نصوص أدبية

نصوص أدبية

لجسر من الحلم يوما أتيت

أبوح له والبوح يلغي الرقاد

وكل الذي أحببته واشتهيت

وأني به عارف

كذلك يعرف كيف انتهيت

إليه

وأني سأعبره  عنوة

مرغما

وقلبي على الجرف

ودعته واهتديت

ملاذي هناك

ودربي هناك

وكل المنافذ بين يديك

فهبني أتيتك حالما

وحيدا غربيا

ومسحت أركان كل بيت

لعل من المسك آخذ نفحة

تضوع فتحيي الذي قد كان ميت

أسألهم  والطريق الطويل

يحدثنا عن بقايا الرياح

بقايا الصفات الملاح

بقايا الجذوع

بقايا الربوع التي

تود لو أنني بينها

أصافح جدرانها

وأعبر في الليل نحو الصباح

بأحزانها

وأحصد بعض الذي قد جنيت

نهيت كثيرا

عن غيها

ولكنني ما انتهيت

وكيف تراني أعيش

بغير نسيم العراق

أعب ويسعدني أنني ما ارتويت!!!

***

د. عبد الهادي الشاوي

 

جلس عند زاوية هادئة من المكان، كان الجو باردا بعض الشئ، راح يحتسي كوب قهوته، أشاح بوجهه قليلا نحو شابة كانت تتصفح جهاز الحاسوب الذي أمامها، كتب في دفتر مذكراته بعض العبارات، ثم أغلق صفحاته التي ابتلت ببعض قطرات من القهوة التي انسكبت فوقها، ذهب بتفكيره، يقلب الماضي، انداحت أمام بصيرته صورة بداية دراسته في الجامعة ولقائه الأول مع زميلاته، في حينها وقف الاستاذ بطلعته البهية، ليتحدث عن نظرية القيمة، وكيف أن هذا المفهوم يدخل في معنى الانسان، حقيقته المادية، معنى وجوده في هذا الكون، صار يتأمل مرة أخرى وهو يتذكر كيف أن للزمن قيمة، مثلما أن لفعل الانسان قيمة أكبر، وضع نفسه أمام معادلة يحدها الزمن من جانب، والفعل من جانب وتلكما المسار الذي يحدد قيمة وجوده في هذا العالم، اكتفى بذلك وقرر أن يذهب إلى المكتبة التي كانت بجوار الكافيتريا ليشتري كتابا يبحث عن ذات الموضوع، بينما تزاحمت صور عديدة في ذهنه تدعوه لأن يعود إلى مكانه الأول طالبا في الجامعة التي ابتدأ بها حياته الدراسية، ولذلك انداحت بصيرته أمام تلك الشابة التي بقيت أمام شاشة جهاز الحاسوب تكتب شيئًا ما.

***

عقيل العبود - ساندييغو

2/14/2023

 

حُزْن ٌمِنْ صُرَّة الهَابُوتَايْ

شَكْلَةُ مفَاتِيحِي ليْسَتْ منْ نضارٍ

عِيَّارُهَا تَحْتَ الصِّفْرِ..

لكنْ في لمْلَمَتِها مِزْلاَجٌ منْ تِبْنٍ لمَدْخَلِ الَهاوِيَّةِ والتِّي قَدْ أدْخُلهَا لانِّي أحدَ أعْمِدةِ الضَيَّاعِ َ

وقدْ أتَجنّبُهَا لأنِّي لا أقْبَلُ دَوْرِي بَوَاباً لهَا..

ولا حتَّى بواباً لأحد..

فالأبوابُ حِينَ تُفتحُ لِغَيْرِنَا وَجَبَ عَلينا هَزْم رِتَاجِهَا...

طَمْس تَارِيخِها

وَلِمَا لاَ بثْرَ الأصَابِعَ التِّي صَنَعَتْهَا

حتَّى لا أجنّ وأقولُ :

إحْرَاق الغَابَة التِّي بِهَا نَشَأت..

شَكْلَةُ مَفَاتيحِي مِنْ فَخَارٍ

وعِيارُهَا فَوْقَ الصِّفْرِ...

حِينَ تَتَعَطَّرُ بالتِّبْنِ كَذلكَ يَخْلُدُ الاوْلِيَاء لِنَوْمٍ عَمِيقٍ..

وتَتبَخْتَرُ بِالميَّالِ الفَرَاشَات المذْبُوحَة

عَلَى إيقَاعِ الطُّبُولِ

Bass drum

وغالباً ما أجْرُؤُ كَعَازِفِ أمَانْ علَى

عَقْدِ صُلْحٍ بَيْنَ الشَكْلَتينِ..

أحْياناً ولسوءِ تقْدِيرٍ مِنِّي

أجدُنِي مُضْطَرٌ لِمفْتَاحِ الرَّبطِ،

لأنَّ الأصْل

فِي جَيْبِ الشَّيْطَان

ويَدِي قَصيرةٌ جِداً..

بتُّ أَرْعَاهُ كَمَا أرْعَى دَمْعَةَ العَيْنِ

وهَالَتِي السَّوْدَاء..

مِنْ كَفْكَفَةِ الأيَادِي الجَامِدَةِ لِلْمَوتَى..

منْ تُلْمَةٍ مُتْرَبَة فِي عُنُقِ الجَبَلِ..

مِنْ رَعْدَةِ رِيحٍ أزِيبِيَّة تَحْمِلُ سُحْقَ الحَجَرِ..

من غدْرَةِ عائنٍ لا يَرْحَمِ

لِتحُدَّ منْ تَدفُّقِ السَّرابِ أمامَ العُيُّونِ الزَّائِغَةِ فِي الوَرَائِيِّاتِ..

أتَجَرَّدُ حتَّى مِنْ عَرَائِي

أتَخَلَّى عَنْ بهائِي..

أهُدُّ الدِّنانَ الخشَبيَّة التِّي تَحْوِي عَرَقي..

أرَتِّقُ بعُرُوقِي ثَغْرَةَ الزَّمَنِ التَّليدِ..

أتَقَوَّلُ حَكْياً يَقُودُنِي لِمَخَافرِ

دَرَكِ القيَّامةِ..

وأرَقِّعُ فَرْطَقةَ الأفُقِ بِرُقْعَةِ الُّلوڤِيسْ

لِضَبْطِ حَرَارَةِ الوَقْتِ..

أجْلَدُ حتَّى المِئة بِسَوطٍ الِمعْزَاءِ

ولا أبُوحُ باليدِ التِّي تَصْفعُنِي..

أخْتَفِي عنْ حَاضِرِي في قَبْوِ الأزْمِنَةِ الغَابِرَةِ وأخرُجُ شَبَحاً ضاجّاً..

كلُ هَذا سِيَّانٌ

مَادَامَ

بَابُ العَالَمِ السُفْلِي تَحْرُسُهُ كِلاَبٌ البُولْدوغْ..والجُثثُ مَجْرُورَة لِمجَازرِ الأيْتَامِ..

آه....

كمْ أنتَ عُدْوَانِيٌّ سَيِّدِي عَوْنَ النَّظَافَةِ

بِأزِقَّةِ المتَاهَةِ

ودُرُوبِ الحِرْمَانِ

والقَادِمِ مِنْ أرَقِ الشُعُوبِ

تَجُرُّ للْحَاوِيةِ الأسْوَدَ والأبْيَضَ

وَتَشْكُو وَسْخَةَ الأصَابِعِ وبُقَعِ الجَبِينِ

عُدْ لِلصَّوابِ

ثُبْ..ثُبْ..ثُبْ..

عُدْ للصَّوَابِ...

مَاخُورِ الأشْقِيَاءِ تَتَوسَّطُهُ حَدْبَةٌ خَشَبِيَّةٍ مِنْ نُتُوءِ البَوَارِ..

ولسْتُ منْ حَطَّ لهُ حَجَرَ الأسَاس...

ولاَ أنا المِقَصُّ الذِّي قَصَّ شَرِيطَ التَّدْشِينِ..

في الأَصْلِ

تُرْعَشُ الأبدانُ قَبْلَ خَوْضِ الظّلامِ

ترْثِيبِ مكْرِيَاتِ المُحِيطِ

لكنْ، شَطَّاحةُ المآسِي تَقُودُكَ بِعَيْنٍ بَلَاسْتيكِيَّة لِحجْمِ الخَسَارةِ..

قِنِينَةُ شَامبَانْيَا

وَمَزِيداً مِنَ المُسْتَهْلَكَاتِ...

إكْراميَّات بلاَ حِسَابٍ..

ولا تَسْأَلُونِي عَنْ صُبْحٍ قَادِمٍ..

الاحْتِمَالاتُ كلُّهَا وَارِدَة

منْ هَرْبَةِ العَاهِرَةِ بِالبِطَاقَةِ البنْكِيَّةِ

إلى آخِرِ سَطْرٍ فِي مَحْظَرِ الشُّرْطَةِ...

لَسْتُ مُجْبَراً علَى حَرْقِ مُسْوَدَّتِي باللَّفْعِ الأزْرَقِ لأَزُفَّ للْقَمَرِ شُيُوعَ الإغْتِصَابِ..

الوَجْهُ عُملةٌ صدَأتْ فَفرَّ مِنْها مَاءُ الحيَاءِ..

لا تُوقِفُنِي الحَسْرَةُ

بلْ تَتَقَاطَرُ مِنْ جُيُوبِي حُرُوف عَرَبِيَّة تَحْتَرِقُ   ِبالأمْسِ تَهَلْهَلتْ أوْتَارُ قِيثَارتِي َ

تدَلَّتْ بُؤْبُؤَةُ عَيْنِي في الترَابِ

تَرَعَّدَتْ مُؤَخِرَتِي

ومِنْ تَحْتِي الارْضُ

رَاهَنَتْ علَيَّ الخَلِيلةُ بالمزْهُوِ المُعْتَادِ

وعَليَّ أمِّي بالمَصْعُوقِ بِلُهْبَةِ أهْلِ الحَالِ..!

وانا أراهِنُ علَىَ نَفْسْي

بصنِّيعِ التِّيهِ والضَّلاَلَةِ..

وياتُرَى الرَّبُ لَهُ مُجْمَلَ الرِوَايَة لِفَناءِ صَرْحِ الإخْتِلافِ  َ

لسْتُ جُوكِيرَ المُفَاجَأةِ ولا لُغْزَ المُطَابَقَة

بَيْنَ إنْسَانيَّتي وإنْسَانيَّةِ الخَلْقِ..

ويَارِيتْ نُبُوءَة الأنبياءِ تَصْدُقُنِي لَهْفتِي

لِتَتْوِيجِي أكْبَرَ المَجَانِين

مَا كُنتُ مَشَّاءاً بيْنَ الضُحَى ودُجَى اللَّيْلِ،

أحْمِلُ دلْوَ ماءٍ ِللْجُدْعَانِ،

الهَاويَّةُ مِنِّي فِي البَدْءِ والخَتْمِ...

مهدَ التَّكْوِينِ ولَحْدَ التَّهوِينِ..

لهَا شِبْه نافِذَة مُطلَّة علَى المَوْتِ..

لهَا وَادِي يَجْرِي بالدِمَاءِ..

لها أعْشَاشٌ تَنْمُو بِدَاخِلهَا الخُرافَة

لهَا قَبْرٌ جَمَاعِي ِللفَرَاشَاتِ البَلِيدِةِ..

لها صَخْرَة مَكْشُوفَة للرِّيحِ يحرُسُها سَادِنٌ مَجْنُون..

أنا أخْفَيتُ بِدَاخِلِهَا دِيوَانَ قَصَائِدِي..

بُندُقِيتِي..تَارِيخَ مِيلادِي..أسْمَالِي الحَرِيرِيَّةِ... سَاعَاتِي روليكس..  فيستينا.. وكل أمتعتي.. أمَامَ ممْشَى الجَبَّابرةِ للصَّلاَةِ..

تَكْثرُ قَوَافِلُ النَّملِ..

تَكْثُرُ الدَّعَوَات الوَاقِيَّة منْ سَقَمَاتِ الوجهِ..  وظُهرّانِ العَبِيدِ تَتمرَّسُ الإنْحِنَاء بِلاَ كَللٍ.. كَسَنواتِ الهُزَالِ

الجُرْو يَنْبحُ خَارِجَ الدارِ

وصَاحِبهُ مِنْ وَراءِهِ بالعَصَا

خُرْدَة مِنَ الألْوَانِ

حَيَّاحَة فوقَ الرُؤوسِ..

الأبواقُ مهتَزَّة بالقَوْلِ الغَلُوطِ  َ

طابُورُ اليَمِينِ عُمْيٌّ

وطابورُ اليسَارِ عَمْيَاءُ..

والأكُفُ للضَّرَاعةِ..

المُسَرْبَلُونَ بالجِلْدِ

والمُبَرْطَلُونَ بالذهَبِ والمُجَوهَرَاتِ..  والمِظليُّونَ..

والخيَّالة وأصْحَابَ اليَمِينِ..

والمسنتَرُون أسْفَلَ الجبَلِ وأعْلَاه..

وأشْبَاهُ الرِّجالِ..

وجَوَاسِيسُ العَهْدِ الجَدِيدِ..

زَغْرِدِي يَا أمَّ البَنَاتِ وَسَطَ الحَرِيمِ..

مِبْخَرَتُكِ بالعُودِ الشرِيفِ

في كوَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ

النَّوَاقِيسُ ألمعُ مِنْ عَيْنِ الشَّمْسِ

الحَظُّ يَقْتَرِبُ..

.  كُلَّمَا دَنَوْتُ منْ هَاوِيتِي

أفْتَقِدُ عُلْيَائِي وتَمرُّدِي

تُشَاطِرُنِي أطْيَافِي لَحْنَ الهَجِيرِ..

المَسَافةُ ضَوْئيَّة تَطْوِي الذِّكْرَياتِ

تَذَّكَرِي جَيِّدًا سَيِّدَتِي امُّ البناتْ

منْ صُرَّة الهابُوتَاي (الحرير)   َ

تسْقُطُ دَمْعَة

يَسْقُطُ حُزْنٌ....

***

عبد اللطيف رعري - مونتبولي

12/02/2024

استفاق ظهر ذلك اليوم وقد انتابه شعور بالاضطراب وانقباض الروح. كان يحلم على الدوام أحلاماً مزعجة، وفي الكثير من المرات خلال الأيام العشرين التي قضاها مع عائلته في بغداد، فكر بهذا الأمر ورغب دائماً بأن يعاف قيلولة الظهيرة لما تسببه من كرب بعد أن يجد نفسه متعباً تعساً إثر أحلام لا بل كوابيس تتكرر وتجرح النفس وتثقلها بالهموم. كان يعجبه أن يتحدث عنها لزوجته أو لابنه الكبير، ولكنه في النهاية  يجد نفسه ممسكا عن هذا الأمر. ونادراً ما ينجح في لملمة شتات تلك الكوابيس ليتذكر تفاصيلها بعد النهوض.

لم يبذل في ذلك اليوم جهداً يعينه للملمة ما دار في ذلك الحلم المقلق، وكان الصداع  يطرق رأسه بحدة. كان شيئاً مثل حبل ثخين مضفور يلتفّ حول رقبته، وراح يضغط بشدة. شعر بالاختناق وكانت الأشياء من حوله قد بدأت تختفي ملامحها وتضمحل. قاوم الحبل بكل ما أوتي من إرادة، ثم وجد نفسه يصرخ ملء حنجرته بصوت مكتوم. هذا وليس غيره كل ما ورد في باله عن كابوس الظهيرة الذي نهض منه بعد أن ذاق سكرات الموت. عند تلك الساعة عقد العزم على العودة إلى مدينته دون إبطاء. استمع وهو ساهم لحديث ابنه حول استعادة الحكومة السيطرة على مدينة الناصرية وعودة الأوضاع إلى طبيعتها السابقة. شاهد مقدار الارتياح الذي ظهر على وجه زوجته.

كان يشعر بأنه يفكر لوحده، ويحاور نفسه، حين عرض عليهم رغبته العودة إلى مدينتهم بالرغم من جمل الإطراء والتضامن التي قدموها له. أخرج جملته بتثاقل وكأنه يلوكها تحت أسنانه.

ـ قد تكون النتائج غير سارّة، وقد نواجه قرارات صعبة أخرى، وربما نجد هناك من يتربّص بنا سوءاً، ولكن المهم أن لا نفقد السيطرة على أعصابنا ولا نتصرف بما يثير الحنق والبغضاء.

وبدوره، فإن الابن لم يحر جواباً وبدا وكأنه استعد لذلك منذ وقت ليس بالقصير قائلاً:

ـ ولكن الحكومة استردّت مواقعها وانتهى الأمر واستتبّ الوضع في جميع أنحاء المحافظة.

أنعشه هذا القول، فنظر نحو ابنه نظرة ثناء واستحسان، واتجه نحو الكرسي الوثير القريب من النافذة وهوى بجسده المتعب فوقه، كما لو أنه كان قد قام بعمل بدني مجهد، ثم راح يفكر ملياً بأمر العودة. ففي حالات الريبة من هذا النوع، فإن الإنسان لا يبخس ذكاءه ليذهب مباشرة إلى الاحتمال الأفضل، وإنما عليه البحث في جميع الاحتمالات، السيئة منها والحسنة. شعر بعض الشيء بالاسترخاء فشرع يدندن بصوت خافت بأغنية خطرت له تلك اللحظة.

لم تكن العشرون يوماً التي قضوها في بغداد مبعثاً لراحته، فلم تبد له معالم العاصمة بذات أهمية،  رغم ما انتابها من تجديد. ووجدها على غير ما عرف عنها في زياراته السابقة. وجولاته في أحيائها كانت في الغالب مبعثاً  لذعر وكدر، وكم تمنى، لولا مرافقة عائلته له، أن يلزم الغرفة المركونة في الطابق العلوي من الفندق، ليقضي بقية أيامه دون أن يواجه عيون الناس. تلك العيون الجاحظة الخائفة الحاملة لأسئلة حائرة ومحّيرة تجوب بها شوارع كئيبة مسكونة بالفزع والرهبة.

