نصوص أدبية

كانت تتوقع رؤيته في شقة خولة ما أن تفتح لها الباب، ربما تكون صديقته، أو عشيقته، ربما تكون جاسوسته لدى مؤسسة كمال ياسين، وربما كمال ذاته يعرف ويتركها لتنقل لرجل المخابرات ما يريد أن تصله من معلومات، وربما وربما...

 لا بد لها أن تعلم، أن تتأكد، أن تعثر على خيط يقين عبر تلبية دعوة الغداء في عطلة نهاية الأسبوع من قبَل صديقتها التي شعرت بفتور علاقتهما تدريجيًا، تجرأت أخيرًا وسألتها عن علاقتها بعمّار عسى أن تتحرر من شبكة الخداع والظنون التي تحتويها أينما ذهبت، فتأسرها بلا أسرٍ واضح ومحدد المعالم.

انتفضت خولة من السؤال غير المتوقع، فسألتها بدورها: ومن هو عمّار الذي أوصل له أسرار سيادتك؟

 تلعثمت هالة، لا تدري ما يمكنها أن تقول عنه وعن حكايتهما منذ بدئها وكيف صاغ حياتها مثل نقشٍ يتفنن في نحته، تكلمتْ، تكلمت كثيرًأ، متفلتة من سطوة الخجل المداخلة نبرات صوتها لئلا تجبرها على معاودة الكتمان، ولمّا أجهدت العودة سنوات إلى الوراء أنفاسها دوّت في أذنيها ضحكة خولة المجلجلة والطويلة فظنت إنها لن تنتهي منها أبدًا، والقهقهة تنقر أعصابها، ثم صمتت وكأن هناك من ألزمها بالتوقف.

انتظرت هالة أن تسمع منها أي رد يمزع القلق المثقل أيامها، كما لو كانت تترقب النطق بحكمٍ غير قابل للنقض، حتى بدأت خولة الكلام: أنتِ مجنونة أو على وشك، كلامك هذا لا يصدقه عقل، حبيبك أو صديقك السابق يخطط لك حياتك من العراق إلى هنا؟ ربما الفراغ الذي سكن زواجك منذ البداية أوهمك بوجوده (الشبحي)، محاولة جيدة للتعويض، لكن لا تتركيها تسيطر على تفكيرك إلى هذا الحد وإلا سببت لكِ مشاكل كثيرة.

هالة: ماذا تقولين؟ أنا لست مجنونة لأتوهم كل هذا.

ـ وأنا لا أعمل لصالح المخابرات العراقية التي فرغت من كل مهامها وانصرفت إلى مطاردة فتيات الماضي في كل مكان، ولست قوّادة لأنقل له أخبارك فأسّهل له طريق وصوله إليكِ، ادخلي وفتشي الشقة، ربما تجدينه ينتظرك في غرفة النوم.

ردت في خجل: أنا لم أقصد هذا.

ـ لا، قصدتِ هذا وأكثر يا فتاة الجامعة الهاربة من عشق رجل الدولة المهم.

دمعت عيناها وقالت: لا أعرف ماذا أفعل، منذ فترة وأنا أريد أن أخبرك، لكنني خفت أن يحصل مثل هذا الموقف بيننا، صمتت للحظات متوترة ثم أردفت: أريد أن أرتاح من كل الوساوس التي توقضني فزعة من النوم، ربما أجن فعلًا.

ـ خذي من حبوب زوجك، يمكن أن تريحك.

ـ تسخرين مني؟

ـ لا أسخر ولا قدرة لدي على الكلام المخبول، كل ما سنقوله سيجرَّحنا أكثر، وأنا كبرت على مثل هذه المراهقة والخيالات، وحياتي فيها الكثير من المشاكل التي لا أحب أن أتكلم عنها، إلا مع عمتي نوال أحيانًا.

ـ لكنه خابرني وأنا عندك بعد الإجهاض مباشرةً، ولما رأيته وسألته قال إنه علم منكِ بشكلٍ غير مباشر، أريد أن أعرف أمام من تكلمتِ عن حملي و...

قاطعتها في حدة: أف... اخرجي يا هالة، لعلكِ تجدين عشيقكِ القديم في انتظارك عند باب العمارة، ما دام يتتبع كل تحركاتك بهذه الدقة المخابراتية، لترتاحا من أشواقكما التي تسيطر على عقلك، لكن بالتأكيد ليس عندي.

صفعة قوية تلقتها وكان عليها تحمل وجعها في صمت لازم خروجها من الشقة ومشيها الوئيد من شارعٍ إلى آخر حتى أدركها الوهن، عادت إلى شقتها الموحشة وكلام خولة يواصل طنينه في رأسها، فقالت، وكأنها تسأل الجدران: "يمكن أن يكون كل هذا وهمًا؟"

 اتصلت بها نوال بعد عدة أيام وطلبت منها زيارتها، توقعت أن تكون خولة قد أخبرتها عن الحجارة المتناثرة التي قذفتها كل منهما نحو الأخرى وخدّشت صداقتهما، إن لم تهشمها تمامًا، فأعدت نفسها لمحاكمة وتأنيب عليها تجرع مرارتهما، لكنها لن تقبل أبدًا التشكيك في قواها العقلية والانصياع للغو الوهم الذي أوجد عمّارًا أمامها بعد ترك زوجها الشقة والبحث عن استقلاليته بمنأى عنها.

 استقبلتها ابتسامة نوال المشعة حنانًا، بعثت فيها الطمأنية بعض الشيء، في الصالة كانت تجلس خولة بوجهٍ عابس، بالكاد ردت التحية، كما صارت تفعل كلما تقابل وجهاهما صدفة في المؤسسة، وقريبًا منها كان يجلس زياد، حياها بأدب وعيناه تلمحان علامات الاستغراب البادية عليها من وجوده بينهم، رمت نظراتها المستفسرة نحو خولة، إن كانت قد قررت تعريتها أمامه أيضًا، ولمَ هو بالذات، فما شأنه بها وبحكايتها القديمة مع عمّار أو غيره!

 ابتدأ زياد الكلام قائلاً إنه عندما سمع اسم رجل المخابرات في سياق كلام خولة ونوال أراد أن يتأكد إن كان هو ذاته الشخص الذي يعرفه، فطلب منهما أن يراها كي توضح له الأمر.

استفزها سؤاله، فأجابت بكلمات سريعة: أي أمر تريد أن أوضحه لك، ولماذا؟ هذا موضوع يخصني وحدي وليس من حق أي شخص أن يسألني عنه، نظرت إلى خولة في غضب وأكملت: مهما كان زعلك مني فعيب أن تشّهري بي بهذه الطريقة، وأمام شخص غريب، لا هو زوجي ولا أخي ولا قريبي حتى.

نوال: هدئي نفسك يا هالة، لا نقصد أبدًا إهانتك، كما أني أعرف الناس جيدًا وأحببتك مثل ابنتي، زياد يريد أن يعرف أكثر معلومات ممكنة عن عمّار هذا، وفي نفس الوقت هي فرصة لتجدي من يسمعك، أو حتى يحميكِ إن كنتِ في حاجة للحماية، في الغربة نحن عائلة واحدة، واحدنا يخاف على الآخر.

ـ أستاذ زياد، أرجوك لا تدخلني في مشاكلك وحروبك مع أي شخص، أنا غادرت العراق لأرتاح من كل هذا القلق الملعون، عمّار لا أعرف عنه شيئًا، وأتمنى ألا أراه أبدًا، لكني أشعر أنه يراقبني باستمرار وفي كل مكان، ربما هو الأن يعلم إنني هنا، في بيت طليقة الأستاذ كمال الذي تجمعه به علاقة عمل، رغم أن كلًا منهما في جانب يتوّعد الآخر بالفناء، صمتت لتخفف من اضطراب أنفاسها المتسارعة ثم أكملت: خولة سخرت مني وقالت إني أتوهم أوهام المراهقات، وجهت نظراتها الحانقة نحو خولة: إن كان كل هذا من وحي خيالي، فما سبب اهتمامك بنقل هذياني؟ كان الأحسن أن تخبري صحف المعارضة والفضائيات،

 طفر الدمع من عينيها ولم يفطن إليه انفعالها، تعسر عليها النطق بمزيدٍ من الكلمات المسترسلة دون انقطاع، فانحنت للصمت والعيون تنصب عليها بنظرات دهشة لم تود الإجابة على تساؤلاتها الملقية عنها ثوب الاتهام الذي انساقت إلى ارتدائه على عجل وفرض عليها الدفاع عن نفسها بضراوة كمن يواجه خطر حكم الإعدام.

نهضتْ وهمّت بالمغادرة، فاستوقفتها نوال وطلبت منها البقاء بحنو أمها البعيدة.

 أجابت: أنا قلت ما عندي رغم أني غير مجبرة على أي تبرير، هذه حياتي وليس من حق أي أحد التدخل فيها، وليتدبر كل منا حماية نفسه أولًا، الخطر يلاحقنا جميعًا وفي كل مكان، التفتت إلى زياد وقالت: اليس كذلك؟ تحب إن قابلته مرة أخرى أن أخبرك، أم أنقل إليك ما أسمعه منه ويمكن أن يفيدك لتحمي نفسك مما يمكن أن يدبره اك؟

 أحنى زياد رأسه ولم يجب، وغزه تهكمها المبطن كأنها تهدهد مخاوف طفل، تطمئنه على حياةٍ لم يستطع ضمان سلامتها أبدًا، نظراتها ذات نظرات زوجته السابقة قبل انهيارها رعبًا عليه، تركمه بأحجار العجز أكثر فأكثر، لم يتمكن من تخطيه عبر كل ما نشر ويعد لنشره، فيضعه في مواجهة جديدة مع عمّار أو سواه، وكما تتوقع مراقبته أو أحد رجاله لها، لا يستبعد رصاصة خفية تستقر في جسده أو سيارة تنتظر عبوره الشارع لتدهسه بسرعةٍ خاطفة لدى خروجه من بيت نوال، خاصة بعد اتصال عمّار به وسؤاله عن قراره بشأن الصفقة التي عرضها عليه فأتى بذات الرد، يصفع الباب أمام إغراء جَزَرته وعليه الاستعداد لتلقي ضرب عصاه، لا يدري متى وأين وبأي شكل أو طريقة ستصيبه هذه المرة، ربما تكون الرصاصة الأخيرة المخترقة أوراقه، تنثرها في كل مكان أقام فيه أو عبره واللهاث يدوّي في صدره، دون أن يحذوه رجاء في إعادة لملمتها.

 ركب سيارته، وقبل أن يشغِل المحرك نظر بعينين اعتادتا الريبة إلى الشارع علّهما تبصران ما يثير الانتباه، ففطن إليها وهي تمشي على الرصيف بخطوات متمهلة تحتار أي اتجاهٍ تسلك، أوقف السيارة بمحاذاتها وطلب منها الركوب كي يوصلها دون أن يعلم إلى أين تريد الذهاب، ركبت إلى جانبه بعد تردد، مـتأهبة للرد بقوة على أي كلمةٍ تصدر عنه وتستشعر منها الإساءة.

سألها بجرأةٍ استغربتها، دون أي مقدمات، عن مدى عمق العلاقة التي ربطتها بعمّار في بغداد.

ردت هالة بعصبيةٍ: أنت وقح، كيف تسمح لنفسك أن تسألني مثل هذا السؤال؟ مع الأسف، عندما سمعت حكايتك من الخالة نوال احترمتك كثيرًا رغم نفوري من هذي الأجواء البطولية التي تذوقت مراراتها وخيباتها كل عمري.

ـ أنا لم أقصد أن أجرحك، ربما سألت بطريقة غبية، أعتذر.

ـ لا تهم الطريقة، المعنى واضح مهما زينته بأسلوب الكاتب الهمام.

ـ أنا اعتذرت، وأنتِ لم تقصّري بالرد.

ـ ولن أعتذر، أقصد ما قلته، أوقف السيارة، سأنزل، أحسن من النزول إلى هذا المستوى.

حاول تدارك خجله بالضحك، وقال: أنتِ الآن الكاتبة، تعرفين التلاعب بالكلمات.

ـ أنا لا أتلاعب بشيء، واضحة وصريحة وطموحي أبسط بكثير مما تسعى إليه من أحلام جربها كثيرًا جيل والدي ووالدك وهذه هي النتيجة، صرنا مشردين في بلاد الدنيا، اكتب عن هذا في مقالٍ جديد، ربما يفرح به من يبحث عن الكلام المنمق لتخدير أوجاع غربته الممتدة إلى ما شاء الله.

 أوقف السيارة إلى جانب الرصيف، أدار رأسه نحوها، وجد في ملامح وجهها الهادئة، رغم لهب الانفعال  المتحفز لجلده، جمالًا نقيًا يحمل نسائم من بلاده ومدينته المغترب عنهما "إلى ما شاء الله" على حد قولها، يلملم مشاق أسفاره في لمحاتٍ (جورية) محببة، عبء ما عاش وعايش من حروبٍ وفقدان وأخطار يواجه مخالبها كل حين، لكنها لم تعطه فرصة لانسياب تأملاته المخضبة بالحنين، نزلت من السيارة في صمت، وخطت مبتعدة عنه، فيما ظل يرقب تهاديها حتى غابت عن ناظريه.

 استغربتْ تلك النظرات المسترسلة من عينيه فجأة إثر موجةٍ الغضب المجتاحة كلامها، تخللت مسام ظنونها المثارة باستمرار، كادت ترجع إليه ليعلو صراخها في وجهه، تنبهه إنها لسيت في متناول كل من تهفو شهوته إليها كما يظن، تصفع كل فكرةٍ مهووسة لديه بشأنها وماضيها الذي لا يخصه بشيء، وكلام كثير كانت تريد صبه كالماء المغلي فوق رأسه في انجراف ساخط لا يحد تدفقه أي حاجز، إلا أنها مضت في طريقها متكتمة على زوبعة حنق كان سينوشها عصفها أكثر منه، وشطرٌ من تفكيرها يجنح نحو عمّار.

 راحت تتوقع اتصاله في ذلك الوقت بالذات، قد يحنو على قلق أسئلتها، يهدهد توترها ولو بعض الشيء من بعد أن تسبب في فضح سرها الذي نجحت في اخفائه عن الجميع في بغداد، رغم مخاطر لقاءاتهما في ذات منطقة سكناها، وقد تستعلم منه أي خبر عن زوجها أيضًا، وإن أصر على إنكار أي علاقةٍ له برحيله عنها إلى حيث لا تدري بالضبط، وكم سيطول ذلك الرحيل، وأي خيبة جديدة ستكلل عودته التي صارت تتوقعها كل يومٍ وساعة، أوَ يكون صاحبها القديم قد أخبره بكل شيء عنهما فازداد انكسارًا وخيبة أخفياه من دنياها تمامًا هذه المرة، دون أن يجد في انعدام ثقته بنفسه ما يدفعه للتمسك بحبيبته التي عشق منذ أمدٍ لم تكن تدري عنه شيئًا؟

 تنعته في سرها بالغبي لأنه لم يدرك مدى احتياجها إليه ولا قدرته على تحقيق الطمانينة التي تمكِنها من تحدِ عمّار، خاصةً وأن رجل المخابرات لا سلطة لديه يمكن أن يلوّح بها هنا، ولو على نحوٍ غير مباشر، ليته عرض عليها بدء حياة جديدة (أخرى) معه في مانسشتر أو أي مكانٍ آخر، لعله كان سيمدها بعزم تركها العمل والعالم الذي أُقحِمت فيه دون إرادةٍ منها ولا حق في الاختيار.

***

أحمد غانم عبد الجليل - قاص وروائي عراقي

......................

* من رواية "عصفورة الكَواليس" غير المنشورة

يا جسرَ (بغداد) كم مرّتْ بكَ الغُرَبا

لكنْ بقيتَ طوالَ الدَّهرِ منتصِبا

*

تغفو على النهر .. لم تخضع لأوَّلِهم

ولم تحِد لحظةً مُذْ صِرتَ مُقْتَرَبا

*

ما بين (كرخٍ) بهِ يهوى أحبَّتُنا

وجهَ (الرُّصافةِ) ؛ كلٌّ ودَّ وانتسبا

*

فكان من كان يهوى العشقَ في ولهٍ

يمشي عليكَ .. يداوي النفسَ و العَصَبا

*

من أهلِ (بغدادَ) .. آنَ الخيرِ في زمنٍ

هم يعبرونَ لكي يهدوا لنا الرُّطَبا

*

وهم يجولونَ مثل النحلِ في شغفٍ

رهنَ العطاء .. وما منهم ضحىً تَعِبا

*

وكم تجلّى عليكَ البدرُ في أُفُقٍ

في الليلِ .. حتى أزاحَ العتمَ و السُّحُبا

*

وكم بقيتَ حديدياً بكَ اشتبكتْ

أقسى المعاول ؛ لكنْ شُلَّ مَنْ ضَرَبَا

*

راحوا جميعاً فلن يبقَوا على بلدٍ

فيهِ البطولاتُ .. كلٌّ طاحَ أو هَرَبا

*

تزهو بقيتَ على الشَّطَّين مبتهجاً

تستقطبُ الكُردَ و الأتراكَ و العَرَبا

*

لمّا أتاكَ (مغولُ) السُّحتِ في شَرَهٍ

لمّوا الدنانيرَ و النفطاتِ و الذَّهَبا

*

لمّا مشيتُ عليكَ اليومَ في أملٍ

أنْ ألتقيكَ ؛ رأيتُ العُجْبَ و العَجَبا

*

فما وجدتُ برأسِ الجسرِ من عشقوا

وما وجدتُ بنيناً يسندونَ أبَا

*

ولا وجدتُ على الأمواجِ نورسةً

تُحَلِّقُ الظُّهْرَ .. إلّا أُذعِبَتْ رَهَبا

*

ولا وجدتُ عيونَ الغيدِ ناظرةً

إلّا بكتكَ .. فجاشَ الجسرُ مُنتَحِبا :

*

قد ضيَّعوني ؛ فما ذنبي إذا اختلفوا

كيما يهدّونَ جسراً مشفقاً حَدِبا !؟

*

كم كنتُ لحناً رقيقَ العزفِ أُسمِعُهمْ

حتى أماتوا بيَ الإحساسَ و الطَرَبا

*

وكان يأتي من الشُّطآنِ في سَحَرٍ

صوتُ الرباباتِ ممهوراً بمن طَرِبا

*

وكان يسري غناءُ العشقِ مُنسَرِبا

مِنْ لوعةِ القلب منساباً و منسكِبا

*

ليوقظَ الشَّوقَ في أنياطِ سامعِهِ

فلا ينامُ .. فيأتي الصُّبحُ مُلتَهِبا

*

فتطلعُ الشَّمسُ بالإشراقِ ضاحكةً

لمّا ترَ الناسَ ذاتَ الناسِ مُذْ غَرُبا ..

*

أمسُ الأصيلِ على أفقٍ بهِ اجتمعا

العاشقانِ برأسِ الجسرِ و اقترَبا

*

تفجَّرَ الجسرُ وانهارتْ قوائمُهُ

لكنْ أعادوهُ في بغدادَ مُنتَصِبا

*

كيما يعودُ لنا ليلٌ يسامِرُنا

و يُرجِعُ الحُبُّ و الأحبابُ ما سُلِبا

*

وكلَّ مَنْ كانَ فوقَ الجسرِ نُرجِعُهُ

من عادَ بالحُبِّ مشتاقاً ومَنْ ذَهَبا

***

رعد الدخيلي

 

 

 

من الشعر السرياني المعاصر

قصائد قصيرة في حقيبة السفر

***

حين تهتزُ غيمةُ في السماءِ وهي حبلى بدموعي ...

ودمائي ...

تمطر مطرا أحمر

ولان هذه الدموع

وهذه الدماء مني

لذا تراها تستقرُ من جديد فيَ

فتملتئ عيناي من جديد

لتفيض خلفي بعد كلِ رحيل

لتبعدَ عني الشرَ

-2-

ولأن وطني هو في قلب الزلازل

ولأن أرضي حبلى بآلاف الجثث

وقادتي!!

ما أن يستفيقوا من نومهم حتى يذهبون

الى مفتاحِ القنابل ليهزوا المهود والأرض

لذا ترى سماء وطني في كل هزةٍ

تمطر أشلاءً ودماء

مرة يكون المطرُ أسود

وفي الآخرِ أحمر

وفي الثالث ... فآه من لونه الأصفر

دعونا نطلب من الله الرحمة

-3-

أيتها الأرضُ التي دارت مرة وشلت

لماذا لاتدوري لتعيدي الي الربيعَ

ألم يكونَ الربيعُ ربيعي

وتموز إلاهي

دوري ...

ليعيش شعبيَ كبشر

بعيد عن الحروبِ والتهجير

-4-

رغم إن الأرضَ أرضي

والتاريخُ يعبرُ من خلالي الى الحاضرِ

إلا أني اليوم بلا وطنٍ

فبيتي مبنيُ على الغيومِ

ولأن الغيومُ لا تشتهي السكون

لذا تراني حشرتُ قلبي وأحشائي في حقيبةِ سفر

معلقةُ بذيلِ الغيوم وهي تسير

وبنيتُ لنفسيَ بيتاً من المكعباتِ لاغيرَ شكلهُ

ليكن كشكل لساني مجرد أداة وصل

***

نزار حنا الديراني

ما ان ترجلت من الباص قرب الميناء، حتى امتلأت أذني بالمواء. كان المواء حزينًا. نساني ما أنا قادم لعمله من بلدتي الناصرة إلى مدينة حيفا.

أمضي في طريقي باتجاه بيت أختي هناك في أعماق حيفا القديمة. أغذ الخطى أريد أن أبثها خبر سرقة هزت أركاني. لم يتبق لي في هذه الحياة غير تلك الاخت الحنون الغريبة المقيمة في حيفا مع زوجها وأبنائها منذ أكثر من ثلاثين عامًا. يوم تقدم إليها من سيصبح زوجها، ابن مدينة حيفا، في تلك السنوات البعيدة عارضت زواجها منه قلت لها أنا لا أحب السفر. وإنني لن أتمكّن من زيارتها إلا في المناسبات والاعياد. في بداية حياتها هناك زرتها عددًا من المرات في هذه المناسبة أو تلك. بعدها توقفت عن زيارتها في المناسبات، وتوقفت زياراتي لها على الاعياد. في السنوات الاخيرة توقفت عن زيارتها كليًا تقريبًا. وها أنذا آتي إليها اليوم لأخبرها بما حصل لي سأقول لها إنني ادخرت مبلغًا من المال لإنهاء قصة التشرّد التي ابتدأت عام النكبة حين تشرد أهلي من قريتهم سيرين، سأخبرها انني ادخرت مبلغًا محترمًا من المال وخبأته بين أوراقي وكتبي. وسوف ألقي بجسدي المتعب هناك على أريكة قريبة منها. سأضع راسي بين يدي وسوف تسألني عمّا حلّ بي عندها سأنفجر في البكاء، سأنسى أنني أصبحت في الخمسين وسوف أقول لها بعينين تملؤهما الدموع.. لقد سرقوا ثمن البيت وانني سأحتاج إلى خمسين عامًا أخرى لادخر مثله، كي أستقر في بيت حلمت به طوال سنواتي الماضية وعندما اقتربت منه ولّى فارًا من بين يدي ومنسربًا كما تنسرب الآمال أحيانا من بين أيدينا دون أن ندري.. أفكار جنونية تلاحقني.. ترى كيف ستستقبلني أختي؟ وهل ستغفر لي نسيانها شبه التام في غربتها؟

أغذ السير باتجاه البلدة القديمة. المواء يلاحقني. الشوارع تتحوّل إلى مواء. كل شيء في هذه البلدة يموء.. روحي تموء والاشجار تموء وحتى أشرعة السفن الراسية في ميناء حيفا تموء. أتوقف عن السير باتجاه بيت أختي في حيفا القديمة. أتخذ قرارًا جنونيًا أنا يجب أن أتابع المواء.. يجب أن أصل إلى مكانه حتى لو كلّفني ذلك العودة إلى بلدتي حاملًا أحزاني وأشجاني.

أتسلّل على رؤوس أصابعي إلى مكان قصيّ هناك في عمق البلدة القديمة.. أصيخ السمع لذاك المواء.. إنني أقترب منه.. أقترب إلى مصدر ذلك المواء الحارق الحزين. أدنو من جبل من الاطارات المهملة. أقترب منه.. المواء يقترب من أذني. يقترب يقترب.. أشعر أنني وصلت إلى مصدره. يقينًا أنك وصلت إلى سرّ الاسرار إلى عُمق أحزان ذلك المواء الباكي.

أرسل نظرة إلى عمق جبل الاطارات المطاطية المهملة.. أرى هناك فروة سوداء تتحرّك ببطء. أنعم النظر يعلو المواء. أتأكد بحاستي الجيّاشة وعينيّ الثاقبتين أنني وصلت إلى عمق المواء. أراها.. إنها قطة وحيدة.. مؤكد أن أهلها تركوها هنا وحيدة تبكي حظها التعس في هذه الحياة. من تكون هذه القطة؟ ألا يمكن أن تكون قد هُجّرت من قريتها في عام النكبة لتبقى هنا وحيدة هي ودموعها؟ ألا يمكن أن تكون قد ادخرت مبلغًا من المال لوضع حدّ لقصة تهجيرها من قريتها، وعندما وجدت البيت المتمنّى توجهت إلى حيث خبأت مدخراتها فلم تجدها؟. أرسل نظرة حانية إلى عيني تلك القطة الصغيرة فأراها ترسل نظرة موازية إنها تشعر بمثل ما أشعر. ترى ماذا بإمكاني أن أفعل؟ ماذا بإمكاني أن افعل لها وأنا الغريب في هذه المدينة الغريبة؟

أتخذ من إطار وحيد غريب وجد ذاته ملقى بعيدًا عن إخوانه في الجبل.. أتخذ مقعدًا لي.. يخفت مواء تلك القطة هناك في أعماق الجبل يدخل عميقًا عميقًا في أغوار أعماقي.. تلوح لي عيناها الدامعتان تحدقان في عيني.. أنا لا يمكن أن أتركها هنا في هذا الجبل الموحش وحيدة وحزينة.. سآخذها معي.. إلى أين ستأخذها؟ وأنت لا بيت لك؟، سآخذها يعني سآخذها.. دعها هنا تواجه قدرها كما تركتك يد التشرد تواجهه.. لن أدعها، سآخذها يعني سآخذها.

