نصوص أدبية

محمد الدرقاويمذ بدأت أمي تسمح لي باللعب مع أبناء الحي في الدرب، وأنا لا اعرف من حينا غير منزلنا ومنازل أطفال جيراننا، وحده منزلنا كان يحتل سمعة الطريق الرئيسية للحي كمنزه للشرفاء عريق، أما باقي المنازل فكانت تقع قلب الدرب المقابل لبيتنا.. هما في الواقع دربان: متسع فسيح نلعب فيه ويضم أكثر المنازل، ودرب صغير ضيق، يسمى "جا ونزل " لا تتعدى دوره المسكونة ثلاثة ..بينما دار رابعة عبارة عن خربة مهجورة من قبل ان ترى عيوني نور

 الحي، تطل خلفيتها على "واد بين المدن" و"سقاية للا يدونة " ومجزرة المدينة القديمة قبل ان يتم تحويلها الى معمل عصري لصباغة الجلود ..

يحكى ان النار قد شبت في الدارالمهجورة بليل، فتهاوى سقفها على أرضها وكانت السبب في قتل كل اهل البيت عدا صبي صغير تم إخراجه من تحت الأنقاض ولا أحد يعرف ماذا كان مصيره أو الى أين انتهى به المطاف ....

لم نكن نجرؤ على الاقتراب من البيت المهجور، فامهاتنا كن يحذرننا منه لما يروين من حكايات عن الجن الذي عشق بنتا غفل عنها رجال الانقاد، فتزوجها وقد صارت هي نفسها من قبائل الجن تخطف الصبيان،  لهذا كنا كأطفال بقدر ما نخاف هذا البيت نتجنب الدخول الى درب "جا ونزل "..حتى لا نصير رهائن في بيت يسكنه الجن وقبيله ..

قلما كنا نحن الأطفال لا نلتقي في الدرب "الكبير" مساء بعد العودة من مدارسنا حيث نلعب "حفيرة " بعظام المشمش او كريات طينية أوزجاجية ملونة،  أونلعب غميضة وطايبة، أوحابة وغيرها من اللعبات التي كنا نتسلى بها، ويظهر بعضنا قوته وذكاءه من خلالها.....

ذات عشي من أيام العطلة الصيفية تفاجأنا نحن الأطفال بخروج رجل وامرأة من داخل البيت المهجور، كم أرعبنا ظهورهما، فقد كنّا نسمع ان الجن يتسيفون بشرا وحيوانات، لهذا كان تساؤلنا : هل هما من الانس ام من الجن ؟ متى دخلا ؟ لا ندري!!.. لكن بعد أيام صرنا نرى رجالا يدخلون ويخرجون، ثم شرعت الحمير تخترق الدرب الضيق  الى البيت تنقل الرمال والآجور والاسمنت والحديد، فأدركنا ان ورثة البيت قد ظهروا وشرعوا في إعادة بناء

 المنزل، لكن كيف طردوا سكانه من الجن، فهذا هو السؤال الذي لم نعرف له ردا ..

لا ندري الزمن الذي استغرقه إعادة بناء الدار فقد انتهت عطلة بعد عطلة بعد أخرى، وعدنا الى مدارسنا بعد أكثر من عطلة صيفية والدار لازالت في آخر مراحل البناء..

كل سكان الحي صاروا يتحدثون عن الدار الجديدة التي تحولت الى تحفة فنية تترجم حضارة فاس العريقة، تأخذ بلب النساء خاصة، بعد ان صارت بهجة عين، من فن العمارة حيث يتجسد الجمال والأصالة، فلا تتسلل الى البيت أنثى من الحي بدافع الفضول الا وصار البيت لها تنهيدة انبهار مما أخذ بلبها في درب "جا ونزل"، كن يدخلن مرهوبات من أن يتربص بهن جن، ويخرجن مندهشات اعجابا وانبهارا بالخربة التي صارت تحفة حولها العمال المهرة من أسطورة للجن وزوجته الإنسية المنسية الى أسطورة من سحرلابداع العقل ومتعة للسمع والبصر..

ماحرك غيرة النساء وفضولهن أكثرهو نوعية الأثاث الذي تم تجهيز الدار به، وكأن ورثتها من أكبر أغنياء البلد، أو من أمرائها الأثرياء، وكثيرا ما تردد ان من سيسكنها عريسان جديدان من أسرة ملكية، يحملان معهما اصالة وطن وامتزاج حضارة امازيغية عربية مما بعث في البيت سحرا حقيقيا غير سحر التخويف الذي كم أرقنا نحن الصغار ....

اهتز الحي بكامله لصخب حفلة الوكيرة التي أقامها صاحب الدار، أجواق أندلسية وأخرى للملحون، طوائف عيساوية وكناوية، موائد للطعام يسهر عليها ممون من اشهر ما أنجبته العاصمة العريقة، وقد كان استغرابنا كبيرا أن أكثر المدعويين كانوا وزراء وسفراء وقناصل دول غربية وعربية، ومعهم نصارى ويهود عرفناهم بطاقياتهم الصغيرة السوداء او البيضاء والزرقاء..يوم بليله ونهاره لم تتوقف فيه موسيقى ولا رقص، ولا نفد أكل، حتى أن الممون بأمر من صاحب البيت قد وزع الكسكس على كل سكان الدربين الكبير والصغير..

تفاجأ سكان الحي أن الدار لم يتم ا ستصلاحها كبيت للسكن، بل لتصير دارا للضيوف الأجانب من الطبقات الراقية، وللسياح الأثرياء، فموقع الدرب القريب من دار الدبغ شوارة ودرازات مختلف الصناعات الحرفية اليدوية الأصيلة والذي لن يصلها زائر سائح الا بعد مروره على الصفارين ثم المشاطين حيث صناعة الأدوات النحاسية والفضية التقليدية بكل أنواعها الخفيفة والثقيلة وكل الملحقات التي تفتخر بها المدينة والتي تعد من عراقة تاريخها الحضاري، وحيث صناعة كل أنواع المشط من قرون البقر والعجول وهي حرفة صارت تنقرض ولم تحتفظ بها سوى المدينة العتيقة تجلب اليها دهشة الزوار الأجانب..

لاينزل دليل سياحي مرافقا لزوار المدينة الأجانب دون ان يدخل الدار، للغذاء او العشاء او تناول الشاي وتدخين عشبة الكيف.. بل من الزوار من كان يبيت في الدار حيث لا تهدا حركة بليل ولا نهار وهذا ما أقلق السكان الذين فقدوا راحتهم وصاروا يخافون على أبنائهم وبناتهم خصوصا وان وسائل الاغراء كانت كثيرة ومتنوعة..

اشتكى السكان، كتبوا عرائض وقاموا بوقفات احتجاجية ... لا من يرد الصدى، فكلما اشتكى اهل الدربيًن تضاعف زوار الدار بالليل والنهار، وقد انضاف الى زوارالغرب آخرون من آسيا والشرق، جديدو عهد بالسياحة الراقية وتنوعت جنسيات البنات اللواتي كان بعضهن يقمن بالدار ينمن بالنهار ويعملن بالليل..

صرنا كأطفال ممنوعين من اللعب في الدرب الكبير بل ممنوعين حتى من الوقوف بباب منازلنا وكلما امتد العمر بنا عرفنا أكثر عن الدار وما يمارس فيها..

باع سكان الدور الثلاثة من درب جا ونزل منازلهم بعد أن بح صوتهم من الشكوى بلا استجابة من السلطات ولم يكن المشتري غير صاحب الدار التحفة الفنية الذي شرعت أطماعه تمتد الى الدرب الكبير بعد ان فكر أهله في المغادرة خصوصا وان ثمن البيع صار مغريا ومشجعا سكانه على المغادرة..

ذات صباح وأنا أغادر البيت الى اعداديتي تفاجأت برجال الشرطة وضباط من الجيش يطوقون الزنقة؛ ارتهبت واستعدت ذكريات الجنود الفرنسيين الذين كانوا يطوقون الحي أيام الاستعمار بحثا عن الفدائيين .. ماذا وقع؟ بسرعة تراجعت الى بيتنا لاهثا مرتعبا أحكي ما

رأيت.. كل نوافذ الحي صارت إطلالات رؤوس نسوية خصوصا تستقصي بعضها بعضا عما يحدث في حي ترحم السكان على هدوئه وسكينته مذ استعاد البيت المهجور عمارته وشرع يتسع الى دور أخرى..

لم يكن أحد يخطر على باله أن البيت لم يكن دارا للدعارة الراقية فقط يقصدها جميع الأجناس وانما كان بؤرة يهودية ساهمت في بنائها اكثر من دولة هدفها تنظيم الهجرة الى إسرائيل وكندا، وتبييض الأموال في الحشيش والسلاح، والجواهر وجرائم الإرهاب، كما كان يتم داخل الدار تخطيط مؤامرات القتل والانقلابات واثارة الفتن بين الدول والافراد، والاتجار في البشر، وقد كانت الدولة تتابع الامر بتعقل وروية الى ان فكت كل خيوط المؤامر ة والتي لم يكن زعيمها ومسيرها غير الطفل الناجي من الحريق والذي تبنته عائلة يهودية وهجرته معها الى إسرائيل حيث درس الهندسة العسكرية واللوجستيك الحربي وعلم المخابرات ...

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

بيني وبينكِ عُـمْرٌ والهوى قَـــــــــدَرُ

في ملعبي لاعـبٌ والشـوطُ مُختصرُ

*

بيني وبينَـكِ عُـمـــــرٌ لسـتُ أنكرُهُ

ككاسـرِ الموجِ عـنهُ الموجُ ينحـسرُ

*

يَـحولُ ما بيننا والحُـبُّ طـائرُهُ

ضَـلَّ الطـريقَ الى قـلـبي بـه يَـكِـرُ

*

لا أدري كم بيننا لكنّ مغمزتي

أنّ الشـبابِ مضى والـدربَ مُـنْحَـدَرُ

*

أقولُ حسبي ويبقى الشوق منطلقي

ومركبي الصبرُ والاحلامُ لي سَـفَـرُ

*

لا وازعُ العُـمْرِ يـثـنيه فـيـشْـكُمُهُ

ولا إذا انـتـابني بالـزجـرِ يـزدجـرُ

*

حُـبّي على شـرفِ الاوهامِ أنزلني

أبـقى لـهُ لـوعةً بـالـقـلبِ تَـخـتَـمِـرُ

*

يَـعطو قُطوفي ويُغريني على أملٍ

وكيفَ يُعطي الذي في طبعه أشِـرُ

*

حَـدّثتُ نفسي فقلتُ الحبُّ أنهكني

فطافَ بي طائفٌ والليلُ مُـعـتَـكِـرُ

*

فقال: قبلَكَ عُـشاقٌ قد اجترحوا

إثـمًا بقولِـهُمُ والاجـرَ قـدْ خَـسِـرُوا

*

والحُـبُّ من نِعَمِ الرحمنِ يَمنحَهُ

تلكَ القلوب التي بالخـير تَعـتَمِـرُ

*

فقلتُ ما الخيرُ في حـبٍّ أُكابِدُهُ

سَهمي العناءُ وغيري سهمُهُ الـثَـمَرُ

*

مُـذْ كان مولـدُهُ ســرًّا تَـمَلكني

حتى اسـبَـطـرّ فـماذا بعـدُ أنـتـظـرُ

*

ماذا جنيتُ وما كانتْ جـنايـتُهُ

قـلبٌ تـعـلقَ فـوق الـقـهـر يـعـتـذرُ

*

سِـرّ المحبةِ اّنّـي لـستُ أعرفهُ

في عـالم الـذرِّ قـالـوا هـكذا الخـبرُ

*

فالصابر المبتلى في بحـرِ غربتهِ

بحـرٌ يـمـوج به والـسـاكنُ الحَـجَـرُ

*

يا ألفَ ليلايَ هذي أنتِ لا عجبًا

ما جـاء مـنـكِ ومنّي ســـاقـهُ الـقــدرُ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الجمعة في 22 نيسان 2022

قصي الشيخ عسكركلّ يوم يبدو بوجه جديد

وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر إلى وجهه كلّ صباح في المرآة تجده لا يعرف نفسه.ذلك يعني أن لديه في السنة ثلاثمائة وخمسة وستين وجها.

وتلك مشكلة انبثقت منذ يوم ولادته

لنقل خارجة عن إرادته تماما..

هو الولد البكر والوحيد لأمّه التي لم يشعر نحوها بعاطفة ما وبمرور الوقت وتغيّر الوجوه له تبدلت عواطفها نحوه وظنته ضاع في خضم الحياة ولم تعد تلتقيه إلى أن توفيت.

لقد أخذتها غفوة بعد الولادة السهلة التي لم تعان منها أيّ ألم وحين صحت في اليوم التالي وجدته بوجه آخر ظنت الممرضات بدلنه بطفل ثان تعمدن أو اشتبهن فلم يمنعها ذلك من الصراخ والبكاء والوعيد والتهديد وزادت حيرتها حين رأت طفلا يرقد جنبها على سريره الصغير فعاودت الصراخ والوعيد والبكاء لولا أن جاءت نتيجة تحليل الحامض النووي تثبت أنه هو هو فكلما  تغير له وجه مع الصباح الجديد سارع الأطباء لإجراء فحص غريب حتى وجدو أنفسهم أمام  ظاهرة جديدة لا مثيل لها في العالم وأوّل ما خطر للعلماء والأطباء وعلماء النفس وعلم الأجنّة والتطوّر أن الحالة يمكن أن تكون بسبب العولمة وأغلب الظن أن أحد الفايروسات المتحورة انتقل إلى جينات الاب أو الأم فخلق حالة التجدد التي ربما لا يمكن أن يتعرض صاحبها للفناء .

وأصبحت مدينتا تفخر به وإن لم تعرفه إلى الآن.

وعلى الرغم من ذلك فإنّ السلطة المحليّة عجزت أن تجد له بطاقة تعريف أو جواز ولعلّ شرطة الحي اعتقلته فبقي في الحجز لصباح يوم ليبدو غيره ولا دليل على أنهّم اعتقلوه هو نفسه قبل يوم

وهكذا يصبح هو الموقوف اليوم غير الموقوف غدا

كنّا نتساءل ونحن أطفال هل يمكن أن نلتقيه فنجد أنفسنا أمام مشكلة أخرى.هناك رغبة من دون شك للقائه لكن كيف نتعرف عليه

نوقفه

نسأله عن سرّ وجه اليوم المتغير غدا

وفي اليوم التالي لا نعرف من هو

احتمالات طائشة دفعت كلاّ منا نحن أهل المدينة التي احتضنت هذه الظاهرة الغريبة للتفكير  طويلا كيف نلتقيه اليوم فنعرفه وغدا يضيع منا بشكل جديد؟ آخر المطاف كان لابدّ أن يسأل كل منا الآخر هل أنت ذو الوجه المتغير حتى إذا عرفناه احتفظنا به  في مكان نتفق عليه ليكون أحد معالم البلد نزوره نحن والأجانب فنراه يطلّ علينا بوجه جديد كلّ صباح.

حقا إنها لفكرة ارتاح لها الجميع فنزلنا إلى الشوارع يسأل كل منا منا  الآخر هل أنت هو؟ 

***

قصة لمحة

قصي الشيخ عسكر

أنتَ بعدَ هذا العويل

أو قبل الدموع

كُنْ في آخر السطر

وبلّل الجرح بآهة البنفسج البعيد

وادخل..

بباقةِ نسيانٍ

بفمٍ مُرِّ

من نافذة الخيال

بيتكَ الذي من ورقٍ، كهذه الصُدفة، وفضّة من سؤالٍ

له بابٌ بمصراعينِ

يطوّقان هذا التيه الجليل !

ينامُ على أعتابه

نبع قبلة

لها رقّة الطين

لاتَطمسْ آثارها

خفقات يأسٍ

ينسجه هواءٌ قلّة حيلته

أو حماقة انتظار مبحوح

يهب المعنى وحشة صافية

نتبادل إثرها شتائم شتى

لا الغصن يصير حطبا

ولا العصفور يكسر الريح

يجمع بجناحيه ربيعا، فرّ من دفاتر الرسم

هفوة الفردوس، أنها أضاعت الشمس

وقطرات القصائد الندى.

توقّفْ عن الكتابة  يا يأس

الأفق ضجرٌ

والجنوب يستخلص ذاكرته بالنواحِ

لن أذكر هذا النهار

وما فيه من قطط وكلاب وغبار

هذا الظل الذي انحسر جناحاه

لتهبط النهايات سجّيلا على ضواحيه

*

غامضٌ هو ذا القاع

كلما أدار الصمت ظهره عن وجه الصفحة

عن وجه الخوف

وهو يفرك راحتيه بالصبر

في الحديقة الواسعة

أفسد الفَرَاش الدغل

الفراش الذي كان يرقصُ ويقبّل فم النسيان

كتب عن ورده المؤجّل

عن مريديه  الذين جرّتهم الآهات، ويلهثون،

الى ما تبقى من ملح  وجنون

يمشي في الدم كجروٍ أعمى.

*

سيستأنف قلبكَ الخذلان وتشيخ أصابعه

فيما ملمس الحلم

طواه موتٌ لاذع

أنساه المطر والموسيقى.

***

زياد كامل السامرائي

لا عُذر كافٍ لرتق هذا الجرح

ولا عبارة تكفي لتروي ظمأ هذا

الصمت ...

اللغةُ التي استهلكها الغياب

بات يشق عليها

السير في رحاب أغنيتنا

المفضلة

فآثرت الوقوف بيني وبينك

تشدها نحوك

تئن في خاصرة اللقاءات

ضحكاتنا

أشدها نحوي

تنزف مِن كبد القصائد

أشواقنا

فنرقص كلٌ على حِدا

بعيدان عنا

وما كُل الرقص انتشاء ...

*

هجرتنا الحياة

في مبتدأ الشغف

إرتدينا الأبيض باكراً

شاب كل مافينا

ولا يناسبنا الحلم ...

*

هل تذكر آخر شمعة

أوقدناها عقب خلافنا الأخير

نذرناها

لكي تُبدد وقاحة الغياب

الذي يسكن

حضورنا

فتلاشت وتركت

ظلالنا تغرق

في صمت الجدار ...

فكيف نحلم

كيف نحلم

والأبيض بات صنواً للعتمة

بحلولِه

إجتاح الوهن

لغتي

لا أراك

لا أسمعك

لا أشعرك

لا أقرؤك

ولا أكتبك

هي العتمةُ حين

يدس الحرف المعنى

في طبقاتِ الجرح

ينبثق مِن كتفِ الطريق

الوجع على شكل

صدى خطواتك

نحوي

ويبدأ جسدي يجر ظله

في عبور أخرس

نحو العزلة

أنا

وحدي

أسحب ظلاً

يأبى إلا أن ينتظرك

وظلُك ينسى

أن يتبعك

فلا تعرفك الطرقات

وتضيعني

أين أنا منك ... ؟!

***

أريج محمد أحمد - السودان

مثلما تعطي دالية ٌ قُطوفها

مثلما يزورنا الدفْءُ بعدَ فصل الشتاءْ

مثلما تعطي داليَة ٌ قطوفها في أواخر صَيفْ

مثلما يطلع الفجرُ بعد ليلٍ طويلْ

كما ترضِعُ الأمّ طفلها بعطفٍ وحنانْ

كما يحنو الحَمامُ الزاجلُ على صِغار فراخه ْ

كما يخافُ الفلاحُ على أرضِهِ وغِراسِهْ

مثلما تنظرُ الأمّ الى الأفقِ البعيد

راجية ًعودة ابنها المُسافرْ

مثلما يهتم كاتبٌ بالعباراتِ والأفكارْ

مثلما يحققُ جنودُنا انتِصاراً، ثمّ انتصاراً، ثمّ انتصارْ...

انتظِرُ عودة َ السّلامْ...الى دِياركِ  يا سوريّه...!

**

2

مهما طالَ المُحال

مهما طالَ المُحالْ

لن تبقى العصافيرُ بلا أعشاشْ

لن يدومَ الظلامْ

مهما كبُرتْ مِساحة ُ العتمه ْ

فبعدَ ليلٍ دامسٍ

ينبلجُ الصّباحْ

أو تعانق ُ أختها نجمه ْ

مهما طالَ المُحالْ

ستبقى القضيه ْ

سيكبرُ الأطفالْ

ليُزيّنوا ساحاتِكِ يا دمشقُ

فألوانُ بيرَقِنا جميلة ٌ:

الأحمَرُ، والأبيَضُ، والأسودْ

بعينينِ سُندُسِيّتينْ

الأمهاتُ في سورية َولاداتُ رجالْ(*)

مهما طلَ المُحالْ

مهما طالَ المُحالْ

سيبقى سيفكِ  يا دمشقُ.

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

..............

* كتِبَتْ هذه الكلمات خِلالَ أعياد أيار 2014

كراسنودار- روسيا الاتحادية

 في كلمة ولادات هناك تشديد على حرف اللام.

فِي تِلْكَ الَّلحْظَةِ الوشِيكَة

بِانْدِحَارِ الأقْبيّةِ

هُنَاكَ انْهيَارَاتٌ بالجُمْلةِ

تَدَاعِيَّاتٌ شَتَّى

هُناك يخبُو نُور الشمعة

وفِي

عَمْياء

القَلْب

تَطأ أقْدَامُنا المُقدّسَ والمَحْرُوس

قُبُورُ السّادَةِ تتَعَرَّى

مَآذِنُ الكَنَائِسِ تَخَلّتْ عَنْ مَيْلِهَا للمَعْنَى

*

القَدَرُ هَيّأ سَقْطَتِي مِنْ رَحْمِ فَيْضِيَاتِ الالَهِ

هَاأنَا منْمُولٌ بِعُزْلتِي أصَفّفُ تُرَابَ الارْضِ

وأحْرِقُ تَنهِيدَاتِي بِوَابِلٍ منَ اللّعْنَةِ

بِمِدْرَاريَّةِ القَحْطِ الّذِي يُلوِّنُ عُذْرِيّةَ السَّمَاءِ

بِشُحِ المَطَرِ،

الّذِي أنْهَى المَسَافَاتِ بيْنَ الأفُقِ الوَهْمِي،

وبِدَايَةِ اسْتِدْرَاجِ المَوْجَاتِ،

لِقَعرِ البَحْرِ

هَا انَا وَاهِبٌ لِلْبَحْرِ مِلْحَهُ

واهِبٌ لِلمٌلكِ تَاجُهُ

مانحٌ للفناء شهوة الاغترار بطلعة الدوام

النَّجْوَى تَنْمُو بيْنَ الكُفُوفِ

والنَّورُ لَا يَأتِي مِنْ طلِّ السُقُوفِ

ثمّة أخاديد تسقط الآن من وجوه مائية

أشْجَارِي رَمْلِيَّة

تكْمَنُ رائِحَةَ الّليْلِ فِي ذُرْوَة الامْتِعَاضِ

وَمَا ذرَّتهُ الرِّيحُ هُو الضَّوءُ فَوقَ الحَجَرِ

حَتْماً الرّيحُ لا تنَامُ فِي بَاحَةِ العُرْيانِ

فمَنْ اغْتَاضَ مِنَ القَمَرِ صَارَ أعْمَى

وَمنْ ارْتَابَ وتَحَيَّرَ فِيهِ

فَليُصْرف لِلحُطامِ الشَّكْوَى

ِويَحْفِنُ مِنْ جَوْفِ القَلْبِ تُرابَ المَوت

.ِوَليَكْمِشْ حَفْنَةَ نُورٍ مِنْ فَوْرَةِ البُرْكَانِ الاحْمَر

لِتحْترِقَ حَوْلَهُ المَتَاهَة

وَيُصَابُ المَعْنَى بِالجُنُونِ

وَفِي طَرِيقِ اللامَنْطِقِ

خُذ الاغْصَانَ سُيُوفًا

و الاحْجَار حَبَّاتَ عِشْقٍ

خُذ رَقْصَ المَوْجِ خُدْعَة لِلبُكَاءِ

خُذ لَهِيبَ النَّارِ دُمْيةً

وامْسَح عَنْهَا اثَارَ الحُزْنِ

جَرِّبْ قَطْعَ الحَبْلِ

وَقِس المَسَافَاتِ بِعَينٍ مُرْمَدَةٍ

جَرِّبْ رُكُوبَ الأطْيَافِ

وألجِمْهَا بِقُمَاشٍ خُرُوقُه تَأوِي الأيْتَامَ

أرْكُضْ خَلْفَ مَا تَشَاء

وَسَلّمْ صَدْرَكَ لِلرِّيح

واعْدُرنِي

صَدِيقِي

انْ اخْتَفَيْتُ وَرَاءَ حَائِطٍ رَمْلِيٍّ بعْضَ الوَقْت

فَأنَا مُتْعَبٌ مِنْ تَجَاعِيدِي عَلَى حَافَةِ الأبَدِ

مِنْ أصْوَاتِي الحَزِينَةِ المُلقَاةِ علَى حِبَالِ اللّاوَعْي

منْ نَظَرَاتِي المَلْفُوعَةِ بِشِهَابِ الاغْتِرَابِ

مِنْ انْتِمَاءَاتِي حِينَ تَغَنّيتُ بالخَيْبَةِ

مِنْ أفكَارِي المُتَأجِجَةِ ضِدَّ تمَرْئِياتِي لأصْلِي

مُتْعَبٌ يَا صَدِيقِي

مِنِّي عَلَى خَرَابِ الذّاكِرَة

بِجَسَدٍ نخَرَهُ حَدُّ المُسْتحِيلِ

مُتْعَبٌ يا صَدِيقِي

منْ ورْطَتِي فِي رَدْغِ المُحَالِ

وسُفُنِي الوَرَقِيَّةِ تَمْخُرُ عُبَابَ اللامَعْقُولِ

لتَنجُو مِن هُراءِ القَولِ

وتَخْرِيفِ التَّاوِيِلِ

مُتعَبٌ مِمَّا مَضَى ومَا سَيأتِي

مِنْ جُرْفِ ثلْجِيٍّ يحْتَرِقُ فِي زَهْرِ طَلعَتِي

منْ طَيْفٍ خَابتْ فِي مَرْاهُ الألْوَان

منْ بحْرٍ ظلّتْ أبْوَابُهُ مُوصُودَة

وصُرَاخِي يُفَتثُ منْ حَوْلِي

الأغْنِيّات

منْ تعَبِ الأيَادِي المَكْلُومَة

وحَظّي فِي النّجَاةِ كَمنْ ينْثرُ مِلْحاً فِي الرَّمْلِ

منْ كِنَايَاتِي التِّي تسْخَرُ مِنْ حُرُوفِي

وانَا أدُوبُ فَوْقَ ورَقَتِي

وأنَا أجُرُّ الخُرَافَةَ مِنْ ذَيْلِهَا

لأحْتَقِر الرَّمْزَ المَغْشُوش قَبْلَ سَفر ِي الأخِيرِ

السَّكِينَةُ لا تَصْنعُ مِنِّي يَا صَدِيقِي

غيْرَ ثائِرٍ شَريدٍ

غيْر قَلبٍ مَهجُورٍ

غَيرَ عَابر ينتَظرُ طُقُوسَ المَوتِ

أوْ مَيّتاً عَذّبَهُ طُولُ الانتِظَار

تَصْنعُ مِنِّي مَاشِيًا بِلَا حُدُودٍ

أحْمِلُ ثِقْلَ الفَرَاشَاتِ بيْنَ يَدِي

ولَا أبَالِي بِنَزِيفِ المَطر

تَصْنَعُ مِنِّي كَلِيمًا باسْمِ الحَجَر

باسْمِ أنْثَى الشَّجَر

باسْمِ فُحُولُ الطّريقِ إلى

*

الطرِيقِ

باسْمِ الطَّامعِينَ فِي جَنَّةِ الاله

السَّكِينةُ لا تَصنَعُ مِنِّي يا صَدِيقِي

سِوَى حَالِماً بقُدسِيَّةِ الدُعَاءِ فقَط

فَأنَا لا أنْحنِي لِهَدْأتِي

وَلا ألثُمُ مُؤخِرةَ زَوبعَةٍ تَهِيلُ تُرابِي بِمَاءٍ عَكِرٍ،

وتُعِيبُ النّهْرَ طَقْطَقَة الأحْجَار

مَشِيئتِي تدْعُونِي لِلسَّهَر

قُرْبَ نَوَافِذِ المَتاهَة

بِجَانِبِ لَيْلٍ يَتَبَرَّأ مِن صَدْمَةِ النَّهْرِ

وهُو يلْصِقُ تُهمَة العِصْيانِ بالحَدائِقِ المَنسِيّةِ

وفْي مَهْوَاه أنَّهُ مُطَارِدٌ لنَحْسِ الشّيْطانِ

وعُذرِ الارْواحِ

مَشِيئتِي تُقرِبُنِي إلى يَدٍ مَمدُودَة

إلى خَرَائطٍ مُفَصَلّة عَنِ الجُوعِ

الى سَكَاكِينَ تَحجُمُ لَونَ الشّجَر

الى نَزِيفِ الذِّكْرَياتِ المَطْفُولةِ بالعَبَثِ

إلى مَواوِيلِ الحُزْنِ خَارجَ مَنْطِقِ المَعنَى

لاطْيَافٍ

تبْعُدُ ألفَ عُزْلةٍ

منْ يَقْظةِ

الجَبل

***

عبد اللطيف رعري

في مونتبولي الفرنسية

أجاءَ الفِطام

وذي أنهُري

فاضَ سَبعينُها

عِمتُ فيها بلا وَقفَةٍ في الشَواطئ

بلا هُدنةٍ في المَرافئ

بلا عَودةٍ للظِلال

كأنَّ ارتِحالي يَبيضُ ارتِحال

فهل جَفّ ثَديُ اشتِهائي

وناءَتْ بحَمليَ ساقُ الهوىٰ

فانحَنيتُ

وما عادَ في الكأسٍ إلا قَليلٌ

يُبيحُ الفِصالْ

ظَننتُ الأماني كنَخلٍ

تَدومُ اخضِراراً ولا تَنثَني للفصُولْ

ولم أدرِ أنّي انهَصَرْتُ

وعَيني أبَتْ أن ترىٰ

كيفَ أودىٰ بناضِرِها المُنتَهىٰ والهُزال

فهل ما تَبقّىٰ من الشَهدِ إلّا

قَذىٰ النَحلِ لي

والرَغامْ

كرهتُ الفطامْ

سأكتُبُ في صَفحةِ العُمرِ أنّي

أبَيْتُ الرَحيل

ويأبىٰ فَمي أن يَعافَ الطِلا

مِن لُمىً

خالطَ الطيبَ فيها

عُصارٌ زُلال

وتلكَ التجاعيدُ إنْ لاحَ منها

كثيرٌ.. فذاكَ ابتسامْ

أنا ...

