث الكثيرون عن كراماته، فمن كان مريضا شفى، ومن تعثر عيشه اصبح موسرا، ومن جفاها زوجها عاد اليها صاغرا، وووو، فتضاعفت النذور والهدايا، على مختلف انواعها، حبوبا، ودجاج، وخرافا وعجول وأقمشة وفواكه، وقد اصبح (ابو حمدان) راعيا لقبر المبروك، متلقيا النذور، وموقدا للشموع والبخور، وسط حيرة ودهشة (حمدان).

لوحظ عزوف الزوراق التي كانت تحمل الزوار كل خميس الى مزار (السيد) في الجانب الثاني من النهر، رغم ضخامة ووثوقية شجرة نسبه وحسبه، في حين يزداد عددها باطراد لتتوقف عند قبر (ريحان)، مما اثار حفيظة القيمين على ضريح (السيد)، وقد شنوا حملة تشكيك واسعة النطاق، حول اصل وفصل (ريحان) ولكن دون جدوى، فلم يطل بهم المقام حتى اتوا حاملين نذورهم للتبرك، وطلب المغفرة ...

تبرع اهل (العميه) ببناء (ضريح) للمبروك، وتم تسييجه بسياج امتد لعشرات الامتار، و فرشه بالحصران والسجاد والوسائد المزخرفة المزينة بالنقوش، و تعيين يوم يوما خاصا بزيارته وهو نفس يوم شفاء ( حمدان) من مرضه الوبيل، تفتح الابواب مشرعة للزائرين في هذا اليوم مع ملاحظة عدم السماح بدخول الدواب والحمير، مما جعل ام ( ريحان) تطوف ناهقة حول سياج قبته، مما اضطر (ابو حمدان) الى طردها بعيدا عن السياج،وان يسدد لها طلقة من مسدسه مرديا ايها جثة هامدة لمنعها من تدنيس قدسية المكان، لتكون وجبة دسمة للكلاب والثعالب والعقبان !!! .

***

قصة قصيرة

حميد الحريزي

مُعلقةً

في جيدْ البُندُقِيةِ

تلك الحبوبُ الذهبيةِ

التي وقعت في الأسرِ

عند عبور الجسرِ

الممدودِ

من بَحرِ آزوف

الىٰ البحر الأسودِ

*

ياربَ القَمحِ والشعيرْ

ورب الغني والفقيرْ

*

لقد أَسروا حَبةَ القَمحِ

وَحَرمو منها التنورْ

وتَوقفَ الناعورْ

الذي كان يدورْ

ليملأ السواقي

      والدمعُ في المَآقي

والخوفُ في التراقِ

    والتَفَّتْ الساقُ بالساقِ

*

كي يَشربو أنخابَ النَصرِ

بعدَ أِختمارِ العَّصْرِ

*

مُغَمسَةً بالسنابلِ

والنساءُ تحت القنابلِ

والأطفالُ في

المراجِلِ

*

أوكرينيا ياحَبةَ القَمحِ

الشقراء

وبذور الزيت السوداء

من جعل أرضك جرداء ؟

*

وفي الضِفةَ الأُخرىٰ من البحرِ الأسودِ

تقفُ المجرشةُ والتنورْ

تنتظر امواج البحرِ المسجورْ

*

طوفاناً يَهربُ

من أسرٍ

*

ليبدأ العناقُ

وينضُجُ الرِقاقُ

وتهدأ الاشداقُ

وتنعس الأحداقُ

*

وليَذهَب الأربابُ

الىٰ الجحيمْ

وليشربو من الحميمْ

*

فقد عَبرَتْ قوافلُ

الأسرىٰ بَحرَ آزوف

الىٰ البحرِ الأسودْ

***

بقلمي فاضل الجاروش

11/6/2022

تباركت ثورة "المؤمنين"!

هل كنت تسعى

لترسم دفئ الشمس

على كوخ المحرومين

وتشعل من دمك الضوء

كي يطلع فجر المظلومين؟

ها هم أصحاب النَزَقَ الثوري

حفظوا كل إشارات السير تجاه الموت

مروا دون توقف

و(الزامل) أضحى مثل (الكيتامين)

هبطوا من عصر (الجَمَلَ وصِفِّين)

من بطون قباب الميتين

نبتوا في أرضِ النار

عاصمة الحرب الأزلية

دخلوا الآن مدائننا

جاؤا بالحاكم دون المحكومين !

**

وسقط  العزيز

فسقطنا بين سبعٍ عجاف

من فوقها سبع سنين

وحدهم الشهداء هناك ارتحلوا

سَكَنوا عِلِّيين

والبقية منهم ونحن هنا

أسفل السافلين !

تَبَارك القصر والحراس

تَبَارك تجار (البارود)

تَبَارك جيشٌ من العاطلين

تباركت النقاط والتباب

والرُتب الكبيرة للأقربين

تَبَارك القتلى

منسوخة وجوههم على الجدران

والأشجار

والأحجار

تَباركت الجرعة

والعُملة المرقعة

تَبَارك الدائنُ والمَدِين

تَبَاركَ درسُ الدِّين

تَبارك البنكان والبنكنوت

والروضةُ والتابوت

ونِعَم الولايةُ في ثورةِ " المؤمنين"

***

نجيب القرن - اليمن _ تعز .

18 /8/ 2022م

 

ذكرى لعيبيـ كيف أنتِ؟

ـ كيف أنا وكأني طفلة صغيرة، تفترشُ الأمنيات على الأرصفة بغيابهِ.

ـ هل تزعلين لو قلتُ لكِ أنتِ المخطئة؟

ـ لا.. لا أزعل؛ أعرف يا صديقتي أنا المخطئة، ظننته يختلف عن طباع الرجال الشرقيين كونه عاش فترة طويلة بعيدًا عن الشرق.

ـ الرجل الشرقي؛ يبقى تفكيره شرقيًا مهما ادعى إيمانه بالتحرر، الرجل الشرقي يغادر العادات والتقاليد التي تخالف أهواءهُ فقط، الرجل الشرقي عندما يتغرّب يصبح كائنًا منشطرا.

تركتها غارقة بدمعها وخرجتُ أسابق الوجع الذي بداخلي إلى موعدي مع طبيب الأمراض الصدرية.