لاذت الزوجة بالصمت، ومثلها فعل الباقون، في حين راح هو يعبث بجهاز المذياع دون أن يوقفه عند محطة إذاعة بعينها، وكانت عجلات السيارة تلهب الأرض، مولية الأدبار خارجة من بغداد باتجاه الجنوب. لم يستغرق اتخاذ القرار بالرحيل غير القليل من الوقت، ولم يخطر في باله ما سوف ينتابه من خوف، أو ما يواجهه من مصاعب عند عودته إلى مدينته. علت وجه زوجته ابتسامة حزينة خائفة وهو يطالعها في مرآة السيارة الأمامية، حيث لاذت بالصمت في المقعد الخلفي. كان الحزن بادياً على ملامحها وكأنه والذعر قد لازماها طيلة حياتها. كان صوت محرك السيارة وعجلاتها يخرق الصمت المطبق الذي لفّ الجميع، وهذا ما كان يجعله يضغط على عتلة الوقود بقوة. الهواء العليل الرطب يبث رذاذاً خفيفاً يوحي بالنعاس، ولكنه بقي يحملق في البعيد بعيون جاحظة.

لم يشاهد مثلما المرات السابقة حزام الضوء الذي يحيط مدينته حين كان يعود إليها أوقات المساء. فحين اقترب منها ذلك اليوم كانت وكأنها استسلمت كلياً لغول الظلمة الثقيل، فشعر بالشفقة المشوبة بالاشمئزاز والخوف.

***

لقد أمضى الشطر الأكبر من حياته في كدّ وتعب من أجل الظهور بمظهر محترم يليق بمقام عائلة ميسورة، وكان ذلك مفتاحاً لحياة سهلة رغيدة يجدها اليوم مع تفتت الزمن تتسرب نحو هاوية المجهول مثلما المرة السابقة.

اليوم  تـُعاد التجربة مرة أخرى. فكر بذلك وهو يطالع من خلال النافذة لون المساء المغبرّ الذي تبرق فيه، بين الحين والآخر، ومضات من ضوء كان يعرف مصدرها. فقد خبرها سابقاً في العام الواحد والتسعين،واليوم مثلما السابق ثمة وحشة تتجول في الجوار وتملأ روائح الرعب أزقة الناصرية جميعها.

كان النعاس يداعب جفونه، ولكن لم تكن له رغبة بالنوم، شعر بأن رأسه  فارغ كلياً من أية أفكار تحيط بما يحدث، لا شيء أمامه غير هلام ممكن أن يصير أي شيء أو كل شيء. يعدّهم الآن جميعاً واحداً واحداً، أبناء مدينته التي احتضرت واستفاقت ألف ألف مرة، رعباً وجوعاً وقهراً وإذلالاً.

ساءت الأمور  وأخذت بالتدهور منذ أول أمس. لا يقين يوقف ما يحدث، لأن الرجال الذين يحيطون المدينة الآن ليسوا هم رجال شوارتسكوف عام واحد وتسعين. أولئك الذين تقدموا ثم كبلتهم قياداتهم بأوامر، وحددت لهم خطوطاً حمراً، ليتركوا بعدها الناس في هياج وربكة، وليأتهم الموت مع دبابات وصواريخ وطائرات صدام.

لقد جاء الآن آخرون دون خطوط  منع أو مصدات. جاؤوا لإنهاء خصومة وبتر عضوٍ فاسدٍ علق طويلاً بأجسادهم. لا يخفون إعلان نواياهم، بل يصرحون بها على رؤوس الأشهاد. يختارون نقطة الانطلاق مثلما يبحثون عن ركائز عميقة في الأرض. وقائع تصورها محطات الإذاعة والتلفزيون. مشاهد تبعث الرعب في الأوصال . جنود ودبابات ومصفحات تجتاز الترع والقفار والبساتين، وكأنها أسراب جراد تلتهم الزرع.  يقضمون الأرض بسرفات عجلاتهم قطعة إثر قطعة دون عدوّ يواجهونه، سيل جارف تنبئ عنه غمامة تراب تتخم الأفق وتحجب الشمس.

***

فرات المحسن

 

مدي يديك

وعانقي صمتا يدي

لا تعجلي

اني جعلتك يا ملاكي قِبلتي

فتمهلي

وتمهلي

فالوقتُ مُلكُ يَمينَنا

الوقتُ وردٌ قد يُساقِطُ وَردَهُ

قبلًا شَقيّات الفَمِ

لتذوبَ فوقَ شِفاهِنا

فلَعَلّنا

نَنسى الزّحامَ لعلنا

ونَضيعُ صَمتًا وحدَنا

بِزِحامِنا

***

طارق الحلفي

 

للحبِّ ذكرى

وللذكرى عيدْ

يُحْييها في كل عامٍ

بأَحْمَرِ قَانْ:

حَدَقَاتُ الإضاءةْ

طَقْمُ الستائرْ ...

نخْب السعادة ِ...

وَهْجُ الأحاسيسِ...

عَزْفُ الزمانْ

*

والقمران الأنيقان

والقُبَلُ البِيْضِ

تَغْشَى الأناقةَ

والمَنْدَل الرَّطْب...

والشمْعَدانْ !

*

والزمنُ المَار بالحُسْن ِ

يُعْرِبُ عن (فرحة العُمْرِ) شدواً:

ســـــــــــــــــــــــلامْ

هنيئاً لكم ...

يانقاء القلوب ِ

غرام المقام ِ

دوام الوِئامْ

وكل (فلانْتَيْن ِ)..أنتم بخير ٍ

وحَيَّ على احْتِفاءٍ عظيم ٍ

فريد المكانْ!

*

محمد ثابت السُّمَيْعي - اليمن

 

يحق لمن أراد أن يصيح كالديك

أن يعتلي كنبة عائمة

أو ينعق كالحمار المربوط الى عمود الانارة

أن يستعمل مكبرات الصوت

ليستمع رجع صداه

*

يحق لمن أراد أن يتعقب طريدة انثوية

أن يمتطي عكازا كهربئيا

ويجوب السواحل القطبية

بطائرته الورقية

*

يحق لمن أراد أن يحرس بيت الراهبات

وفي جيبه مفاتيح مدلسة

أن يخلع حزام العفة

ويقيم  معهن علاقة حب

عبر الانترنت

*

يحق لمن أراد أن يكتب شعرا

أن يعصر خمرته في بيت الخلاء

ويشرب نخبه من كأس الشيطان

لكي تغلي برأسه المشتعلة

*

يحق لمن أراد أن يتزوج خارج العشيرة

أن يجلب الماء من بئرعميقة

وأن يدلو بدلوه

قبل أن يندلق الماء

فيرث شرف القبيلة

*

يحق لمن أراد أن يخون نفسه

أن يستحضر الأرواح المنسوخة

في ليلة مقمرة

ثم يضاجعها

على سرير الموت

*

وهل يحق لرعاة البقر

ان يحكموا العالم بأسره

وهل يحق لأبله أشرس

أن يصول و يجول ويعربد

في قارات الدنيا الخمس

بلا جواز سفر؟

ما أبلدك أيها الزمن المخادع

*

لكن يحق لنبي مجهول

أن يرجم أتباعه

وأن يضرم النار في أعشاش الطيور

ثم يتشاجر مع جيرانه على سكب اللبن

حتما لن يرضى عنه  الشعراء

فقد تعلكه الخراف

وتلوكه الذئاب..

***

بن يونس ماجن

تغيب الشمس فجأة.. بدون اي انذار. تبدأ الاجواء بالاكفهرار. نجد انفسنا، امي.. ابي وانا صغيرهما، مجتمعين على ترقب وخوف . نحن لا نعرف ماذا تحمل لنا اللحظة القريبة المقبلة، لكننا نشعر بالخطر الداهم الزاحف، كأنما هو امامنا ومعنا، يحيط بنا من كل ناحية وجانب. المجهول يتساءل في اعيننا عما تخفيه اللحظة المخيمة مثل شبح مميت.

تخرج امي عن صمتها: "اشعر اننا على مفترق درب".

ابي يقول: "بالتكاتف نواجه الفراق"..

ترسل امي نحوي نظرة اقرأ فيها تاريخ الهزائم البشرية المتتابعة. اذا مرت هذه اللحظة.. سنكون الاسعد في العالم. الآن ابتدأت اعي نعيم الوجود.

التصق اكثر بثوب امي وسروال أبي..

اشعر بقطرات الماء تحاول انتزاعي منهما. تتزايد قطرات الماء.. نلتصق اكثر. نصير كتلة واحدة. السيول لن تفرقنا. تبدأ الامطار بالتدفق، شلالات تتدفق من السماء الغاضبة فوقنا تغمر أرضنا.. وجه الارض حولنا يختفي.. كأنما هو لم يكن.. نتشبث بالأرض اكثر. تهتف الوالدة. يضغط والدي على كتفي ضغطة ذات معنى، اشعر به لكنني لا افهمه. هل هو الوداع؟

تشرع المياه في جرفنا معها.. نتباعد.. نتقارب.. ارى ابتسامة تعلو وجه امي.. اراها تتشبث بلوح خشبي.. تحاول الاقتراب مني. تبعدها السيول. ابي يحاول الالتحاق باللوح، دون ان يتمكن.. تشردنا المياه.

السيول تعبث بنا تفرقنا لتجمعنا. وتفعل العكس. ما أقساها من سيول. اشعر بيدين من حنان تحتضناني. انهما يدا امي. انظر في عينيها. ارى فيهما تصميما جبارا. لن تفرقنا السيول. سنبقى معا.

يتمكن ابي، اخيرا، من الالتحاق بنا. يتشبث بشيخوخته الواهنة.. بطرف لوح الخلاص. تشبث ابي يشعرنا انه لا مكان لأكثر من شخص واحد على اللوح... وان احتضان امي هو الذي وسع المساحة.. وجعل منا كتلة بشرية واحدة.. اتكور في حضن امي. اعود جنينا كما كنت قبل ستة او سبعة اعوام. ينتفخ بطنها مجددا. ها هي تبدو حاملا بي للمرة الثانية، بعد ولادتها لي قبل كل هذه السنوات.

يتغضن وجه ابي. اول مرة اراه خائفا الى هذا الحد. مع هذا اقرأ في وجهه ملمح امل وارى شعاعا من ضوء يطل منه.. ما زال لدينا رجاء.. "تشبثا باللوح".. تقول لنا عيناه..

المياه تتحول الى بحيرة.. اشعر بنوع من الطمأنينة. لا يخرجني منها الا ذعر اراه في عيني والدتي. ارسل نظرة الى مصدر خوفها. ارى والدي متعبا منهكا. يكاد لا يقوى على مواصلة التشبث بلوحنا المُخلّص. ارى امي وهي تفسح المجال لوالدي ان يأخذ مكانها على اللوح الخشبي، تناولني له، يحتضنني أبي بحنو.. اشعر انه قد يكون الاخير. ما أقسى هذا.

من موضعي في حضن ابي، ارى امي تتشبث بطرف اللوح. عينُها لا تغيب عني. يشتد الصخب المائي حولنا، اشعر ان يديّ ابي وهنتا.

"اياك ان تتركه"، تصرخ والدتي بوالدي.

"يداي مرهقتان". يقول ابي بتراخ.

ترسل امي نظرة اسية الى وجه ابي. نظرة اقرأ فيها ما لا يمكن لأنسان آخر سواي ان يقرأه. اشعر ان لحظة الفراق تقترب.

يرسل ابي نظرة متعبة الى البعيد. يقول:

"لا استطيع المواصلة"، يهتف بأمي، ويتابع" ابننا هو الامل الباقي..".

تصل الرسالة الاقسى في العالم الى امي. تعيدني الى حضنها، وتعود الى موقعها على اللوح الخشبي، فيما ارى ابي يعود الى تشبثه بطرف اللوح.

يمضي بنا لوحنا المُخلّص شاقا سحب الليل والمجهول. يطفو الظلام على وجه الماء. بعد ساعات يعمُّ هدوءٌ مريب. ابي لم يعد يتحرك في الماء. نسمعُ آهةً عميقة. بعدها تتوقف آهاته. تحتضنني امي. بقوة حنانها تهتف بي:

" لا تخف".

يزداد خوفي. ارسل نظرة الى امي.. لا اراها.. العتمة تحول بيننا.. اشعر بالدفء الغامر في حضنها. هل تشعر هي بمثل ما اشعر به الان؟

اسمع طيورا غريبة تحمل لي حفيف الحياة.. يتحرك الدم حارا في عروق امي. اشعر به كأنما هو يسري في عروقي. تأخذ الحياة بالدبيب في جسدي الصغير. اشعر باقتراب الفرج والخلاص. ينقشع الظلام رويدا رويدا. ها انذا اعود لرؤية عيني امي.. التعب يطل منهما.

"لا تخف يا ولدي" تقول لي. اشعر بيديها تتراخيان.. ما أقسى هذا..

تضعني على اللوح الخشبي..

"تشبث به بقوة"، تهتف بي..

"ستبقين معي؟"، اهتف بها من اعماق رغبتي والمي.

لا ترد.

"اين انت يا امي؟". تملأ صرختي الصامتة المكان.

اتشبث باللوح.. كما اوصتني.. واتابع نحو الخلاص.

***

قصة: ناجي ظاهر

كملاَيينِ النسَاء ملَلْت

ومِلْت نحو الطَّوافْ

بِأكُفّ تعانقُ الدُّجى

وأنتَ تمْلأ الظَّلامَ السَّحيقَ

بصَراخَاتِك المَعْدنيَّة

*

مَللْت وتوقَّفتُ عن الحَنينِ

وأَوقَدتُ من مِصباحِ التَّنورِ

هزائِمي العَربيَّة

*

أسْكبُ صُورِي خَمرا وتِبغا

وأَنا مثْقلةٌ من رأسِي

حتى أخْمصِ قدَمَي

بوصَايَاك العسْكريَّة

*

أَيا رجلاً يرتدِي قرونِي

المثْقلَة بالشَّقاء

ويطْوِي عصُورِي الرمَاديَّة

جَليدا ليُقدمهَا حُجُباً

حِين  يؤدِّي الأَدْوارَ الدّرامِية

*

لمْ تعُد وصايَاكَ تثِير دهْشَتي

لمْ أعُدْ أَتَلعثَم

حينَ أُحصِي وِشَايَاتِك الأُسْطورِيَّة

لم أَكُن يوما تلْك الصَّبيَّة

مذْ مزقَتْ فرُوضَها المدْرسِية

*

مِن هُتَافات الرِّيح

أَقمْتُ على شرفِك مائِدةً جنائِزيّة

وآرتَديتُ أنغَاما قُمْريَّة

وفِي مدخَل المَغارَة

شدَوتُ للربِيع وشَتمْت روحَك

الهَوائِية

*

اعذرْني ...لقَد ألغَيتُ منذُ

الفتُوحاتِ الأندلسِيَّة

طقُوسكَ الأَنانيَّة

*

منذُ قرنَين وأَنتَ تتْلو

وراءَ القضْبانِ مزامِيرَ شيْطانِية

أمَا تعبْت ...

منْ نفْث عاصِفةِ تبغِك الجَليدِية؟!

*

تعبتُ ومَللتُ ...

أحْرقْت مرَافِئي

ومعَها صُورِي التذْكاريَّة

وسنَداتِ تملِيكٍ عاطِفيَّة

وأسدَلْتُ سِتارَ المسْرحِيَّة

لأَرفضَ وصَاياك العسْكريّة

وأُعلنَ الآن...

اِقفَالَ بُنودِ القضِيَّة.

***

لطيفة أثر رحمة الله

المغرب

 

لم أشعر إلا وأنا أتزحلق، قوة ما باغتتني ودفعتني إلى الخارج، خارج المكان الذي شكل عالما لا مثيل له من السكينة والهدوء. صحيح أنني لم أكن موجودا هناك بشكل ما، ولم أكن واعيا بالمكان الذي تزحلقت منه . ما أعرفه هو أن ما حدث كان مفاجئا وغير منتظر: دون سابق إنذار دون إخبار أو اتفاق وجدتني بين أحضان عالم آخر غريب. تم الإمساك بي  وتم سحبي بشكل من الأشكال كي أرغم على أن ترك عالم السكينة ورائي وأخرج لأصطدم بعالم مجهول وسيظل مجهولا باستمرار. لم أكن أستطيع الكلام ولا معرفة لي به، فلم أكن قادرا على التعبير عن سخطي أو عدم قبولي بما يحدث لي. الشيء الوحيد الذي وجدتني أقوم به هو الصراخ، كيف ذلك؟ لست أدري. لا أحد استطاع أن يفهم معنى صراخي، بل لم يحاولوا فهمي. كانوا يريدون فقط إسكاتي بطريقة ما لأن صراخي كان يسبب لهم إزعاجا هم في غنى عنه. كانوا يحاولون تهدئتي كي أتوقف عن الصراخ. وصار صراخي المتواصل وسيلتي الوحيدة للاحتجاج. بدؤوا يبحثون عن شتى الطرق لإلهائي، كنت أستجيب بين الفينة والأخرى، لكن كان مفعول ذلك ظرفي إذ يفقد موضوع الإلهاء بريقه فأنتفض ضدهم، لأعود إلى الصراخ مرات ومرات، فدخلوا وأدخلوني معهم في دائرة متكررة ومملة وبلا أية معنى من الاستبدالات اللامتناهية والفارغة، ولو صرفوا كل هذا الجهد وكل هذا الوقت في فهمي لتوقفت هذه اللعبة السمجة ولانتهى تاريخ طويل وعريض من الانتفاضات والقلاقل والزلازل.. ولعرفت كيف أستوعب تزحلقي غير المفهوم.

و منذ ذلك التاريخ وأنا أتزحلق من حدث إلى آخر، من واقعة إلى أخرى، من كارثة إلى أخرى. لم يكن التزحلق سوى وسيلة للتكيف مع العالم الجديد الغريب، لأن المكان الأصل الذي منه تزحلقت لأول مرة سيظل عالقا في الذاكرة والأحاسيس، وسأحاول على مر سيرتي الذاتية أبحث عن تعويض ببناء أمكنة أخرى استبدالية أتوهم أن بداخلها السكينة والهدوء لكن الاستبدال يبوء بالفشل الذريع والمقيت. وأثناء مسار من التشتت والشتات، ومسار من الخيبات كنت أستريح بين الفينة والأخرى لسكينة متوهمة لكنها عارضة ومؤقتة لأنني منذ البدء فقدت الثقة في استمرار أية وضعية أو حالة، فأصبح التزحلق هو الدائم أما غير ذلك فهو وهم وخيالات لا يعول عليها.