أنتصب فجأة أشدد قبضة يدي أصرّ على ما تبقى لي من أسنان.. أصغّر جفون عيني وأوسعهما.. أندفع باتجاه الجبل الموحش. أهاجمه بشراسة أين اختفت تلك القطة الصغيرة.. اخذ في تناول الاطارات واحدًا تلو الآخر القيها بعيدًا في فضاء الميناء.. أين تراها تلك القطة اختفت؟ أواصل القاء الاطارات في كلّ الاتجاهات.. أنقل جبلها من مكانه إلى مكان آخر إلا أنني لا أعثر على تلك القطة.. لقد اختفت ابتلعتها الأرض.. لم يعد لها وجود هل كنت أتوهم؟ هل كانت تلك القطة الصغيرة الوحيدة الغريبة هي أعماقي الدامعة؟ يتوقف المواء لحظة ويعود ليملأ فضاء حيفا القديمة.. أتوجه نحو بيت أختي هناك في عمق أعماق حيفا.. في البداية أمشي بهدوء بعدها تخطر لي خاطرة غريبة فأركض باتجاه بيتها أركض أركض أركض.. ويركض ورائي المواء.. أركض أركض فمن يعلم قد أجد قطتي الحزينة الوحيدة هناك.. في بيت أختي.. وربّما في حضنها.

***

قصة: ناجي ظاهر

ها قد قرُبَ العام الثاني

ما زلنا في البيت نعاني

*

نيراني تصلي  جذوتها

تتصاعد من كل مكان

*

ما زال الدمعُ  يؤانسُنا

لو شـاءتْ أنساً عينانِ

*

هل كان مصيري يا ولدي

أن تمضي في غير أوان

*

أحلامي ماتت في صدري

ودمي قد جفَّ بشرياني

*

أبكيكَ العمرَ ولا عجبٌ

لو قرَّحَ دمعي أجفاني

*

قد أزرى بسروري موتٌ

صيّرني غابة أحزانِ

*

بابي موصود يا ولدي

ما ليَ بعدكَ من خلاّنِ

*

ابكيك  وأبكي إنساني

ابكي من عاش بوجداني

*

هل تذكر في يوم كنا

نتهاتف في أحلى شان

*

قد كان البشر يكللنا

نتطاير في روض حنان

*

قلبي يترنم في طيرٍ

لم يبرح يوما أفناني

*

عامٌ مرَّ وجاءَ الثاني

حطباً ليُضاعفَ نيراني

***

د. جاسم الخالدي

 

أَشـرعـــتُ جـنـحي لــريـاحِ القــدَرْ

طيــراً جـريـحــاً يَتحـدَّى الخطــــرْ

*

وصنـتُ عُــودي لـــمْ أُهـنْ لحنَــــه

حين أَهــــــانَ العازفــــونَ الوتــــرْ

*

عاشــــقُ جـمــرٍ. لا أَرَى تــركَـــــه

ولأَحتــرِقْ عِشـقـاً بفـيـضِ الشَّــررْ

*

وأَيُّ مجنـــونٍ أَنــا؟ لــــــمْ أَلــِـــنْ

ولــــمْ تُروِّضْني قيـــــــودُ التتـــــرْ

*

وليَكثـُــــرِ اللـُــــوَّامُ. لــــنْ أَنحنــــيْ

إِذا انحنَى منـهــــمْ لــــــواءُ الكِبـــرْ

*

مُختـلـــفُ المـضمــونِ عمَّـنْ معي

وإنْ تَوافقْنـــا بشكـــلِ الصــــــــورْ

*

لاتَفهمُ الأَحجـــــــــارُ عطـري،ولا

تَفهــمُ أَزهــــاري الذي في الحجـرْ

*

تَعبــتُ مـن سـيــري بـدربٍ سدىً

أَبحـثُ عن خَطـوٍ ، ومـا مِن أَثـــرْ

*

أَبـكيْ على قــومي ونفـسي، وفي

قلبـي بكـــــاءٌ لغـــدٍ مُدَّخـــــــــــرْ

*

لاأَقبــــــلُ العيشَ بـــــلا موقـــفٍ

إنّي أَمــوت واقفــــاً كالشجــــــــرْ

*

كـــمْ غائــبٍ حضـــــورُه جثَّـــــةٌ

وحاضــــــــرٍ جثمانــُـــه مُسـتتَـرْ

*

أَتَــزدهي برعــــــدِها غيمـــــــةٌ

لـم تَنفجـــرْ بروقُهــا عن مطــــرْ

*

أَمْ تَــــزدهي بالظـلِّ صفصـافــةٌ

ليـس بهــا لجائــــعٍ من ثمــــــرْ؟

*

لاطــالَ ليْ عمــــرٌ إذا لــم يكـنْ

ليْ فيــه معنىً في كتــابِ البشـرْ

***

عبدالإله الياسريّ

كُتبتْ في بغداد ــ العـراق،

في عام 1969م.

هل تصدق أنني التقيتك اليوم؟!  كان ذلك اللقاء في رأسي، لكنه بدا حقيقيا لدرجة أني قفزت من النشوة، كنتَ قريبا... أقرب حتى مما قد يحدث في الأحلام!  كدتَ تختفي في انعطافة الممر لولا أني قمعت بقايا خجلي الملاصقة لي مثل عاهة، لأناديك. للحظة خشيت أن يضيع صوتي ويتلاشى في الفراغ، لكنك عندما التفتَ نحوي وتلاقت أعيننا عرفت أني لازلت قادرة على تلوين أحلامي ونزع غلالة الضباب عنها.

هل تدري! تماما كما تخيلتك، بشعرك الأبيض وقامتك الملفتة وخطواتك المتثاقلة قليلا، ثم عندما اقتربت أيقنت أني أجيد رسم التفاصيل، حيث كان حاجباك الكثيفان معقودين وأسنانك الصغيرة منتظمة  ولون عينيك يصعب تحديده، وابتسامتك ودودة. غمرني صوتك ذو النبرة العالية قليلا( نعم تفضلي) لم أنزعج لأنك لم تعرفني، فأنت داخل في رأسي بلا إرادة ٍ أو قرار ٍ منك، لقد جئتُ بك إليّ، والآن انت ضائع هنا، بين هذه الخلايا المتصارعة والحواس المتوثبة والشرايين الضاجة.. المحتدمة. ستشعر بالضياع قليلا لكنك ستجدني وسأجدك، هذا ما أنا متأكدة بشأنه.

حسنا ..أنا من النوع الذي لا يجيد تقديم نفسه، لا أتذكر كيف أخبرتك إنها أنا و ماذا قلت لك تحديدا؟  لكني أتذكر أني كنت فرحة جدا، بالتأكيد لاحظتَ ذلك، فقد ابتسمت مندهشا عندما عرفت أنها أنا، للحظة شعرتُ أنك على وشك أن تعانقني، هكذا تجذبني إلى صدرك طويلا، حتى إن نبضات قلبك تدق في رأسي، و عطرك يملأ أنفي.

لقد كانت لحظة مربكة، لكنها مرت ثم هدأنا، سألتني عن حالي، و أثنيت على عملي في تدقيق أشعارك، ثم بابتسامة ذات مغزى أخبرتني أنني أجمل من الصور، لم أجعلك تشعر كم أحببت إطرائك، هكذا تظاهرت بعدم الإهتمام. قلت لنفسي سأشكره عندما نجلس لشرب الشاي، ونتحدث عن رسائلنا وأعمالنا وأحاديثنا عبر الإنترنت، سنأتي على ذكر كلّ شيء.

لا اعرف كم وقفنا في نهاية الممر، بدا الزمن جامدا. فيما بعد، لم اعرف ماذا أفعل؟  بدوتَ محرجا وهممتَ بالذهاب. أدركتُ بحدسي أنني على وشك الإفاقة من حلمي، قاومت بقوة.  في الحقيقة قد لا يكون هذا حلما ابدا، كيف اعرف ما إذا كانت الحقيقة هذه اللحظة أو تلك؟ ما إذا كنت أنت هنا أو هناك؟  مددتُ يدي نحو وجهك، مررت أصابعي على عينيك، بدتا واقعيتين، عرفت ذلك من دهشتك، وتراجعك خطوتين.   

(ابق معي) هذا كل ما أردت قوله لك، وإن كلفني أن أستمر في الغياب عن نفسي. لكنك لم تقل لي تعالي نمشي حتى التعب، أو تعالي نقرأ الشعر ونشرب الشاي وندخن ونضجر معا، في الحقيقة لم تقل شيئا ابدا، آه لو كنت أحلم حقا، لأخذتني من يدي وسرنا هناك وأخبرتني كلاما جميلا..جميلا جدا، فأنا أرسم كلّ شيء في رأسي، كأن تجلس قبالتي وتضع فمك على فمي طويلا، تتأملني بصمت وتخبرني أن لا أفيق، لكنك كنت على عجالة، اكتفيت بابتسامة وبضعة كلمات وابتعدت قليلا، آه ..هذا يعني أني أفقت، أو ربما لم أنم أصلا!  عندما استدرت أنا الأخرى ومضيت وحيدة، سمعت صوتك، كانت نبرته العالية التي أحبها توقظ جميع الحنين الراكد في الروح و تحرك ما تراكم عليه من غبار السأم.  لقد اقتربت من جديد وأوشكت المسافة على التلاشي، قلت لي تعالي نخرج نتسكع على غير وجهة، يااااه لو تعرف كم فرحت، و أمسكت بيدك الكبيرة فورا، حينها لم أفكر بصراحة إن كنت أحلم أو لا؟!

***

تماضر عبد الكريم

بَجْدَةُ المَعْنى تَسامى فِعْلُها

بفؤادي فأبانَتْ كُنْهَها

*

وإذا النَجْوى لروحي أوْلعَتْ

تَتَهادى وأنيْني رَجْعُها

*

مَبْعَثُ الأشواقِ يَنبوعٌ حَوى

فيْضَ إيمانٍ فأحْيا وَعْيَها

*

يا إلهي وسَناءٌ ضَمّني

مُهْجَتي تاقَتْ لقاءً يُحْيِها

*

يا ضِياءً في ثَنايا نَبْضَتي

هذه الروحُ كهَمْسٍ شَدْوها

*

وفؤادي في هُيامٍ دافِقٍ

ورحيلٍ لسماءٍ ودَّها

*

إنّما الدُنيا جِراحاً أوْرَثتْ

هَلْ أتَيْنا مِنْ ترابٍ نَحْوَها؟

*

بترابٍ بَعْدَ حيْنٍ مَكْثُنا

فببَيْنٍ قدْ أزالتْ سِتْرَها

*

يا لظى الأيامِ يا عَيْنَ الأنا

أخمَدَ النيرانَ نارٌ ضُدّها

*

فَتَعالتْ صَيْحةٌ بينَ الوَرى

واسْتَعارَتْ مِنْ بَرايا حَتْفَها

*

دورةٌ ما أفْصَحَتْ عَنْ خالدٍ

مِثلُ بَرْقٍ أو وَميضٍ سِفْرُها

*

وكذا الأعْمارُ جَفَّتْ وانْتَهَتْ

وتَداعى في حَفيرٍ خَلقُها

*

ووفودٌ مِنْ بَعيدٍ قَدِمَتْ

ومَضَتْ صَرْعى رَغيْبٍ هَدَّها

*

دارَتِ الأيّامُ واليَومُ اعْتَدى

ونفوسٌ في ضِرامٍ حَفَّها

*

إنّها الدُنيا كتابٌ مُبْهَمٌ

بزُلالِ الماءِ خُطَّتْ سَطرُها

*

فاحْفظِ المَكتوبَ في صَدْرِ المُنى

وتَعَلّمْ كيْفَ تَرقى فوْقَها

*

أيّها الساعونَ في سِفْرِ الضَنى

ما أكادَتْ بَلْ أجابَتْ سُؤْلها

*

أنْتَ مولايَ وحَتفٌ قادِمٌ

وبنا الأعْمارُ ألقتْ حِمْلها

*

وعلى الجُرْفِ نداءٌ مُؤْلمٌ

وصُراخٌ لصُخورٍ فتّها

*

وأرى الطفلَ رَضيْعاً وانْضَوى

بَيْنَ أحْضانِ رَميْمٍ وانْتَهى

*

وبها الأغْصانُ عَزْفٌ ساجِعٌ

مِنْ قلوبٍ إسْتذاقَتْ مُرَّها

*

وعلى يُبْسٍ سَبوغٍ غاضِبٍ

دارَتِ الأجْيالُ أشْقَتْ بَعْضَها

*

وتَوارَتْ بَعْدَ حيْنٍ واخْتفتْ

أكلَ الخَصْمُ خليقاً قبلها

*

هلْ تناءَتْ عَنْ هَواها وارْعَوَتْ

أمْ تَمادَتْ بلذيذٍ قدّها؟

*

يا هُدانا في دروبٍ أوْغَلتْ

بمَتاهٍ فأضاعَتْ رُشدَها

*

لحَياةٍ هَلْ قدِمْنا عُنوةً

وإذا الكلُّ لنَفسٍ عَبْدُها

*

أنْتَ مَوْلاي فباركْ خُطْوَتي

واجْعَلِ النورَ بروحي كَوْنها

*

واطْعِمِ النفسَ نَسيْماً طيِّباً

وعَبيقاً يَتَهادى قرْبَها

*

وامْنحِ النَبْضَ انْسِجاماً وادِعاً

وحَفيفاً إرْتوى مِنْ سِحْرِها

*

وبلَحْنٍ مِنْ بَديعاتِ الجَوى

رَقصَتْ روحي وزارتْ ذاتَها

*

أنْتَ مَوْلاي ونُشْدي والمُنى

والبرايا ما أصابَتْ نُشْدَها!!

*

مِنْ تُرابٍ مَعْدَنُ الخَلقِ الذي

قد تَمادى مُسْتبيْحاً ديْنَها!!

***

د. صادق السامرائي

23\10\2021

......................

* البَجْدَة: حقيقة الأمر وباطنه

نصٌ عن  بيروت المنكوبة تحت عنوان:

حذار ِ من الصَّهاينَةِ الجُدُدْ

***

حذار من الصَّهاينةِ الجُدُدْ

أنزلوا الرّايات ِ

أنزلوها

واغسِلوها

بدمُوع ِ القاصِراتْ

بدموع ِ الأمّهاتْ

مَن يُنقذ ُ الأحياءَ

في نكبةِ بيروتَ:

(الميناءُ، والحريقُ، وألسنة ُ اللهبْ)

مَن يُصَلي على أرواح ِ الأمواتْ؟

مَن يَمسحُ الدّموعَ عن وجوهِ نساء ِ بيروتَ؟ مَن؟

مَن يُعيد للأطفال

بُيوتهم المُدمّرَة؟

مَن يُعيدُ لهُمُ الإبتِسامَه؟

**

نكبة بيروتَ تذكّرنا  بعام ما بعدَ الأربعين

تعيدُ الى الذاكرة تلك السّنين العِجافْ

تعيدُ صورَ كفرقاسم.

لحَظاتٌ...

وأحاطتْ بنا ألسنة ُ اللّهَبِ

والدّمارُ، والقهْرُ، والضّياعُ، وفقدانُ الأحِبّة...

ليهنأ أولادُ الغولْ

لتهنأ البومَة

ليهنأ أحفادُ أبي لهَبٍ.

**

ثكالى  بيروتَ

نِساءُ بيروتَ

يبكينَ في الليل ِ

يَتضرعن إلى الخالقْ

يُضمِدْنَ الجراحْ.

**

أفعى الحَريقِ ِ

طالت شوارعَكِ يا بيروتُ

ضربَتْ فيكِ

الخمائِلَ

والحَدائِقَ

والأشجارَ

والحَجَرْ.

آهٍ.. يا بيروتُ

لا يَنفعُ الندَمُ.

باعوكِ يا بيروتُ !

بالدّينار، والدّولار

ورَنين ِ الذهَبْ

قدّموك للتنين ِ ضَحيّة !

باعوا الجَمال َ في عَينيك الجَميلتين

باعوا زرْقة َ البَحر في الصّباح

باعوا لياليكِ الجَميلهْ

باعوا الكحلَ في عيون ِ العَذارى.

**

خزّنوا الحِقدَ في الميناء

خزّنوا أدواتِ المَوتِ أطنانا !!!

ماذا نقولُ .. يا بيروتُ ؟

والحزنُ يُخيّم ُ

في المنازلِ .. في الحاراتِ

وفي عيون القديساتْ.

من  كانَ يُفكر.. يا بيروتُ !

أنّ الذئابَ... سَتعتدي على سِتّ البيتْ !!

من كانَ يُفكّرْ !!

**

الإفرنجُ، وأحفادُ يهوذا،

، والعثمانيون الجُد دْ   والأعرابْ

دفعوا الأجْرَة سَلفا

إلى أحفادِ أبي لهبْ.

لا ينفعُ الندَمُ يا بيروتُ

لا ينفعُ الندَمُ !

لمْلِمِي جراحَك يا أختاه

وحذار .. حذار

من الصّهاينة الجُدُدْ !

حذار يا بيروتُ

من الصّهاينةِ الجُدُدْ !!

**

إلهَ الشرّ، والتشريد ِ، والتخريب ِ، والتكفير!

منكَ التقتيلُ، والعُنفُ، والحِصارُ.

ومنّنا فقدانُ الأحِبّةِ، والعَوَزُ، والعريّ، والجُوعُ

لكنْ يا عدوّ الشمس ِ!

والله

لن نركعَ

لن نسْتَسْلِمَ

لن نتعَبَ.

" من الآلام ِ تولدُ القيامَة ُ "

فلتغضَبْ.

إلهَ الشرّ !

إنّ الله والانسان على العَهد ِ.

سَمعتُ صوتَ الجُدودِ ينادينا:

تخيّروا أيها الأحفادُ:

طريقَ العِزّ، تسَيِّجُه ُ

جَثامينُ الأبطال ِ رفاقا على الدربِ

طريقَ الذ ّلِّ مَفتوحٌ في كلِّ الأوقات

مُكللا بالخُنوعْ ...

ولكنْ ...

إرادة ُ الإنسان ِ

مهما طالَ المُحال

لا تنسى، لا تهزَمُ، ولا تقهَرْ *.

**

حذار.. يا بيروتُ !

من الصّهاينَة الجُدُدْ !

حذار..

من سَماسِرَةِ المَوتْ !.

***

بقلم إسماعيل مكارم

.......................

* كتبت في نهاية شهر آب 2020

* الافعالُ الثلاثة هنا مبنية للمجهول (بضم التاء).

* قيل الكثير عن باخرة الأمونيوم، التي فرغت حمولتها في مستودعات مرفأ بيروت، هذه الحمولة، التي انفجرت في أحد مستودعات المرفأ  يوم الرابع من آب عام 2020 وأدت إلى كارثة، حيث راح عدد كبير من الناس الأبرياء ضحايا هذا  الإنفجار. هذه الحمولة جاءت لصالح قوى الإرهاب التي كانت تقتل، وتدمر في سورية، والعراق، كل ذلك بإيعاز وتعليمات من قبل الغرف السوداء في العواصم الغربية، وجهات خاصة في الإقليم. هذا إستنتاج سياسي، مبني على عدة أمور..مثل هذه الباخرة ينطبق على قصة الباخرة التي كانت قادمة من أحد مرافئ ليبيا محملة بالسلاح إلى أحد مرافي لبنان، باخرة (لطف الله 2)، واكتشفت وانفضح أمرها، أما السلاح فكان طريقه نحو عرسال ومن هناك إلى الأراضي السورية، أي من أجل تسليح قوى الإرهاب - أدوات الغرب. من يريد أن يقرأ قصة باخرة (لطف الله 2 ) فليقرأ عنها في النت....إذا كانت قوى الإرهاب قد استعملت هذا النوع من الأسمدة لصنع العبوات الناسفة، وإذا كانت في لبنان قوى تدعم قطعان الإرهاب يصبح واضحا لصالح من وصلت هذه الباخرة إلى مرفأ بيروت منذ سنين قبل إنفجارها.

 

حقا أجد أنني وحيد الآن.

ربما يحدث ذلك بسبب هوايتي الغريبة. منذ الطفولة وأنا معتاد على جمع الظلال.حالما يقع بصري على ظل ألتقطه من دون أن يلحظني صاحبه ثم ينزلق من يدي  إلى علبة من الكتان.

هناك العديد من الحالات الكبيرة في منزلي لأشياء مختلفة: بشر وأشجار وحيوانات وحجارة وبيوت وسيارات وقطارات.

لاحقًا ، كشفت شيئًا ما ، لاحظت أن الأشياء الحقيقية تختفي في نفس اللحظة التي ألتقط فيها الظل المسكين.

كانت هواية خطيرة للغاية!

ومع ذلك أستمر.. حقًا لا يمكنني كبح جماح إرادتي في جمع الظلال حتى أجد نفسي في معضلة كبيرة.

ذات يوم ، أجد، أنا فقط، على الأرض وظلي. لا يوجد أشخاص ولا سيارات ولا أشجار ولا حيوانات وحشرات ، أنا فقط على الأرض مع ظلي ، في تلك اللحظة أفقد شجاعتي لالتقاط ظلي لأنني لا أحب أن أكون حبيسا مع ظلال الأشياء والآخرين في كيس من الكتان.

خامرني هاجس ما فهرعت إمن دون تردد لى الظلال فجعلتها تنزلق ثانية من الكيس إلى الخارج.

***

قصة لمحة: قصي الشيخ عسكر

....................

*هذه القصة كنت قد ترجمتها إلى الإنكليزية قبل سنوات تقريبا عام 2005 من ضمن بعض الأعمال الشعرية والنثرية التي ترجمتها لي وأظن أن نسخة من المخطوط عند صديقي المبدع القدير د. صالح رزوق البارحة قلبت مصادفة المخطوط واخترت منه هذه القصة بالنصين العربي والإنكليزي.

...............

The shades collector

Really I find I’m alone now.

Maybe that happens as a result of my hobby. Since childhood I am used to collecting shadows. I just find a shadow quickly I pick it up then it will be slipped into a linen case.

There are many big cases in my house for various things: human beings, trees, animals, stones, houses, cars and trains.

Later I reveal something, I spot that real things disappear at the same moment I capture the poor shadow.

It was a very dangerous hobby!

Even so I go on; really I can’t restrain my will for collecting shadows until I find my self in big dilemma.

One day, I find, only me, on the earth and my shadow. There are no people, no cars, no trees no animals and insects, only me on earth with my own shadow, at that moment I lose my courage to pick up my shadow for I don’t like to be nothing, soon, without hesitation , I rush towards the shadows  sending them free.

***

اِضربي بسوط الغياب

وأوجعي

واحرقي بالهجر

زوايا مرتعي

دون الحطب

تموج النار به

صرخات روح

عجَّ بها مسمعي

شربتُ الفراق

بكأس الصمت

اجرعه وحيدًا

والنفس لم تكن معي

اقتات بصدفةٍ

الوذُ بها

من بؤس وداعٍ

مِن مَصنعي

سئمتُ حرفًا

باكيا حزِنا

نبذت السطر

هجرتُ مضجعي

وصرت اجول

في كل شارع

ثمل الخُطى

سيّال مدمعي

ساقني الدرب

الى حيث اللقى

الفيته قفر

مؤنسه النَعي

عدتُ الى داري

اعرج الخُطى

عدتُ الى الحرف

أُكمِلْ مطلعي

لأسطر اماطلْ

في اكمالها

إن كملت حينها

يُعلَن مصرعي

***

إيهاب عنان سنجاري

كان مجرّد حلم معسول بعد منتصف الليل. لا يمتّ للحقيقة والواقع بأيّ صلة أو قرابة. الحمد لله أن وهبنا الله تعالى فسحة يأخذنا فيها النوم تارة إغفاء وتارة اخرى سباتا، لكي نغتسل من درن اليقظة ونحلم أحلاما معسولة وأخرى كوابيس مرعبة.

في ليلة من ليالي الخريف، بينا كان قادة جامعة الدول العربيّة، ونوابهم يمارسون هواياتهم (السياسويّة) في القمّة الواحدة والثلاثين في أحضان الجزائر البيضاء وكعبة الثوار. وما أكثر قمم العرب، قمم.. قمم.. قمم، على قول مظفّر النواب رحمه الله وطيّب ثراه.

رأيت، فيما رأيت، نفسي سائحا في بلاد العرب من البحرين إلى مراكش، على دراجة هوائيّة من صنع محليّ شرقا وغربا، كما يرتحل بعض المغامرين الهوّاة - من قارة إلى أخرى - على دراجاتهم الهوائيّة، لإثبات شجاعتهم وقوّة تحمّلهم ولفت رأي الرأي العام. كانت دراجتي سريعة، كأنّها بساط على كاهل الريح الذي، كالذي امتطاه فريد الأطرش ووصفه في أغنيته الشهيرة.

و كم كانت سعادتي – معذرة إذا قصّرت في وصفها – عظيمة، ودهشتي لا حدود لها، وأنا أجوب بلادي العربيّة، حرّا، طليقا كالطائر المهاجر، دون جواز سفر، ودون تأشيرة. لم تعترضني أسلاك شائكة، قديمة أو جديدة، ولا حراس حدود، في عيونهم شكوك وريّب في نواياي، ولا رجال جمارك في قلوبهم طمع.