كانت تبكي بحرقة كبيرة، بقهر، بندم .. وبحب عميق أيضًا

قررتُ أن أهاتفهُ وألتقي بهِ لأعرف سبب انقطاعه عنها، أو بالحقيقة لأواجهه بسوء فعله، ثم عدلت عن قراري، لا أحب الجبناء، ولا الرجال الذين يجعلون من قلوبهم معابر ومحطات .

هي وثقت به وظنته الحبيب المنتظر بعد سنوات الضيم والخذلان، لم تطلب منه علاقة حب عادية، كانت تريده رفيقًا أبديًا، جعلته لصق ضلعها ونبض قلبها، كانت سعيدة بهِ، أخبرتني عن لهفته قبل اللقاء الأول، عن اشتياقه وتواصله بعد اللقاء الأول، أحاديثهما الطويلة عن تلك الأغنية، وذلك الفنّان، وهذا الشاعر، وتلك المدينة، عن برجيهما، علاقاتهما، أمنياتهما، كانت تريده أن يكون موجودًا كما هو في أيام ليس لديها القدرة على تقبّل أي أحد سواه .. لكنه أهملها بعد اللقاء الثاني، بشكلٍ أدّق بعد معاشرتها!

اتصالاته باتت شحيحة جدًا، وإن أصابها طارىء ولم ترسل له تحية الصباح، الأمر عادي جدًا، لن يبادر ويرسل أو يسأل.

أي حب هذا؟  الحب بكل بساطة واختصار:

احترام، اهتمام، سؤال، وصال، تفقّد، أفعال.. 

ما عدا هذا أعتبره خارج نطاق الحب، قد يكون أعجابًا أو أي مسمى آخر.

بعد أن انتهيت من مراجعة الطبيب، ذهبتُ إلى مخبز قريب من العيادة لأشتري صحن فطائر شامية بالجبنة والزعتر والسبانخ والمحمرة الحارّة التي أعشقها، ثم رجعتُ إلى شقتنا، لأجد صديقتي كما تركتها:

ـ أنتِ مجنونة؟ ما زلتِ تبكين ؛ لأجل مَنْ؟

ـ كنتُ أنا الصادقة بحبي دائمًا، أتغيّر من أجل من أحب، أضحّي، أقدّم مشاعري على طبق من نور، لأكتشف بالنهاية أنهم وجدوني بطريقهم في وقت شعورهم بفراغ، لحظات احتياج لمن يسد هذا الفراغ، كمن تعثّر بقربة ماء وسط صحراء، متى ما ارتوى ظمأهم تركوها.

ـ المشكلة فينا، ضعفنا أمام مشاعرنا، ثقتنا، يا حبيبتي علينا أن نتخلى من هذه الطيبة الزائدة، ألاّ نعكس دواخلنا النقية على كل من نقابلهم أو نصادفهم بحياتنا، الأنانية بالمشاعر مطلوبة في وقتنا الحاضر، مواجهة المخادع بحقيقته مطلوبة، علينا عدم التشبث ألا بمن ينتشلنا من أحزاننا ويتحملنا ويدللنا ويؤمن بمشاعرنا، هؤلاء فقط يستحقون السُكنَى في أرواحنا.

ـ أنا جدًا متعبة صديقتي، جدًا ...

ـ من حبكِ لهُ، أم من الأثم الذي ارتكبته معه، أم من ماذا بالضبط؟ على فكرة نويت أن اهاتفه وأتحدث معه، لكن خشيت ردة فعله وبصراحة لا يعجبني الحديث مع رجل يكسر قلب امرأة.

ـ متعبة من نفسي، من تعلّقي به، كيف آمنت به وظننت أنه الوطن الذي أبحث عنه؟ كيف تعريتُ أمامه بأفكاري وأحلامي ومن ملابسي ؟ كيف تجرأتُ على كل هذا ؟ كيف؟

ـ حصل ما حصل، عندما نحب بصدق نعطي، نمنح المحبوب حتى جلودنا التي تسترنا، هذه ليست خسارة صديقتي، خسارته هو أكبر ثقي، وسيعرفها بعد أن تلطمه امرأة لعوب، نتجاوز الغياب الكبير والخيبات الكثيرة متناسين ولسنا ناسين، لنستمر بالحياة.

هيّا انهضي لنتعشى قبل أن تبرد الفطائر وتفقد لذّتها، سأعمل قدحين شاي ساخن..

نعم كنتُ أحدّثها بهدوء، لكن أوارًا يغلي بداخلي مثل مِرجـَل من طين ناره مستعرة من سنين، موجة غضب تجتاح كياني وكأني أنا صاحبة هذه الخيبة؛ قهر ذكّرني بخيباتي المرّة التي تتوالى عليّ المَرّة تلو الأخرى، كان لابد من فعل شيء الآن.. هذه اللحظة.. لتهدأ موجة الغضب الوقحة، لم أجد حيلة غير أن أكسر أحد الصحون وأتظاهر أنه سقط من يدي كي لا تشعر صديقتي:

ـ أوووف ربي، لماذا نشقى وقلوبنا ممتلئة بالحب؟

تشظّى الصحن على الأرض وكل شظية ذكّرتني بكسرٍ ما.. كسر ظهري عندما مات والدي، وكسر ضلعي عندما غادرتُ وطني، وكسر قلبي عندما تزوج رجلي عليّ، وكسر روحي عندما غدر بي الأقارب، وكسر خاطري عندما أعطتني الدنيا ظهرها وسرقت المسرّات من عمري.. تلاشت قواي أمام هذا الزخم من ذكرى الانكسارات؛ فهويت بوجهي على المنضدة القريبة ورحتُ بنوبةِ بكاءٍ جزع.

ـ نحنُ قوِيّات.. أ لم تقولي هذا دائمًا؟

قالت جملتها هذه وهي تمسح دمعتي بيمينها، وبيسارها تمسح دمعتها، مما جعلني امتدُّ بنوبة بكائي أكثر..

ـ ضعفتُ من حجم قوتي، تعبتُ.. فجأة وجدتُ نفسي أمام مسؤوليات تفوق طاقتي، أمرض بمفردي، دون يد تطعمني ملعقة حساء أو تربّت على وجعي، انجرح وأضمّد جرحي بصبري، اتعثّر واسقط وانهض وأسير على الجمر مبتسمة وبداخلي قهر كبير وحزن وألم؛ فقط لأثبت للعالم أني قويّة، تعبت، تعبت من قوتي المزيفة هذه.