كالغُروبِ اعتدالا

فقَبليَ شمسٌ

وبعدي هلال

***

عادل الحنظل

أنا غرِقتُ وضاع الصبرُ والأملُ

ما عاد لـــــي طاقةٌ للعيشِ تشتعلُ

*

مُذْ غادر العينَ طيفٌ منكِ أعشَقُهُ

علِمتُ أنّي بكحـــل الحُزنِ أكتحلُ

*

هل هان قلبي عليكِ يا معذّبتي

أم أنّ وِردَ الهوى في رشفهِ الأجَلُ؟!

*

إذا مَضيتُ مَضت عن جانِبيْ سَرَبا

تنأى الطــــريقُ ويأبى الحظُّ نتّصِلُ

*

ويمتطي الجسمُ خيلَ الليل في وهَنٍ

كأنّما مزّقتهُ الرّمحُ والأسَلُ

*

يا ليتَنِيْ قبل هذا الحال ما خفَقتْ

في الضّلعِ منها جَنانٌ هزّها الغزَلُ

*

وليتها في سبيل الحُبّ ما نكَثَتْ

ما وقَّعَتْهُ بسِحرِ رِمْشِها المُقَلُ

*

فاضَتْ على صفحةِ القرطاسِ قافِيَتي

ما قَدَّها ألمٌ أو ردّها خجَلُ

*

أرجو بها أحرُفُ الإحساس تُسعِفُني

تُبدي لها كم أنا من بُعدِها وَجِلُ

*

أحلى القصيدِ إذا أتى بها شغفٌ

تحنو على الأُذُنين رِقَّةً قُبَلُ

*

ترويكَ من ظمأٍ تشفيكَ من كمَدٍ

ذابت على ضوئِها الأوهامُ والعِللُ

*

وكلّ شيء إذا ما شئت تدركُهُ

فسِرْ له ناشطا كي يُفلِحَ العملُ

*

ما أجملَ العشقَ إن كانت له قيمٌ

وأقبحَ العشقَ إن هانت به المثُلُ

*

عودي إليَّ ولا تنسي محبّتنا

إنّي لها يفتدِيكِ العُمْرُ أبتهِلُ

*

بأن تظلَّ وترقى دائما أبداً

حتى تُنير ظلاماً أمرُهُ جَلَلُ

*

وأستعيدَ لروحي جُلّ نُضرتِها

أنّى أراكِ، وتبقى الروحُ تحتفِلُ

**

عدِمْتُ في حرقةِ الأشواق غالِيَتي

كلّ الكلامِ وغابت كلّها الجُملُ

*

وكم سَقيتُ قلوبَ الناسِ عاطفةً

واليومَ أظمأُ لا أُسقى وما سألوا!

*

جفّت عروقُ الدّماء وانتهى أملي

يقسو الهوى وأنا ما عدتُ أحتمِلُ

*

ذهَبْتُ عُدْتُ لعلّي أن أرى أثرا

حتّى أراها ونورُ الحبِّ يكتَمِلُ

*

لكنّ أقدارهُ في النّاسِ ماضيةٌ

وليس تُجدي إذا حلّت بنا الحِيَلُ

***

صلاح بن راشد الغريبي

محمد الورداشياستيقظ على صراخ هز أركان الزقاق هزا، وارتعدت له الفرائص واضطربت النفوس، فما كان منه إلا أن رمى الغطاء جانبا وانتعل صندله، ثم توجه نحو النافذة بتثاقل وعيناه مغمضتان، كان يتثاءب بتتابع ويجهد نفسه في فتح  عينيه: يفركهما فركا فلا يرى شيئا سوى كائنات تبدو كالحشرات، تتعارك عراكا حامي الوطيس، وتتشابك أياديها كما يتشابك العشب على عتبة بيت مهجور، توجه صوب الباب، باب شقته الذي أغلقه بقفلين اثنين محكمين، فتحه ثم انساب في الدرج بخطوات عشواء حتى بلغ باب العمارة الكبير، ثم اتجه بخطى ثابتة نحو الساحة التي تطل عليها نافذته، فرأى الوجوه مكشرة، والأفواه مرغية ومزبدة، والأيادي متشابكة والدماء تنز من مناطق الجسد المختلفة. فجأة، انفرد بصره بشخص لم يستطع معرفته؛ لأنه يعرف ملامحه بيد أن الدم الذي ينز من حجبه الأيسر سال على الوجه كله، فجعله مجهولا بعدما كان مألوفا معهودا. وبعد برهة،  صرخ مبهورا، واندفع بقوة مخترقا الجمع الغفير، ليلفي نفسه أمام الضربات التي لا تخطئ مكانا من جسده، لم يحس وقعها وآلامها المبرح، وإنما كان كل همه هو أن ينتشل جاره المعطي من المعركة، ولأيا أنقذه وأخذه جهة الشارع مسرعا، فأخذا في الركض دون أن تكون لهما وجهة محددة، وما إن مثلا أمام المقهى الذي يترددان عليه حتى وقفا، تسمرا وقتا بطيئا ظلا خلاله ينشفان عرقهما بأشلاء ثوبيهما الممزقين.

الآن فقط يمكنهما أن يجلسا على كرسيين خشبيين، ويطلبا قنينة ماء باردة تنقع ظمآهما، ويشرعا في استرداد نفسيهما.. حتى نطق المحجوب لاهثا:

- أولاد الحرام؛ كانوا سيمزقونك شر ممزق.

توقف لحظة كيما يبتلع الماء بمشقة، ثم أردف:

- هل تشاجرتما مجددا؟

لم يحر المعطي جوابا، لكنه اكتفى بإرسال نظراته إلى الشارع مشدوها، وبعدما ألحف المحجوب في السؤال أجاب:

- إنه سقراط.

تساءل في حيرة:

- ما به سقراط؟ وما شأن الفلسفة هنا؟

- هو سبب خصامنا؛ لأني منذ أن تسلمت الكتاب الذي يضم أفكاره حول النساء، وكيفية مجاراتهن وأنا أعمل بنصائحه، فكان ما كان..

انطلق المحجوب في ضحك هيستيري، ولم يوقفه إلا أنين المعطي، فرد دون أن يتوقف عن الضحك:

- امرأتك ليست فيلسوفة، بل هي خريجة مدرسة الزقاق..

نط حاجبيه متسائلا:

- ما قصدك؟

فأجاب المحجوب دون تأن:

- إن امرأتك تتلقى تعاليمها من حليمة، هذه المرأة التي تفتح رجليها كل مساء، وتتحوم نساء الحي كلهن حولها: ينهلن من غثيان حكمها، وما من واحدة منهن قضت ليلة هنيئة مع زوجها..

فاجأه هذا الكلام الذي لم تستطع نباهته وفطنته الفلسفيتان أن تطلعاه عليه، لذلك عقب في استسلام:

- إذن، تلك العجوز الشعواء هي رأس كل شر وبلاء، هي سبب معاركنا التي لما تنته؟

- نعم. لقد قطعت وعدا ألا تتوقف حتى نأتيها خاضعين متوسلين حدبها وعفوها..

عاد المعطي إلى الشرود، فأخذ يفكر في فلسفة حياتية أخرى تسعفه مع زوجته، فتفتق ذهنه على شوبنهاور، وإن لم يشف غليله فتلميذه نيتشه. بيد أن المحجوب الذي علم بما يفكر فيه صديقه لم يأبه بشيء؛ لأنه يعلم أن حكمة النساء فلسفة محظورة على الرجال؛ إذ موضوعها كسب المعارك الزوجية، ومنطقها الخدعة والحيلة، ومفاهيمها الكيد وعدم النسيان؛ ومن ثم، خاطب صديقه المعطي بحسرة:

- إن معاركك خاسرة منذ بدايتها؛ لأن كيدهن بحر لا ساحل له، فداخله مفقود وخارجه مولود..

احتسا قهوتيهما ثم انصرف جهة الحانة، وأخذا يرددان:

-"درها في الرجال وترجاها، ودرها في النسا ولا تنساها".

***

محمد الورداشي

مع ترجمة الشاعر ابراهيم جانكير الى الكردية.

كلما تساقطت الثلوج سارع الارمل إلى جمع قوالب

ذات نتوءات وأشكال بدائية ثم يشرع في نحت

تمثال على هيأة زوجته الراحلة

يتفنن في تشذيب ملامح وجهها كما لو أن روح (فان غوغ) قد حلت داخل جسده المنذور للنسيان

ينظر إليها نظرة الأرض إلى ساعي بريد المطر بعد

جفوة عميقة وفي قلبه تشتعل جمرة النوستالجيا

يصعد سلم الهذيان بمخيلة جريحة

وقدمين مسيحيتين نالت منهما الكدمات يسر إليها

بأيقاع قس في مأتم ملكي ساردا لها ما أعتوره من

نيازك يتم وزلازل فقد وشدائد لا تطاق في تلك

السنوات العجاف

سنوات سبع تبدو كزمرة من السعادين الراقصة على حبل المتناقضات

أطفالك صعدوا كشلال من الكلمات

المنكسرة إلى غيمة الهامشي

قبعتك السوداء المعلقة على مشجب يكسوه الغبار

صار ملجأ أمنا لعصابة من العناكب المفترسة

معطفك الجلدي الفخم أستحال تابوتا ترقد داخله

جثة عيد ميلادك الأخير

حذاؤك أستولت عليه جنية شقراء

طيبة القلب غالبا ما يصدر طقطقة

تشبه إيقاع أقدام راقصة باليه

النوافذ تتدلى ستائرها كألسنة قذرة لقراصنة

مخمورين

سريرك الخشبي الضرير

ينثر عواءه الليلي تحت الوسادة

الخزانة مثل فقمة تبادلني تهمة الفراغ الهائل

الباب جفت عيونه من البكاء

ظل الأرمل يطارد غزالة مخيلته

المذعورة ويبكي ثم يمسح دموع زوجته المنبحسة

من عينين ثلجيتين ساحرتين محاولة السير على

قدميها الشفافتين ولكن لم تفلح عبثا تحاول خلق

أبتسامة حلوة على شفتيها اللتين تعجان بالتخاريم  وعلائم العجز الماورائي

تفر قطعان الغيوم كأطفال يترسمون خطوات قوس قزح من مرتفعات الفرح الطفولي البكر

تندلع جمرات غاضبة من مدفأة الشمس

تشرع منحوتة الأرمل زوجته الثلجية الهشة

المصنوعة على ضوء مخيلة الأسيانة في الذوبان

تستحيل إلى بركة دموع صغيرة

منطلقة باتجاه مجرى الماء

وتعود صورة زوجته كلاجثة ضوئية إلى وطن مخيلته الوسيعة

بينما ينكمش الأرمل كدودة قز في

شرنقة المحو

***

فتحي مهذب – تونس

............................

PEYKERÊ BÎ YEKÎ

Hergava kû befir dibare

Bî dilezîne

Qalibên bi kelem û core yên kevnar

Kom dike û des bi nîgarkirina peykerekî

Bi rengê hevjîna xwe

Ya barkirî di hune

Rûdêmên wê bi hunerî

Bi tayên befrê dirêse

Tidbe kû rewanê (van xox )

Di laşê wî yê berû

Ji bîrkirnê de lîsaye

Lê dinêre nerîna zemînê

Li namegihînê baranê

Piştî zuhabûneke kûr û dijwar

Û pirengek di dilê wî de vêdkeve

Pîpelonkên lerzînê berû

Nîgaşên birîndar ve dihilkişe

Û du pî yên xiristîyanî  kû Pir azar dîne

Berû wê diçe mîna keşeyekî

Di şînîyekî padîşahî de ú setema

Dûrbûnê bi nehînî û raz

Jêre vedguhêze

Kû cidabûn

Mîna sêwî bûna stêrkan

Erdhejek ji dúrbûnê

Û bûbelatên nayêne hilgirtin

Di wan salên zuha de

Heft salên mîna gurzek ji ejdehayên Hilpir li ser werîsê hevdijîye

Minalên te mîna sûlavek ji peyvên şikestî hilkişiyan berû ewrek bê guhdan

Kumê te yê reş yê daleqandî

Di bin dagîra tozê bûye warek aram

Ji bûna pîrepindên har û xwînmij

Kurkê te yê çermî yê giran buha

Bûye darbestek têde raketye

Cendikê cejna ji dayikbûna te ya Dawî

Sola te. ..perîyekî kej û dilnaz dagîr kirîye pirî caran dengê pîyê hilpirên

BALÊ ji têtin

Perdeyên pencera têne xwar

Mîna zimanê dizekî serxweş û mest

Textê te yê depî kor

Qêrîna xwe ya şevê di bin palgihan de

Tarûmar dike

Bîro mîna ejdehayekî tewanbariya

Valehîyê bi minre dabeş dike

Çavên dergeh zûha bûne ji girînê

Bî li pey xezala nîgaşa xwe ya vecniqî

Direve û digrî

Û rondikên hevjîna xwe yên kû

Ji du çavên cadubaz û berfîn vedmale

Her bizava rêve çûnê dike

Li ser wan pî yên zelal lê

Qet nikarî

Her bê hewdeye bizava afrandina

Gernejînekî şêrîn ku li ser wan

Lêvan binqşîne

Ew Lêvên kû tijîne ji nîşanên nekarînê

Kerî yên ewran direvin mîna

Minalên kû gavên quzeqerê dineqşînin

Di bilndahîya şahîya zaroktî yê de

Pirengên bi hêrs ji çavên hetavê vêdkevin li ser peykerê BI

Hevjîna wî ya berfîn ya bê kêr

Kû Ji ronahiya nîgaşên wî yên

Pijaftî afirandiye

Hêdî hêdî dibe kanîyek

Piçûk ji rondikan û berû

Coka avê ve diherike

Û wêneya hevjîna wî vedgere

Wek zindîyekî ji ronî yê

Li welatê nîgaşê wî yê Pir fereh dilîse

Û BI Wek kurmekî ser hev tê guvaş

Di qalikê

احمد الحليالإهداء/ إلى الصديق أبو زين العابدين الخفاجي

كان من أمهر العدائيين في مدينة الحلة وقيل إنه حصل على المراكز الثاني في الجري في بطولة العراق خلال سنوات شبابه، ولكن آفة القمار والإدمان على الكحول انحدرتا به إلى الدرك الأسفل، حتى أنه أصبح ضمن فئة من الأشخاص يُطلق عليهم تسمية " كتائب"، وهم فئة ضائعة اعتادت التسول ومد أيديهم إلى المارة للحصول على بعض النقود، شاهدته في خلال فترة الحصار وهو يتطوّح في الشارع وقد نهشه الجوع، كلما وقف أمام أحد المطاعم يسارع العمال إلى طرده ونهره قاذفين إياه بأسوأ وأقذع الشتائم، وقف جانباً يتابع أحد الزبائن وهو يستلم لفة گص من العامل، يقترب منه ببطء، وعندما يصير إلى جانبه يطلب قضمة، يستظرف الزبون المشهد، ولكنه يريد أن يلعب مع جويّد الذي يبدو أنه يعرفه، يقتطع الجزء الأسفل من الصمونة ويقدمه له، ينظر جويّد في الجزء الذي أُعطي له، يفتحه بحذر فلا يجد فيه شيئاً، يمده إليه قائلاً بتوسل؛ املأ الفراغات التالية، فيضحك صاحب اللفة ويضع له قطعة أو قطعتين الخيار والطماطم، يُكمل جويّد جملته بحزم، على أن يكون اللحم من ضمنها، فيستغرق جميع من كانوا يراقبون المشهد عن كثب بالضحك، ويوصي أحدهم له بنفر گص كامل يأكله في داخل المطعم .

في إحدى المرات دلف جويّد إلى المقهى، ووقف أمام مجموعة محترمة من لاعبي الدومينو الذين يعرفونه جيداً، كانت تفوح من فمه رائحة الخمر الرخيصة، مدّ يده قائلاً؛ محتاج نصف دينار مروّتكم !، وهو في الحقيقة يحتاج إلى جرعات أخرى من العرق الفل، لم يأبه له أحدٌ واستمروا في اللعب وإطلاق القفشات التي تدل على ترفعهم وعلو مكانتهم، ظل واقفاً هكذا لبعض الوقت، لمحه أحد الريفيين الذي كان يجلس في أريكة مجاورة، ناداه، فانتبه له، قال الريفي؛ هل تبيعني يشماغك هذا، مشيراً إلى اليشماغ الأحمر الجديد الذي كان جويد يضعه على رأسه، ويبدو أنه حصل عليه قبل وقت يوم أو يومين كهبة من أحدهم، انتبه جويد للأمر، أحس بالزهو والخيلاء للحظة فجأة لكونه أخذ يشعر أنه يمتلك شيئاً يحمل أهمية لدى بعضهم، قال الريفي؛ كم تطلب ثمناً له؛ قال؛ عشرة دنانير، قال الريفي بل أعطيك خمسة دنانير واستخرج من جيبة الورقة النقدية الحمراء، نظر إليها جويّد مبهوراً، وللحال خلع عنه اليشماغ ورماه في حضن الريفي وخطف من يده الورقة النقدية، ملتفتاً إلى مجموعة الأشخاص المحترمين الذين لم يأبهوا له متلفّظاً بجملته التي ظلت تدوي بعد ذلك في أركان المقهى لوقت طويل؛ كُس خواتكم !

عُرفَ عن جويد أنه كان لديه في شبابه ولعٌ خاص بلُعبة الريسز أي سباق الخيول والتي كانت تجري في منطقة المنصور ببغداد في يوم محدد من الأسبوع، فيذهبون إلى هناك ويتكبدون الكثير من الخسائر ....

كان جويد ومعه رفيقه ميسور الحال يذهبان إلى هناك بانتظام، المفارقة أن رفيقه لم تكن لديه أية معرفة بمجريات اللعب ومداخله ومخارجه، بينما كان جويد ملماً بكل ما يتعلّق بالخيول والفرص المتاحة للربح .

ومن أجل ذلك، ولوجود مصلحة متبادلة بينهما، اعتاد علوان وهو الثري، أن يدفع ثمن المشروب الذي كان يحتسيه صديقه صاحبنا في آخر ليلة قبل ذهابهما إلى مضمار السباق ببغداد.

 في إحدى المرات طمع جويد بعد أن طابت نفسه بالمزيد من الشرب، وكان مطمئناً لسخاء صاحبه، بيد أن هذا الأخير كان يتوجب عليه الذهاب إلى البيت، فاحتدم بينهما سجال، قال جويد بثقة؛ هل سترسل لي على نصف ربع عرق إضافي؟ أخبره صديقه أنه غير مستعد .

صاح به جويد بحدة؛ " تشرّبني لو ألعبك باݘر حصان يجي تالي الخيل يضرّط !

وتمر السنوات ويلقى جويّد حتفه غرقاً في شط الحلة الذي كان يعشقه بعد سُكرة ثقيلة .

***

احمد الحلي

............................

* الحكاية مأخوذة من كتابي (عطر الأمكنة أو ريشة الهدهد) الصادر عن دار الصواف في الحلة

فرات المحسنالقمر ينير الساتر الترابي بالتماع حاد مختلج، تبدو معه مواضع الفوج بقعاً قاتمة تتدرج مجاورة قوس الساتر المديد. مركز الفوج عند موضع القيادة وفصيل المخابرة ثم الطبابة. ثلاثة تلال صغيرة داكنة ترقد كالقبور. لا أثر للحياة فوق الرمال سوى عوسجات تتناثر بين طيات كثبان الرمل وملاجئ الفوج. أشواك يابسة كأنهن عجائز متشحات بالسواد يرقدن متبلدات وسط تلك الدكنة الموحشة . الملجآن الشقيان الطويلان يخترقان الفوج من المركز باتجاه سفح الساتر فيبدوان كعقربي ساعة. يسفر ضوء القمر في تلك الوهدة عن خارطة مبهمة لطرق ميسمية خطـّتها الأقدام، تتشابك بفوضى في جميع الاتجاهات.

للمساء معالمه المميزة في حفر الباطن. تبدو السماء الصحراوية أشد وضوحاً حيث تتلألأ نجومها بارتعاش لذيذ، ويبدو الأفق البعيد مثل كوّة هائلة فسيحة سوداء تتناثر الألتماعات داخلها بين الحين والآخر.نسائم الهواء الرطبة الباردة تحمل رائحة ثمار متعفنة تخالطها روائح بارود ومواد أخرى محترقة.

الرمل الأملس يتراصّ مع اشتداد الرطوبة الباردة، فيشكل طبقة منـّداة متماسكة، تتيح لي تكوين خطوط مبعثرة مبهمة بإصبعي اليابسة فوق سطحه، أكتشف دائما أنها ملامح متشابكة لوجوه فزعة وأطراف نافرة. ليس مستغرباً أن يتدبر المرء في تلك الوحشة والمجهول شيئاً يلهو به. طنين الموت يضج في الجوار طوال الوقت فيدفعنا للتوطن معه بدعابات وألعاب ساذجة. لعب تمجّد ضعفنا وقدرتنا للتكيف في آن واحد. فالخوف واليأس خليق بالمرء تجرّعهما دون غضاضة حين تبدو النهايات مؤكدة وقريبة.

بعد نهار طويل لا معالم واضحة لـه سوى السراب الرجراج في الأفق البعيد، ورجع أزيز الطائرات المحلقة في كبد السماء، دوي انفجار القنابل المتساقطة دون سابق إنذار، وصفير الريح المشبعة بروائح البارود، تنفخ في الرمل. كان ذلك هو نهارنا الطويل، نتجرعه بحرقة انتظار أمل. بعد ذاك اليباس يأتي المساء البليل شديد البرودة. ومع هبوط الظلمة يتبدل إيقاع الأرض وكذلك الفوج. الظلام يشي بالمتناقضات. الخوف من أن يكون غطاء لهجوم قادم، ولكن في الوقت نفسه يوحي بالطمأنينة، فتدب الحركة عند الطرق الميسمية والملجأين الشقيين، وتبدأ الزيارات بين أفراد الفوج. تسمع بين الحين والآخر أصوات صراخ عابث وقهقهات منفلتة تجلجل عند أطراف الملاجئ، تختلط بضجة آليات تتحرك في الجوار دون أنوار. الظلام يحفز للتجرؤ وتملـّي الجهة الأخرى المقابلة للساتر، حيث يتحفز المجهول بملامح غائمة، ولكن الأكيد أن هنالك في ذاك الغور الخامد عيوناً ترصدنا وتنتظر مثلنا جزعاً أو خوفاً.

لا قرى، لا مدن، لا ضوء غير ما يجود به الرب وتنيره القنابل. خلفي في الأفق البعيد تنبلج السماء عن كتلة ضوء كابٍ لمدينة تتراءى لي مثل تل سحري. أي مدينة تلك ..؟ البصرة، عبادان أم أنها الكويت ما برحت تضج بأنوارها المبهرة مثلما دخلناها أول مرة. ولكن الأفق يبدو فارغاً موحشاً يخالطه لهاث سائل دبق عتيق يشفط رمل الصحراء الهامد حبة إثر حبة.

أرحت جسدي المتشنج فوق الرمل البارد جوار باب الملجأ. فتحت أزرار البذلة، شممت رائحة عطنة أردت إبعادها بتعريض جسدي للهواء ففتحت أزرار القميص الداخلي. شعرت كما لو أن كائناً أخر يشاطرني ملابسي.كائن صحراوي تختلط رائحة عرقه النازّ بروائح براز بهائمه .

تيبست جلودنا في هذه المفازة مع تغير المناخ اليومي. الانتظار الطويل في جوف حفرة رطبة باردة ينثال الرمل من سقفها وجوانبها عند أقل اهتزاز. صهاريج الماء تأتي أسبوعياً عند المساء دون موعد ثابت. فصيل المخابرة يهاتفنا بذلك فنذهب عبر الملجأ الشقي لنملأ الحاويات الحديدية ونستعمل الماء بتقنين مفرط، متناسين الاغتسال خوفاً من العطش، وبانتظار محالفة الحظ للحصول على إجازة والجلوس تحت صنبور ماء دافئ للاستمتاع بصوت خريره السحري منساباً فوق الجسد المسترخي.

كان بيتنا قريباً من حّمام (الأميـر) بمائتي خطوة لا أكثر. أبي عامل الصيانة في مرآب "الأمانة"، مغرم بالذهاب إليه كل يوم، حتى أصبح الحّمام وكأنه جزء ملحق للبيت. كنت وأمي نرقب يومياً قدومه لأحمل فوق رأسي صّرة الملابس وأسير خلفه بتثاقل. كنت أتهيب المكان ويتعبني مجرد التفكير فيه. جدرانه العتيقة، ظلمة الممر الضيق، الأنابيب القديمة المنداة، البخار الذي يغطي جميع الملامح، قطرات الماء المتساقطة برتابة من جوف القبة، الرجال العراة وصدى الأحاديث، كأنها صادرة عن جبّ عميق.

كان يتركني بسنواتي الثماني أغتسل وحدي ويرقد هو مسترخياً فوق الدكة المرمرية الساخنة وسط الحّمام. يشبك يديه خلف رأسه ويروح يطالع جوف القبة. أتفرس وجوه الرجال وسط الضباب. تنفجر أصوات غليظة بين الحين والآخر تنادي أسماءً أو أرقاماً لا أفقه كنهها. يغريني سحر المكان وفضول الطفولة أن أكتشف مجاهل الحمام، فأدب حذراً نحو الممر المعتم حيث الغرف الصغيرة بضوء مصابيحها الكابية، مرصوفة على جانبي الممر مثل دكاكين. كانت أرض الغرف مغطاة بطبقة سميكة من كلس أبيض مصفر، تخالطه زرقة فيروزية باهتة. لم أخطُ أبعد من ذاك الممر خوفاً من أن يبتلعني دهليز آخر، وفي كل مرة أجدني راجعاً مرتعباً فأجد أبي عند مكانه. ينهض ليفرك جسده بقوة ثم يعود للاسترخاء ثانية. فجأة ينهض بخفة ويستحم، ثم يأتي دوري فيدعك جسدي بيديه الخشنتين الثقيلتين، ثم يلفني بالمئزر، بعدها نرتدي ملابسنا ونخرج. تلك كانتا ساعتيه الطقوسيتين. أصبح الدرب وطقوس الاستحمام مألوفين عندي بكل تفاصيلهما، ولكني بقيت دائماً أحمل ضغينة ما نحو ذاك المكان.