***

د. عزيز القاديلي

 

لا تَتَمَهَّلْ في خُطاكَ

فالحب جميلُ

وبادر من قال:

إِنَّهُ لَغَبٌ وَوُجومُ؟؟

هو روضۃ غَنّاءُ

كيف تُراه يتأتّى ذلك؟؟

وقد  تَغَنَّتْ بجمالها العنادلُ

و تغنّى ٱلْحَمامُ ..

لا تَخَفْ إِنْ جَرَّكَ

نَسيمُها ٱلعليلُ

نحو الهوی

فكله أمن و سلامُ

وَٱصْدَحْ بِشَدوِكَ

وكُلُّكَ أَمَلُ

عسی الذي بقلبك

يصحو يوماً وَيَتَكَلَّمُ

وَٱسْتَمْتِعْ بِعِشْقِكَ

من قال: إنه قاتل؟

وَمَنْ ٱدَّعى ٱلقَوْلَ

حقّا : هو المجرمُ

لا تَتَأَلّمْ من جرحِ ٱلهوى

فالجرح قليل

فكم من فارس

بعد الْوَغى

أضحى و هو  كَليمُ !!

وَٱصْبِرْ على هجر الحبيب

فاٱلصبر جميلُ

فكم من ليلی

جَمَحَتْ قَيْسَها

فأضحی وَهُوَ فَطيمُ!!

كن الطبيب لقلبك

وٱصْطَبِرْ فما ٱلْعِلَلُ

إِلاّ بَلاءٌ

فَكذلِكَ هو ٱلهُيامُ ..

***

إلهام العويفي

 

ما ضرك أن يكون

مؤمنا ملحدا

عاقلا أو ذا جنون

ما ضرّك أن يكون

أبيض، أسودَ اللون

أو مِن غير عيون

ما ضرّك أن يكون

عربيا أعجميا

أو كائنا من يكون

أتراك خَلَوْت من العيوب

و هجرتك الشجون

أم تُرى لك رأسا

وللناس قَرون

ألا تَرَى أنّ لك شأنك

وللناس شؤون

وأنك على هيئة

والخلق فنون

فما ضركّ أن يكون

غيرك على خلافك

أو..  حتى لا يكون.

***

عبد الوهاب البراهمي

 

بين انتظارٍ وانتظارٍ

يشهقُ الوقتُ

ويبتهجُ لنا الأمسُ

ببعضِ الذكرياتِ

وحاضرنا كسيحٌ

تلسعهُ عقاربُ الوقتِ

وتبقى خطاهُ ثابتةٌ

يخافُ المستقبلَ

يرقبهُ بعينينِ غائرتينِ

في حفرةٍ عميقةٍ

تغتسلُ بالوهمِ

بينَ حاضرنا وماضينا

لحظةَ تمنّي

بمستقبلٍ سعيدٍ

تتكاثرُ لحظاتُ التمنّي

وتتطايرُ

من حولنا كفراشاتِ الضّوءِ

ترمي نفسها على المصباحِ

لتحترقَ

فبينَ انتظارٍ وانتظارٍ

الكثيرُ من الانبهارِ

والاحتراق …

***

سلام البهية السماوي

 

أعود من موتي وأضرم النار في قش الحياة، أرشُّ الأرض وردًا، وأقول للموت تأخّر فإنّ في القلب متّسعٌ للحب.أعزف في ركني معانقًا كماني بوداعة، كأنّه يصغي إلى الكلمات التي أردت قولها ولم أستطع. أنا المتفرج الباقي مع الكراسي وستائر المسرح وخشبته الخالية.أنا في النهار طبيبُ أسنانٍ عادي يؤدّي واجباته الروتينية دون أن يشتكي، كأيّ خروفٍ في القطيع، ولكنّني هنا في هذه المقامة أستجمع شجاعتي وأنفجر من البوح.

صاحب المقامات يخاف من الحب ومن سيرة الحب ويظنّ أنّه أعرف بالحب من أهله..يدّعي زورًا بأنّه بارعٌ في استقراء العلامات ورصد الومضة في عين من يحب، وإنّه يعرف ذلك من الكتب والأفلام والأغاني .. يختبئ في مقاماته ويخاف أن يقول (أحبّكِ) في الواقع، يرتجف هلعًا ويرتبك ويحمرّ عندما يحبّ.يسحب أوراق التاروت باستمرار، ويهمل الواقع وإشاراته، ويعود فجأة في هذه المقامة ليغنّي مع أم كلثوم ويقول:

ياما الحب نده على قلبي ما ردش قلبي جواب

ياما الشوق حاول يحايلني واقول له روح يا عذاب

٢

"الشوقُ يسكن باللقاء، والاشتياقُ يهيج بالالتقاء. ما عرف الاشتياق إلا العشَّاق. للنار التهاب وَمَلَكَة، فلابدّ من الحركة.والحركة قلق، فمن سكن ما عشق. كيف يصحُّ السكون؟وهل في العشق كُمون؟ هو كلُّه ظهور ومقامُه نشور"

محيي الدين بن عربي -الفتوحات المكية

٣

كلّه بأوانه يا رزق. والحب رزق ووعده في السماء. نعوذ بالله من هوى لا يستلذّ مع مرارته، ولا يستطاع لشدّته، ومن زفرات الحُب، ومن فقدان اللُب. فمن ابتُلي به فقد دهُي بعظيم، وكُرب بسقيم.وأنا يا رزق مبهوتٌ باليسير، ومضطربٌ من طعناته، ولا أراني إذا جرّبته إلا ضعيف العقل، مرتجف الجسد، مشتت الأفكار. وأنا والله غريبٌ عن أرضه ودياره، بعيدٌ عن دروبه وأسواره، وجاهلٌ رغم بصيرتي ومعرفتي بأهله عن ألغازه وأسراره.وأسراره قيدٌ يا رغدة.من عرفها كان فيها مكبّلًا كالأسير. طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحُب وظلم الحب لكل اصحابه. هذا ما قالته الست بعدما تغنّت بسيرته لسنوات.والهوى ضيف الكرماء، وحلية الأدباء، وخدن الظرفاء. وكثيرٌ من العشّاق قد ابتلوا بالتهيام، والسقوط والغشيان، وخلع الأعذار، وفوران الدم، ومجادلة العذّال .ومنهم من كتم سرّه وستره، ومنهم من لم يعرف له شيء ولم يكن له ذكر، الإ من افتضح وعُرِف.والعقل في صون الود على أن ينصرف القلب عن التدبير.فالعقلُ أحسنُ ما خُلِق، وخير ما العبد رُزِق.وما يجمعه الله لا يفرّقه إنسانٌ يا مسرّة .العقل والقلب إمامان قاما أو قعدا.متآلفان. ولا يفرّقهما غير الحب وشيطانه. ولستُ بحال من أنحله الحب، وعبث به الوجد، واستحكم به الحزن، وتعبّد به الهوى، وخالطه الأسى إلى ما ترون .ولست من العاشقين الذين ممّن ذابوا وما تابوا.فأنا مثل الست لا أقوى على الشوق ولا عذاب القلب. ولست يا رند من المتأسّفين أو على الأقل هذا ما أحاول أن أبيّنه. وسيّدتي أشد عليّ فلا هي ترحمني ولا ترثي لضعفي وتدهور حالي.

(مصدّعة مكلومةً رضّها الهوى

ترى السقم في أعصابها يتحطّمُ

إذا ما نسيم الريح هبّ تعلّقت

وحلّ بها صعبٌ فليس تكلّمُ)

قصص الحب لا يرويها العشّاق يا ميس.فالعاشق مشغولٌ بمعشوقه عن الناس والقصّة .فات من عمري سنين وسنين. شفت كثير وقليل عاشقين اللي بيشكي حاله لحاله، واللي بيبكي على مواله. والذي يتشاغل بالروي بكلماتٍ جافّة أملًا بالنسيان. والذي يرتجف شوقًا مرتديًا معطفًا من حنين، والمستعين بنجمة تختلس الضوء من شمس نائمة، المرتعد من صوتٍ فيه أناشيدُ العائدين من القتال، وصاحب المقامات التائه، الذي يحن لضلعٍ معوَجٍّ من الوحدة ويتلمّس خاصرةً مطعونة بالنسيان. يتأمّل عقارب وقتٍ معطّلة بالتكلّس، ويردم ثقوب الأصدقاء، والهوّة السحيقة المظلمة في روحه. صوفيٌ وحيد يدور حول نفسه ويتلاشى فيها، يغيب فلا يرى أحدًا ولا أحدٌ يراه. وحده يناجي نجمه والوجوه دخان.يعبث بكتب التراث وينبّش في سير العشّاق ويروي بوقاحة أخبارهم في مقاماته وينشد:

(تعبّدني الهوى فبقيت صبًّا

وخامرني فذاب القلب حُبّا

وأضناني الهوى فشربت كأسًا

يقطّعني الأسى بثًّا وكربا

رميت من الهوى بسهام حتفٍ

فما أبقت لنا وهمًا ولُبّا

فما لي غير جفنٍ ذي انسكابٍ

يفيض الدمع في الخدّين سَكبا

بِعَيني طَفلَةٌ هيفاءُ وردُ

تشير جفونها في القاب حربا

إذا نظرت بأحشاءٍ مراضٍ

يدبّ الموتُ في الأحشاء دبّا).

٤

الحرمانُ من المحبوب يحرّق القلب، والمنعُ عن المعشوق يعوّق الأنفاس بالاحتباس.. وأما في الهُيام، فإن القرب والبعد واحد ! ومن هنا قال القتيل الهائم صاحب "الصيهور في نقد الدهور" الحسين بن منصور:

يا مُنية المتمنّي،

أدنيتني منك حتى،

ظننتُ أنك أنّي

فقه الهيام-يوسف زيدان

٥

ألا أيّها الركبُ النيامُ ألا هبّوا

نسائلكم هل يقتل الرجلُ الحبُّ

بل تقتله ألسنة العذّال وهمسات النمّامين وثورات الغضب الزائفة يا قيس. لا يأخذنّك قلبك بعيدًا يا أمين، الله خلق الأرواح وطبع الأنفس.إذ أنّ الحُب إذا اعترض أهله، دهاهم على غير اختيار، بل بجبر واضطرار، والمرء يلام على ما يستطيع من الأمور، لا في المقضي عليه والمقدور. وقد خلق الله الإنسانَ ضعيفًا.ولو كان لذي هوى اختيار، لاختار أن لا يهوى، ولكن لا اختيار له .وقيل أن وقوع العشق بأهله ليس باختيارهم ولا بحرصهم عليه، ولا لذة لأكثرهم فيه، ولكنّ وقوعه كنزول العلل المدنفة، والأمراض المتلفة. وإن العشق من تحميل ما لا يطاق**أي التحميل القدري لا الشرعي. أنظر رعاك الله إلى المتلهّفة أنفاسهم، المتأسّفة حركاتهم، سكونهم ضعف. وعظامهم جريش.وطعامهم أليم وشرابهم وصب. وهل يخفى عليك البَيت واليأس والشجى والهجر. وقيل أنّ أشدهم حبًا أعظمهم أجرًا. وأرواح العشّاق يا صاحبي عطرة لطيفة، وأبدانهم ضعيفة، وكلامهم يطرب الأرواح، ويجلب الأفراح، وتدور أخبارهم وتروى أشعارهم ولا يبقى لهم غير العشق ذكرٌ يخلدّهم .ولولاه لما ذكر لهم اسم.ولا جرى لهم رسم. ولا رفع لهم رأس ولا ذكر مع الناس. ولم يسلم منه أحدٌ غير الجلف الجافي الذي ليس له فضل ولا عنده فهم وقيل في ذلك:

(إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدْرِ مَا الْهَوَى

 فقم فاعتلف تبنًا فأنت حمارُ)

ولا يخلو أحدٌ من صبوة، إلا منقوص البنية أو جافي الخلقة على خلاف تركيب الاعتدال. (وَقِيلَ لِبَعْضِ الْعُشَّاقِ: مَا كُنْتَ تَصْنَعُ لَوْ ظَفِرْتَ بِمَنْ تَهْوَى؟ فَقَالَ: كُنْتُ أُمَتِّعُ طَرْفِي بِوَجْهِهِ، وَأُرَوِّحُ قَلْبِي بِذِكْرِهِ وَحَدِيثِهِ، وَأَسْتُرُ مِنْهُ مَا لَا يُحِبُّ كَشْفَهُ، وَلَا أَصِيرُ بِقَبِيحِ الْفِعْلِ إِلَى مَا يَنْقُضُ عَهْدَهُ).

 وأنت أيها الجاهل الغارق في مقاماته، والمنشغل في ذكر بطلاته المتخيّلات، ومصادره العلمية، ورسالته السامية في الحياة في بعث فن لا يقرؤه أحد، وإحياء علومٍ اندثرت وعلوم لم توجد بعد. ألم تفهم قول الست وأنت تكتب هذه المقامة عن القلب وتنهيده عند الوصال والفراق؟ وهل عرفت الدنيا وحلاوتها يومًا؟هل غنّيت بطرب ولقيتني بحب واذوب في الحب مسحورًا بشموع الشوق؟ الْعِشْقُ يا صاحب المقامات لِلْأَرْوَاحِ بِمَنْزِلَةِ الْغِذَاءِ لِلْأَبْدَانِ، إِنْ تَرَكْتَهُ ضَرَّكَ، وَإِنْ أَكْثَرْتَ مِنْهُ قَتَلَكَ، ونحن على معرفتنا بك نعرفُ سلفًا أنّك شهيدٌ قتيل وإن أنكرت. ونعرف أنّ ملاك الهوى قد قبض روحك وألّفها. وإنّك على حالك هذا تحاول الفكاك من قيدٍ محكم وموت محتم.

(بنفسي فتى سهل الخلائقِ طيبٌ

يمازحُ دهراً عابساً لا يُمازح

ويُكثِر قول الشّعر في الحربِ لا الهوى

لأن الهوى لو قِيسَ بالحرب جارح

ففي كلّ حربٍ ثَمَّ حقٌ وباطلٌ

وفي الحبِّ لا هذا ولا ذاكَ واضحُ

فإن قال لا أهوى فليس بصادقٍ

وإن قال أهوى أخجلتهُ المذابحُ)

٦

كل حبّ لا يتعلق بنفسه وهو المسمى حبّ الحبّ لا يُعوَّل عليه: فالأصل حبّ الحبّ، وحبُّ بلا حبٍّ للحب ينفي عن صاحبه ذوقَ الحبّ والشرب من بحره، فمن شرب شراب الحب أحبَّ الحب، وطلب المزيد منه، وذلك هو التعلق بالمحبوب المرتبط بالضرورة بالتعلق بالحب وحب الحب لذاته.

محيي الدين بن عربي -رسالة ما لا يعوّل عليه

٧

الحب أقسام يا شيماء:هوىً وصبابة، شغفٌ وكلف عشق ونجوى ثمّ هيام.لست بصدد شرحها فأنا كما يزعمون لا أنطق بالحكمة إلّا متنورًا بالوهم.وقعت على سيرة أهله وشاهدتهم يسقطون صرعى واحدًا تلو الآخر.كانوا آتين لتوّهم من جلسة CBT* أسّستها عيادة السماء، وأشرف عليها الملائكة.ليأس العشّاق يا أطياف رأسٌ تائه يتدحرج في الشوارع. فضائهم زفيرٌ شمسي.والشهداء منهم يفحصون جثثهم المتناثرة على ضفاف من أمل.

وأنا خذني الحب لقيتني بحب، لقيتني بحب وأذوب في الحب، وأذوب في الحب وصبح وليل، وليل على بابه.. لا ضوء كمثل الضوء الذي شعّ من وجه أمّك عندما سمعت سيرة الحب، وأدركت صوت الست (التي لم تعرفه )وأطربت عليه. في قلبي مجرّات حبٍ تدور، وفي رأسي تدور سيرة أهله المساكين. اتّكئ على الزمان وأجوب الأكوان عاشقًا. قلبي يخفق بسيرتهم جميعًا، فيه أكفّ لأدعية الأمّهات، وغبار على وجوه التائهين والغرباء والعطاشى والمتعبين.

((كنتُ ينبوعًا في ما مضى

أغنية في قلب عاشقة

أمنية في صلاة طفلة

نسيمًا في كمنجة

وردةً على سور،

موعد حبيبين تحت المطر

…ثمّ بدأتِ الحرب).

٨

قال العجوز المشلول الذي فقد زوجته وحبّه الوحيد إنّ رأسه مغروسٌ في الأرض.وإنّ تربة العراق الخصبة ستنبت له رؤوسًا أخرى.وإنّ جسمه المشلول محبوسٌ في زنزانة .وإنّه يجهل السجّان.كان أبو غايب مقطوعًا من شجرة، ولم يورق له في حياته أيّ غصن.زار كواكبَ شبه منطفئة، وتزلّج سلالمَ غير مرئية، وسمع أنغامًا تتصاعد من آلاتٍ تتقلّب في أحضان الأثير. تعكّز على أشعّة تلبس الظلال، ورأى مجازر العصر ومذابحه والمقابر التي تحفر في السماء. تتبّع ضوءًا يخيط للفضاء معطفًا كأنّه الليل، وكنّس طرقًا مملوءة بأقدام لم تعد قادرة على السير .تعثّر بقرابين، ومقابر، وأجسام مطحونة، ورؤوس مقطّعة، وأنبياء مغدورين. عقد مآتمًا للغبار، وأعراسًا للغيم، باحثًا عن ماءٍ جديد يروي جذوره.قلت لوسناء إنّ سيرة أهل الحب أنهكتني. وإنّني سأضطر لحذف المقامة. حتّى دخلت امرأة وهي تدفع عجوزًا مشلولًا يعاني من أعراض ذهانية بعد أن فقد زوجته .كان أبو غايب صامتًا. لكنّ ملامحه المنطفئة روت قصّته بدلًا عنه .وقالت أنّ أهل الحُب صحيح مساكين.

***

أمين صباح كُبّة

كاتب من العراق صدر له مقامات إيلاف عن دار الرافدين ٢٠٢١

...........................

* العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

** إشارة إلى قوله تعالى (ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به)

 

ولمّـــا احتوانــا الطريــقُ الطويــــل ُ

وغابَ المطــارُ مـــــع َ الطــــائــره ْ

*

غفـــتْ فوق َ صدري كطفـل ٍ وضمّتْ

يـــــديَّ كعصفـــورة ٍ حائــــــــــره ْ

*

أحبّـــــك َ ــ قالــــــت ْ ــ وأنفاسُـــــها

تطــوّق ُ أنفاســـــي َ النافــــــــــــره ْ

*

لأجلك َ أعشــق ُ نخْـل َ العـــــــراق ِ

وأعشــــــق ُ أهــــــــواره ُ الساحره ْ

*

وأعشـــق ُ مصْر َ لأنّــــك َ فيـــــها

تمجّـــــد ُ آثـــارهـــــا النـــــــــادره ْ

*

صمــتُّ وحــرْت ُ بماذا أجيــــــب ُ

تذكّــــرْت ُ أيّامــــــــي َ الجائــــره ْ

*

تمنيّت ُ أنّـــي نســـــــيت ُ الوجـــود َ

ونفســــي وعشــت ُ بلا ذاكـــــــــره ْ

*

فقلْــت ُ وإنّــي أحبّـــــــك ِ جـــــــدا ً

بكُثْـــــــــر ِ نجـــــوم ِ السما الزاهره ْ

*

مكـــــانك ِ في القلْب ِ يا حلوتــــــي

وليس َ ببغـــــــداد َ والقاهـــــــــــره ْ

*

وخيّــم َ حزْن ٌ علــــــى وجههـــــا

بلوْن ِ غيــــــــوم ِ السمــــا الماطره ْ

*

وقالت حبيبي إذا غبت ُ يـــــــوما ً

فلا تحْسـَــــبنْ  أنّـنــــــــي غــادره ْ

*

ولا تحـــزننْ سوف َ آتـــــي إليك َ

وتشعــــر ُ بي اننــــــــي حاضــره ْ

*

سيحملنـي الفـــــلُّ  والياسميــن ُ

إليــــك َ بأنفاســـــــه ِ العاطــــــره ْ

*

وســـالت ْ علــى خدّهـــا دمعة ٌ

فضقْـــــت ُ بأفكـــــــاري َ الحائـره ْ

*

نظـرت ُ إليها أريــد ُ الجـواب َ

فردّت ببسمـتهــــا الســــــاخــــره ْ

*

قصــــدْت ُ المزاح َ فلا تقلقَـنْ

خيــــــالات ُ عابثــــة ٍ شاعــــــره ْ

*

أجبت ُ هو َ البحـر منتظــــــر ٌ

يريـــــــد ُ لقاءك ِ يا ساحـــــــــره ْ

*

هنالك ّ في المـــوج ِ نرمــي الهموم َ

وأوهـــام َ أزمنـــــــة ٍ  غابـــــــره ْ

*

نخـــطُّ علـــى الرمْل ِ أسماءنـــــا

كطفليْــــن ِ في دهْشـــــة ٍ غامـره ْ

*

ونرشــف ُ في الليل ِ كأسَ الهوى

تســـامرُنــــا نجمــــــة ٌ ساهــره ْ

*

ويوقظنا البحر ُ عنْـــد َ الصباح

فنصغـــــي لأمـــــواجه ِ الهادره ْ

*

ومـــرّتْ على البحْـــر ِ أيّــامنا

ســـراعا ً وعادت بنـــــا الطائره ْ

*

فقـــدْ كان َ هــــذا اللقاء الأخير

فقــدْ رحلـــــتْ جنّتـي الناضــــرهْ

*

وليس سوى الجرْح يحيـــــا معي

كوقْـع ِ  السكاكين ِ فــي الخاصره ْ

***

جميل حسين الساعدي

.......................

*  بعد عودتنا من مصر، اختفت الحبيبة فجأة، وبعد أسبوعين أو ثلاثة أخبرتني صديقتها أنها ذهبت الى بلادها سويسرا، لتموت هناك فقد كانت تعاني من مرض عضال، أخفته عني طيلة الوقت، خوفا من وقع الصدمة عليّ، فقد كانت تعرف مدى حبي لها. لكن كتمان أمرمرضها لم يغيّر من الأمرِ شيئا، فقد كانت صدمتي كبيرة حين علمت بسبب اختفائها. هذه القصيدة تصور آخر لقاء لنا في مصر. 

الى روح صادق هدايت*

عندما أَصبحَ هواءُ العالمِ

فاسداً وخانقاً وقبيحاً

قرّرَ  (صادق هدايت)

الساردُ الفارسيُّ الامهرُ

والمُحلّقُ طائراً في فضاءِ الحكاياتِ

والرواياتِ والمهازلِ الأرضية

قلتُ: كانَ الصادقُ قدْ قرَّرَ:

أَن يستحمَ بجرّةِ غازٍ وطني

حتى يشتعلَ جسدُهُ المقهورُ

كطائرِ فينيقٍ عنيدٍ

دائماً ينهضُ من رمادِهِ

ويستحيلُ شعلةً وهّاجَةً

تُضيءُ ظلامَ الشرقِ الكئيب

وبلادَ فارسٍ المُحترقة

من هولِ الفتنِ والمآربِ

والذرائعِ والفجائعِ

والحروبِ المريرةِ

التي جعلتِ الناسَ

يكرهونَ أَنفسَهم وبلدانَهم

وكلَّ شيءٍ فيها

لمْ يروا من جوهرهِ الغامضِ

أيَّةَ نافذةٍ للأمل

أَو باباً للخلاصِ

أَو كوّةً لتنفسٍ هواءٍ

ليسَ فاسداً ولا خانقاً

ولا قاتلاً مثلَ هواءِ البلادِ

وجرارِ غازاتِها غيرِ الصالحة

للاستحمامِ والتنفّسِ

والموتِ العميقْ

وأَعْني: الموتَ السعيد

الذي اختارَهُ "صادقُ هدايت"

بمحضِ رغبتِهِ الباسلةِ

وإرادتِهِ الحديديةِ

للتحرّرِ والتحليقِ من بلادٍ

لا رغبةُ فيها ولا أيّ مزاجٍ

لإنسانٍ مثل "هدايت"

و" فروخ فرخ زاد"**

الشاعرةُ السينمائية المغدورة

و لا " كَوكَوش"*** الجميلة

و"قاسملو"**** الشاعرُ العنيد

وغيرهم الكثيرون جداً

نعم ، ليس لأَيٍّ من هؤلاءِ

الطاقةُ  والقدرة

على العيشِ في تلكَ البلادِ

التي ينبغي أَنْ تُسَمّى

بلادَ النارِ

وبلادَ الموتِ:

حرقاً

وشنقاً

وخنقاً

وبلادَ الغيابِ الاختياري

سواءً بالغازِ الوطني

او بأحزمةِ الضحكِ الإنتحاري

آآآآآهٍ …

يا الصادق بن هدايتْ

لقدْ جارتِ الدنيا عليكَ

وأَطبقتْ علينا بفخاخِها

ومخالبِها ورحاها

ثمَّ عاثتْ بمصائرِنا

وعلى رؤوسِنا الجريحةِ

غارتْ ثمَّ داسَتْ

آآآآآآآآآآآآآهٍ منكَ وعليكَ

أَيُّها الصادقُ في كلِّ شيء

حتى في طريقةِ موتِكَ

وأَعْني: إنتحارَكَ،

بجرَّةِ غازٍ سامَّةٍ

كانتْ كافيةً للخلاصِ

من هذهِ الحياةِ القاسيةْ

***

سعد جاسم – كندا

في 2023

***

.......................

 * صادق هدايت: قاص وروائي فارسي أَنهى حياته إنتحاراً .

*فروخ فرخزاد وكَوكَوش وقاسملو: شعراء وفنانون فرس .

 

كــيفَ  الأَمــاجِدُ أصــبحوا أنــعاما

وإلــى الأعــادي أصــبحوا خُــدَّاما

*

إن الــكُماةَ عــلى الــثّغورِ رباطُهمْ

لا  يــمــسحونَ الــخُفَّ و الأقــداما

*

وإذا الــجــيوشُ تــحوَّلتْ لــعصابةٍ

ضــمَّتْ لــصوصاً ســذَّجاً ولــئاما

*

كــلُّ الــجحاجحِ غُــيِّبوا واسْتُبْعِدوا

والــتــافهونَ تــصــدَّروا الإعــلاما

*

والــلصُّ أصــبحَ فــي البلادِ مقدَّراً

والــنّــذلُ  أصــبحَ فــارساً مــقداما

*

وعــلى ابــن جــلدتِهمْ تفجَّرَ حقدُهمْ

صَــبّوا  مــن الــحقدِ الكريهِ الجاما

*

ونَــسَــوا لــتــاريخٍ عــظــيمٍ تــالــدٍ

فــجرُ  الــحضارةِ مــن هنا قد قاما

*

جعلوا الحدائقَ كالكواكبِ في السّما

قــد نــافسوا مَــنْ شــيَّدوا الأهراما

*

والأبــجــديّةُ أوجــدوهــا لــلــورى

والــنــاسُ  تــأخذُ مــنهمُ الأحــكاما

*

عــادوا  لــعصرِ الــتّيهِ بــعدَ هدايةٍ

فــنسوا الإلــهَ وقــدَّسوا الأصــناما

*

تــبــاً  لــقــومٍ هــجَّــروا أعــلامَهمْ

كــي يــرفعوا الــجُهَّال والأقــزاما

*

فــانعِ الــرجالَ إذا خَــلَوا من عزّةٍ

يــالــيتهمْ  لـــو يــصبحونَ عــقاما

*

وانـــعِ  الــنساءَ ولاتــكنْ مُــتَعَطِّفاً

مــا لــم يــلدْنَ مُــحَجَّلاً ضِــرغاما

*

كــنتمْ  أمــاجدَ مــن ســلالةِ مــاجدٍ

فــعــلامَ تــرجــونَ الــزَّنِيمَ عــلاما

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

جاءت ذات يومٍ

من غير موعد

ولا استئذان

حضرت مثل غيمةٍ

تحملُ حملاً كاذباً

بالمطر

مثل سنبلةٍ خاويةٍ

تتعالى بكُلِّ صَلفٍ

في فضاءاتِ المدى

مثل ورودٍ بلاستيكيةٍ

في أصيصٍ

في فندقٍ فارهٍ

مضت كما جاءت

لا ماءَ منه يُرتَوى

ولا زرعٌ في الحقلِ

يُحصدُ

غادرت كما أتت

فلا وهجُها دفأني

ولا نسائمُها أنعشت

وحيداً أجترُ حكايا جَدتي

وأعيد رسوم كل الأحداث

في مسلسل أحلامي

ثم أعتنقُ الصمتَ

في انتظار قدوم

شهرزاد

***

جورج مسعود عازار ستوكهولم السويد

 

يأتي الصباحُ الباكرُ مُحمّلا بأشياء كثيرة؛ فإلى جانب روائحه العطرة ونسيمه البارد الرقيق، توجد المفاجأةُ والدهشةُ. يرن الهاتف صاخبا، وأنا غارقٌ في نومي الطويل؛ أسعى إلى نفض التعب الذي تكدس فوق جسدي أياما طويلة، وأروم حملَ الثقلِ الذي يجثم على روحي الخفيفة، ومع رنينه تنبلج المخاوف والوساوس في خلدي، وتذهب بي الظنونُ أشواطا بعيدةً في عالم الحلم والخيال، عالم المشاعر المقدسة التي تؤثث روحي، وتزرع الرهبةَ في قلبي الفسيح. تتساءل عيناي الجاحظتان عن السر الخفي وراء هذا الاتصال، فأحمل هاتفي بيديّ المرتعشتين كأنهما اقترفتا جرما كبيرا، فأضغط على الزر بخفة، لأسمع صوتا مضطربا مسرعا:

- ولدي! الدائم الله تعالى.

تنقطع الكلمات، ولا تصلني إلا أصواتٌ مشوشةٌ، فأبادرُ بالسؤال، وفي القلب لوعةٌ تتقد، وفي العين دمعةٌ ساخنةٌ متلألئةٌ تنزلق من بين الجفنين:

- لم أسمع جيدا، من المتوفى؟

- خويا، عمك أحمد توفي هذا الصباح.

انقبضت نفسي واسودت الرؤية في عيني الدامعتين، حاولت أن أداري حزني الذي ملأ نفسي حزنا وألما، فقلت كلماتٍ تعودناها في مثل هذه المناسبات:

- إنا لله وإنا إليه راجعون، الدوام لله، والرحمة والمغفرة للعم.

انقطع خط الاتصال بعدما ترددت كلمة "آمين.. آمين" مرات متتالية، فأخذت نفسي تسرح في الطريق البعيد، وروحي تحلق على بساط الريح نحو المجهول، إلى حيث حلقت روح عمي، إلى الذكريات البعيدة التي ظلت محفورة في الوجدان، ووشما على الذاكرة المثقوبة. تذكرت أيام كنت صغيرا، تذكرت القرية والحقول الخضراء، والخضر والنخيل والأشجار التي زرعتها يدا عمي، وسقتها روحه حبا وشغفا.. أيقنت أني فقدت عزيزا يحب الأرض كثيرا، ويعشق رائحة التراب الندي، ويؤثر قضاء أغلب يومه متنقلا بين الحقول والمروج المقمحة المخضرة؛ يزرع الأرض، ويزيل الأعشاب الضارة في الصباح الباكر، وما إن تحل الساعة العاشرة صباحا حتى تكون خضر وجبة الغداء موجودة في الدار، يحضرها عمي الذي زرعها وسقاها.

مرت كل هذه الذكريات مسرعة مشوهة على ذاكرتي، وحاولت القبض على نتف متفرقة منها، بيد أن محاولاتي كلها باءت بالفشل. لكن في القلب حدثا أغر لم ولن ينسى أو يمحى من الذاكرة؛ إنه حدث اختيار اسمي.

أخبرني الأهل بعدما تجاوز سني العاشرة أن عمي هو من اقترح أن يطلقوا علي اسم "محمد". قالوا إن هذا الاسم مصدره حلم راود العم في ظهيرة يوم حار، كان نائما تحت نخلة وارفة، فحلم أن العائلة سترزق بمولود اسمه محمد، وسيكون خلفا لجده الذي توفي منذ ثلاثة أيام.

سمعت هذه القصة مرات كثيرة، فازداد حبي لعمي، وأيقنت أن اسمي سيظل ذكرى وآية على هذا الحب الصغير في قلبي، والذي أخذ ينمو يوما بعد يوم. ذهب من سماني محمدا، وذهب معه حب الأرض وثراها، والخضرة والبهجة التي كانت تملأ الحقول والمروج في أيامه المشهودة.

سيظل مكانك، أيها الرجل الشامخ، جرحا غائرا في قلبي، ولا أظن أن الأيام الآتية قادرة على تضيده، وعلى ملء فراغك بغيرك من الأناسي. كنت كبير العائلة بعد موت الجد والجدة، والوشيجة القوية التي تشد أواصرها، والمنبع الذي يسدي النصيحة، ويروي بطيبة قلبه قلوبنا العطشى حبا وتلاحما، والطود الذي يشد العائلة لئلا تميد، ويحضن نفوسنا كي لا تمور وتضطرب، ويطفئ نار الصراع التي تشب بيننا.. إنك السند المتين الذي نتكئ عليه، ونضع عليه رؤوسنا كلما أثقلها التفكير والحيرة.

إلى روحك الطاهرة الزكية الرحمة والمغفرة عمي الحبيب، وإلى قلوبنا المكلومة الصبر والسلوان، وإنا على الدرب لسائرون.

***

محمد الودراشي

 

وقائع حياته،عمله، مكاسبه، عائلته، الناس المحيطون به، سهراته، أفراحه وأتراحه، كلها ارتبطت بوثاق قوي مكين. شبكة من خيوط محكمة الحبك، لم يشأ أن يدعها تضمحل أو تتمزق وتذهب هباءً. لقد عززها برباط متين حاكه مع الآخرين بعناية ودقـّة ، رجال السلطة والحزب، نساء ورجال هامشيّين وذوي دالـّة من أهل المدينة. كان يعرف جيداً التنوع الغريب لعلاقاته تلك، ولكن روابطه مع رجال السلطة والحزب كان لها طابعٌ خاصٌ. وكان يدرك أيضاً أن تلك العلاقة، رغم ما انطوت عليه من مصالح مشتركة وتوسعت لتكون علاقات اجتماعية وصداقات، وصل بعضها حد التشابك في الخصوصيات. بالرغم من كل ذلك فقد كان يشعر بأنها بعيدة كل البعد عن هواه ورغباته الروحية والمعرفية، فهو يمقت مقتاً لا حدود له تلك الأفكار والنقاشات السياسية الحزبية، وما كان ليتخلى عن اعتقاده، بأن الرجل العملي هو آخر من يمارس العمل السياسي، أو حتى  الشروع في حديث حول مشاكل ومسائل حزبية، والركض وراء مناصب حزبية لا قيمة عملية لها، وعَد هذا الحال مضيعة للوقت أو لهواً  فارغاً، فالعمل الحزبي  يجعل المرء يلج مسالك هو في غنى عن السير فيها، ويبدو معها المرء غير واضحٍ في سلوكه وخطواته، ومتعصباً لمواقفه ومراوغاً  ومهاتراً حتى في البسيط منها. وفي الغالب لن يكون قادراً الإفصاح عن ذاته.

 كل ذلك كان حقيقة ماثلة أمامه. ولكن المصيبة كانت تتسرب من تحت قدميه، ويشعر بها مثل حية رقطاء تلتف صاعدة لتحيط جسده بالكامل. شباك تحاك بنشاط  وغرابة فتلتف خيوطها لتربط حياة  البشر دون أن تسألهم عن خياراتهم  بمعنى من المعاني. ورغم أن الفعل يظل غامضاً، ولكنه في النهاية يتجلى بوضوح في جميع زوايا ومقتربات الحياة وعلى مدار الساعة. تلك الأيام بمرارتها ولؤمها، ما زالت لحد الساعة ماثلة في ذهنه، حاضرة حيّة متيقظة وفاقعة.