لو كان هناك رجُل واحد فقط صادق معي، يحبنّي، يحتويني، يُعينني على نوائب الدهر، يجعلني من أساسيات يومه، والله لأقمتُ له وطنًا في روحي وقلبي وفديته بروحي، وربما لاضمحلت معاناتي وإندثر هذا الانكسار.

ـ نحنُ قوِيّات.. نحنُ قوِيّات؛ وكل خديعة ونحنُ بخير جدًا، كل تجربة نكتشفُ فيها أن المذكّر يعتبر نفسه منتصرًا بنيلهِ من امرأة أحبتّه، نجدُ مبرّرًا لنغرس "شوكة" أقلامنا في قلبه.

جلسنا نتناول العشاء على نغم صوت السيدة: " وبديت أطوي حنيني إليك.. وأكره ضعفي وصبري عليك.. وإخترت أبعد وعرفت أعند.. حتى الهجر قدرت عليه.. شوف القسوة بتعمل إيه"

وصلتْ رسالة منهُ إليها: مساؤكِ النور والعبير، أحبكِ

قرَأتها وعيناها مغرورقة بدمعة مقهورة.. وبتنهيدة طويلة قالت:

ـ هل الحب كلمة تُكتب فقط؟ تحيّة ؟ جملة تصل برسالة باردة؟

ـ ستردّين عليه؟

ـ نعم أكيد، أنا أحببته بكل جوارحي، ومخلصة لجوارحي!

ـ أنتِ حرّة.

كتبتْ له:

لنقدّر ظروف بعض.. اتفقنا؟

أنا سأقدّر أنك مشغول ولا تجد وقتًا للحديث معي حتى لو لدقيقة، أو اللقاء بي حتى لو بالشهر مرّة، أو الأطمئنان عليّ حتى لو كل يومين مرّة؛ وأنتَ قدّر إن أصبحتُ امرأة أخرى.

***

ألمانيا - ذكرى لعيبي

الطيب النقرلم يرق للفتى الذي يميس في شرخ الشباب وميعته السكن الجامعي الذي أتحفته به جامعته التي أصرت على غيها، ومضت على غلوائها في تكبيل حريته ووضع القيود والأغلال أمام نزقه ومجونه، فهي ترفض في إباء وشمم أن يدخن لفافة تبغ في حواشيها المترعة بالعلم والمزدانة بالجمال فضلاً عن المخدرات التي يزعم أنها تهبه الذهن المتقد، والبيان المشرق الجميل، كانت جامعته توصد الأبواب أمام أصحاب السفه والفجور، وتسدل الستور في وجوه الراغبين لاجتراح المعاصي واقتراف الذنوب في تلك المدينة التي لم يداخلها صلف، أو يشوب وجهها كلف، المدينة التي يحاكي نساءها ملاسة المرمر، ونداوة الزهر، وتضوع العنبر، المدينة التي تصدح بالأهازيج، وتعج بالأناشيد، وتقصدها قوافل السياح ورواد اللذة الذين يجنونها في يسر، ويتداولونها دون تعقيد أو وجل من جلاوزة النظام المنتشرين على أقاريز الشوارع، ومشارف القنوات، مدينة يتضرع الصالحون فيها على قلتهم بأن لا تصيبها عوامل الذوي والبلى الذي اجتاح مدن قريبة على شاكلتها، الصالحون الذين لا تنغمس أيديهم في منكر، أو تسعى أرجلهم لخطيئة هم الذين يملأ دعاؤهم جوانب أرضها وخوافق سمائها بأن لا تصير مدينتهم التي تاهت عن الطريقة المثلى، وفارقت العروة الوثقى أثراً بعد عين.

كان وائل عبد الحميد الفتى القسيم الوسيم الذي ينحدر من أسرة كظها الغنى وبشمتها الثروة غارقاً حتى أذنيه في أوضار الانحراف والضلال، فهو منذ أن طرّ شاربه، وترقرق في عطفيه ماء الشباب، عابثاً، متهتكا، ماجناً، سفيهاً في الجملة، خليعاً في التفصيل، دأبه أن يقارف اللذة، ويفني نفسه في تحصيلها، حتى طارت له هيعة منكرة، وخضّب أسرته بميسم العار، فلم تجد عائلته التي إنجذم حبل رجائها، وضل رائد أملها في صلاحه وتقويمه، سوي ترحيله إلي خاله الأستاذ الجامعي النابه الذكر بدوي المتعافي، البروفيسور الذي يملأ شعاب كل قلب بالإعجاب والذي يعمل في ذلك الركن القصي من المعمورة، في تلك الديار المتعددة الأعراق التي سعى الغرب لترويضها واستئناسها من قبل دون طائل، عقد وائل العزم على أن يمضي خلف شعوره الذي طغى على فطرته، فلقد وجد نفسه منسجماً مع الخطايا والمنكرات، وسيمضي على هذا المنوال حتى تخترمه المنية وتطويه الغبراء، ولن يستطيع أي أحد مهما أوتي من قوة وصلابة أن يزحزحه عن عزمه، لقد أقسم وائل في قرارة نفسه ألاّ يبارح شريعته التي أوحاها له شيطانه الرابض في صدره قيد أنملة، تلك الشريعة التي تكفل له مواتاة كل لذة، ومقارفة كل إثم، نعم لقد عاهد شيطانه أن يظل عاكفاً على اللذة وقد أوفى بعهده فهو منذ مقدمه لتلك الأراضي الموشمة البقاع، الناتحة النقاع يحرص علي حصد الشهوات والسير في مدنها الخربة الحافلة بأصحاب الرايات الحمر وبغايا الرذيلة، حرص الشحيح على ماله.