 كان يوماً شتائياً حين خرجنا. وكون جسدي ما زال يحمل دفء الحمّام، شعرت بالضيق من الملابس الثقيلة. وددت التخلص منها، ولكن أبي كان يسحبني بسرعة للوصول إلى البيت.

عند المنعطف نادوا على أبي باسمه وبصوت حاد كأنه قادم من جوف قبّة الحمّام، توقفنا. ثلاثة رجال ينتظرون في العتمة. التزم أبي الصمت ثم مد يديه ورفعني ضاماً جسدي إلى صدره. شعرت بارتعاش جسده عندما تحركوا نحونا. توقفوا على بعد خطوات، كانوا بملابس غير معتنى بها، يحملون بنادق مصوبة نحونا. بادرنا صاحب النظارة الطبية السميكة.

ـ حمّام العافية .. دع الصبي يذهب إلى البيت .

تشبثت يداي برقبته، ولكني شعرت أن يديه تحاولان إعادتي إلى الأرض. طالعت بفزع وجهه المتحجر. نظرت عميقا في عينيه الكلسيتين. قبـّلني وأنزلني ثم دفعني من كتفي ففهمت.

هرولت خائفاً أتـلفت..أجهشت أمي بنحيب رافقها لليال طوال دون عودة لأبي، بعد أيام جهزت أمي حقيبة وضعت فيها ملابسا وطعاماً، وغادرت الدار بعد أن أوصت أختنا سمية بي وبأخي الصغير كريم. لم يطل غياب أمي، وحين عادت بعد يومين، بكت بحرقة مع نسوة من أقاربنا وكانت تلهج طيلة الوقت بعبارة واحدة، رمضان الأسود عليكم.لم أكن لأفهم كنه عبارتها تلك ولكن بعد حين عرفت أن لا عودة لأبي.

بعدها لم أقارب حمّام الأمير أبداً، ولكن صورة المكان كانت تراودني بإلحاح . الباب العريض العالي ذو الخشب المتهرئ، الممر الداخلي عديم اللون، صوت قرقعة الطسوت ورائحة المناشف الدبقة وجسد أبي المسترخي فوق الدكة الساخنة. ذاك الخوف والعواطف الحادة بقيا يسكناني أبدا. رنين أهوج يبسط سطوته وينمو في صدري، يغلّ وحشته في تلافيف ذاكرتي دون شفقة ليشظيها إلى قطع مبتورة حادة ومتنافرة.

***

فرات المحسن

عقيل العبودكنت على موعد معه في مقهى الهافانا، وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا، ولذلك قررت أن أكمل استكانة الشاي قبل أن أغادر، لكنني فوجئت بحضور صديق لم أكن أتوقع رؤيته منذ سنين.

استقبلته بلهفة من فارق وطنه منذ سنين. رحنا نتداول أخبار الأصدقاء، نتلو قصصهم، وقصائد البعض منهم تباعا، وعندما سألت عن أحدهم كان الرد أنه هاجر بعد أن فقد جميع عائلته، بما في ذلك اخته الصغيرة والتي تركت أثرا كبيرا في كتاباته.

رحنا نمشي ونحن نتطلع إلى معالم جميع الأماكن التي صرنا نمضي صوبها دون أن نشعر بالوقت، ذهبنا إلى الجامع الأموي، جلسنا في مطعم، ثم تناولنا بعدها الآيس كريم.

ولدت لدي رغبة للبحث في معالم تلك الآثار والمعالم التي بقيت حية منذ تاريخ إنشائها القديم.

الهندسة المعمارية وتلك البصمات كأنما يجمعها قانون لا يمكن تجاوزه، سألت شخصا كان يقف هو الآخر عند زاوية من الساحة المفتوحة، عن عمر هذه الواجهات التي تزين ذلك المسجد، أجابني أنه يعود إلى تاريخ الدولة الأموية.

أخذني الفضول وأنا أقارن بين فن العمارة أيام زمان، وفنون العمارة والبناء في هذا الزمان.

حينها قال لي صديقي: هل تعرف أن قطعة واحدة من واجهات المسجد الأموي تهشمت ذات يوم، والمعنيون ما انفكوا مشغولين بترميم ما تركته هذه القطعة من فراغ بطريقة يجب أن تتطابق مع نسيج القطعة الأصلية ، ويقصد النسيج الهندسي المعماري. وهذا يعني أن التعامل مع ما هو مفقود كالتعامل مع قطعة أثرية.

هنا وأنا أتذكر تلك المقاطع من الزمن، رحت أتساءل كم نحن بحاجة إلى إعادة بناء تراثنا في مناطق العراق المختلفة بما في ذلك بغداد العاصمة.

***

عقيل العبود

 

 

(روحي ولا تكلها شبيج

حلاوة ليل محروكة حرك روحي

عتبها هواي ما ينفع عتب روحي)

الشاعر الكبير مظفر النواب

***

اصح يا نادل وكفاك نوم

فليل الغربة ينساب مغترّ

اصح وأضيء القنديل

فحديث الذكريات الليلة طويل

افرك عينيك يا نادل

الليلة شدونا سيوقظ العنادل

وستسمع النجوم لنا سرّ

**

هيأتُ لك أفضل قدح شاي

اشرب وسأخُبرك أمر

أمس .. نعم بالأمس

طفتُ وزرتُ مرقد الإمام الخضر

اغتسلتُ  بماء عينٍ دافئة

رغم قساوة البرد !

مشيتُ عند الجرف

أوقدتُ شموعا وتمنيتُ أمنية

لا بل قل ألف ..

تركتُ شموعي تسبحُ في النهر

**

حمّلتُ النهر أمانة

أن أحفظ أمنياتي يا نهر

ثم ركضتُ على الجسر

واحتويتُ بغداد بناظري من كل صوب

من الرصافة للكرخ

واستنشقتها شبرا شبر

**

سلَمتُ على أبي الجوادين

والأمام الحنيفة

وعلى كنائسها

وسألتُ الله أن يلهمني الصبر

وصحتُ

بغداد يا بغدادي

أنا أتمزقُ وأخافُ أن ينال منيّ القهر

فقولي لي يا أميرة الحضارات

.. مالحل ؟

**

صدقني أيها النادل ولاتستغرب الأمر

فقد نادى عليَ دجلة وقال

شموعكِ حملتها في موجي

واكتست بلون الدم

شموعكِ تبكي أبطالاً شيّعهم الغدر

أنا دجلة الشهداء

وهنا كان لنا عرس

أزفهم للسماء وأقدم لهم الخلود مهر

صرختُ

الله أكبر يانهر

الله أكبر يا بلادي

حفظك الله من كل شرَ

**

تلك هي يا نادل بلادي

وأولئك القتلى هم أهلي

وأنا

عزيز قومٍ ذلّ

***

د هناء القاضي

.........................

* هذه القصيدة من سلسلة نصوص مقهى الذاكرة التي نشرت في ديواني (كم ساذج أنت) في 2010 وقد أهدديت النص حينها للشاعر الكبير مظفر النواب، وارتأيت أن أعيد نشرها بعد سماعي خبر رحيله.

ربما لم يسمع بها ولم يقرأها لكني سعيدة أني كتبتها له هي ترجمة لإحترامي وإعجابي بهذه القامة الأدبية الكبيرة، والرمز الذي لن يتكرر).

الى روح الشاعر الكبير مظفر النواب

الى اين ياخذك الريل

انتهت حكايات عمر تولى

بين غربته والمحن

يالهذا الخراب الذي خلفته الثقافات

بين من يجحف الدهر حقا له

ومن يجحف الحق عند الممات

التوابيت تمضي

لتعلك اجسادنأ في الخرابات

فمن يستعيد الحكايات

وهي تمرغ اجسادنا في التراب

تدور القبور باشلاءنا في الضباب

ويخترق الدود اوصالنا في الغياب

ويبقى الصدى

يستعيد صراع الليالي

ويدفع فينا الى حتفنا

الكبار يموتون

لكننا نتذكر امواتنا عند ما يرحلون

اين ترحل ياصاحبي في الملمات؟

فهل لك من وطن

سوف يؤوي ثراك

وهل لك من وطن

لم تكن تسكنه قدماك

الى اين ترحل

وهل ان هذا الرحيل

سوف يحرك فينا الاسى

لكي نستعيد التراث ....

القتيل

ما الذي بعثرته الثقافات فينا

وهل ان هذا

الاياب ....

الفرار .....

الرحيل .....

الذي طوقته المرارات

وانتحلت صفة البوح فينا

اما كنت ياصاحبي في الملمات

بيتا تهدم في ساحة الفقراء

اما كنت عشا لتلك النبؤات

وهي تزغرد فينا السلام

لقد ضيعتنا التوابيت

امست تنمر اجسادنا

بين تلك المقابر

ترفعها لافتة للعزاء

احقا يموت الكبار؟

وفي كل ركن تفر العصافيرمذعورة

يجرجرها  (حمد) صوب ذاك القطار

الذي يؤرق افكارنا

وينهب احلامنا بالرحيل

يذكرنا باقتراب الاجل

بين تلك المحطات

وهي تغادر اسماءنا

وتتركنا في الشوارع

حتى تعلق اجسادنا بالحبال

اتنفذ فينا روائح اجسادنا الهيل والزعفران

ام ان فينا تراب المقابر يزهو وعصف الرمال

والعرق المتصبب يخنق انفاسنا

نشم روائحه كل حين

اما من دلال لقهوتنا

وقد اخمد الدهر نيرانها

ولم يبق منها سوى مابقى من حطام الرماد

اه يا عمرنا في المحطات نبكي

لبوح حكاياتنا

جين يسمعها الريل وحمد

لينبئنا بالرحيل

(مرينه بيكم حمد واحنه بغطار الليل

وسمعنه دك كهوة وشمينه ريحة هيل

ياريل صيح بقهر صيحة عشك ياريل)

ياريل صيح بقهر

صيح بحزن ياريل

صيحة عشك وانتهت

شمينه ريحة هلي والروح ماتفترك)

لا ما يموت العشك

والبينه ريحة حمد

تبقى المراسي تهز

اشباك كل السفن

سفان يبقى العشق

والعشك ينطر حمد

نم ياصديقي بهدة

لا تنتظر من وطن

باعك بحفنة تمر

يحميك انته الزمن؟

ياريل بلجن ترد

وتشوف حال الوطن

لكن ريلك حمد ماعاد

ظل انتظر...... )

*

وانا اسمع اغنية

صوت بكاء من بغداد

صوتا ياتيني

من ارض لا تحمل قبرا

لا تؤوي جسدا

ماتت في ألروح الغربة

ها نحن على الشاطيء

ننتظر التابوت

من وجع الهور

وها نحن مجانين العشق

نجيد اللطم على الاموات

(بلجن ارد لديرتي

واحصد الروح ويه الشلب

عنبر ورد

محسود انه وكلهن جذب

بس بلكت يصيرن صدك

واجمع ترابج جم جف

مو حيف اموت بلا وطن

واسمع تعازي بلا دف

هلهولة من جف الوطن

صفكه وهلاهل

والعلم ملفوف فوك التابوت)

***

جاسم العبيدي

أعرف طفلًا مات تائهًا في الآفاق الكثيفة،

يُفتشُ عن بذرةِ أبيه :

الأخ الذي اهدى إياهُ أبي في عيد ميلاده السابع

رأهُ ينزف؛ بين اللبلاب و الرصاص،

كان لا يعرف كيف يضمد جراحه

أو كيف يحفر الأرض،

كان صغيرًا على حفر الأرض.

نظر إليّ

والى التعب المخيّم مثل طائرةٍ فوق رأس جنديٍّ جارح،

ثم راح يكمل دورتهُ الطفولية

مثل فراشةٍ فكَّ ضابط اصفادها.

الآن؛ ماذا لو كنتُ أنا الطفل،

لكانت السنديانة التي قام بتمزيق رحمها

أمًا لست وعشرين برتقالة قاحلة.

لكنيَّ ولدتُ هكذا، يقولُ أبي:

حين ماتت أزهار الحديقة ولدتُ،

ظلًا لسبعِ رصاصات

***

ضرغام عباس /العراق

رمْتَ المعالي فالتحفْـتَ ســـــناها

وأنـسْتَ مُرتَــشِـفا  رضابَ لماهـا

*

تـعـدو إليــك، وأنـت تعـلـمُ أنّـــها

لاتبْـتـغي مـَن لا يــَفـي بمُـنـاهـــا

*

غـازلْـتَهـــا فـتجاوبَـتْ فـكأنــــها

لمْـيـاءُ باكـرَها الـهـوى فـشــفاها

*

تـعْدو وتـعلـمُ أنّ جــسمَـك ناحـلٌ

لكنّ نفْــسـك يا (عَديّ) ســـماهـا

*

تعطيك مِن طرف اللسان صبابةً

حتى إذا عشـِقتْ غنمْتَ رُباهـــا

*

تجلو عوارضَها ابتسامـةُ صادقٍ

لامـَن إذا ابتـسمتْ تلوكُ شـفاهـا

*

إن شـئتَ تُبْحرُ بالعيون، فعـينها

تـهِبُ الأمانَ لِمن يـخافُ مَداهـا

*

حـدِّقْ بمقلتها ، فـسبحان الــــذي

مِـن كل شــائنة الغـرام بَـراهـــا

*

في (نون والقلم) الإله مُــباركـا

فــي أصلها وأصولها وخًـطاهـا

*

لا تحْـذرَنَّ غـرامَـهــا ،فـهواهــا

مِن أقدس الحبّ الأصيل هواهـا

***

(من الكامل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

............

(القصيدة كتبت بمناسبة صدور كتاب (سوانح على جناح طائر)  تأليف ولدي عدي ، وقد أعقبه بمؤلفات اخرى منها (صناعة الوعي) (رقدالين  رواية) (سنابل ضائعة) وأخرى........)

 

خطاب الى سَيّدة روسية

كتبتْ  لي سيدة  تسألني عن أحوالي وعن بلدي.

فأجبت:

سيدتي

أنتِ بالقلبِ مني

كتبتِ لي

كتبتِ تسألينَ

عن حالي ... عن حالِ بلادي

عن رَجُلٍ

أحب وردة ً جميلة ً

من ورود الشام

**

كتبتِ لي

يا نتاليا

كتبتِ تسألينني

عن مَحبة ٍ .. عن أُلفة ٍ

عن مساحة ودٍ

عن أيامٍ ماضية ْ !

أتدرينَ يا نتاليا

لقد زرعنا غراسَ الحب

في جبال القوقاز

في بيلايا روس

في سوتشي

وفي ضيعتكِ النائية

غير أنّ أحلى غرسةٍ

سوف نزرعها في سورية

أتدرينَ  يا نتاليا ؟

***

بالأمسِ كانَ يوم ميلادي

..  لم أحتفلْ

!  أنتِ تعرفينَ ماذا يجري في بلادي يا صديقة ْ

لا وقتَ لإضاءة ِ الشموعْ

لابدّ من أن نمسحَ الدّموعْ

عن وجوهِ أطفالِ بلادي

لا وقتَ للجلوسِ في الحديقة ْ

لا وقت للفرح

!  أنت تعرفين ماذا يجري في  بلادي يا صديقة

**

حين تغيب الشمس

من الغرب يجيئون

من الشرق يجيئون

يتسللون من الجنوب، كما من الشمالْ

لينضموا إلى قبائل الفندالْ.

**

يجيئون في ظلمة الليل

حاملين معهم ظلام العصورْ

في حقائبهم ثعابين الموتْ

وفي كلابياتهم عقارب القبورْ.

نزولهم خرابْ.. رحيلهم خرابْ.

حين تغيب الشمس.. يجيئون.

أنت تعرفين ماذا يجري في بلادي يا صديقة !

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

كتبت هذه الكلمات عام 2014

آمال عواد رضوانإِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا!

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ وَالْمَسَرَّةِ، يَبُثُّ الْوَعْيَ وَالتَّرْفِيهَ فِي مُحِبِّيهِ وَمُرِيدِيهِ، بِخِفَّةِ رُوحِهِ وَذَكَائِهِ الْوَقَّادِ، وَكَثِيرًا مَا يَنْفُخُ عَزِيمَةً وَمَرَحًا فِي نُفُوسِ رُوَّادِ مَقْهَى السَّمِيرِ.. يُغِيثُهُم مِن يَأْسِهِم وَكَوَارِثِهِم، فيَسْتَشِفُّونَ أَعْمَاقَهُ.. يَتَنَعَّمُونَ بِحَدِيثِهِ.. يُصِيخُونَ السَّمْعَ بِآذَانٍ مُرْهَفَةٍ لِصَوْتِهِ السَّرْدِيِّ الْجَهْوَرِيِّ الْمُشَوِّقِ، فَتَتَلَاعَبُ عَلَى شَفَتَيْهِ كَلِمَاتٌ وَبَسَمَاتٌ تَتَلَوَّنُ مَعَانِيهَا بِنَبَرَاتِ مَغَازِيهَا، وَيُسْهِمُ فِي تَخْفِيفِ أَعْبَاءِ وَعَنَاءِ الْحَيَاةِ مِنْ خِلَالِ سَرْدِهِ النَّاضِجِ، وَتَلَاعُبِهِ بِشَخْصِيَّاتِ قِصَصِهِ، وقد بَرَعَ فِي عَزْفِهِ عَلَى أَوْتَارِ الْحِكَايَاتِ والنَّهَفَاتِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ فِي غَمْرَةِ حُلُمِهِ، يَطْوِي جَوَانِحَهُ عَلَى مُغَامَرَةٍ جَدِيدَةٍ، فَيَصْلَبُّ عُودُهُ مُسْتَفِزًّا سَامِعِيهِ، وَيَتَعَمْلَقُ هَيْكُلُهُ فِي هَالَةٍ مِنْ لَهِيبِ تَحَدِّيهِ، وَكَثِيرًا مَا تَنْقَلِبُ الْأُمُورُ عَلَيْهِ بِأَمَرَّ مِنَ الْمَرَارَةِ، وعَلَى عَكْسِ مَا يَشْتَهِيهِ؟

لكِن أَبُو زَيْدَان مُدَخِّنٌ صَعْبُ الْمِرَاسِ، اعْتَادَ أَنْ يَتَعَسْكَرَ وَيَتَمَتْرَسَ فِي مَكَانِهِ بِالصَّمْتِ، يُمَشِّطُ الْمَقْهَى بِنَظْرَةٍ بُولِيسِيَّةٍ بَارِدَةٍ تَسِيلُ بِاللَّامُبَالَاةِ، وَيَقِفُ لِمَشْبُوب بِالْمِرْصَادِ، يُبَيِّتُ لَهُ فِي جَوْفِهِ خَاطِرًا غَرِيبًا مُبَاغِتًا، وَيَظَلُّ يَتَرَبَّصُ وَيَتَرَبَّصُ بِفُرْصَةٍ سَانِحَةٍ يَتَحَيَّنُهَا.

فَجْأَةً، وَبِنَبْرَةٍ تَشِي بِالْحِدَّةِ انْفَجَرَ صَوْتُهُ قُنْبُلَةً أَلْقاهَا فِي حِضْنِ مَشْبُوب، وَرَمَى عَلَيْهِ كَمِينَهُ وَشِبَاكَ مَقْلَبٍ جَدِيدٍ فَرِيدٍ، بِمُغَامَرَةٍ تَعْجِيزِيَّةٍ تُزَعْزِعُ جُذُورَ الْقُلُوبِ، وتُحَمِّلُ مَشْبُوب وَطْأَةَ تَحَدِّيهِ فِي مُخَاطَرَةٍ وَمُجَازَفَةٍ، فَوَقَفَ مَشْبُوب عَاجِزًا عَنْ مُغَالَبَةِ كِبْرِيَائِهِ وَرُجُولَتِهِ، وَرَضَخَ خَاضِعًا لِلتَّحَدِّي، لَا يَأْذَنُ وَلَا يُذْعِنُ.

انْتَصَبَ أَبُو زَيْدَان وَاقِفًا يَهُزُّ طُرَّةَ طَرْبُوشِهِ الْأَحْمَرِ الَّذِي يَعْتَزُّ بِهِ.. أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا بِسِيجَارَتِهِ.. نَفَثَ حَلَقَاتٍ كَثِيفَةً مِنَ السِّنَاجِ الضّبَابِيِّ.. زَفَرَ بِأَكْدَاسٍ هَائِلَةٍ مِنْ ضَجَرٍ، وَقَالَ بِصَوْتِهِ الْمُتَأَنِّي، وَهُوَ لَا يُلْقِي بَالًا إلَى أَحَدٍ:

- يَا مَشْبُوب، "إِذَا رَفَعْتَهُ انْكَبَّ، وَإِذَا كَفَيْتَهُ مَا انْدَبَّ"!

وَبِأَسْرَعَ مِنَ الْوَمْضِ أَجَابَ مَشْبُوب:

- الطَّرْبُوش.

وَبِعَيْنَيْنِ تَقْدَحَانِ شَرَرَ انْتِصَارٍ مُرِيبٍ، خَلَعَ أَبُو زَيْدَان طَرْبُوشَهُ، وَتَسَلَّلَ صَوْتُهُ خِلْسَةً إِلَى حُدُودِ الْحِيلَةِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَحَشْرِجٍ أَزَّ حَادًّا ثَاقِبًا، دَوَّى كَرَزِيزِ الرَّعْدِ وَتَرَدَّدَ صَدَاهُ:

- هذَا طَرْبُوشِي لَكَ..  لكِنَّ امْتِحَانَكَ صَعْبٌ "مِنْ قَاعِ الدِّسْت"..

تَعَلَّقَتْ كُلُّ الْعُيُونِ بِلِسَانِ وَيَدَيْ وَعُيُونِ أَبُو زَيْدَان، إِذ وَضَعَ طَرْبُوشَهُ بَيْنَ يَدَيْ مَشْبُوب، ثُمَّ أَمْسَكَ بِحَبْلٍ يَتَدَلَّى مِنْهُ وَتَدٌ، وَقَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ مُسْتَفِزٍّ:

- إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ هذَا الْوَتَدَ بِجَانِبِ قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم اللَّيْلَةَ.

رَهْبَةٌ رَهِيبَةٌ عَقَدَتْ أَلْسِنَةَ الْحُضُورِ.. أَلْجَمَتْهَا.. خَيَّمَ صَمْتٌ مُقَدَّسٌ جَمَّدَ الْوُجُوهَ وَالْأَجْسَادَ لِلَحَظَاتٍ، ثُمَّ تَبَادَلَ الْجُلَّاسُ النَّظَرَاتِ، وَنَارُ الذُّعْرِ شَبَّتْ تَمْتَدُّ.. تَتَطَاوَلُ.. تَتَزَحَّفُ إِلَى أَعْمَاقِ مَشْبُوب، فَبَدَا كَغَزَالٍ غِرِّيرٍ يُنَاوِرُ صَيَّادَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فَرِيسَةً فِي دَوَّامَةٍ مِنَ التَّرَدُّدِ وَالتَّحَفُّزِ..

تَضَاءَلَ مَشْبُوب فِي حَيْرَتِهِ، شُعُورٌ غَامِضٌ بَالِغُ الِانْقِبَاضِ غَمَرَ قَلْبَهُ، وَنَارٌ لَاسِعَةٌ لَاهِبَةٌ تَتَآكَلُهُ عَلَى مَهْلٍ، فَهَلْ يُقْلِعُ عَنْ عِنَادِهِ، وَلَا يَرْكَبُ مَتْنَ الصَّعْبِ مِنْ أَجْلِ التَّحَدِّي وَالنَّصْرِ؟

لكِن؛ هَلْ ذَاكِرَةُ مَشْبُوب تَضْطَرِبُ وَتَتَزَلْزَلُ، وَهُوَ نَافِذُ الرَّأْيِ الْمُطَاوِعُ لِرُجُولَتِهِ، مَنْ خَطَّتْ مُغَامَرَاتُهُ عَلَى صُدْغَيْهِ تَارِيخًا حَافِلًا بِذِكْرَيَاتٍ، وَمُغَامَرَاتٍ، وَقِصَصٍ مُدْهِشَةٍ وَمُثِيرَةٍ؟

قَالَ فِي نَفْسِهِ:

- "لَا.. فَأَنَا مَشْبُوب الْمُكَنَّى بِالْمَجْنُونِ، أَعْتَزِمُ أُمُورِي بِرَأْيِي السَّدِيدِ.. أَتَّخِذُ قَرَاري الرَّشِيد، دُونَ أَنْ آبَهَ بِالنَّتَائِجِ، فَمَا كُنْتُ أَفِينًا ضَعِيفَ رَأْيٍ، وَمَا أَحْجَمْتُ يَوْمًا عَنْ تَحَدٍّ، وَلَا نَكَّصْتُ عَنْ حَمْلِ مَسْؤُولِيَّةٍ".

بَعْدَ هُنَيْهَةٍ وَقَفَ مَشْبُوب وَالْهُدُوءُ لَا يُزَايِلُهُ، وَقَدِ اكْتَسَى مُحَيَّاهُ بِمِسْحَةٍ مِنَ الْجَدِّ الرَّصِينِ.. اعْتَمَرَ طَرْبُوشَ أَبُو زَيْدَان، فَبَدَا أَفْرَعَ طُولًا وَأَكْثَرَ فُتُوَّةً، وَبِكَلِمَاتٍ بَطِيئَةٍ مُتَمَهِّلَةٍ، وَبِنَبْرَةٍ حَاسِمَةٍ مَشْبُوبَةِ الرَّغْبَةِ وَالتَّحَدِّي أَرْدَفَ:

- لَا حِيلَةَ لِي فِي الْأَمْرِ، سَأَدُقُّ الْوَتَدَ بِجَانِبِ قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم اللَّيْلَةَ.

كَلِمَاتُ مَشْبُوب أَجْفَلَتِ السَّامِعِينَ مَشْدُودِي الْأَعْصَابِ، وَقَدْ خَيَّمَ عَلَيْهِمِ الصَّمْتُ.. جَحَظَتْ عُيُونُهُم مِنْ مَحَاجِرِهَا، تَرْمُقُهُ بِنَظَرَاتٍ مُتَفَحِّصَةٍ تَنْفُذُ إِلَى طَوَايَا نَفْسِهِ غَيْرَ مُصَدِّقَةٍ، تَحْدُجُهُ مِنْ عَلْيَائِهِ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ بِنَظَرَاتٍ ثَاقِبَةٍ، تَنْفُذُ إِلَى أَعْمَاقِهِ، تَخُضُّهُ، تَنْفُضُهُ، وَوَجْهُهُ الْيَشِي بِخَوَاطِرِهِ، لَا يَكْتَرِثُ وَلَا يَهْتَزُّ.

طَالَعَ مَشْبُوب وُجُوهَهُمُ الشَّاحِبَةَ الْوَاجِمَةَ.. أَمْسَكَ عَنِ الْكَلَام.. أَخَذَ الْحَبْلَ وَالْوَتَدَ، ثُمَّ رَمَى (أَبُو زَيْدَان) بِنَظْرَةٍ فَاتِرَةٍ بَاهِتَةٍ، وَانْسَحَبَ مِنَ الْمَقْهَى مُنْكَفِئًا عَلَى نَفْسِهِ، وَعُيُونُهُمُ الْمَخْمُورَةُ بِالذُّهُولِ تُشَيِّعُهُ إِلَى الْبَابِ، وَقَدْ لَبَّدَ الْأَجْوَاءَ الْقَاتِمَةَ بِخَفَافِيشِ الْأَوْهَامِ، وَمَا بَدَّدَ جَحَافِلَ ضَبَابِ الشَّكِّ ثَقِيلِ الْقَبْضَةِ.

كَيْفَ لَا يَتَحَدَّى، وَهُوَ الْأَحْوَذِيُّ الْيَسُوقُ الْأُمُورَ خَيْرَ مَسَاقٍ؟

سَارَ بِاتِّجَاهِ الْمَقْبَرَةِ، وَقَدْ تَلَفَّعَتِ السَّمَاءُ بِأَرْدِيَةِ الْخَرِيفِ، وَأَخْفَتِ الْعَتْمَةُ وُجُومَهَا. اقْتَحَمَ الظُّلْمَةَ ثَابِتَ الْعَزْمِ، وَفِي مَأْمُولِهِ أَنْ يَنْجَحَ. سَارَ فِي أَحْشَاءِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ سَاهِمًا عَلَى غَيْرِ هُدًى، يَشْمَلُهُ صَمْتٌ ثَقِيلٌ، كَأَنَّهُ تَحْتَ تَأْثِيرِ قُوَّةٍ خَارِقَةٍ تَسُوقُهُ، تَشُدُّهُ إِلَى وَاقِعٍ مُثِيرٍ، فيَسْتَعِيدُ شَرِيطَ مُغَامَرَاتِهِ الْمَجْنُونَةِ.