يتذكر اليوم تلك الوقائع بحيثياتها وتشوهاتها. عند الباب الأمامي لمبنى البلدية، بادره أبو مصعب المسؤول الحزبي لمنطقة حيّ البكر، السلام والتحية. للمرة الأولى يتحدث معه، رغم أنهما سبق والتقيا في مرات متباعدة  لقاءات عابراة، دون حديث أو حتى سلام. أمسك بكفـّه وهزّ يده بحرارة وبوجه رضي وابتسامة مشرقة، سأله إن كان يوافق على دعوة خاصة في بيته. يتذكر جيداً تلك الساعة حين جاء لمبنى البلدية وسط المدينة ليقدم عرضه الخاص لمقاولة تشييد بناية الجيش الشعبي في حي البكر. كان يستحيل عليه رفض الدعوة، وقرّر دون تردد تلبيتها. كانت تلك الجلسة بداية البدايات، لا بل كانت مفتاحاً لأحداث جسام تلتها.

منذ البداية أسترسل أبو مصعب بكلام مبهم، بعدها راح بمبالغة فجة توصيف شخصيته وقدراته، ثم ولج حديثاً جديداً عن السلوك والأخلاق ومصالح الناس وحاجات الحزب وبرامجه المستقبلية، ومن ثم، وبكلام واضح وصريح، طرح ما أراد الوصول إليه، فكانت المساومة وكانت هناك حجج ونيات، كان عليه أن يكون دقيقاً وحذراً في توصيفها وفهمها، ومع كل ذلك الحذر والتطيّر، سمح لنفسه  في النهاية أن يوافق أبو مصعب رغباته، مع الحذر وتفادى الزلل. وجد نفسه يذعن شيئاً فشيئاً لتلك المساومات التي كانت صفقات في الحصول على المقاولات مقابل رشىً. وكان الاضطراب والاشمئزاز مع تقدم الصفقات قد اختفيا كلياً من روحه. صحيح أن البداية كانت صغيرة بمكاسبها، ولكنها فتحت له الأبواب ومهّدت له مسالك، ما كان بمقدوره الولوج وسطها. وصارت بناية المحافظة والكثير من موظـفيها، وكذلك أعضاء مهمّون في الحزب، مجرد معابر مهيأة ووافرة بالطمأنينة. لم تكن الحياة خالية من كلمتي  " فيد وأستفيد " ولكن هذا المعنى اختلف بالنوع والحجم، وبدت الأمور تأخذ منحىً آخر، فكان يفرحه معها أن تتاح له فرصة اكتشاف العالم الخاص بهؤلاء الرجال. وبالرغم من التظاهر عن عمد بعدم الاهتمام أو ملاحظة ما يدور في حياتهم الحزبية والمهنية، فقد كان يحتفظ في ذهنه بجميع المشاهد الخاصة بحياتهم، رغباتهم وأهوائهم والكثير من أسرارهم، حتى العائلية منها، وهو يدرك أيضاً  أنهم يعرفون مثل هذا الأمر بشكل أو آخر، ولكن هذا لم يكن ليمنعهم في أن يودعوه أسرارهم وأسرار غيرهم دون تحفظ.

هل كان عليه أن يميز بين سلطة الشيطان وسلطة الرحمن، في ذلك الوقت وتلك الحومة التي زلـت إليها قدماه دون رغبة التوقـّف أو الحذر. ولِمَ الحذر والخوف ؟ هل كان عليه أن يصبح شخصاً آخر لينأى بنفسه بعيداً عن تلك الأجواء؟ ولو خُيّر في ذلك، فهل يمتلك القدرة على دفع الخوف جانباً ورفض ما يعرض عليه؟ ما كان سيصبح عليه الحال؟ هل كان من الممكن للأمور أن تسير بشكلها الطبيعي؟ أم أن كل شيء سيتعرض للانهيار؟ بين هذين الأمرين، لا يمكن أن يرجح غير خيار واحد. الحيرة والتردد لا يمكن للمواعظ والنصائح أن تفك عقدتهما، بل ترتسم هناك صورة واضحة لرغبات مكبوتة كانت ترزح بعيداً في روح البشر، هي كومة من عقد ووجدانات وأمانٍ دون تسميات واضحة، ترتسم عند لحظة الخيار بين حالين، بين مشهدين، بين حياتين، لا بل هما، وفي ذلك المنعطف، خيار بين الموت والحياة، فأين من كل ذلك نصائح الروح والوجدان. قباحة  وحماقة كانت، وظلت كذلك وسوف تبقى. ولكن الخوف لم يكن في ذلك الاختبار شذوذاً، نتفاً من شظايا لخيار آخر. كل تلك الصفقات والمساومات ما كان القلب ليبتذل بها، ويلغي معها كلياً ما يمليه الضمير والروح الشغوفان بحب الناس من أهل مدينته والعطف عليهم. هؤلاء القوم الذين قادتهم الأقدار نحو مرارات لا حدود لها. هؤلاء المعذبون الواقفون يتفرجون على ما يحدث، ولا يملكون من قرارهم شيئاً، والخوف يلفهم بقسوته ويسلـط عليهم وحشته، هؤلاء البشر ما كانوا غير عيون تتلصّص فتراها مسّهدة معذبة مع كثرة ما تلتقطه وتخزنه من صور الخسارات والنكبات.

أحَبَ في تلك العيون استكانتها وقدرتها على كتم الألم، وبدوره، ما كان ليوّجه لأحد من أهل مدينته كلمة قاسية أو يواجههم بصدود. صحيح أنه يفعل هذا وفي كثير من الأحيان إشفاقاً وتأسياً. ولكن دخيلته حَوت شغفاً وحباً كبيرين لهم لا يمكن المساومة عليهما

هذه اللحظات الحارقة أيقظت في روحه عواطف محبة ومودة غريبة وطافحة،لأهل مدينته. شقياً كان ساعتها وهو يدرك المجهول الذي لا يفقه كنهه والذي راح يلف المدينة ويثقب سماءها بدويّ الرصاص ولعلعته.

كانت نفسه المكروبة قد جادت اليوم بألمها وهي تلملم ذكرى الماضي القريب. ذاك الأمس المرمي ثقيلاً راكداً في الذاكرة. أيام موحشات صعاب، أيام انتفضت فيها تلك الأرواح المعذبة الكظومة لتفصح بقوة عن خزين عذابها ووجعها. تلك انتفاضة الناس الذين أُطلقوا من قمقمهم الدهري يبحثون عن زمن ينصفهم، ويستعرضون في وجه جلاديهم بأس شجاعتهم وتحدّيهم. يتذكر الآن أيام انتفاضة مدينته، وكيف حُشر وسط مجموعة من الرجال في غرفة ضيقة من بناية البلدية. دُفع بخشونة وسط الحشد تصاحبه شتائم لم يعهد أن وجهت له مثلها من أبناء بلدته. لم يكن ليتعرف في بادئ الأمر على تلك الوجوه التي سحبته من أمام باب مكتبه ودفعت به نحو جوف السيارة، ولكن راوده اعتقاد بوجود بعض ممن كان قد شاهدهم سابقاً من بين تلك الوجوه المنقّبة. كانت هتافات التكبير تتردد في أنحاء المدينة وصوت الرصاص يلعلع وصفيره يخترق الرأس بحدّة، دون أن يعطى المرء فسحة من تفكير. امتد أمر الحجز حتى المساء حين بدأت حركة فوضى تعمّ المكان، وكان هناك صراخ وعويل وثمة أشخاص يدخلون ليسحبوا أحداً من الغرفة، ثم بعد دقائق يأخذون شخصاً آخر، ولم يرجع أحد من هؤلاء المسحوبين إلى الغرفة بعد ذلك. كان ينتظر أن يحلّ دوره حين دخل أبو ساطع حاملاً سلاحه وطالع الوجوه ثم صرخ

ـ أبو قصي ...شتسوي هنا..منو جابك.. يمعودين شني... شصار بيكم...شتسوون ..جا هذا ما تعرفونه ؟

ثم سحب رجب من يده، وكانت وجوه عديدة تطالع الأمر بوجوم واستغراب. تقدم به نحو غرفة مجاورة حيث يجلس وسطها رجل معمّم يقف قبالته ثلاثة رجال بثياب رثة يتأبطون أسلحتهم. دون تردد وبلغة فيها الكثير من الحزم، طلب أبو ساطع إطلاق سراح رجب مع ضمانة من قبله، وتم الأمر بعد حديث طويل مرتبك وكلمات فيها نوع من الجفوة والمماطلة.

كان أبو ساطع صاحب سيارة  قلاب، عمل طويلاً مع رجب في مواقع عمل كثيرة ويشعر بقيمة الروابط التي جعلته يحتفظ بمكانة خاصة لتلك العلاقة ولشخص رجب بالذات. فرجب هو من ساعده على امتلاك تلك السيارة القلاب، وقدم له العون المالي، وكفله في أمر شرائها. وقد عمل في أكثر المقاولات التي كان رجب يقوم بتنفيذها. وبالرغم من أنه كان مهذاراً متطيراً وسكيراً في الغالب، لكنه كان يحمل قلباً طيباً وروحًا تفيض محبة، وفوق هذا فهو يعمل بإخلاص منقطع النظير وينجز عمله بتفان وإتقان شديدين.

بعد أن أعاده أبو ساطع إلى بيته وتحاشياً من تكرار اعتقاله، فقد صحب رجب عائلته تاركاً وراءه بيته ومكتبه ومدينته التي سقطت بيد المنتفضين. اجتاز بسيارته طريقاً صحراوياً وصل في نهايته وسط مدينة النجف، فوجد أن الأمور ليست مثلما توقعها، وكان حال المدينة مثلما مدينته، فهي ملتهبة وتمور بالثورة، والغضب أخذ مأخذه من أهاليها. وبالرغم من انتصاف الليل، فقد قرر عدم البقاء ومتابعة طريقه نحو بغداد وبدأت الشكوك تساوره، فربما الانتفاضة قد تجاوزت الحدود ليجد بعدها بغداد كباقي المدن والقصبات التي مر بها.

***

فرات المحسن

 

للضجيج شهوة الغابة.. لا يميز بين الرعية والفريسة

بين التراتيل والزار.. كلما ارتفع انخفضت النوايا

ومهما حاولنا الصلاة.. لا تخرج من الأفواه سوى البذاءة

وعواء يطفيء الأنوار.. ليغتصب الغد = دون شهود =

لا وقت للريح كي تمسح الآثار المبتردة

هي على عجلة من أمرها..

فاستروا سوءاتكم قبل انبلاج البياض

كل القرائن تثبت تورط الذئب في أكل يوسف

هكذا قال القاضي.. بصمات الصمت تكشف الحقيقة

ولو بعد جنازة وشهيد.. فاعتصموا بالهروب.. قد صدق الوعد.. وصار للزوج زوج.. للأنثى .. حظ الذكرين..

ومواكب لشوارب تحتها يتراقص الأحمر منتشيا .. على ظهر قذيفة.. طلع للكرة أثداء.. لرضاعة الكبير.. وركلة للوليد.. كي يشتد عوده ويقوى على تسلق الغاب..

لا خوف على النهر الجاري.. ضفافه صالحة للقضم

مهما عتقتها المجاري.. ومهما ألقوا فيه من لقطاء

سيحملهم السيل إلى دير يتهافت فيه الوقت..

تتباغض النوايا بعيدا عن مهازل الماضي..

*

على قبر القتيل.. تقرأ آيات الغضب

وتراتيل قيامة ستكشف وجه الرب

في ساحة الموازين حيث الانهيارات

تمتص كرامات القهر

تؤرجح الحرقة

قبل حلول الموت الوديع !

*

أبشر أيها القتيل .. قد صبوا العري على رأسك

كسروا السيف كي تنام.. باعوا الرصاص

واشتروا لك دمى تختصر المسافات بين الغباء والذكاء

و الغضب على مقربة يجتاز حدود النار والتتويج

وانت يا وطني.. تتربع عند احجارك الميتات

ترتق الغمام لتستر سوأة راقصات مقدسات

يجدن استدراج الثيران المنحورة

ريها خرابا ولجا .. صعيدا جرزا

*

لمن تركت النار مواقدها؟

كيف انبجس الرجس من حجر الصبر؟

من امتص من الازهار رحيق العناد؟

وكيف نسج القهر من جراحه قلعة الوفاء؟

لتنيخ الاحلام ركائبها

يغول النزيف في حمى الايام؟

السماء في حداد مشرع.. والكمائن تتناسل في المدى

عشيرتي فقدت بكارة غضبها

فمن أين تنبثق قيامة اثخمت الشعر

والذئاب تؤذن فينا =

حان زمن التيه

انفتح الطريق الى الهاوية

خيركم في الصفوف الاولى

محفوف بالكرامات.. وحفنات من الهزائم والخور

قدموا اشلاءكم المسكونة بالرعدة..

ارواحكم الحائرة بين المروق والخضوع

كي ينبجس الذل على الافق

وتنفذوا بين هوة واخرى

بعيدا عن اي صراط مستقيم

***

مالكة حبرشيد - المغرب

 

المرأة التي كذبت علي طويلا.

التي إمتلأ نهداها بنبيذ الذؤبان.

برائحة البحارة والمفترسين

بالوحل والرماد والضغينة.

المرأة التي سرق الغراب بكارتها..

المرأة التي وضعت أعصابي

في قفص من اليورانيوم.

ثم فتحت النار على قطرس الوعي.

ظلت مثل خبير في التشريح

تقلب جثتي ذات اليمين وذات اليسار.

معلنة فوزها الساحق على مخلوق

نذر شبابه الأرعن لطرد زيزان العزلة من غرفته العدمية.

*

 لم أك أعي جيدا

تلك السنوات العجاف

السنوات المقرفة والحارقة

مثل مثانة التنين.

آه أمي كذبت علي طويلا

وعدتني بالبقاء في مملكتي الصغيرة

تشعل مصابيح الفرح اليومي.

تدلق محبتها على سجاد البيت.

لكن بغتة فرت سريعا إلى المقبرة

مخلفة إخوتي في غابة ملآى بالذئاب واللصوص.

مخلفة شقوقا عميقة في بحة المزهرية.

طيورا نافقة في حنجرتي.

أمي التي أخفتني طويلا عن الغوريلا المتخفي تحت الكنبة

طوال أيام الشتاء.

أمي التي تحملنا على مركب صلواتها إلى جزيرة الله النائية.

لكن لم كذبت علي في العاشر من أيلول .

حين لفت حبلا برقبتها الهزيلة

وطارت إلى المجهول.

*

 العالم يكذب كثيرا.

الليل والنهار كذلك.

يلعبان الغميضة في السقيفة

بينما أكتفي برصد حركات النجوم.

الطفولة التي أسمعتني فاصلا موسيقيا من الفردوس.

ثم إختفت في دهاليز الماضي.

الشباب الذي سقط من قاطرة الصيرورة .

لم أدر أين أخفى مفاتيحه الذهبية.

أصدقائي الذين قطعوا خشب تابوتي للتدفئة أيام الصقيع .

*

 الحياة تكذب كثيرا.

صديقي الذي يرتاد الحانة.

مثل حكيم من القرون الوسطى.

يهشم قلق السكارى بضحكة حادة للغاية.

يقول: الحياة كذبة كبرى

نؤولها بالخمر والشتيمة.

السماء تكذب كذلك

لم أر شيئا صعد إلى حضرتها

لم أر روحا تتبختر في مشيتها

حاملة سلة من الغفران أو الفواكه.

الحياة مومس مقرفة.

يتداول عليها ناس قذرون.

كذبت علي طويلا في دار الأوبرا.

لما سحبتني إلى شقتها الفاخرة.

ثم انهالت على مؤخرتي بالكرباج.

***

  فتحي مهذب - تونس

 

لُطْفاً.. إلى (الغَيْداءِ) طِرْ بي يابُـرَاقي

طَرْفَاً..بأجنحةِ الهـوى حتى أُلاقي:

*

قَوْمي وخِيرة أهـــلها وبريقِها

وعليلها وشـــواطِئ الأحـــداقِ

*

وهَجْسِهَا الإنسان موفور الندى

بِقَشِيبِهِ...ونوابِــــــــغ الإشراقِ

*

صِلْني بِعَيْنيها ليبــــــحِرَ زورقي

وتضِيئُ في جَنَبَاتِهِا أشــــــواقي

*

إنَّ المُدَامَةَ مِنْ عَــــــذارى بَنَانِهَا

يَشْرَبْنِي كأسُها في صريحِ رواقِ!

*

إنْ كان ذَنْبٌ وَصْلها فلتشهــدوا

أَنِّي على ذَنْبِ الأصــالةِ بــــاقي!

*

لاتَغْفِروا ذَنْبي فإنَّهُ طــــــــاهِرٌ

وهو الطهورُ لغيرهِ بِوِفــــــــاقِ

*

وهو البريءُ من الخُنوعِ لِواهِمٍ

مُدَجَّجٍ بِبَــــوارِجِ الإخِـــــفاقِ!

*

وأنا الجريءُ لاسِـــــوايَ ومُذْنِبٌ

وأُقِرُّ: (أنَّهُ مِنْ صـــدى أعماقِي)!

*

دَوَّنْتُهُ  الإيــمانَ في موسوعتي

فلتقرؤوا شَغَفي عــلى الأوراقِ

مِنْ كان وُجْهَتهُ (السلامَ) وأهْلها

أنْعِمْ بِهِا مِنْ وُجْهَةٍ وعِنَــــــاقِ!

*

فأنا المُتَيَّمُ بافْتِتَان ٍ فـــــــاضِحٍ

مَنْ ذَا يَلُومُ مُتيماً بِــ(عِـرَاقِ)!؟

***

محمد ثابت السميعي - اليمن

فبراير ٢٠٢٤م

 

السّماءُ على غيْرِ حالهَا

منْذُ الفَقْدِ..

كَالِحَةً

لا يمرُّ سِرْبٌ الَّا ويسْقطُ نِصْفهُ مَنْسِيّاً..

لا يَتَحَرَّكُ رِيحٌ

إلاَّ وَيَأخذُ مِنَّا زَهْرَة

لا غَيْمة توَجَّعتْ مدْرارَة للعطْشَى..

ولا قشْعةً أنارتْ مسْلكاً لِعمْشَاء..