وجدت أنّ الحدود قد زالت، والأسلاك والبوابات قد أزيلت عن بكرة أبيها. وعندما سألت أحد الرعاة، وهو سارح بقطيعه في أرض كانت مشطورة بين دولتين زمن الحدود:

أين الحدود التي كانت هنا؟

أجابني مبتسما:

ولم الحدود يا أخي؟ - وكم زلزلتني كلمة أخي، وكدت أن أبتلع لساني - نحن أمّة واحدة ؛ سلالتنا واحدة، وديننا واحد، وقبلتنا واحدة، ولغتنا واحدة وآلامنا واحدة، وآمالنا واحدة. وكل شيء فينا واحد أحد وعدوّنا واحد. لقد توحدنا، بعد فرقة استمرّت عدّة قرون.

واستمرّ حلمي المعسول، وكان شبيها بفسحة ربيعيّة بين الخمائل الجداول في فردوس الأندلس.

ورأيت في طريقي العجب العجاب. لافتات، كُتب عليها ( الجمهوريّة العربيّة المتّحدة). فسألت عن عاصمتها: فقيل لي: مكّة المكرّمة. وكان كلّما سألت عن اسم المكان الذي نزلت فيه، قيل لي: لا تقلق، أنت في الجمهوريّة العربيّة المتحدة، وعاصمتها مكة المكرّمة.

واستهللت رحلتي من طنجة الساحرة، وأزجت رياح الشوق دراجتي الهوائيّة، فبلغت مراكش الحمراء، كقصر غرناطة، ثم توجّهت إلى بلد المليون شاعر، في شنقيط (نواكشط)، تناولت ألذ السمك، وأعذب سمعت قصائد الشعر الأصيل..

واصلت رحلتي نحو الشرق الفسيح، الساحر، شرق الأنبياء والرسل والكتب المنزلة. فعبرت حاضرة القيروان، وسلكت الطريق التي وفد خلالها عقبة بن نافع وأصحابه، وصليت صلاة وسطى في الزيتونة، ثم يممت جهة الجبل الأخضر، موطن البطولة والشهامة، وقلعة المجاهد الشهيد عمر المختار ورفاقه، ووجدت في أهله المكارم والعزائم، ولمّا اجتزت صحراء أم الدنيا، فتحت لي القاهرة ذراعيها دخلتها آمنا، مطمئنا، كما دخلها المعز لدين الله الفاطمي والقائد جوهر الصقلّي وابن هانيء الأندلسي وابن خلدون. وبعد قاهرة المعز ومحمد علي باشا والعز بن عبد السلام، وجّهت دراجتي جهة الشام، عبر سيناء، ولم أجد للمعابر أثرا ولا ذكرا، وصلت غزة الأبيّة، ووجدت أهلها في أحسن حال، وقد زال عنهم الحصار الجائر، وعاد إليهم بحرهم وفضاؤهم. ولمّا عرفوا أنّني قادم شماليّ إفريقيّ من بني جلدتهم، ابتهجوا واحتضنوني، كأنّني ابنهم العائد من غربة طويلة، وسندبادهم.

قال لي أحدهم: أنت يا أخ من بلاد المغرب الكبير، أليس كذلك؟ قلت: أجل. أنا ممن قالوا، نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة. وساروا بي إلى مدينة القدس، ودلتها رفقتهم من باب المغاربة. وصليت الجمعة في المسجد الأقصى مع خلق كثير. وخلال مقامي في القدس لم أر جنديا إسرائيليا أو جندية إسرائيليّة. ما عدا جماعة من اليهود المسالمين يمارسون شعائرهم التلموديّة في ديرهم، جماعة من النصارى المسالمين، يحيون طقوسهم الإنجيليّة في كنائسهم. لقد كانت حمائم السلام في مدينة الأديان والعيش في كنف السلام والوئام والتسامح. ولمّا فرغت زيارتي إلى الشام، ومسجدها الأموي العظيم، وجّهت دراجتي الهوائيّة ناحية العراق، وأخذني الحنين دار السلام، بغداد هارون الرشيد والمعتصم بالله، وإلى دجلة والفرات وكربلاء والبصرة والكوفة، وتذكّرت قصيدة ابن الرومي في رثاء البصرة، حين خرّبها الزنج ( العبيد) فوجدتها كما لو يمسسها أحد بسوء. ثم واصلت رحلتي، فعبرت الخليج العربي كلّه، الذي أراده الفرس فارسيّا، لكن هيهات. ومن اليمن السعيد، عدت بحذاء المحيط، فالبحر الأحمر، فالبحر الأبيض المتوسط، إلى أن رست بي دراجتي الهوائيّة أمام بيتي المعلّق في أعالي القصبة العتيقة.

قال لي أحدهم:

لقد انتهى عصر التفرّق والتشرذم والخصام بين العرب. لم نعد أمّة واحدة باللسان والتنظير فقط، بل بالفعل والتطبيق. ها قد عدنا إلى سواء السبيل. أمّة واحدة، لا تفرّقها الأهواء والشهوات والأطماع والكراسي وووو. حدودنا، فقط، مع العجم والإفرنج، لا بيننا. طهّرنا أرضنا ـ التي قصمت ظهرها الحدود من الأسلاك الشائكة ومن الحراس الغلاظ الشداد ـ من تمائم الشياطين. وها نحن - وأعجبني حديثه بصيغة الجماعة – نسافر ونرتحل ونتواصل دون قيود أو عقبات أو تفتيش الجيوب والحقائب والنوايا..

و عندما استيقظت من حلمي المعسول..

رأيت أمة، قد جزأتها وفرقتها الأهواء والشيع، وضحكت من جهلها الأمم، على قول المتنبي. أمّة تحوّلت إلى شعوب وقبائل، بينها عداوات وحدود ونمائم وتنابز بالألقاب ودسائس، مجهولها أعظم من معلومها. أمّة لا تنقحها غير النوايا الحسنة والإرادات والعزائم، التي تأتي على قدر أهل العزم، على قول المتنبي. أمّة تملك ثروات طائلة من المال وكنوزا من العقول النيّرة والمعادن السائلة والصلبة، وسواعد الشباب وملايين من هكتارات الأراضي الشاسعة، الخصبة، والتي بمقدرها إطعام الكرة الأرضية. بالمختصر المفيد، أمّة غنيّة إلى درجة الترف والبذخ.

و أنظر إلى أوربا، التي توحدت في منظومة ( الاتحاد الأوربي )، فيأخذني العجب، ويغمرني الأسى، ويستولي عليّ الهمّ. قارة توحدت دولها المختلفة في شيء، لا تتمتّع بمقوّمات الوحدة السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والثقافيّة والدينيّة، رغم تعدّد لغاتها وعملاتها وأصولها وكنائسها، وبينها أحقاد قديمة، وحروب طاحنة، ابتداء من حروب أثينا وروما وحروب القرون الوسطى، وصولا إلى الحربين العالميتين والحرب الروسية الأوكرانيّة الحالية.

إنّه لأمر عجيب، يدمي القلب، ويحيّر النفس الأمّارة بالوحدة. أن تنجح أوربا في تحقيق اتّحاد بين دولها وشعوبها، حتى أضحت، كما جاء في الحديث النبوي الشريف (كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

بينا أمّة الحق والتوحيد، غارقة حتى النخاع، في عوالم الفرقة والشتات والنميمة والتباغض والتنابز بالألقاب. وتمزّق الجسد الواحد إلى أشلاء متناثرة، متنافرة، إذا اشتكى منه عضو، لم تأبه له بقيّة الأعضاء، أو ضحكت منه، أو كادت له المكائد بليل. كلّ حاكم من حكام شعوبها النائمة، يغرد خارج سرب الوحدة والوفاق. وكأنّ أمتنا العربيّة، تحوّلت إلى نسخة لآل داحس والغبراء ؛ عبس وذبيان.

لقد نجح الغرب في توسيع الهوّة بين الأنظمة العربيّة، وذلك بخلق أزمات وهميّة بين سياسييها، وإحياء النعرات الجهويّة الخامدة. وإثارة النزعات الطائفيّة والعرقيّة ودعم الحركات الانفصالية المسلّحة في بعض البلاد العربيّة مثل، السودان واليمن، وتشجيع الحركات العلمانيّة الراديكالية والتطرّف الديني، من أجل خلق حزمة من " الفوبيّات " في المجتمعات العربيّة. فوبيا دينيّة إسلامويّة، فوبيا إيديولوجيّة، فوبيا عرقيّة، انطلاقا من بوابة الديمقراطيّة الليبراليّة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل وحريّة العقيدة والجنس والمثليّة. وكلّ هذا وغيره، هو جزء من المؤامرة الدنيئة، التي حبكت منذ اتفاقية سايكس بيكو المصادق عليها في 16 مايو (أيار) 1916 م. والقاضية بتقسيم البلاد العربيّة بين فرنسا وبريطانيا، وبمباركة روسيا وإيطاليا.

أه، ليت ذلك الحلم، كان حقيقة، ولم يكن حلما، لكن لا بأس قد يتحوّل الحلم المعسول، يوما ما، إلى بلسم شافٍ.

***

خاطرة بقلم الناقد والروائي:

علي فضيل العربي – الجزائر

 

كل شيء موجود في مكانه

ثمة تفصيلة واحدة

مفقودة

تحدث بداخلي

شعوراً

يشبه سيطرة الفراغ

على الروح

يشبه شمعة مطفأة

عبثاً يحاول الحرف إشعالها

يحاول بث الاشراق من جديد

في صباحاتي الباهتة

التي يسكنها

صوت الغروب

ويلونها بفرشاة

مغمسة في الملح

مفتونة أنا

ببث البهجة على الورق

يكلفني ذلك الكثير من الأرق

أبدو نضرة

وداخلي

يسكنه الذبول

فالقصيدة تشرب

ولا ترتوي

وأنا ضيعني الإلهام

فراشة من دون سرب

عجز النور عن اخماد عتمتي

وأجنحتي تكبر من

بعد كل سطر

أرهقتُ المسافات

ولم أصل

أبعد عن الواقع بقصيدة

وأقترب من الحلم بكلمة

لي وشوشة الزهر

بساط من أمنيات

لي زقزقة العصافير

مزامير الرحيل

لي تفصيلتي الناقصة

سفر بلا انتهاء

على خارطة الداخل

وشمعة تنتظر ...

-***

أريج محمد أحمد

 

 

الى: صديقي الذي قال يوماً في منشور:

سيجف هذا النفط الملعون على جلودنا،

أقول:

***

نعمْ أيُّها الحالِمونْ

بحياةِ..

مجردُ حياةٍ في هذا الوَطنْ

برقعةِ أرضٍ قَـدْ تحفَـظُ الكرامَة

يقولونِ..

أنَّها تصْلحُ للسَكنْ بِلا ندامَة

الطامِعونَ ب (شِـبْـرٍ) من شارعٍ مُعَـبّدٍ

يصْلحُ لسيرِ المُتعكزينَ على أحلامِهم المُتعـثرِة

الحالمونَ منْ زمنٍ بعـيدٍ.. بعيد جداً

الذين صاروا يتمنونَ

يوماً..

أو لحظةً..

من حياةٍ (هـنيّة)!

قطـرةِ ماءٍ نقـيّة!

من نهرٍ عظيمٍ كدجلةَ أو الفُـراتْ

مُجردُ أحلامٍ وأمنياتْ

مغروسةٍ في رحَمِ الواقعِ الذي بقـينا فيه كلَّ عَـصرِ النفـطِ

خرافاً نُقادُ كقطيع

عقـودٌ منْ عـُمرِ النفـطِ تتراكمُ فوقَ بَعضِها

سنةٌ تصدأُ بعدَ أخرى

سنةٌ تأكلُ بِجنونٍ أخرى

وأهلُنا كعادَتهِم يقـولونَ بِعفـويةٍ ساذِجَة: (ماكو أحدْ ينامْ منْ غـيرْ عَـشا)

أو ينَبريَ أحدهُم فيقول: (ماكو أحدْ يموتْ منْ الجوعْ)

يا لَها مِنْ قناعةٍ عجيبةٍ موْبوءةٍ بالعَـوزْ!

لقـدْ ماتَ مَلايينُ النّاسِ منَ الجُوعْ

(وكلَّ عامٍ ــــــ حينَ يعشبُ الثَرى ـــــــ نَجوعْ

ما مـرَّ عامٌ والعـراقُ ليسَ فيهِ جوعْ)(1)

ونحنُ في البَلاءْ

ننتظر تلكَ الجِمالِ التي على التّـلِّ

حتّى المَساءْ

الذي يُغلّفهُ ليلٌ بظلامٍ دامسْ

ينتظرُ صباحُهُ الذي لم يَأتِ بعْـدُ

والسؤالُ حتى الّلحظةِ يلفُّ حـيْرتَـنا: الى متى يَبقى البعـيرُ على التلِّ؟

وفي لحْظةٍ خَـرساءَ بغْـتةً

تُداهمُنا طفولَـتُـنا الجُنونيةِ

تُذكّـرُنا ببراءةٍ ب (القِـراءةِ) الخُلدونيةِ

وذاكَ البُلبلُ الفَـتّانْ

كيفَ تسنّى لهُ كلَ ذلكَ الوقتِ

وكُلَّ تلكَ الحروب

أن يَبْـقى يُغني على الأغْصانْ

بأعْـذَبِ الألحانْ؟

وذاكَ الراعي الّذي ما انفَـكَ يُنادي على أهلِ القَـريةِ

كذِباً!

حتى أكلتْ خِرافَهُ الكِلابُ قَـبلَ الذِّئاب!

ولَطالَما ظلَّ (قَـدّوري) يدقُّ بابَنا ولا أحدَ يُجيبهُ!

إذْ (لا حياةَ لمنْ تُنادي)(2)..

لا أحدَ يعرف الى متى سَيبقى (قـدّوري) مُنتظِراً؟!

والى مَتى يَبقى البعيرُ على التّلِ؟!

والى مَتى يَبْقى البُلبُلُ الفتّانُ يُغنّي بِأَعذَبِ الألْحانْ؟!

نعمْ يا صَديقي

بعدَ سِنينٍ مِنَ الفـقْـرِ والقَحطْ

برائِحَـتهِ النَتِنةِ فوقَ جُلودِنا

سيَجفُّ هذا المَلعونُ النِفـطْ

وسَنودِّعُ حتْماً السبعَ السِّمانْ

الى آخـرِ أيامِ هذا الزّمانْ

بعدَ سقوطِ أولَ قطْرةٍ منْ ذِكرياتِنا باللّونِ الأحمرْ

ويظلُّ مَقـطوعاً معَ الحَياة شِريانُنا الأبْهـرْ

ويحينُ موعِـدَ اللّقاءِ بألفٍ منَ العِجافْ

عِندَها لنْ يَنفَعنا النَّدمَ

ولَنْ يُفيدُنا كُلُّ ذاكَ الصخب والهتافْ

وسَنبْقى..

نَعيشُ على ما تبقّى منَ الماضي

ونتّكأُ على القـلْبِ!

الذي سيَبقى يحِنُّ الى الأيامِ الخواليَ في المُستنْصِريةِ

حينَما كانتْ السّنواتُ سِماناً

وأيامَنا أكـثرُ بهاءً وأماناً

كانتْ زاهـيةً بالتسامحِ والحُبِّ

بَعيداً عنْ ذاكَ (الّـَريْع) المليءِ بِاللعْـنة

هذا النفطُ الملعونُ الذي صارَ علينا نقْـمَة

منذُ انبجـسَ أولَ مرةٍ بِلحْظةٍ فارِقَةً منْ بِداياتِ القَـرنِ العِشرينْ

ظلتْ نارُهُ الأزليةُ

تحرِقُ أرواحَـنا المُنهكة

أكثرُ منْ تِسعينَ سنةٍ يُزّينُ المكانَ بالجوعْ

ويملأُ تدفقاتَهُ..

بالكوابيـسِ والحُروبْ

بِالطُغاة والحُفاة

بِالأغْـنياء والفُـقـراء

الأصحّاءِ حدَّ التُخمة

والمَرضى حدَّ القَـبْرِ

العاجِزونَ حدَّ الصَبْرِ

يشمونَ رائحةَ براميلَهُ العفِـنةِ

بيْنَما يبقى أهـلُـنا يُقـدّمونَ النُذورْ

أمَلاً في يومٍ فيهِ الدُّنيا قد تدورْ

والنفط ُمنْ حولهِمْ في كلِّ مكانٍ

بملياراتِ الدولاراتِ يفـورُ، يفورْ

ليسَ لهم فيها (لا ناقةٌ ولا جملْ)

بعد أن تفضلَ أصحابُ المعالي والسِيادة

الغارقونَ حَدَّ الغَثيانِ بالرفاهِيةَ والسّعادة

بسَرقةِ (الجملِ بما حملْ)

وخسرَ الحالِمونَ حتى أحلامَهم

ظلّوا في العّشْوائياتِ مُشتَّـتونْ

بلا ملامِحَ يعيشونْ!

خارجَ خرائِطَ التخطيطِ العُـمْراني

وبالشِّعاراتِ والأحلامْ يحْتمونْ!

لكنْ!

في الزمانِ الخطأِ المليءِ بالأوهامْ

***

د. ستار البياتي - بغداد

في 29/5/2020

.........................

1. من قصيدة وديوان (أنشودة المطر) للشاعر الكبير بدر شاكر السياب.

2. هو تعبير في اللغة العربية يُستعمل للدلالة على أن الشخص الذي يُوجه له النداء، لا يُعير الموضوع أي اهتمام، وعادة ما يُستعمل هذا التعبير عند العامة العرب للتعبير عن السخط الحاصل تجاه شخصية مؤثرة. ويُنسب الى الشاعر عمرو بن معد يكرب بن ربيعة الزبيدي، حيث قال:

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً          ولكن لا حياة لمن تُـنادي

خوفا من مداهمة الجنود الفرنسيين الذين نزلوا المدينة العتيقة بفاس* فاحتلوا الأزقة والطرقات، كانت أبواب المنازل في حينا، كالنوافذ داخل البيوت، تطبق أبوابها، ومعها نطبق نحن الصغار عيوننا للنوم قبل أن ينزل الظلام وتصير بيوتنا كأقبية بلا أنوار، فأن ينفذ بصيص نور من شق باب أو نافذة، فمعناه هجمة محققة على البيت من قبل العساكر، وتقليب البيت راسا على عقب، تعقبا واحتراسا من وجود فدائي، أوجلسة ظاهرها سهر عائلي، وحقيقتها تدبير مؤامرة تحاك ضد المستعمر الفرنسي ..

قلقا على أبي كانت أمي تظل نازلة صاعدة أدراج بيتنا الثالثة والثلاثين مترقبة طرقات الباب، لا ترتاح حتى يدخل البيت بعد أن يكون قد صلى العشاء في مسجد القرويين* او مولاي أدريس*، مصرا على صلاة الجماعة وقراءة الحزب القرآني بعد المغرب، ومتحديا عساكر فرنسا الذين كثيرا ما يتعمدون عقابه بتركه ينتظر مع غيره ممن تأخروا وراء الرتاج الضخم الذي يفصل المشاطين* عن بين المدن* وحي البليدة* حيث دارنا الواقعة بين دار الدبغ شوارة* وبين مولاي أحمد الصقلي*. والتي ينغلق رتاجها بعد المغرب مباشرة الى أن يصدر القائد الأعلى للكتيبة حسب مزاجه وحسب غليان المدينة أوهدوئها إذنا بفتحها ..

لم يكن والدي مجهولا لدي العساكر، فالشريف اصيل النسب، يحمل تاريخا عريقا، مشغول بذكر الله، بعيد عن السياسة، لا ينتمي لحزب أو منظمة ولاحتى جمعية، وبيته ـ دار الزاويةـ لا يدخلها الا الفقراء من اجل الذكر، أو أفراد العائلة للتزاور وصلة الرحم ..

في الصباح، قليلا ما كنت ألتقي بأبي، فهو يخرج لصلاة الصبح في عز الظلام في مولاي احمد الصقلي* ولا يعود الا بعد صلاة الضحى حيث اكون قد انصرفت الى المسيد (الكتاب) ..

ذات يوم خميس وقد ضاق سكان المدينة بالحصار، وساد الشلل جل المرافق حتى ضاقت سبل الرزق بالناس، استنجدت بنا احدى بنات خالتي، فاعدت أمي ترابية (قفة كبيرة من الدوم) من الخضروالقطاني، والسميد، قنينة زيت وطنجية للخليع (قديد تشتهر به مدينة فاس}، وقبل أن يحملها ابي الى بيت بنت خالتي دخل بها الى احدى الغرف التنتين في بيتنا، غاب قليلا ثم عاد وفي قعر القفة لفافة من ورق أزرق كالذي يكون على قوالب السكر، ثم نسق فوقها قالبا من السكروعلبة شاي، وربطة من قنارية (خرشوف) وخضرا متنوعة وقبضتين من قصبرة خضراء ومعدنوس، وربطة كبيرة من النعناع، ثم خنشة السميد الورقية، وكلفني بحمل طنجية الخليع*، أما القطاني وكانت في" كموسات" من ثوب (أكياس صغيرة) فجمع عليها اسفل جلبابه وحين سالته امي لماذا ؟ خاصة وهي تعرف أنه لا يرتدي السراويل ابدا قال: لله في خلقه شؤون ..

استغربت امي لرده كنت معها مثل" العروبي في الشماعين"* .. ميت العصر مايدي خبار ما يجيب خبار"*

كانت بنت خالتي تسكن قريبا من سيدي أحمد التجاني*، واقرب طريق اليها ان نقطع حي البليدة*، أو نأخذ طريق درب الطويل، لكن أبي فضل ان يخترق المشاطين* ثم الصفارين* صاعدا السبطريين*، حين سألته: قال بلهجة الأمر: ـ زد واسكت ..

ما أن تجاوزنا سيدي أحمد الجازولي في باب النقبة وبلغنا جامع ابن عبد الصادق* حيث دكاكين المشاطين* حتى باغتتنا وحدة عساكر فرنسيين مصوبين بنادقهم الى وجوهنا، ارتعبت، أغلقت عينيَّ من خوف، وأحسست قلبي سيتوقف عن الخفقان، في حين أن والدي ظل ثابثا رابط الجأش كأنه متعود على مثل هذه المواقف، يركز النظر في أحد الجنود الذي أثارتني حمرة وجهه كأن الدم منه يكاد يتفجر في وجوهنا،

ورائحة كريهة تنبعث من فمه حين يهم بالكلام:

ـ شنو يكون تم سيدي؟ في نفس الآن أخذ مني آخر وكان أسود اللون تبرق عيونه بريق اسنانه البيضاء طنجية الخليع* من يدي، نزع عنها غطاءها المحكم بلفات الثوب والطين كالصلصال الذي نمحو به ألواح المسيد (القفال)، ثم شرع يحركها قريبا من أذنه، توهمته يبحث عن قديدة كبيرة يريد أن يلتهمها، أما أبي فوضع الترابية التي كانت في يده على الأرض ثم رفع طرفي جلبابه بكلتي يديه الى أعلى، فتبدد ما كان مجموعا وظهر ما جعل الجنود يصيحون ويضعون أيديهم على وجوههم:

ــ حشومة سيدي، انت ما يلبس سروال؟ امش سيدي أمش ...

أنزل ابي طرفي جلبابه دون أن يرد بكلمة، وشرع جنود ثلاثة يجمعون أكياس القطاني التي تبددت على الأرض ويضعونها قلب طية الجلباب طالبين منه بإشارة من أيديهم انزاله قليلا الى أسفل،  ثم تابعنا السير عبر المشاطين* تشيعنا قهقهات الجنود :

حين بلغنا حانوت ابن الراضي السلاوي* وكانت مقابلة لدكان أبي في السبطريين، دعاني لنرتاح قليلا؛ اقبل علينا شاب وكأنه كان على موعد مع أبي، تسلم من والدي القفة، غاب قليلا داخل حانوت ابن الراضي ثم رجع بها دون أن يتغير لها شكل ..

ونحن نتابع الطريق الى بيت بنت خالتي شغلني سؤال لماذا أخذ الشاب القفة ؟ ماذا أضاف أو نقص منها ؟

في رحبة القيس*وجدنا وحدة أخرى من الجنود تقدم منا أحدهم، اكتفى باطلالة على ما نحمل ثم تقليب مافي القفة بيده، دون أن يهمل تحريك الطنجية سائلا عن وجهتنا، ثم تابعنا الطريق نسلم الأغراض لأصحابها..

عدنا خفافا من نفس الطريق، لكن شققنا الشماعين* ثم راس الشراطين* الى باب السنسلة* حيث اشترى ابي شفنجا (فطائر مقلية) قبل أن ندلف الى "مول الروس" (بائع رؤوس الغنم المبخرة)، تلك كانت متعة لحظات كثيرا ماكان يخصني بها والدي، في بعض الصباحات أو يعوضها مساء عند "مول الكواح" (قضبان الكبد تشوى على الجمر} ..احيانا كان يعوض شراء الكواح بريالين أو أكثر، فابادر الى" بَّا الكبير" مول الكرداس* في باب السنسلة* ..