أَرْسَلَ بَصَرَهُ عَلَى سَجِيَّتِهِ، يُحَدِّقُ فِي قُبَّةٍ دَامِسَةٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ نُورِ نَجْمٍ يَتَسَحَّبُ بَيْنَ السَّحَابِ، أَو يُمَشِّطُ الْأُفُقَ مِنَ الضَّبَابِ، إِلَّا خَيَالهُ يُرَامِقُهُ، يُفَضْفِضُ لَهُ الصُّمْتُ خَوْفَهُ، لكِن.. مَا مِنْ أَمْرٍ يَثْنِيهِ عَمَّا عَزَمَ.

تَبَدَّتْ لَهُ عُيُونُ اللَّيْلِ تَحْرُسُ عَوَالِمَ خَبِيئَةً، فِي قُمْقُمٍ مُعْتِمٍ فِي فَضَاءِ الْمَا وَرَاء، عَوَالِمَ مُفَخَّخَةً بِأَزْمِنَةٍ خُرَافِيَّةٍ، عَوَالِمَ مُتَخَيَّلَةً بِأَمْكِنَةٍ لَهَا قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِدْعَاءِ الْجِنِّ مِنْ كُهُوفِهَا، مِنْ مَنَازِلِهَا الْمَسْكُونَةِ، وَما الْأَشْبَاحُ سِوَى مَسَارِحِ أَوْهَامٍ،  فَقَالَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِامْتِعَاضٍ وَازْدِرَاءٍ:

- "صَحِيحٌ أَنَّ الدَّرْبَ مَحْفُوفٌ بِالْغُمُوضِ، لكِن مَا هذِهِ سِوَى قُوًى غَيْبِيَّةٍ غَبِيَّةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ رُكُوبِ الْمَخَاطِرِ وَالْأَهْوَالِ دُونَ مُحَال"!

فَجْأَةً اكْفَهَرَّ الْأُفُقُ وَامِضًا، يُنْذِرُ بِهُبُوبِ عَوَاصِفَ رَعْدِيَّةٍ، وَفِي تَمَامِ الظَّلَامِ الْحَالِكِ، وَعَلَى قَيْدِ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمُغَامِرِ الْمُجَازِفِ، شَخَصَ فِي الْبَعِيدِ أَطْيَافًا فِي الْعَرَاءِ، أَحَسَّ بِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ تَتَمَشَّى خَلْفَهُ، تَتَقَفَّى آثَارَ لَيْلَتِهِ اللَّيْلَاءِ، تَتَحَفَّزُ لِلْوُثُوبِ وَالِانْقِضَاضِ عَلَيْهِ.

جَثَمَ الرُّعْبُ عَلَى قَلْبِهِ ثَانِيَةً.. رَكِبَهُ خَوْفٌ خَلْخَلَ مَفَاصِلَهُ.. تَصَخَّرَ خَطْوُهُ الْمُتَثَاقِلُ.. اشْتَعَلَ فِيهِ ذُعْرٌ يُقَطِّعُ نِيَاطَ الْقُلُوبِ.. تَفَشَّى فِي أَوْصَالِهِ وَقَدْ بَلَغَ مُنْتَهَاهُ، وَبِحَرَكَاتٍ يَشُلُّهَا الِارْتِيَابُ، ارْتَدَّ لِلْوَرَاءِ بِخُطُوَاتٍ مُتَخَاذِلَةٍ مُتَرَنِّحَةٍ، حِينَ تَضَخَّمَتْ أَمَامَهُ أَشْبَاحُ الْجَزَعِ، وَنَدَّتْ عَنْ صَدْرِهِ تَنْهِيدَاتٌ دَفِينَةٌ عَمِيقَةٌ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى، تُعَبِّرُ عَنْ هَلَعٍ مَكْبُوتٍ فِي صَدْرِهِ.

لَمَحَ بَيْنَ أَشْدَاقِ الْعَتْمَةِ قُبُورًا تَائِهَةً.. أَضْرِحَةً ضَائِعَةً.. سَرَادِيبَ مُعْتِمَةً سِرِّيَّةً.. كَأَنَّمَا تُفْضِي إِلَى أَوْكَارٍ شَيْطَانِيَّةٍ.. جَفَّ قَلْبُهُ وَوَجَفَ، وَانْتَصَبَ بِرَأْسِهِ الْمُرْتَفِعِ السَّامِدِ، يَسْتَنْشِقُ خَوْفَهُ مِلْءَ صَدْرِهِ.

تَجَهَّمَتْ أَسَارِيرُهُ، وَوَقَفَ جَاحِظَ الْعَيْنَيْنِ يَخْتَلِسُ نَظَرَاتٍ وَجِلَةً، يُحَدِّقُ فِي الظَّلَامِ.. تَلُفُّهُ أَشْبَاحُ الْقَلَقِ وَأَصْوَاتُ اللَّيْلِ، وحِينَ تَعَالَتْ صَرَخَاتُ اسْتِغَاثَةٍ مُكَلَّلَةٍ بِسَوَادِ الْمَقَابِرِ، اسْتَوْلَى عَلَيْهِ هَذَيَانُ قُوًى غَيْبِيَّةٍ تَكَادُ تَسْحَقُهُ، وَتَهْتَاجُ الْمَخْيَلَةُ عَلَى نَحْوٍ يُرْثَى لَهُ. اسْتَجْمَعَ قُوَاهُ الْخَائِرَةَ الْوَاهِنَةَ، وَبِحَمَاسَةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيرِ عَصَفَتْ بِهِ ثَوْرَةُ صُرَاخٍ فِيهَا بَعْضُ اسْتِجْدَاءٍ:

- الْبُيُوتُ الْمُقْفِرَةُ فِي اللَّيْلِ تَبْدُو كَالْمَقَابِرِ، وَكُلُّ بِلَادِنَا جَرِيحَةٌ، وَكُلُّ أَوْطَانِنَا مَقَابِر!

أَخَذَ مَعَهُ مَا يَفِي بِالتَّحَدِّي الصَّاخِبِ، فَفِي جُعْبَتِهِ تَتَكَدَّسُ مُدَّخَرَاتُهُ التُّرَاثِيَّةُ مِنْ حَزَازِيرَ وَقِصَصٍ يُفْرِغُ فِيهَا اضْطِرَابَهُ وَخَوْفَهُ.. أَخَذَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ:

"يَحْمِلُ قِنْطَار وَلَا يَحْمِلُ مِسْمَار"؟  يَا بَحْر انْتَظِرْني، سَأَدُقُّ الْوَتَدَ فِي بَطْنِكِ، وَلَيْسَ فَقَط فِي بَطْنِ الْمَقْبَرَة.

ضَحِكَ مَشْبُوب وَجَلْجَلَتْ ضِحْكَتُهُ، لَوَّحَ بِحَبْلِ الْوَتَدِ وَقَالَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ:

- "الْحَبْلُ فِي رَقَبَتِهِ، وَالدَّقُّ فِي صَلْعَتِهِ".  يَا وَتَدَ الْبَلَدِ يَا مُخْتَارها لَوْلِحْ لَوْلِحْ، وَيَا وَتَدَ الْأَرْضِ يَا جِبَالها، لَوْلِحْ لَوْلِحْ.

وَمَا أَنْ وَصَلَ إِلَى قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم فِي آخِرِ الْمَقْبَرَةِ، حَتَّى أَطَلَّ الْقَمَرُ فِضِّيًّا سَاطِعًا يَرْعَى فِي مَرَاعِي السَّمَاءِ، وَقَدْ أَمَاطَ اللِّثَامَ عَنْ أَسْرَارٍ دَفِينَةٍ، فَنَظَرَ إِلَى الْقُبَّةِ الْمُضِيئَةِ، وَرَآهَا مُنْبَسِطَةً تُزْهِرُ فِيهَا نُجُومٌ زَاهِيَةٌ تَتَرَاقَصُ نَشْوَى.. ضَحِكَ وَقَدْ زَالَتْ مَخَاوِفُهُ وَصَارَ يُغَنِّي:

- "قِنْطَار فُول مَبْذُور مِنْ عَكَّا لَإِسْتَنْبُول"، "وغَطَا أُمِّي رقُوم رقُوم، مِنْ غَزِّة لَوَادِي الرُّوم".

هِلِّي وطُلِّي يَا نُجُوم نُجُوم، يَا هَالَة أُسْطُورِيَّة يَاعَنَاقِيد النُّور.

تَدَفَّقَتِ الدِّمَاءُ الشَّبَابِيَّةُ فِي عُرُوقِ مَشْبُوب.. تَوَقَّدَتِ الْحَيَوِيَّةُ فِي بُنْيَانِهِ، وَبَدَأَ بِتَنْفِيذِ الْمُغَامَرَةِ الدَّسِمَةِ وَمُهِمَّةِ التَّحَدِّي بَخَطْوٍ مُتَمَهِّلٍ رَشِيقٍ.. فَكَّ الزِّرَّ الْعُلْوِيَّ مِنْ عُرْوَةِ شَرِيطِ الرَّقَبَةِ فِي قُمْبَازِهِ الْقُطْنِيِّ.. شَكَّلَ جَانِبَيْهِ السُّفْلِيَّيْنِ.. رَدَّهُمَا لِلْوَرَاءِ.. وَضَعَ كُلَّ طَرَفٍ تَحْتَ شَمْلَةِ الزُّنَّارِ الَّتِي تَلُفُّ خَصْرَهُ، ثُمَّ طَوَى أَطْرَافَ كُوفِيَّتِهِ خَلْفَ رَقَبَتِهِ.

قَرْفَصَ.. أَمْسَكَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى بِالْوَتَدِ، وَأَمْسَكَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى بِحَجَرٍ كَبِيرٍ، وَبَدَأَ يَدُقُّ بِالْحَجَرِ عَلَى صَلْعَةِ الْوَتَدِ، لِيَغْرِسَهُ فِي الْأَرْضِ بِجَانِبِ قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم، إِلَى أَنْ أَحْسَنَ تَثْبِيتَهُ تَمَامًا، فَارْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْهِ ابْتِسَامَةُ انْتِصَارٍ.

لكِن.. حِينَ هَمَّ بالْوُقُوف، تَزَعْزَعَ تَوَازُنُهُ، وَسَمَّرَهُ حِسٌّ خَفِيٌّ فِي مَكَانِهِ!

تَلَاشَتْ بَسْمَتُهُ.. انْقَلَبَتْ سِحْنَتُهُ.. جَعَلَ يُحَاوِلُ النُّهُوضَ وَيُحَاوِلُ.. يُحَاوِلُ ويُعَافِرُ وَيَسْقُطُ دُونَ جَدْوَى.. تَمَلَّكَهُ الذُّعْرُ.. رَاحَ يُغَالِبُ فَزَعَهُ مُتَرَاخِيًا.. غَمْغَمَ مُزَمْجِرًا.. وَدُونَ وَعْيٍ مِنْهُ انْطَلَقَتِ اسْتِغَاثَاتُهُ.. تَقَهْقَرَ صُرَاخُهُ فِي تَأَوُّهَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وَأَنِينٍ مَبْحُوحٍ وَكَلِمَاتٍ مُبْهَمَةٍ:

- اِلْحَقُوووووونِي.. مسكُوووووونِي.. اِلْحَقُوووووونِي.. الْأَمْوَاااات مسكووووني!

وَكُلَّمَا حَاوَلَ الْوُقُوفَ يَسْقُطُ، إِلَى أَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْهَرَبِ أَخِيرًا، وَهُوَ يَصْرُخُ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ:

- اِلْحَقُوووووونِي.. الْأَمْوَاااات مسكووووني!

فَإذَا بِالْعَتْمَةِ تَتَسَرْبَلُ ضَوْءَ سِرَاجٍ فَجْأَةً، وَتَتَلَقَّفُهُ حَشْرَجَةُ أَبُو زَيْدَان الْتَتَنَاهِى إِلَيْهِ مِنَ الْعُمْقِ الْبَعِيدِ، وَالْأَيَادِي تَتَصَدَّاهُ وَتُمْسِكُ بِهِ، وَهُوَ لَا زَالَ يَصْرُخُ:

- اِلْحَقُوووووونِي.. الْأَمْوَاااات مسكووووني!

مَا هَدَأَ صُرَاخُ مَشْبُوب، وَمَا هَدَأَتِ انْفِجَارَاتُ الْقَهْقَهَاتِ الْغَلِيظَةِ، وَلا هَدَأَتِ اهْتِزَازَاتُ الْأَشْبَاحِ الْتَتَمَايَلُ بِضِحْكَاتٍ هِسْتِيرِيَّةٍ، تُشِيرُ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِهَا، وَالضَّوْءُ لَا يَكْشِفُ إِلَّا جَسَدَ مَشْبُوب.

رَمَاهُم مَشْبُوب بِنَظْرَةٍ زَاجِرَةٍ ضَارِيَةٍ، لَعَنَهُم فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَّةً، وَهُوَ يَحْبِسُ أَنْفَاسَهُ غَيْظًا، فَبَادَرَهُ أَبُو زَيْدَان:

- أَيْنَ شِرْوَالَكَ يَا مَشْبُوب؟ لِمَاذَا خَلَعْتَهُ؟ هَلْ أَمْسَكَ بِكَ الْأَمْوَاتُ؟  هَلْ أَخَذُوا شِرْوَالَك؟

بُهِتَ مَشْبُوب بِالسُّؤَالِ الْمُبَاغِت.. تَوَقَّفَ جَمِيعُهُم عَنِ الضَّحْكِ.. سَادَ جَلَالُ الصَّمْتِ، وَحِينَ نَظَرَ مَشْبُوب إِلِى جُزْئِهِ السُّفْلِيِّ مِنْ جَسَدِهِ، فُوجِئَ حِينَ لَمْ يَرَ شِرْوَالَهُ الْكَانَ يَلْبَسُهُ، فَتَدَارَكَ أَبُو زَيْدَان الْمَوْقِفَ وَقَالَ:

- لِنَمْضِ إِلَى قَبْرِ الْعَمِّ سَالِم.

مَضَى جَمِيعُهُم إِلَى الْمَوْضِعِ، فَوَجَدُوا الْوَتَدَ مَدْقُوقٌ وَمَغْرُوسٌ فِي الشِّرْوَالِ!

غَالَبَ مَشْبُوب ضِحْكَةً مَرِيرَةً، وَانْتَزَعَ شِرْوَالَهُ مِنْ بَيْنِ أَنْيَابِ الْوَتَدِ الْمَغْرُوسِ.. لَبِسَهُ وَهُوَ يَشْتُمُهُم بِكَلِمَاتٍ بَذِيئَةٍ، وَقَهْقَهَاتُهُم تَعْلُو وَتَعْلُو، فَقَالَ أَبُو زَيْدَان:

- لَقَدْ دَقَقَتْ الْوَتَدَ فِي شِرْوَالِكَ دُونَ انْتِبَاهٍ مِنْكَ يَا مَجْنُون، وَظَنَنْتَ أَنَّ الْأَمْوَاتَ أَمْسَكُوا بِكَ؟

لكِنَّكَ حَقَّا رَجَلٌ يَا مَشْبُوب، وَالْكُلُّ يَشْهَدُ.

وَصَاحُوا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: نَشْهَدُ.. نَعَم..  نَشْهَدُ.

عَادُوا أَدْرَاجَهُم إِلَى بُيُوتِهِم، يَحْتَضِنُونَ مَشْبُوب.. يَضْحَكُونَ.. يَمْرَحُونَ، وَيُضِيفُونَ طُرْفَةً جَمِيلَةً أُخْرَى، يُعَلِّقُونَهَا عَلَى مِشْجَبِ الذِّكْرَيَاتِ.

***

آمال عوّاد رضوان

وَهَا أَنَا فِــــــــي أَلْبُومِهَا أَتَصَفَّحُ

وَأَسْتَنْطِقُ الْأَقْمَارَ مَا كِدْتُ أَبْرَحُ

*

أُفَتِّشُ عَنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ أَسُوقُهَا

لِقَلْبِي الَّذِي مَا زَالَ بِالْحُبِّ يَطْفَحُ

*

أُدَقِّقُ فِي تِلْكَ الْمَلَامِحِ وَاصِفاً

لِقَلْبِي فَيَهْدَا وَالْخُطُوبُ تُسَطِّحُ

*

أَيَا بِنْتَ وَادِي الرَّافِدَيْنِ تَمَهَّلِي

فَقَلْبِي سَبَاهُ الْحْزْنُ وَالْمُتَصَفَّحُ

*

دَعِينِي أُقَبِّلْ فَالرَّبِيعُ دَنَا لَنَا

وُرُودا وَأَزْهَاراً وَحُبّاً يُرَبِّحُ

*

دَعِينِي أَجُلْ فِي صَحْنِ وَجْهِكِ رَاكِباً

وَأَسْتَعْجِلِ الْحَنْطُورَ يَأْتِ الْمُصَفَّحُ

*

فَمَنْ لِي بِقَلْبٍ كَالْحَرِيرِ يَضُمُّنِي؟!!!

وَمَنْ لِي بِسِتِّ الْحُسْنِ تَأْتِي وَتَصْفَحُ؟!!!

***

شعر أ. د. محسن عبد المعطي

شاعر وروائي مصري

إلى روح ناجي العلي

فتيان الحي العتيق هنا

على خاصرة الدهشة قابعون

يدخنون السجائر

يستلذون بقتل أحلامهم على ضفاف الصمت

كأني بأحفادهم لا يعرفون الهوان

أتهرب عن يدك عنقود السقوط؟

حين ارتوى الطقس بماء الانتباه

والفتاة التي خفية غازلتك

تمتد جسرا لعبور الظلال

والفتى المسكون بالصحوة الهادئة

يستضيء بشمع الكلام الأنيق

يكتب شهادته الأخيرة

يحتسي قهوته على عشب المدى

هل يمنحني ضلعه المستميت

لأشهر صمتي في وجوه الذين لم يعلنوا عشقهم

لصدى الأغنيات

هل بإمكان الفتى أن يكحل عيون النساء؟

قبل الغروب ...

حيث تلامس ضحكتي الهازئة ورق العنب

يجيء الولد مجهشا بالأرق

فتيان الضواحي جاؤوا هذا الصباح العواصم

ذاهلون لمرأى انكسارٍ

والجسد المهشم في جهة ما....

يومئ الجنين القابع في خلاياي:

صبايا الحي ارتحلن

ولم تُبق غير بيروت تمعن النظر في وجوه

الآتين من هناك ...

ليس الحرير على مقاس الجسد

ولا أثر لأقدام الفاتحين

على أرض «الخليل»

وهذا الطريق الطويل يسلكه الأولاد

مثلما سلكته الشاحنات

دفاعا عن الموت المغاير

وحده دائما يفاجئهم بالكبرياء

كان اندهاش الورد ممزقا بين الضلوع

و خلف خيوط النهوض

اعتلى الهمس زوايا الأمكنة

أين أصدقاء الطفولة؟

ذهبوا إلى حانة بلا قواريرَ...

هو ذا الولد الذي أدهشته الأغاني

والثالث من يناير

لم يختف حينما رأى عطش الأقاليم

كم شردته الكلمات

وأغمضت جفنيها على ركبتيه فتاة الضاحية

الصحف أعلنت عن موت العناقيد

بالأمس قال لي: لن تعبث الأغصان بالغد الآتي

الماء دليل الطيور

الضوء نقيض المقصلة

هنا كانوا ... قاب ذراعين من الزهر

والجثث العائدة

أين اختفى صوت ناجي؟

وتلك الرسوم التي كانت تصيح

غدا تأتي أم المعارك

وجاءت سريعا

كأننا لم نكن نودع قبل حين حنظله

إلى أين الرحيل؟

إلى حيفا، حيث تمددت على خصرها قبعات الجنود الآتين

من خيام الظلال

دمها مسكوب على صدرها

وصمتها ذائع الصيت

للنورس دموعا مثل تيه المحارب

والقبائل المقطوعة الحناجر لم تضيع أسراها

ولا قتلاها

لنمدح الحبر والبحر

والحرب القادمة

نحتسي كؤوس الشاي قبل انهزام الروم

وانسحاب الذكرى من الذاكرة

لا أحد أوقف الطوفان

سوى الولد الخارج من رحم الفجيعة

أكانوا جيشا من ورق؟

أم ماذا...؟

أنهكتنا السهرات و أضرم الفتيان النار

في الذكريات والحدائق

الأزهار تفتحت على قبر الجندي الغريب

الفصول شاهدة على تيه الصدى

ها قد قطفوا أحلامه الأولى

حينما أفصح عن مكر الخديعة

الأمراء و الصعاليك العاشقين

لا يرون على وجهك غير الحِباء

والحياد المستحيل ...

صمتك الآن موزع على جميع المرافئ

وحبرك يخط الرسائل

لمن أفنوا عقودا في التّرحال

لم ينسوا الغضب القابع في خلاياك

والسؤال الذي رددته الحناجر

من أين يجيء الحنين؟

من الجنوب المتاخم للضياع

لست وحدك هذا الصباح

كل الرجال مضوا

ولم يشربوا الخمر بعد الغداء

وحيدا عبرت طرقات المدينة

ولا أحد أرّقته الحادثة

من يذكر بدء النزيف

والذئاب تقترب من جدران القرى

ليت النساء النائمات يعرفن تاريخ ميلاد السؤال

وأولى الزغردات التي أطلقتها إحدى الحفيدات

صبيحة الثالث من يناير

تلال من الضوء و الحبر المخادع

هنا كنا، قبل سنين، نرى الورد أحمر من دم الأسئلة

نحلم بالروح منفتحة على جسد البياض

وبمحض إرادتنا نترك أسرانا قرب الشقراوات

الذاهبات إلى عتبات النور

ها قد تناسى الملوك خرير الدماء على أخاديد التراب

طوبى لهم بما فعلوا

وطوبى لأحفادنا بما سوف يفعلون

فجأة جاء خبر سريع

... أخيرا مات الولد الهزيل!

كيف إذن نغرق في مياه الحنين

ونرحل جماعات أو فرادى

جنوبا أو شمالا باتجاه الجفاف المبعثر

ها قد جاء العسكري الوسيم

عاريا إلا من الحبر و ومضة الروح

وتختفي أجنحة الارتباك

عند مدخل الصوت المباغت

من زرع البنفسج في التراب الذي كان مقبرة للغزاة

القدامى؟

مدن الضباب ...

ماذا تريد؟

حفنة من آبار الذهب الأسود ...

مفعما بالتوتر يجيء الولد

يقرأ ورقة بعثرتها الرياح...

***

الشاعر: البشير عبيد

جميلةً كانتِ الأيامُ في صِغَري

ماذا دهاني لكي أحيا على كدرِ!؟

*

هل يكبر المرء كي يرتاح في كِبَرٍ

أم كي يعيش على الآهات في الكِبَرِ!؟

*

كم قد تعبنا .. ولم نلقَ الذي طمحتْ

أرواحُنا العمرَ .. ما قرّتْ على نظرِ

*

نرى البنين .. نرى الإخوان في شُغُلٍ

الكلُّ ما فيه من قلبٍ على الحجرِ

*

كم قد صبرنا .. وكم كنا نظلِّلُهم

في حمأة القيظ حزّوا الظِّلَّ في الشَّجرِ

*

حتى انحنينا على قوسٍ بلا ثمنٍ

أتى إلى الظَّهر مكسوراً لمنكسرِ

*

لمّا نموتُ نرى الدَّفّان ينزلنا

في حفرة اللَّحدِ موسودين بالمَدَرِ

*

نعيشُ فيه كما عاشوا ببرزخهم

كم ضمَّ ذا القبرُ مقبوراً بمنقبرِ

*

كم تبلعُ الأرض أجساداً و تأكلهم

لم تبقِ بالموت أحياءً من البشرِ

*

الكلُّ للقبر يمشي دون رغبتهِ

أبناءُ من مات يقفو الخطوَ بالأَثَرِ

*

لم يبقَ إلّا إلهُ الخَلْقِ محتكماً

كي يدخل الناس في (عَدْنٍ) وفي (سَقَرِ)

*

فهل نرى الظُّلم في الدُّنيا سينفعنا

لو يشكو من كان مظلوماً لمقتدرِ!؟

***

رعدالدخيلي

قصي الشيخ عسكرالفصل الرابع من رواية (صفرة ما على الجدران)

في البدء ظنّ  رياض أن لن تواجهه شعيب أيّة مشقة في العثور على قطّة سوداء.. كان يعرف محلا في Amager يبيع الطيور والحيوانات فانصرف ذهنه إليه،واستحسنت زاهية الفكرة.ربما رغبت في أن تبقي القطة عندها حتى تنهي عقدة السحر أو تكون المراسم مع فأرة تضطر لقتلها.

تفكّر في الاحتمال الأول.

لا تحبّ إزهاق روح ولو كانت روح فأرة

وتذكرت ماعليها أن تقوم به من مراسم ،وجاءها جمال شعيب الذي ذهب إلى محل بيع الحيوانات والطيور بصحبة  مترجم عربي من المغرب دفع له مبلغا استقطعه منها وحمل لها أنباء متضاربة عليها :أن تخضع لشروط صارمة إذا كانت ترغب في قطة.. عمرها  أكثر من سبعة أسابيع .. أم صغيرة  تعيش معك مدّة أطول.. البيطرة.. وسيسألونك عن شروط أخرى،أما الفأرة فلا شروط عليها،وتساءل وهو يبتسم:

لِمَ لا تؤدين المراسيم مع الفأرة يسمونها بلغتهم rotte متوفّرة ومادام اللون لا يعنيك فكلّ الفئران في المحل هناك في Amager بيض كالقطن ليست مثل فئراننا إنها جميلة!

وقال رياض فنجان:

أنا لا أنكر السحر والسحر موجود في القرآن مادام الأمر كذلك فعليك أن تستخدمي فأرة بدلا من شروط القطة المعقدة

فأجابت كالمستسلمة:

القس الجليل قال لي بعد المراسم مع قطة سوداء سيختفي السحر على الفور وستعيش القطة معي تمنعني من أيّ سحر في المستقبل أما إذا لجأت إلى الفأرة فسيزول الصداع بعد أيام لكن علي أن أنفيها عن البيت إلى مكان ما من دون روح!

واندفع جمال شعبان بين الشاكّ والمصدقّ أو الجاد والهازل:

أولاد الكلب اليهود عرفت الآن لم اغتصبوا فلسطين لأن فيها كل هذا العلم والعلماء والروحانيينّ!

هذا سهل توكلي على الله وابتاعي الفأرة!

أفضل بدلا من أرتبط بقطة تعيش معي في الشقة مَنْ يطعمها ويسقيها في حال سفري وغيابي!

وانتظر الثلاثة بضعة أيام حتى حلّ يوم السبت في الصباح ذهب الجميع إلى Amager وعادوا بسلة فيها علبة بيضاء ذات ثقوب داخلها فأرة وقبل أن يجتمع الثلاثة في غرفة السيدة لممارسة طقوس التطهير  ذهب رياض فنجان إلى المقبرة وتأمل الكتابة بالعربية فوق القبر.. حديث نبوي ما أروعك أيها الميت أظنك مسلما ثم ركع ركعتين أمام القبر كان هناك بعض المارة الذين لم تغرهم حركاته شعر بارتياح واستعاذ بالله ثمّ غادر إلى المكتبة العربية التي يملكها مغربي وقد اعتاد أن يبتاع منها بعض أشرطة القرآن والأدعية فوجد المحل مغلقا والزجاج مهشما وهناك بعض السخام على الجدران من الداخل وكدس رماد متناثر على الإسفلت.لقد وعده سي الهبطي أن يوفر له بعض تسجيلات الحصري وبعض الأدعية ،وحين وصل شقّة زاهية وجد جمال عندها.التقط أنفاسه وقال:

من حسن الحظ أني وجدت قبل أيام مجموعة عبد الباسط كنت اتفقت معه على الحصري فوجدت المحل قد احترق.

قال جمال مندهشا:

فعلها ابن الذين ليستلم مبلغ التأمين!

أتظنّ ذلك؟فقالت زاهية مؤكدة:

ولِمَ لا جماعتنا الشرقيون يفعلون كل شئ.

يا أخي إسألني عنهم أنا أعرف الناس بهم سيقول لك إذا التقيته اللهم العن من فعل هذا وفي الحقيقة يسبّ نفسه ليبعد الشبهات عنه!

لقد دفعت له عربونا عن أشرطة الحصري وبعض الافلام العربيّة

عوضك على الله.

وأكّدت زاهية:

المهم أن عندي سورة الحشر ومريم.

هل نباشر فقد بدأ الظلام يهبط!