هُناكَ بَعيداً عنْ عَيْنِ الزرقَاءِ

فَقطْ

سَرابٌ يلعقُ ماءَ النَّهرِ

ربَّما ضوء أعادتهُ الفيزياء لخَطْفةِ الرُوحِ.. انهيارٌ لنجمة تَحكَّكتْ بسيَّاجِ الأنبياءِ..!

أمَّا مَا أراهُ ،

ولستُ عرَّافاً للغُيُوبِ

ولا دجّالاً يشْمَتُ في طُقُوسِ الألُوهِيَّةِ..

أنَّ النَّارَ تُعَانِقُ الماءَ في خُلْوةِ الوَدَاعِ..

أنَّ الماءَ مُجرَّدَ خُدْعَةٍ في جَوفِ الحّجَرِ..

وبهذا ستَتلَحَّفُنَا النّكبَاتُ بِفَيْضٍ آخر من شذَراتِ المَسْخِ..

لستُ ملكاً مُشِعّاً في السّماءِ

لكنِّي

أحْمِلُ رائِحةَ الهٍ يعرِفُنِي

جِئْتُ أبْعَدَ حظٍ مِنَ الأرضِ

جِئْتُ أبْعَدَ عُمْقٍ منَ البحْرِ

أبعدَ عُلْوٍ منَ السَّماءِ.

. Je suis venu de plus loin que la terre De plus loin que la mer

De plus haut que le ciel

الذينَ يعرُفونَ فرْحتِي وآهاتِي

لمَّا وجَدُونِي أبْكِي فِي حُقُولِ الخُزّامَى

أُلقِي سوَادَ كَلماتِي فِي القَبْوِ المُقدَّسِ

قالوا:

أنِّي عَثرْتُ على لَوْحَةِ مِيلادِ العشْقِ

بينَ العُطُورِ الزرْقَاء في دُولِ النَّخِيلِ..

بَيْنَ بحورِ الخليلِ

بين جداول الكَرْمِ النَّقِيلِ

فخبَّأتها لِتتوسَّطَ لِي يَوْمَ خَتْمتِي بِمَلكِ الموتِ.. ومَا أنَا إلاَّ تَائِهٌ فِي عُنْفُوَانِ الجَبَلِ.

قالوا:

أنِّي أجرِي عَارِياً تَحْتَ النُّجُومِ َ

فاسْتوقفَنِي قُطَّاعُ الطُّرُقِ بِلَا أمْتِعَةٍ

وزَجُّوا بِي فِي زِنْزَانةٍ مُتْرعة عَلَى الصحْراءِ يحْكُمهَا كَاهنٌ يَحْتَرقُ ألفَ عامٍ

مخَافةَ أنْ يدَارِي غضَبَ امرأةٍ ..

وَمَا كُنتُ فيهِ كَافياً لأدُّقَ آخِرَ مِسْمَارٍ فِي نَعْشِي.

قالوا:

إنَّهُ يطعِمُ الخرافَة ويهدي الِميتَّةَ قرْباناً للوادِي ولهُ منَ الجنِّ قرينٌ يوَسوِسُ لهُ بالآتي ..

يَبِيعُ صُكُوكَ التَّوْبةِ مُقَابِلَ ثمْرَةٍ..

يَسْتَمِيلُ في مُجْرَيَاتِ الحَكْيِّ لقَوامِيسِ اللُّغاتِ المَلْغُومَةِ فيُقْصِي منْها الفَصِيحَ..

ويعرْبدُ حتَّى البَوح بمكنُونِ النَّفْسِ الأمَّارَةِ بالسُوءِ والعِصْيَانِ..

فإمَّا يرْمِيهَا بالبَاطِلِ والنُكْرَانِ

وإمَّا يُعَظِّمُها بِالسَّهْوِ والهذَيَانِ..

والصَّحُ أنِّي إبْنًا عَاقاً لِلُّغَةِ..

وَتُلْزِمُنِي حِصَصٌ لِلتَّشْهِيرِ َقبْلَ مَوْتِي مَطْعُوناً بِحُرُوفِهَا

قالوا:

إنَّهُ قصَبَة تَجَلَّفَتْ فِي عِزِّ رَبِيعِهَا

ثُمَّ تاهَتْ مَعَ العُمْيَانِ في ثَوْرَةٍ لِتَفْقَأَ عَيْنِ القَمَرِ..

ولمَّا غَرَّتْ بِهَا الأيادِي اليَابِسَةِ خَرَّتْ مُنْكَسِرَةً.. انتَهَى الحُلْمُ بِلاَ دُمُوعٍ..

وانْتَهى مِشْوَارُ القَضِيَّةِ تَحِتَ الأقْدَامِ..

حَالُ سَمَائِنَا يُغْنِي دَائِماً عنِ الإشَادَةِ بالغِنَاءِ.. قالوا:

فِي َموْسِمِ الجَرادِ

يَتَوَالدُ المخْبِرُونَ منْ يَأتِيكَ حَاِفياً..

منْ يَسْتَدْرِجُكَ بِعَرَاه لماخُورِ الاسْتِنْطاقِ..

لَكنْ مَا عَلَى ظَهْرِي الانَ سِوَى خِيشَة منَ الأحْلاَمِ المُنْتهِيَّةِ أبَداً..

أأجُرُّهَا لِمَقْبَرَةِ النِّسْيَانِ

كَمَا فَعَلَ الفَقِيدُ أبِي..

أأنهَشُهَا بأظَافِرِي لأبْكِي ويَّاهَا قضَاءَ وَفَنَاءَ العُمْرِ

كمَا الفَقِيدُ أخِي قدْ فَعَلَ..؟

..أأدُوسُها بقَدَمِي العَرْجَاءَ حتَّى تَصيِيرَ خَلاً وَأرُشُّ بِهَا موْطِنَ ضُعْفِي..؟

***

عبد اللطيف رعري

مونتبوليي حزينة لحزني

05/02/2024

غاب عني صاحبي فاستوحشت، وعاد فسألته.

وانتظرت الإجابة لكنها تأخرت كثيرا ولم تكن هذه الحالة من عاداته، ولم أدركها في صفاته، ولعله أخفاها عني عمدا لغاية في نفس يعقوب، فمتحت من الصبر غرفة ونظرت في وجهه نظرة أدرك معناها وغايتها ومبتغاها، وأردفتها حسرة، فَعَلتْ محياه الابتسامة، فظننت أنه قارب الندامة وأراد أن يكفّر عن احجامه، ثم قال: أنا يا صاحبي اقتني نظارتين، واحدة استعملها في البيت وهي أقل كلفه لا تتحمل ضغط أو رفسة والأخرى خارجه، فلم تثيرني كلماته ولا استعذبت حركاته، فكأنني أبادله بالمثل، هذا ما ظننته، واستمر غير عابه بعدم اكتراثي قائلا: الثانية أجمل وأخف وأكثر كفاءة، ثم أردف أتدري لماذا، قلت: من أين أتتني الدراية وأنت تخفي عني هذه الهواية، وأخاف أن هذه المقولة طلسما أو غواية.

فابتسم حتى بانت أسنانه، واعتدل فأصلح هندامه، فحدستُ أن الذي خلفه مخالف للذي أمامه،

فعلل فعلته وأوضح خطته وانشرحت سريرته، فقال:

يا صاحبي لا بد من نظارة مختاره

تكبر الأشياء من دونما استشاره

أحملها في جيبي فهي لي الوزاره

أضعتها في درسي فضاعت الشطاره

فان قبلت عذري كانت لك الصداره!!

فأثر قوله في مسمعي حتى كدت أن لا أتمالك أدمعي

فسرنا سوية الى السوق نبحث عن نظارة جديدة كعاشق ومعشوق، ننظر في صنع الخالق ونشتري مما صنع المخلوق !

***

مقامة: الدكتور عبد الهادى الشاوي

في غَمْرَةِ اللّيلِ الطّويلْ

كانتْ تُسائلُ نَفْسَها

هَلْ يَسْتَحِيلُ المُسْتَحيلْ

حُلْماُ جَمِيلْ؟

هَلْ تَسْتَحِيلُ الأمنياتْ

عطراً تفوحُ بهِ الحياةْ

ظلّتْ تُسائلُ وَحْدَها

مِنْ دونِ أجوبةٍ

تُطَمْئِنُ نَفْسَها

*

المُسْتَحِيلاتُ، التي كنّا نقولُ بأنّها

قَدْ تنتهي الأعمارُ  يوماً دونَها

ظلّتْ تسدّ البابَ في وجهِ الأملْ

فَمَنْ الذي

سُيُعِيدُ فتحَ البابِ.. مَنْ؟

ومَنْ الذي

سيضيءُ بالفَرَحِ الزّمَنْ

مَنْ يا سرابَ العُمْرِ .. مَنْ؟

*

لا مُسْتحيلْ

صِرنا نردّدُ كلّنا

في غَمْرَةِ اللّيلِ الطويلْ

الدّربُ أخضرَ  ما يَزالْ

ويظلّ أخضرَ

كُلَّما اِزْدِدْنا مسيراً،

كُلَّما اِزْدادَ اِخْضِرارْ

وتماوجتْ في جانبيهِ

رؤى الجَمالْ

وضاءةَ الآمالِ، مُلْهَمَةَ الخيال

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

الأرض شاخت ونحتاج التي بدلا

لم تحوِ من كان مقتولاً ومن قَتَلا

*

نحتاج أرضاً بها الإنسان من عَلَقٍ

أنقى من الودق في صحوٍ إذا هطلا

*

نحتاج إيمانَ عذراءٍ بداخلها

عيسى المسيحُ كما قد شاءه انجعلا

*

نحتاج ربّاً إلهيّاً نقدِّسُهُ

لا ربَّ (عِزّا) ومن قد جاعه أكلا

*

نحتاج قرآنَ أهلَ الكهف في جبلٍ

هيهاتَ يسقط مهما زلزلوا الجبلا

*

نحتاج تاريخ من صاغوا حضارتهم

من أحرف النور لا بالطِّين فانخذلا

*

نحتاج دنيا بها ربّان ما اتفقا

إلّا على الحقِّ فوق الأرض قد نزلا

*

ربُّ الضَّمير وربُّ الكونِ بعضهما

للبعض خيرٌ .. هما بالخير قد جُبِلا

*

كيما نعيش على أرضٍ مباركةٍ

من شاء يأتي معي يأتي لننتقلا !

***

رعد الدخيلي

 

ذلك اليوم يخلد في الذاكرة حيث كان من أكثر أيام مدينة الناصرية تهيباً وخوفاً وإيلاماً، فمع شروق الشمس وزخّات المطر المتقطعة، بدأت أوسع حملة لجمع الرجال في أضخم قاطع من قواطع الجيش الشعبي، وجنـّد للمهمّة أغلب، لا بل جميع، الرفاق من منتسبي الحزب. لقد وعد مسؤول المدينة الحزبي قيادة الحزب بذلك. فقد جاء في برقيته الموجهة إلى القيادة في بغداد، والتي أعاد مذيع التلفزيون قراءتها في جميع نشرات الأخبار وليومين متتاليين، أن تكون قواطع مدينة الناصرية للجيش الشعبي التي سوف تتصدى لغزو الأعداء إن حدث، أكبر من كافة قواطع باقي محافظات العراق.

عاشت المدينة منذ الصباح الباكر ساعات الترقب والحذر، وخيّم على أجوائها خوف ظاهر، ومع أصوات الضربات الساقطة بشدة فوق الأبواب في أغلب أزقة المدينة وظهور رجال الجيش الشعبي عند مفترقات الشوارع، أعلنت مساجد وحسينيات المدينة وفاة الحاج محيسن أبو رجب. احتشد بعض رجال عند باب الدار وكان عويل النساء يسمع من الداخل. وقف رجب وولداه يشرفون على التحضيرات والتهيئة لرفع الجنازة ووضعها فوق السيارة المركونة جوار السياج الخارجي. لم يشارك في التشييع سوى أنفار قليلة من المقربين، اغلبهم من الشيوخ أصحاب محيسن  أبو رجب. فلم يتسنّ لرجال الحزب حضور الجنازة، وهذا لوحده كان كافياً لجعل رجب في أشد حالات الإحباط والضيق.

 انطلقت أربع سيارات لا غير، تخترق شوارع المدينة التي بدت شبه خالية من الحركة. ولكن الأكف كانت ترتفع برتابة تحيي موكب جنازة أبو رجب. وتخطـت السيارات مخرج المدينة تاركة وراءها مدينة تعيش القلق والخوف، وتنتشر بين طرقاتها مجاميع رجال، متوعدة الناس بأقسى العقوبات إن لم يستجيبوا لنداء الحزب.

قدمت لرجب اعتذارات حارة وحميمة أثناء مراسم الفاتحة التي أقيمت في بهو البلدية الكبير. وقد تقبل رجب تلك الاعتذارات بروح راضية واعتذار متبادل؛ فهو وكما سمعه بعضهم " يقدر الظروف ويدركها جيدا، ويعرف أن مهام الحزب والوطن يجب أن تأتي دائما في المقدمة. ومثلما يقول المثل، فالحي أبقى وأوجب من الميت، وصاحب الإرادة والعزم، يجب أن يكون مثلي ويقرّ بأهمية وصواب القرارات التي تتخذها سلطة الحزب والثورة لمصلحة هذا الشعب العظيم "

***

كانت المدينة، حالها حال المدن الأخرى، تترقب بخوف وتوجس ما يطرأ من أحداث، وما يتوارد من أخبار مفزعة عن معارك شرسة وقتلى بالعشرات. كان قصي الابن الأكبر للحاج رجب يلتقط الأخبار من محطات التلفزيون وينقلها لأبيه، مثلما الإشاعات التي تتداولها الألسن في المدينة. جميع الأخبار تؤكد بأن الهجوم بدأ من الجنوب، فالقوات البريطانية تحاصر الفاو، والقوات الأمريكية تتقدم من غرب النهر باتجاه مدينة الناصرية، وشوهدت طلائعها تقترب من منطقة تل اللحم، والبعض تحدث عن إنزال وأرتال  كثيفة من الجيوش شوهدت قرب جسر الهولندي.

كان رجب قد استقر على أمر وهيأ نفسه لجميع الاحتمالات، ولكنه لم يكن يعي ما هو قادم مع هجوم القوات الأمريكية. فالواقعة ليست مثل سابقتها عام ما بعد هزيمة الهروب من الكويت. كل الوقائع تشير لحدث جديد مختلف. ببطء شديد حرّك رجب ذراعيه وهزّهما هزاً خفيفاً كأنما راودته فكرة محبطة يريد السيطرة عليها والتحقق منها. ما كان له أن يترك مكتبه دون إحكام أقفاله. ربما تطول أيام المعركة ويجوع الناس ويخرج اللصوص من مخابئهم مثل الجرذان يقضمون كل شيء. كل شيء جائز. كيف فاته مثل هذا الأمر. حتى أوراق المقاولات وغيرها تركها في المكتب. يا للخيبة، جميع استعداداته سوف تذهب أدراج الرياح ويخسر الكثير. الشيء ذاته تعرض له في أحداث الانتفاضة عام واحد وتسعين.

 سرح بفكره عند تلك الأيام الصعبة المفزعة،التي عاشها وعاشتها مدينة الناصرية، فشعر بغصة تملأ صدره. فإن كان في دخيلة نفسه يحتقر كل تلك الوقائع والعلاقات والخوف الذي أجبره ليكون الأقرب لرجالات الحزب والسلطة، فإنه اليوم بات يتوجّس من تكرار تلك الأحداث القاسية التي مرّت عليه وعصفت بمدينته أيام انتفاضة ربيع عام 1991. فهو لا يعلم إن كان بقي لديه من القدرة ما يمكنه احتمال إهانات جديدة، مثلما تلقاها حينذاك من بعض الغرباء الذين سيطروا على المدينة بعد هزيمة الجيش إثر نهاية غزو الكويت.

 شعر بحزن عميق يخيم على روحه، فلزم فراشه حتى ساعات المساء. كان تفكيره مشوشاً مثل روحه التي بدأ الفزع والجزع يسيطران عليها. هل لهذه الأمور أن تنتهي ذات يوم. هكذا  فكر وهو يمدّ جسده الناحل فوق السرير ويطالع المساء الهابط بغبرته المكفهرة خارج النافذة. وراحت تتناهى لمسامعه  رشقات الرصاص تأتي أصواتها من بعيد تصاحبها بين الحين والآخر أصوات مدافع تهدر معلنة اقترابها من المدينة.

لم يكن يحسب حسابات خاصة يتوقف بها ملياً عند الخيبات والآلام التي مرت عليه، بل كان يجعل كفـّتها تهوي دائماً حين يقارنها بوفرة ما اكتسبه من نجاحات على مستوى حياته العملية والعائلية، وما ذاقه من أفراح ومسرّات وانتصارات، ولكنه الآن يشعر بأن شيئاً جديداً يطرأ على حياته وحياة مدينته التي أحبها بكل جوارحه وقناعاته. شيء آخر يدفع الماضي إلى الخلف،يسحبه نحو الانهيار. ما الخلاصة التي سوف تستقر عليها الأشياء، ما لون الحياة القادمة وما كنهها؟ لم يكن صراع الخير مع الشر ليستكين أبداً في هذه المدينة البائسة، وروحه أيضاً ما كانت تدرك جيداً أن هذا الصراع  لن يهدأ يوماً ما، هذا ما كان يعذبه ويقلقه ككابوس يقضّ المضاجع. هؤلاء الناس البسطاء التعساء الشقاة عانوا كثيراً وغطسوا حد الأكتاف في الفقر والخيبات، وابتلعهم الخوف في جوفه مثل سعلاة لاهية عابثة تتلذذ بسماع صراخ وعويل ضحاياها. ولكن، ويا للعجب، فإن تلك القلوب لم تتخلّ يوماً عن فطرتها الطيبة البريئة المفعمة بالحياة. لقد محضوه بلا شروط محبّة دون ثمن، وقابلهم هو بحبّ مماثل، بالرغم من كون ذلك الحب، وفي بعض الأحيان، لم يكن ليخلو من حسابات الربح والخسارة. اليوم يشعر وبإلحاح مفرط أن حساباته تلك كان لها الكثير من القيمة. وهو يعرف حق المعرفة أن حظوته عند أهل مدينته كانت قد حصدت الكثير من النجاحات، وهذا ما أدركه أيام انتفاضة عام واحد وتسعين. فمساعداته وإحسانه ما كانت تبحث عن غير رضا وطيبة الناس وقناعتهم بانتمائه لهم، ولم يجعل من موضوعة حساباته في كسب محبّة الناس أثم يلوث حياته.