ماكان يغيضني أنه كلما جلست مع ابي في دكانه الا

 وتزوره سيدة متسربلة في حايك صوفي أبيض لا تظهرمنها غير عين واحدة، عكس والدتي التي كانت ترتدي الجلباب وتغطي وجهها بلثام مطرز، ما أن تقف السيدة بباب دكان ابي حتى يخرج لها مفتاحا كبيرا من تحت اللحاف الذي يجلس عليه، تغيب بلا عودة، ويأتي بدلها بعد حين رجل بنفس طولها يرتدي" دراعية " فضفاضة، يغطي راسه بعمامة صفراء كالتي كنت اراها على رؤوس الجزائريين في حلقات جنان السبيل* كلما زرت عمتي الكبيرة الساكنة في فاس الجديد*، فيقدم نفس المفتاح الى والدي الذي يعيده الى مكانه الأول ..كان سر المفتاح يأخذ بكل تفكيري، من تكون المرأة التي تأخذ المفتاح؟ ولماذا يعوضها رجل عند استرداده ؟ وما علاقة أبي بهما معا ؟

لم استطع كتمان الامر على أمي التي قالت لي بلهجة حازمة: "أنت فضولي ادخل سوق راسك لو أخبرت اباك لمنعك من زيارته في دكانه".. أضحك وأرد: وشكون يتسخر لك عندو ؟ لم أكن اقصد التحدي بقدر ما كنت افكر فيما يمنحه لي ابي من ريالات ومشتهيات ..

كم كان يحيرني هذا التوافق والاتفاق الذي كان بين أمي وابي، هو عكس ما كنت ألاحظه في بيت عمتي الصغرى الساكنة في الدور الأول تحتنا والتي كثيرا ما كان النزاع بينها وبين زوجها يتفاقم الى أن أدى بهما الى الطلاق ..

.كنت أعي وأحس محبة ابي واعتزازه بي، حتى أنه لم يعاقبني غير مرة واحدة في حياته وقد كلفه عقابي دموعا واستنكارا من قبل أمي ثم ركضا الى ساحة الرصيف* لجلب أحد زرزاية (حمال أمتعة على كتفه) حتى يضع جبيرة ليدي . أذكر اني نزلت لأملأ سطلا من الماء من السبالة حيث لم يكن بيتنا مرتبط بشبكة التوزيع العمومية، انشغلت باللعب مع رفاقي ونسيت حاجة أمي الى الماء فتأخرت، لما صعدت البيت تسلم أبي مني السطل ومسك يدي اليسرى، كنت ادرك أنه سيعاقبني، فشرعت أتنثرمنه، لما أطلق يدي لم تكن ورائي غير باب الفوقي (بيتنا)تراجعت متدحرجا على الادراج، فتكسرت من مرفقي ومعصمي ... رغم هذا لم أشك لحظة في حب أبي لي، فانا بِكرُه بعد ست سنوات من زواجه من أمي التي أتت بعد أن فرض عليه جدي تطليق زوجتين قبلها، واحدة بعد الأخرى لم ينجبا له ...

لا أذكر ممن ولدتهم أمي غير أخي الغالي وأختي نفيسة، لكن الصورة تظل قوية عن أختي بهية التي أتت بعد أخي الغالي وماتت، وقد تجاوزت السنة ونصف وكما كانت تحكي أمي وقلبها حرقة على فراقها كونها البنت الوحيدة التي أتت بعد أربعة من الذكور، اثنان بعدي، مات أحدهما بالغيال، والثاني جراء بوحمرون (الحصبة)، وماتت بهية بضربة عين !! .. لما وهبها الله من جمال العيون ودقة التقاطيع، وقد صارت أمي بعد موت بهية كمن أصابها الاكتئاب، الوهم والوهن الى أن عوضها الله بنفيسة بعد ذكر مات هو الآخر فصارت قرة العين التي استحوذت على قلبها ..

ذات صباح عاد أبي بعد صلاته بزلاك من الشفنج (أوراق النخل تحمل فيها الفطائر مثل خيط السبحة) وفرخ (سلل صغيرة من قصب) من الكرموس (التين) وآخر من التفاح طالبا من أمي أن تفتح النوافذ لتهوية البيت، على لسانه بشرى مغادرة الجنود الفرنسيين الأزقة والدروب تاركين خلفهم متاريس الرمال والطوب والحجر .. تنفس الناس الصعداء بعد أن استعادت المدينة نشاطها، عاد الحرفيون الى درازاتهم والتجار الى دكاكينهم ومتاجرهم وشرع الناس يتحدثون عن الاستقلال، والمفاوضات وعودة الملك من منفاه، وخرج عمال دار الدبغ شوارة (محل دباغة الجلود) في مظاهرات بأهازيج، كم أبهجتنا نحن الصغار وجعلتنا نقفز بين ألأرجل فرحة:

"كان منفي ورجع قلبو سليم فرحان، على سلامتو سيدي محمد" ..

كثير هي الأشياء التي كانت تغيب عن ادراكي، فأنا لم أكن أعرف أن بُعدَ أبي عن الشبهات كان يستغله في إخفاء المنشورات والسلاح في دهليز يقع عند مدخل بيتنا مساعدة للفدائيين الذين كانوا يحاربون الاستعمار الفرنسي، وضدا على أحد أبناء عمومتنا مزوار(نقيب) الشرفاء الذي باع نفسه للاستعمار والذي كانت بينه وبين والدي نزاعات قوية، وقد سمعت والدي يقول له يوما وقد اتى الينا يتبرأ مما قد يقع لأبي اذا استمر في علاقته مع ابن الراضي السلاوي*:

" آبوبكر!! .. اليوم راك سبع عندك يدور الزمان وغدا نصيبك ضبع .."

لم أكن اعي معنى استعمار ولامفاوضات أو استقلال، ولا معنى نفي الملك ..بل حتى الخصام القوي الذي كان بين ابي وبوكر ابن عمنا لم استوعب أهدافه الا بعد أن كبرت ..

أشياء كثيرة وقعت في حينا، ظلت راسخة متجذرة في نفسي، بعضها ظل يراودني في أحلامي زمنا طويلا من قوة الأثر، منها: يوم تصفية أحد الجواسيس اسمه الجامعي في باب النقبة* بجانب دريبة (تصغيردرب مول الكيف، كنا أطفالا ثلاثة عائدين من الصفارين* التي قصدناها لشراء شلوان (مسحوق الحمص الناضج) لازلت الى هذه اللحظة أستحضر القاتل بكل تفاصيله، قامة قصيرة، بجلباب أسود وطربوش أحمرعلى الرأس، لحظتها تم اقفال جميع الأبواب وحوصرنا بين المشاطين* وسيدي ابن عبد الصادق* ثم أتى رجال الشرطة وقادوا جميع المحاصرين الى كوميسارية النجارين، يومها بكيت بحرقة متوهما أنهم سيقتلوننا، لكن لم يطل الامر كثيرا حتى أخرجني شرطي ليطمئن عليَّ أبي الذي اقبل باحثا عني، لم يطلق يومها غير سراح الأطفال في حين ظل الكبار في الأسر.. أول ما سألني ابي بعد وصولنا الى البيت: هل رأيت القاتل؟ ثم حذرني أن أتفوه مع أي كان بما رأيت .. تلك كانت واقعة كم هيمنت على نفسي وحرمت عليَّ تجاوز باب بيتنا واللعب في الدرب مدة ليست بالقصيرة، بل حرمت علي زيارة دكان أبي ومشتهياته...

ثم تأتي واقعة أحد أتباع الفقيه الزيتوني* الذي ذبح حصانه النافق في الروى الملاصقة لبيتنا، وبدل أن يستدعي السلطات لتقوم بواجبها في مثل هذه الأمور، شمر عن ساعديه وشرع يقطع الحصان أجزاء ويرميها في واد بين المدن*، فانكشف امره بعد أن اكتسحت الحي روائح النتانة، وقد كانت فضيحة كبرى ذاعت وشاعت مما دفع الكثير ممن كانوا يعتنقون طريقة الفقيه الزيتوني ويثقون بأقرب تابعيه وما يفرضونه من تشدد في الدين والبعد عن مظاهر اليسر التي ألفها السكان، يتخلون عنه بعد ان استفحل امره وصار يفرق بين الاب وابنه والمرء وزوجه، وينعت من لم يتبعه بالكفر، وكأنه قد أعاد الناس الى زمن البعثة: مومن وكافر، فتعالت خصومات البيوت بين افراد الأسرة الواحدة، وبدا التفكك يسري بين العائلات، طلاق وفرقة وهجر ... . حاصرته الدولة في بيته ومنعته من الخروج بعد أن كان يشق واصحابه حي البليدة* في موكب استعراضي لأداء صلاة العشاء في مسجد الأندلس*..كنا نحن الأطفال نصعد سطوح الدرازات* وقد ملأنا أفواهنا بالماء نستفرغه على طابور رجاله وأطفاله الذين كانوا يتميزون بحلق رؤوسهم وجلابيبهم القصيرة فنتصايح بيننا:" تبولوا بسرعة " كل هذا لتشكيك أصحاب الزيتوني في طهارة ثيابهم، فنراهم يتراكضون وهم يصوبون أضواء بطاريات يحملونها نحوالسطوح..

في أحد ليالي رمضان نمت بعد فطور المغرب، ثم صحوت على نداء أمي تكلفني بسخرة عند ابي في دكانه . نزلت من بيتنا والنوم يطبق علي لا أدري الى أين أسير، دون أن أدري دخلت الدهليز المهجور اسفل البيت وهناك تابعت نومي وانا لا احس بمكان ولا زمان .. عاد ابي من دكانه وتفاجات أمي اني لست معه واني لم اصل الى الدكان ..ظل البحث عني طوال الليل، ما ترك ابي مشفى ولا مركز شرطة الا وزاره بحثا عني، جنازة في البيت تقيمها أمي وخادمتنا، وحركة بين الازقة والدروب بحثا عن الطفل الذي سرقه الجن فلا أحد تصور ان تكون سطوة النوم قد غيبته في مكان لا يمكن أن يلتجئ اليه وهو من كان يخافه نهارا فأحرى أن يقصده ليلا ...

كان يطلق على بيتنا منزه درقاوة*، كان قد اهداه الملك مولاي سليمان العلوي الى جدنا مولاي العربي مع رياض كان مدخله في السبع لويات*، باع جدي الرياض لتزويج الفقراء، وحافظ على المنزه كمأوى له لموقعه الذي كان بمثابة اطلالة تشرف على مدينة فاس بصوامعها وقببها ودورها العتيقة الأصيلة، .كان الفقراء (المريدون) القادمون من خارج فاس يقضون ليلهم في الزاوية بحي البليدة* وهي أول زاوية بناها جدنا يجتمع فيها درقاوة ومريدو الطريقة ويأتون لبيتنا من أجل طلب الأكل الذي كان غالبا خبزا وتينا، أو رغائف بالسمن والعسل أو كسكسا أيام الجمع ..

أحد غرف بيتنا كانت بها نافذة تطل على زاوية للا ميارة*، تسكنه امراة في الثمانين، مجذوبة يعاملها الناس لسنها ونسبها

 وزهدها، كانت لها لازمة ترددها حين كانت تستشعر خطرا قادما للمدينة، يتوهمه الناس من جهل وثقة بالأولياء إخبارا بغيب :

"الماندرين (فاكهة اليوسفي} الكبير غادي ياكل الماندرين الصغير، مشى للي مشى وبقى للي بقى" "الحجر غادي يضرب الحجر"

حين أكون عائدا من المسيد الواقع بدرب الطويل أمرعلى زاوية للا ميارة*، اتسلل الى الداخل، اذا وجدت للا كنزة ساكنة الضريح تراحعت، واذا لم اجدها تقدمت صوب "الهيدورة" (قطعة من جلد الخروف) التي تجلس عليها ارفع طرفها وآخذ ما أجده من نقود تحتها ..

ذات ليلة والفصل حار ونحن نائمون على السطح، حلمت كان للاكنزة تتسلق السور الذي يفصل بيتنا عن الضريح، في يدها ثعبان ضخم تريد ان تكتفني به، افقت خائفا مفزوعا أبكي، بادرتني أمي تسالني عما بي فاخبرتها بما كنت افعل، في الصباح اعطاني أبي أوراقا مالية وأصر ان ادخل عند للا كنزة واعترف لها واعطيها الأوراق المالية ..

كان أبي يريد أن يواجهني مع نفسي، أن أكون صريحا معها صادقا بعبدا عن مس ماليس لي، لكن لحظتها كان الامر شاقا بالنسبة الي، فقد ركبني رعب مخيف وهي تصيح في وجهي:

ــ شكون أنت ؟

أخبرتها وانا أكاد اتمتم:

ــ انا ولد مولاي سليمان ..انا للي خذيت لك الفلوس ديالك، را با عطاك هادو ...ثم بسطت يدي أمامها ..

حدقت في وجهي طويلا، وكأنها تقرأ فعلتي التي لا يمكن أن يقوم بها الا لص لا ابن الزاوية سليل الأولياء ؛ رفعت طرف الهيدورة وقالت: حطهوم هنا ..

تقدمت اليها وجلا خائفا، أهتز فرقا، بسرعة وضعت المال تحت الهيدورة، وانا اتراجع قالت:ا وقف بلاتي: غاب دمي، واحسست رعبا يسري في ذاتي، وخفت أن ترميني بالثعبان الذي رأيته في حلمي، فقالت: سلم لي على الشريف، وقل له ولدك مبروك عمرو ما يتخص، ثم قدمت لي يدها وقالت: بًس يدي، لما قبلت يدها البيضاء المعروقة قالت: هات يديك بزوج: قبلتهما معا ظاهرا وباطنا، ومسحت بهما على وجهها ثم قالت: عمرك ما تخاف انت الماندرينا لكبيرة للي ديما مزهرة..

بصراحة طيلة عمري وأنا أحس نفسي مبروكا، ما داهمني ضيق الا انفرج وما توسلت الله في شيء الا أكرمني به، وهبني ربي الكثير مما توسلت وما لم يخطر لي على بال، وما بدلت جهدا ابدا من أجل مصلحة دنيوية، يكفي أن يلهمني ربي، فأبدأ، ثم يتمم الله بعون ونصر وفوز ... أكذب لو قلت أني عانيت في حياتي مشقة مما بلغت، ولعل الحب الذي كان يؤثرني به أبي حتى أنه كان يرحمه الله يفضل أن يقبل يدي على أن اقبل يده هو سبب اليسر الذي حباني به ربي ورافقني في حياتي في كل شيء ..

في آخر سنوات عمر ابي كان يلذ لي أن أزوره في دكانه أسترجع صباي وما عشته من ذكريات، أحد تجار الجلد وكان متجره يقابل دكان أبي (أحمد بنبراهيم) خاطب والدي قائلا له: غبَّرالجنان آمولاي سليمان (كناية عن الرضا ودعوات الخير)فأتى رد والدي في دموع وحشرجة:

"خذا كلشي وماخلا والو، هو خصو يدعي معي ومعك "..

يومها أدركت أني مادمت من أبي محبوبا الى هذه الدرجة فحاشا ألا أكون ملفوفا في رضا الرحمن الرحيم، فالشريف كما كان معروفا به والدي يرحمه الله نية وخير ورجل بركة، وهو الرضا الذي أتوسله لأبنائي وذريتي الى أن نلقى الله ..

وهم فعلا في الرضا يسبحون وبفيض الله وستره يتمتعون ....اللهم أتمم عليهم نعمك الظاهرة والباطنة، واجعلهم أولا أنى حلوا وارتحلوا ..اللهم لا تذر ابناءهم ذكورا واناثا لأنفسهم لحظة عين ولا اقل من ذلك وكن لهم عونا ونصيرا ذرية بعضها من بعض، خيرا من خيرك، وكرما من عطائك، وسترا من حفظك، اللهم يا لطيف الطف بهم فيما جرت به مقاديرك فأنت حق ووعدك حق ولا اله الا أنت ..

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب 

........................

تعريفات:

فاس: عاصمة المغرب العلمية، شمال المغرب، أسسها ادرس الثاني عام 182 هجرية وبها دفن

مسجد القرويين: جامع في مدينة فاس المغربية وهي أقدم مؤسسة للتعليم العالي في العالم تم الشروع في بنائه في الأول من رمضان 245 هـ الموافق (30 نوفمبر 859م) بمطالعة العاهل الإدريسي يحيى الأول، وأن أم البنين فاطمة الفهرية هي التي تطوعت ببنائه

مولاي ادريس: ابن ادريس الأول وهو الحاكم الثاني لدولة الادارسة بالمغرب المستقلة عن الخلافة العباسية

المشاطين: أحد الأحياء القديمة بمدينة فاس القريبة من جامع القرويين بها صناع المشط تقليديا من قرون العجول والكباش

بين المدن: يقصد بها بين عدوة القرويين وعدوة الاندلس والمنطقة عبارة عن واد يفصل بين الحضرتين

حي البليدة : أحد أحياء المدينة العتيقة لفاس وأقدمها به تقع دار الدبغ شوارة أول واعرق مكان لدباغة الجلود بعد دار الدبغ سيدي موسى قريبا من مولاي ادريس وثالثة في عين أزليتن بالطالعة الكبرى

مولاي أحمد الصقلي: أحد متصوفة مدينة فاس، وملقن الطريقة الخلواتية

العروبي ف الشماعين: الشماعين مكان مشهور ببيع الشموع والحلويات والفواكه الجافة كثير الأضواء والألوان والأنواع لهذا ينبهر به البدوي حين يزوره فينشغل حتى عن نفسه

ميت العصر: مثل يضرب للذي لايحس بما حوله، غفل غشيم

أحمد التيجاني: الزَّاوِيَة التِّجانِيَّة مُجَمَّعٌ دينيٌ داخِلَ الحي القديم للمدينة في حي البليدة، بالقُرب من جامعة القرويين وهو مكرَّسٌ لمؤسس الطَّريقة التيجانيَّة في القرن 18 .

أحمد الجازولي: صاحب دلائل الخيرات، مجدد الطريقة الشاذلية

سيدي ابن عبد الصادق: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالي الفَرجي، نزيل فاس، العلامة المشارك المدرس المطلع المفتي النوازلي. دفن بالجامع المزدلجة بأعلى حومة الجرف بطالعة فاس.وكانت له خلوة في باب النقبة قريبا من المشاطين لازال يقرأ فيها دليل الخيرات بعد صلاة العصر الى اليوم

ابن الراضي السلاوي: هو والد الفدائي المقاوم محمد بن الراضي السلاوي المحكوم بالاعدام في عهد الاستعمار الفرنسي

رحبة القيس:توجد بالمدينة العتيقة التاريخية قرب العطارين. وقد اشتهرت في الماضي بجامعها المتواضع، كان يجتمع فيه نخبة من علماء الحي والتجار يتدارسون الوضعية الاجتماعية للحي. يقصدهم من أراد أن يزوج ولده أو بنته للمشورة. كما كانت هذه النخبة تسهر على تزويج من ليس له استطاعة مادية..

جنان السبيل بفاس، أو جنان بوجلود، من أجمل الحدائق على المستوى الوطني، يمتد على مساحة تناهز ثمانية هكتارات، ويقع قرب ساحة باب بوجلود التاريخية، محاذيا لساحة البطحاء التي بصمت تاريخ المغرب بالتوقيع على وثيقة الاستقلال في 11 يناير سنة 1944وهو يوم مولدي

فاس الجديد هو أحد الأجزاء الثلاثة المكونة لمدينة فاس شيده يعقوب بن عبد الحق أول ملوك المرينيين عام 1276ملادية المُوافق 674 هجرية كمتمم لفاس البالي، وأطلق على المدينة اسم المدينة البيضاء، إلا أن السكان سموها منذ ذلك الحين فاس الجديد

.باب النقبة كان يطلق عليه قديما باب شيبوبة.وهو أحد الأبواب الاثني عشر الفاصلة التي بناها ادريس الثاني بفاس

الفقيه الزيتوني: أحد المتزمتين الذي لم ينل فتحا في التجربة الصوفية فانقلب ضد كل متساهل فحرم كل شيء وكون اتباعا عادوا بالناس الى أول ظهور الإسلام

جامع الأندلس: جامع الأندلس أو جامع الأندلسيين هو مسجد عريق بمدينة فاس، . بنته مريم الفهرية سنة 859 م وكان قائما في الضفة اليمنى لوادي فاس (عدوة الأندلس

يعتبر الجامع من أقدم المساجد بفاس أخد مكان مسجد الأنوار الذي يعتبر أقدمها حيث تم بناؤه سنة 808.

درقاوة: تنسب الطريقة الدرقاوية إلى الشيخ مولاي العربي الدرقاوي، الحسني الادريسي (1239/1823)، وهي طريقة شاذلية، تلقاها مولاي العربي عن شيخه علي بن عبد الرحمن العمراني الفاسي، المعروف بالجمل، من طريق أحمد زروق، وعن أبي المحاسن يوسف الفاسي من طريق الجزولي. فهي أيضا شاذلية جزولية زروقية.

وتلح الطريقة الدرقاوية على الزهد وكسر شهوات النفس، والعزلة، والتقلل في المأكل والنوم، والاستغراق في العبادة، والإكثار من الصدقة في حال الاستطاعة..

السبع لويات: أحد دروب فاس الطويلة يقع ضمن حضرة القرويين وضريح مولاي ادريس

محمد ميارة الفاسي (999هـ - نحو 1590م / 1072 هـ - نحو 1661م فقيه مالكي من أهل فاس. كان إماماً علامة متبحر في العلوم وكان ثقةً أميناً معروفاً بالورع والدين.ترك زاوية تعد خلفية لمنزه درقاوة فيها كانت تسكن بنته للاكنزة..

أَتذْكُرُ يا حبيب القلب أيامًا عشقناها

دراستنا.. وراحتنا.. وأشعارًا حفظناها

أتذْكرني أرددها

بصمتٍ كنتَ تشرحها

فأفهمُ منكَ معناها

أذوبُ بحسن ذاك الصمتِ

كيفَ الصمتُ يسمعني

من الكلمات أعذبَها وأحلاها

*

أتذْكرُ يا حبيب القلب أيام الهوى معْنا

أتذكُرُني وأصحابي وأحلامي ومقعدَنا

و(فيروز) التي غنّتْ وأنتَ سمعتها معنا

أتذْكرُ يا حبيب القلب صورتنا؟

تظلُّ على جدار القلب محفورهْ

وذكراها مُقدّسة على النسيان محظورهْ

جميلٌ أنتَ في الصورهْ!!!

أغارتْ آلةُ التصويرِ حينَ رأتكَ في الصورهْ!!

بوجهٍ أبدعَ الخلّاقُ حين أرادَ تصويرَهْ

تكادُ زجاجةُ التصوير حين أطلَّ مُبتسمًا

رقيقًا مثل بلورهْ

تكادُ تخرُّ مكسورهْ

جميلٌ أنتَ في الصورهْ!!!

*

أَتذْكُرُ كم تصوّرنا؟

هنا بقميصيَ الورديْ

هنا بقميصيَ الأسودْ

و أنتَ تظل يا ودّيْ

معي بقميصكَ الأوحدْ

بلونٍ لا تبدلُهُ

بلونٍ لازورديٍّ

يصيرُ بأضلعي نارًا

فلا تخبو ولا تبردْ

*

أَتذْكُرُ يا حبيب القلب.. هل تذكرْ؟

أغانينا كتبناها معًا في آخر الدفترْ

و شعريًا كنتُ أنظمُهُ

وُجودُكَ أنتَ يجعلني

أزيدُ كتابةَ الأسطرْ

وأسرارًا أبوحُ بها إليكَ وأنتَ تكتمُها

وتفهمها..

وحين أكفُّ عن بوحي تقولُ :تكلمي أكثرْ

وتسمعني ولا تضجرْ

*

أتذكرُ يا حبيب القلبِ؟!!

دعْنا نحو أيامٍ جميلاتٍ لنا نذهبْ

رميتُكَ بالحصى يومًا لكي ألعبْ

ولم تغضبْ

ومني كنتَ تحضنها بواسعِ صدرِكَ الأرحبْ

فكم أعجبْ!!

حبيبًا كنتَ تسمعني.. ولا تنسى.. ولا تعتبْ

فمن أندى؟

ومن أطيبْ؟

*

أتدري يا حبيب القلب هل تدري؟

بـأنَّ الناس قد عجبتْ

فمَنْ أعنيهِ في شعري؟

أَأُخبرهمْ؟؟

نعم، إني أدونُهُ

لـ(نهرٍ) في مدينتنا وبين عروقنا يجري

رقيقٌ مثل طيب النور، مثل نسائم الفجرِ

وهدأة طرفه النعسان مثل تدلل المطرِ

ويمشي في مرابعنا بوجه العاشق النضرِ

ويهدي حبه للناس والأطيارِ والشجرِ

وإن أبدى ابتسامتَهُ فأينَ تبسمُ الزهرِ

وأين تنهد العشاق تحت الليل والقمرِ

شُغفتُ به إلى أن صار رمز الحب في شعري

أتدري يا حبيب القلب

أنكَ لحن قافيتي

ورمز الحب في شعري

سأنشدُ (يا حبيبَ القلب) علّي حين أنشدها

يطلُّ النور من ثغري

***

القصيدة عن نهر الفرات

شعر: إسراء فرحان

من كتاب: قمر الزمان

رغم سنوات الجمر

وخديعة المخاتلين العاشقين

للجسد العاري

والطاولات المزهوة بالثمار والموسيقى

كان الرجل الشريد يرمم بيوتا

تداعت

وصارت مزارا للقادمين من زمن

بعيد

ربما ضاعت خطاه في الفلوات

وصار الصوت قريباً من بهاء البريق

كم من طريق ترهلت فيها الخطى

والديار التي هاجرتها الأهالي

لم تبح باسرارها للهاربين من القحط

اللعين

السواعد التي رفعت الأكفان

على الأكتاف

اندثرت منها ورقات الحلم قبل مجيء

العاشقات

للذاكرة بيوت وللنسيان دفاتر

لم نكن ندري ان مسافة فاصلة.

بين الجحيم والنعيم تعرفها القوافل

والغجر

لا حريم هنا قرب القبو القديم

لا أحد يستعين بالفقهاء في المعارك

الخاسرة

ما وجدناه مكتوبا على الورقات

صبيحة الأمس

لا تفهمه الأمهات الهاربات من الجمر

فيل أنهم جاؤوا من زمن الكهوف

و ناموا على عتبات اليقين

لم يفهموا ان النصوص قابلة

للتاويل

والمعنى يخترق الجدار والمسافات...