ألا تشربان شيئا !

أبدا لا ضرورة

أحضرت وعائا عميقا استقر أسفله رماد لباسها الداخلي الذي أحرقته قبل ساعات وضعته على وسط المنضدة المنضدة وذهبت تسدل الستائر القاتمة فتحقق ظلام تام لا يشوبه إلا بعض ملامح من نور ثم أحضرت علبة كبريت  وبعض الشموع فشاع في المكان جوّ شاحب ذكّر جمال بصفرة نور التواليت إذ أغراه بمفاجأة الصفرة القاتمة  حين وجهه للمرّة الأولى  منطبعا على المرآة أسفل المغسلة.وخطت إلى عود بخور مثبت فوق حمالة معدنية على حافة المضدة تساءلت:

لا أظنّ أيّا منكما يعاني من ربو فالبخور ضروري لفَناء السحر.

ولا يهمّك

وقال رياض:

أنا فقط عندي حساسية من الياسمين!

أشعلت العود ففاحت في المكان رائحة ذكيّة اختلطت مع الأنفاس وتراقصت مثل الثعابين في الضوء الشاحب،ثمّ حملت الصندوق ذا الثقوب وفتحت بابه فدفعت الفأرة البيضاء الناصعة كالثلج إلى القاع حيث الرماد فبدت تمرغت ونشوة لا متناهية تمرغرها.. شاع الارتياح على وجه زاهية ونكثت فوق الفأرة والرمل كيس جبن مبشور.. كان الحيوان الصغير يلتهم الجبن المعفّر في الرماد.التفتت إل رفيقيها وقالت:

نحن لسنا مثل هؤلاء البروتستانت زناة لكنّي يمكن أن أفعل فعلا هو خطوة أولى للزنا تحرق مع الفأر القذر سحرة ابنتي،ابتسمت وكشفت عن ساقيها،فغالبت جمال شهوة عارضة توازي لذة الدهشة كلذة سريان قشعريرة في الكتفين من لفحة برد مفاجئة.. .ساقان مثل العاج.. بياض يلمع

مرمر..

مثيرة حقا

جميلة على الرغم من السنوات الطوال.. ربما تظلّ تحتفظ بجمالها إلى الأبد فهذه امرأة تتحدى السحر القادم من أقرب الناس إليها أمّا رياض فقد أخذه خدر لذيذ .في باله فكرة ما على وشك أن تختمر.. النساء يثرنه فيذكر الله.. يتمتم مع نفسه من دون أن تتحرك شفتاه

يخجل..

يستعيذ من الشيطان ولا يقترف المحرمات إلا للضرورة!ف يتوارى في جلال رهيب مع عبد الباسط وسورة مريم..  التي يلمحها على الطالة في شريط داخل المسجل على المنضدة الصغيرة سيبتعد عن الشهوة   يصلي أمام القبر المصلوب تحت اللافتة العربية:

رياض أنت تدلك ساقيّ حين تراني أتمتم ,وجمال أنت امسح على رقبتي!

اقترب منها الاثنان  يدان تلامسان الساقين وأخريان على رقبتها .. خطوة أولى للزنا وكانت يداها تعبثان بالرماد والجبن حتى اصبغتا مثل الفارة بالسواد: زاهويتا  يارب..  اغفر لزاهويتا وشافها.. زاهيوتا عبدتك.. ياوالدة الله تضرعي لزاهويتا.عبدتك التي لا تنساك راحت تتمتم بالعربيّة والآشورية تتمتم وتبكي تتحدث للرب عن صداع لابدّ أن يزول ببركة  أم الإله بكت طويلا وتضرعت طويلا وأربعة أيد تدلك ساقيها ورقبتها وتعلن عن زنا لم يتم..

شريط كامل من أحداث قديمة وحديثة تراقصت في جسدها التي لامسته أربع أياد:جدتها التي كانت في سرب من الهاربين من الهاربين أيام العهد الملكي في الصحراء نحو الحدود السورية أبوها الذي هاجر إلى ديترويت وانقطعت أخباره لابدّ أنه مات زوجها الذي قتل في شجار بالموصل مع مسلحين لصوص.. قصة هربها بابنتها بداية الحرب

إلى سورية فالدنمارك.أصبجت هي القطة التي تقتل،إما أن تقتل فتتحرر من كل دنس يشوب جسدها أو توكل القطة بدلا عنها فتعيش معها..  من حسن حظها أنها أصبحت المفترس بدلا من أن تكون هي الفريسة..

فجأة توقفت عن البكاء ..

هكذا..

فجأة.

جحظت عيناها ووقفتا عن النظر إلا إلى أسفل الوعاء وتشنّج جسدها ليصبح أثقل من كدس حديد فثار الفزع في رفيقيها اللذين توقفا عن الدلك وفي لمح البصر أو أقلّ مدّت أصابعها مثل مصارع عريق وهوت بقبضتها على رأس الفأرة التي صدرت عنها حشرجة،وسال من زاوية فمها خيط دم رفيع فرفست برجليها لحظات وهمدت أنفاسها.عندئذٍ جمعت جسدها المتشنج وجلست على ركبتيها  صلّبت وضمت يديها إلى صدرها :

كانت تلهث.

هل أجلب لك كأس ماء

قال رياض ذلك

كلا اشكرك أنا بخير

الحمد لله

أردف جمال.راحت أنفاسها تهدأ:

حمدا للرب وللعذراء صلبت وقالت:

انتهى السحر أنا على ثقة أن الصداع الجارف يتلاشى من رأسي

إن شاء الله

قال رياض زاهيوتا كلمة جميلة!

ذلك هو اسمي بالآشوري شكرا لكما أيّها العزيزان على مساعدتي

فقال رياض وهو يغمز جمال حاثت إياه على الخروج:

هل نصحب الصندوق معنا لنرمي الفأرة في الأزبال

مادام الأمر يتعلق بي فعلي أن أحمله بنفسي إلى صندوق الأزبال وإلا يمكن أن يبطل كلّ مافعلناه.

وإذ اختفت خطواتهما سارعت الى الوعاء العميق  فالتقطت بخنصرها من أنف الفأر بقايا لقطرة دم اختلطت بالرماد نقرتها على أسفل فكها الأيسر وتسللت مثل القاتل المحترف إلى أسفل العمارة فترمي مخلفات المراسيم المثيرة من جثّة ٍقذرة ورماد في صندوق الأزبال.

كانت ترقد تلك الليلة بنوم عميق هادئ من دون أن تشعر بأيّ صداع!

***

قصي الشيخ عسكر

 

سأنظرُ من أعلى... لهؤلاءِ الحمقى

وأرمي التفاحةَ بين يدَيّ الأعمى

ملمسها... بين الأصابعِ مثيرٌ

استدارتها... انعطافها

انزلاقُ العطرِ فوق إِنحنائها

أعرفُ ذلكَ الشعورَ المنسي

فوق سواترِ الأضلاعِ

رغبةً تستفيقُ بأحشائي

تخرجُ الأفعالُ من جسدي

كالأفعى... تتلوى

بين الهواجس... والشهوة

تصعدُ الى الرأس

تجوبُ مغاليقَ الخيالِ

تزحفُ بين الأحرفِ والنقاطِ

كيف ستوصلني الخطوطُ إلى معنى؟

يتقاطعان... يتصلان

برجال الدين

بالمرابين... بالمقاولين

مندفعين في الشوارع

كجيادٍ مروضةٍ في مضمار التُقى

وملفوفةٍ برداءِ الورع والإيمان

يصهلون... يبتهلون

بالدموع.... بالتنهيدات... بالشتائم

حليقي الرؤوس للتزحلقِ للسلطة

افتح لنا يا إبليسُ جنتَكَ الرحبة

أبدأ بدفع الأموالِ كلُ حزبٍ بحزبه

وابعث لنا من اعوانكَ اسداً نوليه خليفَتَنا

يمتدُ فينا حكمه

يغرسُ مخالبهُ في الابدانِ

ومن بعده يستنزفنا شبله

ينشرُ جنده

جاعَ الأسدُ.... أكلَ طفله

صفقَ إبليسُ لفنه

وقال إني راحلٌ

ما عادَ لي دورٌ هنا

غلبني التلميذُ بظلمه

*

زوجةُ الأعمى تأكلُ التفاحةَ

وتتساءلُ من المنفى حيرى

عن ذلك المجدِ الدموي

الذي كدسَ القتلى

وحفرَ في وجوه الغيدِ

من الدمعِ نهرا

والأجنةُ من قبلِ مجيئها

تشكو اليتمَ

لِـمَ يغضبُ اللهُ من ثمرةٍ قطفناها؟

يا شعوباً اخترعناها

وأوطاناً بنيناها

أي أمنيةٍ فيك أضعنا

وأي أغنيةٍ فيك أَشعنا

لسنا وجودًا إِفتراضيًا

ولسنا بديلاً لأَحد

او كنا علاجاً مؤقتاً

لمشاعرَ كاذبة ْ

تاركةً جنتَها الخالدة

رافضةً ان تسمعَ

كلامَ الله

لتصنعَ الحرية

***

أروى السامرائي

ألِفتُ كلّ شيء

إلاّ الخروج عن المألوف

أتعبني اللف والدوران

عشرين ساعة في الساعة الواحدة

حول نقطة من السراب

روّضتُ أشدً الكلمات عنادا

كي اصنع لوجهي الخالي

من  آثار البراءة

اقنعة بيضاء قد تنفعني في يومي الاسود

حين يطلّ عليّ من زاوية حرجة

في ما تبقى من عمري الافتراضي...

*

قبل ان يرصدني رادار زرقاء اليمامة

على بعد اربع دول انعدمت فيها الرؤية تماما

تعلمتُ الطيران على علوِِ منخفض جداً

بأجنحة من جلود السلاحف المهدّدة بالانقراض

وبشجاعة مجنون غير مُعترف به رسميا

قرّرتُ النظر مباشرة في عين العاصفة

بعينين شرهتين للغاية!

*

بلا ندم

أو تأنيب ضمير...من ضماىر الوصل

بعتُ معظم احلامي المفضّلة

في سوق الجمعة

وتحديدا في شارع بشار بن برد

بثمن الذهب المغشوش

واكتفيتُ بالقليل

من القليل المُباح لأمثالي

ومع ذلك

زاد عن حاجتي !

***

محمد حمد

يابِنْتَ مَرْيَمَ جِئْتُ مُعْتَذِراً فَما

جدوى الجزالةِ والبلاغةِ والبيانْ

*

شيرينُ مزّقْتُ القصائدَ في دَمي

فالشعْرُ يا شيرينُ قد خَسِرَ الرِهانْ

*

هَلْ ظَلَّ عندي ما يضيئُ قريحتي

وَرَصاصَةُ القنّاصِ تهْزأُ من دَمي

وَبِما يجودُ فمي وَقلبي واللسانْ؟

*

فَعَروسُ (سَيِّدَةِ المدائنِ) في العَراءِ ذبيحةٌ

صَلّتْ عليها الريحُ ثمّ النيّرانْ

*

ياأيّها القلمُ المُحفّزُ في يَدي

أشطُبْ قصائدَنا وَقُلْ

عُذْراً لديوانِ العَرَبْ

فَلِمَنْ نبوحُ وَنشتكي

والكُلُّ مُتَّهمٌ مُدانْ

*

ذَبُلتْ دَواوينُ الأُلى قدْ شَرّفونا إنّما

لَمْ نرْتَشِفْ ما عَتّقوا دهراً

بهاتيكَ الدِنانْ

*

هلْ ظلَّ عندي ما أقولُ وأدّعي

ورصاصةُ القنّاصِ تعْزِفُ مَقْتَلي

وَتَصولُ في أوْداجِ راصِدَةِ الحَقيقة ِخِلْسةً

وأنا هُنا أشدو بقافيتي على

وَتَرِ الكَمانْ

*

لاسيفَ للشُعراءِ في حُمّى الوَغى

سَكِرتْ قبائلُنا بِخمْرِ مُلوكِها

وَتَقاعسَ الفُرْسانُ

وإنتحرَ الحِصانْ

أمْستْ قصائدُنا دُمى لِمَليكِنا

شأنَ الجواري والبِطانةِ والقِيانْ

*

مأخوذةً بِمَناقِبِ التاجِ المُرصّعِ

بالخنى وَدَمِ الرَعيِّةِ إِنْ رأتْ

مالا يُطيقُ العَرْشُ أو نَطَقتْ

بِ( لا) للصوْلَجانْ

*

فَإذا بِعَنٌتَرةَ النوازِلِ راقصاً

في بَهْوِ مولاهُ المعلّى

فَوْقَ إنسيٍّ وَجانْ

*

جَعَلوهُ مَسْخاً وإنْتَشىوْا بعُبورِهِ

دورَ النُبوّةِ راضيًا

بِرِسالةِ البهلولِ ثمّ البهلوانْ

بَلَغتْ سُيولُ الزيْفِ

آناءَ الزُبى

فإحذفْ مِنَ الديوانِ زيْفَ مديحِهمْ وحَذارِ أن تنسى زَعيقَ المِهْرجانْ

*

ما بينَ حَيْرةَ مَرْيمَ العذراءَ

في ذاتِ المَكانْ

*

وَدَمِ الشَهيدَةِ، قِصّةٌ لِمَدينةٍ

رَشَفَفتْ دموعَ اللهِ فإرْتجَّ

المَدى خَجَلاً وَجاوَبَهُ الزَمانْ

*

صَدَحتْ نواقيسُ المَدينَةِ

وإنْتَختْ أجراسُها

وَكَنيسةُ المَهْدِ المهيبةُ

أشْعَلَتْ قِنْديلَها

والقُبّةُ الذَهَبيّةُ الألْوانِ

أمْطَرتْ الدموعَ مَعَ الأذانْ

جَزَعاً على صوتِ الكرامةِ

والبراءةِ والفراشةِ

في فراديسِ الجِنانْ

*

بينَ الكنائسِ والمَساجدِ

سَعْيُها كَحمامةٍ

وَهَديلُها تَرْنيمةٌ

حّيّتْ بِها فيروزُ زهْرَ البَيْلَسانْ

*

في ثالثِ الحَرَمينِ هادِلَةٌ وفي

أولى الكنائسِ حيثُ أمطارُ

القِيامةِ يستحي منها الدُخانْ

*

هِيَ مُهْرَةٌ عربيّةٌ وَصَهيلُها

لاينتهي

هيهاتَ ما ذَلّتْ لِشانِئها ولا

ذَلَّ العِنانْ

*

هَلْ ذا دَمي المطلولُ أمْ

دَمُها الذي

أعطى سماءَ اللهِ لونَ الأرْجوانْ

*

لِغروبِها شَفَقٌ كلونِ دِماءها

فِيهِ تُقىً مَنْ روحِ

مَرْيَمَ وإبْنِها والمَعْمَدانْ

*

وَيَشحُّ وَغْدٌ سادِرٌ في غَيّهِ

بِشَهادَةٍ في حَقِّها أو رَحْمَةٍ

فتوى ذليلٍ عِنْدَ طاغيةٍ مُهانْ

*

هُزّي إليكِ حبيبتي

أغصانَ زيتونِ التِلالِ لعلّها

تحمي الرَسولةَ من ثعابينِ (الكِيانْ)

عَتبي على الزيتونِ قصّرَ عندما

لاذتْ بهِ عُصفورةٌ ترجو الشفاعةَ

والأمانْ

*

ماخانَها الزيتونُ أو هابَ العِدا

يوْماً وما عَرِفَ الهزيمةَ والْهَوانْ

*

لكنَّهُ لم ينحَنِ مِنْ فَوْقِ مَنْ

كانت تساقيه الهوى

في كُلِّ آنْ

*

كي لا يقالُ شماتةً

هُزِمتْ عَناوينُ الأصالةِ بعدما

قد أعدمَ القنّاصُ صوتَ العُنْفوانْ

***

مصطفى علي

كانَ يقرأُ من سورِ الشعرِ

يجمعُ من آهاته آهاتٍ

يأخذُ له كسراتٍ لأرقِ الكلامِ

تارةً يتأبطُ قصيدةَ البراءةِ

طوراً يقرأُ اينَ اللهُ

ظننا نحنُ العارفينَ في حكاياتِ الولهِ

ثمَّة جبالٌ تأبى أنْ تكونَ تلالاً

والبحرُ أسمى من النهرِ

والبيدرُ لنَ يعودَ حبةَ قمحٍ

الشمسُ لنْ تتخيلَ انها خيطُ ضوءٍ

قلمُ الشاعرِ ليسَ ممحاةً

إنهُ حمامُ زاجلٍ

أنقى من الوفاءِ

فكيفَ وأنتَ شاعرٌ

تكتبُ وثيقةَ البراءةِ

في هويتكَ الشخصيةِ

الجنسُ /خائنٌ جبانٌ

***

عبدالامير العبادي

 

الحسين بوخرطةأنا عبد الله الفرابي، العربي مسلم الديانة. مسقط رأسي قرية أَمْجادٍ من الأرض العالية المقدسة.

تمددت في يومِ يَقَظةِ الضمير فوق تحفة أريكة خشبية مزخرفة بفنون الأرابيسك وَرَثْتُها عن أجدادي.

حاصرتني سويعات أيامي في معقل غيبوبة غادرة. وجدتني حبيس مكان وزمان التمعن المرهق في انجازات الآخر....

التفت يمينا وشمالا. مددت يدي اليمنى ولامست خشب الأريكة براحة كفي وأصابعي.

انتابني غبن اشتدت حدته جراء ألم فقداني لإحساس الاعتزاز بإبداعات السلف الموؤودة.

طرقت أمي باب غرفتي، دخلت بتنهيدات نفس مقهورة، منفصلة عن جسد متحرك يقوده حنان الأمومة. كلمتني ولم أستجب بِمُخَيِّلَةٍ خارجة عن التغطية. تَفَهَّمَت وضعيات غيبوبتي المتكررة. غمرتني بعطفها وهي تمسد شعري بيدها اليمنى. انتابني شعور خفيف بالإحساس بأدوار كينونتها. ابتسمتُ مسترجعا أحداث مقاومتها لحماية فلذة الأكباد. كم مرة تزينت المسكينة لاستنزاف غضب الأب المغوار. كم أشفقت على أبنائها مستاءة من حجم مواد الحفظ والاستظهار، وطمس مكانة العلوم في مدرسة تنشئة الأجيال. استمرت غيبوبتي وهيامي. استسلمت لمداهمة القنوط والضجر. أفق تفكير غيبوبتي انحصر في بحثي عن جواب يشفي غليل هواجسي النكراء. أصررت على فهم سر الهوة المتفاقمة بين مصير أمتي وتسخير العلوم الصرفة لتلبية حاجيات أبناء موطني...

استمرت غيبوبة تفكيري بجسد مترهل ونفسية مأزومة منبهرة بعلوم الغرب. أنهكني التفكير في سر هاجس تدقيق معالم الهويات وتقنين مساطر الهجرة من الجنوب إلى الشمال.

امتقع وجهي وأنا أتذكر حبيبتي سيرين. استرجعت متعة راحة جنانها عندما تمددت على سرير العصر بحشية الأحلام والآمال في غرفة نومها الخلابة.

فصلتني غيبوبة تفكيري عن واقع حياة الأم والأب والإخوان والأخوات. غرقت لوحدي في فضاء فهم ابتكارات عالم حبيبتي سيرين. عَالَمٌ هَجَرْتُه بتسرع واستعجال بدوافع الاعتزاز بأمجاد الماضي المطموسة.

ولأنني تعودت بغيبوبتي الغوص في عالم افتراضي محسوس، أخذت هذه المرة هاتفي النقال بين يدي. حملقت في حجمه. ركزت على شاشته الرقمية المدمنة للمسات المرهفة الناعمة. استحضرت آفة الانتماء، وغصت في صفحات تراث غامض تنكرت له ابتكارات الغرب. اختنقت أنفاسي عندما لم أعثر عن جواب يفهمني أسرار ما ينبعث من هاتفي النقال من صور وفيديوهات وأحاديث التواصل الآني مع الأصدقاء والأحباب. قلت لنفسي، إياك يا رجل، إنك على حافة الجنون، استفق، اخرج من غيبوبتك، وتحمل واقعك المرير، فأنت لست من محترفي الرياضيات والفيزياء والفلسفة وعلوم الفضاء.

تكرر هذا النداء عدة مرات وبنبرة إلحاح متزايدة الحدة. تكدرت أنفاسي مجددا وأنا أنتقل بمخيلتي من صورة إلى أخرى. أصابني الهلع والارتباك من هول الصورة الأولى، لتتوالى ومضات صور أسلحة الدمار الشامل المتطورة ومآسيها، وتوهمت صواريخَ بسرعة الضوء تلاحق الديار العربية. مرت مخيلتي إلى مشهد سريع وفسيح بأبعاده الفضائية، وتابعت المركبات الأمريكية والصينية بألوف ركابها وهي تلتحق بكوكب مارس. داهمتني صورة ثالثة عكست مسارات الأسفار أرضا وجوا، والسيارات والشاحنات الإلكترونية والكهربائية تجوب العالم، مستثنية البلدان الغارقة في الفوضى والحروب والأوبئة ......

أصابني جوع المعدة، عدت إلى واقعي البائس رغما عني. تلقيت في ساعة واحدة مكالمات هاتفية عديدة من أفراد الأسرة والأصدقاء. إنهم منهكون ولا يتحملون إهمال ومضايقات الإدارة والمستشفى والاستسلام للخنوع وتقبل الأمر الواقع في الوحدات الإنتاجية. المقاولة المواطنة طعم لاستنزاف الطاقات لا أكثر ولا أقل. فعلا إنني على حافة الجنون.... ما العمل؟ ... لم أجد من سبيلِ إنقاذٍ إلا الدخول في هذيان إدمان الخمور الرخيصة إلى أن يغلق ملك الموت باب الهوان. في نشوة عارمة، توهمت سفر روحي إلى عالم أنوار ساطعة، وجسدي الملتف بكفن أبيض مسجى في خندق ترابي عرضه شبر اليد. والإمام يحثو التراب على القبر ثلاثا بعد وضع جثتي بعناية ومهابة، ارتعش خوفا وذهولا ثم صاح بأعلى صوته "الله أكبر". لقد رآني من الشقوق الخشبية متوسدا كتابَ تبشيرٍ كُتِبَت على غلافه الجلدي عبارة "ألباب جنة".

***

الحسين بوخرطة

خَلِيلَيَّ عُوجا بي على بنتِ عاقلٍ

ومَرقدُهــــــــا بالقدسِ سِفرٌ مُنوِّرُ

*

لِشيرينَ في صُحْفِ العَنا ألفُ كِلْمةٍ

وفي صُحُفِ المُحتلِّ سَوطٌ وخِنجَرُ

*

ولا عيبَ فيها غيرَ أنْ كانَ شأنُها

تُذيعُ انتهاكَ الأبرِياءِ وتُخبــــــــرُ

*

وترعَى جريحًا وَهْيَ في حَومةِ الوغى

أشِيرينُ تِلكــــمْ أم مُثنّى وعَنترُ؟

*

لها مُقلَتا طفلٍ وكَفُّ حمامةٍ

وإقدامُ نُعمانٍ وحِبرٌ ودفترُ

*

سَلِي الأرضَ يا شيرينُ تُنبئْكِ أنها

غدًا بالدمِ المسفوحِ تحلو وتُزهِرُ

*

ومَن رامَ غاياتِ المَعالي يُلاقِها

بعَينٍ يراها أو يموتُ فيُذكَرُ

***

المأمون الهلالي

 

هَاجِرُوا بِالدِينِ صَحْـبِي

وَاحْفَظُوا الدِّينَ لِرَبِّي

*

هَاجِرُوا مِنْ كُلِّ سُوءٍ

 لِلتُّقَى فِي كُلِّ جَنْبِ

*

فِي زَمَانٍ قَلَّ فِيهِ

مَنْ سَرَى فِي خَيْرِ دَرْبِ

***

جَهِّزُوا الْخُلْقَ الْقَوِيمَا

وَانْبِذُوا الطَّبْعَ السَّقِيمَا

*

وَتَبَارَوْا فِي اتِّبَاعٍ

لِلْهُدَى انْسَابَ عَظِيمَـا

***

يَا حُمَاةَ الْحَقِّ سِيـرُوا

بَيْنَ أَرْضِ اللَّهِ دُورُوا

*

وَابْعَثُوا مَنْ كَانَ مَـيْتاً

وَظِمَاءَ النَّفْسِ زُورُوا

***

إِنَّ لِلْهِجْرَةِ طَعْماً

 لَيْسَ يَسْــلاَهُ الْكِرَامُ

*

فَاقْطِفُوا مَا لَذَّ وَامْضُوا

 أَنْتُمُ الْقَوْمُ الْعِظَامُ

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي

شاعر وروائي مصري

فتحي مهذبكان يوم يشبه الأيام الأولى في الحرب التي تدور رحاها بين البشر أو بين الحيوانات الضارية في الغابات السحيقة.

عربات الغيوم المتدافعة تكاد تسحق رؤوسنا لفرط دنوها من الأرض. الشمس مختبئة في نفق سماوي كما لو أنها أرنب مذعور يطارده ثعلب تخلى عن وجاره منذ يومين.

الناس يسرعون في اتجاهات شتى

لقضاء حوائجهم.

ضجيج أبواق عربات الإسعاف.

غربان شريرة تتقاتل فوق أعمدة التليغراف.

دخلت أنا وإبني الذي أضاع عقله في كثافة اللامرئي.

في أمكنة مستدقة خارج أطر المحسوسات.

كما لو أنه إبرة في كومة قش.

كان باب مستشفى الأمراض النفسية والعقلية الخشبي يشبه باب قلع مهجورة  لسمكه ومتانته والنتوءات التي تكسو مظهره الخارجي.

-  إبني يردد بنبرة شفيفة : أنا موسيقار عظيم

أنا إبن باخ الألمعي.

-  نعم أنت موهبة عظمى جادت بها السماء مرة واحدة.

ثم شرع يدندن ويضرب صدره بأطراف أصابعه.

فجأة يتوقف.

يطلق عينيه مثل فراشتين مرتبكتين وراء طابور من المجانين ينتظرون دورهم ليلتحقوا بالعيادات الخارجية .

-   جمهوري  هبط من عطارد ليلة أمس.

لقد قلبوا لي ظهر المجن.

أطاحوا بعرشي وشردوا بطانتي.  -  أنظر يا أبي ثمة شبح مسلح يحاول قتلي.

أسد بطول مترين ونصف وبسيقان ستة ورأسين توأمين

يحدق في عيني.

-  تف سأقتلك بلكمة واحدة أيها الجرم القذر.

سأحرر العالم قريبا.

كنا نواصل السير متجهين إلى قسم ابن الجزار حيث سيقضي أياما تحت رعاية طبية مكثفة

في منتصف الطريق اعترض سبيلنا أحد المجانين.

يبدو كما لو أنه هيكل عظمي فر من معتقل نازي.

عيناه لا تنظران إلى العالم الفيزيقي بل إلى ما وراء الأشياء.

يضلع في مشيته كما لو أنه آلة مفككة.

بادرنا بالسؤال.

- هل من سيجارة يا عمي.

- ناولته واحدة.

أشمس وجهه لبرهة ثم إنطفأ.

- هل أنتما ذاهبان إلى القمر

رد إبني متوترا :

- نحن متجهان إلى فرج أمك الكلبة لجز طبقات القطن الكثيفة.

-  قال المجنون بلهجة ساخرة.

- ليس لي أم إطلاقا

- أنا نزلت من السماء مباشرة

-  هانذا في المستشفى منذ أشهر أربعة.

لم أدخر وسعا في البحث

عن العصابة التي إختلست ثروتي الطائلة.

- هل عندكم مسدس؟

- أرجوكم ساعدوني على إدراك الحقيقة.

- لكزه إبني مزمجرا : إليك عنا يا ابن العاهرة .

سمعنا خواره يتداعى خلفنا.

واصلنا الطريق إلى قسم ابن الجزار.

- قلت لابني: ستنعم بإقامة طيبة هنا وتنال حصتك من ثمار الموسيقى العذبة.

ثم تمتمت كما لو أني أمام  محكمة التفتيش أيام القرون الوسطى.

عقلك في حاجة إلى صدمة كهربائية ليتماسك ويقف على قدميه مرة أخرى.

ليعقل أشياءه المجردة.

ويستوي على سوقه.

ثم قلت بنبرة مبحوحة:

-  أنت موسيقار كبير يا إبني.

- شكرا أبي.

لما بلغنا  قسم ابن الجزار إستقبلتنا ممرضة ضخمة مثل جاموس

رحبت بنا ماسكة ملفا طبيا بين يديها

-  قال إبني المختل :

-  أنظر إنها تحمل رضيعا وراء أليتها.