اليوم، وفي قرار روحه، يشعر بوجود مهاوٍ دون ملامح واضحة، ولكنها من الجائز أن تسبب له ولعائلته الكثير من الخسائر والعذاب. حياته بكل تفاصيلها ووقائعها تحتكم اليوم عند حدود تلك الأصوات الثقيلة المدوّية للقنابل المتساقطة، وأزيز الرصاص الذي تثقب حدّته سماء المدينة دون رحمة. لو أن أحداً سأله اليوم عما أدركه في هذه الحياة لأحس بمرارة في الحلق وشحّ كلمات، وحار بعجزه عن الإجابة. مع المجهول القادم..ربما هو اللاشيء أو كل شيء. هذا ما تفتق عنه كامل ذهنه عند تلك اللحظة الرجراجة التي تعدم فيها القدرة على التوقـّع واكتشاف ما يخبؤه المستقبل. فهو لا يملك الإدراك والتقدير للواقعة، فكيف تراه يخمّن أو يتعرف على ما تفصح عنه نهاية تلك المعارك.

***

فرات المحسن

 

اسْـتـنهِضْ الحرفَ ، فالمظلومُ ينتظرُ

والخبـزُ مُـرٌ ، وعزْفُ الناي يحتضرُ

*

واستنطقْ الجُرحَ، واكتبْ ما يفوه به

فالجرحُ يـبقى وميضا ليس يــسـتـتـرُ

*

واضرمْ مــِدادَكَ كي تعـلو بصــوْلـته

سُـمْرُ القنا ، وســيوف ُ الغدر تندحـرُ

*

واطـفئ بـداجـيـةٍ آهـــاتِ مُـوجَـــعَـةٍ

فالصوتُ في الحق يُسْتسقى به المَطَرُ

*

روّضْ يراعَكَ واجعلْ منه سَـهْمَ لظىً

فـي رَوْعِ مُغْـتـصِبٍ ، بالجُـرْم يفـتخرُ

*

مـع الرصاص قوافي الشعـر غاضـبة

عــند الـنـزال ، وفـي احـداقِها الشَّـررُ

*

تــرنـيـمةُ النـصرِ للأشــبال تَـدعَـمُـها

كَـــفُّ الحِـجارةِ ، لا ســـيفٌ ولا وَتَـرُ

*

إن الأصــالــة لا تــرضـى مُـسـاوَمـةً

ولا الكــرامـة ، أنْ يــنـتـابـَهــا الكَــدَرُ

*

مــاخـانَ حُــرٌّ ، فـطُهْـرُ الأصلِ يمنعه

قــد جــسّـدتْ ذلك الأشــعـارُ والســورُ

*

اســتـيقـظي يا قـوافي ، واسْـكبي دِيـَماً

فــتُــربـةُ الـمَجْــدِ ، للأمـْـجـاد تـنـتـظـرُ

*

اسـتـنـهـضْ الحرفَ وانْسجْ منه قـافيـةً

عَــرّي بها مَـنْ بِـقَعـْـر الفسق مُـنْغَـمِـرُ

*

ما رفـعةُ الـشأنِ ، فــي ثــوْبٍ وقـبعــةٍ

الــشأنُ فــي جَـوْهـر الأفــعال يــُعـتَــبَرُ

*

اقْــلِـقْ بـِـمـَضْجَـعِ مـَـنْ انـسـاه ُباطِـلـُـه

اوجـاعَ غــزّة  ، والثكلى بـهـا غَـدَروا

*

إنْ أبـْطَاتْ هِــمَّـةٌ ، فاشْحَـذ لهـا قَـبَسـاً

مِن قُـبـّة القـدسِ ، يُسْـتَـنْـزَل به الظّـفَـرُ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

كيف تُدمع على رؤوسِنا

سحابةْ...

أقارع ثياباً ممزّقةً

سقفاً يتنازلُ عن سمائه الأولى

ينزلُ متطابقاً تماماً

يفتحُ موسمَه الموسيقي

عازفاً على حطام ربابةْ...

هذه الرصاصةُ أخطأتني

لكنّها تجمّعت بجسدٍ ناحلٍ

هذا برميلُ النفطِ

أرسَلوه إلى حطام الأولاد

هذا البحرُ الأحمر

يجنّده المحروسون من بقايا الموت

هذا سريرُ الأعمى

أرسَلوه إلى مشفى محطّم الأوصال

هذه القلادةُ ضيعتَها رصاصةٌ

*

غزة يا طفلة

يا نهراً تروين به صدور الناس

يا غزة يا سنبلة...

يا سفينة مثقلة بالأمواج

يتغزّل العالم كله بك

ويرويكِ القتلة...

ياغزة البوصلة...

غزة خارج القلقْ..

تعوم مهلهلة

وعلى كتفها رشاشاً

غزة تتستّر

في بوّابة النفقْ..

*

يا أرضَ الجليل

***

علاء حمد - العراق

 

الــحالُ مُــزْرٍ و الــجريمةُ مُنكرَةْ

يــا  أمــةً لــلجهلِ أمستْ مَسْطَرَةْ

*

نــفــيُ الــحقيقةِ لا يــعالجُ أزمــةً

أســبــابُــها  بــعــقولِنا مُــتَــجَذِّرَةْ

*

فَــرْضٌ  عــلينا أنْ نُــداوِيَ عِــلَّةً

بــاتتْ إذا سَــكَتَ الــجميعُ مُدَمِّرَةْ

*

ونــفَضِّلُ الــتّصفيقَ رغمَ جِرَاحِنا

دومـــاً هــزيمَتُنَا تــكونُ مُــبَرَّرَةْ

*

فــوسائلُ الإعــلامِ أضــحتْ نُكْتَةً

أخــبارُها عــكسُ الــحقيقةِ مُدبِرَةْ

*

أبــطالُها الــشجعانُ فرسانُ الهوا

خُــطُــوَاتُهمْ بــذيــولِهمْ مُــتَــعَثِّرَةْ

*

ســبقتْ بــلادَ الــواقَ واقٍ مَركزاً

فــي  الــذّيلِ دوماً تَقتدي بمُؤخِّرةْ

*

فــاستبشرتْ  خيراً وزادَ حماسُهَا

كــي تــستَمِرَ إلــى النهايةِ مُبْحِرَةْ

*

رَفَــعَــتْ لــكلِّ نــطيحةٍ مَــوقوذةٍ

لــتصير فــي الإقدامِ تسبقُ عنترةْ

*

ومُــبَــرْمَــجٍ  كــالــببغاءِ مُـــرَدِّداً

لــعــبارةٍ مــمــجوجةٍ و مــكرَّرَةْ

*

ومُــخَرِّفٍ فــي العقلِ باتَ مُفكراً

لَــمْ يُــسْمِع الــجمهورَ إلاّ الثَرْثرةْ

*

ومُــشَــعْوذٍ  يــتــسابقونَ لــجــلبهِ

مُــتَــطِيِّراً و الــهَرْطَقَاتُ مــقرَّرَةْ

*

ومُــهَلْوسٍ ثَــكِلَتْهُ أمُّــهُ قــد أتــى

بــقصيدةٍ  لــعكاظَ تَــقْطَعُ تَــذْكِرةْ

*

ألــفاظُها مَــمْغُوصَةٌ فــي بــطنِها

عــبثيةٌ فــيها الــحروفُ مــبعثرةْ

*

فــذوو الــجهالةِ أصــبحوا قُدُوَاتِنا

و  وجــوهُمْ مثلَ الكواكبِ مسفرةْ

*

وذوو الــعقولِ تــقطّعتْ أســبابُهمْ

بــاتوا  طــيوراً في الفلاةِ مهجَّرَةْ

*

فــغدتْ بلادُ العربِ قاعاً صفصفاً

صــحراءُ مــن أهلِ التَفَكُّرِ مُقفرَةْ

*

كــلُّ الشعوبِ الى الأمامِ مسيرُها

والعُرْبُ من دون الورى متقهقرةْ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

سار خلف والده شاقا طريقه بخطوات حذرة، متطلعا بوجه بليد و نظرة بانورامية، موزعا ابتسامته بالمجان على كل من كان في الباص عكس والده الذي كان يسير بخطىٍ واثقة وصدر مرتفع كشاب في العشرين من عمره.

لفت نظر بعض من الركابِ، في حين كان البعض الاخر منشغلا بالنظرِ من النافذة باتجاه الشارع. وصوت المذياع، يبث اغاني فيروز الصباحية وسط سكون واِنصات البعض منهم، وكأنهم في دارٍ للأوبرا.لم يتوقف عن الالتفات نحوهم وهو يدقق النظر اليهم حتى بعد أن جلسَ. لفت نظرهم وكأنهم في انتظار شيء ما سيحصل، وكأن نبوءتهم قد تحققت حين ارتفع صوته فجأة مشيرا بيده نحو شجرة كبيرة تطُل برأسها من حديقة احدى البنايات متسائلاً ما أسُمها ؟ أجابه والده انها شجرة وتلك المتدلية منها تسمى اغصان. ثم قال وهو يشير بيده ما أسم ذلك الصغير الذي يحط ويرتفع فوقها ؟ أجاب :انه العصفور، وذلك الاكبر حجما منه يسمى الحمام. ثم انجرف بانفعالهِ وهو يزيد من الاسئلة التي حولت الركاب من جمهورٍ مستمع الى جمهورٍ متفرج، وسط ذهول واستغراب الجميع من حديثهما ! اخذ يحٌرك رأسه يمينا وشِمالا، و ينظر بذهول الى المركبات التي تسير في الشارع حتى مر الباص من أمام بناية عالية مكونة من عدهِ طوابق، أشار اليها قائلا اليس هذا هو ما يسمى بالجبل، فجأة علت ضحكات لشابيّن مراهقين كانا جالسين خلفهما ينصتا لحِديثهما، سرعان ما توقفا عن الضحك حين التفت والده وهو ينظر إليهما بغضب.كانت هناك فتاة تراقب بطرف عينها ما يحدث، ضمت كتبها نحو صدرها و غادرت مكانها متسلله بهدوء لتجلس في الصف الاخير من الباص، نظرات الجميع لم تكف، بل تخللتها تنهدات وحسرات لم يستطع البعضٌ كتمانها، وتحديدا العجائز منهم، كانت هناك سيدة عجوز تَرقب ما يحدث رفعت يدها نحو السماء داعية للشاب ( اللهم شافيه وعافيه ) ثم مسحت وجهها بكفها قائلة اللهم امين، تأثرت سيدة اخرى بكلامها مرددة هي ايضا (اللهم امين)، ثم مررت له قطعة شكولاتة بأيدي أحد الركاب الجالسين بالقرب منه ، كان والده على وشك أن يقطع طريقة مترجلا من الباص، لكنه لم يفعل ذلك وظل جالسا عاجزا عن الكلام وسط نظرات البعض بين متعاطف ومستغرب وكأن حاله هياج اصابت الجميع، وهم ينظرون نحو والده بعيون متسائلة لن يعرف لها اجابه !.فجأة اقترب منه رجل كان يجلس بجوارهم، يقارب عمره الستين عاما يعَتمر قبعة بنية ممسكا بعكاز براس كروي انيق، على ما يبدو قد صنع من خشب الزان معتدا بنفسه وكأنه يحمل صولجانا. واضحا من هيئته انه رجل مثقف، اقترب من والدة هامسا، لديك أبن وسيم لم لا تأخذه الى أحد الاطباء قد يكتب الله له الشفاء. عليك يا أخي ان تتقي الله فيه !! التفت الاب ناظرا اليه وهو يشفق على رأيه أو تظنه مريضا ! ما يسكن عقله أكبر مما ينطقه لسانه، لو اقتربت منه ستجده يتفجر ذكاء.هي مرحلة خوف من حرب باغتته ولفته برعب وقد رأى خوفي عليه ذلك هو نوره الازلي وفرحه نفسه المتوجسة بعد أن أبصر النور.

***

نضال البدري – قاصة عراقية

 

العاصفة

أنا الحطَّابُ

الذّي حملَ الغابة

في كفٍ

وحملَ ظلَّها في كفٍ آخر..

زوابع من النَّملِ تتبعُني بالحجارة..

وطأتي في غبرة التَّلِ رمتْ القرية بنعاسٍ مديدٍ..

أزحفُ بخطوٍ شَرِس لما النَّهر يبْتعدُ

صدري ينتفخُ كالبُوراقِ ليهدَّ شوارعَ النَّكْبةِ بعيداً عنْ قلعَةِ البياضِ

وجُثت الموتى مجرَّد أدراجٍ كُنتُ أصلُ بها لحدِّ الشوفِ..

قدْ يظنُّنِي البعضُ طائِر خرافيّ يجوبُ سماءَ الله، وأُمْطِرُ أقْراصَ الخُصوبةِ في أرضهِ، وما أنا في الحقيقةِ الاَّ طيف هلاميٌّ يتَخَوَّى بينَ أصابيع عروسَة أنهكها التَّسْبِيح

ومنْ يثق في بيرمانيتي يظنُّنِي ُدخانٌ يسخرُ مِنْ َشتاتِ الليلِ

عَرَّابي كانَ بُركاناً فكيفَ لا أصيرُ جمراً..

لهيباً..

رماداً..

لستُ بحاجة لأجنحة لأطير نحو تلقائية الفرحِ..

بالرغم من انزعاج العصافير حولي وبرغم الساقية الجارية

من تحتي

وبرغم قعدتي ليل نهار

أسكبُ خمرة العار..

تحت هذا الجرف وذاك القبو على شكل مزار..

لا حاجة لي بخاتم سليمان لتكتمل زينتي

ولا عصا موسى لأكَلِّمَ

ربِّي

ولا أزنُ مثقال ذرةٍ لتحرمني منْ مكان القدسيات..

لديَّ عِصْمة الأطفالِ

خبئتها منذُ ميلادِ أولِ كائنٍ هووِيّ لدَيَّ لهَّاية أجرُّ بها المَلَلَ للغرقِ في سلّةِ الضّياعِ..

لي وشْمةٌ بيْنَ أضلُعِي تنذرُ ببقَائِي واقفاً حتَّى بعدَ الموتِ أبدَ الدَّهرِ..

لديَّ هوسٌ أنِّي لا أقهَرَ ولو اجتَمَعَ الجِنُّ والأنسُ يحفرونَ بؤبؤ العينِ بمخالبَ الوهمِ..

لديَّ يقيني أنِّي ابنٌ لنبيٍّ ماتَ بحجَّةِ وبرهانٍ..

رسالتهُ أنْ يسلُكَ هُدَى صمْتِهِ فقط..أنْ يبتَسِمَ للعُجُبِ بصوابٍ

لنشرِ قيَّمِ التَّآلُف بينَ الخيرِ والشَّرِ..مبشرٌ بحرقِ الوجُوهِ المدقُوقةِ في جدَارِ  الذِّكرياتِ..

لديَّ عربة مجرُورَة بخَيطٍ من حَريرٍ

أقلُ فيها زلاَّت الطفُولةِ وما بَعدَها.. أقلُ تَفَاهَة الأغْنِيَّاتِ وسَوَادِ الأمنِيَّاتِ وعلى متْنِهَا أحتفِظُ ببنْدُقيتِي

طِيلةَ عبورِ الوادِي نجَوْنَا منْ عاصِفَة الصَّمتِ القاتلِ..

الأحْجارُ رعبٌ بيننا..

تتناطَحُ..

تغلقُ

الأثقابَ

العصافيرُ تتناسلُ في خفاءٍ..

لتلدَ إخوةً لدُمى النَّهار..

الجبلُ مِنْ هُنا

والجَبلُ مِنْ هناكَ..

يَعْجِنانِ فرقَعاتٍ من وَحلٍ أحمر

مُتورِّطانِ في شقلبةٍ مُفاجِئة..

لميلاد الدَّمارِ..

وحدي أعِي مصيرَ الغابةِ

أعِي نهايةَ ظلِّها..

رَمادٌ في مدفأة

وَضَوءٌ باهتٌ في لمحةِ البصرِ..