لا خيار لنا اذن سوى الصمت مع الفقهاء

والذهاب سريعا إلى النهر المتاخم

للحنين

ربما كانوا افذاذا ولم نعلم

يعشقون الظلال والخيام والصيد الوفير

من الأساطير

طوبى لهم بما كسبوا

لم نكن نعلم خوفهم من ذاكرة الإحتچاج

وإنفلات الغيم في الدروب

يخافون من ورق كتبت عليها تفاصيل

الوصايا

يخافون من ولد تنامت احلامه في الأعالي

يخافون من جسد جريج لا يساوم

حين تباغتنا أصوات الأمهات الهاربات

من الجمر

يخافون من غنيمة قد تضيع

و القطيع غارق في مياه الصمت والإنحناء

شريدا

عنيدا تراه العيون قبل المغيب

فاتحا ذراعيه للظلال والبهاء الطالع

من صيحات الثكالى

هنا كثير من سباع الزمن القديم

و الرعاع صاروا اسباد القبيلة

كيف لاولاد القرى

أن يسيروا فرادى باتجاه المسافات البعيدة؟

كيف ينام الفتى وبوصلة البلاد صارت سرابا....

لم نكن وحدنا في الأقاصي

كانت معنا ذاكرة الأيام

وصيحات الثكالى

خصوم الوردة المشتهاة صاروا جنودا

للاساطير

والبيوت التي هاجرها الأهالي

نام على عتباتها السباع والضباع وما ابقته

المرحلة من غيوم

قبل مرور العربات زمن الغروب

يصيح الولد الكسيح غير مكترث بالعواصف

والأنواء:

لا خوف لي من زحام المدينة وضوضاء

العواصم

ستبقى الأصابع تكتب ورقات"الشغب"

ستبقى الرايات هي البوصلة

لا مفر من هروب الضباع

وانفتاح الجسد العليل على بهاء الصراخ

الطالع من الأنفاق

لا خيار لهم سوى الهروب من كوابيس

المرحلة.....

***

البشير عبيد – تونس

 11-11-2022

 

بين هنا وهُناك...

أتَمسَّكُ بجذْعِ شجرةٍ

أبحثُ عن رقَائقِ الشَّمس

عطراً لزهور غربتِي

يَثْملُ أنفاس الكون.

في بلادي يشحُّ العطر

ويُغتصبُ الورد

وتُغتال الطفولة

والبسمةُ في الزنزانة

ودماءٌ ودموع

وحريقٌ يلتهمُ الماء

زمجرةُ رصاص

تقضُّ مضاجعَ أحلامي

جُرحي ما زالَ يتيمْاً

أَحْلمُ بوطنٍ لا ينتحِرُ

هَلْ من وطنٍ يتبنّاني؟

أَين مِنِّي أنت ...؟

وأين أَنا منك؟

أبكيكَ ياسمينةً .... ياسمينةً

أنَا لا أَبْكِي حَنينِي..

بل أَبْكِي

اِنْكسارَ الزَّيزفونِ

على ريق ضِفَافِك

أناجي غفران

الضُّوءِ في عينيك

واختيالَ المَراسي

على رموشك

آهٍ .. شَرايينُك تشتعلُ وَفاءً

آهٍ.. زَهراتُك تَحْترقْ

أسمعُ أَحلامَها المُستَغِيثَة

أَرى دُخانَها كثيفًا

أَتَرقَّبُ انْبعاثَ العَنقاءْ

وشُروقَ الشَّمسِ

لأَملأَ الخوابِيَ من ذهبها

أُعَتِّقُ ياسمينَ الشَّام فيها

كي ترفُلَ نَحلاتُ الحرِّيَّة

على أَجْنحَتها

أبْنِي سُلَّمًا أَخضرَ

مُطرَّزاً بحروفٍ

لا تعرفُ الاِنْتِحار

عُدْ يا زمنَ السُّكَّر أبْكَر

أَحْملُ لصباحَاتِكَ

تحيَّةَ الشَّوقِ والصَّعتَر

***

سلوى فرح - كنـدا

 

 

اكثر من سبعين سنة

ونحن لا ندري

من هو الظالم

ومن هو المظلوم

ما هو الارهاب

من هو الغالب

ومن هو المغلوب

ومن هم الارهابيون

من هو قيس

ومن هي ليلى

من هو عنترة

ومن هي عبلة

ما دور الراعي

وما دور الغنم

ومن درب الدبب على الرقص

في زرائب اللئام؟

2

اكثر من سبعين سنة

ونحن نضع اكاليل الشوك

على قبور غير مسكونة

ونشتكي من الدماء

التي تنفجر من عروق ايدينا

لقد اختلطت علينا الاوراق

وبعنا ارواحنا

في المزاد العلني الدولي

القدس تستغيث

والمسجد الاقصى يحترق

ونبقى دوما نتساءل

من هو اليمين

ومن هو اليسار

من هو الشيعي

ومن هو السني

من هم فتح

ومن هم حماس

وما القاسم المشترك

بين الجنرالات ولم الشمل؟

ومع ذلك ننام في سرير واحد

الى اجل غير مسمى

ثم ندفن رؤوسنا

تحت رماد البراكين

ونتوسد المآسي والنكسات

وبقصائد بلا قافية

نقرأ الفناجين

3

نحن العرب

نتسلح حتى الاذقان

ولا نكترث بالجياع

وهل ترساناتنا

ستحميهم من الضياع

نتسلح ونقول لهم

اشربوا النفط

وامضغوا الغاز

حتى تصلوا نشوة الاقتناع

لا الخبز ولا الزيت

ولا القمح ولا اللبن

سيشفي كل الرضاع

ونقنعهم باننا نتسلح

للقضاء على الاوجاع

وتحسين الاوضاع

ونقول لهم

اصبغوا كل الاظافر

وتزينوا باحمر شفاه لماع

ايتها الشعوب العربية

انتم اهل الاشعاع

وشيمتكم الولاء المطاع

فلا تهتموا بجيران الصداع

فطبولهم من زمن

ضاع منها الايقاع

واجبنا نحوكم

نطعمكم بقدر المستطاع

واعلموا

ان الحروب القادمة

ستهوي بنا الى جحيم القاع

واعلموا ايضا

ان بضاعتنا

لا تشترى ولا تباع

لا نريد منكم جزاء ولا شكورا

فانتم اهل الخير

ونحن بالمكيال نتعامل بالصاع

***

بن يونس ماجن

أرهقها التعب، وأمضها البحث، أياما طويلة قضتها تبحث عن عمل يقيم أودها مع أفراد أسرتها العزيزة، تضخم عدد العاملات في مصنع صناعة الملابس النسائية، وأدخلت عناصر شابة من النساء، بأجور قليلة..

- لا نملك أجرتك سيدتي، يمكننا ان نجعل سيدتين تعملان بدلا عنك ونعطيهما نفس ما نعطيك كل شهر ..

- وأنا؟ وأولادي؟ وسنين العمل والكفاءة التي بذلتها معكم؟

- لا ننكر جهدك، وإخلاصك، ولكل أمريء قدرة محددة، والشباب لهم طاقة اكبر..

متاعب كثيرة تتراكم عليها، وهي وحيدة، لا تجد من تلجأ إليه، ليقوم بمساعدتها، أهلها وناسها رحلوا من هذا العالم وبقيت وحيدة، تتذكرهم دائما، وتحن إلى الأيام الجميلة، التي كانت تجمعها وإياهم على الحب والوئام، تغير اليوم كل شيء، وأصبحت الأمور سيئة، لا طاقة لها بتحملها لوحدها، وزادت عليها الأعباء بموت زوجها، تراكمت عليه الأمراض بعد أن استغنوا عن خدماته، لكبر سنه، وتركها مع أولادهما الطلاب وحدها، لا تستطيع أن تتخلى عن واجبها للوقوف بجانبهم، حتى يكملوا دراستهم، ويرزقهم الله بأعمال تتناسب مع طموحاتهم ... تسير كثيرا على غير هدى، علّ المشي الطويل يبدد متاعبها الكثيرة، ويجلب إليها بعض الراحة، فقدت الإحساس بالطمأنينة منذ دهر، تتذكر معاناتها الطويلة، وكيف لفظوها،، وهم يحكمون عليها بالابتعاد عن العمل الذي وهبته سنين حياتها، وأخلصت فيه، وكانت تجد به سعادتها، وتحقق ذاتها في عالم قاس لا يرحم، وتحفظ كرامتها، ولا تحتاج أحدا

- وهل اشتكيت من العمل؟

- أنت مجتهدة، ولكن ماذا نقول لمن يعترض؟ وكيف يعرفون انك بهذا الاجتهاد؟

خطواتها سريعة، تود لو استطاعت أن تهرب إلى مكان بعيد، لتنسى حاضرها المؤلم وماضيها التعس، عمل مضن، وشقاء متواصل، وقد رضيت به،وأبوا لها أن تستمر فيه، سنوات من النضال تذهب أدراج الرياح، وكأنها لم تعمل، ولم تنفق عرقا وعاطفة وتعبا ومثابرة، وأقوالهم القاسية التي اتخذوها حجة لهم، لإخراجها من العمل، تطاردها باستمرار، سهام تبدد راحتها وتغتال أحلامها، بحثت طويلا في المؤسسات عن عمل جديد، يرحبون بها في البداية:

- مرحبا بك سيدتي، يسرنا أن نستعين بك، يحتاج عملنا إلى إنسان مخلص مثابر مثلك، تبدو عليك علامات الطيبة وحب الناس.

- يسرني رأيك

- ولكن، كم عمرك سيدتي؟

- آه آسفين جدا، لا يمكننا الاستعانة بجهودك، أنت بلغت سن التقاعد..

يطول بحثها بلا طائل، و يكثر خروجها من المنزل، لتجد مكانا آخر قد يوافقون فيه على طلبها، ولا يتخذون من العمر عائقا، فكرت أن تهرب إلى مكان بعيد، ولكن وضع أولادها المعتمدين عليها كل الاعتماد، يجعلها تبعد فكرها عن محاولة الهروب، من لها غيرهم في هذا العالم؟

تهيئ طعام الغداء في الصباح الباكر، وتقوم بما يحتاج إليه المنزل من تنظيف وعناية، وتستعد للخروج، ورغم أن محاولاتها كانت تقابل بالفشل، إلا أنها لم تفقد إيمانها الكبير، أن غدها لابد أن يكون أجمل من يومها المتعثر هذا، وان نشاطها الكبير وإخلاصها في العمل،وحبها له يمكن أن يذلل كل الصعوبات والعوائق التي تقف في الطريق ..

تعود منهكة إلى بيتها، تصعد درجات السلم بنشاط وهمة، تريد أن تحضر مائدة الطعام ..

أولادها يعودون بعد قليل من المدارس، يصطدم قدمها بشيء صلب ملقى على الدرجة الأخيرة من السلم:

- ماهذا؟

تنحني لتتفقد الشيء وتعرف طبيعته..

- انه محفظة نقود، ربما رماها صاحبها هنا، لابد انها فارغة، لايعقل ان يكون بداخلها بعض النقود، ولكن من يدري؟ ربما ..آه ..الحمد لله، نقود كثيرة.. وجدت الحل لمشكلتي أخيرا، بعد أن نفدت نقودي، التي كنت قد ادخرتها لحكم الزمن، الحمد لله، بعث لي تعويضا عن أيام السهاد والتعب وفقدان العمل.

تسارع إلى فتح منزلها، تفتح المحفظة، تعد ما بها، مبالغ كبيرة لم تكن تحلم بها، و قطع ذهبية ثمينة، وبطاقة هوية، تقرأ المعلومات بها بتمعن،

من يمكن أن يكون صاحبها المهمل، الذي أضاع محفظته على درجات السلم؟ الحمد لله، إنها من نصيبي، وسوف تفيدني وتؤمن معيشتي شهورا..

تحضر المائدة وتضع عليها الأواني، تسخن الطعام، وتضع الخبز، والماء والملاعق، بعد ثواني يعود أولادها..

إنها فرحة اليوم، فقد حلت مشاكلها لبعض الوقت، وبعد شهور حين تنفد النقود، ستجد حلا، يمكن أن تجد عملا، من يدري، ولكن ما بالها تجد الفرحة ناقصة، وتشعر ببعض الضيق، مابها؟ لماذا تفكر كثيرا؟ وما شأنها ان أضاعت جارتها الكسيحة نقودها، التي جمعتها لتقوم بالصرف على ابنها المسافر، إلى خارج البلاد للدراسة، لماذا لا تفرح، وتأخذ النقود التي بعثها الله لها، هي أولى من غيرها، ولكن ماذا تفعل جارتها؟ إن عرفت بضياع نقودها؟ ...وما شأنها هي؟ لتجرب جارتها حياة الفاقة كما جربتها، قد تكون الجارة أفضل منها حالا، فزوجها حي يرزق، ولكن زوج الجارة عاطل عن العمل، وجارتها المسكينة الكسيحة تعمل للأنفاق عليه، يا الله يا ما في الدنيا من مظلومين، لماذا تكثر من التفكير؟ النقود لها، ولن تعود إلى تنغيص نفسها بما يحدث للآخرين، ولكن هل تعلمت طعن من يحسن إليها؟ جارتها كريمة معها، وتقف بجانبها، وقد جربت أن تجد لها عملا، ولكنها لم تفلح، وخابت محاولاتها، من يدريني إنها حاولت، النقود لي، لتذهب الجارة إلى أي مكان ..

القلق يستبد بها، والحيرة تهيمن على تفكيرها، والأفكار المتعارضة المتصارعة تذهب بها في جميع الجوانب، من قال إن النقود لها؟ هل تعبت في جمعها؟ لقد تعبت كثيرا، في جمع نقود أخرى، وصرفتها على العائلة، ولو جمعتها لكانت أكثر من هذه النقود أضعافا مضاعفة، ولاستطاعت أن تكون من الأثرياء، ولكن شاء طالعها أن تقوم هي بالإنفاق، لتعجز عن جمع النقود..

- صه يا عقلي، إليك عني يا فكري، لماذا تتعاونان على الإيقاع بي، جاءتني الهدية إلى عقر داري، وحل الرزق بعد طول انتظار، ابتعدا عني.

وكيف تبتعد عن عقلها، وهل يمكنها أن تنأى عن فكرها؟ ماذا يتبقى لها، بعد ابتعادهما، لن تظل كما تريد أن تكون، لتذهب نقود الآخرين، سوف تعيدها إلى أصحابها، ولن تعرف الراحة حتى تعود إليها طبيعتها الجميلة

***

صبيحة شبر

31 تموز 2010

دخلت قاعة التهريج، رأيت القرود مجتمعين، متوضئين وملء أشداقهم أصداء ضحكات هازئة تتعالى مستهينة بالجموع النائمة في دائرة التحشيش الاسبوعي.

سمعتهم يلقنون الناس المواعظ السائغة والمهلكة، ويكسون أدمغتهم بمواد وقد هرأه الصدأ، سعياً منهم تجميد سوائل العقل، وتدمير الاتصالات الخلوية مع بعضهم البعض، واشاعة الفوضى في خطوط النقل، محدثة صدعاً متعرجاُ، وعطلا في البرنامج الذهني.

ومن فرط الورع جعلوا من الكذبة حقيقة، تلك الحقيقة المظلمة، المغلفة برداء نور خداع يُوهِم البصر بادعائها انها الحقيقة المطلقة التي لا تخضع للنقاش والمبادلة. ليست هناك حاجة للانخراط في تشغيل الفكر والبحث العميق، لأن هذا المجلس يشكل المرآة التي تعكس أمنياتك ورغباتك، ولكن ليست على هذا الكوكب تحديداً، وإنما في حياة لا يرغب اعضاؤه أنفسهم في تحقيق هذه الأمنية ولا حتى لأبنائهم.

وبهذه المواعظ يقوم مجلس العظماء بحقن  الناس لقاح المناعة التامة حتى يتحرر من التفكير في معاناة البلاد وكوارثها، فيتمكنون بالتالي من الهيمنة على مقدرات الانسان وكرامته.

هذا الوهم الساري ينتقل كالفيروس المعدي من كائن الى آخر ويوسع دائرة الخطورة حوله، فيشكل منهجا عقلياً ذا عاهة مستديمة، بحيث يعرقل عملية تأهيل الفكر والتبصر حافلاً بالأضرار والريبة.

ومن صحراء الجهل تهب رياح الأوهام حاملةً معها الغبار السام الذي يحجب الرؤية ويكبح القدرة على المواصلة في الطريق الصحيح، مما يصيب قطيعاً من البشر وينتج عنه انفجار جماعي ونمو متزايد لخصوبة تربته. ثم ينشرون دعايات مضللة بإلقاء تبعات التخلف والفقر والحرمان على قوى بعيدة عن أسوار المجلس.

ولأجل تحقيق أهدافهم الخفية، من الضروري إنتاج بضاعة يمكنهم التعكز عليها كمصدر لتصريفها، لابد من فرض فكرة الاختلاف والتميز عن بقية البشر والتأكيد المتواصل على أهمية ما يسمى بالتقاليد والعادات المتناقضة. لقد اجتاحت هذه الأفكار البالية والمتأصلة رؤوسهم واستقرت في العمق، مستغلين بذلك غياب الشمس النائمة خلف الغيوم الوهمية.

ويرى هذا المجلس انه من الصواب ان يعيش المرء وسط قوم يعتاش على موائدهم وينال لقمته بفضلهم وفي نفس الوقت يحتقرهم ويقذفهم بأبشع النعوت. وكأنه بذلك قد أكمل رسالته وأرضى ضميره. والأنكى من كل هذا أن مجلس العظماء يرى الخطيئة والفاحشة في وجوه المضللين بهم، بينما تتجذر رواسبها في دمائهم.

يروون حكايات وينسجون قصصاً خيالية ويعزونها الى كتب وصفحات وأسماء مجهولة. ويقسمون بدلا من الله بالأئمة حتى ترسخت دون وعي في عقول المغيبين وأصبحت أكثر قداسة.

لقد تمرسوا على السير بثبات فوق حبل الكذب وجمعوا كل طاقاتهم في سلة تالفة لكي يبسطوا من امد التخدير ويجعلوا من سبات الناس مقبرة كبيرة تصب في خدمة المتسلطين.

***

كفاح الزهاوي

كان دائما محلقا فوق القمم. كأن لسان حاله يردد:

ـ قمم.. قمم.. قمم.. ما دونها ذل وندم..

ديدنه التحليق في أعماق الفضاء، لكنّ عينيه الحادتين أبد الدهر تراقب كل ما هب ودب في السفوح والجداول والخمائل وساحل البحر. كأنهما عينا رادار طائرة بلا طيّار.

عهدي به ـ إذن ـ محلقا . حفظت مواعيده بدقة. وتعودت أن أملأ به بصري وأحيّيه بكلتا يداي، وكنت أشعر وأدرك أنه يبادلني التحية بأن ينطلق نحوي كالسهم ثم يدور دورة كاملة فيرسم بحركته تلك دائرة مغلقة.

وكان يبدو أنه يرنو إليّ مبتسما، فرحا، يكاد يطير نحو عوالم أخرى من شدة الفرح.. توطدت بيننا العلاقة، فكنت أراه ويراني. أحييه ويحييني. وكنت أبتسم وأنا أرمق في أعين العجائز القلق والتوجس وهن يرددن:

- احذروا الحدأة، إنها تخطف الدجاجات وصيصانها.

أقول لهن من وراء حجاب الصمت:

- هذا باشقي.أعرفه حق المعرفة. ليس خطافا. أمين. لا يعتدي على حرمة أحد.

هي الصداقة يا صديقي الباشق والوفاء يوجبان عليّ ذلك الموقف.. ليس كل الناس من برعم واحد.. صحيح إن الطينة واحدة، لكن البراعم شتى.. نسري ليس ككل النسور صرت أميزه بين أقرانه في الجنس، في كل حركاته..

ـ 2 ـ

وحدث ما لم يكن في الحسبان.. افتقدته فجأة.. خلت السماء من ظلّه.. ملأت الظنون كنانة نفسي.. منذ عرفته لم يغب عن ناظري يوما كأنه الشمس في بزوغها ومغيبها.. أوجست خيفة. نذير الشؤم أسرع عادة إلى النفس من فأل الخير. هو الإنسان في هذا الزمن حالت طباعه ورغباته.. لم يعد يثق حتى في نفسه.. أورثته الحضارة الغربية المزعومة قلقا لا حدود له..

رددت بهمس من يؤمن بأن للجدران آذان:

- ربما ألمت به وعكة صحية فلم يقو على التحليق.. أواه.. ربما أصابه مكروه.. أو أصابته طلقة بندقية طائشة أو مصوبة غادرة .. أواه..

ثم رددت:

ـ أف.. اللعنة على الهواجس اللعينة والأفكار التي لا تسر الأحياء ولا الأموات..

مر يوم.. يومان.. ثلاثة.. أواه.. ثقلت الدقائق والثواني. طفقت مشاعر القلق المشحونة بالشوق تحبك خيوط عناكبها في شكلها التصاعدي، فتفرز بدايات المرارة والأسى.

رحت أنتصب على الربى تباعا لعلّني أبصره محلقا، قادما نحوي ليبذرالأمل في حقول.

اليأس.. أردد بلكنة الواقف على حافة هوة سحيقة لا يُعرَفُ لها قرار:

- ماذا دهاك يا نسري؟ أم أنك مللت منّي، واستوطن الجفاء قلبك؟ أم غيرت فضاءك؟ أخشى يا نسري أن تكون الظنون قد فعلت بعقلك كما تفعل غانية بمعجبيها.

تتناسل لحظات الانتطار والترقب. تحل قوافل المساء مخلفة وراءها مزيدا من القلق. ولاشيء في الأفق غير أسراب من الغربان والسنونوات والقطا العائدة إلى وكناتها. هكذا - إذن – يا نسري يصبح الفضاء مسرحا للبغاث عندما تهجره . يغدو مباحا لكل من سولت له نفسه العبث.. الفضاء يا نسري العزيز دونك صفحة سوداء.. أو هو أرض خراب، يباب.

-3-

وتفضي إليّ نفسي باحتمالات مبعثها القلب تارة، وكرة أخرى منبجسة من حوض  العقل. هي الحيرة تطل من شرفات حالكة الجنبات. تصحو المناجاة في غياهب الحنين. وحدها الكلمات تخوض المعركة في زمن العجز. آه يا نسري هل وقعت – في لحظة غفلة – في شرك صياد ماكر من الإنس أو الجن؟ أم أردوك قتيلا فوق ربوة أو قمة. عهدي بك أنّك تعشق القمم، وكلما أصخت إليك سمعتك تردد:

ـ قمم.. قمم.. ما دونها ذل وندم.

فأمسيت يا عزيزي طعاما للنمل والدود والثعالب تنوشك وتقضم عظامك.. أخًّ من زمن تصبح فيه النسور جيفة لبغاث الطير.. أعذرني يا أيّها العزيز الغائب.. نحن في زمن لا عهد لنا به.. الأعمى يقود البصير، والدابة تركب صاحبها، والسيدة تخدم أمتها.. أف.اللعنة على هذه الفلسفة العقيمة. ما دخلي أنا بين الدجاجة والبيضة؟ أنا همي الوحيد أن أراك سليما، غانما، بعيدا عن أيّ مكروه.. محلقا في الفضاء ومرددا ترنيمتك الجميلة:

قمم.. قمم.. ما دونها ذل وندم .

آه يا نسري العزيز، أتراك غيّرت موطنك ورحلت إلى برّ آخر دون وداع ؟ كديدن (الحراقة *) الذين أحرقوا أكباد أمهاتهم.أيعقل أن يعبث الشيطان الرجيم بعقلك كما لعب بعقول آلاف الشباب الأبرياء، ورماهم في البحار الخضمة ولججها؟.. لا.. لا.. لا يا نسري لا أظنك تهجر هذا الوطن الجميل الذي لا مثيل له ولو في الأحلام.. وتمسي (حراقا)** في أرض لم ينبت منها عظمك وريشك ولا نضج من تربتها ونسائمها جلدك.. هناك ستشتاق إلى القمم. ستنسى أغنيتك.. وستضرب على رقبتك دون أن ترفع عينيك في جلادك.

سيسألونك بفظاظة :

ـ ما الذي أتى بك إلى أرضنا؟ من وراءك ؟

ثم يقال لك بكل قسوة :

ـ أنت مسخ في صورة نسر.. لو كنت نسرا حقيقيا ما تركت وطنك وأهلك..

وفي تلك اللحظة بالذات تشعر بالخنجر قد اعتراه جنون الفتك في أعماقك..

-4-

وتركض الأيام سراعا كخيول بلا قوائم.. مازال نسري غائبا عن سواد العينين.. ما باله لم يحركه خيط الحنين إلى من فؤاده قد ذاب شوقا إليه.. انكسرت جرار الصبر وتهشمت مراياه.. قررت البحث عن نسري.. أمتطي صهوات السبل حتى آخر رمق، حتى أدرك مصيره.

قلت وأنا أزجي الخطى:

- لن أبرح البحث مهما كانت السبل وعرة.. سأجده إن كان مازال حيا يرزق أو لم يرحل إلى موطن آخر..