- ليس رضيعا يا عطارد

إنه جزء بارز من إليتها يشبه الحدبة.

وضعت نظاراتها على الطاولة

حدقت في هيئة إبني الملفتة للنظر.

-  قلت: إنه شقيق باخ الأصغر.

موسيقار عظيم في حاجة إلى مكان هادىء ليؤلف ويبدع.

- نعم هذه قاعة أوركسترا.

-  نعم سيبدع كثيرا.

هكذا قالت مشيرة برأسها بأنها استوعبت كلامي.

وفي هذه اللحظة بالذات طوقنا حشد غفير من المرضى.

كل يرغب في الحصول على سيجارة.

وضعت إصبعي في فمي.

كما لو أني أحمل سيجارة فاخرة

ثم توجهت إليهم قائلا :

انتظروا قليلا سأمنح كل واحد منكم سيجارة.

إصطحبت الممرضة إبني إلى سريره الملكي ليبدع ويتخيل ما شاء له ذلك.

وعلى غرة هاجمني أحد المرضى

وكاد يقطع إصبعي ليدخنه بنبالة أحد قياصرة الروس.

سحبت إصبعي بقوة ولذت بالفرار تاركا إبني الموسيقار الفذ في هذا المعتقل المليىء بأشباه البشر.

وغالبا ما ينتابني شعور ممض ومثير للغثيان.

قد يقطعون أصابعه المتجمدة متخيلين أنها سجائر فاخرة هبطت عليهم من السماء السابعة.

 ***

فتحي مهذب

 

سَـلْ مُقلةَ العين، مَـنْ بالصِدقِ وافاهـا

حتـــى تَتـَـوّجَ  بـالإخــلاص مَـرْآهــا

*

أضواؤها مِــنْ شِــغـاف القلبِ آتـيــةٌ

مـَـنْ يَـقـْرَأ العَينَ، يسـتوحي خفاياها

*

ليـــس الـتحبـُـبُ، فــي تزويق أحرفِه

إنّ الأصالـة تســمو، فــي مُـحـيّـاهـا

*

كـلُ الـمحاســن مهمـا  راقَ منظرُها

إنْ سادها الزيـفُ تـدنو مِـن  مناياها

*

مَــــن اسـتعـارَ رِداءً، لا يـدومُ  لــه

وللـحـقـيـقـةِ عيـْـــنٌ، فـــي مُــؤدّاها

*

تــرنـيـمــةٌ بنـقـاءٍ، صاغــهـا ألَــــقٌ

تُـعــزِزُ الــوِدَّ،  فـــي أسـمى نواياهـا

*

اذا النصوصُ  تسامَـتْ، فـي بلاغـتِها

بـفضل موْهِبـةٍ، قــد لامَــسَـتْ فـاهـا:

*

يزْهـو النــشـيدُ بهـا، فخرا بما وُهِـبَـتْ

زهْـوَ القـلــوبِ، بِـحُــبٍ قــد تــمَـنّـاها

*

إنّ انســجامَ المعاني فــي صيـاغـتهـا

مثــلُ الـقِـلادةِ  رصْـفُ الدّر سَــمّاهـا

*

مهما الـرّيـاءُ  تـحَـلّى فــي  ذوائــبـِـه

فَـعـقـدَة النـقصِ تُـبـدي سِـرَّ مَـرْضاها

*

والصمْتُ إنْ لم يكن عن حُسْنِ مَعرفةٍ

يُعطي مفاهـيمَ سَـلْـبٍ، فـي مَـرايـاهـا

*

يا مُـنـشِـدا  في عفاف الوصْلِ  قافــيةً

اعزف لهـا  لحْنَ تـخلـيـدٍ  لِـفحْـواهـا

*

واكتبْ سطوراً بمضمونٍ، تقولُ بـه:

حِـفـظُ العُهـودِ، نَـقـاءٌ  فــي ثـنـاياهـا

*

مــا كــلُ مَــنْ زوَّقَ الجلبابَ يـؤنسـه

فـفـي البواطِـن مـا تُخـفـيــه عُـقـباهـا

*

إن التـحايـا، إذا جــاد اللـسـانُ  بـهــا

مِـن مُعجم الحُبِ، صار القلبُ مأواهـا

*

فـإنْ تَـعَـطَّـلَ  فـــيها النطقُ، مُنْبَـهِــرا

تـَوَلّـتْ الـكّـفُ  رَدّاً، فـــي تَحـايـاهــا

*

يــا مَــنْ يـرومُ دوامــا، فــي تواصله

فَــعِـفّـــةُ النـفـــس للآمــال تـرعـاهـــا

*

إنَّ الغـصــونَ اذا غَـنّـتْ حَــمـائِـمُهــا

والأيْـكُ فــي عِــزّهِ ، طـابـَتْ بِمَغْناها

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبدالنبي البلداوي

عدت بعد الثمانين

وحدك كما كنت

ذات صباح ضبابي

تلملم شعث نهار بهي

جدائل شمس هنا وهناك

وما قد تساقط في السير سهوا

فاضمم لصدرك برفق الحبيب

بتلات زهر ذوت

وزهو الربيع

وجمر حنين تلظى

وبقايا رنات ضحكات وبكاء

وهمس صدى بلا كلمات

فها هي أجراسك رجع  أنين

فدع خيلك التائهات، يجرجرن أوزار عمر زهيد

هناك على طول أوحال دروب المنافي

تناثر حلم على جانبيه وئيد

هنا كان لك بالأمس عنوان بيت عتيد

فصار المكان قصي بعيد

وشاخت حروف اسمك في الحلم قبلك

وهناك الزمان حين إعتراه رجيف المسافات

تباطئ بعدك وأغْفَى

*

وإمحت من الخرائط بيض الخطوط

وتصالبت الإتجاهات ،عكس مهاب الريح

وإختفى في التقاويم شوق إنتظار المواسم

فلا الحب أمسى يوحي اليك بشئ عجيب

ولا الظل يمشي الهويني، حذوك لجدار قريب

فدع عنك التأسي لهذر الحياة

ومني نفسك بإقتراب الرحيل

ستمحو بلا أسف يداك، إنثيال الدموع

على خد تلويحة الوداع الاخير

***

صالح البياتي

خيوطٌ كثيرةٌ تمتدّ

ما بيننا وبينَ الآخرين

بعضُها قويٌّ وسميكٌ

قد يتحوّلُ في لحظةٍ ما

إلى أنشوطةٍ

تلتفّ حولَ أعناقنِا

وبعضُها نحرصُ أن نُبقيَهُ

واهناً

لكي تتأرجحَ  فيه

العناكب

*

أرأيتِ جُرماً ينفلتُ

من مدارِهِ فيضيعُ بلا أثر؟

ذلكَ أنا

حينَ ترحلينَ

وتتركينَ سمائيَ جرداءَ

بلا قمر

*

كما في كلِّ صُبحٍ

تسيرُ الأمورُ

على جانبيّ الطريقِ

وفقَ نسَقِها اليوميّ المعتاد

لا شيءَ جديد

بيدَ أنّ لدى الرصيفِ

ما يُقلِقُهُ ويستنفرُ وجودَهُ

فقد أزِفَ الوقتُ

الذي سيتحوّلُ فيهِ

إلى آلةِ بيانو

تعزفُ عليهِ

خطاكِ

***

أحمد الحلي

شميسة غربيالضَّجيجُ مُتصاعِد.. أطلَّ من الشرفة؛ بعد أن وضع كوب ماء بارد على الطاولة العريضة أمامه. كانت الأصواتُ تتعالى.. نساء، رجال.. فوضى عظيمة أرْبكت المارّين، فتوقّفوا عن ُمتابَعَة سَيْرِهِمْ.. إمّا للفُرْجة.. وإمّا نُشْداناً لِسمَاعِ حِكايَة جديدة من حِكايات شارع الغضب.. حِكاية جدِيدَة سيتجاذَبُ أطرَافَها جُلّاسُ المقْهى هذا المساء.. قدْ يُحلّلونها.. يؤوّلونها.. قد يصطنعون منها جلسة إشهارية، تصطدم فيها الآراء، وتتعرى من خلالها القناعات.. حرب الكلام.. من أجل الكلام.. وما أكثر الكلام؛ في انتظار واقعة جديدة؛ ينشغل بها رُوّادُ هذا المقْهَى..!

إمتلأ الشارع، تعالتِ الاحتجاجات.. أبْصَرَ أيادٍ تُلوِّحُ في الهواء بملفّات.. رأى أرْجُلاً ترفُسُ أكواما من الورق.. سقطتْ امرأة، تحَلّقَ حوْلها ثُلّة منَ المارّة، بيْنما تابعَ المُحْتَجّون صُراخَهم وتلْوِيحاتِهم في احْتقانٍ شديد..

الفُضول؛ يُحمّسُ "يوسف" فيُهرْوِل إلى حيْث الحِكاية الدّسِمة..! ينْزِلُ إلى الشارِع مُسْتَطْلِعا..

حِبالُ الوهْم..

شرِكةٌ وَهْميةٌ للبِناء؛ آلتْ على نفْسها إلا أنْ تُبْدِع في اجْترار الوهْم لِسنوات.. صاحبُها نهَبَ ما استطاع.. ثمّ اختفى فيِ لمْح البصَر.. نهَبَ المال والأعْمار والأحْلام..دقَّ عَظمَ البائس، شرب دم الكادح، استلذّ عرق الأعوام، نثر إبَرَ اليأس في عنق الانتظار..

حرموا أنفسهم من أشياء وأشياء..علّلوا هذا الحرمان بضوء الأمل حين يعزف سمفونية: الغد سيكون أجمل.. سيمتلكون سكنات؛ تعفيهم ضنك الكراء، تمسح هموم البحث عن مأوى بديل حين يضطرّهم المالِك إلى ضرورة الإخلاء بِذرائعَ؛ يكون أولها: المالك يحتاج البيت لتزويج أحد ابنائه.. آخرها المالك يطالب برفع التسعيرة.. وقد تظهر ذريعة من نوع آخر.. ذريعة قانونية حين يعزم الورثة على تصفية الميراث..

هكذا تمضي سنين البُسطاء.. قتال من أجل العيش.. قتال مع النفس التي لم تعدْ تؤمن بمواعظ الفرَج..! مساحة الصُّدور تضيق.. تعالى الصراخ، طوّقت الشرطة المكان، اقترحت على المتظاهرين اللجوء إلى محكمة المدينة..

عاد "يوسف" إلى شقته في العمارة المُطلّة على الشارع الطويل؛ كان يُحدّثُ نفسه: " ِلمَ لا أدافع عن هؤلاء..؟" حزّ في نفسه أنّهُ مُتوسِّط الخِبْرة.. ومع ذلك فكّر في القضية.

وهو يُحضّرُ بِدلته، يطويها بعناية، يضعها داخل جيْبٍ كبير في حقيبته الجلدية ذات اللون البني الغامق؛ بينما في الجيب الآخر؛ تكدّستْ ملفاتٌ ومطوياتٌ ورسائل وقصاصات قديمة؛ كلما عزم على التخلُّص منها؛ انتابهُ ما انْتابَ "المتنبّي" يوم قال:

خُلِقْتُ ألُوفا؛ لو رَجعْتُ إلى الصّبا **** لَفارقْتُ شَيْبي مُوجَعَ القلبِ بَاِكيا!

غافلتْهُ يدهُ؛ فاندسّتْ وسط الفوضى الورقية، وبدون أيِّ انتقاء؛ سحبتْ أصابعُهُ الطويلة ورقة متآكلة، شابها اصفرار القِدَم، ورقة تطرح تفاصيل اللحظة الهاربة من قاموس زمنٍ ولّى..

حين تَقاذَفتْهُ السُّطور..

قرّبَها منْ عيْنيْه، حاول أن يقرأ.. تراجع إلى الوراء؛ حيث الكرسي الخشبي العتيق، جلس برفق وكأنّه يخشى على الكرسي ِمنْ أنْ تتخلْخلَ أثرِيتُه..! بين السّطر والسّطر؛ عاش ضجيج المحطات.. هزّهُ مخاض الذاكرة، نسيَ يومه، غاب رَاهِنُه؛ وغاص في مرارة أمْسِه.. عوالمُ طفولته؛ تنْبعِث من جديد؛ في لحظة انصياعٍ لمِطرقة الأزْمِنة الحَالِكة.. يترك العنان لنفسه؛ فيستيقظ بداخِلِهِ ذلك الطفلُ الضّعِيف؛ حين دفع ثمن يُتْمه وقلة حيلته في بيت زوْجة خاله.. ضرْبٌ وتجْويعٌ، وَعِيدٌ وَتعْنِيف، اتِّهامٌ بالتّمرّد على سيِّدة البيْت.. ذاك؛ هو مُلخّصُ طفولته. كان الخال كثير الغياب عن الدّار بسبب طبيعة عمله، فهو يشتغل في أحد المناجم البعيدة عن البلدة، نظامها يعتمد المناوبة: ثلاثة أشهر عمل؛ مقابل شهر راحة. الثلاثة أشهر تكفي لِتبَعْثُرِ هذا الكائن الصّغير بين شظايا اللسان السليط والوجه المُكْفَهِر والصّفْعَة الطائشة وهي تسْتقرّ على الخدّ النّدِي بدمْع العيْن المُنْهمِر.. بحلول شهْر الرّاحة؛ يُصْبحُ الخال هو الفيْء الذي سيحْمي هذا الصغير منْ سَعيرِ المرْأة الحاقدة.. يتعجّبُ الطفل من الطقوس الجديدة.. "كُلثوم" تُصبح امرأة أخرى.. كلام معسول، حنان كبير، كرمٌ باذخ..! وتمضي السنوات.. لا الطفل يحكي للخال، ولا الخال يعلم خساسة الطبع لدى امرأة؛ ائتمَنَها على قطعةٍ مِنْ أخْتِه.

في إحدى فترات غياب الخال "اسماعيل"؛ أصيب الطفل بحُمّى شديدة؛ ناولتْهُ "كُلثوم" الأدوية الموجودة في البيت، ولم تُحمِّلْ نفسَها ضرورة نقله إلى الفحص الطبي أو حتى مجرّد استشارة جارتها الممرّضة في الطابق العُلوِي. ظلّ الطفلُ قرَابة أسْبوع بيْن سِياط الحُمّى وجحيم "كلثوم"؛ يهذي بِاسْمِ خاله؛ إلى أن وقعتْ بالحيّ جريمة؛ سلبتْ حياة فتاة في قضية شرف.. "عمّار" يقتل أخته بعد أنِ اكتشف علاقتها ببائع مخدّرات.. لمْ يُصدّق في بداية الأمر ما تناهى إلى سمعه من هنا وهناك.. فقررَ مُرَاقبتَها حتّى ضبطها وهي تهمُّ بالدخول إلى وَكْرِ رَفيقها.. يتحامل الصغير على نفسه؛ وقد اختلطت الأصوات عليه؛ صفارات الشرطة، عويل وصراخ، يقصد النافذة مُتثاقِلاً، ومن الزجاج يلتقط المشاهد.. "عمّار" تحيط به الشرطة بعد أن أخرجتْه من البيت وهو مثل الثور الهائج، يتوعّد مَن كان السبب في ضياع أخته.. أمُّهُ تصْرُخ وراءَه، تضْرِب على فخذيْها وتضْرِب على رأسِها في حالة من الهِسْتيريا.. الشرطة تُبْعِدها عنِ الجَاني، نساءُ الحيّ تُحاوِلنَ تهْدِئتَها وإعَادتَها إلى الدّار.. تسقط مغشيا عليها، تبتعد سيارات الشرطة، تتحلّق الجموع في شكل دوائر متفاوتة؛ الشيوخُ وغضبُهم على هذا الجيل.. الشبابُ وهُمُومُهمُ.. الأطفالُ وغيابُ الاسْتيعابِ لديْهم.. الحيُّ غارقٌ في الدهشات.. صمتٌ قصير يعقبه ضجيج جديد.. صوت سيارة الإسعاف يصمُّ الآذان..تُنْقَل الأمّ إلى المستشفى، تُرَافِقُها أخْتُها الساكنة بِالجِوار..

يشهق الصغير وهو يرى "عمّار" صديق خاله؛ يُرْمى به داخل سيارة كبيرة للشرطة.. كم كان هذا الرجل يعطف عليه في غياب خاله.. كان حين يُصادفه في الحيّ وهو ذاهب إلى المدرسة أو عائد منها؛ يشتري له الحلوى أو فطيرة يلُفُّها بعناية في قطعة من الورق، يتهلّل وجْه الطفل، يأخذها بامْتنان.. قدْ يضعها في محفظته، وقدْ يأكلها وهو يتابع طريقه..

"عمّار" هذا الإنسان الطّيّب؛ المُبْتلى اليوم، كان يعلم قصة الطفل "يوسف".. وكيف جاء إلى الحياة في ظرفٍ؛ قد يكون أحلكَ وَأشدّ عُسْراً من ظرف اليوْم، ظرف الجريمة.. ففي إحدى الليالي الدامية من سنوات الدم المهراق؛ هجمت جماعة من أشرار التسعينات على أهل البلدة الهادئة؛ قتلتْ، خرّبتْ، نهبتْ قطعان الماشية، ثمّ اختطفتْ أرْبع فتيات؛ كان مِنْ بيْنِهِنّ ابْنة "الحاج عيسى" أكبر مَوّالٍ في البلدة..

الوليمة..

عاشت "جميلة" كل أنواع الإذلال.. استعطفتْ زعيمهمْ..بكتْ.. صرختْ.. ناشدتهم أن يقتلوها لتستريح.. أصابتْها بحّة؛ انتهت بفقدها الصوت لِمُدّةٍ طوِيلة .. كانت تتبادل النظرات مع باقي المُختطفات ولسانُ الحال يقول: "إلى متى.. إلى متى ؟"

في أحد الأيام صدر الأمر من زعيم الأشرار؛ بضرورة تحضير وليمةٍ مُعْتبرةٍ على شرَف المُنْتمِين الجُدُد. تمَّ إعْلامُ المُخْتطفات بأنّهنّ المسؤولات عن القيام بواجب الضيافة، إعداد الأكل بكميات كبيرة، تجْهيزُ أباريقِ الشّاي، تنْظيفُ أماكن المبيت.. أذْعَنَّ مُجْبَرَات. أتتْ مركبة كبيرة مُحَمّلة بكمياتٍ كبيرة من اللحُوم وشتّى أنْواع الخُضر والفوَاكه والمشروبات وكل لوازم الوليمة.. تقدم أحد الرجال المُلثمين وهو يجر الأكياس إلى المطبخ المُفْترَض.. صُعِق وهو يرى أمامه "جميلة" بنت "الحاج عيسى" ..نظر إليْها ملياً، ألْقَى السّلام؛ اكتفتْ بهزّ رأسها وراحتْ تُنادي الأخْريات للبدْءِ في العمل. غادر المكان وهو يتَعَثّر.. تصبّبَ عرقه، أحسّ بدوار، ارْتمى تحْت ظلّ شجرة، يُقاوِم حتّى لا يفْقدَ وَعْيه.. نزع اللثام عن وجهه وتنهّد بحرقة لا يعلمها إلا صدره..! كيف وصلتْ "جميلة" إلى هنا..؟ زميلته أيام الدراسة بين يديْ هؤلاء..!؟ يا ألله، يا ألله.. أعاد قطعة القماش السوداء على وجهه وتابع بعيْنيْه طيْفاً بعيداً زارَ مُخيّلته.. كان و"جميلة" هذه؛ من المُتفوِّقين في الدّراسة، عُرف كلاهما بالذاكرة القوية والبديهة الحاضرة.. اختلفت ظروفهما فيما بعد، حيث تابعت الصبية دراستها بينما انقطع هُوَ لأسْبابٍ قاهرة ومع ذلك؛ كثيرا ما كان يتصادفان في الأماكن العامة، يتبادلان التحية، وينصرف كل واحد منهما لشأنه؛ وقد أشرقتْ شمس اللقاء في قلبَيْهما الصغيرين، البريئيْن؛ فتهلّلتِ الملامِح، وَانْتَشَتِ الخطوات وأصْبحَ لِلّحْظة مَعْنى؛ لا يفْهَمُهُ سِواهُما..

ها هو اليوم يُصادفها في مكان غير المكان.. لم تتعرّفْ عليْهِ بسبب القناع على وجْهِه، ورُبّما بِسبَبِ يأسِها منْ كُلِّ شيْء.. بدأ يفكر في كيفية التواصل معها، حاول أن يعود إلى حيث وضع لوازم الوليمة؛ غير أن صوْتا خِشناً؛ ناداه، طالباً منه الالتحاق ببقية الرجال للاستماع إلى التعاليم الجديدة.. حَضَرَ معهم بالجسَد فقط، أما الفكر فكان مُشتَّتاً؛ يبحث عن مَرْسى ترسو فيها أحاسيسه.. اكتنفتْه حيرة شديدة، تحوّلتْ إلى ألمٍ عميق يشُقُّ الصّدر.. عندما انتهى الاجتماع؛ عاد إلى مكانه تحْتَ الشّجَرَة حيث يمكنه أن يُرَاقب المكان ولو من بعيد. بعد يوميْن يغيب الزعيم في مهمة لا يعلمها سوى مَنْ ذهب معَه.. يظلّ "هارون" في المنطقة؛ ومعه بضعة رجال يحرسون المكان والحريم.. تُوَاتيهِ الفُرْصة؛ وهو يحمل دِلاء الماء إلى مكان الطبخ، يراها.. يتشجّع.. يسألها إنْ كنَّ يحْتجْن شيْئاً.. تُجِيبُ نفْياً بحركة من يدها. قبل أن تتراجع إلى الوراء؛ إلى حيثُ النّسْوةُ مُنْشِغلات بغسْلِ المَلابِس؛ يفاجئها بالسُّؤال.. ألستِ "جميلة" بنت "الحاج عيسى"..؟! تتسمّرُ في مكانها.. تُغاِلبُ نفسها وهي تلتفِتُ نحْوَه.. تنْظرُ إليْه مَلِياً، يسْتغِلُّ "هارون" اللحظة المُناسِبة، ينْزَعُ قِطعَة القُماش عن وَجْهه.. تُحوّلُها الصّدْمة إلى صَنَم..! تتدفّقُ الكلِماتُ مُخْترِقة توَقّفَ الزّمَن حين تتسارع الأقدار في حبكة المجهول.. يعِدُها بِتخْليصِها، يشدُّ على ذراعها بكل قوة وكأنّهُ يقول لها: "ثقي بي..فقط؛ ثقي بي.." شيْئا فشيْئا؛ تعود "جميلة" إلى إحْساسِها بمَنْ حوْلها.. تشعر بالضيْق، يسيلُ دمْعُها، تُسارع إلى تجْفيفِ خدِّها بِكُمِّ لباسِهَا.. يتَعَاهَدان..

عندما تكون الخاصرة.. هشّة..

في الليلة الموعودة وهما يهربان؛ بعد أن سمع الجميعُ بسفرية الزّعيم المُبَاغِتة؛ فاجأته "جميلة"؛ "لماذا ورّطتَ نفسك مع هؤلاء؟!" وظلتْ تنتظرُ الجواب..يَحْمِلُها صمْتُه على التّوقّف في مُنْتصَف الطريق، تُخيِّرُهُ بيْنَ أن يُعْطيها الجواب، أوْ تعود أدْرَاجها.. الطريق طويل، الليل طويل، الحكاية أطول..

كان زوج أمه يغتصبه كلما سنحت له الفرصة.. يُهدّده بقتل أمّه إن وصل الخبر إليْها..لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بلْ أصبح يُتاجر بالفتى؛ فيأخذه إلى أوْكار الِانْحِراف، يُسَلّمُهُ ويسْتلمُ ما يمْلأ به جُيوبَه.. يوم تزوّجتْ أمه من هذا البائس؛ بعد غرق والد الطفل مع مجموعة من المُغامرين؛ ظنّتْ أنها فعلتْ خيراً..فترْبِيَةُ الولد في نظرها تحتاج إلى رَجُلٍ في البيت؛ اعتقدتْ أنّهُ سيكونُ السّند وَقتَ الحاجة..!

"هارون" يحكي قصته؛ وعيناه تتَّقِدانِ نارًا.. "جميلة" تتألمُ في صمْت، ثمّ لا تلبث أنْ تسأله ثانيةً عن سبب تواجده مع هذه الجماعة، وكأنها لا تقتنع بهذا التبرير..! بِفِكْرٍ شارِد وملامح قاتمة؛ يروي "هارون" خَلاصَهُ الأخير. سنواتُ القذارَة طالتْ.. ومَعها كبُرَ الطفلُ وأصبح قادراً على التّصرّف.. ذاتَ ليلة؛ بينما كانا عائديْن من وَكْرٍ للرّذيلة؛ تظاهر الفتى بأنّهُ مُصابٌ بصُداعٍ شديد؛ يكادُ يُفجِّر رأسه، توقف عن المَشْي، غير أنّ زوْج أمّه لمْ يأبهْ له، فتابع سيْرهُ دون أن يلتفت؛ آمِراً إياهُ أنْ يُواصل الطريق بدلاً من الشكوى.. الظلامُ دامِس، الأرضُ كلها حُفر وحِجارة، نُباحُ كِلابٍ بَعيدة؛ يخْترقُ الصَّمْت الرّهيب، يتعثّرُ "هارون" في حجر كبير؛ يسقط.. وقبل أن يقوم؛ تمتدّ يده إلى ذلك الحجر؛ يتفحّصه، يحمله بين يديْه بمعاناة.. يُراقبُ الماشي أمامه: إنه غارِقٌ في مُكالمَة هاتفية.. لعلّها مُساوَمَاتُ الرّذيلة..! يرفع الفتى الحجر ويضرب رأس الرّجل.. يتهاوى الجسد على الارض.. يستغلّ "هارون" الوَضْع؛ ويسارع إلى المزيد من الضربات في هستيريا شديدة، تنْتهِي بِانْزِوَائِهِ في رُكْن والتفرج على منظر الدّم الذي رشّ كلّ ثيابه..

يقرر عدم العودة إلى أمّه، يهْرُب إلى حيث تحْتضِنُه ضوَاحِي المَدينة بضْعة أشْهُر.. ومِنَ الضواحي سيلتقِطهُ الزّعيم الذي كان في مهمَّة استكشافية للمنْطقة بُغْية الإغارة.. يعِدُهُ بالحياة الكريمة مُقابل الطاعة. يدخل الفتى عالَما جديداً، لا يفهم شيْئا منه.. يرى التعذيب والتقتيل، يسمع الصراخ والأنين، يرى الذخيرة، يُقلّبُ عيْنيْه في الأجْهزة المُكدّسة.. لا يسأل ولا يهمّهُ الجواَب..المهمّ أنّهُ عثر على المَلاذ.. وَيَا لَهُ مِنْ مَلاذ..! بسببِ انْتمَائِه الحديث، ونظراً لِسِنّهِ؛ يُكلَّفُ في البداية بأبْسَطِ الأشْغال.. تنْظيف، ترتيب المكان، المساعدة في توزيع الشاي والأكل على الوَافِدين بيْن الفينة والأخرى. مع مرور الزمن؛ واشتداد العُود؛ يُعْهَدُ إليْه بمسؤولية إفْرَاغ عربة التّمْوين بعد أن يأتي بها السّائق إلى حيث يختبئون.

كانت "جميلة" تتأمله بحسرة عميقة وهو يعرض عِلّة تواجُده بيْن هؤلاء..تزفر زفرة حارّة وهي تضع يدها على بطنها البارز قليلا..! ينْتبهُ إلى حركتها، يجْتاحُه غضب الكوْن كلّه.. كيف لم ينتبه إلى حال الفتاة منذ البداية..؟ يتحول غضبه إلى كرْبٍ شديد..تُدْرِك ما يجولُ بخاطره، تهمس والألم يفتك بها: "كلُّ اللواتي اُخْتطِفن مثلي؛ يحملن في ُبطونِهنّ خِزْيَ العُمْر.." حينها فقط؛ يُصْبِحُ الصَّمْت أفْصَح الكَلام..!