أنا الحَطَّابُ

وهَذَا معوَلِي ِفي عُنُقِ العاصِفَةِ

لنْ أنفخَ في نارِ الغابةِ

لكنْ سأبني برَمَادِها قبْراً لجَسدِي

***

عبد اللطيف رعري

مونتبولي/فرنسا

ما الذي حدث لنا.. لك ولي.. لماذا ابتعدت كلّ هذا الابتعاد؟.. تعتقدين أنني مجنون وأن البُعد عنّي غنيمة.. ألا يمكن أن تكوني أنت المجنونة.. بدليل أنك تنازلت عنّي بكلّ تلك البساطة؟.. أعرف أنك تبتعدين لتقتربي، أعرف هذا جيدًا. هذا ليس الابتعاد الاول. بإمكاني أن أذكّرك بأكثر من ابتعاد. أول ابتعاد لك، إذا لم تخنى ذاكرتي المُخلصة الوفية، كانت يوم تمرّدت علي وقلت لي: إذا أردت أن تتحداني ستكون أنت الخاسر ولست أنا بأية حال.. يومها لم أعرف بماذا أجيبك.. كنت أدرك تمام الادراك.. أن مناورتك هذه قد تقضي على علاقتنا ولو مؤقتًا.. وما كان بإمكاني أن أستغني عنك وعن كلماتك الشاعرية الجريئة تطير عبر المسافات طاوية المسافات الواسعة الشاسعة بجبالها.. سهولها ووديانها.. لتستقرَّ هنا في أذني.. قلبي وروحي. يومها ارتبكت.. حققت لك ما أردت.. صمت.. وطال صمتي.. فما كان منك إلا أن أخذت صمتي ذاك ذريعة لأن تقولي إنك قرّرت ألا تتصلي خلال شهر.. وحدّدت اتصالك المُظفّر ذاك باليوم الساعة بل الدقيقة والثانية.. في فترة انقطاعك تلك كنتُ كلّما رنّ تلفوني أهرع إليه معتقدًا أنك أنت المتصلة الكريمة.. إلا أن اعتقادي هذا كان يخيب ليكون المتصل أحد الثقلاء.. أعترف أنك صدقت يومها.. ففي الساعة .. الدقيقة والثانية المحدّدة.. رنّ تلفوني لتكوني أنت المتصلة المنتظرة. ولأنعم بسماع صوتك المخملي الرنان:

-ها أنذي عدت إليك.. إياك وإغضابي. قلت.. بعدها عبثًا حاولت إقناعك بأنني لم أغضبك.. بل إنني بالغت بوعودي السخيّة لك.. فتبرعت بألا أغضبك مهما كلفني الامر. في الابتعاد الثاني، وأنا لا أنسى تلك الابتعادات، فقد خبرت سياطها على جلدي العاشق الطري.. حدث أمر آخر لم يكن في حسابي ولم أكن أتوقعه. فقد تناقشنا في أمور شتى كالعادة، فما كان منك إلا أن تطلبي مني أن أعيد ما قلته لك. وهو اننا يفترض أن نلتقي أن نتقارب أكثر. فسألتني بأية صفة.. تطلب هذا الطلب؟ قلت لك بصفة مّن انتظر المطر يهمي ليسقي ربوعه و.. وُروده العطشى. قلتِ أفصح.. فأفصحت وليتني ما فعلت.. قلت بصفتي سكنك وبصفتك سكني.. نهاري وليلي.. يومها قلت إنك لن تلتقي بي إلا بصفة مُحدّدة.. ولما كنت أفتقر لمثل هذه الصفة، صمتُ وطال صمتي، فما كان منك إلا أن أجريت لي محكمة ميدانية وقرّرت الابتعاد مدة نصف شهر. مُكررةً تفاصيل تلك القطيعة.. أمامك نصف شهر ابتداءً من اليوم بإمكانك أن تسرح به وتمرح.. أطلقت عقال هذه الكلمات.. بعدها حددت موعد الاتصال.. حينها انتهت المكالمة بيننا وأنا أندب حظي.. وأصبّر نفسي على بُعدك الغليظ. في الموعد المحدّد رنّ تلفوني وبالفعل جاءني صوتك ليصل فيما بيننا ما انقطع مِن حُلم بهيّ استرخى في ديارنا. 

فعلتِ هذا كله وأنا لا أتخذ ضدك أي إجراء فقد غلبني حبّي لك وغلّبني..

لقد بقيت على هذا الوضع من الشدّ إذا شددت أرخيت وإذا ارخيت شددت (قاتل الله معاوية ابن ابي سفيان فقد علّم الناس كيف يتصرفون في لحظات التواصل الجدية)، بقيت كذلك الى أن أيقظتني كلماتك الاخيرة تلك.. وابتدأت أستوعب أن الوقت حان لأن أرد عليك وأن آخذ زمام المبادرة، فإما حياة تسرّ الصديق وإما ممات يغيظ العدا)، لا تصدّقي كلامي هذا، أنت تعلمين أنني لا أستغني عنك.. حتى كانت حياتي الثمن.. أعرف أن هذا ليس مهمًا حاليًا.. المهم أنني قررت أن أدخل اللعب، لعبة المحبة، بأسلوبي الادبي الخاص. قلت لك في إحدى مكالماتنا، إنني لا أستطيع أن أبقى هكذا بعيدًا عنك وإن بُعدك عني يكاد يقضي على روحي. يومها قلت لي بالحرف الواحد الواضح، والحل؟.. قلت لك الحل هو ألا تبتعدي وأن تقتربي أكثر، فانأ إنسان وبحاجة إلى مَن تأخذ بيدي فتشنف اذني بأبهى الكلمات وأرق الروايات. يومها شعرت أنك اقتنعت بما قلته، وهو ما أفصحت عنه في فترة تالية حين قلت لي إن كلماتي كانت أشبه ما تكون بعصافير بلادنا ذات الارياش الملونة. بعد اقتناعك ذاك انفتح الباب السري في علاقتنا أنت وأنا، وابتدأتُ انعم بسماع صوتك بصورة يومية تقريبًا. كانت تلك فترة ذهبية في علاقتنا المشتركة، فما كنت أطلب منك أي طلب مهما كلّف.. وأيًا كان.. حتى كنت تستجيبين لي زاحفة وماشية وراكضة.. كانت أسلاك التلفون حينها تجمعنا. تلك كانت الفترة الذهبية في علاقتنا التاريخية. وكان كلّ منا يعيش كلّ لحظة وكلّ دقيقة وثانية كأنما هو ينتزعها مِن قلب الخلود وصميمه الدافئ. ما أروع تلك اللحظات.. ما زالت حلاوتها تبعث الحياة في لسياني وأكاد أقول في وجودي. لكن مثلما يحدث وآه مما يحدث هذا، لم يدم نعيمُنا، وعدت بقسوة رأسك المعروفة المعهود إلى شخصيتك القديمة، شخصية معلّلتي بالوصل، وفاجأتني بما لم أحسب له حسابًا. قلت لي الآن انتهى، افعل ما يحلو لك. لن أنساق وراء كلماتك الدافئة بعد اليوم. 

قلت لك يومها:

- والحلّ؟

- الحل عندك. أجبت.

ما إن سمعت كلماتك هذه.. حتى شعرت بنفسي تهتز وبوجود يرتعش، وتابعت قسوة رأسك قلت بصريح العبارة: أريد أن أتحدث إليك بصفة محدّدة. قلت لك أنت كلّ الصفات. إلا أنك رفضت الاستماع إلى حُجتي هذه. وأصررت على موقفك. قلت إن ذاك هو قرارك الاخير. وأكدت أنك ستبتعدين مدة ثلاثة أيام، بعدها ستعودين لتصغي إلى قراري الاخير. إما أن تكون لك صفة وإما لا تكونين.

بعدها أغلقت هاتفك.. وتركتني لأحلامي أكاد أقول لأوهامي.. ليمرَّ اليوم الاول والثاني.. في موعدك المحدد رنّ تلفوني... رن.. رن.. رن.. كنت أعرف أنك أنت المتصلة.. إلا أنني لم أرد، وبقيت مصرًا على عدم الرد، إلى أن صمت تلفوني ودخل في حالة موت سريري.. لم يكن لديّ ما أقوله لك.. كلّ ما كان بإمكاني أن أفعله هو أنك تريدين مني شيئًا واحدًا هو الصفة.. أما أنا فقد كنت أريد أن أمنحك كلّ الصفات.. يا نجمة الفجر الاولى.

***

قصة: ناجي ظاهر

هو ذا لم يبتعد

هو يستوطن حبَّات الضِّياء

ويغنِّي بابا حيَّاك

هو ذا يلهو مع النَّحل ويصطاد الرَّحيق

وينام بين أهذاب الصَّبايا العاشقات

ينسج معهنَّ أحلام الأماني

يمسح أحزان الثكالى والرُّعاة

ويغنِّي بابا حياك

يعبُر وجهه الباسم أنهار المراثي الحالكه

يجلِب ريشات الفينيق بخورا

للأحبة والوطن

هوذا يهتف بِاسم الأرض

ينجلي ماؤها عرسا بديع

بِاسم الزَّرع تحت التُّرب

يزهر في السَّهل الوسيع

بِاسم  كرَّاس ولوحة ذاك الطِّفل

يقطع الواديَ فجْرا

ومساهْ

باسْم أوَّل بسمة يرسمها ثغر الرَّضيع

فينساب الرَّبيع

ويغنِّي للنَّخيل الباسقات

حَّياك بابا حياَّك

هوذا شكري الآن.. هنا.. وهناك

ويبقى

ها تزغْرد هاماتُ الشُّموخ

للقاهْ

لا سوى عِميِ البصائر لا تراهْ

لا سوى سود السَّرائر

والْبُوم وأرهاطِ الْمَواتْ

تُنكر نورَ هداهْ

هوذا الآن ويبقى

ليدَوِّيّ صوته

حيَّاك بابا حيَّاك

فيَختبلُون

من رجعِ صداهْ !

***

الشاعرة زهرة الحوّاشي

من مجموعة وميض الماء.

04 فيفري 2022 .

 

عِطْري ٱلشَّرْقِيُّ، هل راقَ لَكْ؟

حبيبي،

فَإِنّي تَعَطَّرْتُ لَكْ ..

كُلُّ قَطْرَةٍ مِنْ طيبي

تَتَهافَتُ..

لِتَسْتَقْبِلَكْ..

ولم العجَبُ ؟؟

فَقَدْ أَسَرْتَ ٱلْفُؤادَ صَبابَةً

وَأَوْقَعَتهُ في ٱلشَّرَكْ

لاتقل كفاك تَكَلُّفاً

فا سْتِضافَتُكَ

أَضْحَتْ، كَبَعْضِ ٱلنُّسُكْ

لماذا التَّنَهُّدُ؟

أَأَحْرَجَ كلامي تُرى مَسْمَعَكْ؟

أَجِبْني،تَكَلَّمْ

بَلْ لاتَقُلْ وَتَمَهَّلْ

وَدَعْني اللَّيْلَةَ أَحْتَفِلْ

فَأَنا كَمَنْ فازَ في الْمُعْتَرَكْ

وَحَلّقْ بِعِطْري نَحْوَ الْفضا

وَٱنْشُرْ إِحْساسَنا في الْفَلَكْ

وَحَيْثُما تلاشى الرَّذاذُ

فعُدْ هُنا

كَيْ أَسْتَقْبِلَكَ وأُعَطِّركْ ..

***

إلهام العويفي

 

أتعبتني هذا الطريق الموحش، والصخب الذي يخترق أذنيّ المترقبتين، ويحملني على استحضار حياتي من تجاويف الذاكرة المثقوبة، وأبسطها أمامي عارية، فأخذت تتناثر مع حبات الحصى المضطربة، وتتحرك مع الرياح القوية، وتضطرب كلما صادفت حفرة في الطريق. وحيدا أعبر هذه المسافة المتخمة بالصمت القاتل، وأتجول بعيني الغبرتين على جنبات الطريق؛ أنظر إلى صورتي في الحيوانات الشريدة، فتسرح بي الذاكرة بعيدا، وتحضرني ذكرى ظلت نقشا في الوجدان، وتلح علي بين الفينة والأخرى، بيد أنها سرعان ما تصطدم بلحظات سهو طويلة، تعتريني كلما وجدتني وحيدا في هذا الطريق، وتأخذني إلى حيث تعيش أمي، فأحسني طفلا صغيرا يحبو، ويبحث عن يدين حانيتين رطبتين، تسرحان شعيرات رأسه المتناثرة، وتنتشلانها من الأرض بحنو وحدب كبيرين، فيغمرني دفء أمي، ويأخذ جسدي النحيل في الارتجاف، في الحركة العمياء، في الهدوء، في الارتخاء.. ثم النوم الطويل.

طاب لي المقام في مملكة الحلم فأقمت، لكنني سرعان ما أفقت، وغادرت هذه المملكة التي لم يطل تربعي على عرشها إلا لحظات قليلة، لأجدني منصهرا وسط الناس، أبتسم لهم كلما ابتسموا لي، وأرى شفاههم تتحرك وتتموج، بيد أني لا أسمع كلماتهم، لا تصلني أصواتها بقدر ما تأخذني حركات أجسادهم المضطربة. تمتلئ نفسي ضجرا ومللا، فأفر من هذا العالم خائفا، وأرتمي في مملكة الحلم مجددا، هناك تنتظرني أمي، وتترقب عودتي شوقا للأمان والدفء.

أرتمي في أحضانها صارخا:

- تعبت يا أمي، بل أتعبني الورى وأدمعوا عيني..

تحضنني بقوة، فأحس بالارتخاء، وبدمعاتها الساخنة تسقط على خدي، فتهمس في أذني متسائلة:

- ماذا فعلوا لك؟

أرد والكلمات في حلقي أشواكا:

- سرقوا مني كل شيء، حتى الحلم الذي أفر إليه أخذوه مني، فلم أعد أدري إلى أين يا أمي.

تتساقط دموعها على جرحي المندمل فتضمده، ثم تنطق والحرارة تغزو جسدها:

- ابق قويا صامدا، وإياك أن تستسلم لهم؛ إنهم بشر أنانيون يا ولدي، ولا يطمئن لهم بال حتى يروا دموع الآخرين منغمرة، وعلامات الحزن تملأ وجوههم.

كفكفت دمعها بسرعة، وتنسمت الهواء وعيناها مطبقتان، ثم أردفت:

- كن رجلا راسخا كالجبال، ولا تلن أو تضعف أمام هذه العواصف العابرة، وسأظل دائما في انتظارك؛ لأن هذه المملكة لن يدخلها غيرك.

- ما أجمل الحلم يا أمي! وما أجمل أن ألقاك فيه امرأة قوية لا تهب كلمات البشر القاسية!

ابتسمتْ، قبلت جبيني، ثم قالت بعدما سرحت ببصرها في أفق بعيد:

- آن لك أن تعود إلى عالمهم، وتظهر لهم أنك أقوى من كلماتهم، وأكثر قدرة على الانحناء لعواصفهم.. ابق رجلا.

طأطأت رأسي علامة الموافقة، ومسحت دموعي بيدي المرتعشتين، وبقيت شاخصا في عيني أمي، وفجأة سمعتُ أصواتا صاخبة، وبدا لي المصلون يغادرون المسجد وهم مختبئون في جلاليبهم الصوفية.

لم تنقطع صلتي بمملكة الحلم يوما؛ إذ ما إن تختنق نفسي بكلمات الورى، وتمتلئ ضجرا ومللا بأحاديثهم الفارغة حتى أجدني محمولا على أجنحة الحلم، وطفلا صغيرا نائما في أحضان أمه، يتوسد جسدها الحنون، ويتنصت على نبضات قلبها التي تتصاعد كلما احتضنته.

أتذكر كلمات شعراء وروائيين حول أمهاتهم، وبحثهم الدائم عنهن في عالم الحلم؛ إذ كلما أتخنهم الناس جراحا، وملأوا قلوبهم وجعا وألما، فروا إلى هذه المملكة الهادئة، والتمسوا الدفء والأمان في أناسها المختلفين عمن عهدوهم في حياتهم الواقعية.. فما أجمل الحلم إذا رأيت فيه وجه أمي مضاء متوهجا!.

***

محمد الورداشي

 

أَرَق

الفجرُ ليس بدايةً أُخرى

فإنّي لم أَنَمْ

مازلتُ في الامسِ العصيّ على النهايةْ

والنجومُ….

تكاسلت حدّ اشتهاء الانطفاء

فقط…لتبتكر البدايةْ

البداية؟؟

لمنْ  وكيفَ  وأينَ  تنبجسُ البدايةْ

خيوط افكاري بيوتٌ

لملايين ِ العناكبِ

تنسجُ الصَّمتَ حكايةْ

راعَها  خفقُ جَناحِ  الضوءِ

فارتعَشَتْ شِباكُ الصيدِ

كي تغتالَ  يعسوبَ  المنامْ

عَجَبي …………………!!!

كيفَ  يصطادونَ  إغفاءاتِهِم

كُلُّ الأنامْ

**

هرْطَقة

قال لي ماردٌ

اخطأ في عنوانِ سيِّدِهِ  الذي أطلقهْ

"تمنى ….

فإني لي الطاعةُ المطلقهْ"

أعادَ

تمنى ….

فما كان مني ….

سوى الشَّفَةِ المغلَقهْ

قال "حسبُكَ

تزدحمُ في فمِكَ الأمنياتُ  ؟

فلتُرخِها واحدةً إثرَ أخرى

ستحدثُ تترى "

قلتُ …أمنيتي..

أن ادخِّنَ ماشئتُ دون اذى

دون داءْ

قال..لو شئتَ ان تتمنى….

ان يجافيكَ هذا الوباءْ

قلتُ فماذا - بعد هذا الوباءِ -

على المُسَهَّدِ  ان يفعَلَه

قالَ  …فعلاً

تلكَ هي المشكلهْ !!

**

فكرة

ايُّ  كذبةٍ قالها المُسْعِفُ؟!

"سينجو …..

فلم تتغلغلِ الفكرةُ في رأسهِ

ولمْ ينزِفْ كثيراً من الامنيات "

لكنَّهُ بعد حرفينِ

قد حُشِرا في ممرّ الحياة

كان قد فارق النومَ ……

….

….

ومات .

***

احمد فاضل فرهود

 

أضفني إلى قائمة المعجبين

ولا تترك على الرف

بقايا قلم

وإياك أن يشغلكَ العابرون

قليلٌ وعاة، كثيرٌ رمم

وبعضٌ تراه كبيرَ الدثار

مهيبا مريبا خصيبا

صنم

أضفني إلى قائمةِ المعجبين

فما زلتُ أخشى البقاءَ مع الآخرين

يؤرق فيَّ فتاتَ الندم

أضفني فتلكَ السنون العجاف

تواخت عليَّ

ولم تشكو من عثرةٍ أو ندم

فهل كنتُ في كلِها حالَما

أداري وأصمت وأغضي

كأن الذي عشته َ

ما كان يوَما ألَم

جمعتُ القصاصات من مكتبي

وحدثتُها بعد ضمٍ وشم

فلم أجد غير" لا" تضج

وقليلا وجدتُ ال" نعم"

فقلتُ لها بصوت جليّ

ألا فاسمعي فإن الزمانَ الذي ترتجيه

تراخت به ال"لا"

تراخت

تراخت

فصارت نعم

أضفني إلى جوقة المعجبين!!!!!

***

د. عبد الهادي الشاوي

تَنَائِينَا..

يُحطِّمُ عُشَّنا المعهود

بالريحان ِ

والألحان ِ

والإيمان ِ ...

فيما كان يُسلينا !

*

وما اخْتصَّت ْ

بهِ أيامنا الخضراء

مِن شغف ٍ

يُرفرف بالهوى الجوال

في أسمى ليالينا !

*

وما جادتْ

بهِ من عَذْب ِ ريْقَتِها

لتروينا

رحيقاً سائغاً

مختوم بالنجوى

وممهوراً

بتوقيع ٍ ثنائي الفم

والأحضان تدفينا !

***

محمد ثابت السميعي - اليمن

 

في نصوص اليوم