لقد أوصاه خاله بدوي الذي أدرك أنّ ابن اخته قد علته غبار الشهوات، وصرعته حبائل الشيطان، فلا طائل من نصحه، ولا جدوى من إرشاده، بعد أن استفحل فيه الداء وأعضل، ولأنه يعلم جلياً أن قمع جيشات أباطيله، وكبح صولات أضاليله، ضرباً من المحال، وغاية دونها خرط القتاد، أوصاه وصية أحسن فيها وأوفي، وأوجز فيها وأكفى، أوصاه ألا تنقطع الصلة بينه وبين ربه الذي صاغه من عدم، فالصلاة تمحص الذنوب، وتجلو الخطايا، وترد مرتادها إلي الله وإن طالت غربته، أمره خاله الحاني أن تكون الصلاة عنده أعذب من الصهباء، وأشهى من ثغور الحسان، كما أوصاه بأن يتصدق من ماله بعد كل جريرة يقترفها، وذنب يرتكبه، لأن الصدقات تطفئ غضب الرحمن وتجعله جلا وعلا يتغاضى على آثام عبده إلي حين رغم تهافت عبده الفاحش على نيل اللذة التي يسعى لنيلها وإن نالته مشقة في نفسه، ونقيصة في عرضه، ووكس في دينه، هذا بالطبع إذا لم تقتضي مشيئته عزّ وجلّ أنّ يذيقه وبال أمره، فيهتك ستره ويجعله أحدوثة تتقارضها الألسنة،لأنه تجبر وطغى وخلع عِذار الحياء، وأصاب الأخلاق في مقتل.

كان وائل وصديقه في الخنا والفجور أحمد ابراهيم الشاب الوضئ الطلعة، الفارع الطول، الفاحش القول، الذي يتقلب في حمأة المعصية، ويحرص عليها حرص العابد الأواب على صلاته، ينتظران مطلع ذلك اليوم بصبر نافذ، ومهج صدئة دائبة النزوع لمواخير الفساد ومواتاة الرذيلة، وما أن تبزغ شمس ذلك اليوم الفضيل الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد في الأعوام، حتى يغادرا سياج الفضيلة (جامعتهم) التي لا تيسر لهم مراماً، ولا توفر لهم سانحة، لإخماد شهواتهم المتأججة، إلا في تلك الأيام التي يهول (كُتّابِهِمَ) فيها إسرافهم في المعاصي، وإغراقهم في السيئات، لقد نسى هذين العبدين المارقين أن الدنيا ليست بباقية لحي، وما حي على الدنيا بباقي، ففي بواكير كل يوم جمعة ينتبه كل طرف وسنان، وينتعش كل عضو ذابل، لينساب كالسهم النافذ إلي المهفهفة الدعجاء التي تحتوي على شتى الألوان من الحسن، ومختلف الأشكال من الملاحة، تغمرهم أمواج نزواتها، وتطويهم لجج شهواتها، ويظلوا عاكفين على صفحة خدها الأسيل المرصع بالرياحين، لاثمين ومكبرين حظهم الذي قادهم لتلك الأماكن التي صفا عهرها، وخلصت كعابها من كل كدر وعيب، وبعد نيل الرغائب، وقضاء الحوائج، يتحلقوا حول معبودتهم التي لها أشياع وأتباع في كل مكان، الصهباء التي لم يقلوها أو يسلوها ، تسقيهم إياها رّعبوبة ملداء، لينة الأطراف، ثقيلة الأرداف، ترتدي ثياب تشف عن جسدها الذي يفتن الضرير، ويضرم شهوة من أزفّ للرحيل، جسدها الذي يضاهي زهر الربيع في ألقه وسحره، خلياً من الهوى، بريئاً من الصبابة، مولعاً بالعناق والدراهم العتاق، وأخرى تتمايل كأنها قضيب خيزران على وقع الموسيقى الصاخب الذي يروق لوائل سماعه بعد أن يخمد غُلمته، ويشبع نُهمته، حتى يطغى ضجيجها على صوت أحمد ابراهيم الأجش الذي تستك منه المسامع وهو يتغنى بأغاني موغلة في القدم، لمغنيين لم يكن يتألف قط من مجموع حياتهم صواب، أغاني لا يتذكرها إلاّ حينما تدب الخمر في عظامه، وتعربد في مفاصله، وبعد قضاء الوطر وبلوغ اللذة يبدأ وائل وخله الوفي أحمد في التردد على منازل من علائقهم بالسماء مزعزعة الأركان، متداعية البنيان، أصحاب النزق والمجون..الذين تصرعهم سكرة اللذة وتأخذهم حُميا الشهوات،كان أولّ من يوفدون إليه هو ذلك الرجل المديد القامة، الضخم الهامة، الذي تعلوه سمرة لا تعيها العين إلا حينما يشعُ بهاء ثغره...الباشمهندس الصادق سلطان الذي هجر الفرائض، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أماً وأباً، الصادق الذي منذ أن طوى عهود الصبا وبلغ مبالغ الرجال ما طاش له سهم، ولا سقط له فهم في صيد اللآلئ وثقبها بفرحٍ جم، وزهوُ جامح ، المهندس الألمعي الذي بسط الله له في الرزق ولم يتزوج بعد رغم أنه قد أرزْم على الأربعين، وقد خطت وقائع الدهر توقيعها على شعره الذي يحرص دوماً على تصبيغه باللون الأسود، كان إذا سئل عن سبب تأخره في الزواج يجيب ببيت من الشعر لا يحفظ غيره

لنْ تُصادِفَ مْرعىً مُونِقاً أبداً..... إلاّ وجدْت بهِ آثارَ مأكولُ

ذلك البيت الذي يدل على سوء ظنه بقبيلة النساء، يعقبه بقول اقتضته فلسفته في الحياة: إذا أردت أن تكون آمناً من كل سوء، نابياً عن كل كدر، لا ترتبط بأنثى قط، وأجعل منها شبحاً يزور مخدعك ولا يمكث فيه...لقد استحق هذا الفهم العليل الذي يمتهن المرأة ويختزلها في إطار المتعة منزلة الثبات، ومرتبة االرسوخ عند الصادق الذي تستهويه من النساء المرأة التي أعلاها عسيب، وأسفلها كثيب، فلم يسبق لطرفه الوسنان قط أن حدج امرأة هزيلة الجسم، نحيلة الجسد، كما لم يسبق للسانه أن جاد بالتحية لامرأة ضعيفة الخلق، رقيقة البدن.

***

د. الطيب النقر

 

يَحِيكُ مِنْ رَمْلِ الثَّنايَا بُرْدَةً لِعابِرٍ

تَعَثَّرَ في رِحلةٍ تَوالَدَتْ شِعابُها...

تَجُرُّه أحلامه، وهذه أَقدامُه

تَأَكَّلَتْ...أعقابُها...

حتّى دَمَتْ!...