ثم عقبت:

- ربما هو الآن طريح التراب، عاجز عن الوقوف. ينتظر من يسعفه.طوّحت به ريح أو رصاصة غدر في فج سحيق أو هضبة شائكة الأيك، ينتظر بفارغ الصبر الخلاص على يد من يحبه.. خشيت أن يكون الأمر كما انبثق في ليل الخواطر.لا.لا.لا. أعرف نسري عز المعرفة.لا يستجدي أحدا.لا يشكو لمخلوق.أبيّ النفس، شهم، صبور.لا.لا. أليس لكل جواد كبوة؟ والدهر أنيابه حادة، ومخالبه جارحة.. من حقه أن يلومني إن فرطت فيه.. ما حاجة المرء للصديق إذا لم يعنه على صدّ سهام النوائب؟ آه يا نسري العزيز ما أبشع هذا الزمن. قلّ فيه الوفاء.وكثر الغدر. ارتفع الخفّ وقُصف المثقّل في الدرك الأسفل.يا إلهي ما ذا دهاني أأشكو لك الهمّ وأنت لي همًّا؟

رحت أخوض الدروب ؛ القمم والهضاب والفجاج. أمشي تارة وأحبو تارة أخرى كالطفل المشتاق إلى حليب أمه. أقفز فوق الصخور الناتئة كموجة بحر خريفية. كنت أردد في قلب الفضاء الأرحب:

ـ أين أنت يا نسري العزيز؟ كلمني أرجوك. اشتقت إلى ملحمتك . قمم.. قمم.. ما دونها ذلّ وندم. فيعود إليّ صدى النداء ويملأ سمعي.. يستهويني رجع الصدى فأنادي وأنادي وكأنني عثرت في هوة النداء الذي لا قرار له..

ازدادت نيران الشوق لهيبا. لم تفلح تلك الدروب الملتوية،الممعنة في الإصعاد والإنزال في كبح جماحه. لا شيء كان يوقفني هنيهة، غير ريشة تائهة علي أجنحة النسائم المقبلة من بين جوانح القمم أو رياح لينة تسللت بين الفجاج.

كنت أسأل:

- من أين قدمت يا ريشة؟ من أيّ جناح طائر أنت؟ وأرجو الرياح والنسائم أن تبوح لي بالخبر اليقين والسرّ الدفين.. أيّ يد آثمة ألقت بنسري في كهف النأي؟ أيّ يد مضرجة بدماء البراءة قصت جناحيه، ونثرت قوادمهما في مصب ريح عاصفة؟

وكنت ألمح أسرابا تمرح بين زرقة السماء وخضرة الأشجار، فأصرخ وكف الأسى تقلب القلب على جمر اللّظى:

- يا طيور القطا، أحمّلك سلاما، فبلّغيه إلى نسري العزيز..

-5-

بلغت قمة القمم بعدما أشربتني الدروب كؤوس الشوق والعناء حتى ارتويت.. تنفست الصعداء وسرحت بصري في كل زوايا المكان.

قلت هامسا:

- ما أروع القمم.. لك الحق يا نسري العزيز أن تنشد مزهوا:

ـ قمم.. قمم.. ما دونها ذل وندم.

جئتك على عجل لما طال غيابك.أين أنت يا نسري العزيز؟ القمم في غيابك مزابل نتنة

كان الصمت سيّد المكان. وشمس الأصيل تلملم خيوطها بألحان صوفية. كانت أناملها تنسج بردتها الأرجوانية، دمدمت كما الريح الخريفيّة بين الفجاج:

ـ ربّاه.. هل قدري أن لا أرى نسري ولا يراني؟

بدت لي القمة كئيبة بلا لذة. أرض سكنتها بغاث الطير.. قلت حانقا:

- هكذا يا دهر تهب القمم لبغاث الطير.لا.لا. نسري لم يمت، لم يهاجر، لم يبع قمته، فهي شرفه. لم يكن(حرّاقا). هو أعقل من هؤلاء الشباب الذين رموا أرواحهم في أتون التهلكة. نسري لم ينتحر(حرقا) ولا رمى نفسه من قمة. نسري ابن القمم. فيها يحيا وفيها يحين أجله.. ولسان حاله يردد:

ـ قمم.. قمم.. ما دونها ذل وندم..

لم أدع حجرا ولا صخرا إلاّ وكلّمته. فتشت في كل موضع وصلته قدماي.. كنت كالمحموم جنّ ليله الطويل، وجثم على صدره مسترخيا كسكير فقد عقله وتوازنه. كان أملي أن أجده. حياّ أو ميّتا.. كان الخوف من المجهول ينهش القلب . كيف أتصرف لو وجدته جثة هامدة ناشتها الغربان والبغاث أو الثعالب؟ لحظتها أهوي مغشياّ عليّ، وربما تكون نهايتي.

قفلت عائدا إلى عتبة البداية. كنت أسابق خيوط الدجى. تراءت لي الدنيا ليلا منثور الكواكب. كنت أجرجر الروح كالعائد من معركة ووسام الهزيمة على صدره:

- ها أنا عائد يا نسري العزيز مهزوما، مكلوما. لكن سأنتظرك فوق ربوتي كما عهدتني. لن أنساك ما دمت حيّا.مادامت عيناي تبصران قمتك، ولساني يردد ملحمتك:

ـ قمم.. قمم.. ما دونها ذل وندم.. .

***

(تمت)

بقلم: الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

.. .. .. .. .. .

* (الحرّاقة): لقب أطلق على المهاجرين السريين نحو أوروبا.

** (حرّاقا): مهاجرا سريّا.

 

 

سكبتُ بقايا الشوقِ خمري المُعـتَّـقَهْ

حنـينًا فصـار الـحــالُ حـالَ المعـلّـقَهْ

*

فلا هي تـرجو أن تَـعـودَ لـزوجـها

ولا مـنـهُ تـسريحٌ فـتغـدو مُـطـلّــقَهْ

*

كـذلكَ حــــالي في زمـانٍ مُـخـاتـلٍ

بـهِ مـا بـهِ عـندي وذكرايَ مَـحرَقَهْ

*

تُـلَمْلِمُ وجـدي في سـنـينَ تَـبعثرتْ

شـواخصُها تـبدو شـياطينُ مُـحدِقَـهْ

*

اليها تركتُ الروحَ حـتى تَـعـنـكبتْ

ونامـتْ عـقـودًا في الضلالِ مُـشَرْنَقَهْ

*

وكُنتُ كما أسـلفتُ للـحُـبِّ واحـةً

وجـدولَ أشــواقٍ وللصـبـرِ بــودَقَهْ

*

فـالَ الـذي أعطيتُ في زمَنِ الهوى

بُـرودًا على أيـدي الـعُـتـاةِ مُـمَـزّقَهْ

*

وهذا الذي قد كُنتُ أرجو وصـالَهُ

تَـناهى بحبلِ الوصـلِ مِـنهُ لمـشنقهْ

*

فليسَ بمقدوري أعودُ وكيفَ لي

وقولي بـما قـد فـاتَ يصبحُ لَـقـلَقَهْ

*

برغمي أعيـشُ الوجـدَ وحـدي وحيرتي

تـعودُ الى الـذكرى طيوري المحـلِّـقة

*

لعـلي أرى منهـا شُـعـاعًا يـقـودُني

لـحُلمي وفي زمني الصفيقِ لأطـلِـقَهْ

*

ومـا حُـلُـمي إلّا حِـكـايـةَ عـاشِـقٍ

يـرى موطـنًا يُـسبى وأوضاعَ مُقـلِـقَهْ

*

يـراهُ رهـينًا بين سِـندانِ فـاسـدٍ

ولُـعــبةِ شُــذاذٍ تـوالــتْ كـمِـطـرقَـهْ

*

عراقي عراق الخيرِ يسألُ اهلَهُ

الى أينَ يمضي في دهـاليزَ مُـغـلـقَهْ

*

أراني الى المجهولِ تبدو مـسيرتي

يقـولُ وحـسبي من وعـــودٍ مُـزوّقَهْ

*

أهـذا مصيري أن أكـون مُـضـيّـعًا

وأنْ ثـيـابَ الطُـهـرِ تُمسي مُـخـرّقَـهْ

*

لَـعمري هي الاحزابُ بـلواي كلُّها

وإنّ رزايـاها عـلى الـشعبِ مُـطـبـقَهْ

*

سـيـذكرها الـتأريخُ عارًا تجللتْ

وأمّــــا أمــــامَ اللهِ بـالـخــزي مُــوثـقَـهْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منـصـور

الدنمارك / كوبنهاجن

السبت في 29 تشرين ثاني 2022

يا مُودِعاً فــي ثنايا القلبِ ذِكـراهُ

ومُنشِداً لحنَ ودٍ ، لسْــتُ أنسـاهُ

*

قد قيل رُبَّ صديقٍ في الوفاءِ أخ

وصَحّ ما قيل في المعنى ومَبْنـاه ُ

*

وللعـقــول امتيـازٌ فـــي دِرايَتـِـها

تُهذّبُ الرأيَ كـي يَسْمو بمَسْعــاهُ

*

إن شِئْتَ أغْضِبْ صديقاً كي تُجرّبَهُ

وهـــــــــذهِ حِكـمـةٌ مِـمـا قــرأنــاهُ

*

مــا كلُّ عَزْفٍ يُوافي ذَوْقَ سامِعـه

إِنْ لم يكنْ مِـنْ صَميم الوَجْد مَأتاهُ

*

ليس التفاني كُليـماتٍ يُباحُ بــهـا

إنْ لم يكن نَسْـجُهـا بالروح تلقاهُ

*

لـكــي تــــدومَ مَـــودّاتٌ مُهَـذّبــةٌ

ففي التجاربِ عَوْنٌ سوف تَرضاهُ

*

ماصُحْبةُ المُنتقى إلا اقتباس سَناً

يُضيءُ دَرباً ، و يـَـلقى مـا تمنّـاه

*

إنَّ الصداقــةَ إنْ عَـفَّتْ روافِـدُها

حِصنٌ لديمومةٍ فــي الودِّ مأواه ُ

*

والابـتسامةُ إنْ أبـــدَتْ تَـكـلُفَـهـا

تُـوحي بـقلبٍ عَـليـلٍ فـــي نَواياهُ

*

والعينُ تُفصِحُ عَـمّا فـي دَواخِلِها

اذا الصديقُ عــن الأنظار أخـفـاه

*

(يامـــن يَعــزّ علينا أنْ نفـارِقـَهم)

طِـيبُ الصَداقـةِ ، مِرسـالاً جعلنـاهُ

*

اذا التواصلُ فــي السرّاء مُـنْفـتِحٌ

تبقى الاصالةُ فـي الضرّاءِ ترعاهُ

*

مَادام للصدق فــي العـلياء منزلةٌ

طُـهْـرُ الصداقةِ في الأفاق سُـكناهُ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبدالنبي البلداوي

 

كُنْتِ وَهْماً أَمْ كُنْتِ حُلْماً جَمِيلاً

قَطَفَ الْوَرْدَ مِنْ دَلِيلٍ وَحَدْسِ

*

كُنْتِ صَدْراً أَمِيلُ دَوْماً عَلَيْهِ

فِي انْتِصَارِي وَعِنْدَ شِدَّةِ نَكْسِ

*

كُنْتِ أُسْطُورَةَ الْجَمَالِ الْمُرَجَّى

فِي شُعُورِي وَتَسْكُنِينَ بِحِسِّي

*

جَادَكِ الْغَيْثُ أَنْتِ مُهْجَةُ قَلْبِي

وَرَبِيعِي وَأَنْتِ وَرْدَةُ عَدْسِي

*

يَا انْتِمَائِي يَا زَهْرَ لَحْظَةِ عُمْرِي

يَا نَسِيماً فِي وَقْتِ غُنْمٍ وَخَلْسِ

*

يَا احْتِمَائِي فِي نَبْضِ قَلْبِكِ أَغْفُو

يُوقِظُ الصَّبَّ مِنْ فُلُولٍ وَهَرْسِ

*

يَا اشْتِيَاقِي فِي لَحْنِ قِصَّةِ حُبٍّ

غَزَلَتْهَا وَقْتَ اشْتِيَاقٍ لِمَكْسِ

***

شعر: د. محسن عبد المعطي

 

هذه المقطوعة من الشعر في محبة الله

محاكاة لشعر المتصوفة

***

يا هندُ ليسَ من العشاقِ إنصافٌ

إنْ لاحَ في زمن الكتمانِ إيضاحُ

*

لا فوزَ للناسِ إن أبيحَ سرّهُمو

سرُّ الحبيبِ لكل الناسِ فضّاحُ

*

لا شكرَ لي بمناجاةِ الحبيبِ هُنا

فالله نورٌ وفي نور الهُدى راحٌ

*

إني لأعلمُ أنّ العفوَ مقبولٌ

فالحقُ دوما لمن يرجوهُ سَمّاحُ

*

إني دعوتكَ لا جاها ولا طمَعا

ربّ البريّةِ طهرُ النفسِ مِصباحُ

*

إني نهلتُ من العلومِ مِكيالاً

وما عرفتُ بأن الصبرَ مِفتاحٌ

*

إني سَعيتُ إلى دُنيايَ منهمِكاً

وقد ظننتُ بأنّ العُمرَ أفراحُ

*

يا من يُسرُّ لذاك الجاهِ مُبتهجاً

سرُّ الوجودِ صَفاءُ الرّوحِ صَدّاحُ

*

عشرونَ عاماً بدارِ غربتي وحدي

طالَ الطّريقُ، متى يا قلبُ ترتاحُ؟

*

أنا المسافرُ أهلُ الشام أحبابي

ففي دمي عنبٌ حلوٌ وتفاحُ

*

أهلَ الكرامةِ نهديكم مَحبتنا

حبُّ الكرامِ لأهل الجودِ لمّاحُ

***

لولا الحبيبُ لما بكت مُعذبة

ولا تندّت لأهل العِشقِ أقداحُ

*

لولا المَحبّة ُما طارت حَماماتٌ

ولا بَدتْ عندَ أهلِ الخيرِ أرباحُ

*

أخا المُروءَةِ، في الأبعادِ مازلنا

في البُعدِ تسودّ أو تبيضّ أرواحُ

*

دنيا العِبادِ تكللتْ بأعلام

فكن حكيما كما في اليمّ مَلاّحُ

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

كتبت حسب البحر البسيط .

كراسنودار – روسيا الاتحادية، كانون الثاني 2008

...................

وجهة نظر

قد يبدو للبعض أن من كان علمانيا في نظرته لحل قضايا المجتمع وقيادته فهو بالضرورة رجل ملحد، وبعيد عن الإيمان . أرى في ذلك شبهة وغلطة في فهم سلوك المثقف، ومسألة علم الإجتماع، وقضايا المجتمع، إذ أنّ العلمانيّ هو الذي لا يصدق ولا يؤمن بقدرة رجال الدين والمشايخ، قدرتهم على حل قضايا المجتمع وإدارة شؤون البلاد في زماننا المعاصر، في بلداننا العربية، إنّ تجربة حكم الإخوان في مصر وتونس وغيرها من الدول العربية أثبتت صحة ذلك، ولكن العلمانية لاتحرم العلمانيّ من حقه في الإيمان والعلاقة بالخالق. قولنا هذا ينطبق على القول المأثور- ما هو للخالق نتركه للخالق وما هو لقيصر يبقى لقيصر. ولكن كلامنا هذا أبدا لا يعني أنه في زمن التحرر الوطني علينا أن نحرم المشايخ ورجال الدين وجماهير واسعة، نحرم كل هذه الشريحة في المجتمع من حق المشاركة في حركة التحرر الوطني، إذ أن زمن التحرر الوطني يتطلب من كافة شرائح المجتمع النهوض والمشاركة الفعالة، بل الإنتفاضة ضد العدو الغاشم الذي يهدد بقاء المجتمع، وسلامة مواطنيه، وكرامتهم، ودينهم، ومعتقداتهم، ومقدساتهم.

ولكن لا العلمانية ولا مفهوم العمل الإسلامي، ولا مفهوم التحرر الوطني، لا هذا ولا ذاك ولا أي أمر آخر لا يسمح لنا بالتدخل بالشؤون الداخلية للدول المجاورة، التي يجمعنا بها الدين الحنيف تحت هذه الحجة أو تلك، إذ أننا بذلك نكون لا نخدم قضايانا الوطنية، وهناك مفهوم في القانون الدولي – هو مفهوم السياسة الداخلية لهذا البلد أو ذاك، وهذه السياسة هي جزء من السيادة.

أحيانا يبقي الضيف العجول وراءه سيجارة متوهجة عند حافة مطفأة، أحيانا ينسى الراحلون شعورا في غور النفس ولا يعودون لإطفائه. في التاسعة من عمري كنت صغيرا في عالم عجوز، جديدا في دنيا قديمة. وكنت نحيفا بسروال قصير وقميص خفيف حين أسندت رأسي على ذراع أمي ونحن جالسين متلاصقين على دكة خشبية بغرفة مأمور السجن. كان الطريق الطويل والانتظار قد أرهقاني عندما دخل علينا والدي من الباب المقابل لنا. كانت يده اليمني مقيدة بحديد ليد الحارس اليسرى، لكنه ما أن رآنا حتى تهلل وجه، ثم ضحك بفرحة من حلق بوثبة واحدة في سماء عالية. رفع معصمه ومعصم الحارس المقيدين لأعلى في الهواء يقول لى: " لقد سجنت هذا الرجل لأنه شقي ". وتطلع للشاويش بجدية سائلا إياه: "أليس كذلك يا شاويش؟ ".أجابه الرجل الطيب: " مضبوط يا بك". وسألني وهو يزحزحني ليجلس قربي: " شفت؟ ". كنت صغيرا جدا ولكني كنت أعلم أنه محبوس، مع ذلك أحنيت له رأسي بالإيجاب قاصدا أنني صدقته، فابتسم أنه أشاع طمأنينة في نفسي، وابتسمت أنني أرحته.

وكنت محبوسا فيما بعد، وكان طليقا. زارني وجلسنا في غرفة مأمور آخر، بسجن آخر. هذه المرة لم تسعفه حيل الكبار الأولى ولم تسعفني براءة السنوات الأولى. راح يتطلع فيما حوله بقلق مفتشا في الغرفة المقبضة عن ريشة من طائر البهجة، ثم وكأنما عثر عليها أخرج كيسا كبيرا دفع به تحت أنف المأمور قائلا:

" وضعتُ هنا كل الممنوعات معا الشاي والبن والورق والأقلام لتسمح بمرورها كلها دفعة واحدة ". ودارى المأمور ضحكته بيده. فابتسم وضمني بعينيه يسألني دون كلام: " شفت ؟ ".

مرة ثالثة قدر لنا أن نكون معا وأن نرحل في السر من القاهرة إلى الإسكندرية، لنغادر إلى بيروت على ظهر باخرة، ولم يكن معنا مليم واحد. وكان البوفيه مفتوحا على سطح الباخرة طيلة اليوم  ونحن جالسين أمامه في هواء البحر نتطلع صوبه ونشتهي قدح شاي كاليتامى. وعندما حل الغروب ضاقت فسحة الأمل وسألت نفسي: " ألن نجد حلا؟". ولم يحرك ساكنا حتى التاسعة مساء عندما أغلق البوفيه أبوابه وتلون الجو من ليل مبكر حولنا فوجدته ينتفض واقفا نافخا: " الحمد لله الآن سنأكل ونشرب كل ما نشتهي ". ولم أفهم إلا بعد أن اتجه إلى قبطان الباخرة يحتج على إغلاق البوفيه مبكرا ! وتعرف إليه القبطان ففاض بالترحاب به وأقام لنا وليمة حافلة بمختلف الأطعمة والمشروبات اللذيذة.

وحينما غادرنا غرفة القبطان كان الليل سارحا في خواطره. ووقفنا معا تحت ضوء قمر واضح على سطح الباخرة المتأرجح، وموج لا نراه يرشنا من تحت السور برذاذ خفيف. تطلع حوله يستوثق أننا وحدنا، ثم راح يكتم ضحكاته المتدافعة وهو ينحني على هامسا:

" شبعت ؟ ".

عندما غادرني للمرة الأخيرة، أخذت أتردد عليه في محبسه الأبدي، وكان يأتيني من حين لآخر في حبسي المؤقت، وكنت حين نلتقي أحكي له بعضا مما يطرأ على حياتي من حوادث و طرائف، أما هو فكان يتألم لأنه كان يضطر للاكتفاء برواية نتف من أحداث قديمة. كنت أقطع له بأن حكاياته ممتعة مهما تكررت، فأراه يسدد نحوي نظرة شك وتعب. ومع ذلك كنا نحاول بإخلاص أن نحمي كل مرة ما وعته الذاكرة من رذاذ الوجود الوهم. وكان إذا أحس حرارة المحاولة من جانبي يبتسم بأسى مجتهدا أن يحتفظ بعينيه مفتوحتين، ثم ما يلبث أن ينعس، وصوتي  يتحدر إليه بالحكايات رتيبا أليفاً. أقص ما استجد من أحداث في الحي، والشجارات التي وقعت، وما قالته عمتي عن بناتها، وحكاية عم زهران في حدائق القبة حين هام بهدى التي أرخت ضفيرتين غليظتين وشرعت نهديها وفتحت في الدنيا عينيها الواسعتين.

أتركه ينعس قليلا، وأعود إليه.

***

قصة قصيرة

د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب صحفي مصري

 

أنتِ

يا أعـمقَ منْ بحـرٍ

وأحْلى منْ لـؤلـؤةٍ ساحِـرَة

يا أعْـطرَ منْ نـسْمةٍ

هيَ منكِ أبدَ الدهْـرِ مُعطّـرَة

يا أعـذبَ منْ رشْفةِ عِـشقٍ

حُـلوةٍ كانتْ أمْ مُـرةٍ غادِرَة

لا . .

لستِ بعـيدةً عن ذاكِـرتي

بلْ . .

أنتِ هيَ حـدَ جـنوني ثائِـرَة

كُـنتِ في الماضي عِـنواني وذاكِـرتي

وستبقينَ في المستقبلِ الذاكِـرَة

كُـنتِ في الماضي حَـبيبَـتي

وفي الآتي الحبيبةُ الآسِـرَة

بلسمٌ أنتِ لِـوجَعي

ما كُـنتِ يوماً نَـزْوةً عابِـرَة

منْ سِتٍ مَضينَ والجُـرحُ يُـؤلِـمُني

حتى انْتـشيتُ منْ أحلاميَ العاثِـرَة

في كُلِّ بصمةٍ مِنها جُـرحُ موغِـلٌ

لهـبٌ يلـسعُ عِـشقَـنا

ونارٌ تلتهِـمهُ بجـنونٍ مُسْتعِـرَة

وخمـسٌ وعشرونَ يا حـبيبـتي

نادِرةٌ في هـواكِ

هيَ كلُّ عُـمـري

أهٍ يا ساحِـرتي . .

كمْ كانتْ سنواتُ حبكِ نادِرَة . .

***

د. ستار البياتي - بغداد

في  18/4/2009

...........................

1. من مجموعتي الشعرية الثانية (لا أحد سِواكِ) التي ستصدر قريباً في القاهرة عن مؤسسة شمس للنشر والاعلام. 

 

شقت طريقها بجسدها النحيل وقوامها الممشوق كعود خيزران يتلوى بين طرفي الكراسي الممتده على جانبي الباص لتجلس في الصف الاول قبالة الكراسي المخصصة للعجزة وكبار السن، كان بين الركاب رجل كبير يناهز عمره السبعين عاما يعتمر قبعة بنية اللون وبدله انيقه يعلو جانبها الايمن جيب صغير محشور داخله منديل ابيض، حليق الذقن ببشرة بيضاء تقطعها اخاديد صغيرة وشعيرات دموية رفيعة تحاكي عدد عدد سنين عمره. اومأ برأسه محيا اياها مع ابتسامة كشفت النقاب عن طقم اسنان ابيض كان بارزا مكتسحا ملامح وجهه الباهته.

ابتسمت له هي ايضا، مزفرة بعد لهاث خلف لحاقها بالباص. ململه خصلات شعرها بمشبك حبسته بين اسنانها مما جعلها تبدو كلوحة.

سحره جمالها وسرح معها بعيدا. أعادته الى ذكريات كانت نائمة، لأيام شبابه والى وجه زوجته الذي كان قريب الشبه بوجه تلك الفتاة.

كان يحمل بيده باقة من الزهور البيضاء بينها زهرة واحدة حمراء، لفتت نظرها وبدت لها حاله غريبة لمن في مثل سنه، راحت تختلس النظر اليها محدثه نفسها " لمن ياترى تلك الباقة ".

شعر بها وبنظراتها التي حاولت ان تخفيها انحنى بجسده الى الامام مقدما لها باقة الورد.

هل اعجبتك؟ خذيها انها لك

قالت له: أه شكرا جزيلا جميلة تلك الباقة لمن كانت هل تعود مريضا؟

كلا: انها لزوجتي

انها جميلة جدا لم تضم وردة واحدة حمراء؟! دون باقي الورود البيضاء الاخرى؟

- ابتسم قائلا سأجيبك على سؤالك: البيضاء تعني الحياة

والحمراء تعني الحب

- وهل مازال الحب بينكما قائما بعد هذا العمر الطويل

- نعم: بل ازداد اكثر

- ألم يهديك احد باقة ورد؟!

- ابتسمت ابتسامه خجوله واطرقت لا.

-  كيف لن يهديك احدا وردا ؟! الم يفطن احدهم لهذا الجمال يا أبنتي!!!

- مارايك: ان تقبليها مني هدية واكون اول من يهديك وردا

وضعت كفيها على فمها بتعجب... وزوجتك؟

ماذا ستقول لها؟ الم تغضب منك

- لاعليك: سأتدبر الامر لن تغضب ابدا.

قدم لها الباقة مبتسما لها ونهض بعد وصوله الى محطته شكرته جدا، وقف الباص لحين صعود ونزول الركاب بقيت تتابعه  حين سار وترجل من الباص كان المكان حيا قديما يضم  بين منازله سياجا طويلا ضم داخله قبورا بدت رؤوسها واضحة للعيان  سار داخلها الى ان اختفى متلاشيا بين القبور.

***

نضال البدري

 

 

وقصص أخرى قصيرة جدّا

زائرة الفجر

وحدي في الطّريق. لا أنيس لي إلّا رعبي... تعترضني كعادتها بعينين في لون الدّم وبأنياب تقطر موتا... يعصرني الرّعب وأنا أراها تنقضّ عليّ فأصرخ صرخة مريرة تمزّق سكون اللّيل...