يواصلان الفرار؛ وعندما يقتربان من مشارف البلدة، تستخرج "جميلة" من جيْب لباسِها نظارات سوداء سميكة؛ كانت قد أخَذتْها من خيْمة الزّعيم؛ عندما خطّطتْ للهرب مع "هارون".. تُقدِّمُها له حتى يُخْفيَ وجهه.. يتردّد في البداية، ثمّ يذعنُ أمام إلحاحها عليه. يضعها على عيْنيْه فإذا بها تغطي نصف وجهه. تلفّ خمارها على نصف وجهها ويتابعان الطريق.. تخطر له فكرة.. يقترح عليها ألا تذهب إلى بيت والدها، فقد يكون البيت مُراقَباً من خُدّام الزّعيم الغائب.. يسألها عن أقاربها البعيدين عن الناحية، تبتهج للفكرة، تدلّه على بيْت جدّتِها "الحاجّة يمينة" في النَّاحِية الشرْقية.

لِلّـــقـــاءِ عاصفة..

لم يكن من السهل؛ أن تُصدّق الجدة أنّ حفيدتها أمامها؛ وهي التي كادت أن تُشلّ يوم سماعها بالواقعة.. فقد دخلتِ المُسْتشفى لأيامٍ عديدة، ومازالتِ الصَّدْمة تنْخرُ قلبها، ولا تملك سوى الدّعاء.. بكت "جميلة".. بكت الجدّة..بكى "هارون" .. تتصل الجدة بابنها "الحاج عيسى" بواسطة الهاتف، تخبره بأنها مريضة، وبأنها بحاجة إليه.. في أقلّ من ساعة يصل "الحاج عيسى" ومعه ابنه؛ الأخ الأكبر لجميلة. غرابة المفاجآت، قد تُحوِّلُ الدهشة إلى فُقْدانٍ لِلتّوازُن.. يسْقط "الحاج عيسى" مَغْشِياً عليْه.. ينْهارُ "إسماعيل" عند قدَمَيْ أخْتِه الشّاحِبة شحوبَ الأمْوات.. تطلبُ الجدّةُ مِنْ "هارون" أنْ يأتي بِقارُورَةِ ماءٍ وهي تشيرُ إلى المطبخ، يُهرْوِل، يُناوِلُهَا القارُورَة، تبْدأ بِرَشّ الماءِ على وَجْهَيْ الرّجُليْن.. شيئاً فشيئاً؛ يعودان إلى طبيعتهما.. يسأل "إسماعيل" الجدّةَ عن هذا الرّجُل الغرِيب في الدّار، تتدَخّلُ "جميلة".. ترْوي التّفاصِيل..

تطولُ الجَلسَة، تسيلُ الدُّموع، تخْتنِقُ الصّدور، ومع تفْويضِ الأمْرِ إلى الله؛ يتفقون على أن تظلّ "جميلة" في بيْت جدّتها حتى تضع حملها. يستأذن "هارون" أصحاب البيْت للمُغادَرَة.. يوقفه "الحاج عيسى"، يطلب منه البقاء ولو إلى حين.. يشكره "إسماعيل" على هذا المعروف، ويعِدُهُ بأنْ يجِدَ له حلّا.. بكلامِ الوَاثقِ منْ نفْسِه، وبِتَصْميمِ القلب المكسور؛ يُفاجِئهم بأنّه سَيُسلّمُ نفْسَهُ للعَدالة.. تشهق "جميلة"، ترتعد فرائصها، تحاولُ أنْ تمْنعَه، يُذكّرُها بأنه لنْ ينجوَ من ملاحقة الزعيم وأتباعه.. يطلب من "الحاج عيسى" وابنه "إسماعيل"؛ مرافقته إلى حيْث يجب أن يكون.. تُهوّنُ الجدّة على الحفيدة: لا تخافي، سيجد من يُدافع عنه.. قتْلُهُ لِزوْجِ أمّه؛ كان بسبب قذارَة هذا الزّوْج ووحْشِيته.. هرُوبُه إلى القتلة والعيْش في كنفهمْ؛ كان بسبب خوْفه منَ المُلاحَقة القانونية وبسبب خوْفه على مشاعر أمّه؛ حين تصْدمُه بالسُّؤال: "لماذا قتلْته.. لماذا قتلْته..؟! "

يُغادِر، وعيْناهُ لا تُغادِرَان "جميلة".. تتبعُهُ حتّى الباب، تطلب منه استعمال النظارات الكبيرة ريثما يصل إلى مركز الشرطة، وتُسلّمه قبّعة تقليدية رجالية ملفوفة بشرائط من الدّوم، ثمّ تهْمِس: "سأنْتظرُك.." ينْصحُها والدها بمُلازَمَة جدّتها وبعَدَم فتْحِ الباب لِأيٍّ كان؛ حتى يعود و"إسماعيل" من قسْم الشرطة.

تنْقضِي شهور الحمْل، يبْدأ المخاض، تتعسّرُ الوِلادة.. بعد مُعاناةٍ شديدة؛ تضعُ "جميلة" مولودَها في بيْت جدّتها على يد إحْدى القابلات، تسمع صراخه وهو يسْتنشقُ نسائم الحياة، بينما هي تستقبل نسائم الرحيل.. تموت "جميلة" ويعيش "يوسف".. محامي اليوم؛ الذي ربّاهُ خالهُ "إسماعيل" وقهَرتْهُ زوْجة الخال؛ ولم تهدأ حتى سلّمتْه لأسرةٍ؛ ترغب في تبنّي صبِي أو صبِية.. حدث ذلك؛ بعد تعرّض الخال لحادثٍ في المنْجم، أصابَهُ بشللٍ نِصْفي.. غادر الطفلُ البيْت وهو يجْهَش بالبُكاء.. لا "الحاج عيسى" ولا "يمينة"؛ جدّة "جميلة" باقيانِ على قيْد الحيَاة.. أمُّ الرّاحلة "جميلة" كانت قد فقدتْ عقلها يوْم أخذوا ابْنتها، وهي تقضي بقية عمرِها في مصحّة عقلية..

عاش "يوسف" بين أحْضان أسْرَة مثالية.. منَحَتْه الحُبّ في أجْملِ صُورِه.. سهروا عند مرضه، تألموا وهو يهذي بِاسْم خاله، ألحقوه بالمدارس الخاصّة، دعّموهُ بمُدرِّسين في البيْت، احتفلوا بأعياد ميلاده، عوَّضُوا كلّ الذي ضاعَ منْه.. كانت سعادته تكْتمِل عنْدما يأخذونه لرؤية "إسماعيل".. يُعانق خاله بحرارة، تسيل دموع كليْهما، يهمس في أذنه: "سأعود.. لنْ أنقطِعَ عنْ زيارتك.."

يدْخلُ الجَامعَة.. يختار شعبة الحقوق، يتفوّق على زُمَلائه، فنَتائِجُهُ طيلة سنواتِ الدِّرَاسة؛ كانت مُمْتازة؛ أسْعَدَتْ العائلة التي تبنّتْه، وأسْعدتْ أساتِذته؛ حتى أنّهُمْ حينَ تخرُّجِه؛ أقاموا له حفلاً بهيجاً في نَادِي الكلية.. بينما كانتْ هدية الأسرة؛ عبارة عن محل من المحلات المُغْلقة التي تمتلكها هذه العائلة الكريمة، يستعمله مكتباً للعمل..

تتقدّمُ الأيام.. تتلاحق الشهور.. يخوضُ "يوسف" غِمارَ المحاكِم، يعمل ليل نهار، يربح قضايا ويخسر أخرى.. يموت خاله "إسماعيل".. يشعر بفراغ كبير؛ يعْقبُهُ حُزْن طويل وهو الذي كان يأمل في أن يعْرِف نسبه يوماً..؟ فوَثائِقُ ميلاده؛ تُبيّنُ أنّهُ مَجْهول النَّسب؛ ولكنه يَخْجَل من مُفاتَحَةِ خاله في هذا الأمر، ويَكتفى بالتمنّي علّهُ يتوصّل يوما إلى معلومة تعفيه حرج السؤال..

يبْحث عنْ "عمّار" صديق خاله في سجلات المحْكمة؛ لَعَلّهُ يرَاه، لعلهُ يستطيعُ الدِّفاع عنْه، يعْلم أنَّه توُفِي في السِّجْن بعد تعرُّضِه لجَلطة دِمَاغية. مات "عمّار" قبل انتهاء فترَة حبْسه، وماتَ سرُّ "يوسف" مَعَه..

أعَادَ القُصاصة داخِلَ المِحفظة الجلدية وهو يُحدِّث نفْسَه: "آه.. تأخرْتُ عن اللحاق بالمحكمة.." يُهرول؛ وكله تصميم على الدفاع عن أولئك المُحْتجّين، يقوم بالإجراءات المطلوبة ثم يبدأ بالمرافعات.. سنوات وهو يحلم بأن يربح القضية.. إلى أن كان يوم..

ذهب في الصباح الباكر إلى المحكمة على أساس المرافعة الأخيرة؛ غير أنه أُخْبِرَ بتأجيل المُرَافعة إلى الغد.. شعُر بِالاسْتياء، قصد المصْلحة المُكلّفة بتحْدِيدِ الموَاعيد، سأل.. وكان الجواب: "هناك قضية أخطر؛ استوْجَبتْ هذا التغيير.. سيصْدر الحُكمُ في شأنِها اليْوم.."

لِلْعَدالــــــة وَقتــها.. كما لِلْـــقَدَر أُحْجِـــيـته..

سِنٌّ تُقارِبُ الكُهولة، رأسٌ غزاهُ الشيب، ملامح تسيحُ تحْتها دِماءُ الأبْرياء، خطواتٌ بطيئة تجرُّ آثام الأعوام السّوْداء.. يتقدَّمُ المُتّهَم إلى المِنصّة.. يسْردُ القاضي مُتعلقاتِ القضِية؛ يُعَدّدُ جرائِمَ المُتّهَمِ منذ سنوات؛ ومَا أكثرَها! يُصْعَق "يوسف" وهو يسْمعُ إحْداها! لا يُصَدِّق..! فقد كان من بين الجرائم القديمة لهذا المُتّهَم؛ قصة اختطاف الفتاة "جميلة"..! يُصرّح القاضي بِاسْمِ المرْحُومة ولقبِها، إنّها ابْنة المرْحوم "الحاج عيسى" الذي كان قدْ قدّم بلاغاً يوم عوْدتها مع "هارون"؛ حين سلّم هذا الأخيرُ نفسَه.. وكان شاهدا أساسِياً في القضية، أفادَ وَقْتَها الأمْنَ والمحْكمَةَ بشهاداتٍ؛ ستَشْفعُ له بتقْليصِ مُدّة السِّجن؛ مع مُرَاعاةِ ما تعرّض لهُ منَ الأذى بسَببِ زوْج أمِّه المَأفون.

درويش الزاوية.. يا حيّ !

يستعيد "يوسف" صرخات زوْجة خاله؛ وعيناها تقدحانِ شرراً.. " لنْ نربيَ ابْنَ مُجرِم في بيْتنا..!" نطقتْها مرّة واحدة، فهدّدَهَا الخالُ بالطلاق إنْ هيَ كرّرتْها مرّةً أخْرى.. وألقى في روعها أن الدور قد يأتي عليْها هي الأخرى؛ إنْ لمْ تحفظْ لِسانَها..! فهؤلاء منتشرون انتشار الجراد..

تمنّى لو أنه لم يُطاوِعْ زميلهُ؛ حين اقتَرَحَ عليْه البقاء في المحْكمة هذا الصّباح.. تمنى لو أنّ الأرْض ابْتلعتْه.. تمنى لو اختطفه الموت في هذه اللحظة الفارقة.. كان سابحا في عالمٍ آخر؛ حين هزّه زميله من ذراعه وهو يُردّد: "أخيراً، أخيراً، تحْيا العدالة..!" وَقَفَ الجميع إلا هو.. انْحنَى زَمِيلهُ يُمازحه: "هيّا، هيّا.. ألنْ تدْعُوَني إلى الغذاء معَك؟"

كانتْ جنازتُه رَهِيبة، شارَكَ فيها كلُّ مَنْ كانَ يُدافِعُ عنْهُم.. شارَك فيهَا كلُّ جُلاّسِ المقْهى في الشارع الطويل.. وعندما عادوا إلى مقاعد المقهى؛ بدأتِ الافتراضات، وكثُرتِ التكهّنات.. "سكتة قلبية.. موت الفجأة.. ارتفاع الضغط.. ربّما سمّمَتْه عصابة ذلك المقاول الهارب.." تخمينات لا ترسو على ميناء.

في الزّاوِية المُقابلة للمقهى؛ حيث يتكئ الدّرويش "الجديد" على عصاه؛ وهو يُردّد بصوتٍ شجيّ "إنّه الأجل، ولا شيء غير الأجل.. يا حيّ.. يا حيّ..!" يُغادِرُ "هارون" المكان مُسْتعيناَ بعصاهُ مُيمِّما شطر المقبرة..هناك سيجْلسُ ساعاتٍ طِوال، سيُحدِّثُ "جميلة" عن عدالة السماء..

***

شميسة غربي - سيدي بلعباس/ الجزائر

 

 

كل شيء صرخة طفلٍ عند الولادة

لكن المنفيّ ينظر من ثقب الباب

عينا بندقية ترقبُ جبهته

مثل بُومٍ بين الادغال.

*

انظرْ إلى الغابة الجرداء

اصغِ الى شخير العنادل

الذي يمرق فيه الجوع

انظرْ الى بروق السماء

عربة مملوئة بالقطن والطحين

بينما البطن المُنكمشة مثل فأسٍ باردة

تتلوى على الحدود.

*

اصرخ في المنفى، بين الخليج العربي و أمريكا

من يعرف وطنًا

يسكر مثل الصعاليك - يضاجع مثل الصعاليك؟

تضربُ به الكؤوس من كل جانب؟

فترفعُ كأسك!

وحين اسأل أ أنت أبي؟

تسل خنجرك الإيراني وتلوح الى المنفى .!

*

أنا عطشٌ يا أبي و نهد أمي بين يديك

تحت قدميك

فوق رأسك

بللٌ من كل الجهات

ستغرقُ يا أبي، ولن ينقذك الخنجر .!

*

يا قمرًا مخدوشًا بين الكواكب

كل قطرة من آبار نفطك

تحمل إرث دمٍ قديم مهدور

بأنياب الغجر.

*

إيه يا أبيّ الثمل،

أنا ايضا ثمل،

وجسدي رمحٌ هزيل لا يقوى على حمل رأسي

خذ رأسي، واضرب بها كأسك

اشرب ما تبقى من نهد الآلهة

نخب قرع الطبول الى الأمس

اشرب..

والخنجر يفتح الرأس تلو الرأس: القنينة تلو القنينة

اشرب..

فلْبللُ يحيطك من كل الجهات،

*

ستغرقُ يا أبي، ستغرقْ؛ ما لم تفتح الباب.

***

ضرغام عباس /العراق

أكتب عن تفاصيل الاشياء

بعض القراء

ينعتها بنثر فني

والبعض الآخر

يقول انها تشبه شعرا

الى حد ما

*

قلمي الرصاصي

الذي ضاقت به

سطور الورقة الصفراء

كاد يختنق

في طي كتاب لا عنوان له

*

يا ليتني

ابعث من جديد

لأكتب شعرا رديئا

مثل كل الشعراء

لاجل المجاملة فقط

ثم اضمه الى ديوان:

"الخربشات التافهة"

لشاعر مجهول

*

شاعر غير معروف

يحتاج الى عملية التجميل

هرموناته لا تكفي

للكشف عن وجهه الآخر

وبسبب خطأ فني

أصبح شاعرا

*

في عنقه ناقوس

يدق بلا انقطاع

وصافرات الانذار

تعلعل في راسه المهووس

هذا الشاعرهو أنا

مجرد سمكة

خارج الماء

يتمنى ان تنبت له

اجنحة

فيصعد بها

الى عش نسر

حاصرته طيور مهاجرة

*

ينغمس في نزواته

كأنه يضاجع بركانا جامحا

فيتلوى ويحترق

*

ابحر وحدي

وان لم اصل

الى الضفة الاخرى

فسأدعي

بأنني فقدت احلامي

في غياهب البحر

*

يجب أن اعترف

ان قاربي متهالك

وممزق الاطراف

لا احد يعيره اي اهتمام

لا البحر ولا السمك ولا الرمال

*

لم اعد قادرا

على عد اصابعي

وما تبقى من شعيرات شيب

قد تخلت عنه الايام الغابرة

*

لست اعرف

لماذا البرق يعاكس الرعد

عندما يتوسم

في العاصفة رائحة الغضب

*

ثمة صخرة عنيدة

القاها "سيزييف"

على كتفي

لن ابوح لها

بسر نزوات الاله "زيوس"

*

شاعر مقطوع الاوصال

يضع تحت  ابطيه

اوراقا فاترة

ويخبأ خربشاته

في حقائب من زجاج

قابل للكسر

***

بن يونس ماجن

تمردت آلهة الخصب ذات يوم من أيام الحاضر القاحط، لتنذر بساتين الحياة، بأعاصير الموت، ولون الجفاف.

*

اختلط شهيق الفقر برائحة الدم، بينما انزوت قافلة الضياع عند بقعة أخرى من بقاع هذا العالم، لعلها من جديد تتنفس رحيق العمر.

*

هجعت بمشاعر الفزع، والنفور. راحت تشكو أوجاع غربتها، أعرضت خجلاً، يوم اصطفت جميع أضداد المحبة، وحلت في فضاءاتها صور الكراهية، والحروب.

*

أشاحت بوجهها أرض النماء، حتى تحولت أشجارها إلى هشيم تذروه رياح الهدم، لتحط بآهات مخاضها قسراً عند مهالك سياسات الطغاة، وقوانين سلطتهم المتردية.

*

ارتبكت أنفاس الوطن، وهجرت أنهاره قسراً، يوم صودرت جميع عروش الحضارات، بما في ذلك مسلة حمورابي، وقصور سومر بعد أن تحولت مرابع الجنائن المعلقة إلى حطام تعفنت أشلاؤه فيما بعد.

*

تضاءلت جميع مفردات السياسة، والثقافة، والدين، احتجت جثث الضحايا، حتى راحت تبث أحزانها بناءً على إشكاليات عالم مختل.

*

لاذ البؤس في محطة من محطات أرض النعيم، بينما قرر الفرات أن يذهب مسترسلا مع دوامة صمته الشجي.

*

غدت الدنيا شاجنة، ناحلة، تبحث عن شمس صباحاتها الغائرة، بينما ساحت الطيور مُغادِرَة ًأعشاشها بعيداً، بعيداً، بعد أن أصاب أنفاسها الوجل.

***

عقيل العبود

ناجي ظاهرفتحت إكرام الوائلي عينيها في الصباح الباكر.. أغمضتهما.. ليت المساء يأتي بسرعة لتطير إليه، إلى من اختاره قلبها هناك في المركز الانكليزي في البلدة. لتُفرح عينيها بمرآه ولتشنّف اذنيها بالاستماع إلى لغته الانجليزية الساحرة. قبل أيام التقت به هناك في المركز.. خلال زيارتها لصديقتها اللدودة.. منافستها في كل شيء.. العاملة فيه. مصادفة طيبة جمعت بينهما هي المرأة العربية الحالمة وهو الرجل الانجليزي فاره الطول بهي الطلعة. ما ان التقت عيناها بعينيه في تلك اللحظة التاريخية الفاصلة، حتى نسيت كل ما مضى من سنوات البحث عن الحب والاستقرار، وشعرت أنها ولدت إبّان ذاك اللقاء العياني.. لقد أمضت إكرام عشرين عامًا من عمرها وهي تنتظر اللحظة المناسبة للعثور على الذات، منذ أكثر من عشرين عامًا بحثت وها هي تفاجأ بان الامل لا يموت.. وانه يتجدد وينبعث ورودًا.. ندىً وامطارًا على القلب المعنّى. "أين مني مجلس أنت به .. فتنةٌ تمت سناء وسنى وأنا حبٌ وقلبٌ هائمُ". همستْ لنفسها وهي تكاد تطير من شدة شوقها إليه.. إلى ذلك الشاب الانجليزي المدهش.. المفاجئ بإطلالته الاسطورية.

تحرّكت في سريرها متمطّية متثائبة.. إنها تشعر بنفسها فراشة عثرت على وردتها ورحيقها التائه في أعماق الزمن، لذا عليها أن تتحرّك. الحمد لله أنه أرسل إليّ أخيرًا من يفهمني وأفهمه.. غيرًا عن اولئك الشبان العابثين اللاهين الذين ينتظرون فريستهم النسوية لُيعملوا مخالبهم في جسدها الطري ناسين أنها إبنة بلدتهم وأن ما يوقعونه بها وبأمثالها قد يوقعه آخرون بأخواتهم وبناتهم وربما بأمهاتهم. عندما خطرت لها هذه الهواجس .. تذكّرت ذلك الشاب اللاهي الذي أضاع عشرة اعوام من عمرها وهو يعدها بالزواج والاستقرار لتكتشف بعدها أنه لاهٍ عابثٌ يريد أن يجعل منها مطية له ولأصدقائه، وراحت تقارنه بذلك الانجليزي الوسيم،.. وتذكّرت ما قالته لها صديقتُها العاملة في المركز عن رقيّ الانجليز وعن اخلاصهم للنساء ووفائهم غير المحدود، وعن رغبتها في واحد منهم، وراحت تمنّي نفسها بسنوات حافلة بالدفء والحياة والحب أيضًا. " لو لم أكن لقيت هوى في نفسه.. ما كان نظر إلي بكل ذاك الشوق.. ولما التقت عينانا راسمة كل تلك الالوان المدهشة"، قالت في نفسها وهي تطرد كل احتمال للفشل في علاقتها الجديدة.

توجّهت إكرام إلى كومودينتها القديمة. كانت هذه الكومودينة لأمها، وهي ما زالت تتذكّر كيف أن والدتها رحمها الله كانت تقف قُبالتها لتتزّين وتتجمّل استعدادًا لاستقبال والدها، بل إنها ما زالت تتذكّر أن والدتها حاولت بعد الرحيل المبكر لوالدها أن تقيم علاقة برجل فرنسي وسيم، إلا أنها ما لبثت أن اكتشفت أنه رجل متزوّج ولا يفكر بعلاقة أخرى يقيمها في بلاد غربته، بلادها. عندما أتمّت الوائلي تبرجها، أعادت ما ردّدته منذ الصباح" متى ستأتي أيها المساء"، وراحت ترسم صورًا للقاء به، بذلك الرجل الانجليزي اللطيف. من المؤكد أنها ستمدُّ يديها البشاريتين إلى يديه الانجليزيتين.. وسوف تلتقي هاتان اليدان بتلكما، لقاء شرق حالم بغرب غانم، "الله ما أجمله من لقاء.. متى تأتي أيها المساء"، كرّرت بصوت تعمّدت أن يكون مرتفعًا ربّما لتتأكّد من أنها إنما تقف على أبواب عِلم وليس حلمًا ووهمًا كالعادة.

ركبت الوائلي سيّارتها القديمة وانطلقت باحثةً عن ذلك الانجليزي. مَن يدري ربّما التقت به في هذه الزاوية أو ذلك الركن من أنحاء بلدتِها. هي لا تستطيع أن تنتظر حتى المساء.. وقت دوامه في المركز الانجليزي الرابض في قمة الجبل كما يربض ملك الغابة، لذا عليك يا إكرام، أكرمك الله، أن تعملي أي شيء من أجل تقصير عمر الانتظار، وراحت الوائلي تجوب شوارع البلدة شارعًا إثر شارع وساحةً تلو ساحة.. لتتوقّف في مركز البلدة فاركةً عينيها وغير مصدقة ما تراه عيناها، إنها ترى السيارة الجديدة لذاك الانجليزي الساحر الذي اختاره قلبها واحتضنته عيناها.. متوقفةً قرب مطعم تعرفه جيدًا.. أليست ابنة البلدة؟.

أوقفت إكرام سيارتها في أقرب مكان من تلك السيارة مُمنيةً نفسَها بأروع اللقاءات، أوقفتها غير عابئة بأنها قد تأكل علقةً ساخنةً تتمثّل في مخالفة وقوف في مكان ممنوع.. وحتى عندما رأت أحد زعران المفتشين يقترب من سيارتها، تناست ما قد تتعرض إليه من مخالفة ساخنة.. تجاهلته وانطلقت تبحث عمّن أحبت عيناها عينيه وارتاح إليه قلبها. اقتربت من نافذة مطعم نيسان الراقي في بلدتها، غير مفكرة في أي موضوع آخر غير موضوع ذاك الحبّوب الانجليزي. أرسلت نظرها عبر النافذة برقةٍ ورغبةٍ لتصطدم عيناها بصديقتها المنافسة تجلس إلى ذاك الساحر الانجليزي، كانت تجلس قريبةً منه وتكاد تلتصق به، ما أثار مخاوفها. ترى هل تكون صديقتها المنافسة لها رقم واحد في محبة الاجانب والانجليز خاصةً، قد سبقتها وأقامت علاقة به؟.. الويل لها أذا كان هذا كله قد وقع في غفلة منها، والآن ماذا عليها أن تفعل لتتأكد مما خطر لها ووقر في ذهنها المتعب المكدود؟ .. الآن ما عليك إلا أن تجلسي قريبًا من طاولتهما.. بحيث ترينهما ولا يريانك.. لتستمعي إلى ما يقوله أحدهما للآخر.. فإذا كان حبًا قد جمع بينهما خضت معركتك في الدفاع عن حبك الخديج، وإذا كان مجرّد لقاء عمل بين عاملين في مكتب واحد.. تجاهلت الامر.. وانضممت إليهما هما الاثنين لمواصلة نظرات ابتدأت وآن لها أن تتواصل.. فتطرح وردها وأريجه.

تسلّلت إكرام إلى مكان قريب من طاولتهما مستغلة انشغال ذلك الانجليزي إلى صديقتها اللدودة منافستها في الحب والحياة، واتخذت مجلسها قريبًا من موقع يمكنها من الاستماع إليها. أصاخت السمع لتسمع اسمها.. والصقت اذنها بالهواء الجاري من تلك الطاولة القريبة إلى طاولتها.. كي لا تفوتها أية كلمة.. ولتسمع المكالمة الكارثية التالية:

صديقتها: أشعر أنك استلطفت صديقتي إكرام.

الانجليزي: لا أنكر هذا.. لقد بدت لي بجمالها الشرقي الاسمر ساحرةً من ألف ليلة وليلة.

صديقتها: إلى هذا الحد أعجبت بها قبل أن تعرفها ويدور لسانك مع لسانها؟ آه.. لو تعرفها عن قرب.. هي لم تترك انجليزيًا زائرًا دون أن تحاول بناء علاقة به.

الانجليزي: تقصدين أنني واحد من أرقام ونمر؟

صديقتها: إفهم ما تريده وتراه مناسبًا.. كلّ ما في الامر أنني أردت أن انبّهك.. كي لا تتورّط معها.. أمها حاولت بناء علاقة مع أجنبي زائر في البلدة وكادت تورّطه بها.. فيهجر عائلته في باريس. هل أنت جادّ بعلاقتك معها؟

هنا تحفّزت الوائلي للانقضاض على الطاولة مثل يمامة جريحة لتسألها ما دخلك أنت بي.. إلا أن صمت ذلك الانجليزي وعدم إجابته.. ردعاها ودفعاها لأن تنسحب مؤجلةً المواجهة إلى وقتها المناسب وزمانها الملائم..

في المساء تجدّد حُلمها باللقاء بذلك الانجليزي الحبّوب.. امتطت صهوة سيارتها القديمة. توقفت قُبالة المركز الانجليزي في راس الجبل.. قرب السيارة الجديدة لمن اختارته عيناها وانتقاه قلبها.. واندفعت إلى الداخل.. عندما اقتربت من غرفته تصدت لها صديقتُها:

- إلى أين أنت متوجّهة؟

- دعيني أدخل.. لا شأن لك أنت بي.

أزاحتها من طريقها بقوة.. ودخلت غرفة محبوبها الانجليزي.. متعمّدةً أن تكون مثل نسمة طيبة أو يمامة حنونة.. ففوجئت به يسألها مَن سمح لك بأن تدخلي.. لا أستطيع استقبالك الآن.

عندها خرجت تبكي.. تلملم دموعها.. وتتذكر أمها وفشلها مع ذلك الفرنسي.. الحبوب." ما اتعسني".. قالت لنفسها ومضت في شارع وحدتها..

***

قصة: ناجي ظاهر

 

شيرين، أرحلت،

فمن سيلقي سلام الأبطال،

منذ الفجر،

على أشجار الزيتون،

كي لا تحزن هي والمدينة،

معلنة صمود الفروع العالية،

وأمن العروق من الاجتثاث...

شيرين، أرحلت،

فمن سينقل للأطفال الحجارة،

مشاهد معاهدات،

توقعها أشجار البرتقال،

مع ربيع قادم لا محالة،

من أجل ضم كل الأوراق،

حتى يتوقد اللون الأخضر،

وينتصر السلام...