ويَرْتُقُ مِن صَوْتِهِ المَكْدُودِ صَرْخَةً

بَدَتْ... كأنّها تَنْسابُ مِنْ عَلْيائِها:

"يا حادِيًا قوافلي، حَنانَكَ!

ألَا تَرَى عَيْسائي قَدْ تَمَلْمَلَتْ؟...

فَعلّها ناءَتْ بِما تَحَمَّلَتْ!!"...

*

يا جُرْحَهُ!

كَمْ مَرَّةً تَنَهَّدَ، ورَدَّدَ:

"لَمَّا تَشِيخُ الدّهْشَةُ...

ستَفْقِدُ الأشياءُ، حَتْمًا، سِحْرَها

ويَختفِي ظِلُّ الجَمالِ

من حُدودٍ خَطَّها خَيالُنا"

فَرِحلةٌ بدون عِشقٍ...

تُصْبحُ مجرَّد مَتاهةٍ،

بَلْ عِشقُنا حَدَّ الجنون...

يُصبحُ مُجرَّد تَفاهَةٍ!!

وتُصبحُ آهاتُنا بدون رجعٍ

في خِيامِنا التي تَأَبَّدَتْ...

*

وذاتَ فَجْرٍ، رُبّما!...

مِن مَعْبَدِ الحُلمِ العتيقِ...

يَظهَرُ فينا ملاكٌ عاشقٌ،

يُرافقُ بِصوتِه أنينَ نايٍ خافتٍ

فنَحْسَبُ اليَرَاعَةَ مِنْ وَجْدِها تَأَوَّهَتْ!!...

يُغَمْغِمُ:

"يا جارةَ الوادي،

وَهَلْ حَقًّا أنينُ النايِ يَبْقى بَعدَ أن...؟ !"

ويَصْمُتُ...

*

يُعِيدُه الصَّوْتُ المَلائِكِيُّ لِلْبِدايةِ...

يَحِيكُ مِنْ رَمْلِ الثَّنايا بُرْدَةً لِعابِرٍ...

بَلْ ها هُوَ طِفْلٌ... يُطارِدُ خُيوطَ النُّورِ

مِنْ شَمْسٍ تَوَهَّجَتْ...

لِكَيْ يُضِيءَ بَدْرًا ساكنًا خَلْفَ التِّلالِ

أَذَّنَ بأنه سَيَرْحَلُ...

فربّما!...

قَبْلَ الشُّروقِ يَأْفُلُ...

وربّما!...

تَثْنِيه عَمَّا يُزْمِعُ، فَيْرُوزُ إنْ تَرَنَّمَتْ:

"سنَرْجِعُ...هَيَّا بِنَا..."

أو ربّما!!...

***

أ.د. المنتصر العامري

 

إلى روح والدتي

هناك شيء ما

شيء يشبه الوجع

يلوذ بصدري

يذكرني

بأن ورقة

سقطت

وبأن الخريف كان

قاسيا

وبأن أشياء كثيرة

ستصبح مجرد ذكرى

وحتما سماء المدينة

لن تمطر إلا حزنا

وأنَّ عليّ أن أتعلم كيف

أنسى؟

هكذا إذا بكل بساطة

ماض جميل يُمحى

وتاريخ مَشاعرَ

وحبّ يُطوى

أيها الحضنُ الدافئ

جدران البيت صقيع

ووحشة تتربع على

القلوب

وليل رهيب مريع

وصمت يرسم لوحة

الغروب

بألوان يخنقها الشحوب

أيها القلب الوديع

لم يعد لك حضن

إليه تنيخ

ويد تربت على الظهر

تمسح وحشة الأيام

ولسان عذب يسكب

حلو الكلام

لم يعد لك أيكٌ

إليه تؤوب

وابتسامة دافئة

تحضن حلمك

المرمري

و تهدهد روح

صباك الموهوب

أمي تَعجّلتِ الرحيل

وكان سفرك خارج

المألوف

سفرا بلا موعد

معروف

طواكِ ليل حزين

في غفلة منا

احتضنتك يد القدر

في مساء لاهب

فحلقتِ بعيدا عنا

كعصفور مَقرور

يبحث عن أيْكِ

حنين

*

أمي

من سيعاتبني

كالعادة؟

من سيسألني عن

أحوالي؟

وينثر في دربي

ورد السعادة

من سيقدم لي كأس

الشاي؟

ويدافع عني

بشراسة

من سيرسم البسمة

على شَفَتَيّ؟

ويحدثني بكل

بشاشة

من سيشير بسبابته

لرسم الغزالة

في باحة بيتنا؟

ويقول : ما أجمله

من سيدعو الله لي

عند العسر والحاجة؟

*

هناك شيء ما

يحدثني بِرَوِيّة

يفسر لي معنى الرحيل

يكشف لي مغزى الصعود

يفتح لي باب التأويل

يعلمني بتأنٍّ

كيف أنسج عباءة للفرح

كيف أنظم قصيدة للقمر

كيف أفتح لأمي بابا في قلبي

وأدعوها لتسكن خلايا دمي

هناك شيء ما

يهتف بي:

ترحل الأمهات

ويبقى صدى حبهن

يحرس أحلام الطفولة

ويشرق شمسا دافئة

عند كل صباح

ويبقى عِطرهن

درة عبير في الهواء

نستنشقه عند الفجر

ضوعا أصيلا

*

أمي

سأعود إلى مدينتي

سأبتسم للورد

وأفتح باب البيت

وأحمل ذكراك

في قلبي

في عقلي

سيتقاطع نغم الرحيل

مع تراتيل الحياة

وستبقين نورا يومض

في ذاتي

وسرابيل لأحلامي

***

محمد محضار 22 ماي 2022

 

نصان عن الهجرة والإغتراب والحلم بالعودة 

1

دَرْبُ الآلام

ظَننتُ حياتي كرمَ خيرٍ مُباركاً

وجدتُ حياتي كأسَ مُرّ بحنظلِ

*

أما العَيشُ آمالٌ نحققها غداً

لمَ العَيشُ والدّنيا أضاعتْ مُدللي

*

هو الدّهرُ خوّانٌ وقاسٍ بأمرنا

عُيوني رأت همّاً فحطّمَ كاهلي

*

أيا مَوتُ عَجّلْ إنّ أمركَ قادمٌ

ويا نفسُ لا تبكي ولا تتساءلي

*

فوالله لم أذهبْ لأمرِ مُسالماً

وكنتُ قويَّ البأسِ صَعبَ المَناهِل ِ

*

وما بانَ حسنُ الطّيبِ حتّى أحاطنا

بعالَم قبحٍ ردّ كلَّ مَسائلي(*)

*

وكانَ لنا بيتٌ متينٌ عمادُهُ

وفاقدِ بيتٍ عاشَ دوماً كَسائِل ِ

*

فيا حسرتي قد كانَ صَعباً رحيلُنا

ويا غربة عايشتها بالتنقل ِ

*

صَحيحٌ هو القولُ القديمُ لأهلِنا

"وغائبِ قومٍ صارَ يوماً كمثقَلِ"

كتبت عام 2014

ودونتْ حسب البحر الطويل.