تهرع إليّ أمّي أوّلا. ثمّ تتقاطر العائلة على فراشي.. العيون جميعها تمسح وجهي المخطوف وجسمي المرتجف... يفتح أبي النّافذة فيغمرنا هواء الفجر ويرسل نظرة إلى السّماء ويغمغم:

"هي... مرّة أخرى!"

فوق الحِسّ

- أنتَ صانعُ أوهام!

- حتّى وإن أتيتك بدليل؟

- أتحدّاك. هاته.

وأغمض عينيه وراح يهمهم بكلمات غامضة وحبّات السّبحة تتساقط بين أصابعه المختّمة بالذّهب...هممت بالكلام لكنّه أشار بالصّمت...

- سآتيك بشيء من بيتك. انوِهِ ولا تُخبرني!

وأمرني بإغماض عينيّ وصفّق تصفيقة واحدة...

- ما قولك؟

أخذني الذّهول...

- أليس هذا لك!؟

**

سلالة الأغبياء

أفرك عينيّ غير مصدّق ما أرى. إنّه جلّادي الذي كان يضرب وجهي بالسّوط ويسرق عرقي وخبزي. وها هو الآن يبدل جلده كالأفعى فيبدو غاية في النّعومة... وتهتزّ القاعة بالتّصفيق والهتاف كالأمس المنصرم وهو يخطب خطبة رنّانة...

أصرخ: "لا يغرنّكم قناعه. إنّه الذي ثُرتم عليه!

ويكثر اللّغط من حولي، وتنقلب القاعة عليّ، ولا أدري كيف امتدّت أيديهم إلى خِصيتيّ!

**

ماء وسُكّر

ترمي الشّمس بآخر قبضة من ذهبها على الواحة ويرتفع خرير السّاقية مختلطا بطقطقة الجمر وأزيز الشّواء...

- لولا القيشم* !!!

قال آخر بعد أن تجرّع طاسه دفعة واحدة وأعقبه بمضغة من لحم الكلب.

- اصدقني القول يا صاحبي.

- في صديقتك. لقد سألتني.

- سأتزوّجها.

- أجننت. تتزوّج عاهرة!

- هي والله أشرف منكم...

وقذفه بالطّاس على وجهه...

***

حسن سالمي

................

*القيشم: خمر يصنع من اللّاقمي وهو سائل يخرج من جمّار النخلة.

 

من شِدّة الشوق في قلبي لها وهجٌ

يكاد أن يُشعِلَ الأرجاء بالعَجَبِ

*

ولست أبلُغُ في مدحي لها صِفةً

ولا الفرائدُ والأشعارُ في الأدبِ

*

فكلّها عَجِزتْ عن وصفِ روعَتِها

إنّي بها ولِهٌ يا صفوة النُّجُبِ

*

أنا نقشتُ بوجه الصدر صورتَها

نقشا يفوق بهاءً لمعة الذّهَبِ

*

وحبّها وردةٌ في الروح منبتها

تموتُ إن هَجَرَتها حلوةُ العربِ

*

فالماءُ نظرتُها، والظّلُّ رِمْشَتُها

والسّعدُ مِشيتُها في خِفّةِ السُحُبِ

*

والحالُ -إن عَتِبتْ- كالنّارِ تلفحُني،

تُذوِي عظاميْ، ويأتي الليلُ بالوصَبِ

*

وإن تبسّمَ ثغرٌ حالَ فرحتِها

بثثتها فرحة أنسى بها كُرَبِي

*

أهوى أنا نظراتٍ منكِ تغمرني

غمر السماء أديم الأرض بالشُّعَب

*

ينسابُ كوثرها في الروح مذ نظَرتْ

شلّال حُسنٍ أشاع الضوء في أدبي

***

صلاح بن راشد الغريبي

 

 

سأنسى

احتفاءً بالتذكّر سأنسى

وأخلطُ الأدواءَ في قارورةٍ

وأثملُ

كأيّ  ثوبٍ سائرٍ في البلاد

من نشارةِ صمت

كهاويةٍ أقعدُ

بلا صدى

وأنسى

سأنسى

كلَّ سلاسل الأحزان

من أيّامٍ وأسماء وعِبر

من طريقٍ أدّى

وطريقٍ لم يؤدِّ

بعثراتٍ وتهاوٍ وصراخ

كأن هناك ما استحقّ هذا العقاب

احتفاءً بركضي الطويل

سأقع

وأدّعي أني صنعتُ القدر

ثم أنسى

سأنسى

**

٢. مقود

يدور

يدور هذا المقودُ حول نفسِه

يجرّ أطرافَ البلاد اليه

لا ورد بعد اليوم ليولد

كل الطريق ذابل

والأجيال موتى تترنّح في اتجاه الدهس

بالعَدو بالروح الى الأخير

تتقلّد السيوف وتحارب

وتسقط في الميادين

من غيرِ الذي قاتلتْ من أجله

كل ذاك صار غنيمةً للقاتل الجديد

لجابي العِبر

الجنون عاقلٌ

والتوق الى البقاء قطعُ طريق

***

سهام جبار

الضاحك

تفشت في المدينة ظاهرة جديدة

رجل من الصعب أن تقدّر عمره يقال بين العشرين والستين راح يضحك ولم يتوقف عن الضحك

كأنه يضحك إلى الأبد

لايأكل

لايشرب

لاينام

ولا يترك مكانه أو يتعب من الوقوف

بل يضحك ويضحك ولا أحد يعرف السبب

مرّت بالمدينة حالات فرح فانفعل الجميع معه وبدأ التذمر والاستنكار أوقات المىآسي فليس بمقدور أحد أن يوقف هذا الشخص الخرافي الذي يقف وسط الميدان فيواصل ضحكه الهستيري

فكر الجميع في حلّ حتّى يئسوا

وزاد من حيرتهم أنه بعد أن اتفقوا على أن يبنوا حول الضاحك مبنى لا منفذ فيه فينقطع عنهم صوت قهقهاته، ظهرت على بعد أمتار منه امرأة  تنهمر الدموع من عينيها

لا تنام

تصرخ

تعول

تبكي ولا تتوقف

وكانت مثله لا تغادر مكانها

ضحك وبكاء في الوقت نفسه لامرأة ورجل لايقدّر أي حكيم عمرهما ولا يدري أحد من أين جاءا

كان الجميع يخشى أن تظهر حالة أخرى ثالثة نادرة.. ظلّوا يفكرون، ويفكرون بالجديد الغريب الذي يمكن أن يأتي ولا أحد يحسب حسابا لههما حتّى نسوا الباكية والضاحك ولا أحد يلتفت لهما

لم يعد أحد ينتبه للضحك أو البكاء!!

***

قارئة الشواهد

لم تكن تحترف الفنجان من قبل...

كانت تصحب أيّ زبون إلى مقبرة المدينة  تستعلم منه عن اسم امّه وعمره كما يفعل قارئ الفنجنان أو الكف ثم تجعله يلمس بعض شواهد القبور فتخبره عما يخصه من زمن ماكان وما يكون.

تدعي أن زمان الكفّ ولّى والفنجان أمّا مايخبرنا عن الماضي والمستقبل فهو شاهدة القبر وقد صدقها كثيرون..

***

قصي الشيخ عسكر

يَا لَائِمِي فِي هَوَاهَا صَهْ وَلَا تَلُمِ

اَلْحُبُّ فِيهَا دُعَاءُ الصَّبِّ فِي الْحَرَمِ

*

أَهْوَي ابْتِسَامَتَهَا أَرْضَى الْتِفَاتَهَا

أَنْسَى احْتِدَامَتَهَا فِي ثَوْبِ مُحْتَشِمِ

*

عَنِ الْجَمَالِ فَحَدِّثْ قُلْ وَلَا حَرَجٌ

أَنَّ الْمَلِيحَةَ بَدْرٌ فِي دُجَى الظُّلَمِ

*

قَدْ أَلْبَسَتْنِي رِدَاءَ الْعِشْقِ فِي نَهَمٍ

سَرَحْتُ فِيهَا وَقَلْبِي تَاقَ لِلْهَرَمِ

*

أَمَّلْتُ فِيهَا وَعَقْلِي شَارِدٌ أَبَداً

يَا لَلْمُتَيَّمِ فِي الْإِشْرَاقِ وَالْعَتَمِ

*

مَالَتْ بِهَيْبَتِهَا تَاقَتْ بِفِطْنَتِهَا

صَبٌّ بِسِحْنَتِهَا قَدْ عَاشَ فِي الْأَكَمِ

*

مَيِّلْ بِلَا شَغَبٍ وَالْعَبْ بِلَا نَصَبٍ

وَفُكَّ عُقْدَةَ مَجْنُونٍ وَمُتَّهَمِ

***

د. محسن عبد المعطي

شاعر مصري

 

 

مرَّةً كنتُ أكتب

مرَّةً قصيرةً

بعدَها صرتُ أبكي

صيرورةً طويلة

*

مرَّةً جرَّبْتُ أنْ أكتب

و منذئذٍ

لا زلتُ أبحثُ عن دواءٍ

يكفيني شرَّ هذا الإدمان

*

كتبتُ مرَّةً

كوصفةٍ من عاشقٍ فاشلٍ

لرجلٍ مصابٍ بالأرق

فاحترقَ النومُ للأبد

*

أحببْتُ أن أكتبَ

لأنَّ مُلهَمًا قالَ لي:

أنْ تكتبَ يعني أن تكون حرًّا

و في تلكَ اللحظةِ

غدَوْتُ أرسفُ في قيودٍ

تحزُّ معصَمَي روحي

*

الكتابةُ شكلٌ واحدٌ للحياة

و أشكالٌ عديدةّ للموت

*

سقطتُ مرَّةً في بحرٍ من الحروفِ النورانيةِ

فالتقمَني حوتٌ من قضبانِ عتمة

*

فتحتُ قلبي لحرفٍ شقيّ

فارتكبْنا معـًا الإثمَ

و أنجبْنا أبناءً غير شرعيِّين

تسجّلُهم كلُّ البلادِ مكتومين

*

مرَّةً كتبتُ

فأصبحتُ عصفورًا حرًّا

حرًّا..حرًّا

يحلّقُ في

قفص

*

مرَّةً كتبتُ

فانهالَتْ معاوِلُ عتيدةٌ و أُخَرَ رديئاتٌ

على حروفِي

شجَّتْ رأسَها

فانثالَت دماؤُها إلى الّلاشيء

لكنَّ حروفيَ لم تَثُبْ إلى غيّها

و عادَتْ من جديدٍ

إلى المعركة

*

مرَّةً كتبتُ

و كنتُ قد اختبأْتُ وراءَ ظلِّ امرأة

فإذا المجدُ يدندنُ معزوفةً

في حِماي

*

مرَّةً كنتُ على شَفا هاوية

فكتبتُ

و تعلّقْتُ بقشَّةِ كلماتي

فرأيتُ الموتَ في القاعِ يقهقهُ

لغبائي

*

لا تكتبْ حينَ تشتدُّ الرِّيحُ

فإنّها لا تؤمنُ

بالقصائدِ الخرقاء

قالَ لي أبي الّذي لا يحسنُ الكتابةَ مرَّةً:

اكتبْ

فإنَّ الصفحاتِ أفضلُ ذاكرةً من الولد

***

شذرات نثرية

د.عبد المجيد أحمد المحمود- سورية

 

 

خفق قلبي بالحب لأول مرة وأنا صبي في الثالثة عشرة. خفق بحب شريفة، التي كان للفيلا الخاصة بوالدها شرفة مفتوحة على الشارع الطويل المعتم، وكانت تجلس وحدها كل مساء في الشرفة تحت ضوء مصباح صغير معلق ينشر هالة من النور الخفيف حول رأسها ويتفرق في هواء الشارع الصامت. لم أحدثها قط، لم أقترب منها، والأرجح أنها لم تلحظ وجودي، لأني كنت أكتفي بالمرور كل مساء على الرصيف المقابل لشرفتها، أخطف النظر الى وجهها وكتفيها وهي جالسة أشبه بنجمة مشعة في اكتمال شبابها وجمالها. كنت صبيا صغيرا مثل عشرات الصبية من شارعنا المعتم المهمل الصامت، فلم تعرف بأنني أتطلع إليها، كانت أول من خفق قلبي بها، أو أن ذلك كان أول أوهام المحبة، ومن ضوء تلك الشرفة ترامت في حياتي أوهام المحبات، وهما بعد آخر. وظللت طوال عمري أمشي على ذلك النور الخافت ما بين خيالي والحقيقة، وأنا أسأل نفسي: ما الذي اود أن أحققه في حياتي التي ظهرت عرضا؟ وهل يصلح العمد والقصد في رحلة تمت بالمصادفة؟

أحببت بعد ذلك بسنوات وأنا في السابعة عشرة، وكتبت إليها رسائل مطولة، وغمرتني بحنانها، لكن اعتقالي لسنوات أحبط كل شيء، وحين خرجت من المعتقل كانت قد تزوجت. ظللت طويلا أرى عينيها الواسعتين تشعان بضوء الشرفة القديمة، تتألقان بالوهم والأمل العميق.

سافرت خارج مصر وتزوجت، ولم يكن في قلب زوجتي ولا عينيها شيء لا من الحلم ولا من الوهم. عشت بجوارها لكن ليس معها، مثلما تسير بجوار شريط قطار، ثم تزوجت ثانية ، وثالثة، وكنت بدون وعي أفتش عن ذلك النور الخافت الذي أضاء قلبي، إلي أن التقيت بها، فوقعت في حبها والأدق أن أقول فارتفعت بحبها، ولم أجد سببا واضحا لذلك العشق العارم، وقلت لنفسي ليس حبا ذلك الذي نعرف أسبابه، لأن الحب يبقى بئرا عميقة من الأسرار والذكريات والصور التي تندلع مجتمعة فجأة مثل كرة من نار، لكننا افترقنا رغم المحبة، فانجرفت إلى ذكريات المحبات الخائبة التي مرت وأخذت أتساءل: لماذا لم يبق على أطراف روحي سوى مرارة من سعادة؟ وحزن من فرح؟ ويأس من أمل؟ وكيف تحطمت أوهامي الجديدة على صخرة أوهامي القديمة؟ فإذا بلا شيء بين يدي؟ لا شيء سوى بقايا حياتي التي انقضت ذرة مشعة بالخيال والحب والأمل. ها أنا ألقي على العالم نظرة أخيرة. أوصد أبوابه. أحكم الرتاج على نافذته المطلة على الزمن. ادير ظهري للدنيا، أغذ الخطى وقدماي تتعثران بالأغنيات القديمة، واستدارة عنقك، وبسمة عينيك، ونور الشرفة الخافت البعيد. أغذ الخطى وليس في قلبي سواك مشعة في دمي، مشعة في خيالي الذي فاق كل شيء، أمضي يغمرني شعور بالثقة بأنني حين ألقى وجه ربي سيرأف بي ويقول لي : مغفورة لك كل ذنوبك، كان قلبك يخترع العالم وقد أتعبك ذلك، واتعبتك الأحلام التي عاقبتك بالرقة وعذبتك بالحنان وبددتك بالشوق. استرح هنا واهدأ وكف عن اختراع العالم. ولسوف أجلس مطيعا ممتنا أستريح في ظل الرحمة، أضم ركبتي إلى صدري وأبذل قصاري جهدي لكي أنسى عينيك، ونور الشرفة الخافت بعيدا، وأنحي بعيدا الوهم العذب والأمل العميق.

***

د. أحمد الخميسي - قاص وكاتب صحفي مصري

 

 

أعشقُ شفتيكِ

حينَ تغرقان بلونِ الرمّانِ

لا مهربَ من تفريطهما

على شفتيَّ كمسودتيّن للهروبِ

من وابلِ الجفاءِ

حتى يتحفُنا الغسقُ

بلونِ البرتقالِ

نقشّرً ما تبقى من وجنتينا على مهلٍ لتمتدَّ بنا أشجارُ السدْرِ

هاتفةً بجنيِّ الثمارِ

بعدَ أكثرَ من رحيلٍ واخفاقٍ

وافقنا تماماً على وثيقةٍ عادلةٍ

بين الطرفيّن سيكونُ خصرُها المتحضرُ

وكفي المتوهجُ بغنجِ النخيلِ

شاهديّن آثميّن

على رقصةٍ هادئةٍ

واغنيةٍ بصوتينا

كأنَّ فيروزَ ترطّبُ الأجواءَ

ثم نبصمُ على جَسديّنا

احتضاناً... نوحدُ فيه كلَّ

الخلايا المشاكسة

فنُعفّرُ أرواحَنا الهائمةَ

بالمغفرةِ والتسامحِ

وتباً للعصيانِ .

**

أقفُ في حضرةِ السنابل

أرتمي على مداها الاسمرِ

وشمسِها الحنطية

أكتبُ على جداولها بشرى الحصاد لتكون البيادرُ مثل وجهكِ

تزدحم عليه الطيور

فترسمه بأروع لونٍ

وطولٍ يكتظ بظلال وارفةٍ

وضرباتِ الشمس الصفراء

فتَبرعُ الطيورُ

ترسمُ عينيك العسليتيّن

لأن كلَّ الحقول هوت على رمشيك

تغارُ السنابلُ الحائرة

تسرق ندى الماء

تطرّي جفونك

يدخلُ الضوء

يتناولُ أزميله

ينحت فماً زهرياً لاذعاً

كأن قوامه شرابٌ معتقٌ

تسكر منه فزاعاتُ الحقل

فتشدو أغنية الجنّي

ورقصة الغجر

على إيقاع المناجل .

***

فاضل ضامد - العراق

2020

الموتُ  فعلٌ مستمرٌّ

و الحياةُ ضمائرُ اختنقتْ أجِنَّتُها

ونامتْ في خَطَرْ؟!!

فقدَتْ جيوشُ اللّيلِ

كلَّ حواسِها

هَلْ مَنْ يُعيدُ لأمِّنا

ضَوءَ البَصَرْ؟!..

والبوصِلاتُ تكسَّرَتْ

والظلمُ سادَ

يقضُّ أركانَ الشعوبِ

ويقضمُ الأرضَ القَشيبةَ

بالعَطاءِ و بالثَّمَرْ !!

**

رملٌ،

و يحفرُهُ غُرابُ البَيْنِ

كَي يستخرجَ الزيتَ المُبارَكَ

من بطونِ الأرضِ

يُشْعِلُهُ غماماً

منْ أتونِ الموتِ

يغْتالُ البَشَرْ ..

**

إنّي رأيتُ بلادَنا

نهْراً

تَهاوى في الجروحِ

ولمْ يزلْ

يرجو سَحاباً

أو مَطَرْ ...

**

أمَّا دمشْقُ،

فقد تكدَّسَ في مرابعها،

جَرادٌ أسْوَدٌ ،

رُقْمٌ مُدَرَّبَةٌ

تمدُّ حَبائلاً مسْمومةً

لتصيرَ حبْلاً من مسَدْ !..

**

الموتُ فعلٌ مستمرٌّ

و الحياةُ مَسارِحُ المَوتى

و أصداءُ الوعيدْ ..

الطَاعةُ العمْياءُ

للطّاغوتِ

في العَصْرِ الجَديدْ ..

**

الموتُ فعلٌ مستَمرٌّ

في الخَواءْ...

أشباحُهُ،

يتَعبَّدونَ ويَقْتلُونَ

ليحْصدوا الأرواحَ

أو كَي يسْتَووا

فوقَ العُروشِ البائداتِ

كَما الهَباءْ...

**

يا حلمنا العربيَّ

هَلْ في الأفْقِ

غَيمُ قصيدةٍ

هلْ من رغيفٍ

أو دواءْ ؟!!

سنُضَمِّدُ الجرحَ العميقْ...

فجروحُنا ملْءُ السَّماءْ

ودماؤنا ليست مياهاً

أو هَواءْ...

و الحِبْرُ مِثْلُ الجرحِ

ينْزفُ في الطّريقْ ...

أنفاسُهُ بشَرٌ وأحْلامٌ

ستزْهرُ

فوقَ أنقاضِ الخرائبِ

والحَريقْ !..

***

شِعر: إباء اسماعيل

...........................

* اللوحة المُرفقة للفنّان: حيدر الياسري التقطتها الشاعرة من أحد معارضه الشخصية في ميشغن.

قصة حروفها من نار تشعر صهدها من عاشت التجربة.. وما أكثرهن

في لحظات بلا معالم تركت صداها عند كل من عرف حكايتها، حارت لمن ستبوح بما يذبح قلبها ويجلد مشاعرها بما تحمله نفسها من بصمة عار، جلست بغرفتها وقد تهدمت الصور بالجدار التي علقت عليها أحلامها الصغيرة و البريئة، تزلزلت الأرض من تحتها وفوقها واهتز كل شيء أمامها حتى نظرتها للأشياء اختلفت، شعور غريب فما عاشته كان في قمة الغرابة، ليس فيلما وليست قصة خرافية أو رواية خيالية بل واقعها الذي لم تتصوره يوما أن يحدث لها هي بالذات .. حكاية بعيدة عن كل الاحتمالات، عرفت الحب بكل معانيه الحلوة آمنت بكلمات الشاعر طاغور ” الحب بلا فضيلة زهرة بلا ماء ” انه عرش عالمها الصغير ولد في داخلها ووجدته دون عناء بحث، أخفته عن العيون، تخوفت منه عاشت تتوارى خلف الشجون كمن تخفي مولودها البكر بداخلها، عاشته في أحلى مراحلها، عاشرت الأشواق في أجمل أيامها، تصارعت بداخلها كل أنواع المشاعر اجتاحها حب عنيف قوي شغل عالمها، اقتحمها، اقتادها إلى أسمى الأحاسيس، كل شيء تتأمله يدعوها إلى الحب، البحر يناجي القمر، الشمس تسطع لتسحر وتذيب كل ألام الليل .. أشعة تغازل أزهار القلب الشذية، مشاعر تفيض سحرا.. وبين عشية وضحاها تفقد “نجوى” حبها الكبير عندما يغادر ياسين الوطن، وطن يعيش على كف عفريت وجمره لا يخمد، ناره تلتهب من حين لآخر، جثث هامدة، أمهات وزوجات ثكلى، كل شيء في الوطن يحمل رائحة الدم و الدخان، ابتعد إلى بلاد الشقراوات إلى حيث كل شيء بخير، وهو يرى أنه غير مجبر على البقاء في وطن دون مستقبل وفي بلد آيل للزوال، ترك وراءه إنسانة مجبرة على البقاء لأنها أنثى الطرق أمامها كلها مسدودة ومكتوب عليها أن تعيش حتى نهاية عمرها في هذا الجو المشحون بالألم والمعاناة تمنت لو كانت معه وأن تستعيد حريتها، لقد غابت الشمس بدفئها وحل الظلام وانعدمت الرؤية، تلبدت سماؤها، رعدت و أبرقت برحيله رددت في نفسها ” سيشعر بدوني بمرارة الغربة عندها يعرف قيمتي و قيمة الوطن، لقد بعثر أوراقي في الهواء ولم يحافظ على ما كتبته من سطورها النقية، لقد كتبتها في غيبته بوفاء لكن الآن جفت أقلامها و توارت سطورها لأنه ببساطة لم يقدر ما كتبته، لقد صمت بلبلها الذي كان يطرب له الجميع، سهرت وفكرت و اشتاقت إليه، تمنت أن يشعر بها كما شعرت به، أليس الحب أسمى وأرقى وهو من يصنع إنسانيتنا، أليس هو الذي تملكها واحتواها في كل ذرة من جسدها فسارت معه في كل الاتجاهات، قبل سفره قابلته لتسأله ألم يحن الوقت ليخطبها من أهلها، وعدها أنه سيراها في الغد وبأخبار تسرها، مر يوم، يومان وعشرة، قتلها الشوق وعركتها الأيام وليس لها أي مجال لمبارزة هذا الحنين القاتل هذا الشوق الفاتن العذب الذي تمارس من خلاله انتظاراتها باستمرار حتى صارت قرينة الانتظار، وبعد أعوام عرفت أنه مثل السراب لم يترك وراءه أي خيط اتصال وإذا كان كل شيء بالشيء يذكر فبأي شيء تذكره بحبه وقد اختفى من الوطن الذي احتواهما، اليوم الوطن يعيش محنته، هرب ولم يبق منها إلا عينيها الجميلتين وذلك الشوق الذي تخفيه بين رموشها ولم تقدر على مقاومته، فجأة تنهمر الكلمات وتذهب أدراج الرياح، عتاب على الغياب وما الفائدة لقد انقضى الأمر و انتهى، مرت السنون وتزوجت أخواتها، هي بقيت تعيش على ذكرى لا جدوى منها، عادت من عملها كالعادة دعتها والدتها للدخول معها إلى الصالة، وضعت حقيبة يدها جانبا ودخلت، وجدته أمامها شابا أنيقا وسيما بجانب جارهم الأستاذ حسن وزوجته، منذ دخولها وهي تحت مجهر عيناه لا تفارقها، انتهت الزيارة كانت قصيرة المدة ولكن جميلة حافلة بالأحاديث الودية الطيبة، لم تسأل عن سبب الزيارة دخلت غرفتها وتبعها والدها أجلسها بقربه وأخبرها بهدوء أنهم جاؤوا لخطبتها لذلك الشاب ثم استرسل في ذكر محاسنه انه شاب تسر له العيون تقي يقيم صلاته بالمساجد ومتخلق و.. وبينما هو يعدد أوصافه الحميدة شردت هي بذهنها بعيدا، العمر يمضي وتمضي معه ملامح الشباب والجمال، هل آن الأوان أن يحق لها أن تعيش الحب ما بقي لها من العمر، انتبهت على سؤاله يحيل الأمر كله إليها، بماذا يجيبهم، نظرت إليه مستسلمة غالبت دموعها وهي تعلن قبولها بما أختاروه لها، انحدرت دمعتان ليس لهما مكان على خديها مسحتها وأعلنت أن تعيش حياتها، لكل شيء حدود لقد انتهى دوره وأسدل الستار على بطولته الأولى والأخيرة التي ألفتها بعقلها وأخرجتها بقلبها و أنتجتها بعواطفها ومثلتها بكل مشاعرها، كيف لها اختبار نجاحها أو معرفة فشلها، لقد ملت العرض اليومي الرتيب لا تريد أن تفقد في لحظة حمق الحياة مع الإنسان الناضج والصادق، ابتسمت ابتسامة مريحة لقد اهتدت نفسها إلى أن الحياة على امتدادها هي إجابات صريحة ونحن دائما نبحث عن الأسئلة الصحيحة، إن حياتنا هي الإجابة، فقط علينا أن نحدد السؤال .