شيرين، أرحلت،

فمن سيدون تفاصيل

كل تلك المعارك الملحمية،

التي تخوضها أشجار اللوز،

في أعماق عين جانيم،

ليحفظها المتلهفون للسلام....

جنين وكل فلسطين،

كل القصف الذي سيأتي

منذ الآن،

لن يسمى قصفا،

وروح شيرين المتلهفة للسلام،

نزعت من بين كل تلك الأشجار...

جنين وكل فلسطين،

كل القصف الذي سيأتي

منذ الآن،

سيصير صوتا ألفناه منذ الصغر،

ونبضا قادما، لا شك....

جنين وكل فلسطين،

كل القصف الذي سيأتي

منذ الآن،

سيكون شيرين؛

صوت سلام ونبض وطن...

***

حمزة الشافعي

تنغير/ المغرب

اودع

سنبلة الحكمة

في جبيني

وامضي صوب حقول

ومروج

رغباتي

لابذر هناك

بذور الامل

المضيء

وبذور شهقاتي

الصالحات

ومن ثم اخذ من جدار

تصميمي

مصدا لرياح المكر

والخديعة لاني سوف انهض

انهض من سبات

الثرثرة والاقاويل

لاكحل عيون

الفراشات والغزلان

في السفح الحزين

ولازرع في حقول

نبضاتي

نرجسات الرؤى

المضيئة

وبنفسج الذكريات

***

سالم الياس مدالو

أسألُ عن الأرقِ

يراودني عن شكلهِ الغريبِ

المستباحِ في أحضانِ السكونِ

يناجي قهرَ العراةِ

يتسابقُ معَ لوعاتِ النعاسِ

هذا الذي يرتدي ثوبَ زفافٍ

يحتفي بالعناقِ وحدهُ

*

يا أرقنا المنتشي بالماضي

الحاملِ أضغاثاً تتمشى

تداعبُ خيالاتٕ لورودٍ منسيةٍ

الجميلاتُ يسرقنَ شهدَ الشعرِ

والشعرُ تحتَ أقدامِ السراقِ

يداسُ

*

لوعتنا ليس كسوانا

مباهجُ الثورةِ انْ زرعتْ فينا

تغني معنا

تصعدُ من اظافرنا

حتى تظلَ معَ أخرِ شعرةٍ

من الصلعِ الغريبِ

تلكمُ محنةٌ او فطنةٌ

تعشقُ الامكنةَ

لا تعرفُ السيرَ الا في ممراتٍ

تأسرُ نبضَ الحياةِ

من المهدِ الى اللحدِ

*

أصدقائي المنتشرونَ

ببقاعِ مدنِ الثوراتِ

يارجالَ الشعرِ الاصلاءِ

يامنيةَ ووصيةَ رسلِ اللهِ

عفتكم ارهقتْ صدى رصاصِ

جلادي الغضبِ

*

لا أدري كيفَ أيها الشاعرُ أن تخونَ

وانتِ يامعشوقةَ المحنِ

أما عندك يقظةٌ للجنونِ

ام لك قسمٌ يفكُ طلاسمَ

ندرةِ الرجالِ ام انها غيبةٌ

لا ولن تأتيَ من المحالِ

*

خذوني ضعوني بين ()

ريثما يغادرني غثيانُ الصمتِ

أكتبُ على الجدرانِ

كلماتٌ ،أحفرها أجراساً

لا ترن ،تخشى رقيباً

فزاعةُ خضرةٍ رافقنا طوالَ العمرِ

*

اكلمُ الذي تنزهَ في الكونِ

بأسمِ الضجيجِ الماكثِ فينا

متى أتربتكَ ،تتجذرُ رغيفاً

ظلكَ مسرحٌ يحمي أطفالَ

هذا الوطنِ المغدورِ

*

ارتديتُ ثوباً

طهرتهُ من الدنسِ

استعاراتي ولهٌ سماوي

حافظتُ على بكارةِ اشرعتي

سبرتْ غورَ البحارِ

عادتْ نديةً كالمطرِ

يتساقطُ عذباً كعذوبةِ

أتقياءِ الشعرِ ،الزهدُ

لهم متلازمةٌ أبديةٌ

***

عبد الامير العبادي

من ألف عام وقبل أن أصبح شيئا مذكورا

قبل أن يولد الزمن

ويستوي التاريخ  كاذبًا

كان هذا القلب يصدقك القول

ينتظر الخلق كي يتماهى في وجودك

كان ظمآنا

لا يعرف الماء

كان منزويا في مكان ما من الهباء

كان متناثرا في العدم

ينتظر رحمة السماء

وكان يحبك

يذوب في تفاصيل الفناء

القلب ظامئ يتحرق شوقًا لقطرة حب

لشهقة هواء

وكنت أكسير الحياة المختفي

كنت الغيث الذي يحيي الرميم

البعث الذي يعيد الرجاء

أجيئك من خوائي الذي أرعبني منذ صرختي الأولى

من موتي الذي لايراه أحد من ظلامي

 أجيئك من فنائي والعناء كي أبكي على كتفيك أضم راحتيك إلى قلبي الأصم أجثو أمام مصابك المدلهم بالدجى أشكو الضياع وأشكو الخواء حبيبي الذي علمني كيف (لا أكون) وكيف أنمحي في السكون علمني كيف أسخر  من وجودي وأصرخ من جنون حبيبي الذي غاب مثل الشمس مبتسما ومثل تمام البدر  في اكتماله ملوحًا بالبقاء حبيبي الذي لا يشبه  سوى النور في عليائه ويشبه النجم في  ارتقائه والبهاء حبيبي الذي تطهّر بمياه  الأقداس وزفته تراتيل أجراس المساء حبيبي النبيل حبيبي الجميل حبيبي الذي حلق في معراجه صفق بجناحه في الفضاء سلام عليك  حبيبي وأزكي سلام تحايا جنان تحبر فيها أنوار خلود تشيع الضياء.

***

فاطمة الزهراء بولعراس جيجل

تبا للطرق المعلبة

مرفوعة إلى روح شهيدة الواجب شيرين أبو عاقلة، التي سقطت برصاص الغدر.

***

ما كان عيسى في ذيل المهد

ما كان زكريا من بني ماثان1 أو من نسل داود

عبثا أو كبْتا

..أو من أسباط يهودا بن يعقوب على مشارف القدس

أو عدن ..

حيث نقر العفريت وحي الأناجيل والصحائف مكرا وغدرا

حين هوى القناص اللعين على جبين شيرين ..

ولا زكريا ولا كل الأنبياء والرسل

ولا حتى شيرين في ضوء قمر

سخرية قدر ...

ما كانت "مَدْين ".. يوما ما مهبطا للأنبياء والرسل

ولا فيافي شعيب2

ولا صوامع الذات اخترقت أسوار المبكى عبثا

ولا كان موسى يستسقي الفتيات

ولا كان ماء القراب مقصدا للزنا ...

تحت جدع النخلات عند احمرار وجنتي الاثنتين4

**

هي نجوى شيرين حين أمدت الدلاء للغرغرة ..

هي زفرات الباتول مريم تسقي محكمة الجنايات

عبر الطرقات المعلبة ..

ما كانت شيرين لترتوي من مياه العقبة ..

هي شيرين ..مبراة قلم

هي شيرين ودمها القاني شهادة نغم

كذب المنجمون ولو صدقوا ..

شيرين لؤلؤة في علم مسجى بلون صفد5

كذب المنجمون ولو صدقوا

في حيفا

في عكا في جنين6

في مدين الأنبياء ..

في كل المدن ...

هي شيرين بوابة قضية مفصلية ..

هي فواهة بركان

اليوم وغدا ..

لا تهرعوا أيها السحرة ..

قتلتم – غدرا -الأنبياء ثم أبو عاقلة

فأرديتموها شهيدة وطن ..

لا تهرعوا إلى الكهنة ..

في وجدنا لا تبلى ولا تكل شيرين

كما عجب الذنب7

خسئتم أيها الجبناء ..

شيرين وحي يسدى للثقاة والصالحين والأنبياء ..

ومنها في القدس و فلسطين ألف شيرين ..

***

كتب : أحمد ختاوي

البليدة في 11/05/2022

......................

هوامش

1- ماثان قبيلة من نسل النبي داود عليه السلام

2 - في إشارة إلى النبي شعيب عليه السلام

- 3 و4– في إشارة إلى قصة موسى عليه السلام وقصة الفتاتين ووالدهما والاستسقاء ..

5- صفد: مدينة فلسطينية

6 - في إشارة إلى مخيم حنين

7- تناص وتضمين لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:

أبو هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب». قال - صلى الله عليه وسلم: «يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، قيل: وما عجب ذنبه يا رسول الله؟ قال: مثل حبة خردل منه نشأ»، وقال أيضاً «إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة قالوا أي عظم يا رسول الله قال عجب الذنب»

 

محمد محضارعندما نزلت من سيارة الأجرة شعرت براحة كبيرة، فقد ظللت، طيلة الرحلة الممتدة من مدينة وادي زم حتى دوار "لعشاشكة"، أرزح تحت ثقل شيخ ستيني تكوم فوق رجلَيّ، وهو يدخن بنهم سجائر "كازا" الرخيصة، غيرَ آبه باحتجاجاتي. كان سائق السيارة يكتفي بلازمة تعودتُ عليها من جميع السائقين: "اسمحْ لينا ألفقيه، نحن مضطرون إلى حمل هذا العدد من الركاب لأننا خلال رحلة العودة لا نجد مسافرين"..

قد يكون في كلامه بعض من الصحة، لكن محترفي مهنة الطباشير من أمثالي هم من يدفعون الثمن، لأنّ رحلة العذاب يومية.

حرّكت رجلَيّ حتى يسري فيهما الدم من جديد ويذهب ذلك التنمل القوي الذي كنت أحس به. مسحت بعيني الفضاء. كانت بناية المدرسة تلوح من بعيد. بلونها الكالح وسُورها الحَجري المطلي بالطين، تَبدو مثل أثر تاريخي ضارب في القِدَم. نظرت إلى ساعتي اليدوية. مازال أمامي ربع ساعة قبل بداية أولى حِصًصِ الدراسة. سرتُ بهدوء نَحو بناية المدرسة. كان الطقس باردا، رغم أشِعّة الشمس المُتَسَلّلة من بين السّحاب المتمدد في السماء .

عندما اجتزت بَوّابة المدرسة، اِقترب مني "بّا ميلود" وقال بصوت أجَش:

- سي عبد السلام يقول لك.. هناك اجتماع مستعجل الآن في الإدارة

سألته، بصوت مستنكر:

- التلاميذ!! ماذا نفعل بهم!؟

رد ضاحكا:

- كالعادة، كّلفْ أحد التلاميذ بحراستهم وسأراقب أنا جميع الأقسام حتى ينتهي الاجتماع .

هرولتُ نحو قاعة الدرس. طلبت من التلاميذ إخراج كتب القراءة ونقل أحد النصوص في دفتر الوسخ، ثم أسرعت نحو مكتب المدير. كان باقي الزّملاء قد سبقوني إلى احتلال أماكنهم. ألقيت التحية على الجميع ثم جلست. كان سي عبد السلام، مدير المدرسة، يجلس خلف مكتبه الصغير وهو يمسك سيجارة، فقد كان مدخنا نهما. قال، بلكنته الشمالية:

- مرحبا بك، سّي بشار

ردَدْتُ، وأنا أبتسم:

- اجتماع عاجل في بداية الحصص.. لا بد أن الأمر خطير، سيدي المدير

ضحك الجميع وتساءلت زميلتنا طامو:

- هل يتعلق الأمر بمذكرة وزارية مستعجلة أم بحادث طارئ؟

ضحك المدير، وجال بعينيه الضيقتين بيننا وهو ينفث دخان سيجارته، ثم قال:

- لا هذا ولا ذاك.. تعلمون أنكم خلال هذه السنة في فترة تدريب، وطبعا تحتاجون إلى نقطة المفتش ونقطة عبد ربه حتى يجري ترسيمكم.

قاطعه صديقي جمال:

- ماذا يعني كل هذا، سيدي المدير؟ كن واضحا، من فضلك

مطط المدير شفتيه وقال، بصوت متصنع:

- ومتى كنت غامضا؟!... على كل حال، سيأتي المفتش لزيارة المؤسسة غدا، وعلينا أن نكون مُستعدّين لاستقباله.. بكل بساطة، علينا أن نساهم جميعا بمبلغ مالي لإعداد وجبة غداء محترمة، وتغطية مصاريف تنقله إلى المدرسة المركزية.. أظنّ أن مبلغ عشرين درهما مناسب وغير مكلف.. ما رأيكم؟

نظرتُ إليه باستغراب وقلت:

- السيد المفتش يحصل على تعويضات لأداء هذه المهمة.. ما سنقوم به يعَدّ رشوة !

قاطعني المدير، بصوت مستنكر:

- هذا نُسمّيه كرم الضيافة يا سيد بشار.. المغاربة جُبلوا على الكرم

علقت طامو، وهي تبتسم:

- علينا إكرام السيد المفتش حتى يُكْرمَنا بنقطة الامتياز

وقال سليمان:

- المسألة في غاية البساطة، هناك معادلة رياضية يَكمن حلّها في ذلك المبلغ الذي سنجمعه

تدخّلَ المدير من جديد، وهو يحملق في:

- ها أنت ترى، يا سيد بشار، أن زملاءك متفقون مع فكرة الإدارة.

صمتَ لحظة، ثم تابع، بصوت تَعمّد أن يطبعه الوقار:

- أقترح مبلغ عشرين درهما.. نحن ستّةُ أشخاص، المبلغ المُحصّل سيكون مائة وعشرين درهما

قاطعته مبتسما، وأنا أضع مبلغ المساهمة:

- تَفضّل، أنا لا تهمني قيمة المبلغ، بل الفكرة

ضحك المدير وقال:

- المبلغ أولا، ثمّ تفلسفْ كما تريد يا سيد بشار

وضع الزملاء مساهماتهم على مكتب المدير. خرجت عيناه من محجريهما وهما تحتضنان المبلغ قبل أن يمد يديه ليَعُدّه، بفرح طفل، ثم يتابع الكلام:

- شكرا لكم أبنائي، سنكون جميعا في مستوى الحدث.

واستطرد، بعد صمت قصير، وهو يحدق بي:

- اسمع يا سيد بشار، ستتكلف بشراء لوازم إعداد وجبة الغداء

نظرت إليه مستغربا:

- أنا! هل تمزح يا سيدي؟

- أنا لا أمزح، سنُعدّ لائحة بمتطلبات الوجبة، وستتكفل أنت بالذهاب إلى مدينة وادي زم لشرائها، وهذا قرار إداري.

ثم قهقه ضاحكا، وتابع:

- طامو وحادة سَتتكَفّلان بإعداد الوجبة، بمساعدة زوجة الحارس وابنته.

ثم أردف، بعد لحظة صمت قصيرة:

- سيد بشار ستكتفي بالعمل خلال الصباح، ثم تغادر لشراء اللوازم، على أن تُبكّر في الحضور يوم غد

أحسستُ بأنني أدخل دائرة التّدْجين رغم أنفي. بدا لي أن المشاركة في اللعبة أمر لا مناص منه، لتحقيق الغايات دون اهْتمام بالوسائل، فقبلت المهمة دون قيد أو شرط وهرولت إلى قسمي. كان التلاميذ يُمارسون شغبهم غير آبهين بميلود، حارس المدرسة التاريخي، الذي كان يتَنَقّل بين الأقْسام وهو يصرخ: "واسكتوا ألعفاريتْ".. تَوَقّف التلاميذ عن إثارة الشغب عندما رأوني أدخل القسم. اِتجهت نحو السّبورة وكتبت تاريخ اليوم، ثم قلت بصوت جهوري:

- اِنتبهوا إلى السّبورة، سنتعرف اليوم على حرف جديد.. حرف الميم

ثم بدأت بكتابة جُمل تتضمن الظّاهرة اللُّغوية المراد تدريسها وتموقُعَات الحرف، سواء في بداية الكلمة أو وسطها أو آخرها. اِستعملت الطّباشير المُلون لتوضيح ذلك. قرأت الجمل بالترتيب، ثم انطلقت أشْرح الدّرس، كالعادة. وعندما أحسست بأنني أثرت اِنتباه الصِّغار، أَتَحْتُ لَهُم فرصة التَّحاور والمُشاركة وَطَلبْتُ مِنْهم جُمَلا تتضمن الظَّاهرة اللُّغوية. وكانت فرحتي كبيرة وأنا أرى الصِّغار مُتحمّسين، سعداءَ وهم يرفعون أيديهم ليشاركوا بجمل تتضمّن الحرف المقترح. أشرتُ إلى عُمَـر. قام إلى السبورة وكتب:

"سيزور المُفتش المَدرسة ليفتش المعلّمَ "-

نظرت إليه مبتسماً، ثم أشرتُ إلى فتيحة، فأسرعتْ نَحو السَّبورة وكَتَبْت: "اِستقبل المُدير المفتش مُبتسما" .

حدّقت بها وأنا أضحك، ثم قلت: يبدو أن "بّا ميلود" أَخبركم بزيارة المفتش لنا يوم غد، رجل ثرثار لا يحفظ سرا .

***

بقلم: محمد محضار - يناير 2016

 

قصي الشيخ عسكرغطت جدران غرفته ساعات تشير عقارب كل منها إلى الساعات فقط.. الثامنة التاسعة، الحادية عشرة، الواحدة.. حيث لا دقائق ولا أنصاف بل لا يعترف بالثواني قط وحين يخرج الى العمل والشارع لشغل ما كان يتعامل مع الزمن على وفق رؤية الاخرين. كان يقول إنّه يجد الصدق في غرفته التي تنتشر جدراها الأربعة اربع وعشرون ساعة جدارية... هنا يقول إنّه كسر شوكة الزمن الذي انقاد له الآخرون في الخارج.. مثلما تداعى له عرض السيرك الأخير والمروّض الذي أمن الوحوش بطريقة ذكيّة هكذا يأمن الزمن في غرفته فلن تنقضّ عليه وهو نائم أو غافل الدقائق السائبة في الخارج والثواني يمارس عمله في الليل يحرس حديقة الحيوان القريبة من بيته ويعود مع بزوغ الفجر.. يدخل تأمّل الوقت الجامد.. الساعة الأكترونية التي تشخص عاليا وسط الحديقة يتجاهلها كأنّها غير موجودة يضع الطعام على النار الساعة الثانية ويأكل في الثالثة مجرّد أن ينظر الى الساعة التي تشير الى الرابعة يقتنع بالوقت كان يمضغ الطعام ويهمهم.الوقت بسيط لاكسور له يبدو متوحشا حين نحوّله إلى أجزاء هو الوحيد قوته في تفرّقه.. يغفو حين ينظر الى الخامسة ويتطلع اذ يصحو الى الثامنة ثم يغادر الى عمله في التاسعة مساء.

كان لا يتوقّع أن يموت يوما ما في غرفته مع الساعات التي توقفت على الجدران وكلّ واحدة ربضت عقاربها الثلاثة في مكانين لاتنزاح عنهما..

مع ذلك حدث أمر آخر اذ لم يغادر الحديقة حين طل الفجر وجاءت مجموعة عمل النهار.. وجدوه ميتا.. عندها كانت ساعة الحديقة تعمل شأنها كلّ يوم مثل حيوان شرس لم يروضوه بعد وتقرير الطبيب يشير إلى أنه مات قبل مغادرته مكان العمل في الساعة السابعة والثلث.

***

قصي الشيخ عسكر

..ووحدَه الوَجْد يرنوإلى مستحيل التلاقي

الإهداء: إلى تلك التي مازالت تتجوّل في خراب يسكنني.. ووحدها تراه!

***

كنتِ مرايا الغياب..

وكنتِ

والكلمات التي أورثتني عشق الرؤى

عشب الرّوح في

رئتيًّ..

غير أنّي حزين

كأنّي عظيم بحزني..

وقد كنت أنأى وأرنو إلى..

ومضة في المدى

وكنتِ تلامسين نرجسَ القلب

فيلج الشّوق ثوبـي

ويستقرّ على شفَتيَّ

وكنتُ في غفوتي

ألامس أعناق المساء

عسى أن أستعيدَ حروفي،وصوتـــي

وذاك الزمان البعيد..

وأن أستضيءبما خلّفته الطفولة

كأن تزهر كل النجوم..

فيستريح البدر على ركبتــيَّ

لكنني كنتُ وحدي..

ووحدَه الوَجْد يرنو

إلى مستحيل التلاقي

وكدتُ أخــون

ومـا خنـــتُ وعــدي

وما وعدته الـــــرؤى

وما إستدلّ به الغرباء..

عليَّ

لا شيء لي الآن..

سوى أحرف العشـب

غير أنّي كثير بعشقي

ولا أمّ لي تحتفي بمرايا القصيد

وتدرك سرَّ حزنــي

كأن يضيع العمــرُ

سدى في الدروب

لكنّ طيفُكِ ظلّ يتداعى بقربي

ويهفو إلى نشوة الحلم..فــيَّ

ويبرق وجهُكِ..

في عتمات الدجى

فتهرع نحوي النجوم..

وتحطُّ

متعبةً..

على راحتيَّ

***

محمد المحسن - شاعر وناقد تونسي

موت المريض لا يعني التخلص من المرض فماذا نسمّي الانتحار الافتراضيّ؟

افْترِضْ

انّك الآن من قصَبِ القحْطِ

تلهُو بك الرّيحُ

في كلّ مُفْتَرقٍ للصُّدفْ

افترضْ

قبْل أن تضعَ الأرْضُ شعْبًا

يناسبُ من يحْكمُكْ

واسأل القلبَ:

من أيّ جنْبٍ يسيلُ دمُكْ

ولا تنْسَ أن تطلقَ الرُّوحَ

دُون عناءٍ

فخِنْجرهُم في اليَمِينِ

ومُوسَى تقصُّ يسَاركَ

سكِّينُهم في الوَسَطْ

فمن أيّ جُرْحٍ ينَاسِبُ لوْنُ دمِكْ

وهو يُهدَرُ من ألْفِ عامٍ

ولم ينْقرضْ؟

افتَرضْ

انّك تلهو مع الانْتِحَارِ

فتزلقُ من تحْتِ دبَّابَةٍ

لتمُوتَ على مَبْدإ

أو كما شِئْت من أجْلِ شَيءٍ مُهِمْ

ولكنّك لم تَجدْ فرْصَةً أو كَلامًا

لكي تعْتَرضْ

افْتَرضْ

**

أنَّ هذا القَطيعَ يُفكِّرُ

مثْل الشّعُوبِ تمامًا

ويزْحَفُ كالشّيْبِ

من فوْقِ رأْسِ الهِضابِ

ويعْرِفُ كيف يُغّني

إذا الشّعْب يوْما أرادَ...

وماذا يُريدْ

هَلا... كذبةً من جَديدْ

تعلَّمْ إذنْ أن تُغَنّي

على قلَقٍ أو مَضضْ:

كم كذِبْنا على أهْلِنا

وكذبْنا على الأصْدقاءِ

وقلنا ــ وكنّا فتاتًا ـ

نديرُ الفلكْ

فمنْ أسْقطكْ؟

ألسْتَ الجَوادَ المُناسبَ

يا صاحبي؟

سوْف تبْقى تُعدُّ الخِياناتِ

من عِلكَة

وتحلِّل أسْبابَ عثْرتنا

وتفسّرُ كل الغَباوَاتِ

أو ... تفْترضْ

**

فافترضْ مثلا...

ملكًا ...أو أميرًا، رئيسًا على قرْيةٍ

تستعدُّ إلى جولَةٍ في الخراب

وقل أيّ شيءٍ

فمنْ عادة الرّؤساء الكذبْ

وانْ لمْ تجدْ

فاخترعْ، شبَحًا...

يتوقّعُه النّاخِبون

من الصُّور التلْفزية إن لَزِم الوقتُ

من شمْعةٍ دون خيطٍ

..... من القُطنِ،

من بُرْنسٍ وَبَرِيّ، ومن جبّةٍ،

من حرِيرِ الكَلامِ

ومن فأرةٍ في الحَواسيب

من موْجةِ العنْكبُوتِ

ومن صُوَرٍ تتَداخلُ

ثم تعِيد الكَلام وتنْأى

وتشْقَى

وتمتدُّ ما بيننا فنؤلفُ منها الرِّواياتِ

حوْل السّلاطِين

صاروا جميعًا رئيسًا علينا

وكلبًا يَعَضُّ

هو ميْتٌ ولكنْ يَعَضْ

**

افترِضْ....

أنّ هذا الذي انتخبَ الشَّعبَ

جاء، كما قال من كوْكبٍ تائهٍ

يتحدّثُ" لا لغَةً"

فيصدّقُ أوهامَهُ

ثمّ يجترّ أحلامَهُ

ويسوقُ البلاد إلى غايَةٍ

في الضّباب، السّرابِ

إلى غيمةٍ بعثرتها السُّحُبْ

ليس لي دعْوَةُ الأوليَاء لكَي

أقْنعَكْ

فلتعِشْ لتعيشَ البلادُ

ويفْنى المَلَكْ

ثم نَنْتخبُ الميْت - حيّا

فقد يسْتدِيرُ الفلكْ

***

المولدي فرّوج/ تونس

تونس 2015

على رصيفِ ساحةِ النهضة،

في بغدادِ الأزلْ

بينَ الذبحِ والأملْ،

مضى سالم صادق ملانزار

نحو حتفهِ

برصاصاتٍ

زيَّنتْ صدرَه وجبهتَه

بأكاليل الغار.

*

كانَ ذلكَ

حين اعتلى عرشَ الموتِ

الحرسُ اللاقوميّ

بقطارٍ جاءَ

من مصانعِ البيتِ الأسود الخلفيةِ،

ليزنَ الذبحَ في شوارع بغدادَ

بميزانِ الدولار المُدنَّس

برائحةِ البترولِ،

وكوارثِ البنكِ الدوليّ.

*

مضى سالم ورفاقُه موشَّحينَ

بأوسمةِ المُستضعَفينَ في الأرض،

أصحابِ بيوتِ الطين والقصبِ

في أهوار العشق الأبديّ

لگلگامشَ الباحثِ عن العُشبة

بمعيّةِ خليلهِ أنكيدو.

*

الحانةُ الشعبيةُ في البابِ الشرقيّ

كانتْ مزدحمةً بأولي النخوةِ والمعاناةِ

بحثاً عن ساعاتٍ من النشوةِ

والخَدَر اللذيذِ

غير المتوفرين في الأزقةِ الرازحةِ

تحتَ صخرةِ الركضِ

بحثاً عن رغيفٍ

منَ التنور الطينيّ المسجورِ

بقلوبِ أمهاتِ الشهداءِ

في ساحاتِ المعاركِ الدونكيشوتيةِ

في درب المسيرةِ الكبرى

نحو اليوتوبيا المُنتظَرةِ التي انهزمَتْ

امامَ النمرِ الورقيّ.

*

سالم

ورفاقهُ الشبابُ الحلوين

المُرتّبين

في صالوناتِ الكتبِ الممنوعةِ،

والمعبّأين

بأحلامِ اليقظةِ

في القلوبِ والجدرانِ المتهالكةِ،

حملوا رايةَ الشمسِ الحمراء

في الأفق البعيدِ،

وأناخوا بإبل آمالهمْ

عندَ واحةِ لينينَ،

بين الرمال المتحركةِ

بأيدي الباحثين عن حتفهم

في زمن الذي ضيّعَ المَشيتين،

ليصبحوا جثثاً مرميةً

على قارعةِ الطريق العامّ

بأحقادِ رُكّابِ القطار القادم

برداءٍ مهلهلٍ من تاريخٍ..

أسودَ من الفحم

في كهوفِ شيوخ فتاوى المُفخّخات،

الرُكّاب الذين رفعوا رايةَ الذبح

من الوريدِ إلى الوريد

شعاراً

بأنَّ الجماجمَ للعقيدةِ سُلَّمٌ.

*

وأمّا قطارُ الشرقِ السريع

فكانَ أسرعَ منَ الضوءِ

في اختطافِ الشبابِ المُرتّبين

المؤمنين

بوطنٍ حرٍّ وشعبٍ سعيد،

اختطافاً غيرَ مؤجّلٍ

صوبَ الموتِ المجانيّ

في قافلةِ الحُداةِ المَهرةِ بالختيلان،

والمدرّبين في مدارس الرفيق:

"ميكويان، أهلاً بيكْ..."،

والرفيق عزيز الحاج!

***

عبد الستار نورعلي

نيسان 2022

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م