***

2

مُغتربٌ يحلمُ بالعودة

ها نحن اليوم قد عدنا

عودة بحّار

مزق اليمّ شراعَهْ

أتعب الليلُ ذراعَهْ

وكان الصّبحُ الباردُ

فوق الشاطئ المقفرْ

رجعنا رجعة جُنديّ

قد استسلم

وكان حصادُهُ الخيبة،

وصلنا دون ما دعوة

ولم نسألْ (*)

يراجع شخصنا الماضي

ولا يقبلْ

يضيع في زحمة التاريخ

ويشربُ منه مُرّ الكاس

ولا يشبعْ.

دعوني أدفن أوراقي

بلا حًبّ ولا أطلال...

فهذي الأرضُ تعيش ليلها الكحليّ

وأحبابي يبيتون بلا بسمة.

دعوني.. دعوني أعود

قبل أن يغرسَ الدهرُ في صدري

تينة الصّبّار

قبل أن تخدشَ وجهي

هذي الرياح العاتية

دعوني .. دعوني أعود

ولن أرحل.

**

أنا عاهدتُ أيامي

أنا عاهدت ُ أحزاني

أنا عاهدت ُ أشواقي وأحلام

إذا ما عدتُ لن أرحَل

فهل يا قدري تقبل؟؟

***

الدكتور إسماعيل مكارم

دونت عام 2001

....................

* الضّمير في أحاطنا عائد على الدّهر، مَسائلي : طلباتي.

* النون فوقها ضمة، والفعل مبني للمجهول.

* في" الثلج يأتي من النافذة" يعالج الروائي حنا مينه مصير فياض، الهارب بسبب قمع الحريات في مجتمعه السوري حينذاك، ولكن هروبه لم يسعفه بالعيش بأمان.بطل "الثلج يأتي من التافذة" يردد: عبارة : "لن أهربَ بعد الآن" ..الكاتب السوري المعروف يؤكد على وجوب المواجهة بدلا من الهروب.

نحن في النص الأول نلمح إلى مسألة من أجبرتهم قوى الإرهاب إلى الهجرة. بينما في النص الثاني نشير إلى ألم العيش بعيدا عن الأهل والوطن، حيث يتحول الأمر إلى حلم في العودة، البعض يسعفه الحظ في تحقيق أمرين : النجاح والعودة، ولكن هذا النجاح لا ينسحب على الجميع، وليس حصة كل مغترب - النجاح.مسألة الهجرة أو ربما الأصح أن نقول موضوع الهجرة في أدبنا العربي من أيام الأندلس إلى يومنا هذا - موضوع غني ومتعدد الجوانب.

ارغب ان احبك بشيء غير مألوف

دون ان اقع في مثاليته الباهضة

كما وقصص العاشقين المنسية

مترفاً بالبروق الوامضة على جسد المحارات الزهرية

حب يستقطر القطاف من اخيلة الليل الملغى

بالهمهمات الغرائبية وبانفلاجات الغريزة البالغة

اهيم بندبة خدك الايسر، المرتفعة عن الزغابات المديدة

اصارح النجوم المنفلتة من ضوء القمر، اشير لها بأصبعي الحالم

باليقظة المذهلة، بالحرقة الممتزجة مع انفاس الشمس

بالقبلات الجارية على ظهر الفهود المنقطعة الانفاس

تجري بي، الى ما لا هناك من دم بارد

نحو البقعة الممهورة بخطم الزمن المثالي

نطأ العشب القصير بحرارة الأبدية

***

رغيــــدة العلــــي

 

دجلة السمراء تشدو

نايها يرمض حنين

لأنيس بالفرات يرشف الدر ويرنو

لنخيلٍ وضفاف

شاطئ العُرب ينادي

هيت درّي هيت درّي

إستقي من جوفي درّا

يملأ الفجرارتواء

وينابيع استقاء

من دعاء الغيث فيظا

ترتوي الأرض وتنهل

للفراتين صمودا وإباء

وبلادي تتعافى

يابلاد الرافدين

من بطين وأذين

في شغاف القلب شلال حنين

ترتوي منه الجداول

تستقي منه السحاب

تتورد منه دجلة

وتغني للضفاف

تنتهل منه نواعير الفرات

تتوسد فيه قبلة

لجبين الصبح ترتيل دعاء

وصلاة تستقي منها الجرار

كهرمانة ستعود

***

مريم لطفي

 

ولم أدرِ ما ضَمَّ الخِمارُ بوجهِها

ولكنْ زَهَتْ عينا رشا و حواجبُ

*

فمُذُ أنْ رأت عيني انبرهتُ بحبِّها

ومن أجلِها طولَ الزَّمان أحارِبُ

*

فما أنّني نلتُ المرام بوصلِها

ولا أنّني مهما دنوتُ أُقارِبُ

*

أرى في الحصى جمراً يمور بخطوتي

بهِ سَعَّرَتْ سُمّاً يفور عقارِبُ

*

إلى أنْ هَمَتْ شمسُ الأُفول بأفقِها

و قد عَسْعَسْتْ في المَشرقين مَغاربُ

*

هوتْ مهجتي في الخافقين كويكباً

على البحرِ .. لكنْ ؛ لن تمرَّ قواربُ !!