أتم الشاب كل الإجراءات وكان دوما عند حسن ظنها في كل كبيرة و صغيرة، أنه ليس من بلدتها، لا يهم الأمر سيان بالنسبة لها المهم يقاسمها لغتها ودينها، دخلت غرفتها وكأنها تراها بمنظار آخر، أطالت الوقوف هذه المرة أمام المرآة تتفقد ملامح وجهها كأنها ترى نفسها لأول مرة تحسسته كمن تتساءل إن كانت ما تزال جميلة وتحمل تلك الجاذبية والابتسامة الحالمة التي تضيء شفاهها، هل ما تزال ملامحها الطفولية .. تحدث نفسها وقد غمرتها سعادة حقيقية لقد قلبت صفحة الماضي لتعيش مرحلة جديدة مع زوجها يوسف، لقد تلونت بألوان السحر والخيال والجمال كانت تعكس ملامحها الداخلية أنها تعيش لحظة بكل سنين العمر، اليوم ينبض قلبها فقد شعرت بأنوثتها، لقد غيرت حياتها صارت عروسا له، أعد هو لها بيتا راقيا بوسط المدينة وجهزه بكل الأثاث الرفيع المستورد، واقتنى سيارة فخمة… لكن ما كان يحيرها هو ما نوع العمل الذي يقوم به ليتمكن من العيش في هذا المستوى الراقي، في كل مرة كان يردد أنها الأعمال الحرة.. امتدت حيرتها إلى بقاء إحدى غرف المنزل مقفلة دائما وبإحكام، فشلت في معرفة سبب ذلك منه، عاشت معه في البيت الكبير وجعلته مملكتها، أغدق عليها بالحب والحنان واسمعها أحلى آيات الغرام واستطابت نفسها عذوبة كلماته ترددها منتشية طوال يومها ولم تر منه سوى ذلك الشخص الذي يخاف ربه ويحترم نفسه، أنجبت له ثلاثة أطفال، علمهم الصلاة ثم الصوم، كانت تخاف عليه مما قد يحمله الليل في مدينتها خاصة وأنه اعتاد العودة من المسجد للمنزل في ساعة متأخرة، دفعها فضولها ذات يوم إلى محادثته في أمر الأشخاص الذين يترددون على المنزل وفي كل مرة ترى وجوها جديدة غير الوجوه الأخرى يجتمعون في تلك الغرفة المغلقة، لم يكن يعير الأمر أهمية وبمرور الأيام أصبحت هي الأخرى لا تعير الأمر اهتماما مادام يعاملها و أطفالها معاملة لا مثيل لها، أحبت أعيادها و أفراحها معه، انشغالاتها صارت أكثر واهتماماتها أكبر، وفي ليلة بينما كان زوجها برفقة أصدقائه في الغرفة الخاصة، شعرت أن ابنتها لبنى تعاني من إسهال شديد، توجهت بها إلى الحمام دون أن تشعل المصباح حتى لا تسبب أي إزعاج لزوجها، وبينما هي كذلك سمعت همهمة غريبة صادرة عن الغرفة حيث زوجها دفعها فضول الزوجة المحبة إلى فتح شباك الحمام فجاءها الصوت أوضح عبر الممر الضيق الذي يفصل الغرفة عن الحمام، حاولت أن تفهم ما يجري فلم تستطع حتى فك رموز ما يتحدثون به، كانت لغة غريبة عنها، كتمت الأمر إلى صباح اليوم التالي، أبلغت أهلها بما سمعته وأخبرتهم بما كان وأكدت لهم أن أمرا غريبا يحدث في بيتها لم تجد له تفسيرا لذلك فهي تخاف على زوجها ونفسها وعلى أولادها، هون والدها من روعها وأكد لها أن زوجها رجل صالح ولم ير أحد العيب منه أبدا، ولكن تكرر نفس المشهد وذات الموقف وبنفس الأصوات والهمهمات الغامضة، قامت هذه المرة بالاتصال بأخيها الأكبر وفي الموعد أخذته إلى مصدر الصوت، اشرأب خلسة عبر النافذة فصعق لما رآه موقف لم يكن في البال ولا في الحسبان استدار لها وقد أصفر لونه وهرب الدم من عروقه ثم أخبرها بأن زوجها من ديانة يهودية وهو يقيم طقوسه باللغة العبرية رفقة آخرين بهذه الغرفة، رآهم بلباسهم الخاص، كادت أن تصرخ وتقع من الصدمة، أسكتها وأعادها إلى غرفتها وطلب منها الهدوء التام، خرج مسرعا يبحث عن أقرب مركز للشرطة، أما نجوى فقبعت في مكانها منكمشة في ذاتها بعمق الحزن الذي اجتاحها، لقد التقت به في زحمة العمر ونسجت أجمل حكاية حب بكل طقوسها وتفاصيلها فتحت له مدن أحلامها فأسكنها معه قصر خيالي سرعان ما انهار على رأسها، تريد أن تصرخ، لقد تاه عنها البر، لا عزاء لحالها أنه الجحيم، زلزال وبركان مدمر يأخذ الحاضر والآتي معه، تشعر أنها تتنفس آخر أنفاسها وترتشف من الدنيا رشفات هواء معدودة مصيرها الفناء وكأنها تتجرع سموم الآخرة، كيف سينظر الناس إلى أبنائها وعيونهم لا ترحم.. انقلبت الدنيا رأسا على عقب وما عادت ترى أمامها إلا دخان الاحتراق بما أصابها، جسدها صار مجرد أطلال ما أصبح بمقدورها الحراك وكأنها تحت تلال من الأنقاض، تحطمت الأمنيات و الأحلام والحياة السعيدة بل المزيفة التي أوهمتها إنها ذات يوم ملكت الكون الحياة بالنسبة لها هذه المرة انتهت في لحظة خاطفة بدون مقدمات ولا بدايات، كسر زوجها عليها وحدتها، دفعته علامات الانزعاج التي تعلو وجهها إلى السؤال عن السبب وهو يتأمل وجهها جيدا يحاول أن يقرأ ما تخفيه عيونها، لم تقنعه كثيرا إجاباتها التي حملتها أنفاسها المتقطعة الصادرة عن نفس مسكونة بنار الألم، لم يستوعب أن تكون بعض مضايقات الأطفال أو التعب أو الأحداث التي يمر بها الوطن هي السبب فيما يراه من شرر ينبعث من نظرات عيونها، باتت ليلتها في فراشها إلى جانبه تتقلب والنار تأكلها طولا وعرضا وبدا هو كمن لم يأبه لأمرها كثيرا، وكان الصباح الباكر من اليوم التالي باردا ليس ككل صباح عرفته في حياتها معه، خفتت حرارة المشاعر، تجمدت أحاسيسهما عند نقطة الصفر وتوقف كلاهما عن تبادل تسابيح المحبين الصباحية، خرج بخطوات أسرع من ذي قبل دون أن يتفوه بكلمة واحدة ومن حينها لم يعد مساءا ثم اختفى تماما.. عن الحي، عن الوطن وقبل كل شيء عن حياتها، لم يهنأ والدها حتى سعى إلى تطليقها منه، وما أعاد إليها بعض الطمأنينة تأكيد علماء الدين أن المذهب اليهودي يمنح الأطفال جنسية وديانة الأم وليس الأب . تذكرته يوما يخيرها بأي قلب تعيش بين أمرين فنهضت وهي تصيح لست الحبيبة الأميرة ولست بالملكة العاشقة بل أعيش بقلب الأم فقط .

***

صبحة بغورة

 

كلَّما تطلُّ من نافذتِها

تستقبلُها الفراشاتُ

بالأغنيات

*

ليس لمثلي

أن يبقى صامتًا

وبين جنبيه قصيدةٌ نازفة

*

ماذا لو عدتِ ثانيةً

لتلقي حجرًا

في بركتي الراكدةٍ

*

ماذا لو تخليتِ عن نافذتِك

ونزلتِ إلى الأرض؟

اعلمُ أنَّك قريبةٌ من السماءِ

وأنَّ ابتهالاتكِ

ترددُّها الملائكةُ

*

ما يشدُّنا إلى الأرضِ

الرحمُ الذي

خرجنا  منه

*

ما يجعلك مختلفةٌ

حين أقفُ أمام نافذتك

أشعرُ بأنَّ السماءَ سخية

*

أفتشُ

عن ذكرى قديمةٍ

توارت خلفَ قلبٍ

يتصدّع.

*

ليس بمقدور البحر

أن يروّض موجةً  جامحة

*

أيَّها السيفُ

كفى قتلي

*

عندي...

ما يجعلُنِي  واقفًا

على رأسي

***

جاسم الخالدي

 

هل لنا

أن نقرنَ الضحكُة بالخذلانِ؟

كيف لنا ان لا نقرنَ الثورةَ بالحرمان!

مُنعَ القطرُ عنا

اترانا عبثيون بالفطرة؟

همُ مَنْ اوحوا لنا!

لازلنا نَتجرع أبخرة

حقول النفط

ونكابد سعر الدواء

أنا لا أئبه لسعر برميل النفط !

ولا تعنيني أوبك،

شح الماء في محلتنا

هل ضاق مجر النهر؟

لازلنا نبحث عن من يُطرق بابنا

ليطعمنا أرغفة مغمسة بالكرامة

نستجدي الضحكات من الافواه

الشمس وهي تسدل ستارها

تندب المرضعات

تواسي الثكالى

تغدق بالسكينة على المحرومين

***

كامل فرحان حسوني

 

مثل قطط الشوارع ِ

مضرّجين بدمعنا

بذكريات السنين

خلفنا العمر

أيامه ُ .. لياليه

فصوله..

حكاياه ..

نموت وفي الصدر

ألف آه ..

ينسوننا سريعا

صفحتنا تُطوى

أوراقنا تهوي

وتصبح الأغصان جرداء

آثارنا على الطرقات

بصماتنا على الأشياء

ضحكاتنا في الأسماع

دموعنا التي ذرفناها هنا وهناك

كلّها تتلاشى

يأكلها الفراغ

نموت وحيدين

ولازال في القلب

متّسع للجنون

للركض .. للقراءة .. للضحك

للكتابةِ .. للسفرِ .. للعناق

فكيف ياربّ ترضى

أن نغادر قبل ان نستريح

ان نفهم َ

ان ندرك

ان نعي كُنهَ الوجود

كيف ترضى ان ننام

ونركن للصمت

ونحن ابناء السُهاد

والصّخب

والضجيج؟

كيف ترضى ان نغرق في العتمة

وعيوننا أدمنتْ الألوان

و التفاصيل؟

كيف ترضى

ان نكون وحيدين

مثل قطط الشوارعِ

مضرّجين بدمعنا

وذكريات السنين؟!

***

تماضر كريم

 

حبيبتي المتدفقة سحرا بين أخطاء اللغة، وعثرات الألفاظ الحانية.

النامية كطفل غفا في زمن الهدوء، وصحا وحيدا بعد رحيل العاصفة.

العسل الصافي، اندفاعة الوهلة البكر المرتعشة.

الحيرة بين قبلة اللقاء ونظرة الوداع.

الانتظار لضياء الصبح الباذخ، والانغماس بأفول الأمل في ليل السكينة.

أغنية الحب الأولى، ونغمة الناي الأخيرة.

الجلاء عن عالم القسوة والزحام الماكر إلى الصمت الجميل.

 رحيق الورد، وتنشق التراب للمطر بعد جفاف الأيام.

الحب الذي لا حب مثله، له احترقت أكباد المقيمين، وهفت أفئدة الراحلين.

صورة الحبيبة الضائعة في زحام الأيام، وصوت الأم المهدهد قبل الهجوع.

الاحتراق بشموع الانتظار، التدمي بسهام العشق، والغرق بدموع الرجاء.

اللطف اللانهائي قبل الغفلة، وداعة زمن الضجيج، جيرة حدود الألق.

الربيع بعد شتاء طويل، الصيف في غير أوان الزهر، صفرة خريف الجمال.

الصبيَّة التي ظلت في الجبل الشرقي، ورحل قومها إلى غروب الشمس.

الشيء الذي كان، وانتظار اللا شيء الغامض.

القلب الذي خفق، العين التي دمعت، والحلم الذي تفتح.

روح البرتقال، ملمس وجه التفاح الأحمر، ورائحة نعنع بيوت الأهل العتيقة.

الندى على دروب الحجر في القدس، وليلة غياب القمر بالأمس.

الأحبة وأفراحهم، خيباتهم وأحلامهم، ألبوم صورهم، وحنين أيامهم.

الياسمين الأبيض في الشام، زرقة الليلاس في شبَّاك الجيران، وأول أنوار الفجر في عين البحر الساجي.

الحبيبة والقريبة، الموعد الذي لم يأتِ، و اختناق البوح تحت الحناجر المثقلة بالأسلاك الشائكة.

الأم بلا أولاد، العائدة بلا بلاد.

الغياب بلا وداع، القلب المتصدِّع، والجسد المتشرِّد في عين الضياع.

ليت عيني مها سكنت ذاك المكان، وطيفها غادر بلا كلمات رثاء.

***

فراس ميهوب

30/08/2022

حين جعت لم أخبر أحدا ً من الذين أعرفهم ولا حتى أقرب الناس ألي َّ. ذهبت إلى البحيرة تبعد عن بيتي خمس دقائق فقط. هناك كمنت كلص ٍ محترف بين الأشجار متخفيا ً عن أعين المتنزهين متربصا ً لسرب البط. لم تغب عن ناظري تلك البطة السمينة وهي خارجة لتوها من الماء. كان الجوع قد أنساني التمتع بمنظرها الجميل وشح المال طمس فكرة أن هذه المخلوقات هي ملكية عامة يمنع القانون إصطيادها كذلك اللياقة الأجتماعية وفعل ٍ كهذا يجلب الشعور بالإحتقار ونظرة الآخرين الدونية. كنت أخشى تلك اللحظة أكون فيها وسط الناس مجلببا ً بعار سرقة بطة وديعة بقصد ذبحها (يا للفعل الوحشي) هذا مخلوق همجي يفتقر للسلوك المتحضر والرهافة والذوق الرفيع. سيقول عني الناس كلاما ً أود لو تنشق الأرض وتبتلعني ولا يلاحقني صداه. شعرت بجسمي يختض أحدهم لمحني بغتة , مجرد رجل ٍ عابر ٍ كأنه رآني عاريا ً من ثيابي تماما ً. نظرته إنطلقت كالسهم تخترق ما تحت الجلد والمسام وتنفذ نحو الأعماق. الأشجار من حولي تجسس علي َّ. سرب البط يدور من حولي يطلق أصواتا ً محتجة. ألهي ماذا يحدث لي؟ خطوت بضع خطوات أقدامي ثقيلة. تلمست الأرض عميقا ً لا نبض بي بعد. أحس بجفاف في فمي أردت أن أطلب ماء ً من عابر سبيل فلم أقوى على النطق. عطش وجوع وخوف إستبد بي كأني دفنت قتيلا ً لأخفي جريمة. لم أرتكب جريمتي التافهة بعد. البطة السمينة تختال كالعروس أمامي. جوعي يشتد كذلك الوسواس والقلق والرعب من إفتضاح الجريمة. بغتة تناهى إلى سمعي صوت زمور سيارة الشرطة. صوت لا تخطئه الإذن أليف واضح يطرق السمع ويترك رعشة ً في بدن من سول لنفسه إرتكاب جريمة ٍ ولو كان يتضور من الجوع. حانت اللحظة وإنكشفت الأوراق. لم تعد ذلك الرجل الوقور المحترم يتنزه بين الأشجار ويطعم البط خبزا ً وكعكا ً. أنت الآن مجرد لص تافه ينتظره مصير تعس ومستقبل بائس قلت لنفسي. فتحت عيني َّ كان الشرطي يجس نبضي , أصابعه تتلمس جسمي. حرارته مرتفعة ونبضه يتسارع بحاجة إلى سيارة إسعاف على الفور. تناهى إلى سمعي صوت الشرطي المستغيث. حواسي مشوشة كذلك أفكاري وتلاشى الخوف من داخلي. هل أغمي علي َّ من الجوع أم الخوف أم أن كلمات الشرطي التي سمعتها تخص مخلوقا ً غيري ؟ أردت أن أبوح للشرطي بكل شيء. وددت أن أتحدث معه كما أتحدث مع صديق ٍ حميم ٍ وأخبره عن حالتي. عن الجوع وشحة المال وشهيتي المحمومة لأكل لحم بطة ٍ سمينة. في اللحظة التي قررت فيها قول كل ما يختلج في صدري ضاعت مني كلماتي وتلاشى صوتي ثم سرعان ما غاب عني الوعي. 

***

علوان حسين

كمْ من الطرقاتِ أخذتني

أغامرُ بالوصولِ الى نهاياتها

لكنْ ليستْ لها نهايةٌ

غيرَ أني بمباركةِ العقلِ

أراها سنبلةً تسقطها الريحُ

يدُ الفلاحِ

تتجددُ في أراضٍ أُخر

*

في كلِ مرةٍ تتحرجُ

بينَ يدي مناديلُ وأوراقُ وردةٍ

انها أسطوانةٌ تدورُ

تلهمني عشقاً

أخالها أفاقاً أزليةَ الوجدِ

*

أنتِ ايتها البلادُ

أيةُ بلاهةٍ وسذاجةٍ

تجعلكِ تنجبينَ الرعاعَ

تتكسرُ فيكِ فطنةُ النبلِ

*

في لغةِ المجبولينَ على الخرسِ

تتقاطرُ الدموعُ

في جوفِ العيونِ

لكنَ المطرَ يتساقطُ

في بقاعِ يباب

*

سأكون شديدَ القسوةِ

لو أنكِ أستوزرتي قلباً من حجرٍ

أنا اليكِ أترفُ من ريشةٍ

تفرُ العالمَ دونَ تذكرةِ سفرٍ

*

في أحشاءِ عقلي

تولدُ ألفُ كلمةٍ

تتزايدُ وريقاتُ الحزنِ

حينَ تحطُ النكراتُ

دونَ أذنٍ ووصايةِ نبيٍّ

*

حينَ يهطلُ المطرُ

تتلاطمُ قطراتهُ

أمسكُ احداها

تتكورُ بينَ يديَّ الكرةُ الارضيةُ

*

اشتري عناقيدَ العنبِ

يدفعني الفضولُ كي أعدها

أتمنى لو أعدُ فقراءَ معمورةِ الربِ

*

في أقفاصِ الحمامِ

تتنمرُ المناقيرُ

حربٌ ثالثةٌ في الافقِ

*

لايمكنني النومَ

في زاويةٍ قائمةٍ

أهربُ أخالُ العالمَ  يتقوسُ

*

الغريقُ يتمسكُ بأجنحةِ النوارسِ

يأخذهُ القاعُ

تتوجُ بروحهِ طيورُ السماءِ

حادي ركبها

***

عبدالامير العبادي

صاح  السنونو بوتر خافت في زقاق صاخب

لا أريد أن أغرق معكم في غروب سرمدي هناك

عند مساءاتكم  الطويلة الباردة

نداء لم يفهمه الا الحلزونات الصغيرة!

برودة على أوجه المارة وخلف الأبواب المقفلة

يا حبذا تفتح لە شبابيك الشعر

سرعان ما يطير الی عشبه خائفا متحيرا:

هل تذكرون أنفاق المدينة المظلمة

مكسوة بطحالب مذ عهود

تطير الخفافيش فوق رٶس ساكينيها ليلا

بينما ترفرف طيور الأماني  فوق باحات القصور

بلا هوادة

تحميها صناديد كرتونية

أواصل بقارب الزمن نحو جزر خاوية

لا شيء فيه يشبه صور الذاكرة

كل الطرقات تٶدي الى نقطة الصفر

لا الملامح ولا الشخصيات تشبه  أصولها

هل تتعرف علی نفسك بين تلك الحشود؟

هنالك من دون رأس يغازل الشمس لطول غيابها

وهناك من دون قلب يود العودة لأيام  الخوالي

عله يستعيد فيها رتم أنفاسه الهادئة

لكن الماضي محو في الوجود

هذه هي فصول مسارح الغياب الدرامي

تحوير وتقلبات وشهادات بلا توقيع

سفر متردد ورحلة دون  تحضير

أو مد-جزر الصراعات قد تحدث مرة في الحياة

وانعطافة بلا ترجيع

هلا أصغيتم لنداء السنونو الطليق

أم مازال اليقين

أضغاث أحلام وأحاديث نفس ملتوية

يغتال ويهين؟

***

سوران محمد

جميل لو.. تنزف نصال حكمة لَبَنات جروح، " إتق شر من أحسنت إليه “ لأُشيد برزخا مواربا لأبواب الوجع يحلق في باطنهِ خفقات حنين ضائعة العمر، وانقش على ظاهره أحاسيسي المشرعة  بــــــــ "مغلق".. !!!، لمن تأكسد قلبه بغرور خطاياه، وتلوث طيش طباعه طعنات نكران، فكم تغاضى شغف الإحسان عن ضحايا نفسي، وتفادى صفعات الظن بنسيان أمسي، فلتتباهي بهمس الحكاية، كلما انجبتك قشعريرة الزمن باغتياب الدموع، تذوقت شهيتك وطأة الندم، فالحياة ومضة مخاض على غفلة سراب،لا يُضَمد البتر بطفلِ المشاعر وحبلكِ السري متلاشي الولادة .

*** 

إنعام كمونة

أدري بأنَّك نصفُ ظلّي

أدريك يا بعضي و كُلّي

*

أدريك تمشي في النَّوى

فرداً على مرأى التَّملّي

*

كالطِّفل تنظرُ للورى

والنّاس في تيهٍ و جهلِ

*

أنّى الوصول لعاشقٍ

متباعدٍ عنّي بوصلي

*

أنّى أُرمِّمُ تَمْتَمَاً

متحطّماً في عتمِ طَلِّ!؟

*

أنّى أعانقُ نورساً

آتيه ملهوفاً فيعلي!؟

أنّى سأُخرِجُ مهرةً

مرميّةً في غور وحلِ!؟

*

أنّى أعيشُ بعالمٍ

من دونِ أنْ أحيا بأهلِ!؟

*

وحدي على زمن الخنا

لا طهر يوحي بالتَّجلّي

*

النّاسُ في شُغُلٍ أرى

وأنا على الدُّنيا بشُغْلِ

*

فمتى سينزاح الأَسى

وأعودُ مِنْ بدءٍ كطفلِ!؟

*

فأعيدُ خارطةَ المدى

كي لا أرى الأخطاءَ حولي!

***

رعد الدخيلي

الضجر الذي يُظلّلك

والصمت الذي يُضنيني

نصلٌ

يُزهر في حديقةِ اليأسِ

لا ظلَّ لها سوى دُفلى غامضة

تفتّحتْ عيناها على أضرحةٍ تمشي

ونشيدٌ يخفتُ كلما ارتبكت الخاطرة

كطريقٍ تفضي الى نهاية الأجلِ

كفتاة شقراء حُرّة، تجرّبُ حياتها مع حوذيّ

كنعاسٍ أيقظَ ظُلمة الهواجس

كنبعٍ جفّ

حين انبجس من جدارِ الأمنيات

أنتَ منْ وشى لي عن لعُبة المطر

وهو يمسحُ نحيب النوافذ

عن عيونٍ

روّضتْ أبواب الليل

فرسمتْ شُباكا لشجرةِ كمثرى عالية

صارتْ فيما بعد

فما مفتوحا

شاءَ الغناء على شاطىء الروح

تحت الثياب الماكرة

تاركا

يدين ترتجفان

وفؤوسا تقطّع المحنة من جذورها.

***

زياد كامل السامرائي

لَسْتُ أَنْسَى لَيْلَةً كُنْتِ بِحِضْنِي

وَالْهَوَى يَشْدُو لَنَا أَجْمَلَ لَحْنِ

*

أَحْتَسِي الشَّهْدَ بِفِيهَا وَأُغَنِّي

وَرَبِيعُ الْحُبِّ يُحْلِي كُلَّ رُكْنِ

*

لَسْتُ أَنْسَى قُبْلَةً أَحْيَتْ فُؤَادِي

فَرَأَى الدُّنْيَا فِنَاءً لَمْ تَسَعْنِي

*

لَسْتُ أَنْسَى ضَمَّةَ الْحُبِّ حَوَتْنَا

فَانْتَشَتْ أَرْوَاحُنَا مِنْ كُلِّ فَنِّ

*

لَسْتُ أَنْسَى شَمْعَةً قَدْ هَنَّأَتْنَا

بِرُؤَى الْإِبْدَاعِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنِّ

*

لَسْتُ أَنْسَى بَسْمَةً فِي شَفَتَيْنَا

حَدَّثَتْ عَنَّا بِحُبٍّ لَمْ يَخُنِّي

*

لَسْتُ أَنْسَى ثَغْرَهَا الْحَانِي دَعَانِي

لِدِنَانِي لَحْظُهَا لَا لَمْ يَدَعْنِي

***

د. محسن عبد المعطي – شاعر مصري

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م