*

فمن يا تُرى يقوى يغوص بعمقِها

وهل يشتهي ماءَ الإجاجةِ شاربُ!؟

*

فقد أُمحِلَتْ حَدَّ المشيبِ بعمرِها

و قد أٌبرَمتْ قطنَ البياض شواربُ

*

فما يجتني ساعي القِطافِ بقفرةٍ

إذا عوسَجَتْ صدرَ البِطاح ترائبُ

*

و هل يُستفى منها الشَّذاءُ بشهوةٍ

إذا سَوَّرَتْ فصلَ الخريف خرائبُ!؟

*

لقد ضُعضِعَتْ .. جسمٌ ينوءُ بشيبِهِ

فلم تستطع حملَ الغرام مَناكبُ

*

أَرى كلَّما ضاعتْ حقوقُ تتطالبتْ

سوى في الجَفَا عافَ الحقوقَ مُطالِبُ

***

رعد الدخيلي

إنْ تبحثَ عن الأحجارِ

في أرضٍ ليستْ لكَ

إنْ وجدتها علقها

عندَ المفترقاتِ

وأخترْ نجمةً سماويةً

تضيؤها لتكونَ نوراً

يفكُ طلاسمَ عزلتنا

*

خذْ ألفَ مسمارٍ

دقَّ ما تشاءُ منها

ليرى أحفادُ الشرِ

صورهم ممزقةً برؤوسها

*

كلما تتدلى الغرساتُ

في جسومنا

بعثنا من صبرنا للآخرينَ

نسكاً ورثناهُ من تسلقنا للسماءِ

*

لماذا لا نسرقُ البحرَ

كي نبرئهُ من جرائمِ

إنتحارِ العشاقِ

*

لو صرتُ ملكاً

الغيتُ عقودَ التفريقِ

زرعتُ بالتناسلِ أبديةَ الحبِ

*

العيونُ التي لا ترسلُ

ومضاتِ العشقِ

أغطيها بسوادِ الكونِ

*

لا أخشى عنصريتي

حينَ أختارُ دفئَ المدنِ

أجملها عنواناً لفتنةِ النساءِ

أجزمُ أنَّ الربَّ يباركني

لأني اخترتُ من خلقهِ الجمالَ

*

سوفَ أفتشُ عن مبدعي الرسمِ

أشيدُ لهم أبهى المعارضِ

كي لا يرسموا إلا نخلةً عراقيةً

أنزلها الربُّ في كتبهِ

مازالَ جذعها يهتزُ يشبعُ جوعنا الأزليَّ

*

أصدقائي الشعراءَ

مهلاً، إياكم وحبٍ

لا يمتطي مهرةً بيضاءَ

فالريحُ تمزقُ ما نكتبُ

والغربانُ تلتهمُ البقايا

*

الثيرانُ تعتقدُ انها سيدةُ الأهوارِ

تتناسى أنَّ الطيورَ

حينَ تحطُ على الأمواجِ

تقلدها أبهى قلائدِ الجمالِ

تحتَ عزفِ القصبِ سمفونيةً للحبِ

***

عبد الامير العبادي

 

تحت

جنح الظلام

يتناغى العشاق

اعلن الفيتو صوت

غراب

*

يلاحقها  الصقر

حمامة تائه، لتستمر الحياة

أحتضنت

بيوضها

*

خرجدت الدجاجة

باكية

ليس كل البيوض فاسدة

فلماذا البكاء

(المخصي)

*

ابعد سكينك عن

رقبتي

تذكر من يوقضك

كل صباح

الديك

*

لست حرا

شبابيك أقفاصك لاتتسع

رفيف أجنحتي

البلبل

*

لاتعرف معنى السلام

أسال كرشك

صاحت رؤوس

العصافير

*

اللقالق

لاتستحق الاحترام

حملت اعشاشها على

رأسي

لوثتني  بذروقها

المنارة

*

لم

يقدروا زعيقي كل

صباح

مقلاتهم حرمتني

حق الامومة

الدجاجة

*

هائم

يبكي جفاء حبيبته

نصب له الانسان

المصائد

يحمل عظمه اسرار

العشق

الهدهد

*

يملأ

البساتين صياحا

متحديا بندقية صياد

مغرور

ديك الحجل

***

حميد الحريزي

 

الى صديقي الأنيق:

سلام عبد ساهي الكناني

***

في الجامِعةِ . .

وفي لحْظةٍ فارِقةٍ

لعنَ صَديقي الحُبَّ

ومزّقَ أشعارهُ غاضباً

لمْلَمتُ ما تبقّى

واحْتفظتُ بهِ بينَ ثنايا القلْبِ

وبعدَ أربعينَ سنةً تمَعنْتُ في الأوراقِ ثانيةً

فوَجدتُهُ حاضِراً

كأَنّهُ لمْ يَغِبْ أبَداً

***

د. ستار البياتي - بغداد

20/7/2022

رَحِيلٌ أنْصَفَ الذِّكْرَى

وجُرْحٌ قَدْ أبَى ذِكْرَا

مَواعيد ضَرَبْناها

ورُوح زادَها قَدْرَا

هُبوب لم يَنَلْ مِنْه

سُقوطُ الضِّفَّةِ اليُسْرَى

*

تَضَرَّعْ أيها البَدْرُ

وكابِرْ  يَنْقَضِ العُمْرُ

أراكَ غَيمةً تَحْلُو

بِعَينٍ عابَها الكُحْلُ

*

وُعُودُ الصَّيفِ قد نامَتْ

ومَوجُ الحَظِّ ها يَغْفُو

شِفاهُ الريحِ قد صاحَتْ

وما مِنْ مُهْجَةٍ تَرْفُو

حَنِينَ الجَذْوَةِ العَطْشى

لِغَيْثٍ دَمْعُهُ يَغْشَى

*

أَلاَ يا قَلْبُ لا تَبْكِ

أَلاَ يا ثَغْرُ بُشْراكَ

بِما تَتْلُو  وما تَهْذِي

بِهِ  مِنْ فَيْضِ مَوْلاكَ

*

تَبِيعُ اللَّهْوَ مِدْرارَا

وَتمْحُو اللَّيْلَ كَفَّارَة

فَسَرِّحْ طائِرا أَبْلَى

ومَا حُكْمُ الْهَوَى أَحْرَى

لَنا يَوْمٌ، لنا يَومٌ

لَنا يَوْمٌ فَحاذِرْ أَنْ

تُجَارِي قَلْبَكَ سُكْرَا

***

د. سعاد درير

القصيدة التي ألقتها الشاعرة أمان السيد

في مهرجان الجواهري 2022 م

في مدينة سيدني – أستراليا

***

لا رائحة للأمكنة المزيفة:

المطعم الفرنسي،

الخبز أمامي برائحته المفقودة،

الأنغام،

صوت المغني الفرنسي،

وقع خطوات الراقصين،

وذراعا المغني تشبِكان خصري.

الحرمانُ يعانق حتى خشب الكراسي.

كُثرٌ من ابتسموا لأحمر شفاهي،

ليس إلاكَ يدركُ كُنه الأحمر في نزفي.

**

أيتها الموسيقى:

كلّي قدمان،

والماء يُغويني، يجرجرني يتسقّى من قدمي.

ليس لي إلاكَ في غربتي.

طرقاتُ الأسفلت الملتهبة

تصبح بردا في جوار جحيمي.

يذوب المكان،

وأغدو متخمة بالعبث، بعينين أقصيتُهما.

يَلذّ لي رفيفُ سِرب من العشاق حولي،

وأن أكون امرأة يشتهيها البحارةُ العابرون،

والعازفون على أبواب الموسيقى.

سأعرَقُ بالفلّ والياسمين

كمدينة تطوّقها الجنائن.

**

لا رائحة للأمكنة المزيفة

سينبتُ حبيبي

الذي سيكسو جلدي بالورود.

أيتها الموسيقى:

أنا من يلقّح كلّ نَفَس منك،

كلّ نغمة، كلّ انشطارة،

كل شريان، كل لمسة،

وأحبو،

أحبو كأصابع عاشق فوق جسدي.

أيتها الموسيقى:

لا رائحة للأمكنة المزيفة

في مدن لا تشبعُ من أنفاسي المبثوثة،

لا تدعُ لي وقتا

لأواصل ارتكاب آثامي.

من عينيّ، من عنقي، من بين ثدييّ،

من سرّتي

تنبتُ الأمكنة التي

تلتصقُ روائحُها بالنخاع.

أنا من أهبُ الموسيقى بهاءَها،

أنا من أهبُ الرقصَ حياتَه،

ليس لي إلاكَ في غربتي

يدركُ كنه الأحمر في شفاهي.

جسدي القيثار.

موسيقاك تعزِفني

أنغاما وطيورا خرافية.

ألا اصدحي يا بلابل.

***

أمان السيد – سيدني / أستراليا

.....................

القصيدة طقس من طقوس الديوان " النهر أنت يا حبيبي وأنا الأفعوان" للأديبة " أمان السيد". 

 

أنا من أهدهدُ الليلَ نجمةً تلو الأخرى

لتغفو الظُلمة في سُباتٍ أبدي

وأستبينُ النورَ فجراً حالماً

ممتطياً خصرَ القصيدةِ ...

*

كم مِن سمواتٍ شهِدت تمرُدي

أناكفُ الأقدارَ أبني مدينةً مِن وحي عينيكَ

يُظللها الغمامُ ويتكيءُ على زِندها طائرُ اللقلاق ِ

يتساقطُ شيءٌ مِن حزنهِ

يخترقُ رحمَ الأرضِ

لينفلت مِن ذاتِ العمق

ماردٌ له وجه طفلٍ

وأقدامِ عنكبوت و بيدهِ صولجان

تُضيءُ ابتسامتُه مابين المشرِقِ و المغرِب ِ...

*

وهُناكَ في جوفِ الفراغ

أنصبُ فزاعةً لها رأسُ سمكةٍ

ينسابُ نهرٌ مِن خياشِيمها

وعلى ضفتيهِ تقفُ الحياة ُ

تنشدُ أغنيةَ العودةِ  ...

*

مَد يدَك لتُراقصني

على وقعِ هارمونيكا اللحظةِ الغارقة ِ

في أقصى درجاتِ الشهوةِ

هُنا لا أحدٌ سِوانا

لاعين ترانا

*

تحرر ...

المدينةُ لك

مِفتاحُها مُخبأ بين شفتيك

*

تحرر ...

لن يصمدَ الماردُ طويلاً

ستأتي أنثى العنكبوت عاجلاً

وتُغريها سيقانُه

ومن ثم يسري سمها

*

تحرر ...

فمدن الشِّعر لا تصمدُ كثيراً في انتظار ِ

سذاجةِ العُشاق

تستقبلُ الفاتحين

مُن صوبِ بوابةِ الجرأةِ

و جنونِ الفكرةِ

لا تختبر صبري

فاتكائي على كتفِ الحروف

لحظاتُ احتراق

قد تُهديك نصاً لكنها تمضي

تورثُني الرماد

كُنْ ما أردت

مالكاً لمدينتي ...

أو

قارئاً لقصيدتي ...

وستكون حينها مُلهِماً خالي الوِفاض

فالقصيدةُ لا تورث

وسأعودُ للنجماتِ ليسَ يهمني

فالشعرُ لي ولك التمنِي ...

***

أريج محمد احمد

.................. 

* من ديوان (منازل الوجد) الصادر من دار الأديب للطباعة والنشر والتوزيع في القاهرة يناير 2022

 

قصي الشيخ عسكركان ينتظر ثانية تفصل رأسه عنه.

2

لا أرى قالها الفيلسوف فظنه الأعمى مثله.

3

كلما بصقت هبّت العنكبوت باتجاه بصاقي على الشبكة، بعد محاولات بقيت ساكن وتركتني أمارس اللعبة وحدي.

4

أغلق الطفل عنق القنينة وراح يراقب الذبابة بنشوة عارمة.

5

حدث المعلم الصغار عن بكتريا تنشطر فلا تموت وحين سألهم من يرغب في تلك الحياة الأبدية لم يرفع أحد يده.

6

ترك وجهه في المرآة وهاجر وحيدا.

7

يرسم وجوه بشر بأجساد حيوانات وحشرات.

8

تحدث عن بحر بماء عذب.

9

فكر في أشياء لم تراوده في الأحلام.

10

ضاق ذرعا بالصمت والكلام.

11

هجرته الأولى كانت إلى مدن الصمت والثانية إلى مدن تثرثر.

12

رحلوا بعد نجاتهم ومازال الرعب يكتظ خوفا من زلزال جديد

13

الكاتبة المغمورة كتبت إلى لجنة جائزة نوبل أرجو سجب اسمي من قائمة الترشيح للأدب لأنكم شؤم فكل اديب مات بعد 7 سنوات من فوزه بالجائزة

***

قصي الشيخ عسكر

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م